الإسلام، وكان يعلم تماما أحاديث الرسول ﷺ بالنسبة لهذه الإسرائيليات، وأن الرسول - صلوات الله عليه - لا يجيز روايتها هكذا على علاتها، فكيف يسوغ لتابعي جليل رضيه بعض الصحابة أستاذا لهم - أن يخالف الرسول عن أمره، وقد قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (١).
ثانيا - وهب بن منبه:
هو يمني من أصل فارسي، وكان من أهل الكتاب الذين أسلموا، وكان عالما بأخبار الأولين، وقصص السابقين، حتى لقد روي عنه أنه قال: «عبد الله بن سلام أعلم أهل زمانه، وكعب الأحبار أعلم أهل زمانه، أفرأيت من جمع علمهما - يريد نفسه» (٢)، وقد اتفق الجمهور على توثيقه. ولم يشذ عنهم سوى رجل واحد اتهمه بالقول في القدر، قال ابن حجر: «وهب بن منبه الصنعاني من التابعين، وثقه الجمهور، وشذ القلاس، فقال: كان ضعيفا، وكان شبهته في ذلك أنه كان يتهم بالقول في القدر» (٣)، ولكنه قد رجع من هذا القول بعد أن ظهر له الصواب، وبعد رجوعه عن رأيه لا يصح أن نطمن عليه من هذه الناحية (٤).
وقد نسب إلى وهب بن منبه الكثير من الإسرائيليات، ولكن جانبا كبيرا منها - فيما يبدو - لا تصح نسبته إليه، ولعل ما صنعه البخاري
стр. 142
بالنسبة لوهب بن منبه يدل دلالة واضحة على ما ذكرنا، فقد أخرج له حديثا واحدا عن أخيه همام عن أبي هريرة في كتابة الحديث (١)، فاقتصار البخاري على حديث واحد لوهب يدل على أن معظم ما نسب إليه أسانيده واهية وإلا لأخرج البخاري له في صحيحه أكثر من حديث (٢)، قال أستاذنا الدكتور الذهبي ﵀: (وما كان لي ولا لغيري أن ينكر إكثار وهب من رواية الإسرائيليات، فذلك أمر تتعلق به كتب التفسير والحديث التي تعنى بسرد الإسرائيليات، ولكن الذي أنكره وينكره كل منصف أن تكون كل هذه الإسرائيليات - ومنها أباطيل كثيرة - صحيح نسبتها إليه، فلو أننا عرضناها على قواعد المحدثين في نقد الرواية والرواة لتبين لنا أن طائفة منها مكذوبة عليه، وأن اسمه - لشهرته العلمية الواسعة بما كتب أهل الكتاب - قد استغل واتخذ مطية لترويج الكذب وإذاعته بين الناس) (٣).
هذان هما قطبا الرواية الإسرائيلية: كعب الأحبار، ووهب بن منبه التابعيان الجليلان اللذان عاشا مع الصحابة، وأخذا من الصحابة، ولقد جاء من بعدهما أناس ينقلون كل ما هب ودب بالنسبة الإسرائيليات في التفسير، ولا يميزون بين الحق والباطل، ولا بين الغث والسمين، مثل محمد بن السائب الكلبي، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومقاتل بن سليمان ومحمد بن مروان السدي، وهؤلاء جميعا - كما سبق أن ذكرنا - تكلم فيهم علماء الجرح والتعديل، واتهموهم بالكذب والوضع والمذاهب الفاسدة.
стр. 143
وإني أرى أن هؤلاء وأمثالهم هم الذين يتحملون وزر إدخال الإسرائيليات بدون ضوابط ولا قيود - في التفسير بصفة خاصة، وفي ثقافة المسلمين بصفة عامة، فقد كانوا لا يتورعون من وضع الخرافات، ثم ينسبونها كذبا إلى من قبلهم من الصحابة أو التابعين، بقصد ترويجها بين المسلمين، ولقد جاء بعدهم أناس ألفوا في التفسير، فشحنوا كتبهم بهذه الخرافات والأساطير، ومن ثم قال الإمام أحمد: «ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي» (١) ولعله يعني بالتفسير هذا التفسير المحشو بالخرافات والأساطير والله أعلم.
ثالثا - دفاع عن كعب ووهب:
وعلى الرغم من أن علماء الجرح والتعديل قد وثقوا كلا من كعب الأحبار ووهب بن منبه - كما سبق أن ذكرنا - نجد للأسف في عصرنا الحاضر أصواتا شاذة تحاول أن تشكك في صدق هذين الرجلين، بل وفي إسلامهما، وأصحاب هذه الأصوات أناس يلبسون مسوح التحقيق العلمي، والتحقيق العلمي منهم براء، وبعض هؤلاء - في الحقيقة - عملاء الأعداء الدين من المبشرين والمستشرقين الذين يريدون - من وراء هجومهم على الصحابة والتابعين - تشكيك المسلمين في دينهم، وإثارة البلبلة في نفوسهم، ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ (٢).
وأشهر أولئك الذين هاجموا كعب الأحبار ووهب بن منبه ثلاثة، هم السيد محمد رشيد رضا، والأستاذ أحمد أمين، ومحمود أبو رية.
أما السيد محمد رشيد رضا فإنه قد اتهم كلا الرجلين بالكذب،
стр. 144
وأن علماء الجرح والتعديل قد انخدعوا بتصديقهما وتوثيقهما، وأن ما دسه الرجلان في الإسلام من الأكاذيب كان من جملة ما تعلق به الملاحدة وأعداء الدين في شبهاتهم التي أثاروها حول الإسلام، وفي ذلك يقول: «فأنت ترى أن هذا الإمام المحقق - يعني ابن تيمية - جزم بالوقف عن تصديق جميع ما عرف أنه من رواة الإسرائيليات، وهذا في غير ما يقوم الدليل على بطلانه في نفسه، وصرح في هذا المقام بروايات كعب الأحبار ووهب بن منبه، مع أن قدماء رجال الجرح والتعديل اغتروا بهما وعدلوهما فكيف لو تبين له ما تبين لنا من كذب كعب ووهب، وعزوهما إلى التوراة وغيرها من كتب الرسل ما ليس فيها شيء منه، ولا حومت حوله» (١) ثم قال السيد محمد رشيد رضا أيضا: «وإنا بعد اختبارنا ثلث قرن قضيناه في معالجة الشبهات، ومناظرة الملاحدة وأمثالهم من خصوم الإسلام، والرد عليهم قولا وكتابة، قد ثبت عندنا أن روايات كعب ووهب في كتب التفسير والقصص والتاريخ كانت شبهات كثيرة للمؤمنين، لا للملاحدة والمارقين وحدهم، وإن المستقلين في الرأي لا يقبلون ما قالوه: أن كل من قال جمهور رجال الجرح والتعديل بعدالته فهو عدل، وإن ظهر لمن بعدهم فيه من أسباب الجرح ما لم يظهر لهم»، وقال ﵀: «رأينا الشيء الكثير في رواياتهما مما نقطع بكذبه، لمخالفة ما روياه مما كانا يعزوانه للتوراة وغيرهما من كتب الأنبياء، فجزمنا بكذبهما، وهو مما لم يكن يعلمه المتقدمون، لأنهم لم يعلموا على كتب أهل الكتاب، والطعن في روايتهما يدفع شبهات كثيرة عن كتب الإسلام، ولا سيما تفسير كتاب الله المحشو بالخرافات» (٢).
