قال ابن عباس: «هو أن يوضع الكلام على غير موضعه، أخرجه ابن أبي حاتم» (١).
ولعل من الواضح هنا أن معنى (من) في هذه الآية استفهامية لا شرطية والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، ولذا جاء الاستثناء بعده، والمراد من الآية بيان كبرياء الله تعالى وعظم شأنه، وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه، بحيث يستقل أن يدفع ما يريده الله دفعا على وجه الشناعة فضلا عن أن يستقل بدفعه عنادا، وفي ذلك تأبيس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله تعالى.
ومن أمثلة هذا النوع ما ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿عينا فيها تسمى سلسبيلا﴾ (٢) فتمد حرف بعض الناس الآية إلى (سلسبيلا)، وقال إنه أمر للنبي ﷺ ولأمته بسؤال السبيل إليها، وقد نسب هذا القول إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال الزمخشري: «وقد عزوا إلى علي ابن أبي طالب ﵁ أن معناه: سل سبيلا إليها، وهذا غير مستقيم على ظاهره، إلا أن يراد أن جملة قول القائل: (سل سبيلا) جعلت علما للعين، كما قيل: تأبط شرا، وذرى حبا: وسميت بذلك لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصالح، وهو مع استقامته في العربية تكلف وابتداع، وعزوه إلى مثل على ﵁ أبدع، وفي شعر بعض المحدثين:
سل سبيلا فيها إلى راحة النفس … براح كأنها سلسبيل (٣)».
وأغلب الظن أن هذا القول في تفسير الآية لا يصح عن على كرم الله وجهه، بل لقد نص بعض العلماء على أنه افتراء عليه ﵁ (٤)،
стр. 247
أما القول الصحيح في تفسير الآية فإن السلسبيل - كالسلسل والسلسال - ما كان من الشراب غاية في السلاسة وسهولة الانحدار في الحلق، وكأن العين إنما سميت بذلك لسلاستها وسهولة مساغها.
٢ - تفسير اللفظ بغير ما يدل عليه في لغة العرب:
فإن هذا يؤد ولا شك إلى الخطأ في التأويل، وتحميل ألفاظ القرآن ما لا تحتمل من المعاني، ومثال ذلك ما روي عن محمد بن كعب القرظي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ (٢) من أن إماما جمع أم وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم لا بآبائهم، وقد ندد الزمخشري بهذا التفسير، وتهكم عليه فقال: «ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع أم، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة من الدعاء بالأمهات دون الآباء رعاية حق عيسى ﵇، وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفتضح أولاد الزنا، وليت شعري أيهما أبدع: أصحة لفظه أم بهاء حكمته؟» (٣).
كما فند الآلوسي هذه البدعة في التفسير من حيث اللفظ والمعنى فقال ﵀: «ووجه عدم قبوله على ما في الكشف، أما أولا فلان إمام جمع أم غير شائع، وإنما المعروف أمهات، وأما ثانيا فلأن رعاية حق عيسى ﵇ في امتيازه بالدعاء بالأم، فإن خلقه من غير أب كرامة له، لا غض منه ليجبر بأن الناس أسوته في انتسابهم إلى الأمهات، وإظهار شرف الحسنين بدون ذلك أتم، فإن أباهما خير من أمهما، مع أن أهل البيت كحلقة مفرغة، وأما افتضاح أولاد الزنا فلا فضيحة إلا للأمهات، وهي حاصلة، دعي غيرهم بالأمهات أو بالآباء، ولا ذنب لهم في ذلك، حتى يترتب عليه الافتضاح» (٤).
стр. 248
ويبدو أن صاحب هذه البدعة إنما استند - في بدعته إلى بعض الأحاديث التي تفيد أن بعض الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم، غير أن هذه الأحاديث ضعيفة ومعارضة لما في الصحيح، وفي ذلك يقول أحد العلماء المعاصرين: روى الطبرانى في الكبير عن ابن عباس مرفوعا: «إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم سترا منه علي عباده» في إسناده وضاع، وورد نحوه من حديث عائشة وأنس بأسانيد ضعيفة، ولذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وهو معارض بحديث أبي الدرداء مرفوعا: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم» رواه أبو داود بإسناد جيد، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر مرفوعا: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان». فهذان الحديثان الصحيحان يفيدان أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء آبائهم (١).
وعلى ذلك فإن الإمام في الآية لفظ مفرد: وهو المقتدى به، والمتبع عاقلا كان أو غيره، والمعنى: يوم ندعو كل أناس من بني آدم بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين، أو كتاب أو دين، فيقال: يا أتباع فلان، يا أهل دين كذا، أو كتاب كهذا والله أعلم.
ومن أمثلة ذلك أيضا أن بعض المعتزلة فسر الكرسي بالعلم في قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ (٢)، واستدل على ذلك ببيت من الشعر كأنه مصنوع لهذا الغرض؛ وهو:
ولا يكرسئ علم الله مخلوق
أى لا يعلم علم الله مخلوق، وغرض من فسر الآية بذلك إنكار أن يكون لله تعالى كرسي،
стр. 249
وهو جسم عظيم بين يدي العرش محيط بالسماوات السبع كما يعتقد أهل السنة والجماعة، وحقيقته لا يعلمها إلا الله تعالى.
وقد نعى ابن قتيبة علي المعتزلة هذا المسلك الغريب، في تفسير الآية، فقال: «وفسروا القرآن بأعجب تفسير، يريدون أن يردوه إلي مذاهبهم ويحملوا التأويل على نحلهم، فقال فريق منهم في قوله تعالي: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾، أي علمه، وجاءوا على ذلك شاهد لا يعرف، وهو قول الشاعر:
ولا يكرسئ علم الله مخلوق.
كأنه عندهم: ولا يعلم علم الله مخلوق، والكرسي غير مهموز، ويكرسئ مهموز، يتوحشون أن يجعلوا الله كرسيا» (١).
٣ - تخريج معنى الآية على لغة غريبة:
من الواجب على المفسر أن يجتنب غريب اللغة والشاذ في تفسير القرآن الكريم، وأن يعتمد اعتمادا كليا على أفصح اللغات، حتى يحمل القرآن على أحسن وجوه التأويل، وقد أخطأ قوم فسروا القرآن بلغة غريبة أو شاذة، فجاءوا لنا بالبدع والغرائب في التفسير، ومن ذلك ما ذكر في تفسير قوله تعالى- عن نسوة يوسف -: ﴿فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (٣١)﴾ (٢) فقد قال بعد الناس: إن (أكبرن) بمعنى: حضن.
وقد وجه الآلوسي هذا القول الذي قيل إنه مروى عن ابن عباس في تفسير الآية، ثم أعقبه بالرد عليه وتضعيف نسبته إلى ابن عباس، وفي ذلك يقول
стр. 250
الآلوسي: «وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن معنى (أكبرن) حضن، ومن ذلك قوله:
يأتي النساء على أطهارهن ولا … يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا
وكأنه إنما سمي الحيض إكبارا لسكون البلوغ يعرف به، فكأنه يدخل الصغار من الكبر، فيكون في الأصل كناية أو مجازا، والهاء - على هذا - إما ضمير المصدر، فكأنه قيل: أكبرن إكبارا، وإما ضمير يوسف ﵇، على إسقاط الجار، أي حضن لأجله من شدة شبقهن، والمرأة - كما زعم الواحدي - إذا اشتد شبقها حاضت، ومن هنا أخذ المتبنى قوله:
خف الله واستر ذا الجمال برقع … إذا لحت حاضت في الخدور العواتق
وقيل: إن الهاء للسكت، ورد بأنها لا تحرك ولا تثبت في الوصل، وإجراء الوصل مجرى الوقف، وتحريكها تشبيها لها بالضمير كما في قوله:
واحر قلباه ممن قلبه شبم
على تسليم صحته ضعيف في العربية، واعترض في (الكشف) التخريجين الأولين، فقال: إن نزع الخافض ضعيف، لأنه إنما يجري في الظروف والصفات والصلات، وذلك لدلالة الفعل على مكان الحذف، وأما في مثل هذا فلا، والمصدر ليس من مجازه، إذ ليس المقام للتأكيد، وزعم أن الوجه هو الأخير، وكل ما ذكره في حيز المنع كما لا يخفى.
وأنكر أبو عبيدة مجيء (أكبرن) بمعنى حضن، وقال: لا نعرف ذلك في اللغة، والبيت مصنوع مختلق، لا يعرفه العلماء بالشعر، ونقل مثل ذلك عن الطبري وابن عطية وغير واحد من المحققين، ورواية ذلك عن ابن عباس إنما أخرجها ابن حرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد،
стр. 251
وهو - وإن روى ذلك عن أبيه على عن أبيه ابن عباس - لا يعول عليه، فقد قالوا: إنه - عليه الرحمة - ليس من رواة العلم» (١).
ولا يخفى أن المعنى الصحيح للآية هو: فلما رأت النسوة يوسف ﵇ أكبرنه أي أعظمنه ودهشن برؤية جماله الفائق الرائع، فإن فضل جماله على جمال كل جميل كان كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، ومن هنا قطعن أيديهن بالسكاكين التي كانت في الأيدي لفرط دهشتهن من جمال يوسف ﵇.
ومن أمثلة هذا النوع كذلك ما قيل في تفسير قوله تعالي: ﴿وعصى آدم ربه فغوى (٢)﴾ فقد ذكر بعض المتكلمين أن معنى (غوى) هنا بشم من كثرة الأكل، وكأنه بذلك يفر من إسناد الغي الذي هو ضد الرشد إلى آدم ﵇، ولم يدر أن آدم ﵇ إنما أكل من الشجرة نسيانا، بدليل قوله تعالي: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما﴾ (٣).
وقد حكم الزمخشري على هذا التفسير بأنه خبيث لأنه نسب آدم ﵇ إلى الشره. وهو دال على الدناءة، والأنبياء معصومون من الدناءة، كما أن هذا التفسير مخرج علي لغة ضعيفة، قال الزمخشري: «وعن بعضهم: فغوى - فبشم من كثرة الأكل، وهذا وإن صح على لغه من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفا، فيقول في فني وبقي فنا وبقا، وهم بنو طيء تفسير خبيث» (٤).
стр. 252
كذلك من الأمثلة في هذا المجال ما نقل عن الجنيد (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ (٢) فقد قال: إن السليم هنا بمعنى اللديغ من خشية الله تعالى، استنادا إلى إطلاق السليم في لسان العرب على اللديغ من باب التفاؤل، قال الزمخشري: (ومن بدع التفاسير تفسير بعضهم السليم باللديغ من خشية الله) (٣).
ومن الواضح أن حمل الآية على هذا المعنى غير سليم، والتفسير الصحيح للآية هو أن نقول: إن يوم القيامة لا ينفع الإنسان فيه ماله ولا أولاده، ولكن ينفعه أن يأتي الله بقلب سليم من الشرك والمعاصي والله أعلم.
٤ - تفسير اللفظ بمعنى مستهجن لا يصح حمل القرآن عليه
فإن مثل هذه المعاني المستهجنة القبيحة مما يجب تجنبه في التفسير، وتنزيه ساحة القرآن عنه، وقد أقدم بعض الناس على ارتكاب هذا النوع في التفسير، فأساءوا إلى القرآن الكريم إساءة بالغة، ودل فعلهم هذا على ما هم عليه من جهل عظيم، وفهم سقيم. ومن ذلك ما ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (٣٤)﴾ (٤). فقد قال بعض الناس: إن قوله تعالى (واهجروهن) معناه: وأكرهوهن على الجماع واربطوهن، من هجر العير إذا ربطه بالهجار، والهجار ككتاب حبل يشد به البعير.
وهذا - ولا شك - معنى مستهجن لا يليق بالقرآن الكريم، ولا بجلال ألفاظه، فما الذي يجعلنا نعدل عن اللغة المشهورة في بيان معنى الهجر
стр. 253
إلى هذه اللغة المسترذلة القبيحة من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، وقد علق الزمخشري على هذا التفسير الشاذ فقال: «وهذا من تفسير الثقلاء» (١)، وصدق فيما قال، فإن الزوجة إذا كانت ناشزا ومتمردة على الزوج، فهل يليق به أن يرغمها على الجماع، ويربطها من أجله، إلا أن يكون سمجا ثقيل الظل، عديم الشعور والإحساس، وإن الذي يحمل الآية على هذا المعنى إنما هو من هذا الصنف من الناس.
وقد ذهب الطبري - في تفسير الآية - إلى قريب من هذا المنزع، واختار أن يكون معنى (اهجروهن) هو شدوهن وثاقا في بيوتهن واحبسوهن من قولهم: هجر البعير أي ربطه بالهجار (٢).
ونحن نرى أن ما ذكره الطبري هنا غير مقبول، لأنه قد اختار في تفسير اللفظه القرآنية هذا المعنى المرذول، وإن لم يذكر الجماع، ولا شك أن الذي اختاره الطبري في تفسير الآية لا يقل في القبح عن القول السابق، فهما مأخوذان من معين واحد، ومن ثم نجد القرطبي يتعقب ما قاله الطبري في هذا الصدد فيقول: «وفي كلامه في هذا الموضع نظر، وقد رد عليه القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه فقال: يا لها من هفوة من عالم بالقرآن والسنة، والذي حمله على هذا التأويل حديث غريب رواه ابن وهب عن مالك أن أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأه الزبير بن العوام كانت تخرج، حتى عوتب في ذلك، قال: وعتب عليها وعلى ضرتها، فعقد شعر واحدة بالأخرى، ثم ضربهما ضربا شديدا، وكانت الضرة أحسن اتقاء، وكانت أسماء لا تتقى، فكان الضرب بها أكثر، فشكت إلى أبيها أبي بكر ﵁، فقال لها: أي بنية، اصبري فإن الزبير رجل صالح، ولعله أن يكون زوجك في الجنة، ولقد بلغني أن الرجل إذا ابتكر بامرأة تزوجها في الجنة، فرأى الربط والعقد
стр. 254
مع احتمال اللفظ، مع فعل الزبير، فأقدم على هذا التفسير» (١).
وغني عن البيان أن الهجر في الآية بمعنى الترك، قال الآلوسي: «﴿واهجروهن في المضاجع﴾: أي مواضع الاضطجاع، والمراد اتركوهن منفردات في مضاجعهن، فلا تدخوهن تحت اللحف، ولا تباشروهن، فيكون الكلام كناية عن ترك جماعهن، وإلى ذلك ذهب ابن جبير، وقيل: المراد اهجروهن في الفراش بأن تولوهن ظهوركم فيه، ولا تلتفتوا إليهن، وروي ذلك عن أبي جعفر ﵁، ولعله كناية أيضا عن ترك الجماع» (٢).
ومن أمثلة هذا النوع كذلك ما قاله بعض الناس في تفسير قوله تعالى: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا (٢٧)﴾ (٣) من أن المراد بالأرض في قوله: «وأرضا لم تطئوها» نساء بني قريظة، وقد عد الزمخشري هذا القول من بدع التفاسير (٤)، كما سخر منه أحد العلماء المعاصرين فقال: «هذا تأويل بعث عليه شبق، وانتقل ذهن صاحبه من وطء الأرض إلى وطء الفرج» (٥).
ونحن هنا نتساءل: كيف يصح أن يحمل القرآن على هذا المعنى المستهجن وأمامنا المعنى المستقيم للآية، الذي لا عوج فيه ولا التواء، وهو أن الأرض هنا يراد منها الحقيقة لا المجاز، فقيل: هي أرض خيبر التي فتحت بعد بني قريظة، وقيل: هي مكة، وقيل: أرض الروم وفارس، وقيل: هي ما ظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة والله أعلم.
٥ - تفسير الآية بمعنى باطل عقلا وشرعا:
стр. 255
وهذا ميدان فسيح لأهل البدع والأهواء، وأصحاب الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن، فقد حمل بعضهم ألفاظ القرآن الكريم على معان ما أنزل الله بها من سلطان، وليس لها دليل ولا برهان، وإنما هي أوهام وترهات، وأكاذيب وضلالات، وقد غفل هؤلاء عن حقيقة لا يعزر أحد بجهلها، وهي أنه ليس كل ما يحتمله اللفظ من المعاني جائزا في تفسير القرآن الكريم، فقد يكون اللفظ - من حيث العربية - يحتمل معنى من المعاني، إلا أن هذا المعنى لا يصح حمل القرآن عليه حيث قام الدليل على فساده وبطلانه، وفي هذه الحالة يكون حمل القرآن عليه ضربا من ضروب الإلحاد في آيات الله، وتحريفا للكلم عن مواضعه، وكذبا علي الله تعالى، وجهلا فاضحا بحقائق التنزيل، ومن أمثلة ذلك ما ذكره بعض الجهلة في تفسير قوله تعالى: ﴿قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ (١) فقد قال إن معنى (ليس من أهلك) إنه ابن زنا، وهذا قول شنيع يدل على الجهل بمقام النبوة، ثم إن هذا القول مردود بنص القرآن الكريم، فإن الله تعالى قال - قبل هذه الآية -: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ (٢) فنسب الابن إليه، وهذا دليل قاطع علي أنه ابنه لصلبه، إذ من المستحيل أن يكون ابن زنا وينسبه الله إليه، كما يرد هذا القول أيضا أن نوحا قال: ﴿رب إن ابني من أهلي﴾ (٣)، فاشتمل كلامه على أمرين: نسبة الابن إليه، وأنه من أهله، ورد الله عليه فقال: ﴿إنه ليس من أهلك﴾، فأقر ببنوته، ونفى أنه من أهله الناجين، ولو لم يكن ابنه لقال له: ليس البنك وليس من أهلك (٤).
ويرد هذا القول كذلك بأن الأنبياء لا يجوز في حقهم ما قد يجوز على بعض الناس من أن زوجاتهم يزنين ويحملن من سفاح، وصدق من قال:
стр. 256
«ما بغت امرأة نبي قط»، وقد ذكر القشيري إجماع المفسرين على ذلك (١).
هذا وقد نسب القرطبي هذا القول الفاسد في تفسير الآية إلى ابن جريج، ثم قام بالرد عليه فقال: (وقال ابن جريج: ناداه وهو يحسب أنه ابنه، وكان ولد على فراشه، وكانت امرأته خانته فيه، ولهذا قال: «فخانتاهما» (٢)، وقال ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط، وأنه كان ابنه لصلبه، وقيل لسعيد بن جبير: يقول نوح: ﴿إن ابني من أهلي﴾ أكان من أهله؟ أكان ابنه؟ فسبح الله طويلا. ثم قال: لا إله إلا الله، يحدث الله محمدا ﷺ أنه ابنه، وتقول إنه ليس ابنه، نعم كان ابنه، ولكن كان مخالفا في النية والعمل والدين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إنه ليس من أهلك﴾، وهذا هو الصحيح في الباب إن شاء الله تعالى لجلالة من قال به) (٣).
كذلك من أمثلة هذا النوع الباطل ما قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين (١٠)﴾ (٤) فقد ذكر بعض الناس أن المراد بالخيانة هذا الزنا، وقد فند الآلوسي هذا المعنى الفاسد فقال: «ولا تفسر - يعني الخيانة - هنا
стр. 257
بالفجور لما أخرج غير واحد عن ابن عباس: «ما زنت امرأة نبي قط»، ورفعه أشرس إلى النبي ﷺ ، وفي الكشاف لا يجوز أن يراد بها الفجور، لأنه سمج في الطبع نقيصة عند كل أحد، بخلاف الكفر فإن الكفر لا يستسمجونه ويسمونه حقا، ونقل ابن عطية عن بعض تفسيرها بالكفر والزنا وغيره، ولعمري لا يكاد يقول بذلك إلا ابن زنا، فالحق عندي أن عهر الزوجات كعهر الأمهات من المنفرات التي قال السعد: إن الحق منعها في حق الأنبياء ﵈، وما ينسب للشيعة مما يخالف ذلك في حق سيد الأنبياء ﷺ كذب عليهم، فلا تعول عليه وإن كان شائعا (١).
كما ذكر أحد العلماء المعاصرين - بالتفصيل - الأدلة العقلية والنقلية على فساد هذا القول وبطلانه فقال: «زعم بعض المعاصرين ممن أقحم نفسه في التفسير بغير علم أن المراد بالخيانة الزنا، وهذا من بدع التفاسير، وهو يدل على جهل صاحبه وغباوته، فليست الخيانة هنا إلا المخالفة في العقيدة، ومساعدة الكفار على زوجيهما، وهو خلاف ما تقضيه العشرة الزوجية من صفاء المودة، وحسن المراعاة».
والدليل على هذا أمور:
الأول: أن امرأة نوح كانت ترمي زوجها بالجنون، وتساعد قومه عليه من شتمه وإيذائه، وامرأة لوط كانت تدل قومه على ضيوفه، إذا كانوا حسان الوجوه، لم ينقل عنهما غير ذلك.
الثاني: لو تبت عليهما شيء من الزنا الأسرع قوم نوح وقوم لوط إلى تعييرها والتشنيع عليهما، لكنهم لم يعرجوا على ذلك بحال.
стр. 258
الثالث: أن من يقع الزنا في بيته بأهله وهو لا يشعر كيف يكون أهلا لأن يدعو أمة، ويتزعم شعبا؟.
الرابع: أن أكبر عار يلحق بالرجل ويسقط حرمته وكرامته ووقوع الزنا في أهله، فكيف ينسب إلى رسولين كريمين، كان أحدهما يكافح جريمة اللواط، وكان من السهل جدا أن يقول له قومه: اذهب إلى بيتك فطهره من الفاحشة، ثم تعال فطهرنا.
الخامس: لا يجوز أن يقع الزنا في بيت نبي يوحى إليه، ولا ينبه الله عليه، هذا محال لأن الله تعالى غيور، كما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه)، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس في قصة قذف هلال بن أمية امرأته، ونزول قوله تعالي: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ (١) الآية، وقول سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح (٢)، قال النبي ﷺ : «أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» فكيف برضاها في بيت رسول يختاره لتلقى وحيه، ودعوة الناس إلى توحيده وإقامة دينه.
السادس: أن من الشروط التي يجب عقلا وجودها في الرسول الفطنة والذكاء والذي يقع الزنا في أهله وهو لا يشعر - يكون بالغ النهاية في الغنملة والبلاهة، ولا يجوز أن يكون الرسول مغفلا أو أبله، بل الغفلة
стр. 259
مذمومة في عموم الصالحين، ألا ترى إلى قول عمر ﵁: «لست بخب، والخب لا يخدعنب» تجده يتبرأ من الغفلة، كما يتبرأ من الخبث، فهو ليس بخبيث، لكنه ليس من الغفلة، بحيث يخدعه خبيث، لأنه مؤمن، والمؤمن فطن، كما جاء في مسند الشهاب القضاعي من حديث أنس: «المؤمن كيس فطن حذر».
السابع: أن كفر المرأة لا يعيبها ولا يلحق زوجها عار بسببه، لأنه ينشأ عن عناد في الرأي، أو اعتداد به، أو تقليد للآباء. لكن زناها يعيبها ويعيب أهلها، لأن سببه اغتلام الشهوة، وانحطاط الخلق، ودناءة الهمة، وسوء التربية، ولهذا لما جاءت هند زوجة أبي سفيان، لتسلم وكانت من العنيدات في الشرك، والمعتزات به - وعرض عليها النبي ﷺ فيما عرض ﴿ولا تزنين﴾ قالت مستنكرة: أوتزني الحرة؟ فمن ثم جاز أن تكون زوج النبي كافرة، ولم يجز أبدا بحال أن تكون زانية، وهذا معني مارواه عبد الرزاق والطبري وابن مردويه من طرق عن ابن عباس ﵄ قال: ما بغت امرأة نبي قط، أي ما زنت (١).
٦ - حمل الآية على معنى بعيد لا يتناسب مع السياق:
وهذا كثير في كتب التفسير، ونكتفي هنا بمثالين أرى أنهما من بدع التفاسير، ولا يقل أحدهما عن الآخر غرابة وبعدا عن سياق القرآن الكريم، وأحد المثالين قديم والآخر حديث، وإليك البيان:
المثال الأول: ما ذكره بعض اللغويين في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون﴾ (٢) من أن المراد بالفرقان هنا القرآن، والمعني: ولقد آتينا موسى الكتاب أي التوراة والإيمان بالفرقان أي القرآن، أو المعنى: ولقد آتينا موسى التوراة وآتينا محمدا القرآن.
стр. 260
وأنت ترى أن هذا المعنى بعيد كل البعد عن سياق الآية، إذ أنه يحتاج لتقدير كلام، وهذا الكلام المقدر لضرورة تدعو إليه في تفسير الآية، والمعنى الصحيح للآية الذي لا يحتاج إلى تقدير هو أن نقول: وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان، يعني الجامع بين كونه كتابا منزلا وفرقانا يفرق بين الحق والباطل، والمراد بذلك التوراة، كما تقول رأيت الغيث والليث، نريد الرجل الجامع بين الجود والشجاعة، ونحوه قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا﴾ (١)، يعني الكتاب الجامع بين كونه فرقانا وضياء وذكرا، وقيل: المعنى: وإذ آتينا موسى التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات، وقيل: المراد بالفرقان الشرع الفارق بين الحلال والحرام، أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه، كقوله تعالى: ﴿وما أنزلنا علي عبدنا يوم الفرقان﴾ (٢) يريد به يوم بدر الذي انتصر فيه المسلمون على الكفار.
ومن الواضح أن هذه المعاني التي ذكرناها في بيان المراد بالفرقان، كلها تتناسب مع ذكر موسى ﵇، أما القرآن فليس ثمة مناسبة واضحة بينه وبين موسى ﵇، فما الذي يلجئنا إلى تقدير كلام لا يساعد عليه نظم القرآن الكريم، ويرحم الله الإمام الآلوسي فقد رفض - بذوقه السليم - هذا الضرب من التأويل، فقال: «وقيل: إنه القرآن، ومعنى إتيانه لموسى ﵇ نزول ذكره له حتى آمن به، حكاه ابن الأنباري، وهو بعيد، وأبعد منه ما حكي عن الفراء وقطرب أنه القرآن، والكلام علي حذف مفعول، أي ومحمدا الفرقان» (٣).
المثال الثاني: ما ذكره الشيخ محمد عبده في تفسير قوله تعالى: ﴿وأرسل
стр. 261
عليهم طيرا أبابيل﴾.
ترميهم بحجارة من سجيل (١) فقد فسر الطير الأبابيل بالذباب الذي عمل الجراثيم، جريا وراء ما يسمى بالتجديد ومسايرة التطور العلمي، فقال ﵀: «وقد بينت لنا هذه السورة الكريمة أن ذلك الجدري أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش بواسطة فرق عظيمة من الطير مما يرسله الله مع الريح، فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس، الذي تحمله الرياح، فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم، وتساقط لحمه، وأن كثيرا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وأن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالمكروب لا تخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يحصي عددها إلا بارئها».
ثم قال: «هذا ما يصح الاعتماد عليه في تفسير السورة، وما عدا ذلك فهو مما لا يصح قبوله إلا بتأويل، إن صحت روايته، ومما تعظم به القدرة أن يؤخذ من استعز بالفيل - وهو أضخم حيوان من ذوات الأربع جسما - ويهلك بحيوان صغير لا يظهر للنظر، ولا يدرك بالبصر، حيث ساقه القدر، لا ريب عند العاقل أن هذا أكبر وأعجب وأبهر» (٢).
ونحن نرى أن هذا التأويل الغريب الذي ذكره الشيخ محمد عبده هنا بعيد عن روح الآية، ومخالف لسياق الكلام، وذلك من عدة وجوه:
стр. 262
الوجه الأول: أن الجراثيم والميكروبات التي قال عنها إنها فرق وجماعات لم يعهد في لغة العرب تسميتها بالطير الأبابيل، فضلا عن أن العرب لم يكن لهم علم قط بما يسمى بالجراثيم والمكروبات، فكيف ساغ له أن يفسر الآية بشيء لا يعرفه العرب، وليس له ذكر في لسانهم؟.
والوجه الثاني: أن الإمام قد اضطرب في كلامه، ففي أول الكلام نجده يقول إن الطير الأبابيل هي البعوض أو الذباب الذي يحمل الجراثيم، وأن الجراثيم عبارة عن الحجارة في نظره، بينما نجده في آخر الكلام يشير إلى أن الطير الأبابيل هي نفس المكروبات والجراثيم التي لا يحصي عددها إلا الله تعالى، فعلى أي وجه تفهم الآية إذن؟.
والوجه الثالث: أنه أطلق على المكروب أنه حجارة، وأن الذباب يرمي بالحجارة أي بالمكروب، وأظن أن هذا تعسف في التأويل، فهل المكروب - عند مكتشفيه - نوع من أنواع الحجارة، أم أنه كائن حي كما اعترف هو نفسه بذلك؟.
وهل الذباب إذا أصاب أحدا بالمكروب يصح أن يقال عنه: إنه رماه بالحجارة، أم أنه الولوع بما هو جديد في عالم الطب بصرف النظر عن سياق الآية، ومدلولات الألفاظ؟.
والوجه الرابع: أنه أراد أن يشكك في صحة الروايات التي وردت في قصة الطير الأبابيل، ومعناها أن الله عزت قدرته أرسل طيرا حقيقية خاصة في منقارها وأظافرها الحجارة لإهلاك أصحاب الفيل، مع أنه لا وجه لتضعيف هذه الروايات، لا سيما وأن الحافظ ابن كثير - وهو إمام من أئمة الحديث - أورد في تفسيره بعض هذه الروايات، ثم حكم عليها بأن أسانيدها صحيحة (١)، ومتى صحت الرواية فليس هناك ما يمنع من حمل الكلام عليها.
стр. 263
وإرادة المعنى الحقيقي للطير والحجارة، فما ذلك على الله بعزيز، كما أنه ليس في الآية ما يصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز، فلماذا إذن نلجأ في تفسير السورة إلى هذا التأويل الموغل في البعد والغرابة؟
والوجه الخامس: أن سياق الآيات يدلنا دلالة واضحة على أن الكلام على حقيقته وليس فيه تجوز قط، وأن ذلك إنما هو إشارة إلى أس خارق للعادة حدث في العام الذي ولد فيه الرسول ﷺ تكريما لمولده، واحتفاء بمقدمه، وإرهاصا بمبعثه ﵊، فهل موت أصحاب الفيل بواسطة الجراثيم والمكروبات التي تتسبب في حدوث الأمراض يعتبر أمرا خارقا للعادة، جديرا بالتنويه به في سورة قرآنية؟ اللهم لا، وإذن فإن حق القرآن علينا أن نرفض هذا التأويل الغريب للسورة، وأن نعتمد في تفسيرها على ما ذكره جمهور المفسرين، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 264
ثانيا - ما يتعلق بالقواعد النحوية
تكلمنا - فيما سبق - عن بدع التفاسير التي تتعلق بالمعاني اللغوية، أي بمدلولات الألفاظ، وقد حان الوقت الآن للحديث عن بدع التفاسير التي تتعلق بالقواعد النحوية، ونعنى بها ما وقع فيه بعض المعربين من تخريجات نحوية مضطربة، شاذة أو ضعيفة، أدت إلى خلل في معاني التنزيل، وحرفت الكلم عن مواضعه، وإليك مثالين على ذلك:
المثال الأول: في تفسير قوله تعال: ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ (١) قال بعض الناس: إن (ما) استفهامية، أي فبأي شيء أغويتني، ثم ابتدأ بقوله: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾.
وهذا الإعراب المضطرب لا يصح تخريج الآية عليه لأمرين:
الأمر الأول: أن الاستفهام هنا لا معنى له، إذ كيف يسأل إبليس ربه، بأي شيء أغواه وأضله، والأمر الآخر: أن (ما) الاستفهامية إذا وقعت بعد حروف الجر فإن ألفها تحذف في فصيح الكلام، قال تعالى: ﴿عم يتساءلون﴾ (٢) وقال عز من قائل: ﴿فيم أنت من ذكراها﴾ (٣) أما إثبات ألفها في تلك الحالة، فإنه - كما يقول الزمخشري - قليل شاذ (٤)، ومثل هذه اللغة القليلة الشاذة لا يصح تخريج القرآن عليها.
стр. 265
وعلى ذلك فإن القول بأن (ما) هنا استفهامية قول باطل، والصواب أن تكون (ما) في الآية مصدرية، والباء للسببية، والمعنى: فبسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم، أي لأعترضن لهم على طريق الإسلام، كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة.
المثال الثاني: في تفسير قوله تعالى: ﴿إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (٢٣) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله﴾ (١) نجد بعض الجهلة يقف على (عرش)، ثم يبتدئ بقوله: (عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله)، يريد أن يجعل قوله (عظيم) خبرا مقدما، والمبتدأ هو قوله: (وجدتها) الخ، والمعنى: أمر عظيم أن وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله.
وهذا - ولا شك - تخريج شاذ، لا يلجأ إليه إلا من فسدت سليقته، واختل ذوقه، ومن ثم نجد الزمخشري ينعي على ذلك يمسخ الذي الآية بهذا التخريج الأعوج، فيقول: «ومن نوكي القصاص (٢) من يقف على قوله: (ولها عرش)، ثم يبتدئ: (عظيم وجدتها)، يريد أمر عظيم أن وجدتها وقومها يسجدون للشمس، فر من استعظام الهدهد عرشها، فوقع في عظيمة وهي مسخ كتاب الله» (٣).
كما أنكر الآلوسي هذا التخريج الشاذ الذي لا يستقيم في شيء مع الفصحى، ولا تساعد عليه أحكام الوقف والابتداء، فقال: ": قال صاحب المرشد: ولا يوقف على (عرش)، وقد زعم بعضهم جوازه، وقال: معناه عظيم عند الناس، وقد أنكر هذا الوقف أبو حاتم وغيره من المتقدمين، ونسبوا
стр. 266
القائل به إلى الجهل، وقول من قال: عظيم عبادتهم للشمس من دون الله قول ركيك لا يعتد به، وليس في الكلام ما يدل عليه" (١).
ولعل من نافلة القول أن نقول: إن (عظيم) في الآية إنما هو وصف للعرش دون غيره، ويتعين أن يكون الوقف على (عظيم) لأنه رأس آية، أما قوله: (وجدتها) الخ فإنه جملة مستأنفة، قال الآلوسي: "واستعظام الهدهد لعرشها مع ما كان يشاهده من ملك سليمان ﵇ إما بالنسبة إلى حالها، أو إلى عروش أمثالها من الملوك، وجوز أن يكون ذلك لأنه لم يكن لسليمان ﵇ مثله، وإن كان عظيم الملك، فإنه قد يوجد لبعض أمراء الأطراف شيء لا يكون للملك الذي هم تحت طاعته، وأيا ما كان فوصفه بذلك بين يديه ﵇ لما ذكر أولا من ترغيبه ﵇ في الإصغاء إلى حديثه، وفيه توجيه لعزيمته ﵇ نحو تسخيرها، ولذلك عقبه بما يوجب غزوها من كفرها وكفر قومها، حيث قال: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) أي يعبدونها متجاوزين عبادة الله تعالى" (٢).
стр. 267
ثالثا - ما يتعلق بالقراءات:
وفي هذا المجال نجد كذلك كثيرا من بدع التفاسير اللغوية ويمكننا هنا أن نقسم هذه البدع إلى قسمين: القسم الأول هو استحداث قراءات لم يقرأ بها، والقسم الثاني هو رد بعض القراءات الصحيحة، وإنما صح لنا أن نعتبر ذلك من بدع التفاسير اللغوية لأن الأمر لم يقتصر على القراءات في حد ذاتها بالاختلاق أو بالإنكار فحسب، بل تخطى هذا الجانب إلى محاولة حمل القرآن على معنى قراءة باطلة، أو محاولة تنزيه القرآن عن معنى قراءة صحيحة، وكلاهما من الخطورة بمكان.
أما القسم الأول فهو أن بعض الناس استباحوا لأنفسهم أن يستحدثوا بعض القراءات التي ليس لها سند قط، وإنما هي شبيهة بالحديث الموضوع، وهدفهم من وراء ذلك هو تأييد مذهبهم، ونصرة معتقدهم، وقد نقل شيء من هذا القبيل عن بعض المعتزلة وبعض الشيعة، وسنذكر هنا مثالين، أحدهما للمعتزلة والآخر للشيعة:
المثال الأول: ما ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق *﴾ (١) فقد قرأ بعض المعتزلة (من شر ما خلق) بتنوين شر وجعل (ما) نافية، والمعنى: من شر لم يخلقه الله تعالى بل خلقه فاعله، والذي حمل المعتزلة إلى اختلاق هذه القراءة الباطلة هو أنهم يعتقدون أن الله لا يفعل القبيح لوجوب الصلاح والأصلح عليه، وأن العباد هم الذين يخلقون أفعال أنفسهم، فمن ثم حرف بعضهم الآية وقرأها بهذه القراءة التي لا سند لها،
стр. 268
قال ابن عطية: «هي قراءة عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة القائلين بأن الله تعالى لم يخلق الشر، وحملوا (ما) على النفي، وجعلوا الجملة في موضع الصفة، أي من شر ما خلقه الله تعالى ولا أوجده، وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل» (١).
هذا - وعلى فرض أن هذه القراءة شاذة أي غير صحيحة السند فإنه لا يتعين فيها هذا التوجيه الذي ذكره المعتزلة، بل يجوز - كما قال الآلوسي - أن تكون (ما) بدلا من شر على تقدير محذوف، قد حذف لدلالة ما قبله عليه، أي من شر شر ما خلق (٢).
المثال الثاني: ما نسب إلى بعض الشيعة في تفسير قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب (٧)﴾ (٣) من أنه قرأ (فانصب) بكسر الصاد، والمراد بذلك عندهم: إذا فرغت يا محمد - من أداء الرسالة فانصب عليا للإمامة، وهم بذلك ينتصرون لمذهبهم في أن علي بن أبي طالب ﵁ هو الخليفة بعد رسول الله ﷺ ، وأن تعيين الإمام إنما يكون بطريق النص عليه في القرآن والسنة، وهذه الآية - في زعمهم - نص على أن الخلافة لعلى بعد الرسول ﷺ .
ونحن نرى أن هذه القراءة باطلة، فقد حكم ابن عطية عليها بأنها قراءة شاذة ضعيفة المعنى لم تثبت عن عالم (٤)، كما عد الزمخشري هذه القراءة بدعة من البدع فقال: «ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة أنه قرأ (فانصب) بكسر الصاد، أي فانصب عليا للإمامة، ولو صح هذا للرافضي
стр. 269
لصح للناصبي (١) أن يقرأ هكذا، ويجعله أمرا بالنصب الذي هو بغض على وعداوته» (٢).
هذا وإن سلمنا جدلا أن هذه القراءة صحيحة المعنى - وهي غير ذلك كما قدمنا - فليس فيها دلالة على تخصيص على للخلافة بعد الرسول، كما يزعم الشيعة، وفي ذلك يقول الآلوسي: «ونسب إلى بعض الإمامية أنه قرأ ﴿فانصب﴾ بكسر الصاد، فقيل: أي فإذا فرغت من النبوة فانصب عليا للإمامة، وليس في الآية دليل على خصوصية المفعول فللسني أن يقدر أبا بكر ﵁» (٣).
وإذا علمت أن هذه القراءة لا يعول عليها فإن القراءة الصحيحة والمتواترة هي ﴿فانصب﴾ بفتح الصاد، من نصب … كفرح … ينصب نصبا إذا تعب، والمعنى: إذا فرغت من عبادة فاتعب في عبادة أخرى، شكرا لما عددناه عليك من النعم السابقة واللاحقة، أو إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، أو إذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ونحو ذلك.
وأما القسم الثاني - في هذا المجال - فهو رد بعض القراءات الصحيحة بمقتضى بعض المذاهب النحوية، وهذا عمل شنيع أقدم عليه بعض المفسرين، وسجلوه في كتبهم، مما يسوغ لنا أن نعتبره حقا من بدع التفاسير اللغوية، ونكتفي هنا أيضا بمثالين:
المثال الأول: ما ذكره ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (١)﴾ (٤). فقد رد قراءة
стр. 270
حمزة هنا بجر الأرحام، فقال: (وهذه القراءة عند رؤساء نحويي البصرة لا تجوز)، لأنه لا يجوز عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض، قال الزجاج عن المازني: لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان، يحل كل واحد منهما محل صاحبه، فكما لا يجوز: مررت بزيد وك، فكذلك لا يجوز: مررت بك وزيد، وأما سيبويه فهي عنده قبيحة لا تجوز إلا في الشعر، كما قال:
فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا … فاذهب فما بك والأيام من عجب
ثم قال: «ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان: أحدهما أن ذكر الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام، وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة. والوجه الثاني: أن في ذكرها - على ذلك - تقريرا للتساؤل بها، والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك في قوله ﵇: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (١)، وقالت طائفة: إنما خفض (والأرحام) على جهة القسم من الله، على ما اختص به - لا إله إلا هو - من القسم بمخلوقاته، ويكون المقسم عليه فيما بعد من قوله: (إن الله كان عليكم رقيبا)، وهذا قول يأباه نظم الكلام وسرده، وإن كان المعنى يخرجه» (٢).
ذلك ما ذكره ابن عطية في تفسيره، فقد رد قراءة حمزة هنا، وأثار الشبهات حولها، وهذا من ابن عطية ولا شك اتجاه خاطئ تبع فيه رؤساء نحاة البصرة، وعلى رأسهم أبو العباس المبرد الذي كان أول من شنع على
стр. 271
حمزة حتى قال: لا يحل القراءة بها (١)، وروى عنه أيضا أنه قال: لو صليت خلف إمام يقرأ هذه القراءة لأخذت نعلي ومضيت (٢).
ونحن لا يمكن بحال أن نقبل من ابن عطية هذا الكلام الذي أثاره حول هذه القراءة الصحيحة، فإن كلامه باطل من عدة وجوه نبينها فيما يلي:
أولا: أن حمزة - وهو أحد القراء السبعة - لم يقرأ بهذه القراءة من قبل نفسه، أو على حسب رأيه واجتهاده، بل قرأ بها بناء على سماعها من الثقات الذين سمعوها من في رسول الله ﷺ ، وقد انعقد الإجماع على صحة قراءة السبعة، فرد هذه القراءة الثابتة الصحيحة من ابن عطية أو غيره يعتبر شيئا في غاية الخطورة، لأن ذلك بمثابة الرد على رسول الله ﷺ ، والتكذيب بالقرآن الذي أنزله الله عليه (٣).
ثانيا: أن ما ذكره ابن عطية - في تخطئة هذه القراءة - من امتناع العطف على الضمير المخفوض إنما هو مذهب البصريين فقط، ونحن لسنا متعبدين باتباعهم، لاسيما إذا علمنا أن هذا المذهب غير صحيح، بل الصحيح ما ذهب إليه الكوفيون من الجواز، فقد ورد ذلك في لسان العرب نثرا ونظما، وقد اختار ابن مالك مذهب الكوفيين هنا فقال:
وعود خافض لدى عطف على … ضمير خفض لازما قد جعلا
وليس عندي لازما إذ قد أتى … في النظم والنثر الصحيح مثبتا
ثالثا: أن قراءة حمزة لا يتعين توجيهها على أساس العطف، بل يجوز
стр. 272
أن توجه على جهة القسم من الله تعالى، فتكون الواو للقسم، والمقسم عليه هو قوله تعالى: ﴿إن الله كان عليكم رقيبا﴾، والله أن يقسم بما شاء على ما شاء، وليس هذا التوجيه مما يأباه نظم الكلام وسرده - كما يقول ابن عطية - بل هو توجيه له قيمته، حيث إن الله تعالى - بعد أن أمر بتقواه - أراد أن يؤكد الوصية بالارحام، فأقسم بها في هذا المقام، على أنه رقيب على أعمال العباد، فالآية - على ذلك - قريبة في المعنى لقول الله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى﴾ (١).
رابعا: أما ما قاله ابن عطية من أن ذكر الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى فكلام ساقط عن درجة الاعتبار، وغلو من ابن عطية في التحاكم إلى السياق، لأن ذكر الأرحام في هذه الآية له أعظم الفائدة في الحض على تقوى الله تعالى، فإن الأرحام يراد بها القرابات، لاسيما تلك القرابات التي كانت بين الرسول ﷺ وبين العرب، فكأن العرب - وهم المخاطبون بهذه الآية خطابا أوليا - أمروا هنا بتقوى الله، ودعوا إلى الدخول في الإسلام، وحضوا على ذلك بذكر باعثين في الآية، أحدهما حق الله تعالى عليهم، والآخر قرابة الرسول ﷺ لهم، فهل بعد هذا يصح أن يقول ابن عطية: إنه - على هذه القراءة - لا معنى لذكر الأرحام في الحض على تقوى الله، وأن هذه القراءة تؤدي إلى التفرق في معنى الكلام، والغض من فصاحته (٢).
خامسا: أما الشبهة التي تعلق بها ابن عطية - في رد هذه القراءة - بأن عطف (الأرحام) على المضمر المخفوض يقتضي تقرير التساؤل بها، والقسم بحرمتها،
стр. 273
والحديث الصحيح يرد ذلك للنهي فيه عن الحلف بغير الله تعالى فتلك شبهة واهية، لأنا لا نسلم أن الحلف بغير الله مطلقا منهي عنه، بل المنهي عنه ما كان مع اعتقاد وجوب التعظيم، وأما الحلف على سبيل التأكيد مثلا فلا بأس به، فقد جاء في الخبر: «أفلح وأبيه إن صدق»، وأيضا ذكر بعض العلماء أن هذه القراءة لا تفيد معنى الحلف، وإنما تفيد معنى التوسل والاستعطاف، وعلى ذلك فليس في هذه القراءة ما يقتضي تقرير الحلف بالأرحام، المنهي عنه في الحديث الصحيح، قال الآلوسي ﵀: «وقد ذكر بعضهم أن قول الشخص لآخر: أسألك بالرحم أن تفعل كذا ليس الغرض منه سوى الاستعطاف، وليس هو كقول القائل: والرحم لأفعلن كذا، ولقد فعلت كذا، فلا يكون متعلق النهي في شيء» (١).
من هذا كله يتبين لنا أن قراءة حمزة هنا قراءة صحيحة يجب قبولها ولا يجوز ردها، وقد نص أئمة القراء على أن الاعتماد في قبول القراءة إنما يتوقف على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، لا على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، وفي ذلك يقول أبو عمرو الداني - فيما نقله عنه ابن الجزري -: «وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة، يلزم قبولها والمصير إليها» (٢).
وأيضا يقول الإمام القشيري - في مقام الرد على من انتقد قراءة حمزة هذه -: «ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي ﷺ تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي ﷺ فمن رد ذلك فقد رد على النبي ﷺ ، واستقبح ما قرأ به، وهذا
стр. 274
مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبي ﷺ ولا يشك أحد في فصاحته» (١).
المثال الثاني: «ما فعله الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم﴾ (٢) فقد وجدناه هو الآخر يرد قراءة ابن عامر ببناء الفعل المفعول الذي هو القتل، ونصب الأولاد وجر الشركاء، وقد استند الزمخشري - في رد هذه القراءة - إلى أنه لا يجوز - عند النحويين - الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف، وفي ذلك يقول: (وأما قراءة ابن عامر: (قتل أولادهم شركائهم) برفع القتل، ونصب الأولاد وجر الشركاء، على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف فشيء لو كان في مكان الضرورات - وهو الشعر - لكان سمجا مردودا، كما سمج ورد: (زج القلوص أبي مزاده) (٣)، فكيف به في الكلام المنثور، فكيف به في القرآن المعجز نحسن نظمه وجزالته، والذي حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف (شركائهم) مكتوبا بالياء، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء، لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب)» (٤).
وقد وافق الزمخشري في بدعته تلك بعض النحاة، ومن هؤلاء أبو جعفر
стр. 275
النحاس فقد قال: «وأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن عامر وأهل الشام فلا يجوز في كلام ولا في شعر، وإنما أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف، لأنه لا يفصل فأما بالأسماء غير الظروف فلحن» (١)، ومنهم كذلك أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي حيث يقول: «قراءة ابن عامر لا تجوز في العربية، وهي زلة عالم، وإذا زل العالم لم يجز اتباعه، ورد قوله إلى الإجماع، وكذلك يجب أن يرد من زل منهم أو سها إلى الإجماع، فهو أولى من الإصرار على غير الصواب، وإنما أجازوا في الضرورة للشاعر أن يفرق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف لأنه لا يفصل» (٢).
وهذا الاتجاه الخاطئ من الزمخشري وأمثاله في رد هذه القراءة الصحيحة مبني لديهم على أساس خاطئ، وهو أنهم ظنوا أن القراء إنما قرأوا بهذه القراءات اجتهادا منهم، مع أن من الحقائق العلمية الثابتة أن القراءات توقيفية، وليست اجتهادية. وأن القراء السبعة ومنهم ابن عامر - إنما تلقوا قراءاتهم عن الثقات الذين تلقوها بدورهم عن رسول الله ﷺ ، ولقد شنع على هؤلاء في هذا المجال غير واحد من العلماء، وهذا هو الإمام القشيري يقول في هذا الصدد -: "وقال قوم: هذا قبيح، وهذا محال، لأنه اذا ثبتت القراءة بالتواتر عن النبي ﷺ فهو الفصيح لا القبيح، وقد ورد ذلك في كلام العرب، وفي مصحف عثمان (شركائهم) بالياء، وهذا يدل على قراءة ابن عامر، وأضيف القتل - في هذه القراءة - إلى الشركاء لأن الشركاء هم الذين زينوا ذلك، ودعوا إليه، فالفعل مضاف إلى فاعله، على ما يجب في الأصل، لكنه فرق بين المضاف والمضاف إليه وقدم المفعول، وتركه منصوبا على حاله، إذا كان متأخرا في المعنى، وأخر المضاف إليه، وتركه مخفوضا على حاله، إذ كان متقدما بعد القتل والتقدير: «وكذلك زين لكثير من المشركين
стр. 276
قتل شركائهم أولادهم، أي أن قتل شركائهم أولادهم» (١).
أما ابن المنير السكندري فقد حمل حملة شعواء على الزمخشري، في رده لقراءة ابن عامر هذه، وناقشه مناقشة علمية مفصلة، وبين جهله في علمي القراءة والأصول، فقال: «لقد ركب المصنف في هذا الفصل متن عمياء، وتاه في تيهاء، وأنا أبرأ إلى الله، وأبرئ حملة كتابه وحفظة كلامه مما رموه به، فإنه تخيل أن القراء - أئمة الوجوه السبعة - اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا، لا نقلا وسماعا فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه، وأخذ يبين أن وجه غلطه رؤيته الياء ثابتة في (شركائهم)، فاستدل بذلك على أنه مجرور، وتعين عنده نصب (أولادهم) بالقياس، إذ لا يضاف المصدر إلى أمرين معا، فقرأه منصوبا». قال المصنف - يريد الزمخشري - وكانت له مندوحة عن نصبه إلى جره بالإضافة، وإبدال الشركاء منه، وكان ذلك أولى مما ارتكبه - يعني ابن عامر - من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، الذي يسمح في الشعر فضلا عن النثر، فضلا عن المعجز، فهذا كله - كما ترى - ظن من الزمخشري أن ابن عامر قرأ قراءته هذه رأيا منه، وكان الصواب خلافه، والفصيح سواه، ولم يعلم الزمخشري أن هذه القراءة - بنصب الأولاد، والفصل بين المضاف والمضاف إليه بها - يعلم ضرورة أن النبي ﷺ قرأها على جبريل، كما أنزلها عليه كذلك، ثم تلاها النبي ﷺ على عدد التواتر من الأئمة، ولم يزل عدد التواتر يتناقلونها ويقرءونها خلفا عن سلف إلى أن انتهت إلى ابن عامر، فقرأها أيضا كما سمعها، فهذا معتقد أهل الحق في جميع الوجوه السبعة، أنها متواترة جملة وتفصيلا عن أفصح من نطق بالضاد ﷺ ، فإذا علمت العقيدة الصحيحة فلا مبالاة بعدها بقول الزمخشري ولا بقول أمثاله ممن لحن ابن عامر، فإن المنكر عليه إنما أنكر ما ثبت أنه
стр. 277
براء منه قطعا وضرورة، ولولا عذر أن المنكر ليس من أهل الشأنين، أعني علم القراءة وعلم الأصول، ولا يعد من ذوى الفنيين المذكورين الخيف عليه الخروج من ربقة الدين» (١).
وبعد:
فهذه هي بدع التفاسير اللغوية - وهي نوع من أنواع الدخيل في التفسير - تكلمنا عليها بالتفصيل، فإلى نوع آخر من الدخيل، وهي تأويلات الباطنية، والله ولي التوفيق.
стр. 278
الفصل الثالث تأويلات الباطنية
الباطنية اسم يطلق على جماعات متعددة من غلاة الشيعة، كالإسماعيلية، والقرامطة، والخرمية، والرافضة، وقد أطلق عليهم هذا الاسم بسبب أنهم يتفقون جميعا على أمر واحد، وهو التأويل الباطني للنصوص، ويقولون: إن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيل تأويلا، وأن الظاهر بمثابة القشر، أما الباطن فإنه يمثل اللباب عندهم، وبذلك أسقطوا التكاليف الشرعية، وقالوا: إنه لا يراد بها الحقيقة، وإنما هي رموز إلى أشياء معينة، زينها الشيطان لهم، فتمسحوا بها وزعموا أنها مما تلقوه عن الإمام المعصوم، ومن ثم فقد ورد عنهم بعض التأويلات الفاسدة لألفاظ القرآن الكريم، وهذه التأويلات ترفضها قوانين العربية، وتتعارض - تماما - مع قواعد الشرع، مما يحق لنا أن نعتبر تلك التأويلات من جملة الدخيل الذي تسلل إلى رحاب القرآن الكريم.
حركة الباطنية وأهدافها:
نشأت حركة الباطنية في أحضان الفكر الشيعي المتطرف، وقد ظهرت هذه الحركة بصورة منظمة - في زمن الخليفة المأمون العباسي - على يد رجل يدعى: (ميمون بن ديصان) المعروف بالقداح، يقال: إنه كان مجوسيا من سبي الأهواز (١)، وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق (٢).
стр. 279
ويذكر البغدادي أن هذا الرجل اشترك مع جماعة ممن على شاكلته في تأسيس هذا المذهب الباطني الذي يدعو إلى دين المجوس بالتأويلات الرمزية التي يتأولون عليها القرآن والسنة، حيث اجتمعوا كلهم مع ميمون بنديصان في سجن والي العراق، فأسسوا في ذلك السجن مذهب الباطنية، ثم ظهرت دعوتهم بعد خلاصهم من السجن (١).
كما يذكر البغدادي أن ميمون بن ديصان هذا أخذ يجوب الآفاق، داعيا الناس إلى مذهبه، ثم رحل إلى ناحية المغرب، وانتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي طالب، وزعم أنه من نسله، فلما دخل في دعوته قوم من غلاة الرفض والحلولية منهم ادعى أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، فقبل الأغبياء ذلك منه، على جهل منهم بأن محمد بن إسماعيل ابن جعفر مات ولم يعقب عند علماء الأنساب (٢).
وهذا المذهب الباطني الذي أخذ يدعو الناس اليه بعضه مستمد من عقائد المجوس، وبعضه مأخوذ من كلام الفلاسفة، ويبدو أن أولئك الذين ساعدوه على انتشار دعوته جماعة من فصيلته أبناء الفرس الذين تظاهروا بالإسلام، إلا أن قلوبهم كانت تنطوي على بعض العقائد المجوسية والوثنية تلك التي كانت لآبائهم وأجدادهم، ويشرح البغدادي صلة هذا المذهبي الباطني بالمجوسية فيقول: «ذكر أصحاب التواريخ أن الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم، ولم يخسروا على إظهاره خوفا من سيوف المسلمين، فوضع الأعمار منهم أسسا من قبلها منهم صار في الباطن إلى تفضيل أديان المجوس، وتأولوا آيات القرآن وسنن النبي ﵇ على موافقة أسسهم» (٣)
стр. 280
وأيضا يبين الغزالي أن الباطنية أخذوا عقائدهم وتعاليمهم من المجوس تارة ومن الفلاسفة تارة أخرى فيقول: (فنرى أن نشتغل بالرد عليهم فيما اتفقت كلمتهم عليه - وهو إبطال الرأي، والدعوة إلى التعليم من الإمام المعصوم - فهذه عمدة معتقدهم وزبدة مخضهم (١)، فلنصرف العناية إليه، وما عداه فمنقسم إلى هذيان ظاهر البطلان، وإلى كفر مسترق من الثنوية (٢) والمجوس في القول بالإلهين، مع تبديل عبارة: (النور والظلمة) بالسابق والتالي، إلى ضلال منتزع من كلام الفلاسفة في قولهم: إن المبدأ الأول علة لوجود العقل على سبيل اللزوم عنه، لا على سبيل القصد والاختيار (٣) .. إلى أن قال: «فصار أكثر مذهبهم موافقا للثنوية والفلاسفة في الباطن، وللروافض والشيعة في الظاهر، وغرضهم بهذه التأويلات انتزاع المعتقدات الظاهرة من نفوس الخلق») (٤).
ويحدثنا ابن الجوزي حديثا مفصلا عن السبب الذي حمل هؤلاء الباطنية علي الدخول في هذه البدعة فيقول: (اعلم أن القوم أرادوا الانسلال من الدين، فشاوروا جماعة من المجوس والمزدكية (٥)، والثنوية واحدة الفلاسفة.
стр. 281
في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين عليهم، حتى أخرسوهم عن النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع، وتكذيب الرسل، وجحد البعث، وزعمهم أن الأنبياء ممخرقون ومنمسون (١)، ورأوا أمر محمد ﷺ قد استطار في الأقطار، وأنهم قد عجزوا عن مقاومته، فقالوا: سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم، أركم عقلا، وأسخفهم رأيا (٢)، وأقبلهم للمحالات، والتصديق بالأكاذيب، وهم الروافض، فنتحصن بالانتساب إليهم، ونتودد إليهم بالحزن على ماجرى على آل محمد من الظلم والذل، ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة، فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا، فأمكن استدراجهم إلى الانخلاع من الدين، فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن، وأن المنخدع بظواهرها أحمق، وإنما الفطنة في اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا، ونزعم أنها المراد بظواهرها عندكم، فإذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج باقي الفرق) (٣).
وأخيرا يلخص لنا الغزالي مذهب الباطنية بصورة إجمالية، فيقول:
«أما الجملة فهو أنه مذهب ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم، وعزل العقول عن أن تكون مدركة للحق، لما يعتريها من الشبهات، ويتطرق إلى النظار من الاختلافات، وإيجاب لطلب الحق بطريق التعليم والتعلم، وحكم بأن المعلم المعصوم هو المستبصر، وأنه مطلع من جهة الله على جميع أسرار الشرائع، يهدي إلى الحق ويكشف عن المشكلات، وأن كل زمان ولا بد فيه من إمام معصوم، يرجع
стр. 282
إليه فيما يستبهم من أمور الدين، هذا مبدأ دعوتهم، ثم إنهم - بالآخرة - يظهرون ما يناقض الشرع، وكأنه غاية مقصدهم، لأن سبيل دعوتهم ليس يمتعنين في فن واحد، بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه، بعد أن يظفروا منهم بالانقياد لهم والموالاة الإمامهم، فيوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة معتقداتهم، ويقرونهم عليها، فهذه جملة المذهب» (١).
هذا - وقد استفحل أمر الباطنية، واشتد خطرهم على الدولة العباسية، في فترات متلاحقة من الزمن، ففي أيام الخليفة المعتصم العباسي ظهرت طائفة من الباطنية تدعى بالبابكية أو الخرمية (٢) ومذهب هؤلاء يتلخص في طي بساط التكليف، وحط أعباء الشرع عن المتعبدين، وتسليط الناس على اتباع اللذات وطلب الشهوات، وقضاء الوطر من المباحات والمحرمات (٣)، وكان زعيم هذه الطائفة هو بابك الخرمي، ظهر في بعض الجبال بناحية أزربيجان سنة ٢٠١ هـ وتبعه خلق كثيرون، واستفحل أمر هؤلاء واستباحوا المحظورات، وخرجوا على الخليفة العباسي، فأرسل الخليفة جيشا لقتالهم، واستمرت الحرب بين الفريقين عشرين سنة، وفي النهاية استطاع الأفشين قائد المعتصم أن يهزم بابك الخرمي، وأن يسيره هو وأخاه مكبلين بالحديد إلى الخليفة العباسي، فأمر بقتلهما وصلبهما في (سر من رأى) سنة ٢٢٣ هـ.
وبعد ذلك ظهر من طوائف الباطنية القرامطة، وهؤلاء القرامطة ينتسبون إلى رجل يقال له: (حمدان قرمط) لقب بذلك لقرمطة في خطه أو في خطوه (٤)، وقد تلقى هذا الرجل الدعوة الباطنية على يد داع من دعاتها،
стр. 283
وعاهده الداعي علي كتم السر، فالتزم حمدان عهده، واندفع الداعي في تعليمه فنون جهله حتى استغواه واستجاب له في جميع ما دعاه، ثم انتدب حمدان للدعوة، وصار أصلا من أصول هذه البدعة، فسمى أتباعه بالقرامطة (١).
وقد تغلب القرامطة على ناحية البحرين سنة ٢٨٦ هـ بزعامة رجل منهم شديد البأس اسمه أبو سعيد الجنابي كان من أتباع حمدان، وقد قوي أمره آنذاك، وقتل ما لا يحصى من المسلمين، وخرب المساجد، وأحرق المصاحف، وفتك بالحجاج (٢)، ولما مات خلفه ابنه أبو طاهر، ففعل مثلما فعل أبوه، وهجم على الكعبة، فأخذ ما فيها من الذخائر، وقلع الحجر الأسود، فحمله إلى بلده، وأوهم الناس أنه الله (٣).
وهناك رواية أخرى تقول إن الذي سرق الحجر الأسود رجل من القرامطة يقال له: سليمان بن الحسن، فقد دخل مكة سنة ٣١٧ هـ وقتل من وجده في الطواف، واقتلع الحجر وحمله إلى البحرين، ثم رد منها إلى الكوفة، ورد بعد ذلك من الكوفة إلى مكة على يد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي النيسابوري في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة (٤).
ولا ندري هل وقعت هذه الحادثة المشئومة مرتين، أم أنه حدث اضطراب في أحد المصدرين، أم أن الشخصين تعاونا معا على ارتكاب تلك الجريمة النكراء؟
وفي أواخر القرن الثالث الهجري ظهر رجل من الباطنية بناحية القيروان
стр. 284
اسمه عبيد الله بن الحسين الملقب بالمهدي، وخدع قوما من كتامة، وقوما من المصامدة، وشرذمة من البربر بحيل أظهرها لهم، وظن الأغمار أنها معجزة له، فتبعوه لأجلها ووافقوه على بدعته، فاستولى بهم على بلاد المغرب (١)، وأسس الدولة الفاطمية أو العبيدية في بلاد المغرب ثم لم تلبث هذه الدولة أن انتقلت إلى مصر سنة ٣٦٢ هـ على يد أحد أحفاده وهو المعز لدين الله الفاطمي الذي أنشأ مدينة القاهرة، وبنى الجامع الأزهر، وظلت هذه الدولة قائمة في مصر حتي قضى عليها صلاح الدين الأيوبي في أواخر القرن السادس الهجري.
ومن الباطنية الذين كان لهم دور خطير في تاريخ الإسلام والمسلمين جماعة اشتهرت بالاغتيالات الفردية، وزعيم هذه الجماعة هو الحسن بن الصباح الذي تلقى تعاليم الباطنية في مدينة الري بفارس، ثم رحل إلى مصر في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر سنة ٤٧١ هـ للتفقه في هذا المذهب، وبعد أن أقام في مصر نحو عام ونصف العام عاد إلى فارس ليبث الدعوة فيها، وتسلل في عام ٤٨٣ هـ إلى قلعة حصينة بناحية قزوين تسمى قلعة (الموت)، واستولى عليها، وكان له فيها أتباع عديدون، واتخذ من تلك القلعة معقلا له، وقام هو وأتباعه بعدة غارات على الأماكن المجاورة، واستولى مباغة على الحصون الموجودة فيها، وبنى حصونا جديدة، ويقال إنه أنشأ هناك حدائق غناء كان الفدائيون من أتباعه يتمتعون فيها بالملاذ التي يتوقعون التنعم بها في الفردوس، ولكن الأرجح - كما في دائرة المعارف الإسلامية - أن جنتهم تلك كانت محض خيال يصوره لهم الحشيش الذي كانوا يدخنونه (٢).
وقد عمرت دولة ابن الصباح طويلا في بلاد فارس، ولم يستطع أحد من
стр. 285
سلاطين المسلمين القضاء عليها، ولكن شاءت إرادة الله أن تسقط هذه الدولة الباطنية على يد (هولاكو) المغولي سنة ٦٥٤ هـ قبل أن يتوجه لتخريب (بغداد)، وذلك في أثناء الزحف المغولي على بلاد المشرق الإسلامي.
وهكذا كان للباطنة دور خطير في العالم الإسلامي من الناحيتين الفكرية والسياسية على السواء، ولقد قام الخلفاء العباسيون وولاتهم بمطاردة هؤلاء الباطنية، ومكافحة خطرهم عن طريق القوة العسكرية كما بينا، أما علماء الإسلام فقد تصدروا مشكورين - لمقاومة هذا المذهب الباطني الشاذ بالردود العلمية، وألفوا الكثير من الكتب لبيان فضائح الباطنية وضلالاتهم وعقائدهم الفاسدة، ومن هؤلاء صدر الإسلام الإمام عبد القاهر البغدادي المتوفى سنة ٤٢٩ هـ فقد خصص فصلا من فصول كتابه: (الفرق بين الفرق) لذكر الباطنية وبيان خروجهم عن جميع فرق الإسلام، ومنهم كذلك حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ فقد ألف كتابا في الرد على الباطنية أسماه: (فضائح الباطنية) وهكذا.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن الباطنية لهم ألقاب كثيرة ذكرها الغزالي في كتابه: (فضائح الباطنية)، وأشهر هذه الألقاب ثلاثة: الإسماعيلية، والسبعية، والتعليمية.
أما اللقب الأول - وهو الإسماعيلية - فقد لقبوا بذلك لقولهم بثبوت الإمامة لإسماعيل بن جعفر الصادق، بالنص عليه من أبيه جعفر، وفائدة النص عليه عندهم وإن كان قد مات قبل أبيه، إنما هو بقاء الإمامة في عقبه، كقصة هارون مع موسى صلوات الله عليهما، قالوا: ثم انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى ابنه محمد المكتوم السابع التام، وقد تم دور الأئمة السبعة به، ثم ابتدئ منه بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد سرا، ويظهرون الدعاة جهرا، فالامام عندهم قد لا يكون له شوكة فيستتر،