والجرح له مراتب أشدها ثلاثة وفيها يكون الراوي ساقطا لا يكتب حديثه ولا يعتبر به - المرتبة الأولى - وهي أقلها - أن يقولوا، (مردود الحديث، أو ضعيف جدا، أو طرحوا حديثه، أولا يساوى شيئا)، والمرتبة الثانية - وتزداد قبحا عن الأولى - أن يقولوا: (متروك الحديث، أوساقط، أو لا يعتبر بحديثه، أو متهم بالكذب أو بالوضع)، والمرتبة الثالثة - وهي أقبح المراتب الثلاثة - أن يقولوا: (كذاب. أو دجال، أو وضاع، أو يضع الأحاديث) (١).
ومما يدل على الدقة المتناهية لدى علماء الجرح والتعديل أنهم قالوا: إن الذي يكذب في حديث الرسول ﷺ لا تقبل روايته بحال، وإن تاب عن الكذب، بخلاف الذي يكذب في حديث الناس، ثم يتوب، فإن روايته تقبل بعد التوية، وفي ذلك يقول الحافظ ابن كثير: «التائب من الكذب في حديث الناس تقبل روايته، خلافا لأبي بكر الصيرفي، فأما إن كان قد كذب في الحديث متعمدا فنقل ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل وأبي بكر الحميدى شيخ البخاري: أنه لا تقبل روايته أبدا، وقال أبو المظفر السمعاني: من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه» (٢). وعلق الشيخ أحمد شاكر على كلام ابن كثير هذا فقال: «ورد النووى هذا، فقال - في شرح مسلم -: (المختار القطع بصحة توبته، وقبول روايته كشهادته، كالكافر إذا أسلم)، والراجح ما قاله أحمد بن حنبل ومن معه تغليظا وزجرا بليغا عن الكذب على رسول الله ﷺ ، لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة، فلا يقاس الكذب في الرواية
стр. 212
على الكذب في الشهادة أو في غيرها، ولا على أنواع المعاصي الأخرى» (١):
هذا والكتب التي ألفها العلماء في مجال الجرح والتعديل كثيرة، منها ما أفرد لذكر الثقات فقط مثل كتاب الثقات لابن حيان، ومنها ما أفرد لذكر الضعفاء والمتروكين فقط مثل كتاب الكامل لابن عدي، ومنها ما جمع فيه بين الثقات والضعفاء مثل تواريخ البخاري الثلاثة: الكبير وهو مرتب على حروف المعجم، والأوسط والصغير وهما مرتبان على السنين.
ثالثا: تصنيف الكتب في بيان الأحاديث الموضوعة:
ثم تتبع علماؤنا الاجلاء - جزاهم الله خيرا عن الإسلام وأهله - الأحاديث الموضوعة، وأفردوها بالجمع والتأليف، وبينوا ما في أسانيدها من الرواة الوضاعين، وما في متونها من إمارات الوضع، وعلامات الكذب، حتى لا ينخدع بها أحد من المسلمين، وبذلك أسدوا أجل الخدمات للسنة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومن أشهر الكتب التي ألفت في هذا المجال مما يلي:
١ - كتاب الموضوعات للحافظ أبى الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ ومما يؤخذ على هذا الكتاب أن ابن الجوزي تساهل فيه كثيرا، بحيث أدخل في الموضوع ما ليس منه مثل الأحاديث الضعيفة التي لا دليل فيها على الوضع، وقد ذكر السيوطي - في التدريب - أن فيه الحسن والصحيح، ثم قال: «وأغرب من ذلك أن فيه حديثا من صحيح مسلم وهو ما رواه من طريق أبي عامر العقدي عن أفلح بن سعيد عن عبد الله بن رافع
стр. 213
عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : «إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر». قال شيخ الإسلام - يعني الحافظ ابن حجر: لم أقف في كتاب الموضوعات على شيء حكم عليه بالوضع - وهو في أحد الصحيحين - غير هذا الحديث، وإنها لغفلة شديدة منه» (١).
كما يقول ابن حجر - عن كتاب الموضوعات هذا: «غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي ينتقد عليه - بالنسبة إلى ما لا ينتقد - قليل جدا، وفيه من الضرر أن تظن ما ليس بموضوع موضوعا عكس الضرر بمستدرك الحاكم، فإنه يظن ما ليس بصحيح صحيحا، ويتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين، فإن الكتابين في تساهلهما عدم الانتفاع بهما إلا لعالم بالفن، لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيه التساهل» (٢).
٢ - كتاب اللالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ، وقد ذكر السيوطي في التدريب أنه اختصره من كتاب ابن الجوزي، فعلق أسانيده، وذكر منها ما تمس إليه الحاجة، وأتى بالمتون وكلام ابن الجوزي عليها، وتعقب كثيرا منها، وتتبع كلام الحفاظ في تلك الأحاديث، خصوصا ما ذكره شيخ الإسلام ابن حجر في تصانيفه (٣).
وللسيوطي أيضا كتاب آخر في هذا المجال، وهو ذيل اللالي المصنوعة، زاد فيه مافات ابن الجوزي في الموضوعات (٤).
стр. 214
٣ - كتاب الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للإمام أبي عبد الله محمد بن على الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ لكنه أدرج فيه كثيرا من الأحاديث التي لم تبلغ درجة الوضع، بل ومنها صحاح وحسان، قلد في ذلك ابن الجوزي وأضرابه من المتساهلين (١).
٤ - كتاب تذكرة الموضوعات للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي المتوفى سنة ٥٠٧ هـ، وقد ذكر فيه الأحاديث التي رواها الكذبة والمجروحون، والضعفاء والمتروكون.
стр. 215
أمثلة من الأحاديث الموضوعة في التفسير
لقد كان التفسير من الميادين الفسيحة التي كثر فيها الوضع، وجال فيها الوضاعون وصالوا، ونشطوا فيها نشاطا كبيرا، فتارة كان الوضاعون يضعون الأحاديث في أسباب النزول بغية أن يفسروا القرآن في ضوئها على حسب أهوائهم، وتارة أخرى كانوا يضعون الأحاديث في المراد من بعض الآيات انتصارا لمذهب معين، وطورا كانوا يضعون الأحاديث في تحديد المعنى الآيات، مثلما فعل الباطنية الذين كانوا يفسرون القرآن تفسيرا رمزيا ويستدلون على تفاسيرهم تلك ببعض الأحاديث الموضوعة.
وقد انتشر الوضع في التفسير منذ عصر مبكر من عصور الإسلام، حتى أنه يروى عن الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ أنه قال: «ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي» وفي رواية: «ثلاثة كتب لا أصل لها: المغازي والملاحم والتفسير» (١).
واختلف العلماء في فهم المراد من كلام ابن حنبل هذا، وماذا يريد بعبارته
стр. 216
تلك، فقال الخطيب البغدادي: «هذا محمول على كتب مخصوصة في هذه المعاني، غير معتمد عليها، لعدم عدالة ناقليها، وزيادة القصاص فيها، فأما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة، وأما كتب التفسير فمن أشهرها كتابا الكلبي ومقاتل بن سليمان، وقد قال الإمام أحمد - في تفسير الكلبي -: «من أوله إلى آخره كذب» قيل له. فيحل النظر فيه؟ قال: لا، وقال أيضا كتاب مقاتل قريب منه، وأما المغازي فمن أشهرها كتب محمد بن إسحاق: وكان يأخذ عن أهل الكتاب، وقال الشافعي: كتب الواقدي كذب، وليس في المغازي أصح من كتاب موسى بن عقبة» (١).
ويرى بعض العلماء أن المراد من كلام الإمام أحمد هو أن ما لم يصح من الأحاديث - في مجال التفسير - كثير جدا إذا قيس بالصحيح، ومثل التفسير المغازي والملاحم، قال ابن تيمية (ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم) ولهذا قال الإمام أحمد: «ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازي ويروى: «ليس لها أصل» أي إسناد، لأن الغالب عليها المراسيل» (٢).