стр. 145
ويعجبني في هذا المقام رد أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي على هذا الاتهام حيث يقول ﵀: «إننا لا نقر الشيخ ﵀ على هذا الاتهام البليغ لكعب ووهب، ولا على رميهما بالكذب، ولا على ما ادعاه عزوهما إلى التوراة أو غيرها ما ليس فيها، كما أنا لا نقره على اتهامه لعلماء الجرح والتعديل الذين طهروا لنا السنة من الدخيل، وأزاحوا عنها ما لصق بها من الموضوعات، وبينوا لنا الصحيح والعليل فيها، والعدل والمجروح من رواتها، حيث رماهم بالغفلة والاغترار، وهم أهل هذا الفن الذي لا يصلح له إلا قليل من الناس، وهو نفسه يرتضيهم في باب الجرح والتعديل، ويعتمد رأيهم في كثير من المواقف التي يحتاج فيها إلى تصحيح حديث أو تضعيفه، ولا ندري ما هذا الكذب الذي تبين له من كعب ووهب، وخفي عن ابن تيمية - وهو من نعلم علما ومعرفة - وليت الشيخ ﵀ بين لنا ما يستند إليه في دعواه، وغالب الظن أنه ما نسبهما إلى الكذب إلا لأنه قارن بين ما يروى عن كعب وغيره من مسلمة أهل الكتاب وما يقابل ذلك من التوراة التي ينقل عنها كثيرا في تفسيره، فوجده مخالفا لما فيها، فكان ذلك كذبا في نظره، كأن التوراة هي العمدة التي يعتمد عليها، والأصل الذي يحتكم إليه، ونسي أنها محرفة مبدلة، وأن بجوارها شروحا وسننا تعتبر عند أهلها من المصادر المهمة، فلم لا تكون التوراة التي نقل عنها كعب ووهب غير التي نقل عنها الشيخ رشيد، ومعروف أن يد التحريف والتبديل لعبت فيها أكثر من مرة؟ ولم لا تكون الرواية التي رواها كعب أو غيره، ولا يجدها الشيخ في التوراة التي يحتكم إليها، في تفسيره، ويرد بها روايات كعب ووهب - لم لا تكون مأخوذة من التلمود أو غيره من شروح التوراة وما يتبعها من نصائح وسنن» (١)
стр. 146
وأيضا حمل أستاذنا الدكتور محمد أبو زهو حملة شعواء على صاحب هذا الاتهام الباطل، فقال: «وليس كل ما ينسب إلى كعب ووهب وأضرابهما صحيحا، فقد اختلق عليهم الوضاعون كثيرا، ليروجوا باطلهم بنسبته إليهم، وتناقل هذه الأخبار المكذوبة بعض القصاص والمؤرخين والأدباء، وبعض القاصرين من المفسرين، على أنها حقائق، من غير أن يتثبتوا من صحة نسبتها إلى من عزيت إليه، وبدون أن يفطنوا إلى أنهم كانوا يروونها على أنها إسرائيليات بتقدير صحتها عنهم، فضلوا وأضلوا، والذنب ليس ذنب كعب ووهب، ولكنه ذنب القصور والتقصير، ومن المضحكات المبكيات ما زعمه بعض أدعياء العلم في عصرنا، من أنه قد عني بمطالعة الكتب التي ألفها أعداء الدين، فوجد أكثر المطاعن التي تتخذ شبهة على الإسلام مأخوذة من إسرائيليات تروى عن كعب ووهب، وهذا يدل - في نظره القاصر - على أنهما من اليهود الذين تظاهروا بالإسلام ليفسدوه، وزعم هذا المدعي أيضا أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الجرح والتعديل قد أثنوا عليهما خيرا وعدلوهما، من غير أن يفطنوا إلى ما فطن له هو من أمرهما - وهذا الزعم بنوعيه لا يصدر إلا عن جاهل قد ملأه الغرور، أو مجنون لا يدري ما يقول، ولو أنه كلف نفسه النظر في أسانيد هذه الروايات التي تنسب إليهما ليتبين أصحيحة هي منهما أم باطلة، ثم تأمل بعد ذلك إلى أنهما كانا يرويانها على أنها إسرائيليات ما رمى الصحابة والتابعين ومن بعدهما من حذاق الناقدين بهذا البهتان المبين» (١).
وأما الأستاذ أحمد أمين فقد وجه إلى كعب الأحبار تهمتين:
стр. 147
الأولى: أنه دس هو وأمثاله في علوم للمسلمين كثيرا من الأخبار الباطلة التي كان لها في نفوس المسلمين أثر غير صالح.
والثانية: أنه كان شريكا في المؤامرة التي قتل فيها عمر بن الخطاب ﵁، وفي ذلك يقول أحد أمين: (وقد لاحظ بعض الباحثين أن بعض الثقات كابن قتيبة والنووي لا يروي عنه - يعني كعبا - أبدا، وابن جرير الطبري يروي عنه قليلا، ولكن غيرهم كالثعلبي والنسائي ينقل عنه كثيرا.
في قصص الأنبياء، كقصة يوسف والوليد بن الريان وأشباه ذلك، ويروي ابن جرير أنه جاء إلى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام، وقال له: اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام، قال: وما يدريك؟ قال أجده في كتاب الله في التوراة، قال عمر: إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة، قال: اللهم لا … ولكن أجد صفتك وحليتك، وأنه قد فني أجلك، وهذه القصة إن صحت دلت على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر، ثم وضعها هو في هذه الصبغة الإسرائيلية، كما تدلنا على مقدار اختلافه فيما ينقل، وعلى الجملة فقد دخل على المسلمين من هؤلاء وأمثالهم في عقيدتهم وعلمهم كثير كان له فيهم أثر غير صالح (١).
وقد قام أستاذنا الدكتور الذهبي بالرد على ما قاله أحمد أمين، فقال: «ولسنا نقر الأستاذ أحمد أمين ﵀ على كلامه هذا، فكون بعض الثقات كابن قتيبة والنووي لم يرووا من كعب لا يدل على وهن فيه، فقد روى عنه من هو خير من ابن قتيبة والنووي في باب الحديث رواية ودراية كالإمام مسلم وغيره ممن ذكرنا، والقصة التي رواها ابن جرير في تاريخه عن مقتل عمر ﵁ لا أظنها صحيحة، لأنها لو صحت لكان
стр. 148
معنى ذلك أن كعبا - وهو شريك في الجريمة كما يزعم - يكشف عن نفسه بنفسه، وذلك على غير المألوف من عادة المجرمين من المبالغة في كتمان ما يدبرون، وعدم إثارة الشكوك حولهم، ورواية ابن جرير للقصة لا تدل على صحتها، لأن ابن جرير - كما هو معروف عنه - لم يلتزم الصحة في كل ما يرويه، والذي ينظر في تفسيره يجد فيه مما لا يصح شيئا كثيرا، كما أن ما يرويه في تاريخه لا يعدو أن يكون من قبيل الأخبار التي تحتمل الصدق والكذب، ولم يقل أحد بأن كل ما يروى في كتب التاريخ ثابت صحيح. ثم إن ما يعرف عن كتب الأحبار من دينه وخلقه وأمانته، وتوثيق أكثر أصحاب الصحاح له يجعلنا نحكم بأن هذه القصة موضوعة عليه، ونحن ننزه كعبا عن أن يكون شريكا في قتل عمر، أو يعلم من يدبر أمر قتله ثم لا يكشف لعمر عنه، كما ننزهه أن يكون كذابا وضاعا، يحتال على تأكيد ما يخبر به من مقتل عمر بنسبته إلى التوراة، وصوغه في قالب إسرائيلي ثم قال - وإذا كانت هذه الإسرائيليات المروية عن كعب وغيره قد أثرت في عقيدة المسلمين وعلمهم أثرا غير صالح فليس ذنب هذا راجعا إلى كعب وأضرابه، لأنهم رووه على أنه مما في كتبهم، ولم يشرحوا به القرآن، اللهم إلا ما يتفق من هذا مع القرآن ويشهد له، ثم جاء من بعدهم فحاولوا أن يشرحوا القرآن بهذه الإسرائيليات، فربطوا بينها وبينه على ما بينهما من بعد شاسع، بل وزادوا على ذلك ما نسجوه من قصص خرافية نسبوها لهؤلاء الأعلام، ترويجا لها، وتمويها على العامة، فالذنب إذن ذنب المتأخرين الذين ربطوا هذه الإسرائيليات بالقرآن، وشرحوه على ضوئها، واخترعوا من الأساطير ما نسبوه زورا وبهتانا إلى هؤلاء الأعلام وهم منه براء» (١).
