قول الله : ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير﴾ (١) يعني - في التأويل الباطن - أتباعه من أهل الباطن وأهل الظاهر والدعاة، وقوله لإبراهيم: ﴿فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك﴾ (٢). «وقد ذكرنا تأويل ذلك وبيانه وأنه عني - في الباطن - أربعة من الدعاة، فافهموا أيها المؤمنون بيان التأويل، وعلم باطن الدين والتنزيل» (٣).
وبعد:
فهذه أمثلة من تأويلات الباطنية التي وردت في كتاب (تأويل الدعائم) للنعمان بن محمد التميمي قاضي الدولة الفاطمية، وهي - كما ترى طائفة من الخزعبلات والمضحكات التي لا تكاد تصدر عن عاقل، كما أنها - في جملتها - تدور حول عقيدة (الإمام المعصوم)، وتعميق إيمان الناس بها، ودعوتهم إلى الاستجابة لها، والالتفات حولها، وفي ذلك انتصار للدعوة الشيعية الفاطمية، ونحن نرى أن هذه التأويلات التي تدور في هذا الفلك تشبه إلى حد كبير - ما يسمى في عصرنا الحاضر بالدعاية السياسية الحزبية التي يطلقها رجال الأحزاب، وأصحاب المصالح المشتركة، لصالح رجل معين أو جماعة معينين، والفرق الوحيد بين النمطين هو أن هذه التأويلات الباطنية قد أخذت طابعا دينيا، بخلاف ما نشاهده اليوم من الدعايات الحزبية، ومن ثم نرى أن هذه التأويلات الباطنية فاسدة وباطلة، كيف وهي لا تستقيم مع اللغة ولامع الشرع في شيء، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 317
ما ورد من تأويلات الباطنية في كتب بعض خصومهم
وإلى جانب ما تقدم نجد أمثلة لهذه التأويلات الفاسدة في كتب أهل السنة الذين رفضوا هذا المذهب الباطني جملة وتفصيلا، وهاجموا أصحابه مهاجمة شديدة، وحكموا عليهم بالزندقة والإلحاد، وعند المقارنة بين هذه الأمثلة التي وردت في كتب أولئك الخصوم، وبين الأمثلة التي وردت في كتب الباطنية أنفسهم، والتي سبق أن ذكرنا طرفا منها نجد أن النوعين من الأمثلة تخرجان من مشكاة واحدة، ومن منبع واحد، مما يؤكد لنا أن علماءنا الأجلاء من أئمة أهل السنة لم يكونوا يصدرون أحكامهم بطريقة عشوائية، اتباعا للهوى أو بدافع التعصب الممقوت، بل كانت أحكامهم عادلة، ونظراتهم صادقة، ودراساتهم دقيقة، وأبحاثهم محررة، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجزاهم عن الإسلام وأهله أحسن الجزاء، وإليك أمثلة مما ورد من تأويلات الباطنية في بعض هذه الكتب:
١ - ذكر الإمام البغدادي في كتابه: (الفرق بين الفرق) أمثلة من تأويلات الباطنية فقال: «والباطنية يرفضون المعجزات، وينكرون نزول الملائكة من السماء بالوحي والأمر والنهي، بل ينكرون أن يكون في السماء ملك، وإنما يتأولون الملائكة على دعاتهم إلى بدعتهم، ويتأولون الشياطين على مخالفيهم، والأبالسة على مخالفيهم، ويزعمون أن الأنبياء قوم أحبوا الزعامة، فسأسوا العامة بالنواميس والحيل، طلبا للزعامة بدعوى النبوة والإمامة، وكل واحد منهم صاحب دور مسبع، إذا انقضي دور سبعة تبعهم دور آخر (١)،
стр. 318
وإذا ذكروا النبي والوصي (١) قالوا: إن النبي هو الناطق، والوصي أساسه الفائق، وإلى الفائق تأويل نطق الناطق على ما تراه يميل إليه هواه، فمن صار إلى تأويله الباطن فهو من الملائكة البررة، ومن عمل بالظاهر فهو من الشياطين الكفرة، ثم تأولوا لكل ركن من أركان الشريعة تأويلا يورث تضليلا، فزعموا أن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته، وإدمان خدمته، والمراد بالصوم الإمساك عن إفشاء سر الإمام دون الإمساك عن الطعام، والزنى عندهم إفشاء سرهم بغير عهد وميثاق، وزعموا أن من عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها، وتأولوا في ذلك قوله: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ (٢)، وحملوا اليقين على معرفة التأويل» (٣).
٢ - وعقد الإمام الغزالي في كتابه: (فضائح الباطنية) فصلا في تأويلات الباطنية للظواهر، وذكر طرفا منها فقال: (والقول الوجيز فيه أنهم لما عجزوا عن صرف الخلق عن القرآن والسنة صرفوهم عن المراد بهما إلى مخاريق زخرفوها، واستفادوا - بما انتزعوه من نفوسهم من مقتضى الألفاظ - إبطال معاني الشرع، وبما زخرفوه من التأويلات تنفيذ انقيادهم المبايعة والموالاة، وأنهم لو صرحوا بالنفي المحض، والتكذيب المجرد لم يحظوا بموالاة الموالين، وكانوا أول المقصودين المقتولين، ونحن نحكي من تأويلاتهم نبذة لنستدل بها على مخازيهم، فقد قالوا: كل ما ورد من الظواهر في التكاليف والحشر والنشر والأمور الإلهية فكلها أمثلة ورموز إلى بواطن أما الشرعيات، فمعنى الجنابة عندهم مبادرة المستجيب بإفشاء سر إليه قبل أن ينال رتبة استحقاقه، ومعنى الغسل: تجديد العهد على من فعل ذلك، ومجامعة البهيمة معناها عندهم معالجة من لا عهد عليه، ولم يؤد شيئا من صدقة النجوى،
стр. 319
وهي مائة وتسعة عشر درهما عندهم، فلذلك أوجب الشرع القتل على الفاعل والمفعول به، وإلا فالبهيمة متى وجب القتل عليها، والزنى هو إلقاء نطفة العلم الباطن في نفس من لم يسبق معه عقد العهد، والاحتلام هو أن يسبق لسانه إلى إنشاء الشر في غير محله، فعليه الغسل، أي تجديد المعاهدة، والطهور هو التبري والتنظف من اعتقاد كل مذهب سوى مبايعة الإمام، والصيام هو الإمساك عن كشف السر، والكعبة هي النبي، والباب علي، والصفا هو النبي والميقات هو الأساس، والتلبية إجابة الداعي، والطواف بالبيت سبعا هو الطواف بمحمد إلى تمام الأئمة السبعة» (١). إلى آخر هذه الخزعبلات.
٣ - ثم نجد شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته التي أسماها (مقدمة في أصول التفسير) سلك الباطنية في سلك المفسرين الذين يحملون ألفاظ القرآن على معان فاسدة، وألفاظ القرآن لا تدل عليها بحال، فيخطئون في الدليل والمدلول معا، وفي هذا المجال ذكر لنا بعض تأويلاتهم الفاسدة للنصوص فقال: - بصدد الحديث عن التفاسير الباطلة بوجه عام - «وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن، إما دليلا على قولهم، أو جوابا من المعارض لهم، ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحا، ويدس البدع في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب (الكشاف) ونحوه، حتى إنه يروج - على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل - من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله، وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر في كتابه وكلامه من تفسيرهم - يعني هؤلاء المبطلين - ما يوافق أصولهم التي يعلم أو يعتقد فسادها، ولا يهتدي لذلك، ثم إنه بسبب تطرف (٢) هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية ثم الفلاسفة ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة
стр. 320
والرافضة، فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي منها العالم عجبه، فتفسير الرافضة كقولهم: «تبت يدا أبي لهب» (١) هما أبو بكر وعمر، و «لئن أشركت ليحبطن عملك» (٢) أي بين أبي بكر وعمر، وعلى في الخلافة، و ﴿وإن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ (٣) هي عائشة، و «فقاتلوا أئمة الكفر» (٤)، وطلحة والزبير، و «مرج البحرين» (٥): علي وفاطمة، و «اللؤلؤ والمرجان (٦): الحسن والحسين، و «كل شيء أحصيناه في إمام مبين» (٧): في علي بن أبي طالب، و ﴿عم يتساءلون عن النبأ العظيم﴾ (٨): علي بن أبي طالب» (٩)، وهكذا.