وقال الزركشي: «لطالب التفسير مآخذ كثيرة، أمهاتها أربعة: الأول النقل عن الرسول ﷺ ، وهذا هو الطراز الأول، لكن يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع فإنه كثير، وإن سواد الأوراق سواد في القلب، قال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير»، قال المحققون من أصحابه: ومراده أن الغالب أنها اليس لها أسانيد صحاح متصلة، وإلا فقد صح من ذلك كثير» (٣).
стр. 217
وسواء أكان المراد من العبارة هذا أم ذاك فإنه يغلب على الظن أن هذه العبارة قيلت بسبب انتشار ظاهرة الوضع في التفسير، في هذا العصر المبكر الذي عاش فيه الإمام أحمد بن حنبل ﵁.
وأيضا يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في أوائل القرن الثامن الهجري - أن كثيرا من كتب التفسير مشحون بالأحاديث الموضوعة التي لا أصل لها فيقول: (وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة، مثل الحديث الذي يرويه الثعلبي والواحدي والزمخشري في فضائل سور القرآن سورة سورة، فإنه موضوع باتفاق أهل العلم، والثعلبي نفسه كان فيه خير ودين، ولكنه كان حاطب ليل). ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع، والواحدي صاحبه، كان أبصر منه بالعربية، لكن هو أبعد عن السلامة واتباع السلف، والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي. لكنه صانه عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة، والموضوعات في كتب التفسير كثيرة، منها الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر بالبسملة، وحديث على الطويل في تصدقه بخاتمه في الصلاة، فإنه موضوع باتفاق أهل العلم، ومثل ما روي في قوله «ولكل قوم هاد (١) إنه علي، «وتعيها أذن واعية» (٢) أذنك يا علي» (٣).
وبعد فإليك أمثلة من الأحاديث الموضوعة في التفسير، وما قاله العلماء فيها، والله المستعان.
المثال الأول: قصة الغرانيق:
ذكر بعض المفسرين - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي
стр. 218
الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (٥٢)﴾ (١) - رواية باطلة في سبب نزول هذه الآية الكريمة، ملخصها: أن الرسول ﷺ لما نزلت عليه سورة (النجم) أخذ يقرؤها على الناس، ويلقيها على مسامع المشركين، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى﴾.
ألقي الشيطان بعد ذلك في قراءة الرسول ﷺ جملتين فاسدتين، هما: «تلك الغرانيق العلا (٢)، وإن شفاعتهن لترتجى»، فسر المشركون بذلك سرورا عظيما، لأنه ذكر آلهتهم بخير، فلما سجد الرسول ﷺ في آخر السورة سجد معه المشركون، وتقول الرواية - إمعانا في نسج خيوط هذه القصة - أن هذه الكلمة فشت في الناس وأظهرها الشيطان، حتى بلغت أرض الحبشة، وأن كثيرا من المهاجرين إلى الحبشة رجعوا إلى مكة، إثر حدوث ذلك، ظنا منهم أن مشركي مكة قد أسلموا (٣).
وممن انخدع بتصديق هذه الرواية الباطلة من المفسرين العلامة جار الله الزمخشري، حيث يقول: (والسبب في نزول هذه الآية أن رسول الله ﷺ لما أعرض عن قومه وشاقوه، وخالفه عشيرته ولم يشايعوه على ما جاء به تمنى - لفرط ضجره من إعراضهم، ولحرصه وتهالكه على إسلامهم أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه، حتى نزلت عليه سورة (النجم) - وهو في نادي قومه، وذلك التمني في نفسه - فأخذ يقرؤها، فلما بلغ قوله تعالى: (ومناة الثالثة الأخرى) ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها، أي وسوس إليه
стр. 219
بما شيعها به، فسبق لسانه - على سبيل السهو أو الغلط - إلى أن قال: (تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجى) - وروى الغرانقة - ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه عليه، ووقيل: نبهه جبريل ﵇، أو تكلم الشيطان بذلك فأسمعه الناس، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي، وطابت نفوسهم وكان تمكين الشيطان من ذلك محنة من الله وابتلاء، زاد المنافقون به شكا وظلمة، والمؤمنون نورا وإيقانا، والمعنى: أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم (١) كذلك، إذا تمنوا مثل ما تمنيت مكن الله الشيطان، ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقى في أمنيتك، إرادة امتحان من حولهم، والله - سبحانه - له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن، وأنواع الفتن، ليضاعف تواب الثابتين، ويزيد في عقاب المذبذبين» (٢).
وفد ذكر كثير من العلماء أن هذه الرواية مختلفة ولا أصل لها، وأنها من وضع الزنادقة وأعداء الدين، وبينوا كذلك ما تنطوي عليه هذه القصة الخرافية من أدلة الفساد، وشواهد الكذب، قال الإمام الآلوسي ﵀: «وقد أنكر كثير من المحققين هذه القصة، فقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل»، وقال القاضي عياض - في الشفاء: «يكفيك في توهين هذا الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة»، ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، وفي «البحر» (٣) أن هذه القصة سئل عنها الإمام محمد بن إسحاق، جامع السيرة النبوية. فقال: هذا من وضع الزنادقة. وصنف في ذلك كتابا، وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي
стр. 220
- في كتاب (حصص الأنقياء): (الصواب أن قوله: (تلك الغرانيق العلا) من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة، حتى يلقوا بين الضعنماء وأرقاء الدين، ليرتابوا في صحة الدين، وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية).
وذكر غير واحد أنه يلزم على القول بأن الناطق بذلك النبي ﷺ بسبب إلقاء الشيطان الملبس بالملك أمور: منها تسلط الشيطان عليه ﵊ وهو ﷺ بالإجماع معصوم من الشيطان، لاسيما في مثل هذا من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال سبحانه: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا﴾ (٢) إلى غير ذلك، ومنها زيادته ﷺ في القرآن ما ليس منه وذلك مما يستحيل عليه ﵊ لمكان العصمة، ومنها اعتقاد النبي ﷺ ما ليس بقرآن أنه قرآن، مع كونه بعيد الالتئام متناقضا ممتزج المدح بالذم، وهو خطأ شنيع لا ينبغي أن يتساهل في نسبته إليه ﷺ ، ومنها أنه إما أن يكون ﵊ عند نطقه بذلك معتقدا ما اعتقده المشركون من مدح آلهتهم بتلك الكلمات، وهو كفر محال في حقه ﷺ ، وإما أن يكون معتقدا معنى آخر مخالفا لما اعتقدوه، ومباينا لظاهر العبارة، ولم يبينه لهم مع فرحهم وادعائهم أنه مدح آلهتهم، فيكون مقرا لهم على الباطل، وحاشاه ﷺ أن يقر ذلك، ومنها كونه ﷺ اشتبه عليه ما يلقيه الشيطان بما يلقيه عليه الملك، وهو يقتضي أنه ﵊ على غير بصيرة فيما يوحى إليه، ويقتضي أيضا جواز تصور الشيطان بصورة الملك، ملبسا على
стр. 221
النبي، «ولا يصح ذلك كما قال - في الشفاء - لا في أول الرسالة ولا بعدها، والاعتماد في ذلك دليل المعجزة» (١).
وعلى الرغم من أن هذه الرواية ظاهرة البطلان، وتفوح منها رائحة الوضع نجد الحافظ ابن حجر يميل إلى تصديق هذه الرواية، ويجهد نفسه في تأويل ما جاء فيها، ويأخذ على أبي بكر بن العربي والقاضي عياض إنكارهما لصحة هذه الرواية، فيقول بعد أن ساق طرقا لابن عباس وغيره: «وكأنها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين، رجالهما علي شرط الصحيحين» ثم قال: «وقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته، فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة، لا أصل لها، وهو إطلاق مردود عليه، وكذا قول عياض: هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواة ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، وكذا قوله: ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية، قال: وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد ابن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله، وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه، ثم رده عن طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم قال: ولم ينقل ذلك … » انتهى.