стр. 149
وأما محمود أبو رية - وهو الذي أكاد أجزم بأنه عميل في كتاباته للمبشرين والمستشرقين أعداء الإسلام - فقد اتهم الرجلين بالنفاق في الدين، وأنهما دخلا الإسلام متستترين لكي يكيدا للإسلام والمسلمين، واتهم كذلك كعب الأحبار بأن له يدا في قتل عمر بن الخطاب ﵁، قال محمود أبو رية: «ولما كان أشد الناس عدواة للذين آمنوا اليهود، لأنهم بزعمهم شعب الله المختار، فلا يعترفون لأحد غيرهم بفضل، ولا يقرون لنبي بعد موسى برسالة فإن رهبانهم وأحبارهم لم يجدوا بدا - وبخاصة بعد أن غلبوا على أمرهم، وأخرجوا من ديارهم - من أن يستعينوا بالمكر، ويتوسلوا بالدعاء، لكي يصلوا إلى ما يبتغون، فهداهم المسكر اليهودي إلى أن يتظاهروا بالإسلام، ويطووا نفوسهم على دينهم، حتى يخفى كيدهم، ويجوز على المسلمين مكرهم، وقد كان أقوى هؤلاء الكهان دهاء، وأشدهم مكرا، كتب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سبأ (١)، ولما وجدوا أن حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى، وأن المسلمين قد سكنوا إليهم، واغتروا بهم، جعلوا أول همهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم، وذلك بأن يدسوا إلى أصوله التي قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات، وأوهام وترهات، لكي تهي هذه الأصول وتضعف» (٢) إلخ، ثم قال أيضا «ولم يكن قتل عمر على يد أبي لؤلؤة إلا نتيجة لتلك المؤامرة التي دبرها له
стр. 150
الهرمزان، لما كان يكنه من الحقد والموجدة للعرب، بعد أن ثلوا عرش الفرس، ومزقوا دولتهم، وممن اشترك فيها وكان له أثر كبير في تدبيرها كعب الأحبار، وهذا أمر لا يمترى فيه أحد إلا الجهلاء» (١).
وقد فند هذه الأباطيل التي أطلقها هذا العميل كثير من الأساتذة الأجلاء في العالم الإسلامي، وعلى رأسهم فضيلة أستاذنا الدكتور محمد السماحي حيث يقول - بصدد الدفاع عن إسلام كعب ووهب -: «ونحن إذا رجعنا لروايات كعب وأمثاله مما رواه الرواة عنه نجد أكثر مما وضعه عليه القصاصون والأخباريون، والباقي إما أن يكون متفقا مع القرآن، فالحجة فيه القرآن، وإما أن يكون مخالفا فيكون من المحرف أو الموضوع في علم أهل الكتاب، وإما أن يكون غير ذلك فلا نصدقه ولا نكذبه، وبذلك تعلم أن مرويات كعب ووهب وغيرهما لم تؤثر على الإسلام، في قليل ولا كثير، اللهم إلا عند الجهلة والذين يريدون الكيد للإسلام، من المستشرقين والملاحدة، وهذا لا يوجب طعنا في كعب ولا في أمثالهما ممن وأنهما النقاد من علماء الحديث، الخبيرين بصحيحه وغير صحيحه، والعدول والمجروحين، وعلى هذا فينبغي لمن أراد أن ينقح مرويات كعب وأمثاله أن يرجع لرجال الإسناد، ويعلم حالهم وحال ما رووه، وينزله على القاعدة التي ذكرنا، ثم يحكم بعد ذلك على ما رووه إن كان مقبولا أو غير مقبول، أما اتهامهما بأنهما من اليهود الذين دخلوا في الإسلام خداها، وطووا قلوبهم على يهوديتهم، من أجل روايات وضعها عليهم الوضاعون فلا يقبل في النظر العلمي، بعد ما وثقهما الموثقون العدول، وروى عنهما الأئمة من الصحابة والتابعين» (٢).
стр. 151
وحتى الدكتور طه حسين الذي كان ينظر بعين العطف والرضا إلى كتاب (محمود أبو رية) بوجه عام لم يعجبه اتهام أبي رية الكعب بالاشتراك في قتل عمر، فقال: «والمؤلف يؤكد أن عمر إنما قتل نتيجة مؤامرة دبرها الهرمزان وشارك فيها كعب، ويؤكد أن هذه المؤامرة ثابتة لا يشك فيها إلا الجهلاء، وأريد أن أؤكد أنا للمؤلف أني أنا أحد هؤلاء الجهلاء، لأني أشك في هذه المؤامرة أشد الشك وأقواه، ولا أراها إلا وهما، فقد قتل ذلك العبد المشئوم نفسه قبل أن يسأل، وتعجل عبيد الله بن عمر فقتل الهرمزان دون أن يسأل، وعاش كعب الأحبار هذا سبعة أعوام أو ثمانية دون أن يسأله أحد، أو يتهمه أحد بالاشتراك في هذه المؤامرة، وكان كثيرا ما يدخل على عثمان، ثم ترك المدينة وذهب إلى حمص، فأقام فيها حتى مات سنة اثنتين وثلاثين للهجرة، فمن أين استطاع المؤلف أن يؤكد وقوع هذه المؤامرة أولا، ومشاركة كعب فيها ثانيا، مع أن المسلمين قد غضبوا حين تعجل عبيد الله ابن عمر حين قتل الهرمزان جهلا عليه، ولم يقدمه إلى الخليفة، ولم يقم عليه البينة لأنه شارك من قريب أو من بعيد في قتل أبيه، وقد ألح جماعة من المسلمين من أصحاب النبي ﷺ على عثمان أن يقيم الحد على عبيد الله لأنه قتل مسلما دون أن يقاضيه إلى الإمام، ودون أن يثبت عليه قتل عمر بالبينة، فعفا عنه عثمان مخافة أن يقول الناس: (قتل عمر أمس، ويقتل ابنه اليوم) وعد الثائرون على عثمان هذا العفو إحدى أغلاطه، وكان (علي) حين تولى الخلافة مزمعا معاقبة عبد الله على فعلته تلك، ولكنه هرب من علي ولجأ إلى معاوية فعاش في ظله، وقتل في موقعة صفين، ولم يسأل عثمان كمبا عن شيء، ولم يتهمه أحد بشيء، وقد ذهب من المدينة إلى الشام، ومعاوية أمير عليها، فعاش فيها حتى مات، فلم يسأله معاوية عن شيء، فمن أين يأتي هذا التأكيد الذي ألح فيه المؤلف حتى لعن كعبا، ولم يكن له ذلك، فالمعروف من أمر كعب
стр. 152
أنه أسلم، والمعروف كذلك أن لعن المسلمين غير جائز» (١)
أقسام الإسرائيليات من حيث القبول والرد:
الإسرائيليات - من حيث القبول والرد، وجواز الرواية وعدم جوازها .. ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما نعلم صدقه، لأن في ديننا ما يصدقه ويوافقه، وهذا القسم مقبول، وتجوز روايته.
والقسم الثاني: ما نعلم كذبه، لأن في ديننا ما يكذبه ويخالفه، وهذا القسم مردود، ولا تصح روايته إلا مقرونا ببيان زيفه وبطلانه.
والقسم الثالث: ما لا نعلم صدقه ولا كذبه، لأنه ليس في ديننا ما يوافقه ولا ما يخالفه، وهذا القسم المسكوت عنه يجب أن نتوقف في قبوله، فلا نصدقه ولا نكذبه، بل نقول: آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل من قبل، كما جاء في الحديث الشريف.
ونتساءل هنا: هل هذا القسم المسكوت عنه تجوز روايته أم لا؟.
يرى بعض العلماء أن هذا القسم تجوز روايته استنادا إلى عموم الإباحة في قوله ﷺ : (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج).