٤ - ثم نجد الإمام يحيى بن حمزة العلوي في كتابه: «مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار» يورد لنا الكثير من هذه التأويلات المنحرفة والإمام يحيى العلوي - وإن كان شيعيا زيديا - إلا أنه لم يرتض هذا المسلك الذي سلكه الباطنية في التأويل، بل حاربهم حربا لا هوادة فيها. وخصص كتابه سالف الذكر للرد عليهم والتنديد بهم، ومن المعروف أن الزيدية هم أقرب طوائف الشيعة إلى أهل السنة ولذلك فإن الفريقين مشربهم يكاد يكون واحدا في الأصول والفروع.
стр. 321
يقول الإمام يحيى - في هذا الصدد -: «المطلب الخامس في ذكر طرف من خرافاتهم ليعجب منها العقلاء، ونقتصر منها على أنواع خمسة، فإنا نضن بالبياض عن أن نسوده بهذه الترهات» (١) وبعد أن ذكر الأنواع الأربعة الأولى التي تتعلق بأحوال العبادات، والأمور الشرعية، والمحرمات والمعجزات شرع في بيان النوع الخامس فقال: «النوع الخامس: أمور خارجة عما ذكرنا أولا، منها إبليس وآدم، زعموا أنهما عبارة عن أبي بكر وعلى إذ امر أبو بكر بالسجود لعلي والطاعة فأبى واستكبر، والدجال عبارة عن أبي بكر، وكان أعور لأن أبا بكر لم يبصر إلا بعين الظاهر دون عين الباطن، ويأجوج ومأجوج هم أهل الظاهر، والشياطين هم أهل الظاهر الذين كلفوا الأعمال الشاقة، والقيامة عندهم هو قيام السابع الناسخ للشرع، المغير للأمر، وهو محمد بن إسماعيل، والمعاد عندهم هو عود كل شيء إلى أصله، حتى يصير البدن ترابا ونارا وهواء وماء، لأن هذه الأشياء هي أصل الأجسام، والذي نقلناه بالنسبة لهذيانهم قطرة من بحر لجي، لأن جميع ظواهر الشريعة ونصوصها أولوها على ما عن وسنح من هذيانهم. بغير هدى من الله، ولا نور من تبيانه فحصل من هذا أنه لا غرض لهم إلا التسلق بلطيف الاستدراج، ودقة الحيلة والتفرس إلى إبطال الشريعة ومحو آثارها، ويأبى الله الا إتمام نوره وتشييد معالمه ولو كره المشركون» (٢).
وإلى هنا نكون قد انتهينا من بحث هذا الموضوع، ودراسة جوانبه المختلفة، ولننتقل الآن إلى موضوع وثيق الصلة به وهو شطحات الصوفية وبالله التوفيق.
стр. 322
الفصل الرابع شطحات الصوفية في التفسير
متى بدأ التصوف؟
يمكننا أن نقول: إن التصوف الإسلامي بمعناه العام - وهو الزهد والتقشف - ترجع بدايته إلى عصر مبكر من عصور الإسلام، وهو عصر الصحابة والتابعين، بيد أن الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم - لم يعرفوا باسم الصوفية أو المتصوفة، فالجيل الأول منهم - وهم الصحابة - لم يطلق عليهم سوى هذا الوصف الكريم الذي يربطهم بالرسول ﷺ ، وهو وصف الصحبة، إذ لا شرف ولا أفضلية فوقها، ولما أدركهم أهل الجيل الثاني سمى من صحب الصحابة بالتابعين.
وفي القرن الثاني الهجري وما بعده نشأ بين الناس الإقبال على الدنيا، والانغماس في شهواتها، فظهر آنذاك جماعة من الناس لهم شدة عناية بأمر الدين قيل لهم: الزهاد والعباد.
ولما نشأت الفرق الإسلامية ادعى كل فريق أن فيهم زهادا وعبادا، وهنا انفرد خواص أهل السنة المقبلون على العبادة باسم (الصوفية أو المتصوفة)، واشتهر هذا الأسم قبل المائتين من الهجرة، فهو اسم محدث بعد عهد الصحابة والتابعين (١).
стр. 323
ونتساءل هنا: مم اشتق لفظ (الصوفي) أو (المتصوف)؟
اختلف الناس في ذلك اختلافا كبيرا، فالإمام القشيري يرى أن هذا اللفظ غير مشتق، حيث يقول: «ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس، والظاهر أنه لقب» (١) ويرى آخرون أن هذا اللفظ مشتق، والقائلون بالاشتقاق اختلفوا فيما بينهم فمن قائل: إنه مشتق من الصفاء أو الصفو، والمراد صفو قلوب أهل التصوف والشراح صدورهم، ورضاهم بما يجريه الله عليهم، ثم إنهم مع الله في صفاء لا يشوبه شاغل، وهم بما أطلعهم الله عليه قد صفوا من كدر الجهل، قالوا: وكان في الأصل صفوى، فاستثقل ذلك فقيل: صوفي.
ومن قائل: إن اللفظ مأخوذ من الصوف، لأن لباس الصوف كان يكثر في الزهاد، ويستأنس لذلك بأن الله تعالى ذكر طائفة من خواص أصحاب عيسى ﵇، فنسبهم إلى ظاهر اللباس، فقال : ﴿إذ قال الحواريون﴾ (٢) الآية، وكانوا قوما يلبسون البياض، فنسبهم الله تعالى إلى ذلك، ولم ينسبهم إلى نوع من العلوم والأعمال والأحوال التي كانوا بها مترسمين، فكذلك الصوفية - والله أعلم - نسبوا إلى ظاهر اللباس، ولم ينسبوا إلى نوع من أنواع العلوم والأحوال التي هم بها مترسمون، لأن لبس الصوف كان دأب الأنبياء ﵈ والصديقين، وشعار المساكين المتنسكين.
وقال قائلون: إن الصوفية نسبوا إلى الصفة (٣) التي ينسب إليها كثير من
стр. 324
الصحابة، فيقال: أهل الصفة، وأهل الصفة هم زهاد من مهاجري الصحابة فقراء غرباء، كانو سبعين ويقلون حينا ويكثرون، لا مسكن لهم ولا مال ولا ولد، يسكنون صفة المسجد، وهو موضع مظلل في مسجد المدينة، لكن النسبة إلى الصفة لا تجيء على الصوفي، بل على الصفي.
وقيل: إن الصوفي نسبة إلى الصف الأول، لأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث المحاضرة والمناجاة وارتفاع الهمة مع الله تعالى والقرب منه، أو لأنهم كانوا أسرع الناس إلى الصف الأول في المساجد عند الصلاة (١).
ويرى البيروني أن هذا اللفظ إنما هو تحريف للكلمة (سوف) اليونانية التي تعني الحكمة، حيث يقول: «وهذا رأى السوفية، وهم الحكماء، فإن (سيف) باليونانية الحكمة، وبها سمى الفيلسوف (بيلاسوبا) أي محب الحكمة، ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم سموا باسمهم» (٢) ثم أشار البيروني بعد ذلك إلى أن الاسم دخله التصحيف.
ونحن نرى - كما يرى كثير من الباحثين - أن أرجح هذه الأقوال وأقربها إلى الصواب القول بأن الصوفي نسبة إلى الصوف، وأن المتصوف مأخوذ منه كذلك، يقال: تصوف إذا لبس الصوف، كما يقال: تقمص إذا لبس القميص، فهذا القول له - كما رأينا - وجه سائغ في الاشتقاق، وتسمية القوم بذلك إنما يرجع - كما يقول ابن خلدون - إلى أن المتقدمين من سلفهم كانوا في الغالب مختصين بلبس الصوف، لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب (٣).
стр. 325
وقد دافع أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود عن هذا الرأي الذي ينسب الصوفية إلى الصوف فقال ﵀: «وإذا كانت هذه الكلمة تنتسب إلى الملبس - وهو مظهر وشكل ورسم - فليس معنى ذلك أن التصوف مظاهر وأشكال، وليس من المحتم دائما أن يكون المعنى الأصلي للاسم هو المراد مما وضع الاسم له، إذ المعنى الأصلي قد يتطور ويتغير ويختلف، وقد يقصد عكسه، ومن أجل ذلك فإنه لا مجال لتخوف هؤلاء الذين لا يريدون أن ينسبوا التصوف إلى الصوف بحجة أن انتسابه إلى المظاهر يحط من شأنه، حقيقة أن الباحثين كثيرا ما يجدون صلة وثيقة بين المعنى الأصلي للاسم وما وضع الاسم له، أو بين الاسم والمسمى، ولكن ذلك ليس مطردا، والواقع أن التصوف أصبح معنى معروفا لاشان له بالمظاهر والأشكال» (١).
