← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30169

الدخيل في تفسير القرآن الكريم

عبد الوهاب عبد الوهاب فايد

Полный текст (409 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أن نقرنها بكتاب الله، ونضعها منه، وضع التفسير أو البيان، اللهم غفرا» (١) وفي ختام هذا الفصل أحب أن أنقل هنا رأي الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت في هذا المجال، فقد قال - تعليقا على الروايات والآثار في وصف الدابة التي تكلم الناس، وهي نموذج لما سودت به الصحف، وضاع الوقت في نقله - قال ﵀: «هذا وقد فات المفسرين أن يضعوا حدا لصون التفسير عن هذه الإسرائيليات التي أظلمت الجو على طلاب الهداية القرآنية، وشغلتهم عن اللب والجوهر بما ألصقته بالقرآن، وقصروا جهودهم على النبش فيما ألصق، وليس هذا خاصا - كما قلنا - بالدابة، وإنما هي ريح السموم هبت على كتب التفسير من نواح كثيرة في كل أمر غيبي أخبر به القرآن، ولم يتصل به بيان قاطع عن الرسول ﵊، فقد قيل مثله في يأجوج ومأجوج، وفي الصور، وفي اللوح المحفوظ وفي غيرها، وقد تتبع بعض المفسرين غرائب الأخبار التي ليس لها سند صحيح، وأغدقوا من شرها على الناس وعلى القرآن، وكان جديرا بهم أن يقيموا بينها وبين الناس سدا، يقيهم البلبلة الفكرية فيما يتصل بالغيب الذي استأثر الله بعلمه، ولم ير فائدة لعباده في أن يطلعهم على شيء عنه، وإذا كان للناس بطبيعتهم ولع بسماع الغرائب وقراءتها، فما أشد أثرها في إلهائهم عن التفكير النافع فيما تضمنه القرآن من آيات العقائد والأخلاق وصالح الأعمال، والذي أحب أن أقرره هنا - بهذه المناسبة فيما أخبر الله به من شئون الغيب التي لم يتصل بها بيان قاطع عن الرسول من الدابة والصور ونحوهما - هو أنا نؤمن به على القدر الذي أخبر الله به دون صرف للفظ عن معناه، ودون زيادة عما تضمنه الخبر الصادق» (٢).

стр. 177

وإلى هنا نكون قد انتهينا من الحديث عن الإسرائيليات في التفسير، وهي النوع الأول من أنواع الدخيل في تفسير القرآن الكريم فإلى النوع الثاني من الدخيل، وموعدنا الجزء القادم - إن شاء الله تعالى - من هذا الكتاب، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. * * *

стр. 178

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، أنزل على رسوله الكتاب المبين، هدى وموعظة للمتقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا: (الدخيل في تفسير القرآن الكريم)، يتضمن الحديث عن أنواع أخرى من الدخيل تضاف إلى النوع الأول الذي فصلناه تفصيلا في الجزء الأول من هذا الكتاب، وهو الإسرائيليات في التفسير. وأرجو أن تكون - أيها القارئ الكريم - على ذكر من معنى الدخيل في التفسير، فقد سبق أن شرحناه لك في الجزء الأول من كتابنا هذا، وقلنا: إنه عبارة عن التفسير الذي ليست له أصول ثابتة في الدين، كأن يكون مخالفا لروح القرآن الكريم، أو منافيا للعقل السليم، أو ناشئا عن فهم سقيم، أو نابعا من فكر وافد على الإسلام دين الله القويم. ذلك هو الدخيل في التفسير، وهو علم من علوم القرآن الكريم، عرف عند المفسرين الأقدمين - باسم (أصول التفسير)، وكان شيخ الإسلام (ابن تيمية) المتوفى سنة ٧٢٨ هـ. - فيما أعلم - من أوائل العلماء الذين

стр. 179

طرقوا هذا الباب، وأصلوا قواعد هذا العلم، حيث كتب رسالة قيمة ومفيدة في هذا المجال، أسماها: (مقدمة في أصول التفسير). وفي عصرنا الحاضر بعث هذا العلم من جديد، ونشطت حركة التأليف فيه، والذي أدى إلى ذلك هو أنه ظهرت - في عصرنا هذا - جماعة من الأدعياء، اقتحموا ميدان التفسير بآراء غريبة، وأفكار شاذة، فتصدى الأثبات من العلماء لمحاربة هذه التيارات المنحرفة، وبينوا ما تنطوي عليه هذه الأفكار الدخيلة من فساد وبطلان، ومن أبرز الكتب التي ألفت في هذا العلم، وأكرمها ما كتبه أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي - رحمه الله تعالى - فقد ألف كتابين عظيميين في هذا المجال، وهما: (الإسرائيليات في التفسير والحديث) و (الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم). هذا - وأرجو أن يضع كتابي هذا لبنة أخرى في بناء صرح هذا العلم، وتثبيت قواعده، كما أرجو أن يكون هذا الكتاب سلاحا نافعا في الذود عن حمى كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿تنزيل من حكيم حميد﴾. والله أسأل أن يوفقني إلى إتمام ما بدأت فيه من عمل، إن ربي سميع مجيب، ﴿وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب﴾. د. عبد الوهاب عبد الوهاب فايد الأستاذ المساعد بكلية أصول الدين جامعة الأزهر القاهرة في يوم الجمعة الموافق: ١٣ من المحرم سنة ١٤٠١ هـ ٢١ من نوفمبر سنة ١٩٨٠ م

стр. 180

الفصل الأول الأحاديث الموضوعة في التفسير الحديث الموضوع - في اصطلاح علماء الإسلام - هو المختلق المصنوع الذي ينسب - كذبا - إلى الرسول ﷺ ، أو إلى أحد من الصحابة والتابعين، وهو شر أنواع الأحاديث الضعيفة وأقبحها، وإذا ما أطلق الحديث الموضوع فإنه ينصرف إلى الموضوع على الرسول ﷺ ، أما الموضوع على غيره ﵊ فينبغي تقييده بأن يقال: هذا حديث موضوع على ابن عباس أو علي مجاهد مثلا. والوضع في الحديث من أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب، بل عده بعض العلماء كفرا، فقد جزم الشيخ أبو محمد الجويني - والد إمام الحرمين - بتكفير واضع الحديث (١)، ووافق الجويني على هذه المقالة جماعة من العلماء، وفي ذلك يقول أحد أساتذتنا الأجلاء: «جمهور العلماء على أن الكذب على رسول الله من الكبائر، ولا يكفر فاعل ذلك إلا إذا كان مستحلا للكذب عليه»، وقال الإمام أبو محمد الجويني - والد إمام الحرمين - من أئمة الشافعية: «يكفر من تعمد الكذب على رسول الله» نقل ذلك عنه ابنه إمام الحرمين، وقال: (إنه لم يره لأحد من الأصحاب وأنه هفوة من والده)، ووافق الجويني على هذه المقالة ناصر الدين بن المنير من أئمة المالكية، وغيره من الحنابلة، ووافقهم الإمام الذهبي في تعمد الكذب في الحلال والحرام، ولعل مما يشهد لهم قوله تعالى: ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات

стр. 181

الله﴾ (١). فقد نفت الآية الإيمان عمن يفترى الكذب على الله، والكذب على الرسول كذب على الله - أقول … لعل مراد هؤلاء من تعمد ذلك، أو أنهم قالوه على سبيل المبالغة في الزجر والتنفير منه (٢). ومن علمائنا المعاصرين الذين صوبوا ما ذهب إليه الإمام أبو محمد الجويني من تكفير واضع الحديث الشيخ محمد أحمد شاكر حيث يقول ﵀: «وقد جزم الشيخ أبو محمد الجويني - والد إمام الحرمين - بتكفير من وضع حديثا على رسول الله ﷺ قاصدا إلى ذلك عالما بافترائه، وهو الحق (٣)». والحديث الموضوع لا تجوز روايته إلا مقرونا ببيان وضعه، فإذا ما علم الشخص بأن هذا الحديث موضوع فإنه يحرم عليه روايته في كتاب أو ذكره في حديث إلا إذا قرنه ببيان أنه موضوع، لأن البيان - في هذه الحالة - يزيل من ذهن القاريء أو السامع شبهة الاعتقاد في صحة نسبته إلى الرسول ﷺ . وقد شنع الإمام ابن الجوزي على جهلة المحدثين الذين يتساهلون في رواية الأحاديث الموضوعة دون أن ينبهوا على وضعها، فقال: «ومن تلبيس إبليس على علماء المحدثين رواية الحديث الموضوع من غير أن يبينوا أنه موضوع، وهذه جناية منهم على الشرع، ومقصودهم ترويج أحاديثهم، وكثرة مروياتهم (٤)». والأصل في تحريم هذا كله هو أن الكذب - بصفة عامة - محرم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، ورد ذلك في كثير من الآيات القرآنية