ومن هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث يقول: الثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن
стр. 153
به، ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم (١)، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني (٢)، ومنهم أيضا الإمام برهان الدين البقاعي حيث يقول: «هذا فيما يصدقه كتابنا، وأما ما لا يصدقه ولا يكذبه فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» ورواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد ﵁، وهو معنى ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، الآية، فإن دلالة هذا على سنية ذكر مثل ذلك أقرب من الدلالة على غيرها» (٣)، وقد أكد البقاعي رأيه هذا في كتابه: «الأقوال القويمة في حكم النقل من المكتب القديمة»» (٤).
وقد مشى على سنن هؤلاء العلماء فضيلة أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي ﵀ فأجاز رواية هذا القسم المسكوت عنه فقال: «وأما ما سكت عنه شرعنا، ولم يكن فيه ما يشهد لصدقه ولا لكذبه، وكان محتملا فحكمه أن نتوقف في قبوله فلا نصدقه ولا نكذبه، وعلى هذا
стр. 154
يحمل قول النبي ﷺ : (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم)، أما روايته فجائزة على أنها مجرد حكاية لما عندهم، لأنها تدخل في عموم الإباحة المفهومة من قوله ﵊: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) (١) كما قال أيضا: «وما سكت عنه شرعنا توقفنا فيه فلا نحكم عليه بصدق ولا بكذب، ونجوز روايته لأن غالب ما يروى من ذلك راجع إلى القصص والأخبار، لا إلى العقائد والأحكام، وروايته ليست إلا مجرد حكاية له كما هو في كتبهم، أو كما يحدثون به بصرف النظر عن كونه حقا أو غير حق» (٢).
ولكنني أرى أن هذا القسم المسكوت عنه - وهو الذي لا نعلم صدقه ولا كذبه - لا تجوز روايته، بل يجب أن نتوقف في روايته، كما توقفنا في قبوله، لأن روايته توهم قبوله والتصديق به، وما دمنا قد توقفنا في قبوله، فمن الأحوط أن نتوقف كذلك في روايته، وإذن فالمقياس في القبول والرواية واحد، وهو ما ورد من نصوص في القرآن أو السنة، فما كان من الإسرائيليات موافقا لذلك قبلنا، وأجزنا روايته، وما كان منها مخالفا لذلك رددناه أخذا، وأبطلناه رواية، وما كان مسكوتا عنه في ديننا، بحيث لا يكون في نصوص القرآن أو السنة ما يوافقه ولا ما يخالفه توقفنا في قبوله عملا بالحديث الشريف، وأرى كذلك أن نتوقف في روايته، قياسا على توقفنا في قبوله، وسدا للذريعة، وعلى ذلك فإن الحديث الشريف وهو قول الرسول ﷺ : (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، محمول على ما نعلم صدقه فقط كما سبق أن وضحنا.
стр. 155
ويعجبني في هذا المقام ما ذكره أستاذنا الدكتور محمد أبو زهو - في شرح هذا الحديث - فقد قال: «ويرى بعضهم أن معنى حديث عبد الله بن عمرو: حدثوا عن بني إسرائيل بما لم يثبت لديكم كذبه في المواعظ والقصص، لا في العقائد والأحكام، وحمل الحديث على هذا المعنى غير مرضي عندنا، وذلك لأن ما لم يثبت كذبه نوعان: أحدهما - ما ثبت صدقه، وهذا تجوز حكايته باتفاق، ولا ينبغي أن يخص بالمواعظ والقصص، وثانيهما - ما لم يثبت صدقه ولا كذبه، ولا فائدة تعود على المسلمين من التحديث بهذا النوع بعد قوله ﷺ فيه: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم»، الحديث، وشرعنا - والحمد لله - مكتف بنفسه، وليس بحاجة إلى مثل هذا، ففيه من العقائد والأحكام، والأخلاق والآداب، والمواعظ والأمثال ما فيه كفاية وذكرى لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد» (١).
وفي ختام هذا المبحث يجدر بنا أن نذكر ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام البقاعي في هذا المجال، فإنهما قد وضعا لنا القواعد السليمة والضوابط الدقيقة بالنسبة الإسرائيليات.
أما ابن تيمية - وهو فيما أعلم أول فارس في هذا الميدان - فقد قال: «ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام، أحدهما: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذلك صحيح، والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه، والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا تؤمن به، ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود
стр. 156
إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرا ويأتي من المفسرين خلاف لسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا كثيرا ويأتي عن المفسرين خلاف لسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم وعدتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله تعالى لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة من تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا (٢٢)﴾ (١)»، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث فدل على صحته، إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: «قل ربي أعلم بعدتهم»، فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله تعالى عليه، فلهذا قال: «فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا»، أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم من ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل، ونذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن الأهم، فأما من حكي خلافا في مسألة،
стр. 157
ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا، فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالا متعددة لفظا، ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى؛ فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب (١).
أما الإمام البقاعي فقد صنف الإسرائيليات تصنيفا يتفق - إلى حد كبير - مع التصنيف الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال البقاعي: «حكم النقل عن بني إسرائيل ولو كان فيما لا يصدقه كتابنا ولا يكذبه الجواز، وإن لم يثبت ذلك المنقول، وكذا ما نقل عن غيرهم من أهل الأديان الباطلة لأن المقصود الاستئناس لا الاعتماد، بخلاف ما يستدل به في شرعنا، فإنه العمدة في الاحتجاج الدين، فلا بد من ثبوته، فالذي عنده من الأدلة ثلاثة أقسام: موضوعات وضعاف وغير ذلك، فالذي ليس بموضوع ولا ضعيف مطلق ضعف يورد الحجة، والضعيف المتماسك للترغيب، والموضوع يذكر لبيان التحذير منه بأنه كذب، فإذا وازنت ما ينقله أئمتنا من أهل ديننا للاستدلال لشرعنا - بما ينقله الأئمة عن أهل الكتاب سقط من هذه الأقسام الثلاثة في النقل عنهم ما هو للحجة، فإنه لا ينقل عنهم ما يثبت به حكم من أحكامنا، ويبقى ما يصدقه كتابنا فيجوز نقله وإن لم يكن في حيز ما يثبت في حكم الموعظة لنا، وأما ما كذبه كتابنا فهو
стр. 158
كالموضوع لا يجوز نقله إلا مقرونا ببيان بطلانه» (١).
بقيت كلمة أخيرة بالنسبة للإسرائيليات والكتب القديمة بوجه عام، وهي أنه يجوز - لمن له قدم راسخة في العلم - الاطلاع عليها، والاستشهاد بها، والنقل منها، في مقام الرد على أصحابها وإلزامهم، وإقامة الحجة عليهم، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ (٢) فإن الإتيان بالتوراة وتلاوتها يفيدان جواز معرفة ما فيها والاطلاع عليها في مقام المحاجة لهم، ويدلنا على ذلك أيضا ما ثبت عن الرسول ﷺ من أنه طلب إلى اليهود أن يحتكموا في قضايا معينة إلى التوراة التي بأيديهم فرفضوا، فإن طلب الرسول ﷺ ذلك من اليهود دليل لنا على جواز معرفة ما في كتبهم والإطلاع عليها في مقام إلزامهم وإقامة الحجة عليهم، قال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (٢٣)﴾ (٣).
وإنما قلنا: إن ذلك جائز لمن له قدم راسخة في العلم دون غيره لأن من تمكن في علوم الدين، وقويت معرفته بها يستطيع - بسهولة - أن يميز بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، والغث والسمين، بخلاف غيره فقد يلتبس عنده الحق بالباطل، ويختلط أمامه الحابل بالنابل، فيقع في ضلال مبين، قال الحافظ ابن حجر: «والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصير من الراسخين في الإيمان فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك، بخلاف
стр. 159
الراسخ فيجوز له، ولاسيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف، ويدل على ذلك نقل الأمة قديما وحديثا من التوراة، وإلزامهم اليهود بالتصديق بمحمد ﷺ ، بما يستخرجونه من كتابهم، ولولا اعتقادهم جواز النظر فيه لما فعلوه وتواردوا عليه» (١).