وجميع ذلك لا يتمشي على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من
стр. 222
لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: "ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى" فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره، لأنه يستحيل عليه أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس منه، وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته، وقد سلك العلماء في ذلك مسالك، فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة، وهو لا يشعر، فلما علم بذلك أحكم الله آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة، ورده عياض بأنه لا يصح، لكونه لا يجوز على النبي ﷺ ذلك، ولا ولاية للشيطان عليه في النوم، وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره، ورده ابن العربي بقوله تعالى حكاية عن الشيطان: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان﴾ (١) الآية، قال: لو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة في طاعة، وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوهم بذلك، فعلق ذلك بحفظه ﷺ ، فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوا، وقد رد ذلك عياض فأجاد، وقيل: لعله قالها توبيخا للكفار، قال عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام - في ذلك الوقت - في الصلاة جائزا، وإلى هذا نحا الباقلاني، وقيل: إنه لما وصل إلى قوله: (ومناة الثالثة الأخرى) خشي المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به، فبادروا إلى ذلك الكلام، فيخلطوه في تلاوة النبي ﷺ ، على عادتهم في قولهم: ﴿لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه﴾ (٢)، ونسب ذلك للشيطان، لكونه الحامل لهم على ذلك، أو المراد بالشيطان شيطان الإنس، وقيل: المراد بالغرانيق العلا الملائكة، وكان الكفار يقولون: (الملائكة بنات الله) ويعبدونها، فسيق ذكر السكل ليرد عليهم بقوله تعالى: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾ (٣)، فلما سمعه المشركون
стр. 223
حملوه علي الجميع، وقالوا: قد عظم آلهتنا، ورضوا بذلك، فنسخ الله تلك الكلمتين، وأحكم آياته، وقيل: كان النبي ﷺ يرتل القرآن، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات، ونطق بتلك الكلمات، محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه، فظنها من قوله وأشاعها، قال: وهذا أحسن الوجوه (١) بيد أن جمهور علماء الإسلام القدامى والمحدثين رفضوا - بشدة - هذه القصة المشبوهة جملة وتفصيلا، وشككوا في صحة هذه الرواية الخطيرة التي تحمل في طياتها ما ينافي عصمة الرسول ﷺ ، ويطعن في صميم نبوته، وهل هناك أخطر على عقيدة المسلم من أن يظن - بمقتضى هذه الرواية - أن النبي ﷺ تسلط الشيطان عليه، أو تمكن من إلقاء الكلام على لسانه: ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا﴾ (٢)، ومن هؤلاء العلماء الذين شككوا في صحة هذه الرواية الإمام عبد الحق بن عطية - أحد رجالات التفسير بالأندلس في أوائل القرن السادس الهجري، وكان معاصرا للقاضي أبي بكر بن العربي والقاضي عياض بن موسى اليحصبي - فقد قال ابن عطية فيما نقله عنه القرطبي: «وهذا الحديث الذي فيه (هي الغرانيق العلا) وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يدخله البخاري ولا مسلم، ولا ذكره - في علمي - مصنف مشهور، بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره، ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها وقعت الفتنة»، ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء، فالذي في التفاسير - وهو مشهور - القول أن النبي ﷺ تكلم بتلك الألفاظ على لسانه، وحدثني أبي ﵁ أنه لقي بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال: هذا لا يجوز على النبي ﷺ ، وهو المعصوم في التبليغ، وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي ﷺ : (أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى) وقرب صوته من صوت النبي ﷺ ، حتي
стр. 224
حتى التبس الأمر على المشركين، وقالوا: محمد قرأها، وقد روي نحو هذا التأويل عن الإمام أبي المعالي، وقيل: الذي ألقى شيطان الإنس، كقوله : ﴿والغوا فيه﴾ (١).
وممن ذهب كذلك إلى عدم صحة هذه الرواية وبين أن معنى الآية لا يتوقف عليها الإمام شهاب الدين الألوسي البغدادي المتوفى سنة ١٢٧٠ هـ فقد قال «بعد أن ذكر بالتفصيل وجهة نظر أولئك الذين حكموا بصحة هذه الرواية -: «لكن إثبات صحة الخبر أشد من خرط القتاد» (٢)، فإن الطاعنين فيه - من حيث النقل علماء أجلاء، عارفون بالغث والسمين من الأخبار، وقد بذلوا الوسع في تحقيق الحق فيه، فلم يروه إلا مردودا، وما ألقى الشيطان إلى أوليائه معدودا، وهم أكثر ممن قال بقبوله، ومنهم من هو أعلم منه، ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في سائر الطرق، فرأوهم مجروحين، وفات ذلك القائل بالقبول، ولعمري أن القول بأن هذا الخبر مما ألقاه الشيطان على بعض ألسنة الرواة، ثم وفق الله تعالي جمعا من خاصته لا بطاله أهون من القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على لسان رسول الله ﷺ ، ثم نسخه ، لاسيما وهو مما لم يتوقف علي صحته أمر ديني، ولا معنى آية ولا ولا سوى أنه يتوقف عليه حصول شبه في قلوب كثير من ضعفاء المؤمنين، لا تكاد تدفع إلا بجهد جهيد، ويؤيد عدم الثبوت مخالفته لظواهر الآيات، فقد قال سبحانه .. في وصف القرآن ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (٣) والمراد بالباطل ما كان باطلا في نفسه، وذلك الملقى كذلك» (٤).
стр. 225
ثم قال الألوسي - بعد ذلك -: «وأنت تعلم أن تفسير الآية - أعني قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا﴾ إلخ - لا يتوقف على ثبوت أصل لهذه القصة، وأقرب ما قيل في تفسيرها - على القول بعدم الثبوت - هو وما أرسلنا من قبلك رسولا ولا نبيا إلا وحاله أنه إذا قرأ شيئا من الآيات ألقى الشيطان الشبه والتخيلات فيما يقرؤه على أوليائه ليجادلوه بالباطل، ويردوا ما جاء به، كما قال تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا﴾ (٢)، وهذا كقولهم - عند سماع قراءة الرسول ﷺ : ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾ (٣): إنه يحل ذبيح نفسه ويحرم ذبيح الله تعالى، وقولهم - على ما في بعض الروايات، عند سماع قراءته ﵊: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ (٤): إن عيسى عبد من دون الله تعالى، والملائكة ﵈ عبدوا من دون الله تعالى، ومعنى قوله تعالى: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾ أي فيبطل الله ما يلقيه الشيطان من تلك الشبه، ويذهب به بتوفيق النبي ﷺ لرده، أو بانزال ما يرده، ﴿ثم يحكم الله آياته﴾ أي يأتي بها محكمة مثبتة لا تقبل الرد بوجه من الوجوه، وعلى ذلك فهذه الآية مسوقة لتسلية النبي ﷺ بأن السعي في إبطال الآيات أمر معهود، وإنه لسعي مردود» (٥).
وأيضا من العلماء المعاصرين الذين هاجموا هذه الأسطورة، وردوا بالأدلة العلمية - أقوال أولئك الذين مالوا إلى تصديقها العالم السوري المحقق.
стр. 226
الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، فقد ألف كتابا في إبطال هذه القصة، أسماه: «نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق» والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
المثال الثاني: قصة زينب بنت جحش:
وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (١) يورد بعض المفسرين رواية باطلة تتعلق بالسيدة زينب بنت جحش ﵂، وتقول هذه الرواية: إن الرسول ﷺ ذهب لكي يزور زيد بن حارثة فلم يجده، ووجد زوجته (زينب بنت جحش)، فوقع نظره عليها، وأعجب بها، وتعلق قلبه بحبها، ثم انصرف وهو يقول: (سبحان مقلب القلوب)، ويزعم أصحاب هذه الرواية أن هذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ فقد أخفى الرسول ﷺ حبها في قلبه آنذاك، ولكن الله أظهره بزواج الرسول ﷺ من زينب بعد ذلك.
ومن المفسرين الذين انساقوا وراء هذه الرواية الباطلة جار الله الزمخشري فقد قال: «(أمسك عليك زوجك) يعني زينب بنت جحش ﵂، وذلك أن رسول الله ﷺ أبصرها بعدما أنكحها إياه - يقصد زيدا - فوقعت في نفسه، فقال: (سبحان الله مقلب القلوب) وذلك أن نفسه كانت تجفو عنها قبل ذلك لا تريدها، ولو أرادتها لاختطبها، وسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد ففطن، وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها، والرغبة عنها لرسول الله ﷺ ، فقال الرسول الله ﷺ : إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: مالك؟ أرابك منها شيء؟ قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعاظم على الشرفها وتؤذيني، فقال له: (أمسك عليك زوجك واتق الله)،
стр. 227
ثم طلقها بعد، فلما اعتدت قال رسول الله ﷺ : ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك، اخطب علي زينب، قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها، فلما رأيتها عظمت في صدري، حق ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري، وقلت: يا زينب أبشري، إن رسول الله ﷺ يخطبك، ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن (زوجناكها)، فتزوجها رسول الله ﷺ ، ودخل بها» (١).
