في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين عليهم، حتى أخرسوهم عن النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع، وتكذيب الرسل، وجحد البعث، وزعمهم أن الأنبياء ممخرقون ومنمسون (١)، ورأوا أمر محمد ﷺ قد استطار في الأقطار، وأنهم قد عجزوا عن مقاومته، فقالوا: سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم، أركم عقلا، وأسخفهم رأيا (٢)، وأقبلهم للمحالات، والتصديق بالأكاذيب، وهم الروافض، فنتحصن بالانتساب إليهم، ونتودد إليهم بالحزن على ماجرى على آل محمد من الظلم والذل، ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة، فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا، فأمكن استدراجهم إلى الانخلاع من الدين، فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن، وأن المنخدع بظواهرها أحمق، وإنما الفطنة في اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا، ونزعم أنها المراد بظواهرها عندكم، فإذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج باقي الفرق) (٣).
وأخيرا يلخص لنا الغزالي مذهب الباطنية بصورة إجمالية، فيقول:
«أما الجملة فهو أنه مذهب ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم، وعزل العقول عن أن تكون مدركة للحق، لما يعتريها من الشبهات، ويتطرق إلى النظار من الاختلافات، وإيجاب لطلب الحق بطريق التعليم والتعلم، وحكم بأن المعلم المعصوم هو المستبصر، وأنه مطلع من جهة الله على جميع أسرار الشرائع، يهدي إلى الحق ويكشف عن المشكلات، وأن كل زمان ولا بد فيه من إمام معصوم، يرجع
стр. 282
إليه فيما يستبهم من أمور الدين، هذا مبدأ دعوتهم، ثم إنهم - بالآخرة - يظهرون ما يناقض الشرع، وكأنه غاية مقصدهم، لأن سبيل دعوتهم ليس يمتعنين في فن واحد، بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه، بعد أن يظفروا منهم بالانقياد لهم والموالاة الإمامهم، فيوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة معتقداتهم، ويقرونهم عليها، فهذه جملة المذهب» (١).
هذا - وقد استفحل أمر الباطنية، واشتد خطرهم على الدولة العباسية، في فترات متلاحقة من الزمن، ففي أيام الخليفة المعتصم العباسي ظهرت طائفة من الباطنية تدعى بالبابكية أو الخرمية (٢) ومذهب هؤلاء يتلخص في طي بساط التكليف، وحط أعباء الشرع عن المتعبدين، وتسليط الناس على اتباع اللذات وطلب الشهوات، وقضاء الوطر من المباحات والمحرمات (٣)، وكان زعيم هذه الطائفة هو بابك الخرمي، ظهر في بعض الجبال بناحية أزربيجان سنة ٢٠١ هـ وتبعه خلق كثيرون، واستفحل أمر هؤلاء واستباحوا المحظورات، وخرجوا على الخليفة العباسي، فأرسل الخليفة جيشا لقتالهم، واستمرت الحرب بين الفريقين عشرين سنة، وفي النهاية استطاع الأفشين قائد المعتصم أن يهزم بابك الخرمي، وأن يسيره هو وأخاه مكبلين بالحديد إلى الخليفة العباسي، فأمر بقتلهما وصلبهما في (سر من رأى) سنة ٢٢٣ هـ.
وبعد ذلك ظهر من طوائف الباطنية القرامطة، وهؤلاء القرامطة ينتسبون إلى رجل يقال له: (حمدان قرمط) لقب بذلك لقرمطة في خطه أو في خطوه (٤)، وقد تلقى هذا الرجل الدعوة الباطنية على يد داع من دعاتها،
стр. 283
وعاهده الداعي علي كتم السر، فالتزم حمدان عهده، واندفع الداعي في تعليمه فنون جهله حتى استغواه واستجاب له في جميع ما دعاه، ثم انتدب حمدان للدعوة، وصار أصلا من أصول هذه البدعة، فسمى أتباعه بالقرامطة (١).
وقد تغلب القرامطة على ناحية البحرين سنة ٢٨٦ هـ بزعامة رجل منهم شديد البأس اسمه أبو سعيد الجنابي كان من أتباع حمدان، وقد قوي أمره آنذاك، وقتل ما لا يحصى من المسلمين، وخرب المساجد، وأحرق المصاحف، وفتك بالحجاج (٢)، ولما مات خلفه ابنه أبو طاهر، ففعل مثلما فعل أبوه، وهجم على الكعبة، فأخذ ما فيها من الذخائر، وقلع الحجر الأسود، فحمله إلى بلده، وأوهم الناس أنه الله (٣).
وهناك رواية أخرى تقول إن الذي سرق الحجر الأسود رجل من القرامطة يقال له: سليمان بن الحسن، فقد دخل مكة سنة ٣١٧ هـ وقتل من وجده في الطواف، واقتلع الحجر وحمله إلى البحرين، ثم رد منها إلى الكوفة، ورد بعد ذلك من الكوفة إلى مكة على يد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي النيسابوري في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة (٤).
ولا ندري هل وقعت هذه الحادثة المشئومة مرتين، أم أنه حدث اضطراب في أحد المصدرين، أم أن الشخصين تعاونا معا على ارتكاب تلك الجريمة النكراء؟
وفي أواخر القرن الثالث الهجري ظهر رجل من الباطنية بناحية القيروان
стр. 284
اسمه عبيد الله بن الحسين الملقب بالمهدي، وخدع قوما من كتامة، وقوما من المصامدة، وشرذمة من البربر بحيل أظهرها لهم، وظن الأغمار أنها معجزة له، فتبعوه لأجلها ووافقوه على بدعته، فاستولى بهم على بلاد المغرب (١)، وأسس الدولة الفاطمية أو العبيدية في بلاد المغرب ثم لم تلبث هذه الدولة أن انتقلت إلى مصر سنة ٣٦٢ هـ على يد أحد أحفاده وهو المعز لدين الله الفاطمي الذي أنشأ مدينة القاهرة، وبنى الجامع الأزهر، وظلت هذه الدولة قائمة في مصر حتي قضى عليها صلاح الدين الأيوبي في أواخر القرن السادس الهجري.
ومن الباطنية الذين كان لهم دور خطير في تاريخ الإسلام والمسلمين جماعة اشتهرت بالاغتيالات الفردية، وزعيم هذه الجماعة هو الحسن بن الصباح الذي تلقى تعاليم الباطنية في مدينة الري بفارس، ثم رحل إلى مصر في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر سنة ٤٧١ هـ للتفقه في هذا المذهب، وبعد أن أقام في مصر نحو عام ونصف العام عاد إلى فارس ليبث الدعوة فيها، وتسلل في عام ٤٨٣ هـ إلى قلعة حصينة بناحية قزوين تسمى قلعة (الموت)، واستولى عليها، وكان له فيها أتباع عديدون، واتخذ من تلك القلعة معقلا له، وقام هو وأتباعه بعدة غارات على الأماكن المجاورة، واستولى مباغة على الحصون الموجودة فيها، وبنى حصونا جديدة، ويقال إنه أنشأ هناك حدائق غناء كان الفدائيون من أتباعه يتمتعون فيها بالملاذ التي يتوقعون التنعم بها في الفردوس، ولكن الأرجح - كما في دائرة المعارف الإسلامية - أن جنتهم تلك كانت محض خيال يصوره لهم الحشيش الذي كانوا يدخنونه (٢).
وقد عمرت دولة ابن الصباح طويلا في بلاد فارس، ولم يستطع أحد من
стр. 285
سلاطين المسلمين القضاء عليها، ولكن شاءت إرادة الله أن تسقط هذه الدولة الباطنية على يد (هولاكو) المغولي سنة ٦٥٤ هـ قبل أن يتوجه لتخريب (بغداد)، وذلك في أثناء الزحف المغولي على بلاد المشرق الإسلامي.
وهكذا كان للباطنة دور خطير في العالم الإسلامي من الناحيتين الفكرية والسياسية على السواء، ولقد قام الخلفاء العباسيون وولاتهم بمطاردة هؤلاء الباطنية، ومكافحة خطرهم عن طريق القوة العسكرية كما بينا، أما علماء الإسلام فقد تصدروا مشكورين - لمقاومة هذا المذهب الباطني الشاذ بالردود العلمية، وألفوا الكثير من الكتب لبيان فضائح الباطنية وضلالاتهم وعقائدهم الفاسدة، ومن هؤلاء صدر الإسلام الإمام عبد القاهر البغدادي المتوفى سنة ٤٢٩ هـ فقد خصص فصلا من فصول كتابه: (الفرق بين الفرق) لذكر الباطنية وبيان خروجهم عن جميع فرق الإسلام، ومنهم كذلك حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ فقد ألف كتابا في الرد على الباطنية أسماه: (فضائح الباطنية) وهكذا.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن الباطنية لهم ألقاب كثيرة ذكرها الغزالي في كتابه: (فضائح الباطنية)، وأشهر هذه الألقاب ثلاثة: الإسماعيلية، والسبعية، والتعليمية.
أما اللقب الأول - وهو الإسماعيلية - فقد لقبوا بذلك لقولهم بثبوت الإمامة لإسماعيل بن جعفر الصادق، بالنص عليه من أبيه جعفر، وفائدة النص عليه عندهم وإن كان قد مات قبل أبيه، إنما هو بقاء الإمامة في عقبه، كقصة هارون مع موسى صلوات الله عليهما، قالوا: ثم انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى ابنه محمد المكتوم السابع التام، وقد تم دور الأئمة السبعة به، ثم ابتدئ منه بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد سرا، ويظهرون الدعاة جهرا، فالامام عندهم قد لا يكون له شوكة فيستتر،
стр. 286
وتسكون دعاته ظاهرين، إقامة للحجة على الخلق، وإذا كانت له شوكة ظهر وأظهر دعوته (١).