موقف المفسرين من الإسرائيليات:
لنا في البداية هنا ملاحظتان عامتان، أولاهما: أن المفسرين - بوجه عام - قد تساهلوا في إيراد الإسرائيليات في كتبهم، ومعظمها أباطيل وخرافات، إلا أن مقدار هذا التساهل يختلف من مفسر لآخر، والملاحظة الثانية: أن أولئك المفسرين الذين وضعوا لأنفسهم في مقدمة تفاسيرهم منهجا دقيقا بالنسبة الإسرائيليات لم يلتزموا هذا المنهج في أثناء التفسير، مثل الإمام القرطبي المتوفى سنة ٦٧١ هـ، فعلى الرغم من أنه يقول في مقدمة تفسيره: «وأضرب عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين إلا ما لابد منه ولا غنى عنه للتبيين» (٢) نجده يتوسع كثيرا في إيراد الإسرائيليات، ويأتي لنا في خلال تفسيره بالأباطيل والخرافات.
بعد ذلك أستطيع أن نقول: إن المفسرين - بالنسبة للإسرائيليات - فريقان، فريق أكثر من رواية هذه الإسرائيليات، وفريق قلل من روايتها، فمن المفسرين الذين أسرفوا في روايتها، وتوسعوا في ذكرها: الإمام محمد ابن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ في كتاب: (جامع البيان في تفسير القرآن)، والإمام أحمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري المتوفى سنة ٤٢٧ هـ في تفسيره المسمى: (الكشف والبيان عن تفسير القرآن)، أما المفسرون
стр. 160
الذين قللوا من رواية الإسرائيليات إلى حد كبير، واحتاطوا كثيرا في إيرادها والأخذ بها فعلى رأسهم الإمام عبد الحق بن عطية المتوفى سنة ٥٤١ هـ في تفسيره الذي اشتهر باسم: (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) (١)، والحافظ إسماعيل بن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ هـ في تفسيره المسمى: (تفسير القرآن العظيم).
كذلك نستطيع أن نقول: إن المفسرين يختلفون - بالنسبة للإسرائيليات - ما بين ناقل وناقد، فمن الذين شحنوا كتبهم بالإسرائيليات من غير تمحيص ولا نقد يذكر الإمام الحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة ٥١٦ هـ صاحب كتاب (معالم التنزيل) والإمام علي بن محمد البغدادي المعروف بالخازن المتوفى سنة ٧٤١ هـ صاحب كتاب (لباب التأويل في معاني التنزيل)، أما المفسرون الذين كان لهم جهود موفقة في نقد هذه الإسرائيليات وتمحيصها فعلى رأسهم الإمام عبد الحق بن عطية والحافظ ابن كثير، والعلامة جار الله الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ وإن كان قد تسرب إلى تفاسيرهم جميعا بعض الإسرائيليات من غير أن يعقبوا عليها بشيء، وسبحان من له الكمال وحده.
وإليك أمثلة من الإسرائيليات نقلتها من كتب التفسير المختلفة:
المثال الأول: ذكر البغوي في تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾ (٢) قصة أسطورية طويلة، تتنافى مع عقائد الدين، وتطعن عصمة الأنبياء والمرسلين، فقال: «ولقد فتنا سليمان:
стр. 161
اختبرناه وابتليناه بسبب ملكه، وكان سبب ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه - قال: سمع سليمان ﵇ بمدينة في جزيرة من جزائر البحر، يقال لها: (صيدون) بها ملك عظيم الشأن، ولم يكن للناس عليه سبيل لمكانه في البحر، وكان الله قد أتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة، تحمله الريح على ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها وسبى ما فيها وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك، يقال لها جرادة لم ير مثلها حسنا وجمالا، فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه، وأحبها حبا لم يحبه شيء من نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، فشق ذلك على سليمان فقال لها: ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك. قال سليمان: فقد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ملكه وسلطانا هو أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله، قالت: إن ذلك كذلك ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا لي صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزني، وأن يسليني عن بعض ما أجد في نفسي. فأمر سليمان الشياطين، فقال: مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئا فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه فأزرته وقمصته وعممته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبس، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له ويسجدن له كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كل عشية بمثل ذلك وكان سليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحا، وبلغ
стр. 162
ذلك آصف بن برخيا، وكان صديقا وكان لا يرد عن أبواب سليمان أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته حاضرا كان سليمان أو غائبا، فأتاه فقال: يا نبي الله كبر سني ورق عظمي ونفد عمري وقد حان مني الذهاب فقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل، فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيبا فذكر من مضى من أنبياء الله تعالى، فأثنى على كل نبي ما فيه فذكر ما فضله الله حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما أحكمك في صغرك وأورعك في صغرك وأفضلك في صغرك وأحكم أمرك في صغرك وأبعدك من كل ما تكره في صغرك، ثم انصرف، فوجد سليمان ﵇ في نفسه من ذلك حتى مُلئ غضبًا، فلما دخل سليمان داره أرسل إليه. فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله، فأثنيت عليهم خيرا في كل زمانهم وعلى كل حال من أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني علي بخير في صغري، وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري؟ فما الذي أحدثت في آخر أمري؟ فقال: إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة، فقال: في داري؟ فقال: في دارك، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد عرفت أنك ما قلت الذي قلت ذلك إلا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان إلى داره وكسر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها. ثم أمر بثياب الظهيرة فأتي بها وهي ثياب لا تغزلها إلا الأبكار ولا تنسجها إلا الأبكار ولا تغسلها إلا الأبكار لم تمسسها امرأة قد رأت الدم، فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده فأمر برماد ففرش له ثم أقبل تائبا إلى الله ، حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك فيه بثيابه تذللا لله تعالى،
стр. 163
وتضرعا إليه يبكي ويدعو، ويستغفر مما كان في داره.
فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع إلى داره، وكانت له أم ولد يقال لها الأمينة، وكان إذا دخل مذهبه (١) أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما عندها، ثم دخل مذهبه فأتاها الشيطان صاحب البحر واسمه (صخر) على صورة سليمان لا تنكر منه شيئا، فقال: خاتمي، أمينة فناولته إياه، فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد غيرت حاله وهيئته عند كل من رآه. فقال: يا أمينة خاتمي، قالت: من أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود، قالت: كذبت فقد جاء سليمان فأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول أنا سليمان بن داود فيحثون عليه التراب ويسبونه، ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان.
فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها، فمكث بذلك أربعين صباحا عدة ما كان عبد الوثن في داره.
فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم، قال:
стр. 164
أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن فهل أنكرتن منه في خاصة أمره ما أنكرنا في عامة أمر الناس وعلانيته، فدخل على نسائه، فقال: ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن أشده ما يدع منا امرأة في دمها ولا يغتسل من الجنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين، ثم خرج على بني إسرائيل فقال: ما في الخاصة أعظم مما في العامة.
فلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه، ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه فبلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك حتى إذا كان العشي أعطاه سمكتيه وأعطاه السمكة التي أخذت الخاتم، فخرج سليمان بسمكتيه، فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه فجعله في يده ووقع ساجدا، وعكفت عليه الطير والجن وأقبل عليه الناس، وعرف الذي كان قد دخل عليه لما كان قد أحدث في داره، فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين فقال: ائتوني بصخر فطلبته الشياطين حتى أخذته فأتي به وجاؤوا له بصخرة فنقرها فأدخله فيها ثم شد عليه بأخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقذف في البحر. هذا حديث وهب. (١)
ولا يكتفي البغوي بهذا كله، بل بسوق روايات إسرائيلية أخرى أغرب من الخيال في تفسير هذه الآية، والأعجب من هذا أنه ذكر - فيما ساق من روايات - القصة الصحيحة التي هي أقرب إلى الصواب في تفسير معنى الآية، وهي ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «قال سليمان ابن داود: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل: ولم تحمل شيئا إلا واحدا
стр. 165
ساقطا أحد شقيه، فقال النبي ﷺ : لو قاله لجاهدوا في سبيل الله» (١).
