← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30170

تنقيح الفصول في علم الأصول

القرافي

Полный текст (475 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

[الفصل] الثالث فيمن يتعين عليه الاجتهاد أفتى أصحابنا ﵃ بأن العلم على قسمين: «فرض عين»، و «فرض كفاية»، وحكى الشافعي في «رسالته» (١) والغزالي في «إحياء علوم الدين» (٢) الإجماع على ذلك. - ف «فرض العين» الواجب على كل أحد هو (٣): علمه بحالته التي هو فيها (٤)؛ مثاله: - رجل أسلم ودخل وقت الصلاة، فيجب عليه أن يتعلم الوضوء والصلاة. - فإن أراد أن يشتري طعاما لغذائه؛ قلنا: يجب عليه أن يتعلم ما يعتمد في ذلك. - وإن أراد الزواج (٥)؛ وجب عليه أن يتعلم ما يعتمد في ذلك. - وإن أراد أن يؤدي شهادة (٦)؛ فيجب (٧) عليه أن يتعلم شروط التحمل والأداء.

стр. 422

- فإن أراد أن يصرف ذهبا؛ فيجب (١) عليه أن يتعلم (٢) حكم الصرف. فكل حالة يتصف بها يجب عليه أن يعلم (٣) حكم الله تعالى عليه (٤) فيها؛ فعلى هذا: لا ينحصر فرض العين في العبادات ولا بباب من أبواب الفقه كما يعتقد (٥) كثير من الأنبياء، وعلى هذا القسم يحمل قوله ﷺ : «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (٦) (٧)، فمن توجهت (٨) عليه حالة: - فعلم (٩) وعمل بمقتضى علمه؛ فقد أطاع الله تعالى طاعتين. - ومن لم يعلم ولم (١٠) يعمل؛ فقد عصى الله تعالى معصيتين.

стр. 423

ومن علم ولم يعمل؛ فقد أطاع الله طاعة وعصاه معصية؛ ففي هذا المقام يكون العالم خيرا من الجاهل. و [أما] (١) المقام الذي يكون الجاهل فيه خيرا من العالم: [١] من شرب خمرا يعلمه، وشربه آخر يجهله (٢)؛ فإن العالم [به] (٣) يأتم بخلاف الجاهل، وهو أحسن حالا من العالم. [٢] وكذلك من اتسع في العلم باعه؛ تعظم مؤاخذته؛ لعلو منزلته بخلاف الجاهل؛ فهو أسعد حالا [من العالم] (٤) في هذين الوجهين (٥). وأما «فرض الكفاية»: فهو العلم الذي لا يتعلق بحالة الإنسان؛ فيجب على الأمة أن يكون منهم طائفة يتفقهون في الدين؛ ليكونوا قدوة للمسلمين؛ حفظا للشرع من الضياع. والذي يتعين لهذا من الناس: من جاد حفظه، وحسن إدراكه، وطابت سجيته وسيرته، ومن لا فلا.

стр. 424

[الفصل] الرابع في زمانه - واتفقوا على جواز الاجتهاد بعد وفاته ﵇ (١) - وأما في زمنه (٢)، فوقوعه منه ﵇: (٣) • قال به الشافعي وأبو يوسف. • وقال أبو علي وأبو هاشم: لم يكن متعبدا به؛ لقوله تعالى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ (٤). • وقال بعضهم: كان له أن يجتهد في الحروب [والآراء] (٥) دون الأحكام (٦) • قال الإمام: وتوقف أكثر المحققين في الكل. (٧)

стр. 425

وأما وقوع الاجتهاد في زمنه (١) ﵇ من غيره فقليل (٢)، وهو جائز عقلا في الحاضر عنده ﵇ والغائب عنه؛ فقد قال له معاذ بن جبل ﵁: «أجتهد رأيي» (٣) (٤).

стр. 426

[الفصل] الخامس في شرائطه وهي (١) (٢): - أن يكون عالما بمعاني الألفاظ وعوارضها، من التخصيص والنسخ وأصول الفقه. - ومن كتاب الله تعالى ما يتضمن (٣) الأحكام، وهو خمسمائة آية، ولا يشترط الحفظ، بل العلم بمواضعها؛ لينظرها عند الحاجة إليها. - ومن السنة مواضع (٤) أحاديث الأحكام دون حفظها. - ومواضع الاجتماع (٥) والاختلاف. - والبراءة الأصلية.

стр. 427

- وشرائط [الحد] (١) والبرهان (٢). - والنحو واللغة والتصريف. - وأحوال الرواة، ويقلد (٣) من تقدم في ذلك (٤). - ولا يشترط عموم النظر، بل يجوز أن يحصل صفة الاجتهاد في فن دون فن (٥)، وفي مسألة دون مسألة، خلافا لبعضهم (٦).

стр. 428

[الفصل] السادس في التصويب - قال الجاحظ (١) و [عبيد الله] (٢) العنبري (٣) بتصويب (٤) المجتهدين في أصول الدين، بمعنى: نفي الإثم، لا بمعنى: مطابقة الاعتقاد، واتفق سائر العلماء على فساده (٥).

стр. 429

- وأما في الأحكام الشرعية؛ فاختلفوا: هل الله تعالى في نفس الأمر حكم معين في [الوقائع] (١) أم لا (٢)؟ والثاني (٣): قول من قال: «كل مجتهد مصيب» (٤)، وهو قول جمهور المتكلمين، ومنهم: الأشعري، والقاضي أبو بكر منا، وأبو علي وأبو هاشم من المعتزلة (٥). - وإذا لم يكن الله تعالى حكم معين: فهل في الواقعة حكم لو كان الله تعالى حكم معين [لحكم] (٦) به، أم لا (٧)؟ والأول: هو القول بالأشبه، وهو قول جماعة من المصوبين (٨).

стр. 430

والثاني: قول بعضهم. - وإذا قلنا بالمعين (١)؛ فإما أن يكون عليه [دليل] (٢): • ظني. • أو قطعي. • أو ليس عليه واحد منهما. والثاني (٣): قول جماعة من الفقهاء والمتكلمين، ونقل عن الشافعي (٤) [مثله] (٥)، وهو عندهم كدفين يعثر عليه بالاتفاق (٦).

стр. 431

والقول (١) بأن عليه دليلا ظنيا (٢): • فهل كلف بطلب ذلك الدليل؟ فإن أخطأه [تعين] (٣) التكليف إلى ما غلب على ظنه، وهو قول [بعضهم] (٤) (٥). • أو لم يكلف بطلبه لخفائه (٦)؟ وهو قول كافة الفقهاء؛ منهم الشافعي وأبو حنيفة ﵃. والقائلون بأن عليه دليلا قطعيا: اتفقوا على أن المكلف مأمور بطلبه: • وقال بشر المريسي (٧): إن أخطأه؛ استحق العقاب (٨).

стр. 432

• وقال غيره: لا يستحق العقاب (١). - واختلفوا أيضا: هل ينقض قضاء القاضي إذا خالفه؟ قاله الأصم (٢)، خلافا للباقين (٣). - والمنقول عن مالك ﵀: أن المصيب واحد، واختاره الإمام (٤). - وقال الإمام: عليه دليل ظني، ومخالفه معذور، والقضاء لا ينقض (٥) لنا (٦): أن الله تعالى شرع الشرائع لتحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة، أو درء المفاسد الخالصة أو الراجحة، ويستحيل وجودها في النقيضين؛ فيتحد الحكم. احتجوا بانعقاد الإجماع على أن المجتهد يجب عليه أن يتبع ما غلب على ظنه ولو خالف [الإجماع] (٧)، وكذلك من قلده، ولا نعني بحكم الله إلا ذلك،

стр. 433

فكل (١) مجتهد مصيب، وتكون ظنون المجتهدين تتبعها الأحكام، كأحوال المضطرين والمختارين بالنسبة إلى الميتة؛ فيكون الفعل الواحد حلالا حراما بالنسبة إلى شخصين كالميتة.

стр. 434

[الفصل] السابع في نقض الاجتهاد (١) أما في (٢) المجتهد في نفسه: فلو تزوج امرأة علق طلاقها الثلاث قبل (٣) الملك بالاجتهاد (٤): • فإن حكم به حاكم ثم تغير اجتهاده، لم ينقض. • (وإن لم يحكم، نقض) (٥)، ولم يجز له إمساك المرأة. - وأما العامي: إذا فعل ذلك بقول المفتي ثم تغير اجتهاده، فالصحيح أنه تجب (٦) المفارقة، [قاله الإمام] (٧) (٨).

стр. 435

• وكل حكم اتصل [به] (١) قضاء القاضي استقر، إلا أن يكون ذلك القضاء مما ينقض في نفسه (٢).

стр. 436

[الفصل] الثامن في الاستفتاء -[إذا استفتي مجتهد فأفتى] (١)، ثم سئل ثانية (٢) عن تلك الحادثة: • فإن كان ذاكرا لاجتهاده الأول، أفتى (٣). • وإن نسي استأنف الاجتهاد، فإن أداه إلى خلاف الأول، أفتى بالثاني، قال الإمام: والأحسن أن يعرف العامي ليرجع (٤). - ولا يجوز لأحد الاستفتاء إلا إذا غلب على ظنه أن الذي يستفتيه من أهل العلم والدين والورع (٥). - فإن اختلف عليه العلماء في الفتوى: • فقال قوم (٦): يجب عليه الاجتهاد في أعلمهم وأورعهم؛ لتمكنه من ذلك.

стр. 437

• وقال قوم (١): لا يجب؛ لأن الكل طرق إلى الله تعالى، ولم ينكر أحد على العوام في عصر [ترك] (٢) النظر في أحوال العلماء. - وإذا فرعنا على الأول: فإن حصل ظن الاستواء مطلقا: • فأمكن أن يقال: ذلك متعذر، كما قيل في الأمارات (٣) (٤). • وأمكن أن يقال: يسقط (٥) عنه التكليف ويفعل ما يشاء منهما (٦). - وإن حصل ظن الرجحان مطلقا، تعين العمل بالراجح. - وإن حصل من وجه: • فإن كان في العلم والاستواء في الدين؛ فمنهم من خير، ومنهم من أوجب الأخذ بقول الأعلم، قال الإمام: "وهو الأقرب (٧) "، ولذلك قدم في إمامة الصلاة (٨). • وإن كان في الدين والاستواء في العلم؛ فيتعين الأدين.

стр. 438

• فإن رجح (١) أحدهما في دينه والآخر في علمه: [فقيل:] (٢) يتعين الأدين، وقيل: الأعلم، وهو (٣) الأرجح كما مر (٤).

стр. 439

[الفصل] التاسع فيمن يتعين عليه الاستفتاء الذي تنزل به الواقعة: - إن كان عاميا، وجب عليه الاستفتاء. - وإن كان عالما لم يبلغ درجة الاجتهاد؛ قال: "فالأقرب أنه يجوز له الاستفتاء" (١). (٢) - وإن بلغ درجة الاجتهاد: • وكان قد اجتهد وغلب على ظنه حكم، فاتفقوا على تعينه في حقه. (٣) • وإن كان لم يجتهد: • فأكثر أهل السنة على أنه لا يجوز له التقليد، وهو مذهب مالك ﵀ (٤)

стр. 440

• وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري رحمة الله عليهم: يجوز مطلقا. (١) • وقيل: يجوز تقليد العالم الأعلم، وهو قول محمد بن الحسن (٢). (٣) • وقيل: يجوز فيما يخصه دون ما يفتي به (٤). • وقال ابن سريج: إن ضاق وقته عن الاجتهاد؛ جاز (٥)، وإلا فلا. (٦) فهذه [خمسة] (٧) أقوال. لنا: قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٨). - ولا يجوز التقليد في أصول الدين لمجتهد (٩) ولا للعوام عند الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (١٠)؛ ولعظم الخطر في الخطأ في جانب الربوبية، بخلاف الفروع؛ فإنه ربما كفر في الأول، ويتاب في الثاني جزما (١١).

стр. 441

الباب العشرون في جميع أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين وفيه فصلان

стр. 442

الفصل الأول في الأدلة (١) وهي على قسمين: أدلة مشروعيتها، وأدلة وقوعها. - فأما أدله مشروعيتها، فتسعة عشر (٢) بالاستقراء. - وأما أدلة وقوعها، فلا يحصرها عدد. (٣) فلنتكلم أولا على أدلة مشروعيتها، فنقول: هي: [١] الكتاب. [٢] والسنة. [٣] وإجماع الأمة. [٤] وإجماع أهل المدينة.

стр. 443

[٥] والقياس. [٦] وقول الصحابي. [٧] والمصلحة المرسلة. [٨] والاستصحاب. [٩] والبراءة الأصلية. [١٠] والعوائد. [١١] والاستقراء. [١٢] وسد الذرائع. [١٣] والاستدلال. [١٤] والاستحسان. [١٥] والأخذ بالأخف. [١٦] والعصمة. [١٧] وإجماع أهل الكوفة. [١٨] وإجماع [العترة] (١). [١٩] وإجماع الخلفاء الأربعة. فأما الخمسة الأولى (٢)، فقد تقدم الكلام عليها (٣).

стр. 444

[٦] وأما قول الصحابي (١): فهو حجة عند مالك (٢) والشافعي في القول (٣) القديم (٤)

стр. 445

ذض مطلقا (١)؛ لقوله ﵇: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم» (٢). ومنهم من قال: إن خالف القياس، فهو حجة، وإلا فلا. (٣) ومنهم من قال: قول أبي بكر وعمر ﵄ حجة دون غيرهما. (٤) وقيل: قول الخلفاء الأربعة ﵃ حجة إذا اتفقوا. (٥)

стр. 446

[٧] المصلحة المرسلة (١): والمصالح بالإضافة إلى شهادة الشرع لها بالاعتبار على ثلاثة أقسام: [١] ما شهد الشرع باعتباره؛ وهو: القياس الذي تقدم. [٢] وما شهد الشرع بعدم اعتباره، نحو: المنع من زراعة العنب؛ لئلا يعصر [منه] (٢) الخمر. [٣] وما لم (٣) يشهد [الشرع] (٤) له باعتبار ولا بإلغاء، وهو: «المصلحة المرسلة» (٥). [وهي] (٦) عند مالك (٧) رحمة الله عليه حجة. (٨)

стр. 447

وقال الغزالي: «إن وقعت في محل الحاجة أو (١) التحمة؛ فلا تعتبر، وإن وقعت في محل الضرورة؛ فيجوز أن يؤدي (٢) إليها اجتهاد مجتهد، ومثاله: تترس الكفار بجماعة من (٣) المسلمين، فلو كففنا عنهم، لصدمونا واستولوا علينا (٤) وقتلوا المسلمين كافة، ولو رميناهم؛ لقتلنا الترس معهم». قال: «فيشترط في هذه المصلحة أن تكون: [١] كلية، [٢] قطعية، [٣] ضرورية» (٥) (٦). [١] فالكلية، احترازا عما إذا تترسوا في قلعة بمسلمين؛ فلا يحل رمي المسلمين؛ إذ (٧) لا يلزم من ترك تلك القلعة فساد عام. [٢] والقطعية؛ احترازا: - عما إذا لم يقطع باستيلاء الكفار علينا إذا لم نقصد الترس (٨). - وعن المضطر بأكل (٩) قطعة من فخذه (١٠). [٣] والضرورية: احترازا من المناسب الكائن في محل الحاجة والتتمة. (لنا: أن) (١١) الله تعالى إنما بعث الرسل؛ لتحصيل مصالح العباد، عملا

стр. 448

بالاستقراء، فمهما وجدناها مصلحة؛ غلب على الظن أنها مطلوبة للشرع (١). [٨] الاستصحاب (٢): ومعناه: أن اعتقاد كون الشيء في الماضي [أو] (٣) الحاضر، يوجب ظن ثبوته في الحال [أو] (٤) الاستقبال. فهذا الظن: (٥) - عند مالك والإمام والمزني (٦) وأبي بكر الصير في رحمة الله عليهم حجة (٧).

стр. 449

- خلافا (١) لجمهور الحنفية (٢) والمتكلمين (٣). (لنا: أنه) (٤) قضاء بالطرف (٥) الراجح، فيصح، ك: أروش (٦) الجنايات، واتباع الشهادات. [٩] البراءة الأصلية: وهي: استصحاب حكم العقل في عدم الأحكام، خلافا للمعتزلة والأبهري وأبي الفرج منا (٧). [لنا: أن ثبوت العدم] (٨) في الماضي يوجب ظن (٩) عدمه في الحال، فيجب الاعتماد على هذا الظن بعد الفحص عن رافعه وعدم وجوده عندنا وعند طائفة من الفقهاء (١٠).

стр. 450

[١٠] العوائد: والعادة: غلبة معنى من المعاني على الناس، وقد تكون هذه الغلبة: - في سائر الأقاليم، كالحاجة للغذاء والتنفس في الهواء. - وقد تكون خاصة ببعض البلاد، كالنقود والعيوب. - وقد تكون خاصة ببعض الفرق، كالأذان للإسلام والناقوس للنصارى. فهذه العادة يقضى بها عندنا؛ لما تقدم في الاستصحاب (١). [١١] الاستقراء: وهو: تتبع الحكم (٢) [في] (٣) جزئياته على حالة يغلب على الظن أنه في صورة النزاع على تلك الحالة، كاستقرائنا الفرض في جزئياته لا يؤدى على الراحلة، فيغلب على الظن أن الوتر لو كان فرضا؛ لما أدي على الراحلة (٤) (٥).

стр. 451

وهذا الظن حجة عندنا وعند الفقهاء (١). [١٢] سد الذرائع: والذريعة: هي الوسيلة للشيء، فمعنى ذلك: حسم مادة وسائل الفساد دفعا (٢) له؛ فمتى كان الفعل السالم عن (٣) المفسدة وسيلة إلى المفسدة؛ منعنا من ذلك الفعل. وهو مذهب مالك رحمة الله عليه (٤). • تنبيه: ينقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العوائد والمصلحة المرسلة وسد الذرائع، وليس كذلك: - أما العرف: فمشترك بين المذاهب، ومن استقراها، وجدهم يصرحون بذلك فيها. - وأما المصلحة المرسلة: فغيرنا يصرح بإنكارها، ولكنهم عند التفريع تجدهم يعللون (٥) بمطلق المصلحة، ولا يطالبون أنفسهم عند الفروق والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار، بل يعتمدون على مجرد (٦) المناسبة، وهذا (٧) هو

стр. 452

المصلحة المرسلة. - وأما الدرائع: فقد أجمعت (١) الأمة على أنها على ثلاثة أقسام: * أحدها معتبر إجماعا، كحفر الآبار في طرق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم، وسب الأصنام عند من يعلم من (٢) حاله أنه يسب الله تعالى حينئذ. * وثانيها ملغى إجماعا، كزراعة العنب، فإنه لا يمنع خشية الخمر، والشركة في سكنى الدور خشية الزنا. * وثالثها مختلف (٣) فيه، كبيوع الآجال (٤)، اعتبرنا نحن الذريعة فيها، وخالفنا غيرنا (٥). فحاصل القضية: أنا قلنا بسد الدرائع أكثر من غيرنا، [لا أنها] (٦) خاصة بنا. واعلم أن الذريعة كما يجب سدها، فيجب (٧) فتحها، ويكره، ويندب،

стр. 453

ويباح (١)؛ فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة؛ فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج (٢) (٣). وموارد الأحكام على قسمين: - مقاصد: وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها. - ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما [أفضت] (٤) إليه من تحريم أو تحليل، غير أنها أخفض رتبة من (٥) المقاصد في حكمها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة. وينبه على اعتبار الوسائل قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطعون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح﴾ (٦)، فأثابهم الله تعالى على الظمأ والنصب وإن (٧) لم يكونا من فعلهم؛ لأنهما (٨) حصلا لهم بسبب التوسل (٩) إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين؛ (فالاستعداد وسيلة [إلى] (١٠) الوسيلة) (١١).

стр. 454

• قاعدة: كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة؛ فإنها تبع، وقد خولفت (١) هذه القاعدة في الحج في إمرار الموسى على رأس من لا شعر له، مع أنه وسيلة إلى إزالة الشعر، فيحتاج إلى ما يدل على أنه مقصود في نفسه، وإلا فهو مشكل (٢). • تنبيه (٣): قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة: - كالتوسل إلى فداء الأسرى (٤) بدفع المال إلى العدو والذي (٥) حرم عليهم الانتفاع به؛ لكونهم مخاطبين بفروع الشريعة عندنا (٦). - وكدفع مال [لرجل] (٧) يأكله حراما حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن ذلك إلا به.

стр. 455

- وكدفع المال للمحارب حتى لا [يقتتل] (١) هو وصاحب المال. واشترط مالك فيه اليسارة (٢). ومما يشنع على مالك رحمة الله عليه مخالفته لحديث بيع الخيار (٣) مع روايته [له] (٤)، وهو مهيع (٥) متسع، ومسلك غير ممتنع، فلا يوجد (٦) عالم إلا وقد خالف من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵇ أدلة كثيرة، ولكن لمعارض راجح عليها عند [مخالفها] (٧)، وكذلك (٨) ترك مالك هذا الحديث لمعارض راجح، وهو عمل أهل المدينة؛ فليس هذا بابا اخترعه، ولا بدعا [ابتدعه] (٩) (١٠).

стр. 456

ومن هذا الباب (١) ما يروى عن الشافعي ﵁ أنه قال: «إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي» (٢)، أو «فاضربوا بمذهبي [عرض] (٣) الحائط»، فإن كان مراده: - مع عدم المعارض؛ فهذا مذهب العلماء كافة، وليس خاصا به. - وإن كان مع وجود المعارض؛ فهو خلاف الإجماع، فليس هذا القول خاصا بمذهبه كما ظنه بعضهم. [١٣] الاستدلال (٤): وهو: محاولة الدليل المفضي إلى الحكم الشرعي من جهة القواعد لا من [جهة] (٥) الأدلة [المنصوصة] (٦). وفيه قاعدتان:

стр. 457

القاعدة الأولى: في الملازمات (١) - وضابط الملزوم: ما يحسن فيه «لو». - واللازم: ما يحسن فيه «اللام». نحو قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (٢)، وقولنا: إن [كان] (٣) هذا الطعام مهلكا؛ فهو حرام، تقديره: لو كان مهلكا، لكان حراما. والاستدلال إما بوجود الملزوم أو بعدمه، أو بوجود اللازم أو بعدمه؛ فهذه الأربعة منها اثنان منتجان واثنان عقيمان. فالمنتجان: الاستدلال بوجود الملزوم على وجود اللازم، وبعدم اللازم على عدم الملزوم، فكل ما أنتج وجوده فعدمه عقيم، وكل ما أنتج عدمه فوجوده عقيم، إلا أن يكون اللازم مساويا للملزوم؛ فتنتج (٤) الأربعة، نحو قولنا: لو كان هذا إنسانا لكان ضاحكا بالقوة. ثم الملازمة قد تكون: - قطعية، كالعشرة مع الزوجية. - وظنية، كالنجاسة مع كأس الحجام (٥).

стр. 458

- وقد تكون كلية، كالتكليف مع العقل، فكل مكلف عاقل في سائر الأزمان والأحوال (١)، فكليتها (٢) [باعتبار ذلك لا باعتبار] (٣) الأشخاص. - وجزئية: كالوضوء مع الغسل، فالوضوء (٤) لازم للغسل إذا سلم من النواقض حالة (٥) إيقاعه [فقط] (٦)، فلا جرم [يلزم من انتفاء اللازم] (٧) - الذي هو: الوضوء - انتفاء (٨) الملزوم - الذي هو: الغسل -؛ لأنه ليس كليا، بخلاف انتفاء العقل، يوجب انتفاء التكليف في سائر (٩) الصور. القاعدة الثانية أن الأصل في المنافع: الإذن، وفي المضار: المنع، بأدلة السمع لا بالعقل، خلافا للمعتزلة (١٠). وقد تعظم المنفعة (١١) فيصحبها الندب أو الوجوب مع الإذن، وقد تعظم المضرة فيصحبها التحريم على قدر رتبتها، فيستدل على الأحكام بهذه القاعدة.

стр. 459

[١٤] الاستحسان (١): قال الباجي: "هو القول بأقوى الدليلين (٢)، وعلى هذا يكون حجة إجماعا، وليس كذلك (٣). - قال (٤): وقيل: "هو الحكم بغير دليل (٥)، وهو اتباع للهوى؛ فيكون حراما إجماعا (٦). - وقال الكرخي: "هو العدول عما حكم به في نظائر مسألة إلى خلافه لوجه أقوى منه (٧)، وهذا يقتضي أن [يكون] (٨) العدول عن العموم إلى الخصوص.

стр. 460

استحسانا، [ومن المنسوخ إلى الناسخ] (١). - وقال أبو الحسين: "هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد، غير شامل شمول الألفاظ، لوجه أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول" (٢)، فبالأول خرج العموم، وبالثاني ترك القياس المرجوح للقياس الراجح؛ لعدم طريانه عليه. وهو حجة عند الحنفية وبعض البصريين منا (٣)، وأنكره العراقيون (٤). [١٥] الأخذ بالأخف (٥): وهو عند الشافعي رحمة الله عليه حجة (٦). (٧)
следующие страницы →