стр. 182

والأحاديث النبوية. وأما الكذب على رسول الله ﷺ بوجه خاص فهو أشد جرما، وأعظم إثما، لأن الكذب على الرسول ﷺ بمثابة الكذب على الله تعالى، وأن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، قال ﷺ : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (١)»، وقال ﵊: «من حدث علي بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين (٢)». متي بدأ الوضع؟ اتسعت الفتوحات الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين، وانتصر الإسلام انتصارا ساحقا على أعدائه من الفرس والروم، ونتج عن ذلك أن انتشر الإسلام في كل مكان، ودخل الناس في دين الله أفواجا، إلا أن بعض أولئك الذين دخلوا في الإسلام لم يعتنقوا الإسلام عن عقيدة واقتناع، بل اعتنقوه على دخل ونفاق، وذلك لكى يطعنوا الإسلام من الداخل بعد أن عجزوا عن أن يطعنوه أو يوجهوا إليه الضربات من الخارج، ومن هنا أخذوا يدسون الأباطيل والترهات في تعاليمه، ويزرعون الشكوك والشبهات في نفوس أتباعه، وكان من الوسائل التي لجأوا إليها في هذا المضمار هو وضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ ، وترويج هذه الأحاديث الموضوعة بين الناس، ولم يقف وضعهم للأحاديث عند حد معين، بل كانوا يضعون الأحاديث في مجالات الدين المختلفة، ومن جملتها تفسير القرآن الكريم. ولا ينبغي أن يغيب هنا عن الذاكرة - في هذا الصدد - ما فعله

стр. 183

عبد الله بن سبأ اليهودي من تأليب الناس على الخليفة الراشد: عثمان بن عفان ﵁ متسترا بالدخول في الإسلام، والتشيع لعلي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وقد نجح هذا اليهودي في أمرين خطيرين، كان لهما أسوأ الأثر في حياة المسلمين السياسية والفكرية على السواء. الأمر الأول: أنه أشعل بين المسلمين نار الفتنة، حيث قام أتباعه بقتل الخليفة عثمان بن عفان ﵁، فانقسم المسلمون - تبعا لذلك - إلى شيع وأحزاب، من عثمانة يطالبون بدم الخليفة القتيل، وشيعة يؤيدون الخليفة الجديد، وخوارج يتمردون - بعد ذلك - على ولاة الأمر، وهكذا تفرقت كلمة المسلمين، وتحطمت وحدتهم منذ ذلك الحين. والأمر الثاني: أن هذا اليهودي وأتباعه الذين أظهروا التشيع لعلي كرم الله وجهه، قاموا - في سبيل الانتصار لعقائدهم الضالة - بدس الأباطيل في الدين، ووضع الأحاديث في فضائل على كرم الله وجهه وغيرها، وفي ضوء هذه الأحاديث التي وضعوها أرادوا أن يفسروا بعض آيات القرآن الكريم، فأخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويعتسفون في التأويل، ويلحدون في آيات التنزيل، وبذلك أفسدوا على المسلمين الحياة الفكرية إلى جانب الحياة ما أفسدوه من حياة المسلمين السياسية. إذن نستطيع أن نقول: إن الوضع في الحديث واكب الفتنة، وقد بدأ الوضع - كما يقول كثير من العلماء - سنة أربعين أو إحدى وأربعين من الهجرة (١)، أي في أواخر عصر الخلفاء الراشدين وأوائل عصر بني أمية. ومما يجدر التنبيه إليه هنا أن الوضع في الحديث لم يقع قط من صحابة

стр. 184

الرسول ﷺ في حياته ولا بعد وفاته، وإنما وقع من غيرهم، كعبد الله بن سبأ اليهودي ومن على شاكلته، ويرى الأستاذ أحمد أمين: أن الوضع في الحديث بدأ في عهد الرسول ﷺ ، واستدل على ذلك بحديث «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، وفي ذلك يقول: «نشأ من عدم تدوين الحديث في كتاب خاص في العصور الأولى واكتفائهم بالاعتماد على الذاكرة، وصعوبة حصر ما قال رسول الله ﷺ أو فعل في مدة ثلاثة وعشرين عاما من بدأ الوحي إلى الوفاة، أن استباح قوم لأنفسهم وضع الحديث ونسبته كذبا إلى رسول الله، ويظهر أن هذا الوضع حدث حتى في عهد الرسول، فحديث «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، يغلب على الظن أنه إنما قيل لحادثة حدثت زور فيها على الرسول» (١). كما يذهب أستاذنا الدكتور محمد أبو زهو إلى قريب من هذا الرأي، وإن كان يرى أن الوضع في الحديث لم ينتشر بكثرة، ولم يظهر بصورة مزعجة إلا سنة ٤١ هـ فيقول: «ولما أن ولي عثمان ﵁، ووقعت الفتنة في زمنه، وجد الكذب على رسول الله ﷺ من أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أوقد نيران الفتنة، وألب الناس على خليفة المسلمين حتى قتلوه ظلما، ثم لما ولي علي - كرم الله وجهه - الخلافة، وكان ما كان بينه وبين معاوية في (صفين) افترق الناس إلى شيعة وخوارج وجمهور كما رأيت، وهنا ظهر الكذب على رسول الله ﷺ ، واشتد أمره من الشيعة والخوارج ودعاة بني أمية، لذلك يعتبر العلماء مبدأ ظهور الوضع في الحديث من هذا الوقت (سنة ٤١ هـ)»، وهذا التحديد إنما هو لظهور الوضع في الحديث وإلا فقد وجد الكذب على رسول الله ﷺ قبل ذلك، حتى في زمنه صلى الله وسلم، ومن أجل ذلك يقول ﷺ : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار

стр. 185

فما قال النبي ﵊ ذلك إلا لحادثة وقعت في عصره، كذب عليه فيها» (١). بيد أني أرى أن هذا القول الذي يرجع بداية الوضع إلى عهد النبوة، أو يوهم صدور الكذب من الصحابة عار من الصحة، وبعيد كل البعد عن دائرة الصواب، ذلك لأن الصحابة - رضوان الله عليهم، جميعا عدول، وقد أثنى عليهم الرسول ﷺ وزكاهم، فليس من المعقول إذن أن يكذبوا على رسول الله ﷺ اتباعا لهوى أو رغبة في دنيا، أخرج البيهقي عن البراء قال: «ليس كلنا كان يسمع حديث النبي ﷺ ، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن كان الناس لم يكونوا يكذبون، فيحدث الشاهد الغائب» كما أخرج عن قتادة قال: «إن أنس حدث بحديث، فقال له رجل: أسمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، أو حدثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب، ولا كنا ندري ما الكذب (٢)». ويرحم الله الدكتور مصطفى السباعي، فقد قام برد علم مفصل علي ما قاله الأستاذ أحمد أمين في هذا الصدد، قال الدكتور مصطفى السباعي: «قال صاحب (فجر الإسلام) ص ٢٥٨، متكلما عن نشأة الوضع: ويظهر أن هذا الوضع حدث في عهد الرسول ﷺ ، فحديث «من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» يغلب على الظن أنه إنما قيل لحادثة زور فيها على الرسول ﵊، وهذا الذي استظهره لا سند له في التاريخ الثابت، ولا في سبب الحديث المذكور، كما جاء في الكتب المعتمدة».

стр. 186

أما التاريخ فقاطع بأنة لم يقع في حياة الرسول أن أحدا ممن أسلم وصحبه زور عليه كلاما، ورواه على أنه حديثه ﵊، ولو وقع مثل هذا لتوافر الصحابة عن نقله لشناعته وفظاعته، كيف وقد كان حرصهم شديدا على أن ينقلوا لنا كل ما يتصل به ﷺ ، حتى مشيه وقعوده، ونومه ولباسه، وعدد الشعرات البيض في رأسه الشريف؟ وأما الحديث المذكور فقد اتفقت كتب السنة الصحيحة المعتمدة على أن الرسول إنما قاله حين أمرهم بتبليغ حديثه إلى من بعدهم، فقد أخرج البخاري في باب ما ذكر عن بني إسرائيل من طريق عبد الله بن عمرو - أن النبي ﷺ قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، وروى مسلم من طريق أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، وروى الترمذي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «انقوا الحديث على إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» وروى الإمام أحمد عن أبي موسى الغافقي أنه قال: إن رسول الله ﷺ كان آخر ما عهد إلينا أن قال: «عليكم بكتاب الله، وسترجعون إلى قوم يحبون الحديث عني، فمن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن حفظ شيئا فليتحدث به»، ورواه غيرهم أيضا بهذا المعنى. وظاهر من هذه الروايات أن النبي - وقد علم أن الإسلام سينتشر وسيدخل فيه أقوام من أجناس مختلفة - نبه بصورة قاطعة على وجوب التحري في الحديث عنه، وتجنب الكذب عليه بما لم يقله، ووجه الخطاب في ذلك إلى صحابته، لأنهم هم المبلغون إلى أمته من بعده، وهم شهداء نبوته ورسالته، وليس في هذه الروايات إشارة قط إلى أن هذا الحديث إنما قيل لوقوع تزوير على النبي ﷺ (١).

стр. 187

ثم تناول الدكتور مصطفى السباعي - بالتضعيف - روايتين غريبتين في هذا المجال وردتا في بعض كتب الحديث، وذكرنا سببا آخر للحديث غير ما تقدم، وبعد أن بين وجوه الضعف في هاتين الروايتين قال: «بهذا نعلم أنه سواء كان سبب الحديث ما ذكرته كتب السنة المعتمدة، أو ما جاء في هاتين الروايتين اللتين حكم عليهما بعض النقاد بعدم الصحة، فليس فيه ما يدل على حصول الوضع في عهد الرسول، فاستظهار ذلك خطأ قائم على غير اساس فلا يصح الذهاب إليه، لاسيما وأن من أول نتائجه نسبة الكذب إلى أصحاب الرسول ﵇، وهو مناف للحق والواقع والمعروف من تاريخ هؤلاء الأصحاب، ومخالف لما ذهب إليه جمهور المسلمين من عدالتهم على الإطلاق، لم يشذ في ذلك إلا الشيعة وطوائف الخوارج والمعتزلة، كما سبق - فإن كان الأستاذ يريد بما استظهره الإشارة إلى هذا الرأي المنوذ، والتمهيد لما سيذكره عن أبي هريرة، ونقد الصحابة بعضهم لبعض، ليضع بذلك (أول لغم) في بناء السنة، فقد أخطأ الطريق، وجانب الحق، وبني أمرا خطيرا على ظنون لا يؤيدها تاريخ صحيح ولا حديث ثابت» (١). أسباب الوضع في التفسير. لا فرق بين أسباب الوضع في التفسير وأسباب الوضع في الحديث، فالأسباب واحدة، لأن التفسير - في عصر صدر الإسلام - كان يعتبر بابا من أبواب الحديث، وقسماها ما من أقسامه، فهؤلاء الذين كانوا يفسرون القرآن آنذاك - إنما كانوا يفسرونه بالمأثور، أي بما ورد عن الرسول ﷺ ، أو ما نقل عن الصحابة والتابعين. ومن ثم فإن الوضع في الحديث شمل - فيما شمل - مجال التفسير، ذلك لأن الوضاءين لم يضعوا الأحاديث في غرض واحد، بل كانوا يضعون الأحاديث في أغراض متعددة، وفنون شتي، كانوا يضعون الأحاديث في فضائل

стр. 188

الأشخاص والأمكنة والأزمان، وفي الترغيب والترهيب، وفي الحلال والحرام وفي الزهد والتصوف، وفي الوعظ والقصص، وأيضا كانوا يضعون الأحاديث في فضائل القرآن وفي التفسير بوجه عام. والأسباب التي دعت الوضاعين إلى الوضع كثيرة، وقد أشرنا إلى بعضها فيما سبق، ويمكننا هنا أن نوجز هذه الأسباب فيما يلي: أولا: الزندقة: ونعني بها كراهية الإسلام دينا ودولة - فقد طهر في العصور الأولى للإسلام جماعة من الزنادقة كانوا يعتنقون الإسلام في الظاهر، ويبطنون الكفر في قلوبهم، وهؤلاء الزنادقة كانوا دائما حربا على الإسلام والمسلمين، فبين حين وآخر كانوا يكيدون للإسلام بدس الترهات والأباطيل، وترويجها بين الناس على أنها من تعاليم الدين، وكانوا يقصدون - من وراء ذلك - فتنة المؤمنين في دينهم، وإثارة البلبلة في نفوسهم، وتمزيق وحدة الأمة الإسلامية، ولقد كانوا - في كثير من الأحيان - يضعون الأحاديث التي تتضمن بعض هذه الترهات والأباطيل، وينسبونها - كذبا - إلى الرسول ﷺ أو إلى أحد من الصحابة والتابعين، لكى تروج بين الناس على أنها من سنة الرسول ﷺ ، وبذلك يفسدون على الناس دينهم. ومن هؤلاء الزنادقة عبد الكريم بن أبى العرجاء الذي قتل وصلب في زمن المهدي، قال ابن عدي: لما أخذ ليضرب عنقه قال: «وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرم فيها الحلال وأحلل الحرام» (١). ومنهم بيان بن سمعان النهدي الذي ظهر بالعراق بعد المائة، وادعى - لعنه الله - إلاهية علي -كرم الله وجهه- وزعم مزاعم فاسدة، فقتله خالد ابن عبد الله القسرى على ذلك وأحرقه بالنار (٢)

стр. 189

ومنهم محمد بن سعيد الشامي المصلوب، قال أحمد بن حنبل: «قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة، حديثه حديث موضوع» (١) وحكى عنه الحاكم أنه روى عن حميد عن أنس مرفوعا. «أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله» وقال: وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التنبي (٢). والخلاصة أن الزنادقة وضعوا طائفة كبيرة من الأحاديث يفسدون بها الدين، فقد روى العقيلي بسنده إلى حماد بن زيد قال: «وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث» (٣) ولكن الله جل شأنه - قيض للأمة الإسلامية من يحفظ لها دينها من إفساد هؤلاء الزنادقة وعبثهم، فقام جهابذة الحديث ونقاده ببيان هذه الأحاديث الموضوعة، وكشفوا للناس عن زيفها وبطلانها، قيل لعبد الله بن المبارك. هذه الأحاديث الموضوعة، فقال: تعيش لها الجهابذة ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٤). ثانيا: الخلافات السياسية والدينية: فقد انقسم المسلمون - بعد مقتل عثمان وخلافة علي - إلى فرق متعددة، كالشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغير ذلك، وكان لكل فرقة من هذه الفرق مذهب وآراء في السياسة والدين، كما كانت كل فرقة تحاول أن تتلمس سندا شرعيا لمذهبها وآرائها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فإذا لم تجد دليلا صريحا في القرآن لجأت إلى التعسف في تأويل النصوص، وتحميل ألفاظ القرآن ما لا تحتمل، وأيضا إذا لم تجد ما يؤيدها من السنة سارعت إلى وضع الأحاديث انتصارا لرأيها، وتشهيرا بغيرها.

стр. 190

والرافضة (١) - وهم طائفة من غلاة الشيعة - أكثر هذه الفرق كذبا ووضعا للحديث، فقد سئل مالك بن أنس ﵁ عن الرافضة، فقال: «لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون» وقال شريك بن عبد الله القاضي - وقد كان معروفا بالتشيع مع الاعتدال فيه: «أحمل عن كل من لقيت إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينا» (٢). وروى الخطيب بسنده عن حماد ابن سلمة قال: «أخبرني شيخ من الرافضة أنهم كانوا يجتمعون على وضع الأحاديث» (٣). أما الخوارج فقد كان بعضهم يضع الأحاديث - وإن كان وضعهم للحديث قليلا إذا قيسوا بغيرهم من أصحاب البدع والأهواء - ذكر القرطبي - في مقدمة تفسيره - أن شيخا من شيوخ الخوارج قال - بعد أن تاب - «إن هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم فانا كنا إذا هوينا أمرا صير ناه حديثا» (٤). وأما المرجئة فقد وضعوا الأحاديث نصرة لآرائهم، قال الحاكم: «كان محمد بن القاسم الطايكاني من رءوس المرجئة، وكان يضع الحديث على مذهبهم» (٥)

стр. 191

وبالجملة فإن أصحاب البدع والأهواء كان لهم دور بارز في هذا المجال، روى ابن حبان - في الضعفاء - بسنده إلى عبد الله بن يزيد المقرئ قال: «انظروا هذا الحديث عمن رجلا من أهل البدع رجع عن بدعته فجعل يقول: تأخذونه، فإنا كنا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثا» (١). ولقد تنبه المحدثون - منذ عصر مبكر من عصور الإسلام - إلى هذه الظاهرة السيئة التي اشتهر بها أصحاب البدع والأهواء، ألا وهي ظاهرة الوضع في الحديث، فكانوا لا يقبلون حديثهم ولا يروون عنهم - روى مسلم في صحيحه عن ابن سيرين قال: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» (٢). هذا ما يتعلق بالخلافات العقدية، أما ما يتعلق بالخلافات الفقهية فقد حملت هذه الخلافات بعض الفقهاء من الجهل المتصبين إلى وضع الأحاديث للتنويه بإمام دون إمام، أو نصرة رأى فقهى على آخر وهم جرا. قال الإمام السيوطي ﵀ بصدد الحديث عن أمثلة من هذه الأحاديث الموضوعة. «قيل لمأمون بن أحمد المروي: ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخراسان، فقال: حدثنا أحمد بن عبد الله - حدثنا عبيد الله بن معدان الأزدي عن أنس مرفوعا: «يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن ادريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي» وقيل لمحمد بن عكاشة الكرماني: إن قوما يرفعون أيديهم في الركوع وفي الرفع منه، فقال حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس مرفوعا: من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له» (٣).