كذلك ردد ابن القيم هذه الأكذوبة في كتاب من كتبه، فقال: (وهذا سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين ﷺ نظر إلى زينب بنت جحش ﵂، فقال: (سبحان مقلب القلوب) وكانت تحت زيد بن حارثة مولاه، فلما هم بطلاقها قال له: (اتق الله وأمسك عليك زوجك). فلما طلقها زوجها الله سبحانه من رسوله ﷺ ، من فوق سبع سماوات، فكان هو وليها وولي تزويجها من رسول الله ﷺ وعقد عقد نكاحها من فوق عرشه، وأنزل على رسوله: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾) (٢).
والحق أن هذه الرواية لا أصل لها ولا سند، وقد حكم المحققون من علماء الإسلام بأنها باطلة نقلا وعقلا، وإليك بعض ما قالوه في هذا الصدد:
١ - ذكر الإمام الآلوسي في البداية المعنى الصحيح للآية، وأن المراد من قوله تعالى: «وتخفى في نفسك ما الله مبديه» هو ما أوحاه الله تعالى إلي نبيه من أن زينب سيطلقها زيد، ويتزوجها الرسول ﷺ من
стр. 228
بعده، وقال الآلوسي: «وإلى هذا ذهب أهل التحقيق من المفسرين كالزهري وبكر بن العلاء والقشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم» (١)، ثم بعد ذلك نعى الآلوسي على القصاص ما ذكروه في هذا المقام من كلام باطل لا يعول عليه، ولا ينبغي قبوله والالتفات إليه، لأنه مما يجب تنزيه ساحة الرسول ﷺ عن مثله، وفي ذلك يقول الآلوسي: «وللقصاص في هذه القصة كلام لا ينبغي أن يجعل في حيز القبول، منه ما أخرجه ابن سعد والحاكم عن محمد بن يحيى بن حبان أنه ﷺ جاء إلى بيت زيد فلم يجده، وعرضت زينب عليه دخول البيت، فأبى أن يدخل، وانصرف راجعا يتكلم بكلام لم تفهم منه سوى (سبحان الله العظيم، سبحان مصرف القلوب)، فجاء زيد فأخبرته بما كان، فأتى رسول الله ﷺ فقال له: بلغني يا رسول الله أنك جئت بمنزلي فهلا دخلت يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها، فقال ﵊: (أمسك عليك زوجك واتق الله) فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد، فقارقها، وفي تفسير عن بن إبراهيم أنه ﷺ أتى بيت زيد، فرأى زينب جالسة وسط حجرتها، تسحق طيبا بفهر لها (١)، فلما نظر إليها قال: (سبحان خالق النور، تبارك الله أحسن الخالقين) فرجع، فجاء زيد فأخبرته الخبر، فقال لها: لعلك وقعت في قلب رسول الله ﷺ ، فهل لك أن أطلقك حتى يزوجك رسول الله ﵊، فقال: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني، فجاء إلى رسول الله صلى عليه وسلم، فقال له: أريد أن أطلق زينب، فأجابه بما قص الله تعالى، إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع، وفي
стр. 229
شرح (الموافق) أن هذه القصة مما يجب صيانة النبي ﷺ عن مثله) (١).
٢ - كما فند القرطبي هذه الرواية الساقطة، وبين ما تشتمل عليه من مساس بشخص الرسول ﷺ .
فقال: «فأما ما روي أن النبي ﷺ هوى زينب امرأة زيد … » وربما أطلق بعض المجان لفظ (عشق) - فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته، قال الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) - وأسند إلى علي بن الحسين قوله: فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جواهرا من الجواهر، ودرا من الدرر أنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: «أمسك عليك زوجك، وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه والله أحق أن تخشاه» (٢).
٣ - كذلك أشار الحافظ ابن كثير إلى هذه الرواية الهابطة، وبين أنها غير صحيحة، ومن ثم أعرض عن ذكرها، فقال في تفسير الآية «ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم ههنا آثارا عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحا، لعدم صحتها، فلا نوردها»، ثم أورد ابن كثير بعد ذلك - رواية علي بن الحسين التي أشار إليها القرطبي في تفسيره، والتي سبق ذكرها منذ قليل، فقال: (وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثني علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا ابن عينية عن علي بن زيد جدعان) قال: سألني علي بن الحسين: ما يقول الحسن (٣) في قوله: «وتخفي في نفسك ما الله
стр. 230
مبديه»؟ فذكرت له (١)، فقال: لا، ولكن الله أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد ليشكوها إليه قال: «اتق الله وأمسك عليك زوجك، فقال: قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفى في نفسك ما الله مبديه» (٢).
٤ - كما أضرب الحافظ ابن حجر في فتح الباري - كذلك عن إيراد هذا القصص المشين، وذكر أنه لا ينبغي التشاغل به، وبين القول الصحيح في تفسير الآية، فقال: (وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي، فساقها سياقا واضحا حسنا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ ، فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه ﷺ بعد أنها من أزواجه فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون بين الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه، ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدا وعنده من طريق علي بن زيد عن علي بن الحسين بن على قال: أعلم الله نبيه ﷺ أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك قال الله: قد أخبرتك أنى مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه).
وقد أطنب الترمذي الحكيم في تحسين هذه الرواية، وقال إنها من جواهر العلم المكنون، وكأنه لم يقف على تفسير السدي الذي أوردته، وهو أوضح سياقا، وأصح إسنادا إليه، لضعف على بن زيد بن جدعان، وروى عبد الرزاق
стр. 231
عن معمر عن قتادة قال: جاء زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله إن زينب اشتد على لسانها، وأنا أريد أن أطلقها، فقال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال: والنبي ﷺ يحب أن يطلقها، ويخشى قالة الناس.
ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري، ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد، والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي ﷺ هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين، ليكون أدعى لقبولهم، وإنما وقع الخبط في تأويل متعلق الخشية والله أعلم (١).
وأيضا يقول أحد علمائنا المعاصرين - في التعليق على كلام ابن القيم سالف الذكر -: «رحم الله ابن القيم وعفا عنه فقد انزاق - بحسن نية - إلى ما دسه المغرضون أعداء الإسلام، لينالوا من مقام نبيه ويطعنوا في خلقه، غير مبالين بشهادة الله له ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (٢) ومنطوق آيات الأحزاب ومفهومها يعلنان شناعة هذا القول المفترى، ويتبرآن من هذه الآثار الموضوعة، ويردان على من في قلوبهم مرض، وليس فيها شيء يشين رسول الله ﷺ أو يحط من شأنه، معاذ الله وحقيقة الأمر أن المولي اقتضت حكمته أن يضع حدا لما جرت عليه عادة العرب من التبني، وإعطاء الأدعياء جميع الحقوق والأحكام التي تخص الأبناء الحقيقيين، من الميراث وحرمة
стр. 232
النسب وتحريم تزوج المتبنى بزوجة المتبنى بعد طلاقها، كما هو الحال في زوجة الابن الحقيقي» (١).
ثم أخذ في شرح الآيات الكريمة من سورة الأحزاب على أساس من هذا الفهم السليم والمنطق القويم، وقال بعد ذلك: «هذا هو الحق الذي يؤيده القرآن بمنطوقه ومفهومه، ومعاذ الله أن يكون الرسول قد اشتهى زينب بعد أن زوجها هو لزيد مولاه، ولو كان له فيها رغبة لتزوجها أول الأمر، وقد كانت ذلك الوقت - ممتنعة على زيد، ونافرة منه، وزاهدة في الزواج به، فكيف تمتد عينه إليها بعد أن أصبحت ذات بعل والله يقول: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه﴾ (٢)، أكان الله يسمح له بعد هذا النهي بأن يتبع هواه، ويساير شهوته؟ سبحانك هذا بهتان عظيم» (٣).