ولكن البغوي لا يرجح هذا الحديث الصحيح في تفسير الآية، بل يرضى لنفسه أن يجري وراء الخرافات والأساطير، ويميل إلى تصديق رواية (صخر) فيقول: «وأشهر الأقاويل أن الجسد الذي ألقي على الكرسي هو صخر الجني، فذلك قوله : ﴿وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾ أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يوما» (٢).
وهذه الرواية الإسرائيلية التي مال إليها البغوي في تفسيره تحمل في طياتها أدلة البطلان والاختلاق، ولا يقرها عقل ولا دين، ومن ثم فندها الزمخشري في تفسيره ونقل عن العلماء أنها من أباطيل اليهود (٣)، كما علق ابن كثير على رواية من هذا القبيل فقال: «إسناده إلى ابن عباس قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس - إن صح - من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵇، فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في هذا السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإن المشهور أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان (٤)، بل عصم من الله منه، تشريفا وتكريما لنبيه ﷺ » (٥).
стр. 166
المثال الثاني: ذكر الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد (٦) إرم ذات العماد (٧) التي لم يخلق مثلها في البلاد (٨)﴾ (١) قصة خرافية من (إرم ذات العماد) فقال: (وروى كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال: أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة: وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب (٢) فسأله فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: «هذا والله ذلك الرجل») (٣).
وقد طعن ابن خلدون في هذه القصة التي ذكرها الزمخشري في تفسيره وشكك في صحتها، فقال: «وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شيء من بقاع الأرض، وصحارى (عدن) التي زعموا أنها بنيت فيها هي في وسط اليمن، وما زال عمرانه متعاقبا، والأدلاء تقص طرقه من كل وجه، ولم ينقل عن هذه المدينة خبر، ولا ذكرها أحد من الإخباريين ولا من الأمم،
стр. 167
ولو قالوا: إنها درست فيها درس من الآثار السكان أشبه، إلا أن ظاهر كلامهم أنها موجودة، وبعضهم يقول: إنها (دمشق) بناء على أن قوم عاد ملكوها، وقد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى أنها غائبة، وإنما يعثر عليها أهل الرياضة والسحر، مزاعم كلها أشبه بالخرافات».
والذي حمل المفسرين على ذلك ما اقتضته صناعة الإعراب في لفظة (ذات العماد) أنها صفة (إرم) وحملوا العماد على الأساطين، فتبين أن يكون بناء، ورشح لهم ذلك قراءة ابن الزبير: (عاد إرم) على الإضافة من غير تنوين، ثم وقفوا على تلك الحكايات التي هي أشبه بالأقاصيص الموضوعة، والتي هي أقرب إلى الكذب، المنقولة في عداد المضحكات، وإلا فالعماد هي عماد الأخبية بل الخيام، وإن أريد بها الأساطين فلا بدع في وصفهم بأنهم أهل بناء وأساطين على العموم، بما اشتهر من قوتهم، لا أنه بناء خاص في مدينة معينة أو غيرها، وإن أضيفت كما في قراءة (ابن الزبير) فعلى إضافة الفصيلة إلى القبيلة، كما تقول: قريش كنانة، وإلياس مضر، وربيعة نزار، وأي ضرورة إلى هذا المحمل البعيد الذي تمحل لتوجيهه بأمثال هذه الحكايات الواهية التي يتنزه كتاب الله عن مثلها لبعدها عن الصحة (١)، وأيضا يعاتب ابن حجر على هذا الخبر قائلا: إن آثار الوضع عليه لائحة (٢)، كما يقول ابن كثير - في هذا الصدد -: (فإن هذا كله من خرافات الإسرائيلين، من وضع بعض زنادقتهم، ليختبروا بذلك هقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك) (٣).
ثم قال: (وقد ذكر ابن أبي حاتم قصة ﴿إرم ذات العماد﴾ ههنا مطولة جدا، فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك
стр. 168
الأعرابي فقد يكون اختلاق ذلك، أو أنه أصابه نوع من الهوس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج وليس كذلك، وهذا مما يقطع بعدم صحته (١).
المثال الثالث: أورد القرطبي - في تفسير قوله تعالى: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (٢١)﴾ الآيات (٢) - قصة باطلة عن دواد ﵇، فقال: «وسبب ذلك ما حكاه ابن عباس أن داود ﵇ حدث نفسه - إن ابتلي - أن يعصم، فقيل له: إنك ستبتلى وتعلم اليوم الذي تبتلى فيه، فخذ حذرك، فأخذ الزبور ودخل المحراب، ومنع من الدول عليه، فبينا هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر كأحسن ما يكون من الطير، فجعل يدرج بين يديه، فهم أن يتناوله بيده، فاستدرج حتى وقع في كوة المحراب، فدنا منه ليأخذه فطار، فاطلع ليبصره، فأشرف على امرأة تغتسل، فلما رأته غطت جسدها بشعرها، قال السدي: فوقعت في قلبه، قال ابن عباس: وكان زوجها غازيا في سبيل الله، وهو (أوريا بن حنا) فكتب داود إلى أمير الغزاة أن يجعل زوجها في حملة التابوت، وكان حملة التابوت إما أن يفتح الله عليهم أو يقتلوا، فقدمه فيهم فقتل، فلما انقضت عدتها خطبها داود، واشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة بعده، وكتبت عليه بذلك كتابا، وأشهدت عليه خمسين رجلا من بني إسرائيل، فلم تستقر نفسه حتى ولدت سليمان وشب، وتسور الملكان وكان من شأنها ما قص الله في كتابه» (٣).
والحق أن هذه القصة التي ذكرها القرطبي في تفسيره عن دواد ﵇
стр. 169
قصة مختلفة ولا أساس لها من الصحة، لأنها تتنافى مع ما هو ثابت من عصمة الأنبياء ﵈، إذ هي تصور لنا داود ﵇ في صورة رجل قد تملكته الشهوة وسيطرت على حسه بحيث لا يهمه سوى إشباع نزواته، ويريد الشر للناس، ولا شك أن الأنبياء ﵈ معصومون من هذا كله، ولذلك قال ابن كثير - في تفسير هذه الآيات -: «قد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها من المعصوم ﷺ حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده، لأنه من رواية (يزيد الرقاشي) عن أنس، ويزيد - وإن كان من الصالحين - لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى الله ، فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضا» (١).
كما يقول أحد الفضلاء: «وقصة دواد مع امرأة أوريا منقولة عن اليهود الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وهي مفصلة في سفر صموئيل الثاني سفر ١٢. وتوجه في الكتاب المقدس ص ٢٨٦ وما وراءها، قال الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسيره: «قد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن الرسول ﷺ حديث يجب اتباعه»، وخير ما يقال في آيات (ص) أنها تعبر عن حقيقة، لا تمثيل فيها ولا تجوز، ويكون موضع الملام أن داود ﵇ قد احتجز نفسه عن رعيته في الخلوة لعبادة ربه فترة من الوقت، حتى اضطر الخصوم لأن يتسوروا عليه المحراب، ليقضي بينهم، ويفصل في أمرهم، والحاكم ليس من حقه أن يمتنع من المتنازعين، أو يرجئ النظر في أمرهم، لأن ذلك يطيل ساعات النزاع،
стр. 170
وقد استخلفه الله في أرضه ليفصل في المنارعات بالحق، ودون إبطاء، فإذا ساير هواه، وآثر الخلوة على القضاء بين الناس فقد تعرض لمحاسبة الله له» (١).
المثال الرابع: ذكر ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾، الآية (٢).
- ذكر قصة باطلة عن هاروت وماروت، ثم علق عليها بأنها من أخبار بني إسرائيل، قال ابن كثير: (وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: أما شأن هاروت وماروت فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم تعالى: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض بين بني آدم، فاختاروا - فلم يألوا - هاروت وماروت، فقال لهما - حين أنزلهما -: أعجبتها من بني آدم من ظلمهم ومن معصيتهم، وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء وراء، وأنها ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا، فأمرها بأمر ونهاهما بنهي، ثم نزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما، فحكما فعدلا، فكانا يحكمان النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان، فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم، فقضيا عليها، فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل الذي وجدت؟ قال: نعم، فبعثا إليها أن النينا نقض لك،
стр. 171
فلما رجعت قاما وقضيا لها فأتتهما فكشفا لها عن عورتيهما، وإنما كانت سوأتهما في أنفسهما ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذاتها، فلما بلغا ذلك واستحلا افتتنا، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت، فلما أمسيا عرجا فزجرا فلم يؤذن لهما ولم تحملهما أجنحتهما، فاستغاثا برجل من بني آدم فأتياه فقالا: ادع لنا ربك، فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء، فوعدهما يوما، وغدا يدعو لهما فدعا لهما فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال: ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟ فأمرا أن ينزلا ببابل فتم عذابهما، وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان يصفقان بأجنحتهما. وقد روى في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال) (١).
هذا - وقد أنكر تلك القصة أيضا كثير من العلماء، وقالوا إنها من أباطيل اليهود، فإن الملائكة عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون
стр. 172
الليل والنهار لا يفترون، والأقرب في قصة هاروت وماروت أن يقال: إن أهل بابل كانوا قوما صابئين، يعبدون الكواكب، وكان قد انتشر بينهم السحر انتشارا عظيما، وكانت السحرة عندهم بالمحل الأجل، ولهم في نفوس العامة من الإجلال والتعظيم ما لهم، وكانوا يحتالون بحيل يموهون بها على العامة، فيعتقدون صحتها، فبعث الله إليهم ملكين، هما هاروت وماروت، يبينان للناس حقيقة ما يدعون، وبطلان ما يذكرون، ويكشفان لهم ما به يموهون، ويخبر انهم بهذه الحيل التي كانوا يخدعون بها العامة، وينهيانهم عن قبولها والعمل بها، ويقولان لهم: إنما نحن فتنة فلا تكفر، فهذان الملكان أنزلا لتعليم السحر، ابتلاء من الله تعالى، فمن تعلم وعمل به كفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان، والله تعالى أن يمتحن عباده بما يشاء والله أعلم.
هل يجوز تفسير القرآن بالإسرائيليات؟:
لا شك أن الإسرائيليات في كتب التفسير، وما تحمله من خرافات وأساطير أثرا خطيرا على قارئي هذا الكتب، فإنها تشوش أعظم تشويش على عقولهم وعقائدهم، كما تلقي ظلالا كثيفة حول هداية القرآن الكريم، فتحجب هذه الهداية أن يصل شعاعها إلى القلوب.
وأيضا فإن لهذه الإسرائيليات أثرا ضارا بالإسلام نفسه لأن وجودها في كتب التفسير يصور الإسلام في صورة دين خرافي، ومن هذا يتخذ الملاحدة وأعداء الدين من البشرين والمستشرقين من هذا الموضوع مادة خصبة للهجوم على القرآن الكريم بدعوى أنه كتاب تفسره الخرافات، وتحيط به الأباطيل وهل هناك سلاح أقوى من ذلك في تشويه الإسلام وكتاب الإسلام؟
من أجل هذا كله نرى أن علماء الإسلام عامة، وعلماء الأزهر خاصة
стр. 173
يجب أن يقوموا بواجبهم نحو كتاب الله العزيز، وذلك بأن يسموا جاهدين لتنقية كتب التفسير من هذه الإسرائيليات، وقد رأى أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي أن هذا الواجب يمكن القيام به على وجه من الوجوه التالية:
١ - أن يوكل إلى كل قطر إسلامي مجموعة من كتب التفسير، ليجردها علماؤه من الإسرائيليات، وما حوت من الموضوعات، كالأحاديث التي أوردها بعض المفسرين في فضائل القرآن سورة سورة، ثم تطبع هذه التفاسير، بعد تجريدها على نفقته الخاصة (حكومة أو شعبا)، وقد يكون هذا أصعب الوجوه:
أولا: لأن ذلك يحتاج إلى إقناع المسئولين أو المعنيين بالشئون الإسلامية في كل قطر بهذه الفكرة، وبالمساهمة فيها ماديا وعلميا.
ثانيا: لأنه يحتاج إلى وقت طويل، وجهد ليس بالقليل.
ثالثا: لأنه سوف يقال حتما: إن هذه التفاسير تراث إسلامي فلا يجوز التصرف فيها بحذف بعض ما تحويه، وإذا تم تجريدها من الإسرائيليات وأعيد طبعها مجردة منها فليس ذلك بقاض على ما هو موجود منها اليوم في المكتبات العامة والخاصة، وبهذا تبقى العلة قائمة.
٢ - أن يوكل إلى علماء كل قطر إسلامي مهمة التعليق على مجموعة من كتب التفسير، ببيان ما فيها من إسرائيليات وموضوعات، وإبطال كل ذلك، ثم تطبع هذه التفاسير وما عليها من تعليقات على نفقة كل قطر (حكومة أو شعبا)، وهذا الوجه - وإن أبقى تراثنا في التفسير على ما هو عليه - تقوم في سبيل تنفيذه نفس الصعوبات السابقة:
٣ - أن يعهد مجمع البحوث الإسلامية إلى جماعة من العلماء بكتابة تفسير للقرآن الكريم خال من الإسرائيليات والأباطيل، ويعمم نشره في
стр. 174
جميع الأقطار الإسلامية وغير الإسلامية، وهذا عمل حسن، ولكنه سوف لا يمنع الناس من الرجوع إلى غيره من التفاسير القديمة.
٤ - أن يعهد مجمع البحوث الإسلامية إلى لجان يكونها من علمائه الأكفاء، ومن غير علمائه بدراسة كل ما لدينا من كتب التفسير دراسة وافية شاملة، تكشف عما في كل كتاب من أباطيل الإسرائيليات وخرافاتها، ومن كل دخيل على كتاب الله تعالى، وتحذر من تصديق ذلك وقبوله، ثم يجمع ذلك كله في كتاب مستقل، ينشر في الأوساط العلمية، والأوساط العامة، وربما كان هذا الوجه أيسر الوجوه وأجدرها وأكثرها احتمالا للتنفيذ (١) وفي نهاية هذا المبحث أحب أن أطرح هذا السؤال، وهو: هل يجوز أن يفسر القرآن بالإسرائيليات؟ أو بتعبير آخر: هل يجوز أن توضع الإسرائيليات موضع التفسير للقرآن الكريم؟.
لعل الجواب الذي يتبادر إلى الأذهان هو أن ذلك جائز، بدليل أن الرسول ﷺ أذن في التحدث عن أهل الكتاب بشروط معينة، وأن المفسرين ساروا على ذلك، وذكروا الإسرائيليات في كتبهم، وإن كانوا قد اختلفوا في الالتزام بهذه الشروط.
ولكنني أرى أن تفسير القرآن بالإسرائيليات الآن وفي عصرنا الحاضر لا يجوز شرعا لأمور كثيرة وهي:
أولا: أن القرآن يجب أولا أن يفسر بالقرآن، فإن لم يوجد فبالسنة النبوية، فإن لم يوجد فبأقوال الصحابة والتابعين في غير ما أخذ عن أهل الكتاب، فإن لم يوجد في الرأي والاجتهاد في ضوء الدين واللغة.
стр. 175
ثانيا: إن الإسرائيليات قد اختلط الحق فيها بالباطل اختلاطا كبيرا، ولقد نادى علماء الإسلام - قديما وحديثا - بنقدها وتمييز الحق فيها من الباطل، ولكن هذا الأمر تعجز عن القيام به كما ينبغي المجامع العلمية المتخصصة فضلا عن الجهود الفردية، وإذن فمن الخير في تفسير القرآن الكريم أن تترك هذه الإسرائيليات جملة وتفصيلا.
ثالثا: أننا - بهذا العمل - نزيل عن القرآن الكريم الشوائب المتراكمة والأجواء المظلمة، فيسهل على الناس أن يصلوا إلى هداية القرآن الكريم، كما نزيل عن الإسلام التهمة التي وجهت إليه من أعدائه وهي أنه دين خرافي.