وتعليقا على ذلك نقول: إن ابن خلدون قد ذكر لنا في مقدمته - كما سبق أن وضحنا - صلة وثيقة بين الصوفية والصوف، فقال: إن القوم كانوا في الغالب مختصين بلبس الصوف الخشن على سبيل التقشف مخالفين بذلك ما كان عليه الناس من التحلي بفاخر الثياب، والتمتع بزينة الحياة الدنيا، فمن هنا سموا بالصوفية، وأطلق هذا الاسم عليهم منذ ذلك الحين، وهذا الذي ذكره العلامة ابن خلدون لا يتعارض قط مع ما يراه أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود ﵀ من أن التصوف أصبح معنى معروفا لا شأن له بالمظاهر والأشكال.
ولقد أشار أستاذنا ﵀ إلى هذه الصلة، فقال - بعد قليل -: «ولقد رأى هؤلاء الزهاد - من ناحية الملبس - في الصوف ما يحقق أهدافهم التي تتصل بالتقشف والشظف والخشونة، فهو متين رخيص
стр. 326
خشن لا يحتاج الإنسان معه في الشتاء إلى غيره، ولا يحتاج إلى تغييره كثيرا، ذلك أنه لا يبلي بسرعة، فتصوفوا: أي لبسوا الصوف، وكان لابد من اسم يطلق على هؤلاء، وكان من السهولة بمكان أن يطلق عليهم صوفية، وأطلق الاسم مصادفة أو تعمدا، فذاع وشاع، وأصبح الزهاد يعرفون - في البيئات العربية - باسم الصوفية» (١).
الأدوار التي مر بها التصوف:
قلنا: إن التصوف - في بداية الأمر - كان عبارة عن التقشف والزهد، والاشتغال بالعبادة، والاقبال على الله تعالى، والإعراض عن زخرف الحياة الدنيا وزينتها، ولكن هل بقي التصوف منحصرا في نطاق هذا المعنى طوال العصور المختلفة أم ماذا؟
الواقع أن التصوف تطور عبر العصور، وانقلاب إلى علوم ومعارف، ونظريات وأحوال
ونستطيع أن نلخص الأدوار التي مر بها التصوف فيما يلي:
أولا: كان التصوف - في البداية كما ذكرنا - بمعنى الزهد والتقشف، ومجاهدة النفس، والاشتغال بالعبادة، والعزوف عن الدنيا، وكان لقب الصوفي أو المتصوف يطلق آنذاك على الزاهد والعابد والفقير، ولم يكن لهذه الألفاظ معنى يزيد على شدة العناية بأمر الدين، فإن الزهد والفقر ولبس الصوف مظهر ذلك.
ثانيا: ولما دونت العلوم كان أول ما اتجهت إليه الهمم. وانصرفت إليه الأفكار علم الشريعة بمعنى الأحكام العملية، حتى ظن الناس آنذاك أن الاشتغال بهذا العلم والعمل به هو غاية الدين، هنالك تطور معنى التصوف إلى
стр. 327
ما يناسب الكمال في الدين الذي وضع له اللفظ أولا، وأدى هذا الطموح إلى نشأة علم ديني إلى جانب العلم الفقهي.
وانقسم علم الشريعة - تبعا لذلك - إلى قسمين:
الأول: علم يدل ويدعو إلى الأعمال الظاهرة التي تجري على الجوارح والأعضاء الجسمية، وهي العبادات كالطهارة والصلاة والزكاة والصوم إلى آخره، وأحكام المعاملات كالحدود والزواج والطلاق، والعتق والبيوع والفرائض والقصاص، وسمي هذا العلم علم الفقه، وهو مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا في العبادات والمعاملات.
والثاني: علم يدل على الأعمال الباطنة ويدعو إليها، والأعمال الباطنة هي أعمال القلوب، وسمي هذا العلم الثاني علم التصوف، وسمي المتصوفون أنفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن، وسموا من عداهم أهل ظواهر وأهل رسوم، وأهل الرسوم طائفتان: القراء والفقهاء، فالقراء هم أهل التنسك والتعبد، سواء كانوا يقرءون القرآن أم لا يقرءون، وهمتهم مقصورة على ظاهر العبادة دون أرواح المعارف وأعمال القلوب، والفقهاء هم المشتغلون بالفتيا وعلوم الشريعة، وهؤلاء وهؤلاء عند الصوفية أهل رسوم، ففريق مع رسوم العلم، وفريق مع رسوم العبادة، والتصوف في هذا الدور عبارة عن الأخلاق الدينية ومعاني العبادة (١).
ويحدثنا ابن خلدون عن هذا الدور والسمات البارزة فيه، فيقول: «فلما كتبت العلوم ودونت وألف الفقهاء في الفقه وأصوله، والكلام والتفسير وغير ذلك كتب رجال من أهل هذه الطريقة في طريقهم، فمنهم من كتب في أحكام الورع ومحاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ والترك، كما فعله
стр. 328
المحاسبي في كتاب (الرعاية) له، ومنهم من كتب في آداب الطريقة وأذواق أهلها ومواجدهم في الأحوال، كما فعله القشيري في كتاب (الرسالة)، والسهروردي في كتاب (عوارف المعارف) وأمثالهم، وجمع الغزالي ﵀ بين الأمرين في كتاب (الإحياء) فدون فيه أحكام الورع والاقتداء، ثم بين آداب القوم وسننهم، وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم، وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط، وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال، كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك» (١).
ثالثا: ثم اتسعت أنظار الباحثين في العلوم الدينية، ودقت أفكارهم، وعنوا عناية خاصة بالكلام في قضايا التوحيد والعقيدة والأمور الغيبية، واستعانوا على ذلك بالأدلة المنطقية والعقلية، وهؤلاء هم الذين عرفوا في تاريخ الفكر الإسلامي باسم المتكلمين والفلاسفة، وهنا اتجه الصوفية إلى وضع نظرية خاصة لهم في المعرفة وسبيل الوصول إليها، هذه النظرية لا تعتمد على الاستدلال العقلي، كما يرى المتكلمون والفلاسفة، بل تعتمد - أساسا - على البصيرة التي سبيلها مجاهدة النفس والتزكي والتطهر، فانها عندهم هي الطريق الوحيد الموصل إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة الله تعالي هي السعادة التي وعد الله بها المتقين.
وقد عقد الإمام الغزالي في كتابه: (إحياء علوم الدين) فصلا لبيان الفرق بين طريق الصوفية في استكشاف الحق، وطريق النظار، والفرق بين الإلهام والتعلم، فقال ﵀: «اعلم أن العلوم التي ليست ضرورية، وإنما تحصل في القلب في بعض الأحوال تختلف الحال في حصولها، فتارة تهجم على القلب، كأنه ألقى فيه من حيث لا يدرى، وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلم، فالذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة الدليل
стр. 329
يسمى إلهاما، والذي يحصل بالاستدلال يسمى اعتبارا واستبصارا، ثم الواقع في القلب بغير حيلة وتعلم واجتهاد من العبد ينقسم إلى ما لا يدرى العبد أنه كيف حصل له؟ ومن أين حصل؟ وإلى ما يطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم، وهو مشاهدة الملك الملقي في القلب، والأول يسمى إلهاما ونفثا في الروع، والثاني يسمى وحيا، وتختص به الأنبياء، والأول يختص به الأولياء والأصفياء، والذي قبله - وهو المكتسب بطريق الاستدلال - يختص به العلماء» (١).
ثم بين الإمام الغزالي أن الصوفية يحرصون على العلوم الإلهامية دون سواها وشرح سبيلهم في الوصول إليها فقال: «فإذا عرفت هذا فاعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية، فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون، والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة، بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، ومهما حصل ذلك كان الله هو المتولي لقلب عبده، والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم، وإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة، وأشرق النور في القلب، وانشرح الصدر، وانكشف له سر الملكوت، وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة، وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية، فليس على العبد إلا الاستعداد بالتصفية المجردة وإحضار الهمة مع الإرادة الصادقة، والتعطش التام، والترصد بدوام الانتظار لما يفتحه الله تعالى من الرحمة» (٢).
رابعا: ثم جاء المتأخرون من الصوفية - كابن عربي وابن الفارض وأمثالهما - فانصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب والكلام في المدارك التي وراءه، وذهب جماعة من هؤلاء الذين توسعوا كثيرا في ميدان التصوف النظري، وصيروا المدارك الوجدانية علمية نظرية إلى القول بنظرية وحدة
стр. 330
الوجود (١)، ووحدة الوجود - عندهم - معناها أنه ليس هناك إلا وجود واحد، كل العالم مظاهر ومجال له، فالله سبحانه هو الموجود الحق، وكل ما عداه ظواهر وأوهام ولا توصف بالوجود إلا بضرب من التوسع والمجاز، وهذه النظرية سرت إلى بعض الصوفية عن طريق الفلاسفة، وعن طريق الإسماعيلية الباطنية الذين خالطوهم، وأخذوا عنهم مذهبهم القائل بحلول الإله في أئمتهم، وصوروه - أعني الصوفية - بصورة أخرى تتفق مع مذهب الباطنية في الحقيقة، وإن اختلفت في الاصطلاح والألفاظ (٢).
وقد شرح ابن خلدون هذه النظرية الغربية - نظرية وحدة الوجود - ومدى تأثرها بالفلسفة اليونانية وعقيدة النصارى في المسيح ﵇، فقال: «وذهب جماعة من المتصوفة والمتأخرين الذين صيروا المدارك الوجدانية علمية نظرية إلى أن البارئ تعالى متحد بمخلوقاته في هويته ووجوده وصفاته، وربما زعموا أنه مذهب الفلاسفة قبل أرسطو مثل أفلاطون وسقراط، وهذا الاتحاد هو الحلول الذي تدعيه النصارى في المسيح ﵇، وهو أغرب لانه حلول قديم في محدث، أو إتحاده به، وهو أيضا عين ما تقوله الإمامية من الشيعة في الأئمة، وتقرير هذا الاتحاد في كلامهم على طريقين:
الأولى: أن ذات القديم كامنة في المحدثات، محسوسها ومعقولها، متحدة بها في التصورين، وهي كلها مظاهر لها، وهو القائم عليها أي المقوم لوجودها، بمعنى لولاه كانت عدما، وهو رأى أهل الحلول.
الثانية: طريق أهل الوحدة المطلقة، وكأنهم استشعروا من تقرير أهل الحلول الغيرية المنافية المعقول الاتحاد، فنفوها بين القديم وبين المخلوقات في الذات.
стр. 331
والوجود والصفات، وغالطوا في غيرية المظاهر المدركة بالحس والعقل بأن ذلك من المدارك البشرية، وهي أوهام، ولا يريدون الوهم الذي هو قسيم العلم والظن والشك، وإنما يريدون أنها كلها عدم في الحقيقة، وجود في المدرك البشري فقط، ولا وجود بالحقيقة إلا للقديم لا في الظاهر ولا في الباطن، والتعويل في تعقل ذلك على النظر والاستدلال - كما في المدارك البشرية - غير مفيد، لأن ذلك إنما ينقل من المدارك الملكية، وإنما هي حاصلة للأنبياء بالفطرة، ومن بعدهم للأولياء بهدايتهم، وقصد من يقصد الحصول عليها بالطريقة العلمية ضلال» (١).
من هذا كله يتبين لنا أن هؤلاء المتصوفة الذين قالوا بوحدة الوجود قد تأثروا تأثرا كبيرا بالفلسفة اليونانية وبالمسيحية، كما تأثروا كذلك بمذهب الإسماعيلية الباطنية في قولهم بالقطب والأبدال ونحو ذلك، وفي هذا يقول ابن خلدون: «ثم إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك، فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه، وملأوا الصحف منه، مثل الهروي في كتاب (المقامات) له، وغيره، وتبعهم ابن العربى (٢) وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف، وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم، وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلاهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم، فأشربت كل واحد من الفريقين مذهب الآخر، واختلط كلامهم، وتشابهت عقائدهم، وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب، ومعناه رأس العارفين، يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله، ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان، وهو بعينه ما تقوله
стр. 332
الرافضة في توارث الأئمة عندهم، فانظر كيف سرقت طباع هؤلاء القوم هذا الرأي من الرافضة، ودانوا به، ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب، كما قاله الشيعة في النقباء، حتى إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم ونحلتهم وقفوه على على ﵁، وهو من هذا المعنى أيضا، وإلا فعلي ﵁ لم يختص من بين الصحابة بنحلة ولا طريقة في لبوس ولا حال» (١).
ومما هو جدير بالذكر أن هؤلاء المتصوفة الذين أسرفوا في كشف الحجاب، والكلام في مدارك ما وراء الحس، وقالوا بوحدة الوجود، مثل ابن عربي، هم الذين يقع عليهم عبء ما يعرف بالشطحات في التفسير، وسنزيد هذا الأمر وضوحا - إن شاء الله تعالى - عما قريب.
стр. 333
موقف الصوفية من تفسير القرآن الكريم
الصوفية - بوجه عام - يقولون: إن للقرآن ظاهرا وباطنا، فالظاهر هو ما يفهم من النص بمقتضى العربية، والباطن هو مراد الله تعالى من كلامه وخطابه، وربما يستدلون على ذلك بما أخرجه الفريابي عن الحسن - مرسلا - عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع» وقد شرح السيوطي ألفاظ هذا الحديث، فقال: «أما الظهر والبطن ففي معناهما أوجه: أحدها - أنك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها، والثاني - أنه ما من آية إلا عمل بها قوم، ولها قوم سيعملون بها، كما قاله ابن مسعود فيما أخرجه ابن أبي حاتم، والثالث - أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها، والرابع - قال أبو عبيدة - وهو أشبهها بالصواب - إن القصص التي قصها الله تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الأخبار بهلاك الأولين، إنما هو حديث حدث به عن قوم، وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم، فيحل بهم مثلما حل بهم، وحكى ابن النقيب قولا خامسا: أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق، ومعنى قوله: (ولكل حرف حد) أي منتهى فيما أراد الله من معناه، وقيل: لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب، ومعنى قوله: (ولكل حد مطلع) لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصل
стр. 334
به إلى معرفته ويوقف على المراد منه، وقيل: كل ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع (١) عليه في الآخرة عند المجازاة» (٢).
هذا وقد بين حجة الإسلام الغزالي - وهو إمام من أئمة الصوفية- أن الظاهر لا بد من إحكامه أولا قبل التعرض للباطن في تفسير القرآن الكريم، وأن من يدعي معرفة الباطن قبل إحكام الظاهر كمن يدعي البلوغ إلى صدر البيت قبل تجاوز الباب، فقال ﵀: «فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ودخل في زمرة من يفسر بالرأي، فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولا، ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط، والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة، ونحن نرمز إلى جمل منها ليستدل بها علي أمثالها، ويعلم أنه لا يجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر أولا، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن يدعي البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب، أو يدعي فهم مقاصد الأتراك من كلامهم وهو لا يفهم لغة الترك، فإن ظاهر التفسير يجري مجرى تعليم اللغة التي لا بد منها للفهم» (٣).
وفي ضوء إيمان الصوفية بهذه النظرية التي تقول: (إن للقرآن ظاهرا وباطنا) فسروا لنا آيات القرآن الكريم، إلا أن لهم طرائق مختلفة في هذا المجال، فبعضهم جمع في تفسيره بين ظاهر القرآن وباطنه، مثل الإمام الآلوسي
стр. 335
في كتابه (روح المعاني) فإنه يولي عنايته أولا للمعاني الظاهرة، ثم يتبع ذلك بذكر الباطن فيقول: (ومن البطون كذا) أو (من باب الإشارات كذا)، بيد أن تفسير الآلوسي أقرب إلى أهل الظاهر منه إلى أهل الباطن.
ومنهم من غلبت عليه ناحية التفسير الباطني، مع تعرضه قليلا للتفسير الظاهر، وذلك كما فعل سهل التستري في تفسيره، ومنهم من وجه همته كلها للتفسير الباطني، ولم يحم حول المعاني الظاهرة للقرآن الكريم، مثلما فعل أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه: (حقائق التفسير) ومحيي الدين بن عربي في مواضع من الفتوحات المكية وفصوص الحكم، وفي التفسير المنسوب إليه (١).