والخلاصة أن هذه الرواية مختلفة ولا أصل لها، وأنها من وضع الزنادقة والملاحدة الذين أرادوا أن يثيروا بها الشبهات حول الرسول ﷺ ، ويشككوا الناس في رسالته، ويصوروه على أنه رجل شهواني، يصدر عن نزوات نفسه، وتسيطر عليه الذات حسه، ولكن أنى لهم ذلك، والرسول ﷺ في عصمته وفي كمال خلقه وعظمته - أقوى من أن تنال منه تلك المحاولات الدنيئة، أو المقالات الرخيصة، إنه القمة الشامخة في عليائها، فهل يضيرها عواء الذئاب أو نباح الكلاب؟
ويرحم الله الشاعر الذي يقول:
كناطح صخرة يوما ليوهنها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
стр. 233
المثال الثالث - الأحاديث الموضوعة في فضائل القرآن:
لقد وضع بعض الناس - كما سبق أن ذكرنا - أحاديث في فضائل القرآن الكريم، ونسبوا هذه الأحاديث - كذبا - إلى الرسول ﷺ ، وكانوا يعتقدون أنهم بذلك يتقربون إلى الله تعالى، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، وقد برروا عملهم هذا بأنهم وجدوا الناس قد تشاغلوا عن القرآن الكريم بكتب الفقه والمغازي، فأرادوا - بهذه الأحاديث التي وضعوها - أن يرغبوا الناس في قراءة القرآن الكريم، فهؤلاء الجهال قد وضعوا تلك الأحاديث بحسن نية، إلا أن هذا لا يعفيهم من تحمل مسئولية الكذب، ولن يكون ذلك شفيعا لهم يوم القيامة عندما يحاسبهم الله تعالى على ما وضعوا من أكاذيب وما اقترفوا من آثام.
وقد اشتهر من هؤلاء الكذابين أربعة، وضعوا الأحاديث في فضائل القرآن، وأسهموا بنصيب وافر في هذا الميدان:
الأول: هو أبو عصمة نوح بن أبي مريم، فقد روى الحاكم بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة هذا: من أين ذلك، عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا، فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة، وكان يقال لأبي عصمة هذا: نوح الجامع، قال ابن حبان: جمع كل شيء إلا الصدق (١).
والثاني هو ميسرة بن عبد ربه، فقد روى ابن حبان في الضعفاء عن ابن مهدي قال: قلت الميسرة بن عبدر به: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب الناس، وكان ميسرة هذا غلاما يتزهد ويهجر شهوات الدنيا، وغلقت أسواق بغداد لموته، ومع ذلك كان يضع الحديث (٢).
стр. 234
الثالث والرابع هما بزيع بن حسان ومخلد بن عبد الواحد فقد قيل أنهما وضعا معا الحديث الطويل عن أبي بن كعب - مرفوعا - في فضل القرآن سورة سورة، أو أن أحدهما وضعه والآخر سرقه، قال الشوكاني: حديث: (من قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الأجر كذا) فذكر فضل سورة سورة إلى آخر القرآن، رواه العقيلي عن أبي بن كعب مرفوعا، قال ابن المبارك: أظن الزنادقة وضعته، والآفة من بزيع، وروى - بإسناد آخر أيضا رواه ابن أبي داود - والآفة من مخلد بن عبد الواحد، ولهذا الحديث طرق كلها باطلة موضوعة، وذكر الخليلي في الإرشاد عن ابن عباس مرفوعا وفي إسناده نوح بن أبى مريم، وقد أقر بأنه الواضع له: «فقبح الله الكذابين ولا خلاف بين الحفاظ بأن حديث أبي بن كعب هذا موضوع، وقد اغتر به جماعة من المفسرين، فذكروه في تفاسيرهم، كالثعلبي والواحدي والزمخشري ولا جرم فليسوا من أهل هذا الشأن» (١).
وقال العراقي - تعليقا على من ذكره من المفسرين -: «لكن من أبرز إسناده منهم كالأولين فهو أبسط لعذره، إذ أحال ناظره على الكشف عن سينده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه، وأما من لم يبرز سنده وأورده بصيغة الجزم فخطؤه أفحش» (٢).
وإليك أمثلة مما ذكره الزمخشري من هذه الأحاديث الموضوعة في أواخر تفسيره لبعض السور:
١ - في آخر سورة (النازعات) أورد في تفسيره هذا الحديث: «من قرأ سورة (والنازعات) كان ممن حبسه الله في القبر والقيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة المكتوبة».
٢ - وفي آخر سورة (الانفطار) أورد في تفسيره هذا الحديث:
стр. 235
«من قرأ سورة ﴿إذا السماء انفطرت﴾ كتب الله له بعدد كل قطرة من السماء حسنة وبعدد كل قبر حسنة».
٣ - وفي آخر سورة ﴿البروج﴾ ذكر في تفسيره هذا الحديث: «من قرأ سورة ﴿البروج﴾ أعطاه الله بعدد كل يوم جمعة وكل يوم عرفة يكون في الدنيا عشر حسنات».
٤ - وفي آخر سورة ﴿الفجر﴾ ذكر في تفسيره هذا الحديث: «من قرأ سورة ﴿الفجر﴾ في الليالي العشر غفر له، ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة».
٥ - وفي آخر سورة ﴿الضحى﴾ ذكر في تفسيره هذا الحديث: «من قرأ سورة ﴿والضحى﴾ جعله الله فيمن يرضى محمد أن يشفع له، وعشر حسنات يكتبها الله له بعدد كل يتيم وسائل».
٦ - وفي نهاية سورة ﴿التين﴾ أورد في كشافه هذا الحديث: «من قرأ سورة ﴿والتين﴾ أعطاه الله خصلتين: العافية واليقين، ما دام في دار الدنيا، وإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة».
٧ - وفي نهاية سورة ﴿التكاثر﴾ جاء في تفسيره هذا الحديث: «من قرأ ﴿ألهاكم التكاثر﴾ لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كأنما قرأ ألف آية».
٨ - وفي نهاية سورة ﴿الكوثر﴾ جاء في الكشاف هذا الحديث: «من قرأ سورة ﴿الكوثر﴾ سقاه الله من كل نهر في الجنة، ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر أو يقربونه».
٩ - وفي آخر سورة ﴿الكافرون﴾ ذكر في الكشاف هذا الحديث: «من قرأ سورة ﴿الكافرون﴾ فكأنما قرأ ربع القرآن، وتباعدت منه مردة الشياطين، وبرئ من الشرك، ويعافى من الفزع الأكبر».
стр. 236
١٠ - وفي آخر سورة (الفلق) جاء في الكشاف هذا الحديث: «من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها».
هذا - ومما يجدر التنبيه إليه في هذا المقام أن معظم ما أورده المفسرون في فضل سور القرآن موضوع، ما عدا أحاديث معينة صحت في فضائل بعض السور، وقد بينها الإمام السيوطي فقال:
«واعلم أن السور التي صحت الأحاديث في فضائلها: الفاتحة والزهراوان (١) والأنعام، والسبع الطول (٢) مجملا، والكهف، ويس، والدخان، والملك، والزلزلة والنصر والكافرون والإخلاص والمعوذتان، وما عداها لم يصح فيه شيء» (٣).
المثال الرابع - الأحاديث الموضوعة في فضائل علي ﵁:
سبق أن ذكرنا أن الشيعة - ولا سيما الروافض منهم - وضعوا كثيرا من الأحاديث في فضل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وآل بيته رضوان الله عليهم.
ويقتضي البحث هنا أن نذكر من هذه الأحاديث ما يتعلق بتفسير القرآن الكريم، ونكتفي في هذا المجال ببعض الأمثلة وهي:
١ - في تفسير قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ (٤) يذكر المفسرون روايات تفيد أن علي بن أبي طالب كان قائما يصلى، فمر سائل وهو راكع؛ فأعطاه خاتمه، فنزلت: ﴿إنما وليكم الله ورسوله﴾.
стр. 237
وقد ذكر ابن كثير في تفسيره أن هذه الروايات لا يصح شيء منها بالكلية، لضعف أسانيدها وجهالة رجالها (١)، كما قال ابن تيمية إن هذا الحديث موضوع باتفاق أهل العلم (٢).
٢ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ألقيا في جهنم كل كفار عنيد﴾ (٣) وضعت الشيعة هذا الحديث: «إذا كان يوم القيامة قال الله لي ولعلي بن أبي طالب: أدخلا الجنة من أحبكما، وأدخلا النار من أبغضكما، فذلك قوله تعالى: ﴿ألقيا في جهنم كل كفار عنيد﴾».
وقد قال الشوكاني عن هذا الحديث -: «في إسناده يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو كذاب، وإسحاق بن محمد بن أبان النخعي، وهو الواضع له» (٤).
٣ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿والنجم إذا هوى﴾ (٥) يذكرون في سبب نزول السورة هذا الحديث الموضوع: «لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء السابعة أراه الله من العجائب في كل سماء، فلما أصبح جعل يحدث الناس عن عجائب ربه، وكذبه من كذبه من أهل مكة، وصدقه من صدقه، فعند ذلك انقض نجم من السماء، فقال النبي ﷺ : في دار من وقع هذا النجم فهو خليفتي من بعدي، وطلبوا ذلك النجم، فرجدوه في دار علي بن أبي طالب ﵁، فقال أهل مكة: ضل محمد وغوى، وهوى أهل بيته ومال إلى ابن عمه. فعند ذلك نزلت هذه السورة: ﴿والنجم إذا هوى﴾».
стр. 238
وهذه الرواية يلوح عليها آثار الوضع، لاسيما وأنها تتحدث عن مشكلة من أعقد وأعضل المشاكل التي واجهت المسلمين بعد وفاة الرسول ﷺ ، ألا وهي الخلافة، والشيعة - كما هو معروف - يزعمون أن عليا هو الخليفة بعد رسول الله ﷺ ، وقد حكم الإمام الشوكاني علي الحديث السابق بالوضع، فقال: «رواه الجوزقاني عن ابن عباس مرفوعا، وفي إسناده ثلاثة كذابون، وهو موضوع بلا ريب» (١).
وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (٨) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (٩)﴾ (٢) وضعت الشيعة هنا قصة طويلة في سبب النزول، ملخصها أن الحسن والحسين مرضا، فنذر علي وفاطمة وجارية لهما - إن شفاهما الله تعالى - أن يصوموا ثلاثة أيام شكرا، فشفاها الله تعالى، فصاموا اليوم الأول، وعندما جاء - المغرب، وحان وقت الإفطار مر عليهم مسكين، فآتروه بالطعام، ولم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صائمين، وفي اليوم الثاني مر عليهم يتيم فآثروه بالطعام، ولم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صائمين، وفي اليوم الثالث مر عليهم أسير، فآثروره بالطعام، ولم يذوقوا إلا الماء، فلما أصبحوا أخذ على ﵁ الحسن والحسين، وأقبلوا إلى رسول الله ﷺ ، ورآهم يرتعشون - كالفراخ - من شدة الجوع، ثم قام الرسول ﷺ فانطلق معهم إلى فاطمة ﵂ فرآها في محرابها قد التصق بطنها بظهرها، وغارت عيناها من شدة الجوع، فرق لذلك الرسول ﷺ . وهنا هبط جبريل بسورة الإنسان، وفيها: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (٨) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾ (٩).
стр. 239
قال الآلوسي - تعليقا على هذه القصة -: والخير مشهور بين الناس، وذكره الواحدي في كتاب (البسيط)، وعليه قول بعض الشيعة:
إلام إلام وحتى متى … أعاتب في حب هذا الفتى
وهل زوجت غيره فاطم … وفي غيره هل أتى هل أتى
وتعقب بأنه خبر موضوع مفتعل، كما ذكره الترمذي وابن الجوزي، وآثار الوضع ظاهرة عليه لفظا ومعنى (١).
«كما يقول القرطبي - عن هذا الحديث -: «قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في (نوادر الأصول): فهذا حديث مزوق مزيف، قد تطرف فيه صاحبه، حتى تشبه على المستمعين، فالجاهل بهذا الحديث يعض شفتيه تلهفا ألا يكون بهذه الصفة، ولا يعلم أن صاحب هذا الفعل مذموم، وقد قال الله تعالى في تنزيله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ (٢) وهو الفضل الذي يفضل عن نفسك وعيالك، وجرت الأخبار عن رسول الله ﷺ متواترة بأن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بنفسك ثم بمن تعول»، وافترض الله على الأزواج نفقة أهاليهم وأولادهم، وقال رسول الله ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت»، أفيعجب عاقل أن عليا جهل هذا الأمر حتى أجهد صبيانا صغارا من أبناء خمس أو ست على جوع ثلاثة أيام ولياليهن؟ حتى تضوروا من الجوع، وغارت العيون منهم، لخلاء أجوافهم، حتى أبكى رسول الله ﷺ ما بهم من الجهد، هب أنه آثر على نفسه هذا السائل فهل كان يجوز له أن يحمل أهله على ذلك؟ وهب أن أهله سمحت بذلك لعلي فهل جاز له أن يحمل أطفاله على جوع ثلاثة أيام بلياليهن؟ ما يروج مثل هذا إلا على حمقى جهال، أبى الله لقلوب متنبهة أن تظن بعلي مثل هذا» (٣).
وإلى هنا نكون قد وفينا هذا النوع من الدخيل في التفسير حقه من الدراسة والبحث، ولننتقل الآن إلى نوع آخر منه، والله المستعان.
стр. 240
الفصل الثاني بدع التفاسير اللغوية
البدعة اسم من الابتداع، كالرفعة من الارتفاع، وتطلق على الحالة المخالفة، إلا أنه غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة، قال - في القاموس -: «والبدعة - بالكسر - الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال، وجمعها بدع كعنب».
وإذا ما أطلقت البدعة فانها تنصرف غالبا إلى بدعة الضلال، وهي التي تكون في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ ، وتلك داخلة في حيز الذم والإنكار، وعلى ذلك يحمل حديث: «كل محدثة بدعة»، فإن المراد به ماخالف أصول الشريعة، ولم يوافق السنة، وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفا في الذم.
هذا ما يتعلق بمعنى البدعة لغة وشرعا، أما بدع التفاسير فذلك اصطلاح ورد على لسان الزمخشري، وتردد في مواضع كثيرة من تفسيره المعروف بالكشاف، ويعني الزمخشري بهذا الاصطلاح نوعا من الأنواع المخطئة أو الخاطئة في التفسير، تلك التي لا سند لها من الدين ولا من اللغة، كأن يكون التفسير مخالفا لما تقتضيه القواعد المأخوذة من الكتاب والسنة، أو يكون منافيا لسياق الكلام، بعيدا عن معنى الآية، أو يكون قائما على أساس من التكلف والنعسف في التأويل، أو يكون مخرجا على الوجوه الضعيفة أو الشاذة بحسب القواعد النحوية، وما إلى ذلك، ومن الطريف أن الزمخشري - وهو الذي استحدث هذا التعبير - قد وقع في شيء من هذه البدع في التفسير وسنبين ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 241
والأسباب التي أدت إلى الوقوع في بدع التفاسير اللغوية كثيرة، أهمها ما يلي:
١ - الجهل بقواعد اللغة وأوضاعها:
فقد تصدى لتفسير كتاب الله تعالى جماعة من الذين ليست عندهم أهلية تامة للتفسير، وليس لديهم معرفة واسعة بأوضاع اللغة وقوانينها، فأخطئوا في التأويل، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وجاءوا لنا بالبدع والغرائب في التفسير، وهؤلاء لا نعرف لهم كتبا خاصة فربما تكون هذه الكتب التي ألفوها في التفسير ضاعت مع الأيام وبمرور الزمان، وكل الذي نعرفه عنهم إنما هي أقوال منسوبة إليهم، مبثوثة هنا وهناك في كتب التفسير المختلفة، وكتب الدراسات القرآنية بوجه عام.
ومن أمثلة ذلك ما حكي عن سفيان بن عيينة (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ (٢) فقد فسر قوله تعالى: (تذكر إحداهما الأخرى) بمعنى: تجعل إحداها الأخرى ذكرا، يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر.