стр. 192

ثالثا: استهواء العامة والتكسب بالوعظ والقصص: فقد ظهرت - في زمن التابعين وتابعيهم - جماعة يعظون الناس في المساجد والأسواق، كانوا يعرفون بالقصاص، وكانوا يتكسبون مما يلقونه علي الناس من قصص وعظات، وأحاديث وحكايات، وكلما كان القصص منهم أغرب كان التفات الناس حولهم أشد، وعطاء الناس لهم أكثر، ولقد كان هؤلاء القصاص يستميلون الناس ويستهوونهم بالغرائب والمناكير، والأباطيل والأساطير، وكانوا - في هذا المجال - يستبيحون لأنفسهم الكذب في الحديث، فيضعون على رسول الله ﷺ - كما يقول الإمام القرطبي - أحاديث بأسانيد صحاح قد حفظوها، ثم يذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد (١)، وكان لهم في ذلك جرأة ووقاحة وصفاقة وجه، ويذكر المحدثون - في هذا الصدد - قصة مشهورة عن الإمام أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين، فقد روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي قال: «صلي أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرازق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب، وريشه من مرجان، وأخذ في قصة نحوا من عشرين ورقة، فجعل الإمام أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، وجعل يحيى بن معين ينظر إلي أحمد، فقال له: حدثته بهذا؟ فيقول: والله ما سمعت هذا إلا الساعة، فلما فرغ من قصصه أخذ العطيات ثم قعد ينتظر بقيتها، فقال له يحيى بن معين بيده: تعال، فجاء متوهما لنوال فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله ﷺ ، فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققت هذا إلا الساعة، كأن ليس يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما،

стр. 193

وقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما» (١). ومن المؤسف حقا أن هؤلاء القصاص الجهال الذين تشبهوا بأهل العلم، وتجرؤوا على أن يكذبوا على الله ورسوله قد وجدوا من العامة آذانا صاغية ولقي العلماء منهم أذى كثيرا، وعنتا كبيرا. فقد ذكر السيوطي في كتابه: (تحذير الخواص من أكاذيب القصاص) أن أجد هؤلاء القصاص جلس ببغداد، فروى تفسير قوله تعالي: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ (٢) وزعم أن النبي ﷺ يجلس مع الله على عرشه، فبلغ ذلك محمد بن جرير الطبري - المفسر - فغضب من ذلك، وبالغ في إنكاره، وكتب على باب داره: (سبحان من ليس له أنيس، ولا له على عرشه جليس) فثارت عليه عوام بغداد، ورجموا بيته بالحجارة، حتى استد بابه بالحجارة وعلت عليه (٣). رابعا: الجهل بالدين مع القصد الحسن: وهو ما فعله بعض الزهاد والعباد والجهلة، فقد كانوا يضعون الأحاديث في مجال الترغيب والترهيب - حسبة، زاعمين أنهم بذلك يتقربون إلى الله، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، وإذا ما حاول أحد أن يقدم النصح لهم، وينبههم إلى قبح صنعهم، وأنهم داخلون تحت طائلة الوعيد الشديد الذي جاء في قول الرسول ﷺ :

стр. 194

«من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» فإن هؤلاء الجهلة يقولون: «نحن ما كذبنا عليه، وإنما كذبنا له» أي لصالح الدين في زعمهم الفاسد. وفي مقدمة من استباح هذا العمل القبيح طائفة تسمى «بالكرامية (١)» جوزت - كما يقول السيوطي في التدريب - وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، واستدلوا على ذلك - بما روي في بعض طرق الحديث: «من كذب علي متعمدا ليضل به الناس»، وحمل بعضهم حديث: «من كذب علي» أي قال إنه شاعر أو مجنون، وقال بعضهم: إنما نكذب له لا عليه، قال السيوطي - «وهو - أي الذي قالوه من جواز الوضع في الترغيب والترهيب - خلاف إجماع المسلمين الذين يعتد بهم» (٢). وقد شنع كثير من العلماء على هؤلاء، وأمثالهم الذين يظن بهم الصلاح في الدين، فينخدع الناس فيهم بتصديق ما يضعون من أحاديث، وقام العلماء كذلك بالرد على الشبهة التي تعلقوا بها في هذا المجال، وبينوا أن الرسول ﷺ لا يحتاج في كمال شريعته إلى ما يختلقه هؤلاء الوضاعون، فعملهم هذا إنما يدل على كمال جهلهم وقلة عقلهم، وفي ذلك يقول الحافظ ابن كثير: «ومنهم - أي من الذين يضعون الحديث - متعبدون، يحسبون أنهم يحسنون صنعا، يضعون أحاديث فيها ترغيب وترهيب، وفي فضائل الأعمال، ليعمل بها، وهؤلاء طائفة من الكرامية وغيرهم، وهم من آشر ما فعل هذا، لما يحصل بضررهم من الغرر على كثير ممن يعتقد صلاحهم، فيظن صدقهم، وهم شر من كل كذاب في هذا الباب، وقد انتقد الأئمة كل شيء فعلوه من ذلك، وسطروه عليهم في زبرهم، عارا على واضعى ذلك في

стр. 195

الدنيا، ونارا وشنارا في الآخرة، قال رسول الله ﷺ : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» وهذا متواتر عنه، قال بعض هؤلاء الجهلة: نحن ما كذبنا عليه، إنما نكذب له، وهذا من كمال جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة فجورهم وافترائهم، فإنه ﵇ لا يحتاج في كمال شريعته وفضلها إلى غيره» (١). ومن هذا المنطلق وضع جماعة من الجهال كثيرا من الأحاديث في فضائل القرآن ترغيبا للناس في تلاوته، وعللوا ذلك بأنهم وجدوا الناس قد انصرفوا عن القرآن، وانشغلوا عنه بعلوم أخرى، فوضعوا من الأحاديث في فضل القرآن ما يحبب الناس في قراءته والإقبال عليه، ولقد كان لما صنعه هؤلاء الجهلة من الوضاعين أثر سيئ. في كتب المسلمين، فوجدنا بعض العلماء الذين لا خبرة لهم بفن الحديث، وليست لديهم معرفة بطرقه ورجاله يحشدون في كتبهم ومؤلفاتهم هذا النوع من الأحاديث الموضوعة التي تذكر في باب الترغيب والترهيب، ومن هؤلاء الإمام (أبو حامد الغزالي) - وهو أحد رجال التصوف البارزين - فقد ملأ كتابه: (إحياء علوم الدين) بالأحاديث الموضوعة، من غير أن يتنبه إلى أنها موضوعة فضلا عن أن ينبه عليها. قال ابن الجوزي ﵀: «وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم - أي للمتصوفة - كتاب (الإحياء) علي طريقة القوم، وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها» (٢). خامسا: التزلف إلى الخلفاء والأمراء: فقد قام بعض علماء السوء بوضع الأحاديث التي يظن أنها ترضي هوى الخلفاء، وتذيل الحظوة لديهم، والقرب منهم، فاستحبوا العمى على الهدى،

стр. 196

وكذبوا على رسول ﷺ ، رغبة في دنيا يصيبونها، أو متاع زائل يحصلون عليه. ومن أمثلة ذلك ما فعله غياث بن إبراهيم النخعي فقد دخل على المهدي العباسي - وكان المهدي يحب الحمام ويلعب به - فإذا أمامه حمام، فقيل له: حدث أمير المؤمنين، فقال: حدثنا فلان عن فلان أن النبي ﷺ قال: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح»، وزاد في الحديث (أو جناح)، فأمر له المهدي بجائزة، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله ﷺ ، ثم قال المهدي: أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام، ورفض ما كان فيه (١). ويروى أن هذه الحكاية إنما حدثت مع الخليفة هارون الرشيد، وأن الذي تولى كبرها قاض من قضاة الرشيد، اسمه أبو البخترى، وأن الرشيد لما أمر بالحمام أن يذبح قيل له: وما ذنب الحمام! فقال: من أجله كذب على رسول الله ﷺ (٢). ومن أمثلة هذا النوع كذلك ما فعله مقاتل بن سليمان مع المهدي العباسي فقد حكى أبو عبد الله وزير المهدي قال: قال المهدي: ألا ترى إلى ما يقول لي هذا - يعني (مقاتلا) -! قال: إذا شئت وضعت لك أحاديث في العباس، قلت: لا حاجة لي بها (٣).