رابعا: أن إغفالنا للإسرائيليات عند تفسيرنا للقرآن الكريم لا يصح أن يفسح المجال أمامنا للطعن في أحد من الصحابة أو التابعين بغير وجه حق، لأن كثيرا مما روي عنهم لا تصح نسبته إليهم كما سبق أن ذكرنا.
وبعد: فإن هذا الرأي الذي أنادي به اليوم، وهو أنه لا يجوز أن يفسر القرآن بشيء من الإسرائيليات قد نادى به من قبل عالم جليل ومحقق كبير هو الشيخ أحمد محمد شاكر، فقد قال ﵀: «إن إباحة التحدث عنهم - أي عن أهل الكتاب - فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن، وجعله قولا أو رواية في معنى الآيات، أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما أجمل فيها - شيء آخر، لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لمعنى قول الله سبحانه، ومفصل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك، وإن رسول الله ﷺ إذ أذن بالتحدث منهم - أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم، فأي تصديق لرواياتهم أقوى من
стр. 176
أن نقرنها بكتاب الله، ونضعها منه، وضع التفسير أو البيان، اللهم غفرا» (١)
وفي ختام هذا الفصل أحب أن أنقل هنا رأي الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت في هذا المجال، فقد قال - تعليقا على الروايات والآثار في وصف الدابة التي تكلم الناس، وهي نموذج لما سودت به الصحف، وضاع الوقت في نقله - قال ﵀: «هذا وقد فات المفسرين أن يضعوا حدا لصون التفسير عن هذه الإسرائيليات التي أظلمت الجو على طلاب الهداية القرآنية، وشغلتهم عن اللب والجوهر بما ألصقته بالقرآن، وقصروا جهودهم على النبش فيما ألصق، وليس هذا خاصا - كما قلنا - بالدابة، وإنما هي ريح السموم هبت على كتب التفسير من نواح كثيرة في كل أمر غيبي أخبر به القرآن، ولم يتصل به بيان قاطع عن الرسول ﵊، فقد قيل مثله في يأجوج ومأجوج، وفي الصور، وفي اللوح المحفوظ وفي غيرها، وقد تتبع بعض المفسرين غرائب الأخبار التي ليس لها سند صحيح، وأغدقوا من شرها على الناس وعلى القرآن، وكان جديرا بهم أن يقيموا بينها وبين الناس سدا، يقيهم البلبلة الفكرية فيما يتصل بالغيب الذي استأثر الله بعلمه، ولم ير فائدة لعباده في أن يطلعهم على شيء عنه، وإذا كان للناس بطبيعتهم ولع بسماع الغرائب وقراءتها، فما أشد أثرها في إلهائهم عن التفكير النافع فيما تضمنه القرآن من آيات العقائد والأخلاق وصالح الأعمال، والذي أحب أن أقرره هنا - بهذه المناسبة فيما أخبر الله به من شئون الغيب التي لم يتصل بها بيان قاطع عن الرسول من الدابة والصور ونحوهما - هو أنا نؤمن به على القدر الذي أخبر الله به دون صرف للفظ عن معناه، ودون زيادة عما تضمنه الخبر الصادق» (٢).
стр. 177
وإلى هنا نكون قد انتهينا من الحديث عن الإسرائيليات في التفسير، وهي النوع الأول من أنواع الدخيل في تفسير القرآن الكريم فإلى النوع الثاني من الدخيل، وموعدنا الجزء القادم - إن شاء الله تعالى - من هذا الكتاب، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
* * *
стр. 178
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، أنزل على رسوله الكتاب المبين، هدى وموعظة للمتقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا: (الدخيل في تفسير القرآن الكريم)، يتضمن الحديث عن أنواع أخرى من الدخيل تضاف إلى النوع الأول الذي فصلناه تفصيلا في الجزء الأول من هذا الكتاب، وهو الإسرائيليات في التفسير.
وأرجو أن تكون - أيها القارئ الكريم - على ذكر من معنى الدخيل في التفسير، فقد سبق أن شرحناه لك في الجزء الأول من كتابنا هذا، وقلنا: إنه عبارة عن التفسير الذي ليست له أصول ثابتة في الدين، كأن يكون مخالفا لروح القرآن الكريم، أو منافيا للعقل السليم، أو ناشئا عن فهم سقيم، أو نابعا من فكر وافد على الإسلام دين الله القويم.
ذلك هو الدخيل في التفسير، وهو علم من علوم القرآن الكريم، عرف عند المفسرين الأقدمين - باسم (أصول التفسير)، وكان شيخ الإسلام (ابن تيمية) المتوفى سنة ٧٢٨ هـ. - فيما أعلم - من أوائل العلماء الذين
стр. 179
طرقوا هذا الباب، وأصلوا قواعد هذا العلم، حيث كتب رسالة قيمة ومفيدة في هذا المجال، أسماها: (مقدمة في أصول التفسير).
وفي عصرنا الحاضر بعث هذا العلم من جديد، ونشطت حركة التأليف فيه، والذي أدى إلى ذلك هو أنه ظهرت - في عصرنا هذا - جماعة من الأدعياء، اقتحموا ميدان التفسير بآراء غريبة، وأفكار شاذة، فتصدى الأثبات من العلماء لمحاربة هذه التيارات المنحرفة، وبينوا ما تنطوي عليه هذه الأفكار الدخيلة من فساد وبطلان، ومن أبرز الكتب التي ألفت في هذا العلم، وأكرمها ما كتبه أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي - رحمه الله تعالى - فقد ألف كتابين عظيميين في هذا المجال، وهما: (الإسرائيليات في التفسير والحديث) و (الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم).
هذا - وأرجو أن يضع كتابي هذا لبنة أخرى في بناء صرح هذا العلم، وتثبيت قواعده، كما أرجو أن يكون هذا الكتاب سلاحا نافعا في الذود عن حمى كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿تنزيل من حكيم حميد﴾.
والله أسأل أن يوفقني إلى إتمام ما بدأت فيه من عمل، إن ربي سميع مجيب، ﴿وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب﴾.
د. عبد الوهاب عبد الوهاب فايد الأستاذ المساعد بكلية أصول الدين جامعة الأزهر القاهرة في يوم الجمعة الموافق: ١٣ من المحرم سنة ١٤٠١ هـ ٢١ من نوفمبر سنة ١٩٨٠ م
стр. 180
الفصل الأول الأحاديث الموضوعة في التفسير
الحديث الموضوع - في اصطلاح علماء الإسلام - هو المختلق المصنوع الذي ينسب - كذبا - إلى الرسول ﷺ ، أو إلى أحد من الصحابة والتابعين، وهو شر أنواع الأحاديث الضعيفة وأقبحها، وإذا ما أطلق الحديث الموضوع فإنه ينصرف إلى الموضوع على الرسول ﷺ ، أما الموضوع على غيره ﵊ فينبغي تقييده بأن يقال: هذا حديث موضوع على ابن عباس أو علي مجاهد مثلا.
والوضع في الحديث من أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب، بل عده بعض العلماء كفرا، فقد جزم الشيخ أبو محمد الجويني - والد إمام الحرمين - بتكفير واضع الحديث (١)، ووافق الجويني على هذه المقالة جماعة من العلماء، وفي ذلك يقول أحد أساتذتنا الأجلاء: «جمهور العلماء على أن الكذب على رسول الله من الكبائر، ولا يكفر فاعل ذلك إلا إذا كان مستحلا للكذب عليه»، وقال الإمام أبو محمد الجويني - والد إمام الحرمين - من أئمة الشافعية: «يكفر من تعمد الكذب على رسول الله» نقل ذلك عنه ابنه إمام الحرمين، وقال: (إنه لم يره لأحد من الأصحاب وأنه هفوة من والده)، ووافق الجويني على هذه المقالة ناصر الدين بن المنير من أئمة المالكية، وغيره من الحنابلة، ووافقهم الإمام الذهبي في تعمد الكذب في الحلال والحرام، ولعل مما يشهد لهم قوله تعالى: ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات