كتابا كتابا في المواطن التي يظن بها النقل عن الكتاب، فهيهات له أن يستوي عمله على عوده أو يضبط نصه أو يقطع بصحة النسبة للمصنف، والاستثناء يثبت الأصل ويوجب العمل والجهد، وقد ساعد هذا الصبر على ضبط نص الكتاب في أكثر من موطن، فقد كنت أقف فيه على ضبط لتصحيف أو كلمة محرفة اعترت النص، من هذا مثلا ما جاء في المخطوط: «وقال أبو يوسف في رجل باع من رجل ثوبا ونقرة فضة بخمسين درهما على أن في النقرة ثلاثين درهما فإذا فيها خمسون درهما قال: يأخذ الثوب، ويقطع له من النقرة وزن ثلاثين درهما. ولو كان مكان النقرة قلب فضة، فإن علم بوزنه قبل أن يفترقا، فالمشتري بالخيار إن شاء أعطاه عشرين درهما أخرى، وصار له القلب كله مع الثوب، وإن [كان] قد افترقا كان شريكه في القلب، فللمشتري ثلاثة أخماسه، وللبائع خمساه».
وقد وقفت على نفس النقل في المحيط البرهاني وفي آخره: «وإن [كانا] قد افترقا كان شريكه في القلب … إلخ» وما جاء في المحيط البرهاني هو الصواب وكلمة كانا اعتراها تحريف واضح فالكلام عن البائع والمشتري، وهما مثنى، وغير هذا الكثير مما سيقف عليه القاريء في العمل.
وإذا كان المخطوط كثير التحريف والتصحيف كالمخطوط الذي بين أيدينا اليوم، فمتى وقف المحقق على نقل من المخطوط فيه زيادة ضبط للعبارة أو الكلمة عن المخطوط فيثبته المحقق؛ لأن علماء المذهب هم أضبط الناس لعبارات أئمتهم وأحرص الناس على دقتها، وهذا ما قررته في أكثر من موطن، فكنت أثبت النص وفق المنقول متى ظهر صوابه في كتب
стр. 72
المذهب، وأشير في الهامش للكلمة التي اعتراها التحريف في المخطوط، وأعلل وجه إثباتها من الكتاب الناقل عن الإمام.
من مهمات محقق المخطوط الفريد أن يقوم الباحث بتتبع النقولات عن الإمام صاحب الكتاب الذي ليس له سوى نسخة خطية واحدة في كتب أهل العلم فلعله يجد نقولات أخرى غير مثبتة في النسخة الخطية التي بين يديه فيثبها، فيكون بهذا قد تم له حظه من خدمة الكتاب والوقوف على نصه كاملا، ولا يكتفي بالنسخة التي بين يديه فقط في إثبات النص، ولما أعملت هذا الضابط المهم، وفقني الله للوقوف على عدد من النقولات عن الإمام معلى بن منصور في كتب الفقه الحنفي من كتابه النوادر ساقطة من النسخة الخطية التي بين أيدينا، أرفقها بملحق عقب الانتهاء من نص المخطوط، وقد تعلمنا - جميعا - هذا من أساتذة علم التحقيق الكبار، ففي تحقيق العلامة محمود شاكر لطبقات فحول الشعراء صنعة لطيفة ودربة منيفة يعرف أثرها من رام خدمة التراث العربي، فإن الرجل العظيم لما وقعت له مواطن سقط في المخطوط لم يكتف بإثبات ما فيه وكفى، بل تتبع الكتب التي نقلت عنه كالأغاني للأصفهاني وأثبت في الكتاب تلك النقولات، فتم له الكتاب كاملا.
منهج العمل في الكتاب:
١ - قمت بنسخ الكتاب من النسخة الخطية الوحيدة المتوفرة لدينا، وفق قواعد الإملاء الحديث.
٢ - عالجت ما وقفت عليه من تصحيفات وتحريفات في المخطوط - وهي كثيرة جدا للأسف الشديد - ووضعتها بين معقوفين [] فما كان منها
стр. 73
جليا اكتفيت بإثباته في المتن والإشارة إلى اللفظة التي اعتراها الخطأ في الهامش، وما كان بحاجة لتعليل ذكرته، وقد يكون في المخطوط سقط في كلمة لا يستقيم المعنى بدونها فأضيفها وأثبتها بين معقوفين أيضا [] وأشير لذلك كله في الهامش، ولعل الناسخ كان أعجميا فأوتي من قبل هذا.
٣ - ترجمت للأعلام الوارد ذكرهم في المخطوط باختصار من كتب التراجم المعتمدة.
٤ - قمت بعزو الأقوال لمظانها في كتب المذهب المعتبرة وفي هذا السياق لا بد أن أشير إلى أنه عند تحقيق كتاب فقهي، فلابد من العزو والتخريج لنصوص الإمام، فلو كان متأخرا يتم العزو للكتاب المتقدمة التي نقل عنها، بحيث يتسنى للباحث الوقوف على الأدلة العلمية والنصوص المتقدمة التي اعتمد عليها في اختياراته، وعند تحقيق كتاب مصدري متقدم فلابد أن يقوم المحقق بتوثيق نصوص كتابه، وعزوها، لكتب الفقه المتأخرة التي نقلت عنه، ليقف الباحث على العملية العلمية التي دارت في ذهن الفقيه، وكيف استعمل النصوص المتقدمة في عملية الاستدلال والنظر، ولهذا الأمر فائدة كبيرة من جانب آخر؛ حيث أن توثيق النقول من الكتب المتأخرة واحد من أدوات التثبت من صحة النص المحقق لصاحبه، وعليه فقد قمت بعملية التخريج على النحو الآتي:
أولا: ما كان فيه نقل صريح عن الإمام في كتب المذهب من كتاب النوادر أثبته بلفظه وموطنه من الكتاب.
ثانيا: ما كان فيه نقل عن الإمام بالمعنى أو من النوادر الأخرى كنوادر
стр. 74
ابن سماعة و ابن هشام وغيرهما، أثبت ما ورد موافقا لمعناه، تأكيدا لصحة نقل المعلى.
ثالثا: ما لم يكن فيه نقل عن الإمام باللفظ أو بالمعنى عزوته إلى مواطنه من كتب الفقه الحنفي المعتبرة، ليلم القاريء بتعامل فقهاء الحنفية مع المسألة.
رابعا: أكتفي بذكر مصدر أو اثنين أو ثلاثة على الأكثر في غالب مسائل الكتاب متى كانت الإحالة لكتاب أصلي عليه مدار المذهب، تجنبا للإطالة والتكرار بغير مزيد فائدة، ولا أخالف تلك القاعدة في العزو إلا إن كانت المسألة كثيرة التفصيل تحتاج لأكثر من مصدر، كأن يحتوي مصدر على روايات المذهب في المسألة، ومصدر آخر على الاستدلال بها ولها.
خامسا: لم أتدخل بالتعليق على النص إلا في محل مشكل أو مبهم يحتاج إلى إيضاح؛ حرصا على عدم تشتيت القارئ بين النص الأصلي والتعليقات، فعند تخريج الأعلام اكتفيت بالترجمة لمن قد يخفى خبره على القارئ، فلم أترجم مثلا لعمر بن الخطاب فمن ذا الذي لا يعلم من هو عمر ﵁ وكذا في الألفاظ والغريب فلم أعرف بالمصطلحات المشهورة المعروفة كالطهارة والصوم والصلاة وغيرها، وإنما قمت ببيان الألفاظ التي لا تداول لها - غالبا - إلا في أوساط طلاب العلم المتخصصين كالبز والكارة وغيرها من المصطلحات، وبهذا يتحقق القصد من عملية التحقيق، بإخراج النص كما أراده صاحبه، أو إلى أقرب صورة أرادها وتنويره، بغير إثقال للقارئ بما لا ينضوي عليه نفع.
стр. 75
٥ - قمت بترقيم الآيات الواردة في الكتاب، وتخريج الآثار، فإذا كان النص في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت به، ثم السنن الأربعة، ثم باقي كتب السنة مرتبة حسب تواريخ وفيات أصحابها.
٦ - قمت بترقيم لوحات المخطوط في الكتاب وفق القواعد العلمية المقررة، ذاكرا رقم اللوحة مشيرا للجانب الأيمن بـ (أ) وللجانب الأيسر بـ (ب).
٧ - قمت بعمل الفهارس العلمية المعينة على الإفادة من الكتاب على النحو الآتي:
أولا: فهرس الآيات القرآنية.
ثانيا: فهرس الأحاديث النبوية.
ثالثا: فهرس التراجم والأعلام.
رابعا: فهرس الألفاظ والمصطلحات.
خامسا: فهرس البلدان والمدن.
سادسا: فهرس مسائل الفروق الفقهية.
سابعا: فهرس المصادر والمراجع.
ثامنا: فهرس الموضوعات.
ولا يفوتني في هذا المقام ختاما أن أتوجه بالشكر والعرفان للأخ الكريم والباحث النابه الأستاذ/ عمر كامل على جهده الطيبة في مراجعة النص مع أخيه وضبطه، وقد كانت له جهود مشكورة في هذا، فجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء.
стр. 76
وبعد: فهذا كتاب نوادر معلى بن منصور أحد المصادر الأولية للفقه الإسلامي، أقدمه لطلاب العلم والباحثين المعتنين بالفقه الإسلامي، والأمل يحدوني أن أكون قد وفقت في خدمة الكتاب الخدمة اللائقة به، فما كان من توفيق فمن الله الحكيم العليم، ومن كان من خطأ فمن الشيطان ومن نفسي، والحمد لله رب العالمين.
стр. 77
[نماذج من المخطوط]
стр. 78
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على محمد وآله وسلم
[باب الدعوى]
قال أبو بكر (١):
стр. 79
قرأت على يحيى بن أبي طالب (١) قال:
(١) حدثنا معلى قال: وقال أبو يوسف: قال أبو حنيفة في رجل ادعى دارا في يد رجل أنها له، فقال الذي في يديه الدار: هذه الدار لفلان أسكننيها، قال: أقضي عليه، وأجعله خصما، ولا أصدقه إلا أن يقيم بينة أنها لفلان أسكنها إياه، فإذا أقام على ذلك بينة لم يكن بينهما خصومة (٢).
وقال ابن أبي ليلى (٣): لا أسأله البينة على ذلك، ولا أجعل بينه وبين
стр. 80
المدعي خصومة إذا أقر أنها لغيره.
وقال ابن شبر مة (١): لا أقبل بينة على ذلك، وأقضي عليه؛ وقال: من دفع رجلا عن حقه، فهو الخصم فيه.
قال معلى: وقال أبو يوسف: أقضي عليه وإن أقام البينة، إلا أن أظن أنه محق في دعواه، فإذا ظننت ذلك لم أجعل بينهما خصومة إذا هو أقام البينة أنها لفلان أسكنها إياه.
(٢) وقال أبو يوسف في رجل ادعى دارا في يدي رجل، وأقام البينة أنها داره أودعها فلانا، وأقام الذي في يديه الدار بينة أن فلانا ذلك هو أودعها إياه، قال، ليست بينهما خصومة حتى يحضر المستودع الأول.
(٣) وقال أبو يوسف في دار في يدي رجل ادعاها رجلان كل واحد منهما يدعي أنها له، وأقام كل واحد شاهدا على دعواه، فأقر بها الذي الدار في يديه لأحدهما، قال: يأخذها؛ فإن أقام الآخر شاهدا آخر قضيت بها له، ولا آمره أن يعيد الشاهد الأول (٢).
стр. 81
(٤) وقال أبو يوسف في دار بين رجلين وأحدهما غائب، فادعى رجل نصف الدار، وأخذ الحاضر، فأقام عليه بذلك بينة، قال: يقضى له بنصف ما في يدي الحاضر، وهو ربع الجميع (١).
(٥) وقال أبو يوسف في رجلين شهدا أن فلانا مات وهذه الدار في يديه، قال: أقضي بها للورثة، وإن شهدا أنه مات وهو ساكن فيها، أو قالوا: مات وهو فيها لم أقض بها (٢).
(٦) وقال أبو يوسف في رجل مات، فأقام رجل بينة أنه أخوه لأبيه وأمه، لا يعلمون له وارثا غيره، ثم أقامت امرأة بينة أنها ابنة الميت لم يزيدوا على هذا، قال: أقسم المال بينهما نصفين، ولا أسألها بينة أنهم لا يعلمون له وارثا غيرها.
أرأيت رجلا مات وله امرأة وابن فشهدت الشهود أنهم لا يعلمون له وارثا غيرهما، ثم جاءت المرأة بولد بعد شهر، أكنت أسألهم بينة على عدد الورثة؟ لا أسألهم على ذلك بينة، وأشركه معهم في الميراث (٣).
стр. 82
(٧) وقال أبو يوسف: أرأيت رجلا مات وترك ابنا، فشهدت الشهود أنهم لا يعلمون له وارثا غيره، ثم أقر الابن بأخ له، أكنت أجعل إقراره بالأخ إكذابا لشهوده؟ لا يكون ذلك إكذابا منه للشهود إذا أقام واحد من الورثة بينة، فشهدوا أنهم لا يعلمون للميت وارثا غيره.
فكل وارث أقام بينة على نسبه أشركته في الميراث، ولا أسأله بينة على عدد جميع الورثة (١).
(٨) ولو أن رجلا مات وترك أخاه لأبيه، فشهدت الشهود أنهم لا يعلمون له وارثا غيره، ثم أقام رجل بينة أنه ابن الميت، قال: فإني لا أدفع إلى الابن ولا إلى الأخ شيئا حتى يقيم الابن بينة أنهم لا يعلمون للميت وارثا غيره، وليس هذا كالأول.
(٩) وقال أبو يوسف في رجل ادعى على رجل ألف درهم، فأنكر ذلك، وقال: لم يكن له علي شيء قط، فأقام المدعي البينة على دعواه، فقضى له القاضي بالمال، فأقام المدعى قبله بينة أنه قد أوفاه إياه أمس، وقال ذلك من قبل أن يبرح من عند القاضي، قال: أقبل بينته على دعواه، وأبرئه من المال (٢).
(١٠) ولو أن رجلا ادعى قبل رجل أنه اشترى بألف درهم هذا العبد وأوفاه الثمن، فأنكر أن يكون باعه العبد قط، فأقام المدعي بينة على دعواه وعلى دفع الثمن، فقضى عليه القاضي بدفع الغلام، فدفعه، فقال المدعي: أنا أرده بهذا العيب الذي به، فقال المدعى قبله: أنا أقيم البينة أنه قد كان أبرأني من كل
стр. 83
عيب بالغلام، قال: إن أقام على ذلك بينة، فوقت وقتا قبل القضاء - يعني قبل جحوده - لم أقبل دعواه، وأرد العبد عليه بالعيب، وإن وقتت البينة وقتا بعد القضاء - قال معلى: يعني بعد الجحود - قبلت دعواه، وأبرأته من العيب.
(١١) وقال أبو يوسف: كان أبو حنيفة لا يرى اليمين في القذف، والزنا، وشرب الخمر، والسرقة؛ وقال: إذا أحلفته على السرقة، فإنما أحلفه على المتاع، فإن حلف برئ؛ وإن نكل لم أقطعه.
وكان أبو حنيفة لا يرى اليمين في نكاح، ولا رجعة ولا نسب. وقال أبو يوسف: يحلف في النكاح، والرجعة، والنسب (١).
(١٢) وقال أبو يوسف في رجل نكل عن اليمين في قتل العمد قال: قال أبو حنيفة: أحبسه، وقال أبو يوسف: أقضي عليه بالدية في ماله (٢).
(١٣) وقال أبو يوسف: إذا مات الرجل وله ابنان أحدهما مسلم، والآخر نصراني، فقال المسلم: مات أبي مسلما وقال النصراني: مات أبي نصرانيا، فإذا لم أعرف أصل دينه جعلته مسلما، وصليت عليه، وإن كان ترك ابنة، وأخا، فقالت البنت: مات أبي نصرانيا، وقال الأخ: مات [أخي] (٣) مسلما، فالقول قول الأخ، ولو كان مكان الابنة ابنا كان القول قول الابن؛ من قبل أن الأخ، ليس بوارث مع الابن، فالقول قول الوارث منهما فأما إذا كانا وارثين،
стр. 84
فالقول للذي يزعم أنه مات مسلما (١).
(١٤) وإذا مات الرجل وله ابنان أحدهما نصراني، والآخر مسلم، فأقام المسلم شاهدين نصرانيين أن أباه مات مسلما، وأقام النصراني شاهدين مسلمين أن أباه مات نصرانيا، فإني أجعله مسلما، وأصلي عليه (٢).
(١٥) ولو شهد نصرانيان على نصراني أنه قد أسلم لم أقبل شهادتهما، لا أقبلهما في الحياة، وأقبلهما بعد الموت (٣).
(١٦) وقال معلى: وسألت أبا يوسف عن رجلين على دابة أحدهما راكب في السرج، والآخر ردف، ادعيا الدابة جميعا، قال: هي لراكب السرج؛ قلت: فإن كانا راكبين جميعا في السرج، فادعياها، قال: هي بينهما نصفان (٤).
(١٧) وقال أبو يوسف في حمال عليه كارة (٥)، وهو في دار بزاز [فادعى] (٦) البزاز الكارة أنها له، وأنكر الحمال: فإن كان من حمالي البر (٧)، والكارة مما
стр. 85
يحمل، فالقول قول الحمال (١).
(١٨) وقال أبو يوسف في رجل أصطاد طيرا في دار رجل، قال: إن اصطاد من الهواء، فهو له، وإن كان على شجرة، أو غير ذلك، فهو لرب الدار. فإن اختلفا، فالقول قول رب الدار (٢).
(١٩) وقال أبو يوسف: متاع الرجل للرجل، ومتاع النساء للمرأة، ومتاع النساء والرجال للرجل؛ وقال أبو يوسف: الفرش، والخدم، والوصفاء، ونحو ذلك من متاع النساء.
وقال: ما كان من متاع الرجال والنساء، فهو للرجل في الطلاق والموت، وهذا قوله الأول؛ وأما قوله الآخر، فإنه كان يقول: المتاع كله للرجل ما كان من متاع الرجل والنساء أو الرجال والنساء، إلا ما يجهز به مثل هذه المرأة في المصر الذي بنى بها فيه.
قال معلى: سمعت قوله الآخر منه، أو أخبرنيه عنه محمد، وأكثر علمي عنه أني سمعته منه (٣).
стр. 86
(٢٠) وقال أبو يوسف: إذا مات الرجل وله امرأة، فادعت مهرا، وأنكر الورثة ذلك، فإن أبا حنيفة قال: لها مهر نسائها، لا يجاوز به ما ادعت المرأة (١).
(٢١) وقال أبو حنيفة: إذا مات الرجل وامرأته، فادعى ورثة المرأة مهرها، وأنكر ذلك ورثة الزوج، فليس لها شيء إلا أن يقيموا البينة، وهو قول أبي يوسف (٢).
(٢٢) وقال أبو يوسف في الرجل يقود القطار من الإبل، ورجل راكب لبعير منها [فادعى] (٣) الراكب والقائد الإبل كلها، قال: إن كانت على الإبل حمولة للراكب، فالإبل كلها للراكب، وليس للقائد منها شيء إنما هو أجير؛ وإن كانت الإبل أعراء، فللراكب البعير الذي هو عليه، وما بقي، فهو للقائد (٤).
(٢٣) وقال في رجل يقود غنما، أو بقرا، أو بطا، ورجل يسوقها، فادعى القائد والسائق ذلك كله، قال: إن كان القائد والسائق أمرهما مشكل لا يعرفان، فذلك كله للسائق، وليس للقائد منها شيء إلا أن يكون يقودها بشاة معه، فيكون له الشاة وحدها (٥).
(٢٤) وقال في رجلين في سفينة، وفي السفينة دقيق، فادعى كل واحد منهما السفينة وما فيها، وأحدهما معروف ببيع الدقيق والآخر ملاح معروف، قال: فالدقيق للذي يعرف ببيع الدقيق، والسفينة للذي يعرف أنه ملاح؛
стр. 87
أرأيت رجلا معروفا ببيع الدقيق خمرا أو كان خبيرا - اسم رجل خبير - في سفينة فيها دقيق، فادعى الدقيق الملاح، أكنت أجعله للملاح؟! (١)(٢٥) وإذا ادعى السفينة رجل هو راكبها، وآخر ممسك بسكانها، وآخر يجدف فيها، وآخر يمدها، وكلهم يدعيها ولا يعرفون، فالسفينة بين صاحب السكان، والراكب، والذي يجدف، وليس للذي يمدها شيء منها (٢).
(٢٦) وقال أبو يوسف في عبد في يدي رجل، فأقام الرجل بينة أنه باعه من الذي في يديه بألف درهم، وهو يملكه، وأقام آخر البينة على مثل ذلك، فالعبد للذي هو في يديه، وعليه لكل واحد من الرجلين ألف درهم، فإن وجد بالعبد عيبا، فله أن يرده على أيهما شاء، ويأخذ منه ألف درهم، وليس له أن يرده عليهما جميعا، وليس له أن يرد على كل واحد منهما نصفه، ولو أقام أحدهما بينة أنه باعه من الذي هو في يديه بألف درهم ورطل (٣) خمر، وهو يملكه، وأقام الآخر بينة أنه باعه بألف درهم وخنزير، وهو يملكه أبطلت البيع، ورددت العبد عليهما بينهما نصفين، وضمنته لكل واحد منهما نصف قيمة العبد (٤).
стр. 88
(٢٧) ولو أن رجلا في يديه عبد أقام بينة أنه أعتقه، وهو يملكه، وأقام آخر بينة أنه أعتقه، وهو يملكه، فإن ادعى العبد عتق أحدهما، فبينته أولى، وهو مولى له، وإذا هو كذبهما جميعا قبلت بينتهما جميعا، وجعلت ولاءه بينهما نصفين (١).
(٢٨) ولو أقام كل واحد بينة أنه أعتقه على ألف درهم، وهو يملكه، وهو في يدي أحدهما، فإني لا أبالي في هذا أكذبهما، أو صدقهما، أو أكذب أحدهما وصدق الآخر ليس له في هذا قول، ويقضى به بينهما جميعا، وأعتقه، وأجعل ولاءه بينهما نصفين، وأجعل لكل واحد منهما عليه ألف درهم إن لم يكونا قبضاها؛ فإن أقام أحدهما بينة أنه أعتقه على ألف درهم، وهو يملكه، وأقام الآخر بينة أنه أعتقه وهو يملكه وهو في يد أحدهما ولم يذكر ألفا، فالبينة بينة الذي يدعي المال وأعتقه، وأجعل ولاءه له، ولا أبالي أصدقه العبد، أو كذبه (٢).
(٢٩) ولو أن أمة في يدي رجل أقام بينة أنه دبرها، وهو يملكها، أو أقام بينة أنها ولدت منه وهو يملكها، وأقام آخر البينة على مثل ذلك، فهي للذي هي في يديه، وهو أحق بها من المدعي [ولم] (٣) ألتفت إلى دعواهما؛ ولو أقام
стр. 89
الذي هي في يديه البينة أنه كاتبها على ألف درهم، وهو يملكها، وأقام الآخر البينة على مثل ذلك، فإن ادعت أحدهما جعلتها مكاتبة له لمن أقام عليها البينة، وإن أكذبتهما جميعا جعلتها مكاتبة لهما جميعا، وعليها لكل واحد منهما ألف، فإن عجزت جعلتها أمة بينهما (١).
(٣٠) وقال أبو يوسف في دار في يدي رجل ادعاها رجلان، فأقام كل واحد منهما بينة أنها داره آجرها إياه شهرا بعشرة دراهم، وقد سكنها الذي في يديه الدار شهرا، وهو منكر لدعواهما، قال: يأخذان الدار بينهما نصفين، ويأخذان منه عشرة، فتكون بينهما، قال: وينبغي في القياس أن يأخذ منه كل واحد منهما عشرة، ولو كان أحدهما أقام البينة أنها داره آجرها ثلاثة أشهر بعشرة، وقد سكنها شهرا، وهو منكر للدعوى، فإن الدار [للذي] (٢) شهدت شهوده أنها له ويأخذ من الذي الدار في يديه عشرة دراهم (٣).
(٣١) وقال أبو يوسف في دار في يدي رجل أقام رجل البينة أنها داره أو دعها إياه، وأقام آخر بينة أنه آجرها إياه وأنها داره، قال: هي بينهما نصفان (٤).
(٣٢) وقال أبو يوسف في عبد في يدي رجل ادعاه رجلان، فأقام كل واحد منهما بينة أنه باعه من الذي العبد في يديه بيعا فاسدا، قال: يأخذان العبد أو يأخذان قيمته بينهما نصفين، وهذا عندي على الإقرار، فإن مات
стр. 90
العبد في يدي المشتري فعليه قيمتان؛ فإن كانت البينتان جميعا [شهدتا] (١) على معاينة البيع والقبض، فإن كان العبد [قائما] (٢) بعينه [أخذا] (٣) العبد بينهما نصفين، ولا شيء لهما غير ذلك، وإن كان العبد مستهلكا أخذا قيمته بينهما نصفين، لا شيء لهما غير ذلك. (٤)(٣٣) وقال أبو يوسف: إذا أقام رجل على رجل بينة أنه زوجه ابنته الكبرى، وأقام الأب بينة أنه زوجه ابنته الصغرى، وله ابنتان إحداهما أكبر من الأخرى، فالبينة بينة الزوج، وأبطل بينة الأب (٥).
(٣٤) وقال أبو يوسف في رجل في يديه عبد أقام رجل عليه بينة أنه اشتراه منه بألف درهم، وأقام الذي العبد في يديه بينة على رجل غير المدعي أنه باعه منه بألفي درهم، وحضروا جميعا، فإن البينة بينة الذي ادعى أنه اشتراه بألف، والعبد له (٦).
(٣٥) ولو أقام رجل بينة على امرأة أنه تزوجها على ألف، وأقامت المرأة بينة على رجل أنه تزوجها على ألفين، والرجل جاحد لدعوى المرأة، والمرأة
стр. 91
جاحدة لدعوى الرجل الآخر، فإن البينة بينة الذي [ادعى] (١) التزويج، وهي امرأته؛ ولو كان الذي ادعت المرأة قبله النكاح أقر بالنكاح وادعاه، وكان هو الذي أقام البينة، فالقول قول المرأة، فأيهما صدقت، فهي امرأته، وإن كذبتهما جميعا كان جميعا باطلا (٢).
(٣٦) ولو أقام رجل على غلام بينة أنه ابنه من هذه المرأة، وأقام الغلام بينة على رجل آخر أنه ابنه من هذه المرأة، والأب المدعى قبله يجحد، فإن بينة الابن أولى؛ لأن هذا نسب، ودعوى الآخر [باطلة] (٣)، وهذا كله إذا لم يوقت [الشهود] (٤)(٥).
(٣٧) ولو أن الذي العبد في يديه في المسألة الأولى، شهدت شهوده على الذي ادعى الشرى (٦) أنه كفل بالألفين عن المدعى قبله الشرى، كان شهود
стр. 92
الذي العبد في يديه أولى، ويقضى بالعبد للمدعى عليه الشرى، ويقضى على الآخر بالكفالة، ويبطل الكفيل لمكان ما كفل به من المال (١).
(٣٨) وقال أبو يوسف في عبد في يدي رجل أقام رجل بينة أنه اشتراه منه، وقبضه، وأقام الذي في يديه بينة أنه اشتراه من المدعي، قال: هو للذي هو في يديه.
(٣٩) وقال أبو يوسف في عبد في يدي رجل أقام بينة على رجلين أنه باعه منهما بألفين، وأقام أحد الرجلين بينة أنه اشتراه بألف، فالبينة بينة الذي العبد في يديه، ويقضى بالعبد لهما بألفي درهم نصفين، وإقرار الذي ادعى الشرى بألف أنه قد اشترى العبد مع الآخر بألفين إبطال لدعواه الشرى بألف (٢).
(٤٠) وقال أبو يوسف في عبد في يدي رجل، أقام رجل البينة أنه له مند سنة، وأقام الذي هو في يديه البينة أنه له مند سنتين، قال: هو للذي هو في يديه في قول أبي حنيفة، وقولي، فإن أقام المدعي بينة أنه له منذ سنة، وأقام الذي هو في يديه بينة أنه في يديه منذ سنتين، فإن أبا حنيفة قال: هو للذي هو في يديه مند سنتين، وقال أبو يوسف: هو للمدعي (٣).
стр. 93
(٤١) وقال أبو يوسف في رجل ادعى على رجل ألفي درهم، فجاء بصكين (١) في كل صك ألف درهم، وفي كل صك مكتوب: هو جميع مالي عليه، أو ليس لي عليه قليل ولا كثير غير هذا، وجاء على كل صك بشهود، قال: يؤخذ المطلوب بما في الصكين جميعا، قال: وسألت محمدا عن رجل ادعى على رجل مائة دينار في صك، وألف درهم في صك، وفي كل واحد من الصكين: [فهو] (٢) جميع مالي عليه، وأقام بينة على كل واحد من الصكين، قال: عليه أحد المالين يعطيه أيهما شاء (٣).
(٤٢) وقال أبو يوسف في رجل أقام بينة أنه ادعى هذه الدار التي في يدي هذا الرجل، وأنه صالحه منها على مائة درهم، وأقام الذي الدار في يديه على المدعي بينة أنه قد أبرأه من حقه من دعواه في هذه الدار، قال: بينة الذي يدعي الصلح أولى؛ لأن البراءة قد تكون بعد الصلح (٤).
стр. 94
(٤٣) وإذا أقام رجل على رجل بينة ببيع، وأقام المدعى قبله بينة على المدعي بالبراءة، فالبينة بينة الذي يدعي البيع.
(٤٤) وإذا أقام رجل على رجل بينة بدين، وأقام المدعى قبله على المدعي بينة بالبراءة، فالبينة بينة الذي يدعي البراءة.
(٤٥) وقال أبو يوسف في رجل قال لامرأته: زوجنيك أبوك وأنت صغيرة، قالت: بل زوجنيك وأنا كبيرة، فلم أرض، قال: فالقول قول المرأة، فإن أقاما جميعا البينة، فالبينة بينة الزوج (١).
(٤٦) وقال أبو يوسف في رجل له أمة يطؤها، ويحصنها ولا يعزل عنها، فجاءت بولد، قال: لا يسعه أن ينفيه في قول أبي حنيفة وقولي، فإن نفاه، فهو آثم؛ وإن حصنها، ولم يطأها، أو وطئها، ولم يحصنها، فجاءت بولد، فإنه يسعه أن ينتفي منه في قول أبي حنيفة وقولي، وأحب إلي أن يدعيه إن كان يطؤها، ولم يحصنها (٢).
(٤٧) وقال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: إذا كانت الأمة بين ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، فجاءت بولد، فادعوه جميعا، فهو ابنهم جميعا؛ وقال أبو يوسف: لا تجوز الدعوى إلا من الاثنين كما جاء الأثر عن عمر (٣).
стр. 95
(٤٨) وقال أبو يوسف في امرأتين أختين توأم، ادعى رجل [إحداهما] (١)، فصدقته واحدة، وكذبته الأخرى، قال: هما ابنتاه جميعا، قال: وسألت محمدا عن ذلك، فقال مثل ذلك (٢).
(٤٩) وقال أبو يوسف: إذا أعتق الرجل عبدا، فادعاه رجل أنه ابنه، فصدقه العبد، فهو ابنه، وهو مولى للذي أعتقه (٣).
(٥٠) وقال أبو يوسف في عبد ادعى لقيطا أنه ابنه من امرأته هذه، وامرأته أمة،
стр. 96
قال: يثبت نسبه من العبد ويكون حرا، ولا يكون ابن امرأته الأمة (١).
(٥١) وقال أبو يوسف في عبد بين رجلين اشترياه في صحتهما، ثم مرض أحدهما، فادعاه أنه ابنه، قال: هو ابنه، ويضمن لشريكه نصف قيمته يوم ادعاه، وهو حر اشتراه من جميع المال (٢).
(٥٢) وقال أبو يوسف في رجلين اشتريا عبدين أحدهما غلام، والآخر رجل، وأعتق كل واحد منهما الذي اشترى، ثم ادعى الرجل المعتق أن الغلام المعتق ابنه، وصدقه الغلام، فهو ابنه ثابت النسب منه، ولا ينتقل ولاؤه عن الذي أعتقه.
(٥٣) وقال أبو يوسف في رجل له جارية ولدت في ملكه، فوهبها لابنه، فولدت منه، ثم ادعى الأب الجارية التي وهبها لابنه أنها ابنته، فإنه لا يصدق، وهي أم ولد [لابنه] (٣).
(٥٤) وقال أبو يوسف في مدبرة (٤) بين رجلين وطئها أحدهما، فجاءت بولد، فادعاه، فإنه يضمن لصاحبه نصف قيمة الولد، ونصف عقر الأم، والأم
стр. 97
مدبرة على حالها لا يطؤها واحد منهما (١).
(٥٥) وقال أبو يوسف في أمة لرجل، ولها ولد، [وولدان] (٢) توأم أسفل من هذا الولد، وآخر أسفل من هؤلاء كلهم، فقال للأكبر وأحد التوأمين: أحد هذين ولدي، فإن التوأمين حران، ونصف الأكبر حر، والأمة حرة، والأصغر حر ولو كان قال للأكبر وللأصغر: أحد هذين ولدي، عتق الأصغر، ونصف الأكبر، والأم، وصار التوأمان رقيقا (٣).
(٥٦) وقال أبو يوسف: إذا كان العبد بين رجلين، فقال أحدهما لشريكه: هذا ابني وابنك، أو قال: هو ابنك وابني، فقال له صاحبه - في الوجهين جميعا-: صدقت، فإن العبد ابن المقر الأول، ولا يلزم الذي قال: صدقت؛ وكذلك أمة بين رجلين قال أحدهما لصاحبه: هذه أم ولدي وأم ولدك، فقال له صاحبه: صدقت، فهي أم ولد للأول، وهذا مثل الإقرار بالولد (٤).
(٥٧) وقال أبو يوسف: إذا ادعت المرأة في مرضها زوجا، وابنتين، وأما، وهم متجاحدون فيما بينهم، فإن لم يكن لها وارث غيرهم، فإن للزوج النصف، وما بقي، فبين الأم والابنتين على خمسة.
(٥٨) وقال أبو يوسف في رجل ادعى تزويج امرأة، ثم أقام شاهدين أنها أمته، قال: أقبل ذلك، وأقضي بها له؛ لأنها قد تكون زوجته وهي أمة لغيره،
стр. 98
فإن كان شهوده شهدوا أنها كانت أمة له قبل دعواه النكاح، وادعى المشهود له ذلك لم أقبل دعواه ولا بينته على ذلك؛ لأن دعواه النكاح براءة من أنها أمته.
(٥٩) وقال أبو يوسف في رجل قال لرجل: بعتك هذه الدابة بمائة درهم، وقال المدعى قبله: بل آجرتنيها بعشرة دراهم إلى الكوفة، فسرت عليها، قال: يحلف المدعى قبله الشرى ما اشتريتها بمائة درهم، فإن حلف رجع عليه رب الدابة المدعي للبيع بالعشرة التي أقر بها من الإجارة [لأنه] (١) لم يكذبه، فإن قال - بعدما أقر له بالإجارة-: إني لم أؤاخركها، إنما بعتكها، فهذا إكذاب منه له بما أقر (٢).
وليس هذا كالأمة التي قال: [بعتكها] (٣) بألف، وقال الآخر: بل زوجتنيها بمائة، وقد وطئتها، وولدت منه هو في هذه المسألة يأخذ المائة المهر، فتكون
стр. 99
قصاصا من الثمن، والأمة موقوفة لا ترجع إلى الذي باعها، فأما الدابة، فإنها ترجع إلى الذي ادعى أنه باعها (١).
(٦٠) وقال أبو يوسف: إذا مات الرجل وترك أخا، وترك مالا، فجاء رجل يدعي ولاءه، فأقام بينة أنه أعتق هذا الميت، وأنه مولاه، قال: أقضي بالميراث للأخ، وأقضي للمولى بالولاء، ولا أشهد له على ذلك؛ من قبل أنه ليس له ههنا أحد يكون له ولاؤه؛ ولو كان الميت ترك ابنا، والمسألة على حالها، قضيت بالميراث للابن، وقبلت بينة المولى، وقضيت له بالولاء؛ لأن الميت إذا كان مولاه كان له ولاء ابنه.
стр. 100
[باب من النوادر في الاستحقاق]
استحقاق الشيء يكون صاحبه فيه مغرورا (١)(٦١) حدثنا يحيى قرأنا عليه، قال: حدثنا معلى قال: قال أبو يوسف في رجل اشترى من رجل جارية، ثم باعها من آخر، فولدت له، ثم جاء آخر، فاستحقها، فأخذها، والعقر (٢)، وقيمة الولد، فقضي لأبي الولد على بائعه بالثمن، وبقيمة الولد، فإن أبا حنيفة قال: ليس للبائع أن يرجع على بيعه بشيء حتى يؤدي ما قضي به عليه، فإذا أدى ذلك رجع على بيعه بالثمن.
وقال أبو يوسف: لا يرجع على بيعه بشيء حتى يقضى عليه لأبي الولد، فإذا قضي عليه رجع على بيعه بالثمن، وبقيمة الولد أدى ما قضي به عليه [أو] (٣) لم يؤد (٤).
стр. 101
(٦٢) فأما إذا اشترى رجل من رجل جارية، ثم وهبها لرجل فأولدها، ثم استحقها رجل، فإنه يأخذها، ويأخذ قيمة الولد، والعقر، ولا يرجع الموهوب له على الواهب بقليل ولا كثير، ويرجع الواهب على بيعه بالثمن، فيكون له ذلك صحيحا (١).
(٦٣) وقال أبو يوسف: إذا اشترى الرجل أمة، فأعتقها، فتزوجها فجاءت بولد، ثم استحقت، فإنه يرجع بقيمة الولد، وهو مغرور؛ وسمعت محمدا يقول في ذلك لا يرجع على بائعه بقيمة الولد، ويرجع عليه بالثمن (٢).
ألا [ترى] (٣) أنه لو كان باعها من رجل، ثم تزوجها، فولدت، ثم استحقها مستحق، فأخذ منه قيمة الولد أنه لا يرجع على بائعه بقيمة الولد.
(٦٤) وقال أبو يوسف في رجل اشترى أمة، فولدت له، ثم جاء رجل، فاستحق نصفها، قال: يأخذ نصف قيمتها، ونصف [عقرها] (٤)؛ فإن جاء رجل بعدما قضى القاضي بذلك، فاستحق النصف الآخر، فإنه يقضى له بنصف قيمتها، ونصف عقرها، ويقضى بقيمة الولد بين هذا وبين الأول نصفين (٥).
стр. 102
(٦٥) وقال أبو يوسف: إذا اشترى الرجل أمة، فولدت منه، فقتل الولد عبد، فدفع به، ثم استحق رجل الأمة، فإن على الأب الأقل من قيمة ولده، ومن قيمة العبد المدفوع، وليس للمستحق على العبد سبيل.
ألا ترى أنه لو لم يدفع به العبد لم يكن له على الأب من قيمة الولد شيء حتى يأخذ العبد أو الأرش (١).
(٦٦) وقال أبو يوسف في رجل ادعى دم عمد، فصالحه المدعى قبله من دعواه على جارية، وهو منكر، وأولدها المدعي، ثم استحقت الجارية، وأخذ منه العقر وقيمة الولد، قال: يرجع على دعواه؛ وإن أقام عليها بينة وحل على المدعى قبله بقيمة الجارية، وقيمة الأولاد التي أداها، وكل شيء يرجع فيه بقيمة الجارية، أو بثمنها، فإنه يرجع فيه بقيمة الولد أيضا، وكل شيء يرجع على دعواه، فإنه لا يرجع فيه بقيمة الولد (٢).
(٦٧) وقال أبو يوسف في أم ولد (٣) تزوجها رجل، وقد زعمت له أنها حرة، فولدت له، ثم استحقها رجل، وهو مولاها، قال: يأخذها، ويأخذ عقرها،
стр. 103
وقيمة الولد يقومون ولد أم ولد، ويرجع الزوج عليها بقيمة الولد إذا أعتقت؛ وإن أعتق المولى الولد قبل أن يختصموا لم يجز عتقه، وكان الولد للأب بالقيمة (١).
(٦٨) وقال أبو يوسف في رجل وهب مدبرة له لرجل، فولدت منه، ثم استحقها الواهب، قال: يأخذها، ويأخذ عقرها، وقيمة ولدها، ولا يرجع عليه الموهوبة له من ذلك بشيء؛ ولو كان باعها منه، ثم استحقها لم يرجع عليه من قيمة الولد؛ لأنه مغرور في البيع (٢).
(٦٩) وقال أبو يوسف في رجل زوج مكاتبا (٣) امرأة على أنها حرة فولدت له، ثم استحقها رجل، قال: يأخذها، ويأخذ عقرها، وقيمة الولد، ولا يرجع المكاتب على الذي غره بشيء؛ قال أبو حنيفة: لا يكون المكاتب، ولا العبد مغرورا، وهو قول أبي يوسف (٤).
стр. 104
باب النوادر في الصلح والبراءة
(٧٠) وقال أبو يوسف في رجل مات وترك متاعا، ودراهم، فصالح ورثته امرأته من ثمنها على مائة درهم، قال: إن كان ما يصيبها من الورق أكثر مما صالحوها عليه، [فالصلح] (١) كله باطل، وإن كان الورق (٢) الذي يصيبها أقل، [فالصلح] (٣) جائز، وإن كان يصيبها من الورق ألف درهم، فصالحوها على ثمنها على دينار، فالصلح كله جائز، يعني إذا كانت الورق في يدي الورثة، وقبضت المرأة الدينار قبل أن يتفرقوا (٤).
(٧١) وقال أبو يوسف في رجل اغتصب من رجل ثوبا قيمته عشرة دراهم، فاستهلكه، فإن أبا حنيفة قال: إن صالحه من ذلك على ألف درهم، ونقده، فالصلح جائز وله الألف كلها، وقال أبو يوسف: الصلح جائز، ولا يأخذ أكثر من قيمة الثوب (٥).
(٧٢) وقال أبو يوسف في رجل قتل رجلا خطأ، وهو من أهل الورق، فصالحه من الدية على مائتي بعير، وأربعة [آلاف] (٦) شاة بعينها، أو بغير عينها،
стр. 105
فإن الصلح لا يجوز إذا كان ذلك قبل القضاء ولا يجوز الصلح على شيء مما فرضت فيه الدية بأكثر من الدية إلا أن يكون قد قضي بالدية، فصالح منها على أكثر من الدية من صنف غير الصنف الذي قضي به، فيجوز (١).
(٧٣) وقال أبو يوسف في رجل ادعى في دار رجل دعوى، فصالحه رب الدار على ألف درهم على الإنكار، ثم استحق نصف الدار، قال: المدعى قبله بالخيار إن شاء رجع على المدعي بنصف الألف وسلم له النصف، وإن شاء رجع عليه بالألف كلها، وكان المدعي على دعواه في النصف الباقي (٢).
(٧٤) وقال أبو يوسف في رجل اشترى من رجل عبدا وقبضه ثم وجد به عيبا، فصالحه البائع على كر (٣) حنطة إلى أجل، قال: الصلح باطل (٤).
(٧٥) وقال أبو يوسف: إذا اشترى الرجل أمة فوجدها عوراء، فصالحه من ذلك على عبد، ثم وجد بالعبد عيبا، فإن كان صالحه قبل أن يقبض الأمة رد العبد بحصته من الثمن كأن البيع وقع عليهما جميعا، وإن كان صالحه بعد قبض الأمة رد العبد بعيبه بغير شيء، وكان بالخيار في الأمة: إن شاء ردها بعيبها، ورجع بالثمن، وإن شاء أمسكها ولا شيء له.
стр. 106
(٧٦) وقال أبو يوسف في عبد وحر قتلا رجلا، فأمر الحر ومولى العبد رجلا أن يصالح عنهما جميعا، فصالح عنهما على ألف درهم، قال: الألف على الحر، وعلى مولى العبد [نصفان] (١) كان القتل عمدا، أو خطأ؛ فإن قتل رجل حرا وعبدا، فصالح وليهما على ألف درهم، فإن الألف يقسم على قيمة المملوك والدية، فيأخذ كل واحد منهما ما أصابه من الألف (٢).
(٧٧) وقال أبو يوسف في رجل له على رجل مال، فقال: إذا جاء غد، فأنت بريء مما لي عليك، أو قال: إذا مت، فأنت بريء مما لي عليك، أو كان المال إلى أجل، فقال: إذا جاء الأجل، فأنت بريء مما لي عليك، قال: فذلك كله باطل، والمال عليه على حاله (٣).
(٧٨) وقال أبو يوسف في رجل له على رجل ألف درهم، فقال له: إذا أديت إلي خمسمائة، فقد حططت (٤) عنك خمسمائة، فهذا باطل (٥).
стр. 107
(٧٩) وقال أبو يوسف. إذا كان للرجل على الرجل ألف درهم فقال المطلوب للطالب: إذا خرج فلان من السجن، فأنا بريء من الألف التي لك علي، أو قال: إذا قدم فلان من سفره، فأنا بريء من الألف التي لك علي، فقال الطالب: نعم، فالألف لازمة قدم فلان، أو خرج من السجن؛ ولو كان [قال: إذا] (١) خرج فلان من السجن، فأنا بريء من الألف التي تكفلت بها عنه، فقال: نعم، فذلك جائز إذا خرج فلان من السجن، أو قدم فلان من سفره برى الكفيل (٢).
стр. 108
باب من النوادر في القسمة
(٨٠) وقال أبو بكر: حدثنا يحيى قرأنا عليه، قال: حدثنا معلى قال: قال أبو يوسف في رجل مات عن امرأته، وهي حبلى، قال: إذا قسم الميراث عزل منه نصيب ابن واحد (١).
(٨١) وقال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن رجل مات وترك أرضا، أو دارا، وترك ابنين، والتركة في أيديهما [فجاء ا] (٢) يريدان قسمتها، فقال: لا أقسمها بينهما حتى يقيما البينة أن أباهما مات وتركها ميرانا، ويقيما البينة على عدة الورثة؛ وقال أبو يوسف: قلت له: فإن كانت تركته دراهم أو ثيابا، قال: لا أسألهما بينة على ذلك، وأقسم الدراهم والثياب بينهما، وكذلك قال ابن أبي ليلى (٣).
(٨٢) وقال أبو يوسف في دار [بين] (٤) ورثة، وفيها بيت ليس له طريق إلا طريقه في الدار، [فتراضى] (٥) الورثة على أن من أصابه ذلك البيت لم يكن له في الطريق حق، فقسموا، فأصاب إنسانا ذلك البيت، قال: القسمة على هذا [جائزة] (٦)(٧).
стр. 109
(٨٣) وقال أبو يوسف في حائط بين رجلين انهدم، قال: لهما أن يقسماه، فإن أبي ذلك أحدهما أجبره على القسمة.
стр. 110
باب من النوادر في الكفالة
(٨٤) وقال أبو يوسف في رجل كفل له ثلاثة رهط بنفس رجل، فدفعه إليه واحد منهم، قال: إن كانت كفالتهم في عقدة واحدة برئوا جميعا بدفع أحدهم، وإن كانت كفالتهم متفرقة لم يبرأ إلا الذي دفع وحده؛ ولو أن رجلين كفلا لرجل بنفس رجل ولم يقولا: كل واحد منا كفيل عن صاحبه، فدفعه أحدهما فهما بريئان جميعا (١).
(٨٥) وقال أبو يوسف في رجل كفل بنفس رجل، والمكفول به محبوس في السجن، قال: ينبغي للقاضي أن يخرجه حتى يدفعه الكفيل إلى المكفول له، ثم يعيده إلى السجن (٢).
(٨٦) وقال أبو يوسف: إذا ضمن الرجل رجلا، فقال: أنا ضامن لمعرفته، فإن أبا حنيفة قال: هذا باطل؛ وقال أبو يوسف: ذلك جائز، ويؤخذ به؛ وكذلك إذا قال: على معرفتي، فهو عليه بنفسه (٣).
(٨٧) وقال أبو يوسف: إذا أقرا بألف درهم على أن يأخذ أيهما شاء بهذا المال، فهذا بمنزلة كفالة كل واحد منهما عن صاحبه بأمره (٤).