стр. 197

سادسا: التعصب للجنس أو المكان: فقد وضعت الشعوبية (١) بعض الأحاديث التي تفضل الفرس على العرب، واللغة الفارسية على غيرها، مثل حديث (أن كلام الله حول العرش بالفارسية، وأن الله إذا أوحى أمرا فيه لين أوحاه بالفارسية، وإذا أوحى أمرا فيه شدة أوحاه بالعربية) قال الشوكاني: «هذا الحديث رواه ابن عدي عن أبي أمامة مرفوعا، وهو موضوع وباطل لا أصل له، وكل ما ورد في هذا المعنى فهو موضوع، وقد تعسف من زعم غير ذلك» (٢). كذلك وضعت أحاديث في فضل بعض البلدان بدافع التعصب الممقوت مثل حديث: «جنان هذه الدنيا دمشق من الشام، ومرو من خراسان وصنعاء اليمن، وجنة هذه الجنان صنعاء» - قال الشوكاني: «وقد توسع المؤرخون في ذكر الأحاديث الباطلة في فضائل البلدان، ولا سيما بلدانهم، فإنهم يتساهلون في ذلك غاية التساهل، ويذكرون الموضوع ولا ينبهون عليه، فليحذر المتدين من اعتقاد شيء منها أو روايته، فإن الكذب في هذا قد كثر، وجاوز الحد، وسببه ما جبلت عليه القلوب من حب الأوطان والشغف بالمنشأ» (٣). أمارات الوضع: الأمارات التي تدل على الوضع كثيرة، ويمكننا أن نقسم هذه الأمارات إلى قسمين: القسم الأول: أمارات في سند الحديث، والقسم الثاني: أمارات في متن الحديث.

стр. 198

أما أمارات الوضع في السند فأهمها ما يلي: ١ - أن ينفرد برواية الحديث راو معروف بالكذب لدى علماء الجرح والتعديل، بحيث لا يشاركه في رواية هذا الحديث أحد من الثقات، فتلك أمارة قوية على أن هذا الحديث موضوع، ومثال ذلك حديث: «أن ابن عباس قال: سألت النبي ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه - قال: سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي فتاب عليه»، قال الدارقطني: «تفرد به عمرو بن ثابت وقد قال يحيى: إنه لا ثقة ولا مأمون، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات (١) ومما هو جدير بالذكر هنا أن علماء الجرح والتعديل لهم معرفة واسعة بالوضاعين والكذابين، قال النسائي: «الكذابون المعروفون بوضع أحاديث أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام» (٢). وأيضا ذكر السيوطي أن أوهى الطرق إلى ابن عباس هو طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب» (٣). ٢ - أن يقر الراوي بأنه وضع الحديث، فيؤخذ حينئذ بإقراره، لأن الإقرار - كما يقولون - سيد الأدلة، ومثال ذلك الحديث الذي رواه نوح ابن أبي مريم عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة فقد اعترف نوح بوضعه، وقال: «إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة» (٤).

стр. 199

كما اعترف ميسرة بن عبدربه بأنه وضع حديثا مماثلا في فضائل القرآن، فقد قيل الميسرة: من أين جئت بهذه الأحاديث، من قرأ كذا فله كذا، قال: وضعتها أرغب الناس (١). ٣ - أن يروي الراوي الحديث عن شيخ لم يثبت لقياه له كمان يكون الشيخ قد مات قبل أن يولد هذا الراوي، وقد اهتم المحدثون بمعرفة وفيات الرواة ومواليدهم ومقدار أعمارهم، وهو فن عظيم يعرف به اتصال السند وانقطاعه، ويعرف به كذلك الكذابون والمدلسون، قال سفيان الثوري: «لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ». وقال حفص بن غياث: «إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين» - يعني سنه وسن من كتب عنه، وقال حسان بن يزيد: «لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ، نقول للشيخ: سنة كم ولدت؟ فإذا أقر بمولده عرفنا صدقه من كذبه» (٢). وفى هذا المجال يذكر المحدثون بعض الحوادث الطريفة التي تعرفوا فيها - بواسطة التاريخ - على الكذابين من الرواة الذين لم يثبت لقياهم لمن يروون عنهم، ومن هذه الطرائف ما ذكره الحاكم - قال: «لما قدم علينا محمد بن حاتم الكشي فحدث عن عبد بن حميد، سألته عن مولده، فقال: إنه ولد سنة ستين ومائتين، فقلت لأصحابنا: إنه يزعم أنه سمع منه بعد موته بثلاث عشرة سنة» (٣). ٤ - أن تدل الحالة النفسية للراوي على كذبه فيما يرويه، ومثال ذلك ما أخرجه الحاكم عن سيف بن عمر التميمي قال: «كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكتاب يبكي، فقال: مالك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: معلمو صبيانكم شراركم،

стр. 200

أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين» (١). فهذا الحديث قد دلت على وضعه قرينة في الراوي، وهذه القرينة تتمثل في حالة الغضب التي سيطرت عليه، بسبب ضرب المعلم لولده، فدفعته إلى اختلاق هذا الحديث، وذلك واضح من تصدير الحديث بقوله: (لأخزينهم اليوم). هذا ما يتعلق بأمارات الوضع التي تكون في سند الحديث أي رواته ورجاله، وأما الأمارات التي تكون في متن الحديث أي نصه ولفظه فاليك بيانها: ١ - أن يكون الحديث ركيكا، ولا يعقل أن يصدر عن الرسول ﷺ الذي أعطي جوامع الكلم، فتلك قرينة قوية تشهد للحديث بالوضع، والركاكة قد تكون راجعة إلى اللفظ، وقد تكون راجعة إلى المعنى، وقد تكون راجعة إلى الأمرين معا، قال الحافظ ابن حجر: «المدار في الركة على ركة المعنى، فحينما وجدت دلت على الوضع، وإن لم ينضم إليها ركة اللفظ، لأن هذا الدين كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة، أما ركاكة اللفظ فقط فلا تدل على ذلك، لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى فغير ألفاظه بغير فصيح، نعم إن صرح بأنه من لفظ النبي ﷺ فكاذب» (٢). وقال الربيع بن خيثم: «إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره». وقال ابن الجوزي: «الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب»، وقال البلقيني: «وشاهد هذا أن إنسانا لو خدم إنسانا سنين، وعرف ما يحب وما يكره، فادعى إنسان أنه كان يكره شيئا يعلم ذلك أنه يحبه، فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيبه» (٣). ٢ - أن يكون مخالفا لصريح القرآن السكريم، أو السنة النبوية أو

стр. 201

الإجماع القطعي، فهذا يدل على أن الحديث موضوع، فمثال ما يخالف صريح القرآن حديث: «إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإذا وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردوه»، فقد ذكر الشوكاني أن هذا الحديث من وضع الزنادقة، ثم قال: «على أن في هذا الحديث الموضوع نفسه ما يدل على رده، لأنا إذا عرضناه على كتاب الله خالفه، ففي كتاب الله : ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) ونحو هذا من الآيات» (٢). ومثال ما يخالف السنة الصحيحة حديث: «إذا حدثتم علي بحديث يوافق الحق فخذوا به، حدثت به أو لم أحدث»، فهو مناقض لقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح المتواتر - (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار). ومثال ما يخالف الإجماع القطعى حديث: «من قضي صلوات من الفرائض في آخر جمعة من رمضان كان ذلك جابرا لكل صلاة فاتته في عمره إلى سبعين سنة»، فإن هذا يخالف ما أجمع عليه علماء الإسلام من أن الصلاة الفائتة لا تسقط عن المكلف بحال، ولا يقوم مقامها شيء من العبادات الأخرى. ٣ - أن يكون مخالفا للعقل بحيث لا يقبل التأويل، ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة، ومثال ذلك ما رواه ابن الجوزي من طريق عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده مرفوعا: «إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا، وصلت عند المقام ركعتين» (٣)، وقد عرف عبد الرحمن بن زيد هذا بمثل هذه الغرائب، حتى قال الشافعي - فيما نقله صاحب التهذيب -: «ذكر رجل لمالك - يعني الإمام - حديثا منقطعا، فقال: اذهب إلى عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح» (٤).