وأما اللقب الثاني وهو السبعية فانما لقبوا بذلك لأمرين:
أحدهما اعتقادهم أن دور الإمامة سبعة علي ما بينا، وأن الانتهاء إلى السابع هو آخر الأدوار، وهو المراد بالقيامة، وأن تعاقب هذه الأدوار لا آخر له، والثاني لقولهم أن تدبير العالم السفلي منوط بالكواكب السبعة: زحل ثم المشتري ثم المريخ ثم الزهرة ثم الشمس ثم عطارد ثم القمر (٢).
وأما اللقب الثالث وهو التعليمية فقد لقبوا بذلك لأن مبدأ مذهبهم.
إبطال الرأي، وإفساد تصرف العقول، ودعاء الخلق إلى التعليم من الإمام المعصوم، وأنه لا تدرك العلوم إلا بالتعليم (٣).
هذا - ومن جملة هذه العلوم التي زعموا أنهم أخذوها عن الإمام المعصوم تلك التأويلات الباطنية التي سنتعرض لها الآن، والله المستعان
стр. 287
اعتماد الباطنية على التأويل الباطني أو التفسير الرمزي
الباطنية - بالنسبة للتأويل الباطني - فريقان: الفريق الأول: يذهبون إلى إبطال ظواهر النصوص، ويقولون: إنه لا عبرة بهذه الظواهر، ولا تعويل عليها، ويعتمدون اعتمادا كليا على المعاني الباطنية، والرموز الخفية التي تضمنتها ظواهر المشريعة في زعمهم، وهؤلاء هم غلاة الباطنية الذين يطرحون الظاهر، ويعتقدون الباطن، وهم الذين عناهم ابن الجوزي بقوله: «الباطنية سموا بذلك لأنهم يدعون أن لظواهر القرآن والأحاديث بواطن، تجري من الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورتها توهم الجهال صورا جلية، وهي عند العقلاء - ويريدون أنفسهم - رموز وإشارات إلى حقائق خفية، وأن من تقاعد عقله عن الغوص على الخفايا والأسرار، والبواطن والأغوار (١)، وقنع بظواهرها كان تحت الأغلال التي هي تكليفات الشرع، ومن ارتقى إلى علم الباطن انحط عنه التكليف، واستراح من أعبائه، قالوا: وهم المرادون بقوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (٢)، ومرادهم أن ينزعوا من العقائد موجب الظواهر، ليقدروا - بالتحكم بدعوى الباطن - على إبطال الشرائع» (٣).
والفريق الثاني: وهم جماعة من الأذكياء منهم - لا يرون إبطال ظواهر
стр. 288
الشريعة بالكلية، ويأنفون من مقالة الفريق الأول، ويقولون: إن ظواهر الشريعة معمول بها في ظاهرها، ولها أيضا بواطن هي سرها ولبابها، فيعملون بزعمهم على الظواهر والبواطن جميعا (١).
وكلا الفريقين يقول: إن هذه المعاني الباطنية لا تؤخذ بالأقيسة وبالاستنباط والاجتهاد، وإنما تؤخذ من أفواه الأئمة المعصومين من آل البيت رضوان الله عليهم، ويبدو أنه لا يوجد فرق واضح بين الفريقين لأن القول بالباطن قدر مشترك بينهما، وأن المقالة التي أعلنها الفريق الثاني إنما كانت منهم على سبيل التقية أو التستر على ما تنطوي عليه نفوسهم من عقيدة فاسدة، ومذهب باطل، وسنزيد هذا الأمر وضوحا عما قريب إن شاء الله تعالى.
هذا - وقد حاول الباطنية في سبيل الانتصار لمذهبهم في التأويل الباطني والتفسير الرمزي أن يستدلوا على صحة ذلك بآيات من القرآن الكريم، إلا أن هذه الآيات لا دلالة فيها على ما يدعون، فمثلا يستدلون بالآيات التي تذكر فيها الحكمة مثل قوله تعالى: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (٢) وقوله جل شأنه: ﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة﴾ (٣)، وقوله سبحانه: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ (٤)، فيقولون: إن المراد بالحكمة في هذه الآيات هو باطن الكتاب وتأويله، وهو أحد جزئي الكتاب، والجزء الثاني ظاهر الكتاب وهو تنزيله، فباطنه التأويل، وظاهره التنزيل (٥).
ونحن نرى أن هذا الاستدلال غير سديد، بل هو ضرب من التخبط،
стр. 289
وفن من الضلال، لأن المراد بالكتاب هنا هو هذا القرآن المنزل من السماء، أما الحكمة فيختلف معناها باختلاف مواقعها، ففي قوله تعالى: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ وفي قوله: ﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة﴾، يراد بالحكمة السنة، وفي قوله ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ يراد بالحكمة العلم والعمل، فالحكيم عند الله هو العالم العامل بما علمه، وعلى ذلك فإن استدلال الباطنية بهذه الآيات على صحة القول بالباطن فاسد حيث إن كلامهم في واد، والآيات القرآنية التي يستدلون بها في واد آخر.
وأيضا يستدل الباطنية على نصرة الباطن بدليل آخر، وهو أن هناك في القرآن ما لا يمكن حمله بزعمهم على ظاهره، وإذا لم يمكن حمله على الظاهر تعين أن يكون المراد به الباطن، وضربوا لذلك بعض الأمثلة منها قوله تعالى: ﴿في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون﴾ (١) فقد قالوا: إن الله أخبر عن القرآن بأنه لا يمسه إلا المطهرون، وهذا الخبر إذا حمل على ظاهره تطرق الكذب إليه، لأنه ليس من المتعذر على من ليس بطاهر أن يمس الكتاب، وخبر الله يجب أن يكون صادقا، وإذن فلابد من القول بالباطن، وهنا يسبحون في خضم التأويلات الفاسدة، والهذيانات المضحكة.
وقد رد عليهم أحد العلماء الأجلاء، وأبطل استدلالهم بهذه الآية فقال: ليس يخلو حال الجملة الفعلية في قوله. ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ من أن تكون صفة للكتاب أو صفة للقرآن (٢)، فإن كانت صفة للكتاب فالمراد به اللوح المحفوظ، وهو لا يحتاج إلى تأويل، فإنه لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة، وإن كانت صفة للقرآن فالغرض منه أنه نفى في معنى النهي، كأنه قال: إنه لقرآن كريم فانتهوا عن مسه، وبعد هذا فلا شك ولا ريب، وهذا
стр. 290
بحث يليق بمقاصد الإعراب، ومما يؤكد الأضحوكة على مذهبهم أن يقال: إذا كان لا محيص لكل طاهر عن باطن، فلعل باطن قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ أحد أمرين:
إما لا يكشف أستار الباطنية إلا المتكلمون، وإما لا يطلع على إلحاد الإسماعيلية إلا الموحدون (١).
ومن الآيات التي يتعلقون بها في هذا المجال كذلك قوله تعالي - في صفة البيت الحرام -: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا﴾ (٢) فقد قالوا: إن حمل الآية على ظاهرها غير ممكن، لأنا نعلم أن البيت يدخله الآمن، كما يدخله الخائف، وخبر الله لا بد أن يكون صادقا لا كذب فيه، ومن أجل ذلك تعين في هذه الآية التأويل، وأن يراد بها الباطن.
إلا أننا يمكننا أن نرد عليهم بأن ظاهر هذه الآية مراد، ولا استحالة فيه، غاية ما في الأمر أن الخبر هنا بمعنى الأمر، ومعناه: ليأ من كل من دخله، ومخالفة الأمر لا كذب فيه، لأن الإنشاء يخالف الخبر، وعلي ذلك فليس في هذه الآية دليل لهم على ما يزعمون.
إذن نستطيع أن نقول: إن التأويل الباطني الذي اعتمد عليه الباطنية لا سند له في كتاب الله تعالى، بل ولا في سنة رسوله ﷺ ، وقد قدمنا أن هؤلاء الباطنية الذين سلكوا هذا المسلك الشاذ إنما ظهرت حركتهم بصورة منظمة في أيام العباسيين، بيد أنه يمكننا أن نرجع بداية التأويل الباطني إلى غلاة الشيعة الذين ظهروا في أيام الدولة الأموية ومن هؤلاء طائفة السبئية، وهم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي زعم بعد مقتل علي - كرم الله وجهه - أنه حي لم يمت، وأنه صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى ابن مريم ﵇، وأنه سينزل إلى الدنيا ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وقد زعم بعض السبئية أن عليا في السحاب، وأن الرعد صوته، والبرق سوطه،
стр. 291
ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين (١)، وفي ذلك يقول أحد الشعراء:
برئت من الخوارج لست منهم … من الغزال منهم وابن باب
ومن قوم إذا ذكروا عليا … يردون للسلام على السحاب
ولكني أحب بكل قلبي … وأعلم أن ذاك من الصواب
رسول الله والصديق حبا … به أرجو غدا حسن المآب
ومما لا شك فيه أن السبئية أرادوا بهذه التأويلات المنحرفة إفساد عقائد المسلمين، كما أفسدت من قبل عقائد النصارى، وفي ذلك يقول البغدادي: قال المحققون من أهل السنة إن ابن السوداء يعني ابن سبأ كان على هوي دين اليهود، وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في على وأولاده، لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصاري في عيسى ﵇ (٢).
ومن غلاة الشيعة كذلك الذين كان لهم دور بارز في التأويل الباطني طائفة الكيسانية، وهم أصحاب (كيسان) مولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فقد قالوا: إن الدين طاعة رجل، حتى حملهم ذلك على تأويل الأركان الشرعية من الصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك على رجال، فحمل ذلك بعضهم على ترك القضايا الشرعية بعد الوصول إلى طاعة الرجل (٣).
ومن هؤلاء الغلاة أيضا الذين أسهموا في مجال التأويل الباطني
стр. 292
طائفة المنصورية أتباع (أبي منصور العجلي) الذي صلب في أيام هشام بن عبد الملك وكان يزعم أن الإمامة انتقلت إليه بعد وفاة الإمام محمد الباقر، ومن تأويلاته الفاسدة قوله: إن الجنة رجل أمرنا بموالاته، وهو إمام الوقت، وإن النار رجل أمرنا بمعاداته، وهو خصم الإمام، وإن المحرمات كلها أسماء رجال أمرنا الله تعالى بمعاداتهم، وإن الفرائض أسماء رجال أمرنا بموالاتهم، وغرض هذه الطائفة من تأويل الفرائض والمحرمات بأسماء رجال هو إسقاط التكليف وأن من ظفر بالإمام وعرفه فقد سقط عنه التكليف، وارتفع الخطاب، إذ قد وصل إلى الجنة وبلغ الكمال (١).
وممن وضعوا بذور التأويل الباطني كذلك طائفة الجناحية، وهم أتباع (عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب) الذي خرج على الأمويين في عهد آخر خلفائهم مروان بن محمد، فقد تأولوا قول الله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا﴾ (٢) الآية على أن من وصل إلى الإمام وعرفه ارتفع عنه الحرج في جميع ما يطعم، ووصل إلى الكمال (٣).
وهذه الطائفة استحلت كل ما حرم الله، وأسقطت التكاليف الشرعية، وفي ذلك يقول البغدادي: «كفرت هذه الطائفة بالجنة والنار، واستحلوا الخمر والميتة والزنى واللواط وسائر المحرمات، وأسقطوا وجوب العبادات، وتأولوا العبادات على أنها كنايات عمن تجب موالاتهم من أهل بيت علي، وقالوا في المحرمات المذكورة في القرآن: إنها كنايات عن قوم يجب بغضهم كأبي بكر وعمر وطلحة والزبير وعائشة» (٤).
стр. 293
هؤلاء هم غلاة الشيعة القدامى الذين ظهروا أيام الدولة الأموية، ووضعوا بذور التأويل الباطني والتفسير الرمزي، ولا شك أن الباطنية الذين ظهروا أيام العباسيين قد سلكوا سبيلهم، وساروا على نهجهم، إلا أنهم توسعوا كثيرا في هذا المضمار، وبالغوا مبالغة شديدة في تأويل النصوص، حتى ارتبط اسمهم - في تاريخ الفكر الإسلامي - بهذه التأويلات الفاسدة التي تروى عنهم، والتي ليس لها سند من اللغة ولا من الدين.
هل الباطنية يؤمنون بالظاهر؟
سبق أن ذكرنا أن الباطنية فريقان: الفريق الأول يهملون الظواهر، وينكرون الشرائع، ويسقطون التكاليف، ويقولون: إن ظواهر القرآن والسنة لا يراد منها الحقيقة، بل هذه الظواهر رموز إلى أسرار باطنية، وحقائق خفية، فهم لا يعولون إلا على هذه الرموز التي يزعمون أنهم أخذوها من أفواه الأئمة المعصومين من آل البيت رضوان الله عليهم.
والفريق الثاني - وهم أخف وطأة من السابقين - يقولون: إنهم يعتمدون على الظاهر والباطن معا، ويتحرجون من مقالة الفريق الأول، إلا أن اهتمامهم بالبواطن أشد، وعنايتهم بالرموز أعظم.
بيد أننا نرى أنه لا يكاد يوجد فرق واضح بين الفريقين في هذا المجال، لأن الظاهر الذي يعتمد عليه الفريق الثاني هو ما يكون موافقا لمذهب الروافض من الشيعة، لا ما يكون موافقا للمذاهب المجمع عليها من المسلمين، ومن ثم فإنهم ينكرون الظاهر الذي أجمع عليه المسلمون، فآل الأمر عندهم إلى إهمال الظاهر والقول بالباطن، شأنهم في ذلك شان الفريق الأول الذي ذهب إلى التعويل على الباطن دون الظاهر، وكل ما في الأمر أن الفريق الأول من الباطنية جماعة من الأغبياء بخلاف الفريق الثاني فإنهم جماعة من الأذكياء.
وقد صور لنا الغزالي عقيدة الباطنية بوجه عام فيما يتعلق بالظواهر والبواطن فقال ﵀: «والمنقول عنهم الإباحة المطلقة ورفع الحجاب
стр. 294
واستباحة المحظورات واستحلالها، وإنكار الشرائع، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم، وإنما الذي يصح من معتقدهم فيه أنهم يقولون: لا بد من الانقياد للشرع في تكاليفه، على التفصيل الذي يفصله الإمام، من غير متابعة للشافعي وأبي حنيفة وغيرهما، وإن ذلك واجب على الخلق والمستجيبين، إلى أن ينالوا رتبة الكمال في العلوم، فإذا أحاطوا من جهة الإمام بحقائق الأمور، واطلعوا على بواطن هذه الظواهر انحلت عنهم هذه القيود، وانحطت عنهم التكاليف العملية، فإن المقصود من أعمال الجوارح تنبيه القلب لينهض لطلب العلم، فإذا ناله استعد للسعادة القصوى، فيسقط عنه تكاليف الجوارح، وإنما تكليف الجوارح في حق من يجري بجهله مجرى الحمر التي لا يمكن رياضتها إلا بالأعمال الشاقة، وأما الأذكياء والمدركون للحقائق فدرجتهم أرفع من ذلك، وهذا فن من الإغواء شديد على الأذكياء، وغرضهم هدم قوانين الشرع» (١).
ونحن نرى أن الإمام الغزالي الذي حكم على الباطنية بهذا الحكم صادق في قوله، وعادل في حكمه، لأنه - وإن كان خصما من خصوم الباطنية، والذي دعاه إلى تأليف كتابه (فضائح الباطنية) هو ما رآه في عصره من استفحال أمر الباطنية، وبث دعاة الإسماعيلية من قبل الدولة الفاطمية في مصر للدعوة للخليفة الفاطمي (المستنصر بالله) ضد الخليفة العباس (المستظهر بالله) (٢). أقول إن الغزالي - على الرغم من ذلك - راعي الدقة في تصوير مذهب الباطنية، حيث استمد معلوماته عنهم من أناس كثيرين كانوا قد استجابوا لهم، وانخدعوا بهم، ثم تابوا إلى الله، ورجعوا عن غوايتهم، ويحدثنا الغزالي عن ذلك فيقول: "فإن قيل: ما جلبتموه من العظائم لا يتصور أن
стр. 295
يخفى على عاقل، وقد رأينا خلقا كثيرا، وجما غفيرا من الناس يتابعونهم في معتقدهم، وتابعوهم في دينهم، فلعلكم ظلمتموهم بنقل هذه المذاهب عنهم في خلاف ما يعتقدونه، وهذا هو القريب الممكن، فإنهم لو أظهروا هذه الأسرار نفرت القلوب عنهم، واطلعت النفوس على مكرهم، وما باحوا بها إلا بعد العهود والمواثيق، وصانوها إلا عن موافق لهم في الاعتقاد، فمن أين وقع لكم الاطلاع عليها، وهم يسترون ديانتهم، ويستبطنون بعقائدهم؟
قلت: «أما الاطلاع على ذلك فانما عثرنا عليه من جهة خلق كثير، تدينوا بدينهم، واستجابوا لدعوتهم، ثم تنبهوا لضلالهم، فرجعوا عن غوايتهم إلى الحق المبين، فذكروا ما ألقوا إليهم من الأقاويل، وأما سبب انقياد الخلق إليهم في بعض أقطار الأرض فإنهم لايفشون هذا الأمر إلا إلى بعض المستجيبين لهم، ويوصون الداعي ويقولون له: إياك أن تسلك بالجميع مسلكا واحدا، فليس كل من يحتمل هذه المذاهب يحتمل الخلع والسلخ (١)، ولا كان من يحتمل الخلع يحتمل السلخ، فليخاطب الداعي الناس على قدر عقولهم، فهذا هو السبب في تعلق هذه الحيل ورواجها» (٢).
أجل إن الغزالي صادق في قوله، وعادل في حكمه، ومما يؤيد ذلك أنني وقعت على كتابين في معتقدات الفاطميين وتأويلاتهم هما (دعائم الإسلام)، و (تأويل الدعائم) ومؤلفهما هو القاضي النعمان بن محمد التميمي المتوفى سنة
стр. 296
٣٦٣ هـ، وقد عاش هذا الرجل قبل الغزالي بأكثر من قرن من الزمان، وكان داعية من أكبر دعاة الفاطميين، حيث خدم المهدي بالله مؤسس الدولة الفاطمية، ثم ولي قضاء طرابلس في عهد القائم بأمر الله الخليفة الثاني للفاطميين، وفي عهد الخليفة الثالث المنصور بالله عين قاضيا للمنصورية، ووصل إلى أعلى المراتب في عهد المعز لدين الله الخليفة الفاطمي الرابع، إذ رفعه إلى مرتبة قاضي القضاة وداعي الدعاة (١).
كما يقول رواة الفاطميين: إن هذا القاضي لم يؤلف شيئا دون الرجوع إلى أئمة عصره، ويعتبر أقوم كتبه - وهو كتاب (دعائم الإسلام) - من عمل المعز نفسه، وليس من عمل قاضيه الأكبر ولهذا كان هذا الكتاب هو القانون الرسمي منذ عهد المعز حتى نهاية الدولة الفاطمية (٢).
وقد خرجت من هذين الكتابين بحقيقة هامة، وهي أن الفاطميين الذين يزعمون أنهم يعملون بالظاهر والباطن معا لا يختلفون كثيرا عن غلاة الباطنية، الذين يهملون الظواهر، ويعتمدون على الرموز والبواطن، ولإيضاح ذلك نقول: أولا: أعلن قاضي الفاطميين - في بداية الأمر أن العقيدة عندهم هي أن يعملوا بالظاهر والباطن معا فقال: «اعلموا أن كل ما اجتمع عليه كتاب (دعائم الإسلام) من علم ظاهر الفرائض والأحكام، والحلال والحرام، هو ظاهر دين الله الذي تعبدكم باقامته والعمل به، فاعملوا بما أمرتم به فيه وأقيموه، وتنزهوا عما نهيتم عنه فيه واجتنبوه،
стр. 297
وإن الذي سمعتموه وتسمعونه من تأويل ذلك واطنه علم وحكمة، ونعمة ورحمة، بين لكم الله على ألسنة أوليائه - يقصد أئمة أهل البيت - ذلك بما دل عليه مما تعبدكم الله بظاهره، وما تعبدكم به من ولايتهم، والسكون معهم، والسمع والطاعة لهم، وأنه لا ينفع عمل عامل في ظاهر ولا باطن إلا بذلك، وبين ذلك في كتابه بقوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾» (١).
واستدل هذا القاضي الفاطمي على تلك العقيدة بدليلين:
الدليل الأول: هو قول الله تعالى: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ (٢) فقد قال - في وجه الاستدلال بهذه الآية -: «ومن أجل نعمه ما تعبد العباد به وجعله لهم سببا لنيل النعمة العظيمة الدائمة من الثواب في دار المآب، فأخبر أن ذلك لا يكون إلا ظاهرا وباطنا» (٣).
والدليل الثاني: هو قول الله تعالي: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ (٤) حيث يقول - في مقام الاستدلال بهذه الآية -: «فلم يقبل الله ترك ما نهى عنه إلا ظاهرا وباطنا، كما لم يقبل ما أمر به إلا كذلك، فجعل كل شيء مما تعبد العباد به ظاهرا وباطنا، وافترض عليهم أن يأتوا به كذلك» (٥).
ولقد هاجم هذا القاضي غلاة الشيعة الذين يعتمدون في التأويل على
стр. 298
الباطن دون غيره، ثم ذكر طرفا من أخبارهم في عهد الإمام على ﵁ والأئمة من بعده، وكيف أن عليا أحرق جماعة منهم وقال:
لما رأيت الأمر أمرا منكرا … أضرمت نارى ودعوت قنبرا (١)
وكيف أن أئمة آل البيت كانوا يلعنون هؤلاء الغلاة ويتبرءون منهم، لأنه لم يكن للأئمة من السلطان ما يمكنهم من معاقبة هؤلاء الغلاة (٢).
ثم ذكر القاضي أن الإمام جعفر الصادق أخبر بأن من شيعته جماعة تعدوا الحدود، واستحلوا المحارم، واطرحوا الظاهر، وتأولوا الفرائض على أنها أسماء رجال، وزعموا أن الفواحش أشخاص، فقال - مجيبا لمن كتب يسأله عن حكم هؤلاء الناس -: «وكتبت تسألني عن ذلك وعن حالهم وما يقولون فأخبرك أنه من كان يدين الله بهذه الصفة التي كتبت تسألني عنها، فهو عندي مشرك بالله بين الشرك، فلا يسع أحدا أن يشك فيه، ألم يسمع هؤلاء قول الله : ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ (٣) وقوله جل ثناؤه: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ (٤)، فظاهر الحرام وباطنه حرام كله، وظاهر الحلال وباطنه حلال كله، وإنما جعل الظاهر دليلا على الباطن والباطن دليلا على الظاهر، يؤكد بعضه بعضا، ويشده ويقويه ويؤيده، فما كان مذموما في الظاهر فباطنه مذموم، وما كان ممدوحا في الظاهر فباطنه ممدوح» (٥).
стр. 299
ثانيا: وبعد أن أكد هذا القاضي - بوضوح - تلك العقيدة التي تعتمد على الظاهر والباطن معا نجده يهاجم - بشدة - مذاهب الأئمة من أهل السنة مثل مالك والشافعي وأبي حنيفة، ويرميهم بالجهل والضلال، وينادي بعدم اتباعهم (١)، ثم يذكر أن الذين يجب اتباعهم - في هذا الصدد - هم أئمة أهل البيت دون غيرهم، ومعنى ذلك أن الظاهر الذي يؤمن به هو وأمثاله هو ما يكون موافقا لمذهب الشيعة الفاطمية، لا ما يكون موافقا للمذاهب الإسلامية التي تلقتها الأمة بالقبول، وفي ذلك يقول: «إن الذي يجب قبوله وتعلمه ونقله من العلم ما جاء عن الأئمة من آل محمد ﷺ ، لا ما يؤخذ عن المنسوبين إلى العلم من العامة المحدثين المبتدعين الذين اتخذوا دينهم لعبا، وغرتهم الحياة الدنيا، وقنعوا برياستها، وبعاجل ما نالوه بذلك من حطامها، فجلسوا غير مجالسهم، ووردوا غير شربهم، ونازعوا الأمر أهله، وأنفوا أن يتخطوا إليهم فيه، فيسألونهم كما أمرهم الله عما لا يعلمون، ويسمعون لأمرهم ويطيعون، بل قالوا في دين الله بآرائهم، على قياسهم، واتبعهم جهال الأمة ورعاعها، وقلدوهم فيما ابتدعوه فيه، ليصلوا بعدهم من الرياسة إلى ما وصلوا إليه، وكلما أغرق أئمتهم في الجهل اعتدوا لهم بذلك الفضل» (٢).
وفي موضع آخر يؤكد عقيدته الشيعية المتطرفة فيحكم على أن من لم يدخل في دعوة الحق - وهي في نظره الدعوة الشيعية الفاطمية - ليس له حظ في الإسلام فيقول: «فكما لا يقبل الله جل وعز من أحد طاعته إلا مقرونة بطاعة رسوله، كذلك لا تقبل طاعة الرسول إلا مقرونة بطاعة أولي الأمر»، وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة» فظاهر الصلاة ما قد عرفتموه، وباطنها ماقد أخبرتم به من الدخول في دعوة الحق، فمن ترك الصلاة الظاهرة والباطنة أو إحداهما لم يكن له حظ
стр. 300
في الإسلام لأن الله جل وعز «لا يقبل من عباده ما افترض عليهم حتى يقوموا به ظاهرا وباطنا» (١).
ثم نجده ينكر الظاهر الذي عليه أهل السنة، ويأمر بإطراحه ونبذه ظهريا، فيقول: «ومثل قوله: إن عليا ﵇ كان يمشي خلف الجنازة حافيا، فالحافي خلاف الناعل، والنعل مثلها في الباطن مثل ظاهر أهل الخلاف - يعني المخالفين لهم من أهل السنة - ومنه قول الله لموسى ﵇ ﴿فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى﴾ (٢)، ذلك في أول اتصاله، فأمر بإطراح ظاهر أهل الخلاف الذي كان عليه معهم، وكذلك يفعل من صار إلى دءوة الحق واتبعها، وذلك كما ذكرناه مثله مثل اتباع الجنازة، ففعل ذلك علي ﵇ ليدل بظاهره على الباطن فيه» (٣).
ثالثا: ثم نجده في مكان آخر يصرح بأن الباطن أهم من الظاهر لديه، لأن الباطن يمثل الجوهر واللباب، وفضله على الظاهر كفضل الروح على الجسد فيقول: «وجاء من قبل ذلك في هذا الخبر عن علي صلوات الله عليه - إذ حكى غسل رسول الله صلى الله عليه وآله - أنه قال: «أردت أن أكبه لوجهه، لأغسل ظهره، فنوديت: لا تكبه، فقلبته لجنبيه وغسلت ظهره»، تأويل ذلك أن الظهر مثله مثل الظاهر، والبطن مثله مثل الباطن، والباطل أعلى وأشرف، وهو الجوهر واللباب، والعلم الحقيقي الروحاني؛ لأنه علم فوائد تحيا به الأرواح، وعلم الظاهر علم عمل على جوارح البدن الظاهرة، وليس ذلك مما يخل به، ولا مما يضيع من مواجبه ومفترضه، بل فرضه واجب، وعلمه والعمل به لازم، واسكن فضل الباطن عليه كفضل الروح على الجسد، وكلاهما له فضل» (٤).
стр. 301
ومن هذا كله يتبين لنا أن مذهب الفاطميين الذين تظاهروا بالاعتدال في باطنيتهم إنما هو قريب من مذهب الغلاة من الباطنية الذين أبطلوا الظواهر وقالوا بالرموز والأسرار دون غيرها، ومن ثم نستطيع أن نؤكد أن الإمام الغزالي كان عادلا في حكمه، ومحقا في قوله: «إنه مذهب ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض» (١).
ولقد أشار الغزالي في كتابه إلي الفاطميين على أنهم من الباطنية فقال: «وطريقنا أن نرتب شبهتهم على أقصي الإمكان ثم نكشف عن مكمن التلبيس فيها، وآخر دعواهم أن العارف بحقائق الأشياء هو المتصدي للإمامة بمصر، وأنه يجب على كافة الخلق طاعته والتعلم منه، لينالوا به سعادة الدنيا والآخرة» (٢).
ونحن سنذكر لك - أيها القارئ الكريم - بعد قليل أمثلة من التأويلات الباطنية التي وردت في كتاب «تأويل الدعائم» للقاضي النعمان بن محمد، حتى لا يكون لديك أدنى شك في تلك الحقيقة التي توصلنا إليها في بحثنا هذا، وهي أن الفاطميين - شأنهم في ذلك شأن سائر الباطنية - يعولون على الباطن أكثر من تعويلهم على الظاهر، وأن الظاهر لديهم هو ما يكون موافقا لمذهبهم، لا ما يكون موافقا للمذاهب المجمع عليها من المسلمين.
стр. 302
موقفنا من التأويل الباطني أو التفسير الرمزي
ليس ثمة شك في أن مسلك الباطنية في التأويل الذي يقوم أساسا على إبطال الظاهر والقول بالباطن إنما هو إلحاد في آيات الله، وتحريف للكلم عن مواضعه وضلال مبين، وهذا هو أحد علماء الزيدية في القرن الثامن الهجري، وهو الإمام يحيى بن حمزة العلوي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ يناقش الباطنية في قولهم بالرموز والكنايات، ويصمهم بالكفر والزندقة في إبطالهم لظواهر النصوص، ويبين أن هذا المسلك منهم إنما هو مناقض لقصد صاحب الشريعة وهو الرسول ﷺ ، فيقول ﵀: «يقال لهم: معاشر الجهالة من الباطنية وبقية الملاحدة: ما تقولون في النصوص القرآنية، وما تضمنته الأخبار المروية، من الأوامر والنواهي، والقصص وأحوال الجنة والنار، وصفات الثواب والعقاب، والحشر والنشر؟ هل تفيد بظواهرها معنى أم لا؟»
فإن قالوا: لا تفيد بظواهرها معنى، ولكنها رموز وكنايات عن أسرار باطنية، كما ذهب إلى هذا طوائف منهم، فيقال لهم: هذا هو الكفر والرد، والخروج عن الدين وتجاوز الحد، فإنا نعلم من قصد صاحب الشريعة فهم هذه الظواهر ودعاء الخلق إليها، وتعويله على العمل عليها وقبولها، ونعلم من دين الأمة - باضطرار - الأخذ بها والإكباب على العمل بها، والتصديق بمخبراتها، بحيث لا يغادرهم فيها شك، ولا يعتريهم عنها لبس، ونعلم ضرورة أن واحدا من أقيال الأمة لو قال بحضرتهم: «إن هذه الظواهر كلها ليس الغرض بها ما هو المفهوم من ظاهرها، وإنما هي رموز إلى أسرار، وأن لها بواطن غفلتم عنها، وإنكم في غطاء عن حقائقها لبادروا إلى تكذيبه والحكم بردته واستحلال دمه، وهذا يفهمك معرفتهم بقصد صاحب الشريعة فيها،
стр. 303
وأن غرضه ظواهرها، وكيف لا وقد رغبهم فيها وأرهبهم بها، وكررها على آذانهم، ووعتها قلوبهم، وطرقت أسماعهم مرة بعد مرة، وكل ذلك لا يعقل إلا وظواهرها مفهومة يعقلونها، ويصغون آذانهم إليها، فأما إذا كان القصد منها غير ظاهرها، وأن تحتها أسرارا لم يعقلوها، ورموزا لم تخطر لأحد منهم على بال فهذا هذيان، واستئصال لقواعد الشريعة، واجتهاد في محو رسوم المسلة» (١).
هذا ما قاله الإمام يحيى بن حمزة العلوي في رده على الباطنية الذين يعتمدون على التأويل الباطني، والتفسير الرمزي، وقد سبقه - في هذا المجال - الإمام أبو حامد الغزالي فهدم نظرية الباطنية التي تقول إن مصدر التأويل الباطني هو الإمام المعصوم، وكان هدمه لهذه النظرية من وجهين:
الوجه الأول: أنه أثار الشكوك في صدق الإمام المعصوم بزعمهم فيما يصدر عنه من تأويل باطني، وقال لهم: كيف تصدقون الإمام بدون معجزة، ولا تصدقون الرسول ﷺ مع المعجزات؟
والوجه الثاني: أنه أثار الشكوك في قول الإمام المعصوم على فرض صدقه، حيث بين أن ظاهر اللفظ الذي صدر عن الإمام في تأويله الباطني للنصوص محتمل كذلك لا محالة للرمز والباطن، ومادام ظاهر اللفظ محتملا للرمز والباطن فكيف يتم لهم ما يدعون؟ ألست ترى أن الغزالي هنا يحاربهم بنفس السلاح الذي شهروه وهو سلاح الرمز والباطن؟
واستمع معي إلى الإمام الغزالي وهو يناقشهم بالأدلة الدامغة، ويفحمهم بالبراهين القاطعة. فيقول ﵀ بصدد تأويلهم الحشر والنشر والجنة والنار بالرموز: «لو قال الباطني: أخبرني الإمام المعصوم أن البعث مستحيل فصدقته قيل له: وما الذي دعاك إلى تصديق الإمام المعصوم بزعمك،
стр. 304
ولا معجزة له، وصرفك عن تصديق محمد بن عبد الله مع المعجزات، والقرآن من أوله إلى آخره دال على جواز ذلك ووقوعه؟ فهل لك من مانع سوى أن عصمته علمت بمعجزته، وعصمة من تدعيه علمت بهذيانك وشهوتك، فإن قال إن ما في القرآن ظواهر هي رموز إلى بواطن لم يفهموها، وقد فهمها الإمام المعصوم فتعلمنا منه، قلنا: تعلمتم منه بمشاهدة ذلك في قلبه بالعين، أو سماعا من لفظه، ولا يمكن دعوى المشاهدة، ولا بد من الاستناد إلى سماع لفظه، قلنا: وما يؤمنك أن لفظه له باطن لم تطلع عليه، فلا نثق بما فهمته من ظاهر لفظه، فإن زعمت أنه صرح معك وقال: ما ذكرته هو ظاهر لا رمز فيه، والمراد ظاهره، قلنا: وبم عرفت أن قوله هذا - وهو أنه ظاهر لا رمز فيه أيضا ظاهر، وليس فيه رمز إلى ما لم تطلع عليه (١)؟ فلا يزال يصرح بلفظه، ونحن نقول: لسنا ممن يغتر بالظواهر، فلعل تحته رمزا، وإن أنكر الباطن فنقول: تحت إنكاره رمز، وإن حلف بالطلاق الثلاث على أنه ما قصد إلا الظاهر، فنقول: في طلاقه رمز، وإنما هو مظهر شيئا، ومضمر غيره، فإن قلت: فذلك يؤدي إلى حسم باب التفهيم، قلنا: فأنتم حسمتم باب التفهيم على الرسول، فإن ثلث القرآن في وصف الجنة والنار، والحشر والنشر، مؤكد بالقسم والأيمان، وأنتم تقولون: لعل تحت ذلك رمزا، وأنتم تقولون، وأي فرق بين أن يطول في تفهيم الأمور التطويل الذي عرف في القرآن والأخبار، وبين أن يقول: ما أريد إلا الظاهر؟ فإن جاز عليه أن يفهم الظاهر، ويكون مراده غير ما علم قطعا أنه ما وصل إلى إفهام الخلق، ويكون كاذبا في جميع ماقال، لأجل مصلحة وسر فيه جاز أن يكون إمامكم المعصوم بزعمكم يضمر معكم خلاف ما يظهره، وضد ما يفهمه، ونقيض ما يتيقن أنه الواصل إلى أفهامكم، ويؤكد ذلك بالأيمان المغلظة، لمصلحة له وسر فيه، وهذا لا جواب عنه أبد الدهر. وعند هذا ينبغي أن يعرف الإنسان أن رتبة هذه الفرقة أخس من رتبة كل فرقة من فرق الضلال، إذ لا نجد فرقة ينقض
стр. 305
مذهبها بنفس المذهب سوى هذه، إذ مذهبها إبطال النظر، وتغيير الألفاظ عن موضوعاتها بدعوى الرموز، وكل ما يتصور أن ينطلق به لسانهم إما نظر أو نقل، أما النظر فقد أبطلوه، وأما اللفظ فقد جوز أن يراد باللفظ غير موضوعه، فلا يبقى لهم معتصم. فإن قيل: فهذا ينقلب عليكم، فأنتم تجوزون أيضا تأويل الظواهر، كما أولتم آية الاستواء وخبر النزول وغيرهما، قلنا: ما أبعد هذا القلب فإن لنا معيارا في التأويل وهو أن ما دل نظر العقل ودليله على بطلان ظاهره علمنا ضرورة أن المراد غير ذلك، بشرط أن يكون اللفظ مناسبا له بطريق التجوز والاستمارة، قد دل الدليل على بطلان الاستواء والنزول، فإن ذلك من صفات الحوادث، فحمل على الاستيلاء، وهو مناسب للغة، وأما الحشر والنشر، والجنة والنار فليس في العقل دليل على إبطاله، ولا مناسبة بين الألفاظ الواردة فيه وبين المعنى الذي أولوه عليه، حتى يقال إنه المراد، بل التأويل فيه تكذيب محض» (١).
وأيضا نجد الإمام ابن الجوزي في كتابه: (تلبيس إبليس) يناقش الباطنية في تأويلاتهم الرمزية بأسلوب آخر، فيقول: «ثم يقال لهم: هذه البواطن والتأويلات يجب إخفاؤها أم إظهارها؟ فإن قالوا: يجب إظهارها، قلنا: فلم كتمها محمد ﷺ ؟ وإن قالوا: يجب إخفاؤها، قلنا: ما وجب على الرسول إخفاؤه كيف حل لكم إفشاؤه؟ قال ابن عقيل: هلك الإسلام بين طائفتين: بين الباطنية والظاهرية، فأما أهل الباطن فإنهم عطلوا ظواهر الشرع بما ادعوه من تفاسيرهم التي لا برهان لهم عليها. حتى لم يبق في الشرع شيء إلا وقد وضعوا وراءه معنى، حتى أسقطوا إيجاب الواجب، والنهي عن المنهي، وأما أهل الظاهر فإنهم أخذوا بكل ما ظهر مما لا بد من تأويله، فحملوا الأسماء والصفات علي ما عقلوه، والحق بين المنزلتين، وهو أن نأخذ بالظاهر ما لم لم يصرفنا عنه دليل، وترفض كل باطن لا يشهد به دليل من أدلة الشرع» (٢)
стр. 306
وإذا ثبت أن مسلك الباطنية في التأويل مرفوض، يجب رده، ولا يمكن قبوله فهل هناك مقياس لصحة التأويل، وقبول الباطن في التفسير؟
نعم، إن هناك مقياسا دقيقا جاء على لسان الإمام الشاطبي في (الموافقات) فقد تكلم الشاطبي عن القرآن الكريم على أنه الأصل الأول للتشريع، وبين أن له ظاهرا وباطنا، وأن المراد بالظاهر هو المفهوم العربي، والباطن هو مراد الله تعالى من كلامه وخطابه، فكل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها فهو داخل تحت الظاهر، كالمسائل البيانية، والمنازع البلاغية، وكل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب بوصف العبودية والإقرار الله بالربوبية، فذلك هو الباطن المراد، والمقصود الذي أنزل القرآن لأجله (١).
وبعد أن قرر الشاطبي ذلك بالتفصيل ذكر شرطين لقبول الباطن في تفسير القرآن الكريم، هما موافقة اللغة، وشهادة الشرع، قال الشاطبي ﵀: «وكون الباطن هو المراد من الخطاب قد ظهر أيضا مما تقدم في المسألة قبلها ولكن يشترط فيه شرطان: أحدهما - أن يصح على مقتضي الظاهر المقرر في لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية، والثاني: أن يكون له شاهد نصا أو ظاهرا في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض، فأما الأول فظاهر من قاعدة كون القرآن عربيا، فإنه لو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيا بإطلاق، ولأنه مفهوم يلصق بالقرآن ليس في ألفاظه ولا في معانيه ما يدل عليه، وما كان كذلك فلا يصح أن ينسب إليه أصلا، إذ ليست نسبته إليه على أنه مدلوله أولى من نسبة ضده إليه، ولا مرجح يدل على أحدهما، فإثبات إحدهما تحكم وتقول على القرآن ظاهر، وعند ذلك يدخل قائله تحت إثم من قال في كتاب الله بغير علم، والأدلة المذكورة في أن القرآن عربي جارية هنا.
стр. 307
وأما الثاني فلأنه إن لم يكن له شاهد في محل آخر، أو كان له معارض صار من جملة الدعاوى التي تدعى على القرآن، والدعوى المجردة غير مقبولة باتفاق العلماء، وبهذين الشرطين يتبين صحة ما تقدم أنه الباطن، لأنهما موفران فيه، بخلاف ما فسر به الباطنية فإنه ليس من علم الباطن، كما أنه ليس من علم الظاهر، فقد قالوا: في قوله تعالى: ﴿وورث سليمان داوود﴾ (١) أنه الإمام ورث النبي علمه: وقالوا - في الجنابة -: إن معناها مبادرة المستجيب با فشاء السر إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق، ومعنى الغسل: تجديد العهد على من فعل ذلك، ومعنى الطهور: هو التبري والتنظيف من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام» (٢) إلخ.
وإذن فلابد لقبول الباطن في التفسير من شرطين: موافقة اللغة وشهادة الشرع، وإلا كان هذا الباطن فاسدا ومردودا، ومن هذا القبيل تأويلات الباطنية، فانها فاقدة للشرطين معا، وقد حكم عليها الشاطبي - كما رأينا - بأنها ليست من علم الباطن، ولا من علم الظاهر في شيء، وإنما هي في حقيقة الأمر ضرب من ضروب الهذيان، وفن من فنون الضلال.
أما الإمام يحيى بن حمزة العلوي فإنه يحدثنا عن معيار آخر دقيق، المعرفة ما يقبل من التأويل وما يرد، ويحكم - بمقتضى هذا المعيار على تأويلات الباطنية بالفساد والبطلان، وهذا المعيار الذي ذكره الإمام العلوي يشبه إلى حد كبير - ما ذكره الشاطبي في (الموافقات)، لأنه يعتمد هو الآخر على دعامتين: إحداهما لفظية وهي اللغة العربية، والأخرى معنوية وهي الأصول الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع وشهادة العقل، وفي ذلك يقول الإمام يحيى العلوي: «الأصل الأول: في المعيار الصادق، والفيصل الفارق في تمييز ما يعرف به صحيح التأويل من سقيمه، وذلك ضربان: لفظى ومعنوى، أما اللفظي فهو اللغة العربية، وذلك لأن الله تعالى أنزل
стр. 308
القرآن بلغة العرب ولسانها، كما قال تعالى: ﴿بلسان عربي مبين﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ (٢) وقد تقرر في العقول أن الله تعالى لا يجوز أن يخاطبنا بخطاب لا نفهمه ولا نعلمه، ولا يريد بخطابه غير ما وضع له إلا وبينه لنا، فإذا تم ذلك فالواجب أولا عرض التأويلات المختلفة على اللغة العربية وقوانينها، فإن كانت غير محتملة لهذه التأويلات من جهة اللغة إن كان الكلام لغويا، ولا من جهة الشرع إن كان الكلام شرعيا، ولا من جهة العرف إن كان الكلام عرفيا، أسقط هذا التأويل، وألقي واطرح، ونس ولم يقع عليه تعويل، ولا إلى العمل به سبيل، وهذا كتأويلات الباطنية - أبادهم الله تعالى - كلها فإنهم راعوا في صحة التأويلات قول الإمام بزعمهم، ولم يلتفتوا إلى شيء من موضوعات اللغة وقوانينها، وهذا كما قالوا: إن المراد باللوح والقلم: السابق والتالي، وأن المراد باللبن العلم، وأن الثعبان هو البرهان إلى غير ذلك من هذيانهم، فإنا إذا عرضنا هذه التأويلات على اللغة العربية وجدنا ذلك غير جائز فيها، لا على قرب ولا بعد، وإن أحدا من أرباب اللغة وأئمة الأدب لا يعرف اللوح والقلم بمعنى السابق والتالى، بل لا يعرف السابق والتالي أبدا بالمعنى الذي كذبوه، فيجب إذن إلقاء ما قالوه واطراحه.
أما المعنوى فهو ما إذا كان اللفظ محتملا لهذ المعنى، ومفهوما منه وجب حينئذ الرجوع في معرفة صحته وفساده إلى الأصول من جهة المعنى، فما حكمت به تلك الأصول بفساده أو بعضه سقط، وما حكمت بصحته ثبت واستقر، وتلك الأصول هي أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل (٣).
стр. 309
أمثلة من تأويلات الباطنية
وهنا سنذكر - إن شاء الله تعالى - نوعين من الأمثلة:
النوع الأول: ما ورد من تأويلات الباطنية في بعض كتبهم، وهذا النوع من الأمثلة إنما يصور لنا مسلكهم في التأويل الباطني أصدق تصوير، كيف لا وهو كلامهم الذي صدر عنهم.
والنوع الثاني: ما ورد من تأويلات الباطنية في كتب بعض خصومهم، وسنرى أن هؤلاء الخصوم لم يفتاتوا عليهم في شيء، لا سيما إذا ما قارنا هذه الأمثلة التي ذكرها الخصوم لهم، بالأمثلة التي وردت في كتبهم.
ما ورد من تأويلات الباطنية في بعض كتبهم:
الباطنية - بوجه عام - يحرصون أشد الحرص على كتم تعاليمهم، والإسرار بمعتقداتهم، ومن أجل ذلك لم ينشر من كتبهم إلا القليل، ومن هذه الكتب القليلة التي نشرت لهم - في مجال التأويل الباطني - كتاب (تأويل الدعائم) للقاضي الفاطمي النعمان بن محمد التميمي، ونحن سنعتمد في هذا الصدد - على هذا الكتاب الذي نشرته دار المعارف بمصر، فكل ما نذكره هنا من الأمثلة إنما هو مستمد من هذا الكتاب، حيث إنه لم يتح لنا الاطلاع على غيره من كتب الباطنية التي عنيت بالتأويل الباطني، فإلى أن ييسر الله لنا الاطلاع على غيره من الكتب نكتفي الآن بذكر هذه الأمثلة التي وردت في كتاب (تأويل الدعائم) والله المستعان.
١ - في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ (١) ذكر القاضي النعمان بن محمد
стр. 310
بعض الخزعبلات في التأويل الباطني هذه الآية، مثل قوله إن خمس الغنائم هو علم من علوم الله جعل استنباطه واستخراجه وإظهار ما فيه من باطن الحكمة والتأويل لأوليائه ومن أقامه لذلك بأمره، وأن المراد باليتامى والمساكين في الباطن الأئمة وأولياء عهودهم، وأن ابن السبيل في الباطن هم طبقات الدعاة إلى أولياء الله، واستمع إليه وهو يسترسل في هذه السخافات المضحكة - حيث يقول: (جاء عن الصادق جعفر بن محمد صلوات الله عليه أنه قال: الخمس لله ، جعله للرسول ﷺ ولقرابته ويتاماهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، وكذلك يقول كثير من العوام، وقالوا: قوله (فأن الله) افتتاح كلام، والله له كل شيء، والخمس لهؤلاء الخمسة الأصناف: للرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فهذا هو القول والحكم في الخمس في الظاهر، وتأويل ذلك في الباطن ماقد ذكرناه أن مثل مال الخمس - في حيث وجب ذلك - علم من علم الله جل وعز، جعل استنباطه واستخراجه وإظهار ما فيه من باطن الحكمة والتأويل لأوليائه، ومن أقامه لذلك بأمره، وماجرت به في ذلك سنته. وذكر الخمس من ذلك لأنه يجري ويدور على خمسة أصناف، لكل صنف منهم ذلك من قسطه، على حسب ما ذكرناه في ابتداء ذكر الزكاة).
يقول الله جل وعز: (فأن الله خمسه)، هو ما فسره الصادق صلوات الله عليه: أنه لله ، أي هو علمه سبحانه، أعطاه من ذكره من أولياء الله، وأمرهم باعطاء ما أجرى منه لمن يقيمونهم من أسبابهم، فالرسول أحد الأصناف من ذلك، وأولو القربى الأسس (١)، وهم قرابة الرسول وأوصياؤهم
стр. 311
وأولو الأمر من بعدهم، واليتامى هم في الباطن الأئمة، وسموا يتامى لأن كل واحد منهم في عصره فرد منقطع القرين، لامثل له فيه، ومن ذلك قيل للدرة التي لا نظير لها من الدر: اليتيمة، وقيل لهم أيضا: يتامى لأن آباءهم، وهم الأئمة من قبلهم في الظاهر والباطن، قد نقلوا من الدنيا، ولا يكون إماما في الدنيا وأبوه حي، والمساكين وهم في الباطن أولياء عهود الأئمة في حياتهم، وحججهم، والذين تصير إليهم الإمامة من بعدهم، وقبلهم مساكين لأنهم محتاجون مفتقرون إلى معروف الأئمة ظاهرا وباطنا، لا يملكون من ذلك إلا ما ملكوهم وأعطوهم، خاضعون مستكينون إليهم، وابن السبيل في الباطن هم طبقات الدعاة إلى أولياء الله، وقيل لهم: أبناء السبيل لتصوفهم وتفرقهم في سبيل جزائر الأرض وأقاليمها، يدعون إلى أولياء الله من استجاب لهم من أهلها، كما يكون كذلك أبناء السبيل في الظاهر، الضاربون في الأرض، فهذه خمسة أصناف، قد جزأ الله جل وعز عليها ما قسمه لعباده المؤمنين من العلم والحكمة، فلكل أهل طبقة منهم قسطهم من ذلك، على ما حده سبحانه وأوجبه وجرت به سنة الله في عباده (١).
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (٨٠)﴾ (٢) يبين ما في هذه الآية من تأويل - فيذكر أن البيوت - في الباطن - هم أولياء الله أي الأئمة، والسكن - في الباطن - ما تسكن إليه قلوب المؤمنين من علم أولياء الله وهو علم التأويل، وأن الجلود والأصواف والأوبار والأشعار هي الظاهر الذي يعمل به إلى حين سقوط الأعمال بحضور الساعة، ولاندرى ماذا يريد بالساعة في كلامه هل يريد بها ساعة الموت أم يريد بها ساعة وصول الباطني إلى رتبة الكمال في العلوم، والإحاطة من جهة الإمام بحقائق الأمور، فتسقط
стр. 312
عنه التكاليف العملية، كما هو مذهب الباطنية، ثم ألست معي في أن هذا التأويل الباطني الذي ذكره هذا الداعية الفاطمي ماهو إلا ضرب من ضروب التخبط والخبال، والفساد والضلال؟ يقول القاضي النعمان، فأمثال البيوت في الباطن أولياء الله وأسبابهم الذين أقاموهم لصلاح عبادهم، إليهم يأوي المؤمنون على طبقاتهم، كل طبقة منهم (تأوي) (١) إلى من أقيم لهم، ومن ذلك قول الله جل من قائل: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ (٢)، تأويله ألا يؤتى أحد منهم إلا من الباب الذي أقامه، ومنه قول رسول الله ﷺ : (أنا مدينة العلم، وعلى بابها)، ومثل الجلود والأصواف، والأوبار والأشعار مثل الظاهر، وعنى بالسكن ما تسكن اليه قلوب المؤمنين من علم أولياء الله، علم التأويل، وبالجلود والصوف والوبر والشعر ظاهرهم، فلذلك يعمل به، ويستمتع منه الى حين دفع الأعمال بحضور الساعة» (٣).
٣ - ثم نجده يؤول لنا قول الله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (١٨) فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (١٩)﴾ (٤) فيذكر أن الماء الذي ينزل من السماء - في الباطن - هو العلم الذي يصير من الناطق إلى الحجة، وأن النبات - في الباطن - هم المؤمنون الذين تنبتهم حكمة أولياء الله، ويختلفون فيما بينهم كما تختلف أصناف النبات والثمار، وفي ذلك يقول: «فمثل ما ينزل من السماء من الماء مثل ما يخرج عن الناطق من العلم، ومصيره إلى الأرض وما أودعته من ذلك مثله مثل ماصار من العلم من قبل الناطق إلى حجته، ومثل ما يخرج عن ذلك من النبات أمثال المؤمنين الذين تنبتهم حكمة
стр. 313
أولياء الله، وهم ضروب كما يخرج من الأرض من النبات والثمار والحبوب، فما كان من ذلك من الثمار والأعناب والتمر وما أشبه ذلك مما يعصر منه، ويكون فيه عصير من الثمار أو حلاوة، فمثله مثل النقباء والدعاة وأسبابهم الذين يعتصر منهم العلم والحكمة، ويميزون بين التنزيل والتأويل، وبين الظاهر والباطن، ويكون العلم والحكمة عندهم، وذلك ما في هذه الثمار من الحلاوة، وهم على طبقات وأصناف، كما كذلك الثمرات، والحنطة وأجناسها أمثال المأذونين، وسائر الحبوب والأشجار غير المثمرة والحشائش أمثال المستجيبين» (١).
فانظر إلى هذا التصنيف العجيب الذي نشم منه رائحة كريهة. هي رائحة التفرقة بين المؤمنين، وتفضيل بعضهم على بعض، لا على أساس من التقوى والعمل الصالح، كما تقضي بذلك تعاليم الدين الحنيف، بل على أساس من التشيع الكاذب، والتعصب البغيض، والطائفية الممقوتة، والجري وراء وهم يقال له: الإمام المعصوم، عصمنا الله من الزلل. ووقانا شر النتنة ما ظهر منها وما بطن، إنه على ما يشاء قدير.
٤ - وفي قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ (٢)، يذكر لنا معنى باطنيا غريبا لزكاة الفطر التي أشارت إليها هذه الآية، فيقول: إن زكاة الفطر معناها - في الباطن - أن كل من صار إلى دعوة الحق عليه أداء الواجب إلى من يلي أمره من الدعاة، ومعنى ذلك أن دعوة الحق - وهي الدعوة الشيعة الفاطمية عنده - دين في عنق كل شخص، وعليه أن يستجيب لدعاتها، ويخضع خضوعا تاما لهم، كما يجب أن يؤدي عن نفسه زكاة الفطر، وأنت ترى أنه لا توجد أدنى مناسبة بين زكاة الفطر، وهذا المعنى الباطني الذي ذهب إليه، يقول القاضي النعمان - في هذا الصدد: «فزكاة الفطر واجبة على الصغير والكبير،
стр. 314
والغني والفقير في الظاهر، وتأويلها - في الباطن - أنه يجب على جميع من صار إلى دعوة الحق من المفيدين والمستفيدين، الذين أمثالهم أمثال الذكور والإناث، وأهل الاتساع منهم في العلم والمقصرين فيه الذين أمثالهم أمثال الاغنياء والفقراء، وذوي الرفعة في الدرجات منهم والدون الذين أمثالهم أمثال الكبار والصغار، فعلى أهل هذه الحدود كلها - على تفاوت درجاتهم، وتباين مراتبهم، واختلاف أحوالهم فكاك رقابهم بأداء الواجب في ذلك عليهم إلى من يلي أمر كل فريق منهم (١).
٥ - ثم نجده يؤول القتل الذي ورد في القرآن بأنه ترك المفيد بلا فائدة، ويقول: إن قتل الأولاد - في الباطن - ترك الداعي أهل دعوته لا يفيدهم، وأن القتل بالحق - في الباطن - هو أن يقطع الإمام مادة العلم عن الداعي الذي يفعل ذلك، وأن قتل النفس - في الباطن هو الإعراض عن العلم والحكمة، استمع إليه يقول: ومن ذلك قول الله جل ذكره: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا (٣١)﴾ (٢) وقوله: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ (٣) فقتل الأولاد في الباطن - خشية الإملاق، والإملاق الفقر: ترك الداعي أهل دعوته. وهم في الباطن - أولاده، لا يفيدهم، يخشي أن يصير لهم من العلم ما يترأسون به عليه (٤)، فيحلوا محله، ويريد أن يكونوا أبدأ جهالا، وهو عالم وحده بينهم، فلولي الزمان ولمن أقامه لمثل ذلك
стр. 315
سلطان على من فعل ذلك، (وهو) (١) أن يقيد منه، والقتل - في التأويل - ترك المفيد بلا فائدة، فيفعل من له السلطان بمن فعل ذلك مثل فعله، وذلك أن يقبض يده عن الدعوة، ويقطع عنه مادة العلم، فهذا هو تأويل القتل بالحق؛ ومثل القصاص من القاتل، والقتل الأول هو مثل القتل ظلما، ومثل المعرض عن العلم والحكمة - وهو يجدها - مثل من قتل نفسه في الباطن، وقد قال الله جل من قائل: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ (٢). «فافهموا أيها المؤمنون تأويل ما علمتم ظاهره من أمر دينكم، وباطن ذلك، وأقيموا ظاهر ما تعبدتم به وباطنه، وفقكم الله لذلك وأعانكم عليه، وصلى الله على محمد نبيه، وعلى الأئمة من آله، وسلم تسليما، وحسبنا الله ونعم الوكيل» (٣).
٦ - وأخيرا وليس آخرا يؤول الطير الذي جاء في القرآن بالدعاة، ولا ندري ما هي العلاقة التي جعلته يربط بين الطير الذي يسبح في كبد السماء، والدعاة الذين ينتشرون على وجه الأرض لدعوة الناس إلى المذهب الشيعي الباطني، واستمع إليه في هذا التأويل الذي يقوم أساسا على التحريف والتخريف حيث يقول: «والميت الذي يلقى على وجه الأرض أو يصلب مثله - في حال الموت المحمود - مثل الداعي الذي يرفع فوق الدعاة، وهو دون النقيب، لأن هذا إنما صار على وجه الأرض، ولم يغب فيها، ومنه قول الله جل ذكره - حكاية عن يوسف ﵇: ﴿وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ (٤) ومثل الطير مثل الدعاة، ومثل أكلها من رأسه إفادتها عنه ما يفيده من الحكمة، ومن مثل الطير أنهم في الباطن الدعاة
стр. 316
قول الله : ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير﴾ (١) يعني - في التأويل الباطن - أتباعه من أهل الباطن وأهل الظاهر والدعاة، وقوله لإبراهيم: ﴿فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك﴾ (٢). «وقد ذكرنا تأويل ذلك وبيانه وأنه عني - في الباطن - أربعة من الدعاة، فافهموا أيها المؤمنون بيان التأويل، وعلم باطن الدين والتنزيل» (٣).
وبعد:
فهذه أمثلة من تأويلات الباطنية التي وردت في كتاب (تأويل الدعائم) للنعمان بن محمد التميمي قاضي الدولة الفاطمية، وهي - كما ترى طائفة من الخزعبلات والمضحكات التي لا تكاد تصدر عن عاقل، كما أنها - في جملتها - تدور حول عقيدة (الإمام المعصوم)، وتعميق إيمان الناس بها، ودعوتهم إلى الاستجابة لها، والالتفات حولها، وفي ذلك انتصار للدعوة الشيعية الفاطمية، ونحن نرى أن هذه التأويلات التي تدور في هذا الفلك تشبه إلى حد كبير - ما يسمى في عصرنا الحاضر بالدعاية السياسية الحزبية التي يطلقها رجال الأحزاب، وأصحاب المصالح المشتركة، لصالح رجل معين أو جماعة معينين، والفرق الوحيد بين النمطين هو أن هذه التأويلات الباطنية قد أخذت طابعا دينيا، بخلاف ما نشاهده اليوم من الدعايات الحزبية، ومن ثم نرى أن هذه التأويلات الباطنية فاسدة وباطلة، كيف وهي لا تستقيم مع اللغة ولامع الشرع في شيء، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 317
ما ورد من تأويلات الباطنية في كتب بعض خصومهم
وإلى جانب ما تقدم نجد أمثلة لهذه التأويلات الفاسدة في كتب أهل السنة الذين رفضوا هذا المذهب الباطني جملة وتفصيلا، وهاجموا أصحابه مهاجمة شديدة، وحكموا عليهم بالزندقة والإلحاد، وعند المقارنة بين هذه الأمثلة التي وردت في كتب أولئك الخصوم، وبين الأمثلة التي وردت في كتب الباطنية أنفسهم، والتي سبق أن ذكرنا طرفا منها نجد أن النوعين من الأمثلة تخرجان من مشكاة واحدة، ومن منبع واحد، مما يؤكد لنا أن علماءنا الأجلاء من أئمة أهل السنة لم يكونوا يصدرون أحكامهم بطريقة عشوائية، اتباعا للهوى أو بدافع التعصب الممقوت، بل كانت أحكامهم عادلة، ونظراتهم صادقة، ودراساتهم دقيقة، وأبحاثهم محررة، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجزاهم عن الإسلام وأهله أحسن الجزاء، وإليك أمثلة مما ورد من تأويلات الباطنية في بعض هذه الكتب:
١ - ذكر الإمام البغدادي في كتابه: (الفرق بين الفرق) أمثلة من تأويلات الباطنية فقال: «والباطنية يرفضون المعجزات، وينكرون نزول الملائكة من السماء بالوحي والأمر والنهي، بل ينكرون أن يكون في السماء ملك، وإنما يتأولون الملائكة على دعاتهم إلى بدعتهم، ويتأولون الشياطين على مخالفيهم، والأبالسة على مخالفيهم، ويزعمون أن الأنبياء قوم أحبوا الزعامة، فسأسوا العامة بالنواميس والحيل، طلبا للزعامة بدعوى النبوة والإمامة، وكل واحد منهم صاحب دور مسبع، إذا انقضي دور سبعة تبعهم دور آخر (١)،
стр. 318
وإذا ذكروا النبي والوصي (١) قالوا: إن النبي هو الناطق، والوصي أساسه الفائق، وإلى الفائق تأويل نطق الناطق على ما تراه يميل إليه هواه، فمن صار إلى تأويله الباطن فهو من الملائكة البررة، ومن عمل بالظاهر فهو من الشياطين الكفرة، ثم تأولوا لكل ركن من أركان الشريعة تأويلا يورث تضليلا، فزعموا أن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته، وإدمان خدمته، والمراد بالصوم الإمساك عن إفشاء سر الإمام دون الإمساك عن الطعام، والزنى عندهم إفشاء سرهم بغير عهد وميثاق، وزعموا أن من عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها، وتأولوا في ذلك قوله: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ (٢)، وحملوا اليقين على معرفة التأويل» (٣).
٢ - وعقد الإمام الغزالي في كتابه: (فضائح الباطنية) فصلا في تأويلات الباطنية للظواهر، وذكر طرفا منها فقال: (والقول الوجيز فيه أنهم لما عجزوا عن صرف الخلق عن القرآن والسنة صرفوهم عن المراد بهما إلى مخاريق زخرفوها، واستفادوا - بما انتزعوه من نفوسهم من مقتضى الألفاظ - إبطال معاني الشرع، وبما زخرفوه من التأويلات تنفيذ انقيادهم المبايعة والموالاة، وأنهم لو صرحوا بالنفي المحض، والتكذيب المجرد لم يحظوا بموالاة الموالين، وكانوا أول المقصودين المقتولين، ونحن نحكي من تأويلاتهم نبذة لنستدل بها على مخازيهم، فقد قالوا: كل ما ورد من الظواهر في التكاليف والحشر والنشر والأمور الإلهية فكلها أمثلة ورموز إلى بواطن أما الشرعيات، فمعنى الجنابة عندهم مبادرة المستجيب بإفشاء سر إليه قبل أن ينال رتبة استحقاقه، ومعنى الغسل: تجديد العهد على من فعل ذلك، ومجامعة البهيمة معناها عندهم معالجة من لا عهد عليه، ولم يؤد شيئا من صدقة النجوى،
стр. 319
وهي مائة وتسعة عشر درهما عندهم، فلذلك أوجب الشرع القتل على الفاعل والمفعول به، وإلا فالبهيمة متى وجب القتل عليها، والزنى هو إلقاء نطفة العلم الباطن في نفس من لم يسبق معه عقد العهد، والاحتلام هو أن يسبق لسانه إلى إنشاء الشر في غير محله، فعليه الغسل، أي تجديد المعاهدة، والطهور هو التبري والتنظف من اعتقاد كل مذهب سوى مبايعة الإمام، والصيام هو الإمساك عن كشف السر، والكعبة هي النبي، والباب علي، والصفا هو النبي والميقات هو الأساس، والتلبية إجابة الداعي، والطواف بالبيت سبعا هو الطواف بمحمد إلى تمام الأئمة السبعة» (١). إلى آخر هذه الخزعبلات.
٣ - ثم نجد شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته التي أسماها (مقدمة في أصول التفسير) سلك الباطنية في سلك المفسرين الذين يحملون ألفاظ القرآن على معان فاسدة، وألفاظ القرآن لا تدل عليها بحال، فيخطئون في الدليل والمدلول معا، وفي هذا المجال ذكر لنا بعض تأويلاتهم الفاسدة للنصوص فقال: - بصدد الحديث عن التفاسير الباطلة بوجه عام - «وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن، إما دليلا على قولهم، أو جوابا من المعارض لهم، ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحا، ويدس البدع في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب (الكشاف) ونحوه، حتى إنه يروج - على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل - من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله، وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر في كتابه وكلامه من تفسيرهم - يعني هؤلاء المبطلين - ما يوافق أصولهم التي يعلم أو يعتقد فسادها، ولا يهتدي لذلك، ثم إنه بسبب تطرف (٢) هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية ثم الفلاسفة ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة
стр. 320
والرافضة، فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي منها العالم عجبه، فتفسير الرافضة كقولهم: «تبت يدا أبي لهب» (١) هما أبو بكر وعمر، و «لئن أشركت ليحبطن عملك» (٢) أي بين أبي بكر وعمر، وعلى في الخلافة، و ﴿وإن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ (٣) هي عائشة، و «فقاتلوا أئمة الكفر» (٤)، وطلحة والزبير، و «مرج البحرين» (٥): علي وفاطمة، و «اللؤلؤ والمرجان (٦): الحسن والحسين، و «كل شيء أحصيناه في إمام مبين» (٧): في علي بن أبي طالب، و ﴿عم يتساءلون عن النبأ العظيم﴾ (٨): علي بن أبي طالب» (٩)، وهكذا.
٤ - ثم نجد الإمام يحيى بن حمزة العلوي في كتابه: «مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار» يورد لنا الكثير من هذه التأويلات المنحرفة والإمام يحيى العلوي - وإن كان شيعيا زيديا - إلا أنه لم يرتض هذا المسلك الذي سلكه الباطنية في التأويل، بل حاربهم حربا لا هوادة فيها. وخصص كتابه سالف الذكر للرد عليهم والتنديد بهم، ومن المعروف أن الزيدية هم أقرب طوائف الشيعة إلى أهل السنة ولذلك فإن الفريقين مشربهم يكاد يكون واحدا في الأصول والفروع.