غير أن ابن عربي في كتابه: (الفتوحات المكية) ينوه كثيرا بتفسير الصوفية للقرآن الكريم الذي يدور حول الباطن، ويطلق عليه اسم (الإشارات)، ويقول: إن أهل الله - وهم الصوفية في نظره - قد تلقوا - هذه الإشارات عن الله تعالى بطريق الإلهام الرباني، لا بطريق التعلم بالقلم، بينما علماء الرسوم - ويريد بهم العلماء الذين يعملون بالظاهر - قد تلقوا علومهم - بالطريقة التقليدية - من أفواه أمثالهم من البشر، وشتان بين من يتلقى علمه عن الحي الذي لا يموت وبين من يتلقى علمه عن الأموات، ثم يدعي ابن عربي أن الصوفية هم أحق الناس بتفسير القرآن وشرحه، وأن إشاراتهم - في هذا المجال - منزلة من عند الله تعالى، فكما أن الكتاب منزل من الله على الأنبياء فإن شرح هذا الكتاب قد أنزله الله تعالى علي الأولياء، وبين حين وآخر يحمل ابن عربي حملة شعواء على علماء الظاهر الذين أسماهم علماء الرسوم أي الأشكال والمظاهر، ويصفهم بأنهم للأولياء كالفراعنة للرسل ﵈، فيقول ابن عربي - في هذا الصدد -: «وما خلق الله أشق ولا أشد من علماء الرسوم على أهل الله المختصين بخدمته،
стр. 336
العارفين به من طريق الوهب الإلهى الذي منحهم أسراره في خلقه، وفهمهم معاني كتابه وإشارات خطابه، فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل ﵈، ولما كان الأمر في الوجود الواقع على ما سبق به العلم القديم - كما ذكرناه - عدل أصحابنا - يعني الصوفية - إلى الإشارات، كما عدلت مريم ﵍ من أجل أهل الإفك والإلحاد إلى الإشارة، فكلامهم ﵃ في شرح كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إشارات، وان كان ذلك حقيقة وتفسيرا لمعانيه النافعة، ورد ذلك كله إلى نفوسهم مع تقريرهم إياه في العموم، وفيما نزل فيه، كما يعلمه أهل اللسان الذي نزل ذلك الكتاب بلسانهم، فعم به سبحانه عندهم الوجهين، كما قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ (١) يعني الآيات المنزلة في الآفاق وفي أنفسهم، فكل آية منزلة لها وجهان: وجه يرونه في نفوسهم، ووجه آخر فيما خرج عنهم فيسمون ما يرونه في نفوسهم إشارة. أيأنس الفقيه صاحب الرسوم إلى ذلك، ولا يقولون في ذلك إنه تفسير وقاية لشرهم وتشنيعهم في ذلك بالكفر عليه، وذلك لجهلهم بموانع خطاب الحق، واقتدوا في ذلك بسنن الهدى، فإن الله كان قادرا على تنصيص ما تأويله أهل الله في كتابه، ومع ذلك فما فعل، بل أدرج في تلك الكلمات الإلهية التي نزلت بلسان العامة علوم معاني الاختصاص التي فهمها عباده، حين فتح لهم فيها بعين الفهم الذي رزقهم، ولو كان علماء الرسوم ينصفون لاعتبروا في نفوسهم إذا نظروا في الآية بالعين الظاهرة التي يسلمونها فيما بينهم، فيرون أنهم يتفاضلون في ذلك، ويعلو بعضهم على بعض في الكلام في معنى تلك الآية، ويقر القاصر بفضل غير القاصر فيها، وكلهم في مجرى واحد، ومع هذا الفضل المشهود لهم فيما بينهم في ذلك ينكرون على أهل الله إذا جاءوا بشيء مما يغمض عن إدراكهم، وذلك لأنهم يعتقدون فيهم أنهم ليسوا بعلماء،
стр. 337
وأن العلم لا يحصل إلا بالتعلم المعتاد في العرف، وصدقوا فإن أصحابنا ما حصل لهم ذلك العلم إلا بالتعلم، وهو الإعلام الرحماني الرباني، قال تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (١) فإنه القائل: ﴿أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿خلق الإنسان * علمه البيان﴾ (٣) فهو سبحانه معلم الإنسان، فلا نشك أن أهل الله هم ورثة الرسل ﵈، والله يقول - في حق الرسول -: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ (٤) وقال - في حق عيسي -: ﴿ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾ (٥) وقال - في حق خضر صاحب موسى ﵇: ﴿وعلمناه من لدنا علما﴾ (٦) فصدق علماء الرسوم عندنا فيما قالوا: إن العلم لا يكون إلا بالتعلم، وأخطئوا في اعتقادهم أن الله لا يعلم من ليس بنبي ولا رسول، يقول الله: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾ (٧) وهي العلم، وجاء بمن وهي نكرة، ولكن علماء الرسوم لما آثروا الدنيا على الآخرة، وآثروا جانب الخلق على جانب الحق، وتعودوا أخذ العلم من الكتب ومن أفواه الرجال الذين من جنسهم، ورأوا في زعمهم أنهم من أهل الله بما علموا وامتازوا به عن العامة - حجبهم ذلك عن أن يعلموا أن لله عبادا تولى الله تعليمهم في سرائرهم بما أنزله في كتبه،
стр. 338
وعلى ألسنة رسله، وهو العلم الصحيح عن العالم المعلم الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ولا غير مؤمن».
ثم قال ابن عربي: «وكما كان أصل تنزيل الكتاب من الله على أنبيائه، كان تنزيل الفهم على قلوب بعض المؤمنين به، فالأنبياء ﵈ ما قالت على الله ما لم يقل لها، ولا أخرجت ذلك من نفوسها ولا من أفكارها، ولا تعملت فيه، بل جاءت به من عند الله، كما قال تعالى: ﴿تنزيل من حكيم حميد﴾ (١) وقال فيه إنه «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه» (٢) وإذا كان الأصل المتكلم فيه من عند الله، لا من فكر الإنسان ورويته - وعلماء الرسوم يعلمون ذلك - فينبغي أن يكون أهل الله العاملون به أحق بشرحه وبيان ما أنزل الله فيه من علماء الرسوم، فيكون شرحه أيضا تنزيلا من عند الله على قلوب أهل الله كما كان الأصل، وكذا قال علي بن أبي طالب ﵁ في هذا الباب: «ما هو إلا فهم يؤتيه الله من يشاء من عباده في هذا القرآن» فجعل ذلك عطاء من الله، يعبر عن ذلك العطاء بالفهم عن الله، فأهل الله أولي به من غيرهم».
إلى أن قال ﵀: «فاسم الفقيه أولى بهذه الطائفة من صاحب علم الرسوم، فإن الله يقول فيهم: ﴿ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ (٣) فأقامهم مقام الرسوم في التفقه في الدين والإنذار، وهو الذي يدعو إلى الله على بصيرة، كما يدعو رسول الله ﷺ على بصيرة، لا على غلبة ظن، كما يحكم عالم الرسوم، فشتان بين من هو فيما يفتي به ويقوله على بصيرة منه في دعائه الى الله، وهو علي بينة من ربه، وبين من يفتى في دين الله بغلبة ظنه، ثم إن من شأن عالم الرسوم في الذب عن نفسه أنه يجهل من يقول: (فهمتي ربي)، ويرى أنه أفضل منه، وأنه
стр. 339
صاحب العلم، إذ يقول من هو من أهل الله: (إن الله ألقى في سري مراده بهذا الحكم في هذه الآية) أو يقول: (رأيت رسول الله ﷺ في واقعتي فأعلمني بصحة هذا الخبر المروي عنه وبحكمه عنده) قال أبو زيد البسطامي ﵁ في هذا المقام وصحته - يخاطب علماء الرسوم: أخذتم علمكم ميتا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدثني فلان، وأين هو؟ قالوا: مات، عن فلان، وأين هو؟ قالوا: مات» (١).
ومن هذا يتبين لنا أن معظم أولئك الذين تعرضوا للتفسير من الصوفية كانوا يركزون على الباطن أكثر من تركيزهم على الظاهر، ويسمون المعاني الباطنية بالحقائق والجواهر والأسرار والإشارات، وعلى الرغم من ذلك نجد كثيرا من أئمة الصوفية يقولون: إن الصوفية يعترفون بالظاهر إلى جانب اعترافهم بالباطن في تفسير القرآن الكريم، فهذا هو الإمام الغزالي - بعد أن ذكر لنا مثالا للتفسير الصوفي - يقول: «لا تظنن من هذا الأنموذج وطريقة ضرب الأمثال رخصة مني في رفع الظواهر، واعتقادا في إبطالها حتى أقول مثلا: لم يكن مع موسى نعلان، ولم يسمع الخطاب بقوله: ﴿اخلع نعليك﴾ (٢) حاشى لله فإن إبطال الظواهر رأي الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين، وجهلوا جهلا بالموازنة بينهما، فلم يفهموا وجهه، كما أن إبطال الأسرار مذهب الحشوية، فالذي يجرد الظاهر حشوي، والذي يجرد الباطن باطني، والذي يجمع بينهما كامل، ولذلك قال ﵊: (للقرآن ظاهر وباطن وحد ومطلع) (٣) وربما
стр. 340
وربما نقل هذا عن على موقوفا عليه، بل أقول: موسى فهم من الأمر بخلع النعلين: اطرح الكونين، فامتثل الأمر ظاهرا بخلع نعليه، وباطنا بخلع العالمين، فهذا هو الاعتبار أي العبور من شيء إلى غيره، ومن ظاهر إلى سر (١).