وهذا التفسير - كما ترى - غريب من جهة المعنى، لأن التذكير بمعنى جعل الأنثى ذكرا شيء غير معهود ولا مألوف في لغة العرب، كما أن هذا التفسير بعيد عن روح الآية، لأنه لا يتلاقى مع قوله: (أن تضل إحداهما) ومن ثم قال الزمخشري إن هذا الكلام من بدع التفاسير (٣).
أما الإمام الآلوسي فقد فند هذا الوجه في تأويل الآية بأن فيه قصورا من جهة المعنى واللفظ، لأن التذكير في مقابلة النسيان معنى مكشوف وغرض بين، ورعاية العدد لأن النسوة محل النسيان كذلك، ولأن جعلها ذكرا مجاز.
стр. 242
عن إقامتها مقام الذكر، ثم تجوز ثانيا لأنهما القائمتان مقامه، فلم تجعل إحداها الأخرى قائمة مقامه (١).
٢ - التعسف في التأويل اتباعا للهوى وانتصارا للمذهب:
فقد لجأ كثير من أصحاب الفرق والمذاهب الإسلامية إلى القرآن الكريم لتأييد ما يعتنقون من عقائد وآراء، فإذا ما وجدوا في القرآن الكريم نصا مخالفا لما يعتنقون أشهروا في وجهه سلاح التأويل، وارتكبوا في سبيل ذلك مخالفات شنيعة، وتمحلوا له تحلات غريبة، وحملوا ألفاظ القرآن على معان ما أنزل الله بها من سلطان، ولنضرب لذلك مثالا: وهو أن المعتزلة ينفون صفات الله تعالى، فإذا ما صادفوا في القرآن الكريم نصا يثبت صفة من هذه الصفات لجأوا إلى التعسف في التأويل انتصارا للمذهب، فمثلا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ (٢) يقول بعضهم إن هذه الآية لا دلالة فيها على إثبات صفة الكلام لله تعالى، لأن (كلم) هنا بمعنى جرح، فهي من الكلم - بفتح فسكون - أي الجرح.
والزمخشري - وإن كان إماما من أئمة الاعتزال - إلا أنه بحسه اللغوي، وذوقه الأدبى لم يرتض هذا المسلك الغريب في تفسير الآية، بل نجده يقول: «ومن بدع التفاسير أنه - يعني (كلم) - من الكلم، وأن معناه وجرح الله موسي بأظفار المحن ومخالب الفتن» (٣).
ولما كانت الآية صريحة في إثبات صفة الكلام لله تعالى، والفعل فيها مؤكدا بالمصدر الذي يرفع احتمال المجاز فيه نجد ابن المنير - في تعليقه على ذلك يقول: «وإنما ينقل هذا التفسير عن بعض المعتزلة، لإنكارهم الكلام القديم
стр. 243
الذي هو صفة الذات، إذ لا يثبتون إلا الحروف والأصوات قائمة بالأجسام، لا بذات الله تعالى، فيرد عليهم بجحدهم كلام النفس إبطال خصوصية موسى ﵇ في التكليم، إذ لا يثبتونه إلا بمعنى سماعه حروفا وأصواتا قائمة ببعض الأجرام، وذلك مشترك بين موسي وبين كل سامع لهذه الحروف، حتى المشرك الذي قال الله فيه: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ (١)، فيضطر المعتزلي إلى إبطال الخصوصية الموسوية بحمل التكليم على التجريح، وصدق الزمخشري وأنصف إنه لمن بدع التفاسير التي ينبو عنها الفهم، ولا يبين بها إلا الوهم والله الموفق» (٢).
٣ - عدم مراعاة سياق الكلام:
فقد تعسف قوم في تأويل القرآن الكريم، لأنهم لم يراعوا سياق الكلام، ولم يضعوا في اعتبارهم - وهم يفسرون القرآن - أن تكون الآيات بعضها مع بعض منسجمة المعاني، مترابطة الأوصال، ومن ثم جاءوا لنا في التفسير بكلام متنافر الأجزاء، مقطع الأوصال، ممزق الأوشاج، يلفظه الفهم الصحيح، ويمجه الذوق السليم، - من ذلك ما نقل عن النضر بن شميل (٣) - وهو إمام من أئمة اللغة وأظنه لا يصح عنه، فقد فسر قول الله تعالى: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ (٤) بأن الخرطوم هي الخمر وأن معنى الآية سنحده على شربها، وقد وصف الزمخشري هذا التفسير بأنه تعسف (٥)، كما قال الآلوسي إن هذا التفسير تنفيه الرواية والدراية معا، أما الرواية فلان أولئك الكفار هلكوا قبل تحريم الخمر، وأن الوليد بن المغيرة وهو الذي نزلت الآية في شأنه لم يثبت
стр. 244
أنه حد على شرب الخمر، وأما الدراية فلأنه تفسير يؤدي إلى تعقيد اللفظ وفوات فخامة المعنى (١).
وحيث قد عرفنا أن هذا التفسير مردود فما معنى الآية إذن؟ إن المعنى الصحيح الذي يتناسب مع السياق هو: سنجعل له سمة وعلامة على الخرطوم أي الأنف، وهو كناية عن غاية الإذلال، لأن السمة على الوجه شين، فكيف بها على أكرم موضع منه؟ والضمير يعود على الوليد بن المغيرة الذي جاءت أوصافه في الآيات السابقة: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم﴾ الخ، وقد خطم بالسيف يوم بدر، فبقيت سمة على خرطومه إهانة وإذلالا له في الدنيا، وقيل: هذا وعيد له بأمر يكون في الآخرة، وهو أنه يوم القيامة على أنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره والله أعلم.
стр. 245
أمثلة من بدع التفاسير اللغوية:
إن بدع التفاسير اللغوية كثيرة ومتنوعة، فمنها ما يتعلق بالمعاني اللغوية، ومنها ما يتعلق بالقواعد النحوية، ومنها ما يتعلق بالقراءات وتوجيهها، ونحن هنا إن شاء الله تعالى سنتناول - بالدراسة - كل نوع من هذه الأنواع، كما سنورد في كل نوع بعض الأمثلة التي توضحه وتلقي مزيدا من الضوء عليه، وأيضا سنبين - أثناء تناولنا لبدع التفسير - المعنى الصحيح في تفسير الآية إن اقتضى الأمر ذلك، والله المستعان، وإليك البيان:
أولا - ما يتعلق بالمعاني اللغوية:
١ - تحريف الكلم عن مواضعه:
وذلك بالتغيير في بعض ألفاظ القرآن الكريم، وتفسيرها على أساس من هذا التغيير، ولا شك أن هذا إلحاد في آيات الله تعالى، وتبديل في رسم المصحف الشريف، ولا يجترئ على ارتكاب مثل ذلك إلا منحرف أو زائغ، بل إن هذا العمل يكاد يكون كفرا، ومثال ذلك ما قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (١) فقد حرف بعض الصوفية هذه الآية إلى (من ذل ذي) يعني نفسه يشفع عنده، يقصد أن من ذل نفسه في طاعة الله كان حقيقا بالشفاعة عند مولاه، وقد غفل هذا الجاهل عن أن فعل (ذل) لازم لا يتعدى إلى ما بعده، كما غفل عن معنى الاستثناء الذي يقتضي أن يتقدم المستثنى شيء يصح أن يكون في موضع المستثنى منه، قال السيوطي في هذا الصدد -: «وسئل شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني عن رجل قال في قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ إن معناه: (من ذل) أي من الذل، (ذي) إشارة إلى النفس، (يشف) من الشفا جواب من، (ع) أمر من الوعي، فأفتى بأنه ملحد، وقد قال الله تعالى: ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾ (٢)
стр. 246
قال ابن عباس: «هو أن يوضع الكلام على غير موضعه، أخرجه ابن أبي حاتم» (١).
ولعل من الواضح هنا أن معنى (من) في هذه الآية استفهامية لا شرطية والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، ولذا جاء الاستثناء بعده، والمراد من الآية بيان كبرياء الله تعالى وعظم شأنه، وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه، بحيث يستقل أن يدفع ما يريده الله دفعا على وجه الشناعة فضلا عن أن يستقل بدفعه عنادا، وفي ذلك تأبيس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله تعالى.
ومن أمثلة هذا النوع ما ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿عينا فيها تسمى سلسبيلا﴾ (٢) فتمد حرف بعض الناس الآية إلى (سلسبيلا)، وقال إنه أمر للنبي ﷺ ولأمته بسؤال السبيل إليها، وقد نسب هذا القول إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال الزمخشري: «وقد عزوا إلى علي ابن أبي طالب ﵁ أن معناه: سل سبيلا إليها، وهذا غير مستقيم على ظاهره، إلا أن يراد أن جملة قول القائل: (سل سبيلا) جعلت علما للعين، كما قيل: تأبط شرا، وذرى حبا: وسميت بذلك لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصالح، وهو مع استقامته في العربية تكلف وابتداع، وعزوه إلى مثل على ﵁ أبدع، وفي شعر بعض المحدثين:
سل سبيلا فيها إلى راحة النفس … براح كأنها سلسبيل (٣)».
وأغلب الظن أن هذا القول في تفسير الآية لا يصح عن على كرم الله وجهه، بل لقد نص بعض العلماء على أنه افتراء عليه ﵁ (٤)،
стр. 247
أما القول الصحيح في تفسير الآية فإن السلسبيل - كالسلسل والسلسال - ما كان من الشراب غاية في السلاسة وسهولة الانحدار في الحلق، وكأن العين إنما سميت بذلك لسلاستها وسهولة مساغها.
٢ - تفسير اللفظ بغير ما يدل عليه في لغة العرب:
فإن هذا يؤد ولا شك إلى الخطأ في التأويل، وتحميل ألفاظ القرآن ما لا تحتمل من المعاني، ومثال ذلك ما روي عن محمد بن كعب القرظي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ (٢) من أن إماما جمع أم وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم لا بآبائهم، وقد ندد الزمخشري بهذا التفسير، وتهكم عليه فقال: «ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع أم، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة من الدعاء بالأمهات دون الآباء رعاية حق عيسى ﵇، وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفتضح أولاد الزنا، وليت شعري أيهما أبدع: أصحة لفظه أم بهاء حكمته؟» (٣).
كما فند الآلوسي هذه البدعة في التفسير من حيث اللفظ والمعنى فقال ﵀: «ووجه عدم قبوله على ما في الكشف، أما أولا فلان إمام جمع أم غير شائع، وإنما المعروف أمهات، وأما ثانيا فلأن رعاية حق عيسى ﵇ في امتيازه بالدعاء بالأم، فإن خلقه من غير أب كرامة له، لا غض منه ليجبر بأن الناس أسوته في انتسابهم إلى الأمهات، وإظهار شرف الحسنين بدون ذلك أتم، فإن أباهما خير من أمهما، مع أن أهل البيت كحلقة مفرغة، وأما افتضاح أولاد الزنا فلا فضيحة إلا للأمهات، وهي حاصلة، دعي غيرهم بالأمهات أو بالآباء، ولا ذنب لهم في ذلك، حتى يترتب عليه الافتضاح» (٤).
стр. 248
ويبدو أن صاحب هذه البدعة إنما استند - في بدعته إلى بعض الأحاديث التي تفيد أن بعض الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم، غير أن هذه الأحاديث ضعيفة ومعارضة لما في الصحيح، وفي ذلك يقول أحد العلماء المعاصرين: روى الطبرانى في الكبير عن ابن عباس مرفوعا: «إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم سترا منه علي عباده» في إسناده وضاع، وورد نحوه من حديث عائشة وأنس بأسانيد ضعيفة، ولذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وهو معارض بحديث أبي الدرداء مرفوعا: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم» رواه أبو داود بإسناد جيد، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر مرفوعا: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان». فهذان الحديثان الصحيحان يفيدان أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء آبائهم (١).
وعلى ذلك فإن الإمام في الآية لفظ مفرد: وهو المقتدى به، والمتبع عاقلا كان أو غيره، والمعنى: يوم ندعو كل أناس من بني آدم بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين، أو كتاب أو دين، فيقال: يا أتباع فلان، يا أهل دين كذا، أو كتاب كهذا والله أعلم.
ومن أمثلة ذلك أيضا أن بعض المعتزلة فسر الكرسي بالعلم في قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ (٢)، واستدل على ذلك ببيت من الشعر كأنه مصنوع لهذا الغرض؛ وهو:
ولا يكرسئ علم الله مخلوق
أى لا يعلم علم الله مخلوق، وغرض من فسر الآية بذلك إنكار أن يكون لله تعالى كرسي،
стр. 249
وهو جسم عظيم بين يدي العرش محيط بالسماوات السبع كما يعتقد أهل السنة والجماعة، وحقيقته لا يعلمها إلا الله تعالى.
وقد نعى ابن قتيبة علي المعتزلة هذا المسلك الغريب، في تفسير الآية، فقال: «وفسروا القرآن بأعجب تفسير، يريدون أن يردوه إلي مذاهبهم ويحملوا التأويل على نحلهم، فقال فريق منهم في قوله تعالي: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾، أي علمه، وجاءوا على ذلك شاهد لا يعرف، وهو قول الشاعر:
ولا يكرسئ علم الله مخلوق.
كأنه عندهم: ولا يعلم علم الله مخلوق، والكرسي غير مهموز، ويكرسئ مهموز، يتوحشون أن يجعلوا الله كرسيا» (١).
٣ - تخريج معنى الآية على لغة غريبة:
من الواجب على المفسر أن يجتنب غريب اللغة والشاذ في تفسير القرآن الكريم، وأن يعتمد اعتمادا كليا على أفصح اللغات، حتى يحمل القرآن على أحسن وجوه التأويل، وقد أخطأ قوم فسروا القرآن بلغة غريبة أو شاذة، فجاءوا لنا بالبدع والغرائب في التفسير، ومن ذلك ما ذكر في تفسير قوله تعالى- عن نسوة يوسف -: ﴿فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (٣١)﴾ (٢) فقد قال بعد الناس: إن (أكبرن) بمعنى: حضن.
وقد وجه الآلوسي هذا القول الذي قيل إنه مروى عن ابن عباس في تفسير الآية، ثم أعقبه بالرد عليه وتضعيف نسبته إلى ابن عباس، وفي ذلك يقول
стр. 250
الآلوسي: «وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن معنى (أكبرن) حضن، ومن ذلك قوله:
يأتي النساء على أطهارهن ولا … يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا
وكأنه إنما سمي الحيض إكبارا لسكون البلوغ يعرف به، فكأنه يدخل الصغار من الكبر، فيكون في الأصل كناية أو مجازا، والهاء - على هذا - إما ضمير المصدر، فكأنه قيل: أكبرن إكبارا، وإما ضمير يوسف ﵇، على إسقاط الجار، أي حضن لأجله من شدة شبقهن، والمرأة - كما زعم الواحدي - إذا اشتد شبقها حاضت، ومن هنا أخذ المتبنى قوله:
خف الله واستر ذا الجمال برقع … إذا لحت حاضت في الخدور العواتق
وقيل: إن الهاء للسكت، ورد بأنها لا تحرك ولا تثبت في الوصل، وإجراء الوصل مجرى الوقف، وتحريكها تشبيها لها بالضمير كما في قوله:
واحر قلباه ممن قلبه شبم
على تسليم صحته ضعيف في العربية، واعترض في (الكشف) التخريجين الأولين، فقال: إن نزع الخافض ضعيف، لأنه إنما يجري في الظروف والصفات والصلات، وذلك لدلالة الفعل على مكان الحذف، وأما في مثل هذا فلا، والمصدر ليس من مجازه، إذ ليس المقام للتأكيد، وزعم أن الوجه هو الأخير، وكل ما ذكره في حيز المنع كما لا يخفى.
وأنكر أبو عبيدة مجيء (أكبرن) بمعنى حضن، وقال: لا نعرف ذلك في اللغة، والبيت مصنوع مختلق، لا يعرفه العلماء بالشعر، ونقل مثل ذلك عن الطبري وابن عطية وغير واحد من المحققين، ورواية ذلك عن ابن عباس إنما أخرجها ابن حرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد،