← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30169

الدخيل في تفسير القرآن الكريم

عبد الوهاب عبد الوهاب فايد

Полный текст (409 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الفصل الثالث الإسرائيليات في التفسير الإسرائيليات جمع إسرائيلية، والإسرائيلي أو الإسرائيلية نسبة إلى إسرائيل وهو لقب نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم جميعا صلوات الله وسلامه. وعندما تطلق الإسرائيليات في كتب علماء الإسلام فإنهم يريدون بها القصص والأخبار التي تسللت إلى ثقافة المسلمين عن طريق أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكلا الفريقين ينتسب - ولو زورا - إلى إسرائيل ﵇. وأغلب هذه الإسرائيليات تتعلق بما جرى للأولين، وما حدث للأنبياء والمرسلين، ولا تخلو هذه الإسرائيليات من تناقض وتهافت، وكذب وبهتان، لأنها مستمدة من التوراة والإنجيل، وهما قد أصابها التحريف والتبديل (١). بل إن بعض علماء الإسلام توسع في معنى الإسرائيليات، فأطلقها على كل ما دسه أعداء الإسلام في ثقافة المسلمين ولو كان من أصل غير إسرائيلي، كالأساطير التي نقلت عن المجوس مثلا، وحينئذ يكون إطلاق الإسرائيليات على ذلك من باب التغليب، قال أستاذنا الدكتور محمد الذهبي ﵀: «ولفظ الإسرائيليات - وإن كان يدل بظاهرة على القصص الذي يروى أصلا من مصادر يهودية - يستعمله علماء التفسير والحديث، ويطلقونه

стр. 107

على ما هو أوسع وأشمل من القصص اليهودية، فهو في اصطلاحهم يدل على كل ما تطرق إلى التفسير والحديث من أساطير قديمة منسوبة - في أصل روايتها - إلى مصدر يهودي أو نصراني أو غيرهما، بل توسع بعض المفسرين والمحدثين، فعدوا من الإسرائيليات ما دسه أعداء الإسلام من اليهود وغيرهم على التفسير والحديث من أخبار لا أصل لها في مصدر قديم، وإنما هي أخبار من صنع أعداء الإسلام، صنعوها بخبث نية، وسوء طوية، ثم دسوها على التفسير والحديث، ليفسدوا بها عقائد المسلمين، كقصة الغرانيق، وقصة زينب بنت جحش وزواج الرسول ﷺ منها، وإنما أطلق علماء التفسير والحديث لفظ الإسرائيليات على كل ذلك من باب التغليب للون اليهودي على غيره، لأن غالب ما يروى من هذه الخرافات والأباطيل يرجع في أصله إلى مصدر يهودي (١). موقف الرسول من الإسرائيليات: إن موقف الرسول ﷺ بالنسبة للإسرائيليات توضحه لنا أحاديثه النبوية الشريفة، والأحاديث - في هذا المجال - تبدو في ظاهرها متعارضة، ولكنني - بعون الله تعالى وتوفيقه - سأقوم بالتوفيق بين هذه الأحاديث بطريقة أعتقد أنني لم أسبق إليها، فأقول - وبالله التوفيق: لقد ورد عن الرسول ﷺ فيما يتعلق بالإسرائيليات - أحاديث ثلاثة، كل حديث منها ينم عن مرحلة من مراحل التدرج في تشريع الحكم المسلمين بالنسبة لهذه الإسرائيليات. والمرحلة الأولى: تتمثل في تحذير المسلمين تحذيرا شديدا، ومنعهم منعا

стр. 108

تاما من محاولة التعرف على ثقافات أهل الكتاب، سواء كان ذلك بطريق القراءة في كتبهم، أو سؤالهم، أو الاستماع لأخبارهم، وكان ذلك - كما يبدو - في بداية اتصال المسلمين بأهل الكتاب في المدينة. والمرحلة الثانية: تتمثل في الإذن للمسلمين بالاستماع فقط الأحاديث أهل الكتاب، بشرط عدم التصديق لهذه الأحاديث أو التكذيب بها، وأنه يجب على المسلمين أن يقولوا - لدى سماعهم لشيء من تلك الأحاديث -: «آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» (١)، وكان هذا الإذن - كما يبدو - متأخرا في الزمن بعض الشيء عن التحذير الذي ورد في المرحلة السابقة. والمرحلة الثالثة والأخيرة: تتمثل في الإذن المسلمين بالتحدث عن أهل الكتاب، ورواية الأخبار عنهم، بشرط أن تكون هذه الأخبار صادقة، وكانت هذه المرحلة - كما يبدو - في أواخر عهد الرسول ﷺ . والآن نستعرض معا هذه الأحاديث النبوية: أما الحديث الأول فهو ما أخرجه الإمام أحمد - من حديث جابر بن عبد الله - «أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه فغضب، فقال: أمتهوكون (٢) فيها يابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده

стр. 109

لو أن موسى ﷺ حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» (١). وهذا الحديث يتضمن نهي الرسول ﷺ عن أمرين: القراءة في كتب أهل الكتاب، وسؤالهم عن أشياء يظن أنهم على علم بها، والسبب في نهي الرسول ﷺ عن ذلك أن ثقافات أهل الكتاب لا يطمأن إليها، ولا يوثق بها، لأنهم قد حرفوا الكلم عن مواضعه، وغيروا وبدلوا في كتب الله المنزلة على رسلهم، فالواجب أن يكون المسلمون على حذر من ثقافاتهم. حتى لا يقعوا في حيرة واضطراب وبلبلة وحتى لا يلتبس عندهم الحق بالباطل، ويختلط الحابل بالنابل، أما شريعة القرآن فقد جاءنا بها الرسول ﷺ بيضاء نقية من الشوائب، ولو كان موسى ﵇ حيا - في زمن الرسول ﷺ ما وسعه إلا أن يكون تابعا لنبي الإسلام ﵊. ويستفاد من روح هذا الحديث وسياقه أن هذا النهي والتحذير من الرسول ﷺ لأصحابه إنما كان في بداية احتكاكهم باليهود في المدينة خوفا من الفتنة عليهم، واختلاط الحق بالباطل لديهم؛ وهذا الحديث يمثل المرحلة الأولى من مراحل التدرج في تشريع الحكم بالنسبة للإسرائيليات. وأما الحديث الثاني فهو ما أخرجه البخاري من أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل» الآية (٢).

стр. 110

ويمثل هذا الحديث للمرحلة الثانية من مراحل التدرج في تشريع الحكم بالنسبة للإسرائيليات، فبعد أن كان الرسول ﷺ في المرحلة السابقة - ينهى ويحذر صحابته عن قراءة كتب أهل الكتاب أو سؤالهم أو الاستماع إلى أحاديثهم - نجد الرسول ﷺ في هذا الحديث الذي معنا - لا يحذر صحابته من أن يستمعوا لأحاديث أهل الكتاب، بل يحذرهم فقط من تصديق هذه الأحاديث أو تكذيبها، لأنها قد تكون كاذبة فيصدقون بها، أو قد تكون صادقة فيكذبون بها فيقعون في الحرج، ومعنى ذلك أنهم يتوقفون بالنسبة لها، ويكفي حينئذ أن يقولوا - كما علمهم الله - ﴿آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل﴾ الآية. ألا ترى معي هذا إلى أن الحكم قد تدرج من المنع المطلق إلى الإذن المقيد تبعا لتغير المصلحة، ولعل المصلحة الجديدة هنا هي أن الصحابة - في ذلك الوقت - كان قد كثر احتكاكهم بأهل الكتاب، بقصد دعوتهم إلى الإسلام، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وأنه كان قد زال المحذور الذي من أجله جاء المنع في المرحلة الأولى، وإذن فلا حرج عليهم من أن يستمعوا لشيء من أخبار أهل الكتاب، بشرط أن لا يصدقوا أهل الكتاب، وأن لا يكذبوهم. ومما يرجع ما ذكرت أن هناك آية في القرآن الكريم تلتقي كثيرا مع هذا المعنى الذي فهمته من هذا الحديث الشريف، وهي قول الله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾ (٤٦) (١).