كما يؤكد الشيخ ابن عطاء الله السكندري وهو علم من أعلام التصوف البارزين هذه الحقيقة، وهي أن الصوفية يؤمنون بالظاهر إلى جانب إيمانهم بالباطن في تفسير القرآن الكريم، فيقول: "اعلم أن تفسير هذه الطائفة يعني الصوفية … لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني الغريبة ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له ودلت عليه في عرف اللسان، وثم أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه، وقد جاء في الحديث: (لكل آية ظهر وبطن) فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة: هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله، فليس ذلك إحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا: «لا معنى للآية إلا هذا، وهم لم يقولوا ذلك، بل يقرون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها، ويفهمون عن الله تعالي ما أفهمهم» (٢).
وأيضا نجد الامام الآلوسي يقرر هذا المعنى في تفسيره فيقول: «وأما كلام السادة الصوفية في القرآن فهو من باب الإشارات إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، وذلك من كمال الايمان ومحض العرفان، لا أنهم اعتقدوا أن الظاهر غير مراد أصلا،
стр. 341
وإنما المراد الباطن فقط، إذ ذاك اعتقاد الباطنية الملاحدة، توصلوا به إلى تفي الشريعة بالكلية، وحاشي سادتنا من ذلك، كيف وقد حضوا على حفظ التفسير الظاهر، وقالوا: لا بد منه أولا، إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن قبل إحكام التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب» (١).
ومن هذه النصوص التي أوردناها ونقلناها عن أئمة الصوفية يتبين لنا أن الصوفية - بوجه عام .. يعترفون بالظاهر والباطن معا في تفسير القرآن الكريم، وكأنهم - بهذا الاعتراف - يريدون أن ينفوا عن أنفسهم تهمة شنيعة وجهت إلى الشيعة الباطنية من قبل علماء أهل السنة وغيرهم، ألا وهي تهمة إنكار الظاهر، والاعتماد على الباطن دون غيره في تأويل النصوص الدينية من آيات وأحاديث، ولكن من حق البحث علينا أن نتسائل: هل الباطن الذي قال به الصوفية في تفسير القرآن الكريم يتمشي مع الظاهر دائما؟ أو بتعبير أدق: هل الباطن الذي ورد عن الصوفية في التفسير قد توافر فيه الشرطان اللذان ذكرهما الشاطبى في (الموافقات) وهما موافقة اللغة وشهادة الشرع (٢) حتى يمكننا قبوله أم لا؟.
الواقع أننا لا نستطيع أن نقول: إن الصوفية جميعا قد التزموا بهذين الشرطين تماما في تفسير القرآن الكريم، بل نجد لبعضهم من أمثال ابن عربي تأويلات بعيدة عن روح القرآن الكريم، وفاقدة للشرطين معا، لا سيما تلك التأويلات التي تمت بصلة إلى نظرية وحدة الوجود، فمثل هذه
стр. 342
التأويلات يمكن أن يطلق عليها شطحات، ونحن نميل إلى رفضها وعدم قبولها، لأنها عندنا لا تختلف كثيرا عن تأويلات الباطنية التي تحدثنا عنها في الفصل السابق.
وهذه الشطحات التي تتضمن أقوالا موهمة، ولا يقرها شرع ولا عقل قد توقف في قبولها من قبل الإمام الغزالي ﵀ وهو علم من أعلام الصوفية بل حرمها، وكشف عن خطرها وضررها، وأفتى بقتل من نطق بها، فقال ﵀:
(وأما الشطح فنعني به صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية):
أحدهما: الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى، والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة، حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب، والمشاهدة بالرؤية، والمشافهة بالخطاب، فيقولون: قيل لنا كذا، وقلنا كذا، ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذي صلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا الجنس، ويستشهدون بقوله: (أنا الحق) وبما حكي عن أبى يزيد البسطامي أنه قال: (سبحاني سبحاني) وهذا فن من الكلام عظيم ضرره في العوام، حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم، وأظهروا مثل هذه الدعاوى، فإن هذا الكلام يستلذه الطبع، إذ فيه البطالة من الأعمال، مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال، فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم، ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة، ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا: هذا إنكار مصدره العلم والجدل، والعلم حجاب، والجدل عمل النفس، وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق، فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره، وعظم في العوام ضرره، حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة، وو أما أبو يزيد البسطامي ﵀ فلا يصح عنه ما يحكى، وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله في كلام يردده في نفسه كما لو سمع وهو يقول: ﴿إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ (١) فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية.
стр. 343
«الصنف الثاني من الشطح كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة، وفيها عبارات هائلة، وليس وراءها طائل، إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها، بل يصدرها عن خبط في عقله، وتشويش في خياله، لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه، وهذا هو الأكثر، وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره، لقلة ممارسته للعلم، وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة، ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول، ويحير الأذهان، أو يحمل على أن يفهم منها معان ما أريدت بها، ويسكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه» (١).
أما العلامة ابن خلدون فيرى أن هذه الشطحات إن كانت قد صدرت عمن صدرت عنه - وهو غائب عن الحس - فإنه يعذر، أما إذا كانت قد صدرت عن صاحبها - وهو حاضر الحس - فإنه يؤاخذ، كما بين ابن خلدون أن سلف الصوفية وأعلامهم المتقدمين لم يخوضوا في شيء من هذا القبيل، بل كانوا يحذرون من الخوض فيه، وكانوا يلتزمون بأحكام الشرع ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وفي ذلك يقول ابن خلدون: «وأما الألفاظ الموهمة التي يعبرون عنها بالشطحات ويؤاخذهم بها أهل الشرع فاعلم أن الإنصاف في شأن القوم أنهم أهل غيبة عن الحس، والواردات تملكهم حتي ينطقوا عنها بما لا يقصدونه، وصاحب الغيبة غير مخاطب (٢) والمجبور معذور فمن علم منهم فضله واقتداؤه حمل على القصد الجميل من هذا وأمثاله، وإن العبارة عن المواجد صعبة لفقدان الوضع لها، كما وقع لأبي يزيد البسطامي
стр. 344
وأمثاله، ومن لم يعلم فضله ولا اشتهر فمؤاخذ بما صدر عنه من ذلك، إذ لم يتبين لنا ما يحملنا على تأويل كلامه، وأما من تكلم بمثلها وهو حاضر في حسه. ولم يملكه الحال فمؤاخذ أيضا ولهذا أفتى الفقهاء وأكابر الصوفية بقتل الحلاج، لأنه تكلم في حضور وهو مالك لحاله والله أعلم، وسلف المتصوفة من أهل الرسالة (١) أعلام الملة الذين أشرنا إليهم من قبل لم يكن لهم حرص على كشف الحجاب، ولا هذا النوع من الإدراك، إنما همهم الاتباع والاقتداء ما استطاعوا، ومن عرض له شيء من ذلك أعرض عنه ولم يحفل به، بل يفرون منه ويرون أنه من العوائق والمحن، وأنه إدراك من إدراكات النفس مخلوق حادث، وأن الموجودات لا تنحصر في إدراك الإنسان. وعلم الله أوسع، وخلقه أكبر، وشريعته بالهداية أملك، فلم ينطقوا بشيء مما يدركون بل حظروا الخوض في ذلك، ومنعوا من يكشف لهم الحجاب من أصحابهم من الخوض فيه والوقوف عنده، بل يلتزمون طريقتهم كما كانوا في عالم الحس قبل الكشف من الاتباع والاقتداء، ويأمرون أصحابهم بالتزامها» (٢).
ويرى الشيخ ابن الصلاح أن كلام الصوفية في القرآن - بوجه عام - لا يعد من قبيل التفسير، بل هو من باب ذكر النظير بالنظير، فيقول: «وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي - المفسر - أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي (حقائق التفسير) فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر - قال ابن الصلاح - وأنا أقول: الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئا من ذلك أنه لم يذكره تفسيرا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك منهم لنظير ما ورد به القرآن فإن النظير يذكر بالنظير. ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإبهام والإلباس» (٣).
стр. 345
أما أستاذنا الجليل الدكتور محمد حسين الذهبي فيرى أن تفسير الصوفية للقرآن قسمان: القسم الأول تفسير صوفي نظري، والقسم الآخر تفسير صوفي إشاري، وكلاهما لا يخلو من شطحات، وهذه الشطحات لا يمكن لنا قبولها، إذ أنها لا تتفق مع الشرع ولا مع العقل في شيء، وفي هذا الصدد يقول الدكتور الذهبي ﵀: «وإذا ما ذهبنا نستعرض ما للقوم من تفسير صوفي نظري، وما لهم من تفسير إشاري فيضي وجدنا في هذا أو ذاك اتجاها منحرفا عن النهج القويم لتفسير القرآن الكريم، فالتفسير الصوفي النظري تفسير يخرج بالقرآن - في الغالب - عن هدفه الذي يرمي إليه، يقصد القرآن هدفا معينا بنصوصه وآياته، ويقصد الصوفي هدفا معينا بأبحاثه ونظرياته، وقد يكون بين الهدفين تنافر وتضاد، فيأبى الصوفي إلا أن يحول القرآن عن هدفه ومقصده إلى ما يقصده هو ويرمي إليه، وغرضه بهذا كله أن يروج لتصوفه على حساب القرآن، وأن يقيم نظرياته وآراءه على أساس من كتاب الله، وبهذا الصنيع يكون الصوفي قد خدم فلسفته ونظرياته التصوفية ولم يقدم للقرآن شيئا إلا هذا التأويل الذي كله شر على الدين وإلحاد في آيات الله» (١).
ثم قال - بعد ذلك -: (وليس من شك في أن التفسير الذي أقامه ابن عربي على نظرية (وحدة الوجود) لا يقبل بحال من الأحوال، لأنه هدم للدين من أساسه، كما أن التفسير الذي أقامه على نظريات الفلاسفة في الطبيعة وما وراء الطبيعة لا يقبل على أنه تفسير موافق لمراد الله تعالى ومقصوده الذي جاء القرآن من أجله، هذه كلمة الحق أقولها في الاتجاه النظري للتفسير الصوفي، أما الاتجاه الاشارى أو الفيضي فللقوم فيه جولات وشطحات، وإذا ما بحثنا عن مستند لهذا الاتجاه في التفسير وجدنا مستندهم الأول والأهم ما ينسب إلى رسول الله ﷺ من أن القرآن له ظهر وبطن، وعلماء الرسوم - في زعم القوم - يفهمون الظاهر فقط، أما الباطن فلا يدركه إلا من صفت نفسه
стр. 346
وتعلق بالله قلبه، حتى أصبح يدرك بعين اليقين ما لا يدركه أهل الرسوم بعلم اليقين، ولا نريد أن نناقش القوم في صحة ما ينسب إلى رسول الله ﷺ من أن القرآن له ظهر وبطن، ولكن نناقشهم في معنى الظهر والبطن، فهل الظهر ما يظهر من معنى النص القرآني بادي الرأي، والبطن ألغاز وأحاج ومعميات لا يفهمها إلا هم؟ لا فالقرآن فوق هذا، لأن الله تعالى يقول في شأنه: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ (١) ويقول: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ (٢) ويقول: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات﴾» (٣).
والذي أدين الله عليه أن ظاهر القرآن - وهو المنزل بلسان عربي مبين - هو المفهوم العربي المجرد، وباطنه هو مراد الله تعالى وغرضه الذي يقصد إليه من وراء الألفاظ والتراكيب (٤).
وبعد:
فإنه ليس من الصواب في شيء أن نقبل ونسلم بكل ما قاله الصوفية في تفسير القرآن الكريم من إشارات، ولو كانت من قبيل الشطحات، بدعوى أنهم تلقوا هذه الإشارات عن الله تعالى بطريق الالهام كما يقول ابن عربي في كلمته سالفة الذكر، كما أنه ليس من الانصاف في شيء أن نلغي عقولنا ومسلمات ديننا لكي نسلم للصوفية بكل ما صدر عنهم من شطحات لا يقبلها عقل ولا يقرها شرع، ولست أرى ما يراه الإمام الآلوسي - في هذا الصدد -
стр. 347
من أن الإنصاف كل الانصاف هو التسليم للسادة الصوفية الذين هم مركز للدائرة المحمدية ما هم عليه، واتهام ذهنك السقيم فيما لم يصل - لكثرة العوائق والعلائق - إليه (١).
ولكني أرى ما يراه الإمام الشاطبي في كتابه: (الموافقات) من أن التأويل الباطني للقرآن لا بد في قبوله من شرطين: هما موافقة اللغة وشهادة الشرع، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 348
أمثلة من شطحات الصوفية
في التفسير الشطحات - كما سبق أن ذكرنا - هي الألفاظ الموهمة والدعاوى العريضة التي صدرت عن بعض شيوخ الصوفية، والشطح كلمة مولدة تفيد معنى التباعد والاسترسال، يقال: شطح في السير أو في القول إذا تباعد واسترسل (١)، فكأن هؤلاء الذين نطقوا بهذه الألفاظ الموهمة قد تباعدوا عما يفهمه الناس ويألفونه، وتوغلوا - في هذا المضمار - توغلا كبيرا، مثلما نقل عن (الحلاج) أنه قال: (أنا الحق)، ومثلما حكي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: (سبحاني سبحاني، ما أعظم شاني).
وقد ذكر الشيخ مصطفى عبد الرازق تعليلا آخر الكلمة الشطح فقال ﵀: «والشطح لفظة مأخوذة من الحركة، يقال: شطح إذا تحرك، وهو عبارة مستغربة في وصف وجد فاض بقوته، وهاج لشدة غليانه وغلبته، فهي حركة أسرار الواجدين إذا قوى وجدهم، فعبروا عن وجدهم بعبارات يستغربها سامعها، ومن ذلك ما يروى عن أبي يزيد البسطامي المتوفى سنة ٢٦١ هـ (٨٧٥ م) أنه قال: رفعني مرة، فأقامني بين يديه، وقال لي: يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيني بوحدانيتك، وألبسني ربانيتك، وارفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هناك» (٢).
стр. 349
هذا وإليك أمثلة من شطحات الصوفية في التفسير، ونكتفي - في هذا المجال - بما ذكره محيي الدين ابن عربي في بعض كتبه، وبما ذكره ابن الجوزي عن تفاسير الصوفية للقرآن، والله المستعان:
المثال الأول:
في ضوء نظرية (وحدة الوجود) التي يقررها ابن عربي في كتبه يفسر لنا قول الله تعالى: ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ (١) فيقول: «فقد علمت حكمة نشأة آدم أعني صورته الظاهرة، وقد علمت نشأة روح آدم، أعني صورته الباطنة، فهو الحق الخلق، وقد علمت نشأة رتبته، وهي المجموع الذي به استحق الخلافة، فآدم هو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع الإنساني، وهو قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾ فقوله: (اتقوا ربكم) اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم، واجعلوا ما بطن منكم - وهو ربكم - وقاية لكم، فإن الأمر ذم وحمد، فكونوا وقايته في الذم، واجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين» (٢).
وقد علق الدكتور أبو العلا عفيفي على هذه الفقرة من كلام ابن عربي فقال: (أما قوله: (اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم) إلخ فيمكن فهمه بمعنيين: الأول - اجعلوا الصورة التي هي مجلي الاسم الإلهي وقاية لذلك الاسم، فإنه لا وجود للاسم ولا معنى له إلا بها، ولا تنسوا أن الاسم الالهى أيضا وقاية للصورة، إذ لا وجود لها إلا به، والمعنى الثاني وهو أدنى إلى المراد، وأكثر تمشيا مع بقية الفقرة - أن يقال: إن الصورة الخارجية
стр. 350
للإنسان هي جسمه، وهو المشار إليه بقوله: (ما ظهر)، والصورة الباطنية له هي ذلك الجزء الإلهي فيه المقوم لصورته، وهو المعبر عنه بالرب، فالمراد أن ينسب الإنسان كل الصفات البدنية إلى البدن وحده، وبذلك يقي ربه، لأن صفات البدن ذميمة، وقصر الوصف بها على البدن وقاية للرب، وأن ينسب كل الصفات الروحية إلى الصورة الباطنية، وهي الرب. وفي هذا وقاية للبدن، لأن صفات الرب صفات حمد أو مدح، ومن له صفات الحمد يحتمي به من له صفات الذم، ومعنى العبارة كلها: إن كان ذم فانسبوه لأنفسكم واحموا الله منه، وإن كان مدح فانسبوه إلى الله الذي هو فيكم واحتموا به، ولذلك قال المؤلف: فكونوا وقايته في الذم، واجعلوه وقايتكم في الحمد» (١).
ونحن لنا على كلام ابن عربي هنا ملاحظتان:
الملاحظة الأولى: أن ابن عربي وصف آدم ﵇ بأنه الحق والخلق معا، أي أنه الله وما خلق الله في وقت واحد، وزعم أن آدم هو الحق باعتبار صورته الباطنة، أو وجود الروح الإلهية فيه، كما زعم أنه الخلق باعتبار صورته الظاهرة أي بدنه، وهذا الذي قاله ابن عربي خلاف ما أجمع عليه المسلمون من أن آدم - بروحه وبدنه - مخلوق للحق ﵎، وفرق بين الخالق والمخلوق، فالخالق «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» (٢).
والملاحظة الثانية: أن ابن عربي فسر قوله تعالى: (اتقوا ربكم) تفسيرا غريبا مخالفا لما قاله المفسرون، فإن ظاهر الآية يفيد أن الناس مأمورون بتقوى الله تعالي، والتقوى هي جعل النفس في وقاية مما يخاف، فمعني (اتقوا ربكم) خافوا عذابه بامتثال أوامر. واجتناب نواهيه، ولكن ابن عربي يتجاهل هذا كله، ويخلط بين الأمر والمأمور خلطا
стр. 351
عظيما، حيث يجعل الناس - باعتبار (وحدة الوجود) التي يؤمن بها - لهم صورة ظاهرة، وصورة باطنة، أما الصورة الظاهرة منهم - وهي أبدانهم - فهم مطالبون بأن يجعلوها وقاية لربهم، فينزهوا الرب عن صفات الأبدان الذميمة، وأما الصورة الباطنة منهم - وهي الرب - فهم مطالبون بأن يجعلوها وقاية لهم، لأن صفات الرب صفات حمد، ومن له صفات الحمد يحتمى به من له صفات الذم.
ألا ترى معي أن هذا التفسير الباطني الذي ذكره ابن عربي هنا لا يتمشى قط مع عقيدة التوحيد التي نادى بها القرآن حيث يقول ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ (١)، كما أنه لا يتفق ومدلولات الألفاظ في كلام العرب من حيث الحقيقة أو المجاز، ومن ثم فإنه يحق لنا أن نرفض هذا التفسير شكلا وموضوعا، وأن نعتبره من جملة الدخيل الذي تسلل إلى رحاب القرآن الكريم.
يضاف إلى ذلك أن مذهب ابن عربي القائل بوحدة الوجود مذهب دخيل علي الإسلام وليس من الإسلام في شئ لأن عقيدة الإسلام تقوم أساسا على التفرقة بين الخالق والمخلوق، فتفسير ابن عربي للآية في ضوء هذا المذهب الباطل لا يمكن لنا قبوله بحال، كيف وقد جعل عقيدته أصلا والقرآن تابعا لها على عكس ما يجب أن يكون، يقول الدكتور أبو العلا عفيفي - في شرح مذهب ابن عربي في وحدة الوجود -: «أما مذهبه فوحدة الوجود وليس من الإسلام في قليل أو كثير، لأنه يرى أن الوجود حقيقة واحدة، ويعد التعدد والكثرة أمرا قضت به الحواس الظاهرة، والعقل الإنساني القاصر عن أن يدرك الوحدة الذاتية للأشياء، أو يدرك المجموع كمجموع، ويتلخص مذهبه في عبارته القصيرة الواردة في الفتوحات» (ج ٢ ص ٦٠٤) وهي: «سبحان من خلق الأشياء وهو عينها، فإنه يقرر فيها وجود الأشياء ووجود خالق لها، كما يقرر الوحدة الذاتية، أو العينية للاثنين: الخالق والمخلوق،
стр. 352
وفي البيتين الآتيين الواردين في الفصوص (ص ١٣٩) إشارة إلى هذا المعنى، وهما:
يا خالق الأشياء في نفسه … أنت لما تخلقه جامع
تخلق ما لا ينتهي كونه … فيك فانك الضيق الواسع
فلا فرق في نظره بين الواحد والكثير، أو الحق والخلق إلا بالاعتبار والنظر العقلي، أما العارف فيدرك بطريق الذوق وحدتها، وعلى ذلك فمذهبه واحدي لا ثنوى، إلا إذا اعتبرنا الثنوية في الصفات لا غير، لأنه كثيرا ما يصف الحقيقة الوجودية الواحدة بالمتقابلات، أمثال الحق والخلق؛ والباطن والظاهر، والأول والآخر، والمشبه والمنزه وأمثال ذلك، أما الحقيقة في ذاتها فواحدة لا تقبل كثرة ما» (١).
المثال الثاني:
وقد ترتب على إيمان ابن عربي بوحدة الوجود أنه قال كذلك بوحدة الأديان، وأنه لا فرق بين الأديان السماوية وغيرها، فالكل صحيح، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ (٢)، وقد صاغ عقيدته تلك في بيت شعري فقال:
عقد الخلائق في الإله عقائدا … وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه
كما شرح لنا تلك العقيدة فقال: «فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم بالأمر علي ما هو عليه، فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها، فإن الله تعالى أوسع وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد، فإنه يقول: (فأينما تولوا فتم وجه الله)، وما ذكر أينا
стр. 353
من أين … فقد بان لك عن الله تعالى أنه في أينية كل وجهة، وما ثم إلا الاعتقادات، فالكل مصيب، وكل مصيب مأجور، وكل مأجور سعيد، وكل سعيد مرضي عنه (١).
وفي ضوء إيمان ابن عربي بوحدة الأديان يرى الوثنيين على حق في عبادة الأصنام لأنهم لا يعبدون في الحقيقة إلا الله ، فيقول - عن قوم نوح ﵇: فقالوا - في مكرهم -: «﴿لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾» (٢) فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من يعرفه، ويجهله من يجهله، في المحمدين: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ (٣) أى حكم، فالعالم يعرف من عبد، وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود، فالأدنى من تخيل فيه الألوهية، فلولا هذا التخيل ما عبد الحجر ولا غيره، ولهذا قال: «قل سموهم (٤) فلو سموهم لسموهم حجارة وشجرا وكوكبا، ولو قيل لهم: من عبدتم لقالوا: إلها، ما كانوا يقولون: الله ولا الإله، والأعلى ما تخيل، بل قال: هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر، فالأدنى صاحب التخيل يقول: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» (٥)، والأعلى العالم يقول: «إنما إلهكم إله واحد فله أسلموا» (٦) حيث ظهر (وبشر المخبتين)».
стр. 354
الذين خبت نار طبيعتهم، فقالوا: إلها ولم يقولوا طبيعة» (١).
ويعلق الدكتور أبو العلا عفيفي على كلام ابن عربي هذا فيقول: «يرى ابن عربي أن كل من يدعو إلى الله على هذا الوجه - أي على سبيل التنزيه كما دعا نوح قومه - يمكر بمن يدعوه ويخدعه، وذلك أن المدعو مهما كانت عقيدته، ومهما كان معبوده لا يعبد في الحقيقة إلا الله، لأنه لا يعبد إلا مجلى من مجالي الحق في الوجود، فدعوته إلى الله مكر به، لأنها تحمله على الاعتقاد بأنه يعبد شيئا آخر سوى الله، وما في الوجود سواه، أما مكر قوم نوح فظاهر من عبارتهم: ﴿لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾، لأنهم إن تركوا هذه الآلهة فقد جهلوا من الحق على قدر ما تركوا، ذلك لأن للحق في كل معبود وجها لا يعبد المعبود إلا من أجله، وهنا يفهم ابن عربي نصا آخر من القرآن على أنه تقرير لوحدة الوجود من حيث صلتها بعبادة الله، فيقول: في مذهب المحمديين: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾، أي حكم، بمعنى قدر أزلا أنكم إن تعبدوا إلا إياه، لا بمعنى أمر ألا تعبدوا إلا إياه، يدل على ذلك قوله في العبارة التالية: فالعالم يعلم من عبد. وفي أي صورة ظهر حتى عدل (٢).
ونحن نرى أن ابن عربي هنا قد جانبه الصواب، وخانه التوفيق من وجوه:
الوجه الأول: أن وحدة الأديان التي نادى بها ابن عربي، ومفادها أن معتقدات الناس كلها صحيحة لا يمكن لنا قبولها، لأن من حقنا أن نتساءل: إذا كانت هذه المعتقدات كلها صحيحة فلماذا إذن حارب الرسل ﵈ عبادة الأصنام، وسفهوا أحلام من عبدوها من دون الله؟ أليس ذلك دليلا
стр. 355
على عدم صحتها، وبطلان عبادتها؟ إن شئت برهانا على ذلك فاقرأ معنى قول الله تعالى - حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (٧٤) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (٧٥) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (٧٦) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (٧٧) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون (٧٨) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (٧٩)﴾ (١).
ثم إن من حقنا كذلك أن نتساءل: إذا كانت هذه المعتقدات كلها صحيحة فلماذا إذن حطم إبراهيم ﵇ الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله؟ أليس ذلك دليلا على أنها معبودات باطلة، وأن الصحيح فقط هو عبادة الله رب العالمين، إن شئت فاقرأ معى ما حكاه الله تعالى كذلك عن إبراهيم ﵇ حيث يقول: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (٥١) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (٥٢) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (٥٣) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (٥٤) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (٥٥) قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (٥٦) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (٥٧) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (٥٨)﴾ (٢).