стр. 202

ومن أمثلة ما يخالف العقل كذلك ما رواه ابن الجوزي من طريق محمد بن شجاع الثلجي عن حبان بن هلال عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة مرفوعا -: «إن الله خلق الفرس، فأجراها فعرقت، فخلق منها نفسه» (١). قال السيوطي - في تعليقه على هذا الحديث -: «هذا لا يضعه مسلم، بل ولا عاقل، والمتهم به محمد بن شجاع كان زائفا في دينه، وفيه أبو المهزم، قال شعبة: رأيته، لو أعطي درهما وضع خمسين حديثا» (٢). ٤ - أن يكون مخالفا لحقائق التاريخ، ومثال ذلك حديث: «لما أسرى بي إلى السماء أدخلني جبريل الجنة، فناولني تفاحة فأكلتها، فصارت نطفة في صلبي، فلما نزلت واقعت خديجة، ففاطمة من تلك النطفة»، فهذا مخالف للواقع. إذ من الثابت تاريخيا أن فاطمة ﵂ ولدت قبل بعثة الرسول ﷺ ، قال الشوكاني - في التعقيب على هذا الحديث -: «قال الذهبي في تلخيص المستدرك: هذا كذب جلي، وقال ابن حجر: فاطمة ولدت قبل ليلة الإسراء بالإجماع، وقال الذهبي: فاطمة ولدت قبل النبوة فضلا عن الإسراء» (٣). ٥ - أن يشتمل الحديث على مجازفات ومبالغات لا تصدر عن عاقل، كأن يكون فيه وعيد شديد على أمر صغير، أو وعد عظيم على فعل حقير، وهذا كثير في أحاديث القصاص ومن على شاكلتهم، فمثال النوع الأول حديث: «من أعان تارك الصلاة بلقمة فكأنما أعان على قتل الأنبياء كلهم»، فقد حكم السيوطي - فيما نقله عنه الشوكاني - على هذا الحديث بأنه موضوع (٤).

стр. 203

ومثال النوع الثاني ما ذكره الشوكاني - في مجال الصلاة - وهو حديث: «من علق في مسجد قنديلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى ينطق، ذلك القنديل، ومن بسط فيه حصيرا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يقطع ذلك الحصير» قال الشوكاني: «في إسناده عمر بن صبح كذاب» (١). ٦ - أن يكون الراوي رافضيا والحديث في فضائل أهل البيت، فهذه قرينة تدل على أن الحديث موضوع، ومثال ذلك حديث: «خلقت أنا وعلي من نور، وكنا على يمين العرش قبل أن يخلق آدم بألفي عام، ثم خلق الله آدم، فانقلبنا في أصلاب الرجال، ثم جعلنا في صلب عبد المطلب، ثم شق أسماؤنا من اسمه، فالله محمود وأنا محمد، والله الأعلى وعلي علي». - قال الشوكاني - عن هذا الحديث -: «هو موضوع، وضعه جعفر بن أحمد ابن علي بن بيان، وكان رافضيا وضاعا» (٢). ومما هو جدير بالذكر هنا أن الرافضة اشتهروا بوضع الأحاديث في فضل علي وآل البيت، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: «وغلو الرافضة في حب علي ﵁ حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله أكثرها تشينه وتؤذيه». وقد ذكرت منها جملة في كتاب (الموضوعات)، منها: (أن الشمس غابت، فقاتلت عليا صلاة العصر، فردت له الشمس) وهذا من حيث النقل موضوع، لم يروه ثقة، ومن حيث المعنى فإن الوقت قد فات، وعودها طلوع متجدد، فلا يرد الوقت، «وكذلك وضعوا أن فاطمة اغتسلت ثم ماتت، وأوصت أن تكتفي بذلك الغسل، وهذا من حيث النقل كذب، ومن حيث المعنى قلة فهم؛ لأن الغسل عن حدث الموت، فكيف يصبح قبله» (٣).

стр. 204

الآثار السيئة للوضع: لقد ترتب على حركة الوضع آثار سيئة وعميقة في حياة المسلمين، ففي مجال التأليف نجد بعض علماء الدين الذين لهم قدم راسخة في ميادين العلم المختلفة إلا أن بضاعتهم مزجاة في علم الحديث، نجدهم ينساقون - بحسن نية - في الجري وراء هذه الأحاديث الموضوعة، فيوردون الكثير منها في كتبهم ومؤلفاتهم، وذلك كما فعل الإمام حجة الإسلام الغزالي في كتابه: (إحياء علوم الدين)، والعلامة جار الله الزمخشري في تفسير (الكشاف) وغيرهم ممن ألفوا في مجال التصوف أو التفسير أو الفقه أو علم الكلام أو التاريخ. ولقد كان لإيراد هذه الموضوعات في كتب هؤلاء أثر بالغ في حياة المسلمين العملية والفكرية على السواء، حيث راجت هذه الأحاديث بين كثير من الناس، وانخدعوا بتصديقها، واطمأنوا إليها، كيف لا، وقد انخدع بها قبلهم أئمة كبار، وعلماء أجلاء. أما أثر ذلك من الناحية العملية فقد يصدق المسلم حديثا موضوعا في مجال العبادات مثلا، فيعمل به على أساس أنه من الدين والدين منه براء، وحينئذ يصبح ما دسه الملاحدة والزنادقة في نظره جزءا من تعاليم الدين، وأما أثر ذلك من الناحية الفكرية فما أعظم الضرر الذي يلحق المسلم عندما تنقلب أمامه الحقائق، وتحتل لديه المقاييس، ويعتقد الباطل حقا والكذب صدقا، فيعيش في ضلال مبين. كذلك من الآثار السيئة لحركة الوضع في مجال التفسير أننا نجد - في بعض الأحيان - أقوالا متعارضة في تفسير القرآن الكريم لبعض الصحابة والتابعين، ويكون التعارض بين الأقوال حقيقيا لا مكان فيه للتوفيق، بل قد نجد - أحيانا - قولين متعارضين في تفسير آية واحدة ينسبان إلى صحابي واحد، مما يوهم الجهال بأنه شخص متناقض مع نفسه، ولكننا عندما نعرض القولين على مناهج المحدثين نجد أن أحد القولين هو الذي تصح نسبته إلى صاحبه لصحة السند الذي روى به، بينما القول الآخر موضوع

стр. 205

عليه، قد وضعه كذاب أو زنديق، وفي هذه الحالة فإن من الواجب الاعتماد على الصحيح دون غيره، وغني عن البيان أن الذي أوقعنا في هذه البلبلة الفكرية هو تلك الحركة المشبوهة والمسمومة، حركة الوضع في التفسير. يضاف إلى ذلك أيضا أن كثيرا من المستشرقين والمبشرين أعداء الإسلام، اتخذوا من هذه الأحاديث الموضوعة سلاحا لمحاربة الإسلام، وتوجيه الطعون إليه، وقد تصيدوا من هذه الأحايث ما يكون منافيا للعقل، أو مخالفا للواقع، وأثاروا بها الشبهات حول الإسلام أو القرآن أو الرسول ﵊، أو الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستندوا في هذا كله - إلى ورود هذه الأحاديث في بعض كتب المسلمين التي أشرنا إليها، وجهلوا أو تجاهلوا الحقيقة العلمية الثابتة، وهي أنه ليس كل ما يذكر في هذه الكتب صحيحا، بل هذه الكتب التي اعتمدوا عليها تشتمل على الغث والسمين، والأصيل والدخيل، والصحيح والعبيل. ونكتفي هنا بمثال واحد مما أورده المستشرقون من شبهات؛ فقد اتهم المستشرق اليهودي (جولد تسيهر) الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رض الله عنه بالتناقض في مسألة الذبيح، وهل هو إسماعيل أو إسحاق، فمرة ذكر الرواة عنه أنه قال: إن الذبيح هو إسماعيل، ومرة أخرى ذكر الرواة عنه أنه قال إن الذبيح هو إسحاق، وعد هذا من ابن عباس تناقضا في الرأي وفي ذلك يقول (جولد تسيهر): (ولا نستطيع - على الرغم من كثرة الزيف القليل الفائدة - أن نقدر حق القدر ذلك النشاط الذي حفظ به الرواة المعلومات الهائلة، الفياضة بالأقوال المتعارضة دون مبالاة ولا اكتراث، وأول ما يتبادر للنظر في ذلك النطاق هو تلك الظاهرة الغريبة، حيث تسند إلى ابن عباس أقوال تصور آراء شديدة التناقض، لا تقبل توفيقا ولا تسوية ويوجد مثال لذلك في مسألة الخلاف التي كثر حولها الجدل قديما: أي ابني إبراهيم أراد أبوه أن يذبحه طوعا لأمر الله) - ثم قال بعد أن استعرض كلا الرأيين المتعارضين في هذا المجال: «هكذا يقف الرأيان جميعا، أحدهما

стр. 206

بإزاء الآخر، كلاهما ثابت بالنقل، مدعوم بالسند الكافي لإقناع مطالب العلماء الإسلامين، فيستطيع فريق إسحاق أن يرجع عن طريق أبي هريرة - إلى العالم اليهودي: كعب الأحبار، وهو من أهم مصادر الرواية للإسرائيليات والنصرانيات في الأساطير الإسلامية، بل لقد ذكر العباس - عم الرسول - الذي يقال إنه استند إلى النبي نفسه في ذلك شاهدا لتأييد فريق إسحاق، بيد أن الحجة الكبرى في مسائل تفسير القرآن هو دائما ابن عباس، فيظهر ابن عباس نفسه إذن على أنه أساس الإسناد عند كلا الفريقين، وتسوق كلتا الروايتين قوله المدعوم برجال السلسلة في نسق جيد دليلا على صحة مذهب كل منهما، ففريق إسحاق يتخذ عكرمة، وفريق إسماعيل يتخذ الشعبي أو مجاهد عمدة في الرواية المباشرة عن ابن عباس أنه حسم في هذا الموضوع بما يوافق رأي كل منهما» (١). هذا ما يقوله (جولد تسيهر) الذي أراد أن يصور لنا ابن عباس بصورة الرجل الذي يناقض نفسه، وكذب (جولد تسيهر) فيما يقول، لأن الرواية التي تنسب إلى ابن عباس أنه قال: إن الذبيح هو إسماعيل أصح من الرواية الأخرى، وهي التي يجب أن يعتمد عليها في هذا الموضوع، وينبغي أن تحسم مادة الخلاف فيه، واستمع معي إلى أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي، فقد رد على هذا المستشرق ردا علميا مفصلا ومدعما بالدليل حيث يقول ﵀: «هذا ما حكم به الأستاذ جولد تسيهر على التفسير بالمأثور في كتابه، وكل ما قاله في هذا الموضوع لا يعدو أن يكون محاولات فاشلة، يريد من ورائها أن يظهر ابن عباس خاصة، ومن تكلم في التفسير من الصحابة عامة بمظهر الشخص الذي يناقض نفسه في الكلمة الواحدة، أو الموضوع الواحد، كما يرمى من وراء ذلك إلى أن يصرف نظر المسلمين عن هذه الثروة الضخمة التي خلفها لهم السلف الصالح في التفسير زعما أن هذا التناقض الموجود بين الروايات نتيجة لاختلاف وجهات النظر من شخص واحد أو أشخاص، وتفسير هذا شأنه تحن في حل من التزامه، لأنهم قالوا بعقولهم، ونحن مشتركون معهم في هذا القدر».

стр. 207

ونحن لا ننكر أن هناك اختلافا بين السلف في التفسير، كما لا ننكر أن هناك اختلافا بين قولين أو أقوال لشخص واحد منهم، ولكن هذا الاختلاف قلنا عنه - فيما سبق مفصلا - إن معظمه يرجع إلى اختلاف عبارة وتنوع، لا اختلاف تناقض وتضاد، فما كان من هذا القبيل فالجمع بينه سهل ميسور، وما لم يمكن فيه الجمع فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم إن استويا في الصحة عنه، وإلا فالصحيح المقدم. أما إذا تعارضت أقوال جماعة من الصحابة وتعذر الجمع أو الترجيح فيقدم ابن عباس على غيره، لأن النبي ﷺ بشره بذلك حيث قال: «اللهم علمه التأويل»، وقد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض لحديث «أفرضكم زيد». وأما ما ساقه على سبيل المثال من اختلاف الرواية عن ابن عباس في تعيين الذبيح فقد رجعت إلى ابن جرير في تفسيره، فوجدته قد ذكر عن ابن عباس هاتين الروايتين المختلفتين، وساق كل رواية منهما بأسانيد تتصل إلى ابن عباس، بعضها يرفعه إلى الرسول ﷺ ، وبعضها موقوف عليه. وابن جرير - كما نعلم - لم يلتزم الصحة في كل ما يرويه، ولو أننا عرضنا هاتين الروايتين على قواعد المحدثين في نقد الرواية والترجيح لتبين لنا - بكل وضوح وجلاء - أن الرواية القائلة بأن الذبيح هو إسماعيل أصح من غيرها وأرجح مما يخالفها، لأنها مؤيدة بأدلة كثيرة، يطول ذكرها، وأيضا فإن الرواية التي يذكرها ابن جرير عن ابن عباس مرفوعة إلى رسول الله ﷺ ، ومفيدة أن الذبيح هو إسحاق في سندها الحسن بن دينار عن على بن زيد، والحسن بن دينار متروك، وعلي بن زيد منكر الحديث كما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره. أما باقي الروايات الموقوفة على ابن عباس والتي تفيد أن الذبيح هو إسحاق فهي - وإن كانت صحيحة الأسانيد - محمولة على أن ما تضمنته من أن الذبيح هو إسحاق كان رأي ابن عباس في أول الأمر، لأنه سمع ذلك من بعض الصحابة الذين كانوا يحدثون في مثل هذا بما سمعوه من كعب وغيره

стр. 208

من مسلمي اليهود، ثم علم بعد أن ذلك قول اليهود فرجع عنه وصرح بنقيضه، كما قال ابن جرير: «حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمر بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس أنه قال: «المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود»»، وهذا الأمر صحيح عن ابن عباس، إسناده على شرط الصحيح، وهو - كما ترى - صريح في تكذيب اليهود فيما زعموه، وهو يقضي على كل أثر بخلافه، وبهذا الطريق تنتظم الآثار الواردة عن ابن عباس في هذا الباب، قال ابن كثير في تفسيره - بعد ما ساق الروايات في أن الذبيح هو إسحاق - «وهذه الأقوال - والله أعلم - كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر ﵁ عن كتبه قديما، فربما استمع له عمر ﵁، وترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه، غثها وسمينها، وليس لهذه الأمة - والله أعلم - حاجة إلى حرف واحد مما عنده» (١). جهود العلماء في مقاومة الوضع: ولأن الأمر جد خطير لم يكتف علماء الإسلام بما وضعوه من أمارات وقرائن لمعرفة الحديث الموضوع، بل قاموا كذلك - في سبيل الحفاظ على السنة - بجهود موفقة ومشكورة المقاومة حركة الوضع في الحديث، وهذه الجهود تتمثل فيما يلي: أولا - المبادرة إلى تدوين السنة: لم تدون السنة في عصر النبي ﷺ ، ولا في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما بدأ تدوينها في عصر التابعين، وهو العصر الذي كثر فيه الوضع في الحديث، وانتشرت الموضوعات بين الناس انتشارا كبيرا، ويذكر المؤرخون أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ هو أول من فكر

стр. 209

في تدوين السنة - علي صاحبها أفضل الصلاة والسلام - وكان ذلك على رأس المائة الأولى من هجرة الرسول ﷺ ، فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر ابن حزم - عامله وقاضيه على المدينة - يقول: «انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء» وأوصاه أن يكتب له ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وكذلك كتب إلى عماله في أمهات المدن الإسلامية بجمع الحديث، وممن كتب إليه بذلك الإمام محمد بن شهاب الزهري (١). ومنذ ذلك الحين أقبل العلماء على جمع السنة، وتدوين الحديث بهمة موفورة ونشاط بالغ، وجد عظيم، ولم يكد ينتهى القرن الثالث الهجري حتى كانت الأحاديث النبوية مجموعة في كتب معتمدة مثل كتاب الموطأ للإمام مالك، وكتاب المسند للإمام أحمد، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجة وأبى داود، وغيرها من الكتب التي حفظت لنا هذا التراث العظيم الذي تركه لنا رسول الإنسانية محمد ﷺ ، وبهذا العمل الجليل حال علمائنا الكرام بين الوضاعين وبين ما أرادوه من الإفساد والعبث في سنة الرسول ﵊. ثانيا - وضع علم الجرح والتعديل: ومن الجهود المباركة كذلك في مقاومة حركة الوضع في الحديث أن علماءنا الأجلاء قاموا بوضع علم يتعلق برجال الحديث، وهو ما يعرف بعلم الجرح والتعديل، وهذا العلم يبحث فيه عن أحوال الرواة وأمانتهم وثقتهم وعدالتهم وضبطهم، أو عكس ذلك من كذب أو غفلة أو نسيان.

стр. 210

ويصف الدكتور مصطفى السباعي هذا العلم بأنه من أجل العلوم التي نشأت عن تلك الحركة المباركة - يعني حركة العلماء وجهودهم في مقاومة الوضع - لا نعرف له مثالا أيضا في تاريخ الأمم الأخرى، وقد أدى إلى نشأة هذا العلم حرص العلماء علي الوقوف على أحوال الرواة، حتي يميزوا بين الصحيح وغيره، فكانوا يختبرون بأنفسهم من يعاصرونهم من الرواة، ويسألون السابقتين ممن لم يعاصرونهم، ويعلنون رأيهم فيهم دون تحرج ولا تأثم، إذ كان ذلك ذبا عن دين الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد قيل للبخاري: إن بعض الناس ينقمون عليك التاريخ يقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنما روينا ذلك رواية، ولم نقله من عند أنفسنا، وقد قال النبي ﷺ : «بئس أخو العشيرة المغتاب» (١). وإذن فالباعث على وضع هذا العلم هو صيانة السنة والذب عنها، وتمييز ما صح من الأحاديث عن غيره، وقد أجاز العلماء الجرح - وهو بيان حالة الراوي من كذب أو فسق أو جهل أو زندقة أو اعتقاد فاسد ونحو ذلك لما يترتب عليه من صيانة الشريعة والذب عنها، وبيان ما تطرق إلى السنة - وهي الأصل الثاني للدين - من أحاديث موضوعة وضعيفة ومنكرة وشاذة، ولا يعد تجريح الراوي هنا من باب الغيبة المحرمة شرعا قال أبو بكر بن خلاد ليحى بن سعيد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله؟ فقال: لأن يكونوا خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ ، يقول لي: «لم لا تذب الكذب عن حديثي» وقال أبو تراب النخشبي لأحمد بن حنبل: لا تغتب العلماء، فقال له أحمد: «ويحك، هذا نصيحة، ليس هذا غيبة»، وقال بعض الصوفية لابن المبارك: «تغتاب؟ قال: اسكت، إذا لم نبين كيف نعرف الحق من الباطل» (٢).

стр. 211

والجرح له مراتب أشدها ثلاثة وفيها يكون الراوي ساقطا لا يكتب حديثه ولا يعتبر به - المرتبة الأولى - وهي أقلها - أن يقولوا، (مردود الحديث، أو ضعيف جدا، أو طرحوا حديثه، أولا يساوى شيئا)، والمرتبة الثانية - وتزداد قبحا عن الأولى - أن يقولوا: (متروك الحديث، أوساقط، أو لا يعتبر بحديثه، أو متهم بالكذب أو بالوضع)، والمرتبة الثالثة - وهي أقبح المراتب الثلاثة - أن يقولوا: (كذاب. أو دجال، أو وضاع، أو يضع الأحاديث) (١). ومما يدل على الدقة المتناهية لدى علماء الجرح والتعديل أنهم قالوا: إن الذي يكذب في حديث الرسول ﷺ لا تقبل روايته بحال، وإن تاب عن الكذب، بخلاف الذي يكذب في حديث الناس، ثم يتوب، فإن روايته تقبل بعد التوية، وفي ذلك يقول الحافظ ابن كثير: «التائب من الكذب في حديث الناس تقبل روايته، خلافا لأبي بكر الصيرفي، فأما إن كان قد كذب في الحديث متعمدا فنقل ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل وأبي بكر الحميدى شيخ البخاري: أنه لا تقبل روايته أبدا، وقال أبو المظفر السمعاني: من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه» (٢). وعلق الشيخ أحمد شاكر على كلام ابن كثير هذا فقال: «ورد النووى هذا، فقال - في شرح مسلم -: (المختار القطع بصحة توبته، وقبول روايته كشهادته، كالكافر إذا أسلم)، والراجح ما قاله أحمد بن حنبل ومن معه تغليظا وزجرا بليغا عن الكذب على رسول الله ﷺ ، لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة، فلا يقاس الكذب في الرواية

стр. 212

على الكذب في الشهادة أو في غيرها، ولا على أنواع المعاصي الأخرى» (١): هذا والكتب التي ألفها العلماء في مجال الجرح والتعديل كثيرة، منها ما أفرد لذكر الثقات فقط مثل كتاب الثقات لابن حيان، ومنها ما أفرد لذكر الضعفاء والمتروكين فقط مثل كتاب الكامل لابن عدي، ومنها ما جمع فيه بين الثقات والضعفاء مثل تواريخ البخاري الثلاثة: الكبير وهو مرتب على حروف المعجم، والأوسط والصغير وهما مرتبان على السنين. ثالثا: تصنيف الكتب في بيان الأحاديث الموضوعة: ثم تتبع علماؤنا الاجلاء - جزاهم الله خيرا عن الإسلام وأهله - الأحاديث الموضوعة، وأفردوها بالجمع والتأليف، وبينوا ما في أسانيدها من الرواة الوضاعين، وما في متونها من إمارات الوضع، وعلامات الكذب، حتى لا ينخدع بها أحد من المسلمين، وبذلك أسدوا أجل الخدمات للسنة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومن أشهر الكتب التي ألفت في هذا المجال مما يلي: ١ - كتاب الموضوعات للحافظ أبى الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ ومما يؤخذ على هذا الكتاب أن ابن الجوزي تساهل فيه كثيرا، بحيث أدخل في الموضوع ما ليس منه مثل الأحاديث الضعيفة التي لا دليل فيها على الوضع، وقد ذكر السيوطي - في التدريب - أن فيه الحسن والصحيح، ثم قال: «وأغرب من ذلك أن فيه حديثا من صحيح مسلم وهو ما رواه من طريق أبي عامر العقدي عن أفلح بن سعيد عن عبد الله بن رافع

стр. 213

عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : «إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر». قال شيخ الإسلام - يعني الحافظ ابن حجر: لم أقف في كتاب الموضوعات على شيء حكم عليه بالوضع - وهو في أحد الصحيحين - غير هذا الحديث، وإنها لغفلة شديدة منه» (١). كما يقول ابن حجر - عن كتاب الموضوعات هذا: «غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي ينتقد عليه - بالنسبة إلى ما لا ينتقد - قليل جدا، وفيه من الضرر أن تظن ما ليس بموضوع موضوعا عكس الضرر بمستدرك الحاكم، فإنه يظن ما ليس بصحيح صحيحا، ويتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين، فإن الكتابين في تساهلهما عدم الانتفاع بهما إلا لعالم بالفن، لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيه التساهل» (٢). ٢ - كتاب اللالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ، وقد ذكر السيوطي في التدريب أنه اختصره من كتاب ابن الجوزي، فعلق أسانيده، وذكر منها ما تمس إليه الحاجة، وأتى بالمتون وكلام ابن الجوزي عليها، وتعقب كثيرا منها، وتتبع كلام الحفاظ في تلك الأحاديث، خصوصا ما ذكره شيخ الإسلام ابن حجر في تصانيفه (٣). وللسيوطي أيضا كتاب آخر في هذا المجال، وهو ذيل اللالي المصنوعة، زاد فيه مافات ابن الجوزي في الموضوعات (٤).

стр. 214

٣ - كتاب الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للإمام أبي عبد الله محمد بن على الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ لكنه أدرج فيه كثيرا من الأحاديث التي لم تبلغ درجة الوضع، بل ومنها صحاح وحسان، قلد في ذلك ابن الجوزي وأضرابه من المتساهلين (١). ٤ - كتاب تذكرة الموضوعات للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي المتوفى سنة ٥٠٧ هـ، وقد ذكر فيه الأحاديث التي رواها الكذبة والمجروحون، والضعفاء والمتروكون.

стр. 215

أمثلة من الأحاديث الموضوعة في التفسير لقد كان التفسير من الميادين الفسيحة التي كثر فيها الوضع، وجال فيها الوضاعون وصالوا، ونشطوا فيها نشاطا كبيرا، فتارة كان الوضاعون يضعون الأحاديث في أسباب النزول بغية أن يفسروا القرآن في ضوئها على حسب أهوائهم، وتارة أخرى كانوا يضعون الأحاديث في المراد من بعض الآيات انتصارا لمذهب معين، وطورا كانوا يضعون الأحاديث في تحديد المعنى الآيات، مثلما فعل الباطنية الذين كانوا يفسرون القرآن تفسيرا رمزيا ويستدلون على تفاسيرهم تلك ببعض الأحاديث الموضوعة. وقد انتشر الوضع في التفسير منذ عصر مبكر من عصور الإسلام، حتى أنه يروى عن الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ أنه قال: «ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي» وفي رواية: «ثلاثة كتب لا أصل لها: المغازي والملاحم والتفسير» (١). واختلف العلماء في فهم المراد من كلام ابن حنبل هذا، وماذا يريد بعبارته
следующие страницы →