стр. 111

ولعل السبب في نهي الرسول ﷺ عن تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم هو أن أهل الكتاب - نظرا لكثرة ما حرفوا في كتب الله - لم يكونوا أهلا لأن يثق المسلمون في أخبارهم، وليسوا كذلك أمناء عندما يقومون بترجمة التوراة من العبرانية إلى العربية، فلا غرو إذن أن يحذر الرسول من تصديقهم أو تكذيبهم، وحسب المؤمنين أن يقولوا لهم - عند سماع أخبارهم -: ﴿آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾. وأما الحديث الثالث والأخير: فهو ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (١). وهذا الحديث يمثل المرحلة الأخيرة من مراحل تدرج التشريع في هذا المجال، لأن الرسول ﷺ أذن لصحابته هذا بأن يحدثوا عن في إسرائيل، وأن يرووا عنهم الأخبار بشرط أن تكون هذه الأخبار صادقة، ألا ترى معي أن الإذن قد اتسعت دائرته من ذي قبل، فبعد أن كان الإذن في الاستماع فقط لأخبار أهل الكتاب جاء الإذن في هذا الحديث الأخير - برواية الأخبار عنهم بشرط أن يتأكد المسلمون من صدقها، لما قد يكون في ذلك من الاعتبار أو البشارة بالنبي ﵊ ولا يستطيع المسلم أن يتأكد من صدق أي خبر من أخبار أهل الكتاب إلا إذا جاء في شرعنا ما يدل على صدقه، أما الخبر الذي يكون في الشرع

стр. 112

مما يدل على كذبه، أو الذي يكون مخالفا ومنافيا للعقل السليم فإنه لا يصح بحال روايته، بل يجب رده وعدم قبوله. ويبدو أن هذا الإذن الذي ورد في الحديث الأخير إنما وقع بعد أن تأصلت الثقافة الإسلامية في نفوس المسلمين، وتميزت في عقولهم تميزا كاملا من ثقافات أهل الكتاب، وإذن فلا حرج أن يأذن الرسول ﷺ لصحابته بأن يحدثوا عن بني إسرائيل أحاديث الصدق فقط، بدليل أن الرسول ﷺ بدأ حديثه بالأمر بوجوب تبليغ القرآن، والقرآن أصدق الحديث، ثم ختم حديثه بالتحذير من الكذب عليه ﷺ ، وبين الأمر والتحذير جاء الإذن بالتحدث عن بني إسرائيل، فلا يعقل أن يكون الإذن هنا إلا مقيدا بدائرة الصدق فقط، لكي يتحدث المسلمون من بني إسرائيل بأحاديث الصدق لا الكذب، ولكي يتمشى هذا الإذن مع السياق والسباق في الحديث. قال ابن حجر - في التوفيق بين أحاديث النهي والإذن - «وكأن المنهي وقع قبل استقرار الأحكام، والقواعد الدينية، خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار» (١). هذا رأي خاص في فهم هذه الأحاديث الثلاثة لا أظن أن أحدا سبقني إليه، وقد أكون مصيبا في هذا الرأي، وقد أكون مخطئا فيه، فإن أصبت فذلك من فضل الله تعالى وعظيم توفيقه، وإن أخطأت فحسبي أني اجتهدت، وبذلت قصارى جهدي وما قصرت، ونسأل الله أن يجنبنا الزلل في القول والعمل إن ربي سميع مجيب.

стр. 113

بقيت كلمة أخيرة في هذا المبحث، وهي أنه مما قيل - في التوفيق بين أحاديث النهي والإذن - أن النهي إنما كان في مبدأ الإسلام وقبل استقرار الأحكام مخافة التشويش على عقائد المسلمين وأفكارهم، وأن الإباحة جاءت بعد أن عرفت الأحكام واستقرت، وذهب خوف الاختلاط (١). وأرى أن هذا الوجه في التوفيق لا يخلو من ضعف، لأن المسلمين في مبدأ الإسلام لم يكونوا على اتصال مباشر بأهل الكتاب، حتى يخاف الرسول ﷺ عليهم أن تشوش الإسرائيليات على عقائدهم وأفكارهم، بل كانوا في مكة يحاربون الشرك والوثنية، وظلوا هناك إلى أن أذن الله لهم بالهجرة إلى المدينة، وهنا فقط بدأ احتكاك المسلمين بأهل الكتاب، ومن ثم كان حديث النهي والتحذير من ثقافاتهم في أول الأمر، فكيف يقال إذن: إن النهي كان في مبدأ الإسلام، والإسلام بدأ في مكة لا في المدينة كما هو معلوم. كيف تسللت الإسرائيليات إلى التفسير؟ هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة، وكان يعيش في المدينة طوائف من اليهود، وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، فدعاهم الرسول ﷺ كثيرا إلى الإسلام، ولكنهم أبوا إلا الكفر والعناد، وإضمار الحقد والحسد، وإظهار العداوة والبغضاء، ومنذ اللحظة الأولى لمقدم الرسول ﷺ إلى المدينة كثرت منهم المناقشات والمجادلات في أمور كثيرة مع الرسول ﷺ ، وتصور لنا

стр. 114

أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب - وهي يهودية الأصل - فصلا من فصول تلك الروايات، وقد حدث هذا الفصل عقب وصول الرسول ﷺ إلى المدينة مهاجرا، فتقول ﵂: «كنت أحب ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه، قالت: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي حيي بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين (١)، قالت: فلما يرجعا حتى كان مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى؛ قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع؛ فواالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم؛ قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أنعرفه ونثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه، قال: عداوته والله ما بقيت» (٢). هذا - ولم يسلم من أحبار اليهود في عصر الرسول ﷺ سوى رجلين: أحدهما عبد الله بن سلام الذي قال عنه سعد بن أبي وقاص: «ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام - قال: وفيه نزلت هذه الآية ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل﴾ الآية (٣)، والآخر هو مخيريق الذي استشهد يوم أحد، وأوصى بأمواله للرسول ﷺ ، فقال الرسول ﵊

стр. 115

عنه «مخيريق خير يهود» (١)، ومن ثم قال السهيلي ﵀: «لم يسلم من أحبار يهود على عهد رسول الله ﷺ إلا اثنان، وقد جاء في الحديث: لو اتبعني عشرة من اليهود لم يبق في الأرض يهودي إلا اتبعني - رواه أبو هريرة» (٢). ولكن ما أكثر الذين دخلوا في الإسلام نفاقا من أحبار اليهود في المدينة (٣) ومن هؤلاء الأحبار من أسلم ثم ارتد عن الإسلام وهو ابن صورى (٤). ولما جاء وفد نصارى نجران إلى الرسول ﷺ في المدينة دعاهم الرسول ﵊ كذلك إلى الإسلام، ولكنهم لم يسلموا، وأبوا إلا الكفر والعناد، وأن يثيروا أمام الرسول ﷺ مناقشات بيزنطية حول عيسى ابن مريم ﵇، وهل هو إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة؟ فبين لهم الرسول ﷺ بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة - أن المسيح عيسى ابن مريم ما هو إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. ونلاحظ هنا أن نصارى نجران - عندما جاءوا إلى الرسول ﷺ في المدينة - احتكوا كذلك بيهود المدينة، واختلفوا معهم أمام الرسول ﷺ وتنازعوا فيما بينهم في بعض الأمور، مثل طعن كل فريق

стр. 116

في دين الآخر، وكفر كل منهما برسول الآخر وكتابه (١)، ومثل اختلافهم وتنازعهم عند الرسول ﷺ في إبراهيم ﵇، هل كان يهوديا أو نصرانيا (٢)؟ إلا أنهم - على كثرة ما اختلفوا فيه وتنازعوا عليه - اتفقوا فيما بينهم أمام الرسول ﷺ على شيء واحد، وهو رفض الإسلام، وتكذيب الرسول ﵊ (٣). ومن هذا كله يتبين لنا - بوضوح - أن احتكاك المسلمين - فكريا - بأهل الكتاب من اليهود والنصارى بدأ في عصر الرسول ﷺ ، عندما دعاهم الرسول ﵊ إلى الإسلام، ولكنهم أبوا إلا الكفر والضلال، ولم يسلم منهم إلا القليل، فقد أسلم من أحبار اليهود اثنان فقط كما سبق أن ذكرنا، وأسلم من رهبان النصارى تميم الداري الذي أثنى عليه الرسول ﷺ وهو يخطب الناس على المنبر - وقال لصحابته: «إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال» الحديث (٤). وبعد وفاة الرسول ﷺ كثر الاحتكاك الفكري بين المسلمين من جهة وبين أهل الكتاب من جهة أخرى، فقد اتسعت الفتوحات.

стр. 117

الإسلامية في عصر الصحابة والتابعين، ودخل كثير من أهل الكتاب في الإسلام، إلا أن بعض هؤلاء قد دخلوا في الإسلام نفاقا يريدون الكيد للإسلام والتشويش على حقائقه وعقائده، ويقصدون كذلك إثارة الفتنة بين المسلمين، وبث الفرقة في صفوفهم. ولقد نجح هؤلاء المنافقون في تنفيذ مآربهم الخبيثة ضد الإسلام والمسلمين إلى حد كبير، فمن الناحية العملية ألب واحد منهم - وهو عبد الله بن سبأ اليهودي - الناس على قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، فقتله الغوغاء وشذاذ الآفاق، ومنذ ذلك الحين فتح باب الفتنة على مصراعيه أمام المسلمين، ولم يغلق إلى وقتنا هذا. أما من الناحية الفكرية فقد قام هؤلاء المنافقون من أهل الكتاب الذين تستروا بالدخول في الإسلام - بإدخال الإسرائيليات ومعظمها أساطير وخرافات إلى المجتمع الإسلامي، لكي يشوهوا جمال الإسلام، ويشوشوا على تعاليمه، ووجد - الأسف - من المسلمين من يتهافت على نقل هذه الإسرائيليات عنهم، فتنتقل بين المسلمين جيلا بعد جيل. بل استطيع أن نقول: إن أهل الكتاب الذين دخلوا في الإسلام صادقين أو منافقين، ولا سيما الأحبار والرهبان منهم - كانوا في عصر الصحابة والتابعين مصدرا من أهم المصادر التي أدخلت الإسرائيليات إلى ثقافة المسلمين، ومن ثم تسلسل جزء كبير منها إلى التفسير. يضاف إلى ذلك أيضا أن المفسرين - منذ العصور الأولى للتفسير - لاحظوا بعد أن كثر احتكاك المسلمين - فكريا - بأهل الكتاب، أن القرآن الكريم يشترك مع التوراة والإنجيل في التعرض لأخبار الأولين، وقصص السابقين، إلا أن منهج القرآن يتميز بالإجمال، ويركز في القصص

стр. 118

على مواطن العظات والعبر، ولم يعن القرآن كثيرا بالتفاصيل والجزئيات، أما التوراة والإنجيل فهما - على العكس من ذلك - يسرفان في التفاصيل، ويستطردان - في القصص - إلى الجزئيات، ومن ثم كان بعض هؤلاء المفسرين - بحكم غريزة حب الاستطلاع - يحاولون أن يتعرفوا من مسلمة أهل الكتاب على هذه التفاصيل والجزئيات بالنسبة لأخبار الأولين، وقصص السابقين، وعلى رأس هؤلاء مقاتل بن سليمان المتوفى سنة ١٥٠ هـ الذي نسبه أبو حاتم إلى أنه استقى علومه بالقرآن من اليهود والنصارى، وجعلها موافقة لما في كتبهم (١). كذلك يرجع ابن خلدون إقبال المسلمين على أهل الكتاب في نقل هذه الإسرائيليات إلى اعتبارات اجتماعية ودينية، فالاعتبارات الاجتماعية هي أن العرب كانوا أمة أمية، يغلب عليها طابع البداوة، وكانوا يتطلعون إلى معرفة شيء عن بدء الخليقة وأنباء القرون الأولى، فلجأوا إلى أهل الكتاب يلتمسون منهم ذلك، والاعتبارات الدينية هي أن هذه الأخبار التي أخذت عن أهل الكتاب لا تمت بصلة إلى جوهر الدين الإسلامي، وعقائده الأساسية، وأحكامه الشرعية، وحيث كان جوهر الدين بعيدا عن هذا كله ومصونا فلا حرج حينئذ من رواية مثل هذه الأخبار التي تتعلق بقصص الأولين، وأنباء السابقين، ومن هنا دخلت الإسرائيليات في كتب التفسير، تلك التي تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود (٢)، وفي ذلك يقول ابن خلدون: «وقد جمع المتقدمون في ذلك - يعني في التفسير

стр. 119

النقلي - وأوعوا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب وعلم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية، في أسباب المكونات، وبدء الخليفة، وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى، وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من (حمير) الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك، وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم - في مثل هذه الأغراض - أخبارا موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرى فيها الصحة التي يجب بها العمل، وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات؛ وأصلها - كما قلنا - عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم معرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنهم بعد صيتهم، وعظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقيت بالقبول من يومئذ» (١). ومن هذا الكلام الذي ذكره ابن خلدون في مقدمته يتضح لنا أن المفسرين توسعوا كثيرا في الأخذ من أهل الكتاب، وتساهلوا تساهلا كبيرا،

стр. 120

فيما لا تعلق له بالعقائد الدينية، والأحكام الشرعية، وذلك مثل الأخبار التي تتعلق بقصص الأولين، أو أسباب المكونات أو بدء الخليقة، أو أسرار الوجود، أو الحدثان والملاحم ونحو ذلك. موقف الصحابة من الإسرائيليات: سبق أن ذكرنا أن الإسرائيليات تسللت إلى ثقافة المسلمين عن طريق مسلمة أهل الكتاب في عصر مبكر من عصور الإسلام، وهو عصر الصحابة والتابعين. ونتساءل هنا: هل كان منهج الصحابة يختلف عن منهج التابعين في الأخذ عن أهل الكتاب أم ماذا؟. الواقع أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يختلفون تماما من التابعين في هذا المجال، فقد كان منهج الصحابة - في الأخذ عن أهل الكتاب - يقوم - أساسا - على التحري والدقة والاحتياط، بخلاف منهج التابعين، ويرجع ذلك - عند الصحابة - لعدة أسباب وهي: ١ - أن الصحابة كانوا خلفاء محمد ﷺ وتلاميذه، وقد أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، ووثقهم الرسول ﵊ فقال: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) [¬*]، ولا شك أنهم كانوا يعلمون - تماما - موقف الرسول ﷺ من ثقافات أهل الكتاب، فليس من المعقول ولا من للمقبول أن يخالف الصحابة رسول الله ﷺ في ذلك. ٢ - أن الصحابة لم يكونوا في حاجة إلى أخبار أهل الكتاب بالنسبة لتفسير القرآن الكريم، فهم الذين عاصروا التنزيل، وشاهدوا القرائن والأحوال، وعرفوا أسباب النزول، وفهموا القرآن فهما صحيحا، فلا يمكن بحال -

стр. 121

أن يعدلوا عن هذا الفهم الصحيح الذي استمدوه - في المقام الأول - من الرسول ﷺ إلى شيء آخر. ٣ - أن الصحابة كانوا مشغولين - في سبيل أداء رسالتهم الخالدة - بالجهاد في سبيل الله، ودعوة الناس - في أنحاء المعمورة - إلى الإسلام، وتبليغ القرآن - لفظا ومعنى - إلى من بعدهم، فكيف يقال عنهم - وهم على مستوى هذه المسئولية الخطيرة -: إنهم قد توسعوا في الأخذ من أهل الكتاب، نعم إن بعضهم قد أخذ بعض الأشياء عن أهل الكتاب، ولكن هذا الأخذ كان مقرونا بالتحفظ والحذر، والتحري والاحتياط كما ذكرنا. ٤ - أن الصحابة كانوا ينظرون إلى ثقافة أهل الكتاب - بصفة عامة - نظرة تتسم بالشك والريبة، لأنهم كانوا يعلمون أن هذه الثقافة معظمها مستمد من التوراة والإنجيل، وهما قد أصابهما التغيير والتحريف والتبديل. ومن أجل هذا كله كان منهج الصحابة في الأخذ عن أهل الكتاب دقيقا إلى أبعد غايات الدقة، ويتلخص هذا المنهج في أنهم كانوا لا يسألون أهل الكتاب عن كل شيء، ولا ينقلون منهم كل شيء. ولتوضيح ذلك نقول: إن الصحابة كانوا - على وجه اليقين - لا يسألون أهل الكتاب عن الأشياء التي تتعلق بعقائد الإسلام وأحكامه لأن هذا الجانب الذي يتعلق بالعقيدة والشريعة يختلف - تماما - في الإسلام عما كان عليه أهل الكتاب في عصر صدر الإسلام. كما كان الصحابة لا يسألون أهل الكتاب من الأخبار التي ورد فيها نص من الرسول ﷺ ، فإذا سمعوا من الرسول ﷺ حديثا في مجال القصص والأخبار لم يعدلوا عنه إلى غيره.

стр. 122

وكانوا كذلك لا يسألون أهل الكتائب - في مجال القصص - عن الأشياء التافهة التي يعد السؤال عنها مضيعة للوقت، فإن ذلك من قبيل العلم الذي لا ينفع، والجهالة التي لا تضر، ولهذا قال الدهلوي - بعد أن بين أن السؤال عن مثل هذه الأشياء تكلف -: «وكانت الصحابة ﵃ يعدون مثل هذا قبيحا من قبيل تضييع الأوقات» (١). وأيضا كان الصحابة لا يقبلون من أهل الكتاب كل شيء، بل يرفضون ما كان من أخبارهم مخالفا للدين أو منافيا للعقل، ويقبلون ما جاء موافقة للدين والعقل، أما إذا سمعوا شيئا من أخبار أهل الكتاب وليس في الدين ما يوافقه ولا ما يخالفه فإنهم كانوا يتوقفون في قبوله، وفي روايته، ويقولون: ﴿آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل﴾ الآية كما أمرهم الرسول ﷺ . ولعل قصة اختلاف أبي هريرة مع كعب الأحبار، وقصة مراجعته أيضا لعبد الله بن سلام في بيان ساعة يوم الجمعة - لعل ذلك أكبر دليل على ما نقول، وهو أن الصحابة لم يكونوا يقبلون كلام أهل الكتاب على علاته من غير مناشة أو نقد، بل كانوا يناقشونهم، ويراجعونهم، وينقدون … كلامهم، وهذه هي القصة: ذكر القسطلاني - في شرحه للحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ وهو أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم - وهو قائم يصلى - يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه،

стр. 123

وأشار بيده يقللها» (١). ذكر القسطلاني - في شرح هذا الحديث - أن السلف اختلفوا في تعيين هذه الساعة، وهل هي باقية أو رفعت، وإذا كانت باقية فهل هي في جمعة واحدة في السنة أو في كل جمعة منها، فنجد أبا هريرة ﵁ يسأل كعب الأحبار عن ذلك، فيجيبه كعب بأنها في جمعة واحدة من السنة، فيرد عليه أبو هريرة قوله هذا، ويبين له أنها في كل جمعة، فيرجع كعب إلى التوراة، فيرى الصواب مع أبي هريرة فيرجع إليه (٢)، كما نجد أبا هريرة أيضا يسأل عبد الله بن سلام عن تحديد هذه الساعة، ويقول له: أخبرني .. ولا تضن علي، فيجيبه عبد الله بن سلام بأنها آخر ساعة في يوم الجمعة، فيرد عليه أبو هريرة بقوله: كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله ﷺ : ﴿لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي﴾، وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ فيجيبه عبد الله بن سلام بقوله: ألم يقل رسول الله ﷺ : ﴿من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي﴾ الحديث (٣). ومما يؤيد ما ذهبنا إليه كذلك أن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود اللذين اشتهروا بين الصحابة بتفسير القرآن نجد كلا منهما يعلنها صيحة مدوية بين الناس، أن لا يسألوا أهل الكتاب، وأن لا يأخذوا عنهم شيئا، لأن أهل الكتاب قد بدلوا كتب الله، وحرفوا الكلام عن مواضعه، وأنهم قد ضلوا ضلالا كبيرا، فكيف يهتدى بأخبارهم،

стр. 124

وفي أيدينا القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي أنزله الله على محمد ﷺ نقيا وخاليا من الشوائب كلها. ولعل هذين الصحابيين الجليلين - حين قالا ذلك - كانا يقصدان - بهذا القول الدال على التحذير الشديد - فريقا معينا من التابعين، كانوا يتهافتون على سؤال أهل الكتاب، وكانوا يسرفون في نقل الروايات عنهم، ومعظمها خرافات وأساطير لا يقبلها عقل، ولا يقرها دين. أما ابن عباس ﵄ فقد أخرج البخاري عنه أنه قال: «يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه ﷺ أحدث الأخبار بالله، تقرءونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينها كم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم». (١). وأما ابن مسعود ﵁ فقد ورد عنه أنه قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم، إما أن يحدثوكم بصدق فتكذبونهم، أو بباطل فتصدقونهم» (٢). ومما يؤكد ما قلنا أيضا من أن منهج الصحابة - بالنسبة للإسرائيليات - كان يقوم أساسا على الدقة والتحري، والاحتياط والتشدد أن أمير المؤمنين

стр. 125

عمر بن الخطاب ﵁ وهو يمثل السلطة الشرعية، أمر كعب الأحبار بترك الحديث عن الأوائل، وهدده بالنفي إذا لم يستجب، فقد ورد عنه أنه قال لكعب: (لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة) (١). ويستفاد من هذا أن سياسة عمر ﵁ كانت تقوم على التشدد في رواية الإسرائيليات؛ كما كانت تقوم على التشدد في رواية الأحاديث النبوية؛ فقد ورد عنه كذلك أنه قال لأبي هريرة ﵁: «لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس» (٢). ولا يفوتني هنا أن أنقل الكلمة النفيسة التي سجلها أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي - هذا الصدد - فقد قال ﵀. «وإذا كان ابن كثير يروي أن عمر بن الخطاب ينهى كعب الأحبار عن التحدث، ويقول له: (لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة) فذلك لم يكن لتهمة، وإنما كان مخافة التشوش على عقائد العامة وأفكارهم، لعدم تميزهم بين الحق والباطل، مما يحدث به من أخبار الأول، وقد كان عمر ﵁ يمنع المكثرين من الرواية مطلقا، حتى هدد أبا هريرة بمثل ما هدد به كعب الأحبار، فقال له - على ما رواه ابن كثير -: (لتتركن الحديث من رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس)، وقد علل ابن كثير هذا بقوله: (وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي تضعها الناس)

стр. 126

على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك). - أقول -: ولعل سر نهيه لكعب عن الحديث عن الأول، ونهيه لأبي هريرة عن الحديث عن رسول الله ﷺ أن أبا هريرة كان يحدث عن رسول الله ﷺ بما سمعه منه، ومن كعب بما يحدثه به، فكان الناس يخلطون بين حديث الرسول ﷺ ، وحديث كعب، فقد روى مسلم بن الحجاج بسنده إلى بشر بن سعيد أنه قال: اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله ﷺ ، ويحدثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله ﷺ وفي رواية: يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب، اتقوا الله وتحفظوا في الحديث (١). من أجل هذا نرى أن ما قيل من أن الصحابة قد تلقوا الإسرائيليات وحكوها، وأن بعضهم اقتنى أسفارها وأدمن مطالعتها لما استبان له من البشائر النبوية (٢)، وما قيل من أن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود كانا يحكيان أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث يقول: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٣) - لا يصح أن يفهم

стр. 127

هذا أو ذاك على إطلاقه، بل لا بد أن تقيد رواية الصحابة من أهل الكتابي بدائرة الجواز، وهي الأخبار الصادقة فقط، كما قيدت الإباحة في الحديث بذلك على حسب ما وضحنا، قال الشافعي ﵁ في تعليقه على هذا الحديث: «من المعلوم أن النبي ﷺ لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى: حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم» (١). وأيضا نرى أن ما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص من أنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك (٢)، وما ورد عنه كذلك من أنه أصاب جملة من كتب أهل الكتاب، وأدمن النظر فيها، ورأى فيها عجائب (٣)، وما ورد عنه أيضا من أنه تحمل عن أهل الكتاب أشياء تتعلق بالقصص وأخبار الفتن والآخرة (٤) - ما ورد من هذا كله لا يصح أن يفهم على إطلاقه، بل لا بد أن يقيد بدائرة الجواز - كما فهمنا من الحديث الشريف وهي الأخبار الصادقة فقط، ذلك لأن منهج الصحابة جميعا - كما قدمنا كان يقوم أساسا على الدقة والتحري، والاحتياط والتشدد في النقل من أهل الكتاب، ويعجبني ما قاله أحد الباحثين - تعليقا على خبر الزاملتين - فقد قال: «ولكن الذي يخشاه الباحث، وهو يرى الرواة وكتاب التراجم يتحدثون عن قراءة عبد الله بن عمرو بالسريانية وأنه كان بينه وبين

стр. 128

كعب الأحبار جواب أو استفسار - أن يكون خبر الزاملتين قد جاء تتويجا لهذه الأخبار، وركونا إليها، وأن يكون من جنس بعض الروايات الساقطة التي قيلت في هذا الباب، مثل ما روي عنه أنه قال: «رأيت فيما يرى النائم كأن في إحدى يدي عسلا، وفي الأخرى سمنا، وأنا ألعقهما - قال - فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: تقرأ الكتابين: التوراة والقرآن، قال الراوي: وكان يقرأهما». ثم قال هذا الباحث بعد ذلك: «ثم قد صح عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه استأذن النبي ﷺ في كتابة ما سمعه منه، فأذن له فكتبه، فكان عمرو يسمي صحيفته تلك (الصادقة)، قال مجاهد: (رأيت عند عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة فسألت عنها، فقال: هي الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه أحد) - وفي البخاري عن أبي هريرة: «ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب» (١)، فهل كان لصاحب الصحيفة الصادقة بعد هذا - أن يحدث من زاملتين من كتب أهل الكتاب؟ أي من حمل راحلتين من الكتب. فإذا أضفنا إلى ذلك طرفا من سيرة عبد الله بن عمرو في تعبده وتبتله اللذين كان يجهد فيهما نفسه، ويحيف فيهما على زوجه وأقرب الناس إليه مع كثرة حديثه عن الرسول ﷺ كما قدمنا - فإن لنا أن نعيد النظر في خبر الزاملتين، وأنه كان يحدث الناس منهما» (٢).

стр. 129

دفاع عن الصحابة ضد المستشرقين وأتباعهم: وحيث قد عرفنا منهج الصحابة - رضوان الله عليهم - في الأخذ من أهل الكتاب، فليس من الحق في شيء ما يردده المستشرقون وأذنابهم الذين يدعون البحث العلمي، والدراسة المحررة من أن الصحابة كانوا يتوسعون كثيرا في الأخذ عن أهل الكتاب، وأنهم نقلوا الغث والسمين من الأخبار الإسرائيلية بغير روية ولا تبصر، مخالفين - في ذلك - تحذير الرسول ﷺ : ولعل أشد المستشرقين خطرا، وأوسعهم باعا، وأكثرهم خبثا وإفسادا في هذا الميدان - كما يقول الدكتور مصطفى السباعي - هو المستشرق اليهودي المجري (جولد تسيهر)، فقد كان واسع الاطلاع على المراجع العربية - على ما يظهر - حتى عد شيخ المستشرقين من الجيل الماضي، ولا تزال كتبه وبحوثه مرجعا خصبا وهاما للمستشرقين في هذا العصر، وقد نقل لنا الأستاذ (أحمد أمين) بصورة غير رسمية كثيرا من آرائه عن تاريخ الحديث في: (فجر الإسلام وضحاه)، كما نقل لنا بصورة رسمية سافرة بعض آرائه التي صرح بعزوها إليه (١). يقول المستشرق اليهودي (جولد تسيهر) - بصدد ما نحن فيه - وكثيرا ما نجد بين مصادر العلم المفضلة لدى ابن عباس، اليهود بين اللذين اعتنقا الإسلام: كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، كما نجد أهل الكتاب - على وجه العموم - أي رجالا من طوائف ورد التحذير من أخبارها

стр. 130

- عدا ذلك - في أقوال تنسب إلى ابن عباس نفسه، ومن الحق أن اعتناقهم للإسلام قد سما بهم على مظنة الكذب، ورفعهم إلى مرتبة مصادر العلم التي لا تثير ارتيابا، ولم يعد (أوتولوث) شاكلة الصواب، إذ يتحدث عن مدرسة ابن عباس ذات المسحة اليهودية، ولم يعد ابن عباس أولئك الكتابيين الذين دخلوا في الإسلام حججا فقط في الإسرائيليات وأخبار الكتب السابقة التي ذكر كثيرا عنها من الفوائد، بل كان يسأل أيضا كعب الأحبار مثلا عن التفسير الصحيح للتعبير بن القرآنيين: أم الكتاب والمرجان، كما يفترض عند هؤلاء الأحبار اليهود فهم أدق المدارك الدينية العامة الواردة في القرآن، وفي أقوال الرسول، وكان يرجع إلى أخبارهم في مثل هذه المسائل، على الرغم من ضروب التحذير الصادرة من جوانب كثيرة فيهم، ففي تعيين وقت يوم الجمعة الذي أخبر الرسول أن أداء للمسلم الصلاة فيه لا بد أن يقبل - ذكر أن أبا هريرة طلب بيان ذلك عند كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، وذلك بأنهما يعرفان التوراة التي لا بد أن يوجد فيها مثل ذلك، والظاهر أن المحور الذي تدور حوله مثل هذه الأخبار في الغالب هو افتراضات المسلمين في الزمن المتأخر، ويدل على مدى ما تستطيع أن تبلغه مثل هذه الافتراضات من طابع السذاجة ما روى مثلا من حصول اختلاف بين ابن عباس وعمرو بن العاص على قراءة كلمة: (من لدني) في الآية ٧٦ من سورة الكهف، هل هي بتشديد نون (لدني) أو بتخفيفها، وأن الاثنين قصدا إلى كعب الأحبار لتسوية هذا الخلاف (١). ولقد حذا حذو هذا المستشرق اليهودي، وتأثر به تأثرا كبيرا الأستاذ

стр. 131

(أحمد أمين)، فقال - في هذا الصدد نفسه -: «وكان الذي يسد هذا الطمع هو التوراة، وما علق عليها من حواش وشروح، بل وما أدخل عليها من أساطير، وقد دخل بعض هؤلاء اليهود في الإسلام، فتسرب منهم إلى المسلمين كثير من هذه الأخبار، ودخلت في تفسير القرآن يستكملون بها الشرح، ولم يتحرج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس من أخذ قولهم، روى أن النبي ﷺ قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، ولكن العمل كان على غير ذلك، وأنهم كانوا يصدقونهم وينقلون منهم، وإن شئت مثلا لذلك فاقرأ ما حكاه الطبري وغيره». عند تفسير قوله تعالى: (﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ (١)، وقد رأيت أن ابن عباس كان يجالس كعب الأحبار ويأخذ عنه) (٢). والحق أن الصحابة - رضوان الله عليهم - الذين نقلوا لنا سنة الرسول ﷺ ، وحافظوا عليها علما وعملا، وجاهدوا في الله حق جهاده، ونشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، كلهم عدول، وقد أثنى عليهم الله تعالى في القرآن الكريم، وزكاهم رسول الله ﷺ ، فلا يمكن - بحال - أن يكونوا متصفين بهذه الأوصاف القبيحة التي يرددها المستشرقون وأذنابهم، تجريحا للصحابة وطعنا في عدالتهم، حتى لا يوثق بهم ولا يطمأن لنقلهم، وقد نقلوا لنا - فيما نقلوا - أحاديث الرسول ﷺ ، فالطعن فيهم إنما هو وسيلة للطعن في الأصل الثاني الإسلام، وهي السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

стр. 132

قال أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي - في مقام الرد على هؤلاء الأفاكين -: (والحق أن هذا الاتهام بعيد كل البعد عن الحق والصواب)، فابن عباس وغيره من الصحابة - كما قلت آنفا - كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، ولكن لم يكن سؤالهم عن شيء يتصل بالعقيدة أو بأصل من أصول الدين، أو بفرع من فروعه، وإنما كانوا يسألونهم عن تفاصيل لبعض القصص والأخبار الماضية، ولم يكونوا يقبلون كل ما يروى لهم، على أنه صواب لا يتطرق إليه شك، بل كانوا يحكمون دينهم وعقولهم، في اتفق مع الدين والعقل صدقوه، وما خالف ذلك نبذوه، وما سكت عنه القرآن، ولم يرد فيه نص عن الرسول ﷺ ، واحتمل الصدق والكذب توقفوا فيه، ثم كيف يعقل أن يستبيح ابن عباس ﵄ لنفسه أن يحدث عن بني إسرائيل بمثل هذا التوسع والتساهل الذي يجعله مخالفا لأمر الرسول ﷺ ، وقد كان من أشد الناس نكيرا على من يفعل ذلك؟ ثم قال ﵀: (وأما ما قاله جولد تسهير من أن ابن عباس كان لا يقتصر في سؤاله لأهل الكتاب على المسائل الإنجيلية أو الإسرائيلية، بل كان يتجاوز ذلك فيسألهم عن التفسير الصحيح لأم القرآن والمرجان، ونحو ذلك من الألفاظ القرآنية، لما كان يراه ويراه غيره من الصحابة من أن هؤلاء اليهود كان عندهم أحسن الفهم - على العموم - في القرآن وفي كلام الرسول - فقول يريد أن يرفع به ذلك اليهودي خسيسة قومه، ولست أرى عليه مسحة حق، ولا أمارة صدق، إذ كيف يعقل أن يكون ابن عباس وهو ترجمان القرآن، ومن دعا له رسول الله ﷺ بقوله: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، ومن كان عنده أدق الفهم الإشارات القرآن، ودقائق معانيه، حتى لقد ظهر في أكثر من مرة في المسائل المعقدة في التفسير بمظهر الرجل الملهم،

стр. 133

والذي أثنى علي بن أبي طالب على براعته وشفافيه عقله في التفسير بقوله: «كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق»، والذي قال فيه عبد الله بن عمر ﵄: «ابن عباس أعلم أمة محمد بما أنزل على محمد». كيف يعقل أن ابن عباس - وهذه بعض صفاته - يرجع إلى رجل يهودي دخيل على العرب في لفظ عربي ورد في كتاب الله، أو في سنة رسوله، ولو أننا رجعنا إلى الروايات الواردة في ذلك، ونقدناها على طريقة المحدثين في نقد الحديث لوجدناها معلولة الأسانيد، ولا تصلح أن تقوم بها حجة على دعوى رجوع ابن عباس لأبي الجلد (١) أو لغيره لمعرفة معنى لفظ قرآني أو نبوي دق عليه فهمه، وخفي عليه معناه) (٢). وفي نفس هذا المخطط الهدام سار (محمود أبو رية) يعلنها حربا لا هوادة فيها على الصحابة رضوان الله عليهم، فقد رماهم بالتهم الباطلة التي تلقفها من أفواه أسياده المبشرين والمستشرقين، رماهم بالغفلة وعدم الفهم، وأنهم لم يفطنوا لتمييز الصدق من الكذب، وأنهم تتلمذوا على أحبار أهل الكتاب، وأنهم وثقوا بهم، وانقادوا لهم، وقد أسف في كلامه إسفافا بالغا بالنسبة لأبي هريرة ﵁ بصفة خاصة، وتفوه بكلمات نابية - في حق هذا الصحابي الجليل - تنم عن طبع غير كريم، وقلب غير سليم، فقال هذا اللئيم: «كان من أثر وثوق الصحابة بمسلمة أهل الكتاب واغترارهم بهم أن صدقوهم فيما يقولون، ويروون عنهم ما يفترون، وقد نص رجال

стр. 134

الحديث في كتبهم أن العبادلة الثلاثة (١) وأبا هريرة ومعاوية وأنس وغيرهم قد رووا عن كعب الأحبار وإخوانه، وكان أبو هريرة أكثر الصحابة وثوق بهم، وأخذا عنهم، وانقيادا لهم (٢). ثم قال: (من أجل ذلك كله أخذ أولئك الأحبار يبنون في الدين الإسلامي أكاذيب وترهات، يزعمون مرة أنها في كتابهم ومن مكنون علمهم، ويدعون أخرى أنها مما سمعوه من النبي ﷺ ، وهي في الحقيقة من مفترياتهم، وأنى للصحابة أن يفطنوا لتمييز الصدق من الكذب من أقوالهم، وهم من ناحية لا يعرفون العبرانية التي هي لغة كتبهم، ومن ناحية أخرى كانوا أقل منهم دهاء وأضعف مكرا، وبذلك راجت بينهم سوق هذه الأكاذيب، وتلقى الصحابة ومن تبعهم كل ما يلقيه هؤلاء الدهاة بغير نقد أو تمحيص، معتبر بن أنه صحيح لا ريب فيه) (٣). ثم قال - عن أبي هريرة ﵁: (ويبدو أن أبا هريرة كان أول الصحابة انخداعا به - يعني كعب الأحبار - وثقة فيه، ورواية عنه وعن إخوانه، كما كان أكثرهم رواية الحديث، ويتبين من الاستقراء أن كعب الأحبار قد سلط قوة دهائه على سذاجة أبي هريرة، لكي يستحوذ عليه وينيمه، ليلقنه كل ما يريد أن يبثه في الدين الإسلامي من خرافات وأوهام، وكان له في ذلك أساليب غريبة، وطرق عجيبة) (٤). وقد أبلى علماؤنا الأجلاء بلاء حسنا في الدفاع عن أبي هريرة ﵁

стр. 135

وأنصفوه أيما إنصاف من هذا البذيء الذي أعمى الله بصيرته، وأضله على علم، فأطلق لسانه وقلمه سبا وطعنا في هذا الصحابي الجليل، ومن هؤلاء العلماء أستاذنا الدكتور محمد السماحي، فقد قال - في مقام الرد على أكاذيب أبي ربة -: (ومن العجيب الغريب قوله: (ويبدو أن أبا هريرة كان أول الصحابة انخداعا به، وثقة فيه)) الخ - نعم، روى أبو هريرة عن كعب كما روى عنه غيره، فإن كان كعب دخل الإسلام على دخل، وانخدع به الصحابة - كما يقول - فأبو هريرة مثلهم، ولكن من أين بدا له أن أبا هريرة كان أولهم انخداعا به، وثقة فيه، ورواية عنه، فإن صح ما يقول فأول منخدع به، واثق فيه، مكثر الرواية عنه ومن أمثاله هو ابن عباس الذي روت الرواة عنه شرح آيات القرآن في قصصه بالإسرائيليات (١)، ولم يكن ابن عباس ممن يقرأ التوراة ولا التلمود، وهو من رواة كعب، ولم يطعن أحد في ابن عباس، ولم يؤخذ عليه أنه ينقل عن الإسرائيليات، ولا أنه كان مخدوعا بكعب أو بغيره، إلى كل ما في الأمر أنهم يسترشدون بتفصيل ما أجمل في القرآن بروايات كعب وأمثاله من علماء اليهود الذين دخلوا في الإسلام، والقاعدة عندهم معلومة، فقد أباح لهم الرسول ﷺ أن يحدثوا عنهم، وحذرهم من تصديقهم وتكذيبهم؛ فليست إذن هذه الروايات مما يعول عليها في دين الله وشريعة الإسلام، حتى تكون مصدر شبهات للمؤمنين، أو الملاحدة والمارقين، ولا توجب أن يكون الدين كغيره من سائر الأديان دين خرافات وأوهام، وليست عقائد حتى تجلى المسلمين عن عقائدهم، بل كل ما في الأمر أنها قصص لا يضر الجهل به، ولا ينفع العلم به، فإن ذكر على أنه استئناس بما جاء في الكتب السابقة، وتفصيل

стр. 136

لما أجمله القرآن على أساس القاعدة المعلومة فلا بأس من روايته، ومن ذلك يتبين لك أن الصحابة لم ينخدعوا في كعب لا في قليل ولا في كثير، فسواء صدق كعب فيما يحدث به أو كذب فإنه لا يروي عن مصدر التشريع المنير عندهم (١). موقف التابعين من الإسرائيليات: وإذا كان ذلك موقف الصحابة - رضوان الله عليهم - من الأخبار الإسرائيلية فما هو موقف التابعين؟ لقد كان منهج التابعين - على العكس من ذلك - يقوم على التوسع في رواية الإسرائيليات، والأخذ عن أهل الكتاب، ومن ثم ألبس الحق بالباطل، واختلط الحابل بالنابل، واشتبه الغث بالسمين، ويمكن أن نرجع ذلك - عند التابعين - إلى سببين: الأول: أن التابعين لم تثبت عدالتهم جميعا كما ثبت عدالة الصحابة، ومن ثم نجد بعض التابعين قد أسرف في رواية الإسرائيليات عن أهل الكتاب من غير أن يتحرى الدقة في روايتها، بل إن بعضهم قد تساهل في رواية بعض الإسرائيليات وهو يعلم أنها مكذوبة وباطلة، وهذا ما لم يكن بحال يحدث من الصحابة رضوان الله عليهم. والسبب الآخر: أنه قد دخل عدد كبير من أهل الكتاب في الإسلام إلا أن بعضهم قد اعتنق الإسلام نفاقا وزورا، مثل عبد الله بن سبأ اليهودي، وهؤلاء الكتابيون جميعا كانوا مصدرا أساسيا لإدخال الإسرائيليات في

стр. 137

ثقافة المسلمين، وبالتالي في تفسير القرآن الكريم، وهذه الظاهرة كانت أكثر وضوحا في عهد التابعين. وزاد الطين بلة في العصور التي جاءت بعد عصر التابعين فيما يتعلق بالرواية من أهل الكتاب، والتوسع في الأخذ منهم، فتضخمت الإسرائيليات ومعظمها خرافات في تفسير القرآن الكريم تضخما كبيرا، وأصبحت من الكثرة بحيث تكاد تحجب عن المسلمين هداية القرآن الكريم، ومن هؤلاء المسرفين والحاطبين بليل محمد بن السائب الكلبي الذي كان يهودي النزعة فقد كان من أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي (١)، وكان متهما بالكذب والوضع (٢) وقد عرف هذا الكلبي بالتفسير (٣)، ومنهم كذلك عبد الملك ابن عبد العزيز بن جريج الذي كان روميا نصرانيا، وقد رويت عنه مرويات كثيرة في التفسير منها الصحيح وغير الصحيح لأنه لم يقصد الصحة، وإنما روى ما ذكر في كل آية من الصحيح والسقيم (٤)، قال الدكتور الذهبي - عن ابن جريج هذا -: «ونرى أن كثيرا منهم - يعني العلماء - يحكم عليه بالتدليس وعدم الثقة ببعض مروياته، ومع هذا فقد قال فيه الإمام أحمد: إنه من أوعية العلم، ونحن معه في ذلك، ولكنه وعاء لعلم امتزج صحيحه بعليله؛ ولا نظن إلا أن الإمام أحمد يعني ذلك بدليل ما تقدم عنه من قوله: (بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريح أحاديث موضوعة وكان ابن جريج لا يبالي من أين أخذها)، وكان الإمام مالك ﵁

стр. 138

يرى فيه أنه لا يبالي من أين يأخذ، فقد روى عنه أنه قال: - ابن جريج حاطب ليل» (١). ومن هؤلاء المسرفين في الروايات الإسرائيلية كذلك مقاتل بن سليمان الذي ناله من الطعن والتجريح ما لم ينله أحد من علماء عصره فيما نعلم، وذلك لما عرف عنه من المذاهب الردية، والعقائد الفاسدة، فعن أبي حاتم محمد بن حبان البستي أنه قال: «مقاتل بن سليمان كان يأخذ عن اليهود والنصارى من علم القرآن العزيز الذي يوافق كتبهم، وكان مشبها يشبه الرب بالمخلوقين،. وكان يكذب مع ذلك في الحديث» (٢) وأيضا قال الدكتور الذهبي: «والحق أن علم مقاتل بن سليمان علم شره أكثر من خيره، وضره أكبر من نفعه، وإذا كان مقاتل بن حيان يقول: إن علمه كالبحر، فكثيرا ما يحمل البحر الخبث، ويقذف بالغثاء والزبد، والحق أيضا أن تفسير مقاتل يحوي من الإسرائيليات والخرافات وضلالات المشبهة والمجسمة ما ينكره الشرع، ولا يقبله العقل، وإذا كان حقا ما نسب إلى الشافعي من قوله: (الناس عيال في التفسير على مقاتل) فلست ألمح في قوله هذا استحسانا لتفسيره ولا ثناء عليه، ولا أعقل من هذه العبارة - وقد بلوت تفسير مقاتل - إلا أن الشافعي أراد أنه كان مرجعا المفسرين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، وجد فيه المعتدلون الفهم السليم للنص القرآني، فاقتبسوه منه، ووجد فيه أصحاب المذاهب الردية كالمشبهة والمجسمة ما يوافق هواهم، فنقلوه عنه، ووجد فيه المولعون بالقصص ورواية الأخبار معينة فياضا بالغرائب والأعاجيب، فاستمدوا منه ما أشبع رغباتهم، ووافق ميولهم

стр. 139

وإذا كان هؤلاء هم عيال مقاتل على مائدة تفسيره فما أكثر المتخمين منهم بالمناكير والأباطيل، وما أقل من طوى صدره منهم على الحقيقة الناصعة، والرأي السديد» (١). كعب الأحبار ووهب ابن منبه: وقبل أن نختم الحديث عن الإسرائيليات في عصر الصحابة والتابعين نود أن نتحدث عن قطبي الرواية الإسرائيلية في هذا العصر، وهما كعب الأحبار ووهب بن منبه، وذلك لكثرة ما أثير حولهما من أباطيل وأكاذيب. أولا - كعب الأحبار: هو حبر من أحبار اليهود الذين كانوا باليمين، أسلم - على المشهور - في عهد عمر بن الخطاب ﵁، وقد أجمع علماء الجرح والتعديل على توثيقه، ويكفي أن الإمام مسلما - وهو من هو في دقة الحديث وضبطه - قد أخرج له في صحيحه، كما يكفيه فخرا أن فريقا من الصحابة قد رووا عنه مثل عبد الله بن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهم. وقد كان لكعب الأحبار - بعد إسلامه - دور بارز في نقل كثير من الأخبار الإسرائيلية إلى المجتمع الإسلامي، وإلى ثقافة المسلمين، إلا أن بعض هذه الأخبار التي نقلت عنه لا تعدو أن تكون من قبيل الخرافات والأساطير، وقد اختلف الناس في أخباره التي هي من هذا القبيل، فقال قوم - معتذرين عن كعب في حكايتها -: إنه كان يحكي هذه

стр. 140

الأخبار، لا على أنها من كلام الرسول ﷺ ، ولا على أنها صادقة، بل كان يحكيها على علاتها، معتمدا على أن المسلمين جميعا يعلمون أنها مستمدة من كتب اليهود المحرفة، فالذنب ليس ذنبه في رواج هذه الأخبار، بل ذنب هؤلاء المسلمين الذين لم يحتاطوا في قبولها ولا في روايتها، بل توسعوا توسعا كبيرا في ذلك، وحشدوا الإسرائيليات حشدا في كتبهم، فتناقلها الناس جيلا بعد جيل، وراجت بين المسلمين رواجا كبيرا، قال أحد أساتذتنا الأجلاء: (لا ينبغى أن يتخذ من رواية هذه الإسرائيليات وسيلة للطعن في رواتها من أمثال كعب ووهب ممن أثنى عليهم الصحابة، وزكاهم أهل البصر بالتعديل والتجريح، وذلك لأنهم حكوها من الكتب غير مصدقين لها على الإطلاق، بل كانت عقيدتهم فيها كعقيدة الصحابة: ما جاء على وفق شرعنا صدقوه، وما خالفه كذبوه، وما لم يوافق أو يخالف شرعنا ردوا فيه العلم إلى الله ، وما مثلهم فيما ينقلون ويحكون إلا كمثل رجل أمين أراد أن يطلعك على كتاب مؤلف بغير لسانك، فترجمه إلى لغة تفهمها، لتعرف ما فيه إن صدقا وإن كذبا، والصدق والكذب حينئذ يضاف إلى الكتاب لا إلى الناقل) (١). وقال آخرون: إن كعب الأحبار بريء من هذه الأخبار فهي قد نسبت إليه كذبا وزورا، ولعل أولئك الذين نسبوها إليه إنما أرادوا أن يضفوا عليها لباسا من الثقة والإجلال، وذلك بنسبتها إلى تابعي عظيم، وعالم جليل جمع الثقافتين الإسلامية واليهودية معا، وهو كعب الأحبار، وكعب منها براء، وهذا القول هو ما تميل إليه نفسى، ويطمئن إليه قلبي، لأن كعبا كان صادق

стр. 141

الإسلام، وكان يعلم تماما أحاديث الرسول ﷺ بالنسبة لهذه الإسرائيليات، وأن الرسول - صلوات الله عليه - لا يجيز روايتها هكذا على علاتها، فكيف يسوغ لتابعي جليل رضيه بعض الصحابة أستاذا لهم - أن يخالف الرسول عن أمره، وقد قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (١). ثانيا - وهب بن منبه: هو يمني من أصل فارسي، وكان من أهل الكتاب الذين أسلموا، وكان عالما بأخبار الأولين، وقصص السابقين، حتى لقد روي عنه أنه قال: «عبد الله بن سلام أعلم أهل زمانه، وكعب الأحبار أعلم أهل زمانه، أفرأيت من جمع علمهما - يريد نفسه» (٢)، وقد اتفق الجمهور على توثيقه. ولم يشذ عنهم سوى رجل واحد اتهمه بالقول في القدر، قال ابن حجر: «وهب بن منبه الصنعاني من التابعين، وثقه الجمهور، وشذ القلاس، فقال: كان ضعيفا، وكان شبهته في ذلك أنه كان يتهم بالقول في القدر» (٣)، ولكنه قد رجع من هذا القول بعد أن ظهر له الصواب، وبعد رجوعه عن رأيه لا يصح أن نطمن عليه من هذه الناحية (٤). وقد نسب إلى وهب بن منبه الكثير من الإسرائيليات، ولكن جانبا كبيرا منها - فيما يبدو - لا تصح نسبته إليه، ولعل ما صنعه البخاري

стр. 142

بالنسبة لوهب بن منبه يدل دلالة واضحة على ما ذكرنا، فقد أخرج له حديثا واحدا عن أخيه همام عن أبي هريرة في كتابة الحديث (١)، فاقتصار البخاري على حديث واحد لوهب يدل على أن معظم ما نسب إليه أسانيده واهية وإلا لأخرج البخاري له في صحيحه أكثر من حديث (٢)، قال أستاذنا الدكتور الذهبي ﵀: (وما كان لي ولا لغيري أن ينكر إكثار وهب من رواية الإسرائيليات، فذلك أمر تتعلق به كتب التفسير والحديث التي تعنى بسرد الإسرائيليات، ولكن الذي أنكره وينكره كل منصف أن تكون كل هذه الإسرائيليات - ومنها أباطيل كثيرة - صحيح نسبتها إليه، فلو أننا عرضناها على قواعد المحدثين في نقد الرواية والرواة لتبين لنا أن طائفة منها مكذوبة عليه، وأن اسمه - لشهرته العلمية الواسعة بما كتب أهل الكتاب - قد استغل واتخذ مطية لترويج الكذب وإذاعته بين الناس) (٣). هذان هما قطبا الرواية الإسرائيلية: كعب الأحبار، ووهب بن منبه التابعيان الجليلان اللذان عاشا مع الصحابة، وأخذا من الصحابة، ولقد جاء من بعدهما أناس ينقلون كل ما هب ودب بالنسبة الإسرائيليات في التفسير، ولا يميزون بين الحق والباطل، ولا بين الغث والسمين، مثل محمد بن السائب الكلبي، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومقاتل بن سليمان ومحمد بن مروان السدي، وهؤلاء جميعا - كما سبق أن ذكرنا - تكلم فيهم علماء الجرح والتعديل، واتهموهم بالكذب والوضع والمذاهب الفاسدة.

стр. 143

وإني أرى أن هؤلاء وأمثالهم هم الذين يتحملون وزر إدخال الإسرائيليات بدون ضوابط ولا قيود - في التفسير بصفة خاصة، وفي ثقافة المسلمين بصفة عامة، فقد كانوا لا يتورعون من وضع الخرافات، ثم ينسبونها كذبا إلى من قبلهم من الصحابة أو التابعين، بقصد ترويجها بين المسلمين، ولقد جاء بعدهم أناس ألفوا في التفسير، فشحنوا كتبهم بهذه الخرافات والأساطير، ومن ثم قال الإمام أحمد: «ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي» (١) ولعله يعني بالتفسير هذا التفسير المحشو بالخرافات والأساطير والله أعلم. ثالثا - دفاع عن كعب ووهب: وعلى الرغم من أن علماء الجرح والتعديل قد وثقوا كلا من كعب الأحبار ووهب بن منبه - كما سبق أن ذكرنا - نجد للأسف في عصرنا الحاضر أصواتا شاذة تحاول أن تشكك في صدق هذين الرجلين، بل وفي إسلامهما، وأصحاب هذه الأصوات أناس يلبسون مسوح التحقيق العلمي، والتحقيق العلمي منهم براء، وبعض هؤلاء - في الحقيقة - عملاء الأعداء الدين من المبشرين والمستشرقين الذين يريدون - من وراء هجومهم على الصحابة والتابعين - تشكيك المسلمين في دينهم، وإثارة البلبلة في نفوسهم، ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ (٢). وأشهر أولئك الذين هاجموا كعب الأحبار ووهب بن منبه ثلاثة، هم السيد محمد رشيد رضا، والأستاذ أحمد أمين، ومحمود أبو رية. أما السيد محمد رشيد رضا فإنه قد اتهم كلا الرجلين بالكذب،

стр. 144

وأن علماء الجرح والتعديل قد انخدعوا بتصديقهما وتوثيقهما، وأن ما دسه الرجلان في الإسلام من الأكاذيب كان من جملة ما تعلق به الملاحدة وأعداء الدين في شبهاتهم التي أثاروها حول الإسلام، وفي ذلك يقول: «فأنت ترى أن هذا الإمام المحقق - يعني ابن تيمية - جزم بالوقف عن تصديق جميع ما عرف أنه من رواة الإسرائيليات، وهذا في غير ما يقوم الدليل على بطلانه في نفسه، وصرح في هذا المقام بروايات كعب الأحبار ووهب بن منبه، مع أن قدماء رجال الجرح والتعديل اغتروا بهما وعدلوهما فكيف لو تبين له ما تبين لنا من كذب كعب ووهب، وعزوهما إلى التوراة وغيرها من كتب الرسل ما ليس فيها شيء منه، ولا حومت حوله» (١) ثم قال السيد محمد رشيد رضا أيضا: «وإنا بعد اختبارنا ثلث قرن قضيناه في معالجة الشبهات، ومناظرة الملاحدة وأمثالهم من خصوم الإسلام، والرد عليهم قولا وكتابة، قد ثبت عندنا أن روايات كعب ووهب في كتب التفسير والقصص والتاريخ كانت شبهات كثيرة للمؤمنين، لا للملاحدة والمارقين وحدهم، وإن المستقلين في الرأي لا يقبلون ما قالوه: أن كل من قال جمهور رجال الجرح والتعديل بعدالته فهو عدل، وإن ظهر لمن بعدهم فيه من أسباب الجرح ما لم يظهر لهم»، وقال ﵀: «رأينا الشيء الكثير في رواياتهما مما نقطع بكذبه، لمخالفة ما روياه مما كانا يعزوانه للتوراة وغيرهما من كتب الأنبياء، فجزمنا بكذبهما، وهو مما لم يكن يعلمه المتقدمون، لأنهم لم يعلموا على كتب أهل الكتاب، والطعن في روايتهما يدفع شبهات كثيرة عن كتب الإسلام، ولا سيما تفسير كتاب الله المحشو بالخرافات» (٢).

стр. 145

ويعجبني في هذا المقام رد أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي على هذا الاتهام حيث يقول ﵀: «إننا لا نقر الشيخ ﵀ على هذا الاتهام البليغ لكعب ووهب، ولا على رميهما بالكذب، ولا على ما ادعاه عزوهما إلى التوراة أو غيرها ما ليس فيها، كما أنا لا نقره على اتهامه لعلماء الجرح والتعديل الذين طهروا لنا السنة من الدخيل، وأزاحوا عنها ما لصق بها من الموضوعات، وبينوا لنا الصحيح والعليل فيها، والعدل والمجروح من رواتها، حيث رماهم بالغفلة والاغترار، وهم أهل هذا الفن الذي لا يصلح له إلا قليل من الناس، وهو نفسه يرتضيهم في باب الجرح والتعديل، ويعتمد رأيهم في كثير من المواقف التي يحتاج فيها إلى تصحيح حديث أو تضعيفه، ولا ندري ما هذا الكذب الذي تبين له من كعب ووهب، وخفي عن ابن تيمية - وهو من نعلم علما ومعرفة - وليت الشيخ ﵀ بين لنا ما يستند إليه في دعواه، وغالب الظن أنه ما نسبهما إلى الكذب إلا لأنه قارن بين ما يروى عن كعب وغيره من مسلمة أهل الكتاب وما يقابل ذلك من التوراة التي ينقل عنها كثيرا في تفسيره، فوجده مخالفا لما فيها، فكان ذلك كذبا في نظره، كأن التوراة هي العمدة التي يعتمد عليها، والأصل الذي يحتكم إليه، ونسي أنها محرفة مبدلة، وأن بجوارها شروحا وسننا تعتبر عند أهلها من المصادر المهمة، فلم لا تكون التوراة التي نقل عنها كعب ووهب غير التي نقل عنها الشيخ رشيد، ومعروف أن يد التحريف والتبديل لعبت فيها أكثر من مرة؟ ولم لا تكون الرواية التي رواها كعب أو غيره، ولا يجدها الشيخ في التوراة التي يحتكم إليها، في تفسيره، ويرد بها روايات كعب ووهب - لم لا تكون مأخوذة من التلمود أو غيره من شروح التوراة وما يتبعها من نصائح وسنن» (١)
следующие страницы →