يتخير المأمور به إيقاعه في أي جزء أراده. فإن قيل: جواز الترك في أول الوقت ينافي وجوبه، فيحمل على البدل. قلنا: قد أبطلنا جواز التأخير إلى بدل.
يدل على أنا نعني تعلق الوجوب بكل الوقت: عدم جواز خلاءه عن الفعل وعدم اشتغاله به فترجع حقيقة الموسع إلى المخير.
فرع: الواجب الموسع في جميع العمر - كالقضاء والنذور -، إنما يجوز تأخيره إذا غلب على ظنه البقاء، وإن لم يبق. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز تأخير الحج إلى سنة؛ لأن البقاء إلى سنة لا يغلب على الظن (١). والشافعي رحمه الله تعالى [يرى] البقاء إلى سنة غالب على الظن في حق الشاب الصحيح، دون الشيخ والمريض. والمعزر إذا غلب على ظنه السلامة، فهلك ضمن ولم يأثم.
***
الثالثة: إذا تناول الأمر جماعة، فإن كان على سبيل الجمع، فقد لا يكون فعل البعض شرطا في فعل البعض. وقد يكون، كصلاة الجمعة. وإن تناول على سبيل البدل، فهو فرض كفاية، وذلك إذا كان الغرض حاصلا بفعل البعض، كالجهاد. والتكليف فيه منوط بغلبة الظن، إذ الممكن تحصيل الظن بأن غيري ما قام بهذا الفعل، لا العلم.
стр. 107
* النظر الثاني: في أحكام الوجوب
* مسألة: الأمر المطلق بالشيء أمر بما لا يتم إلا به إذا كان مقدورا. وقالت الواقفية: إن كانت المقدمة سببا للمأمور به كان أمرا بها، وإلا فلا (١).
* لنا: أن الأمر اقتضى إيجاب الفعل على كل حال، إذ الكلام فيه، فلو لم يقتض مقدمته لكان قد كلف بالفعل حال عدمها، وهو تكليف ما لا يطاق.
فإن قلت: أمر بالفعل بشرط حضور المقدمة. قلت: ذلك خلاف الظاهر.
ثم يبطل بأمر السيد لعبده بسقي الماء، وهو على مسافة، فإنه لا يتقيد الأمر بحال قطع المسافة، وإلا لو قعد عن قطعها لم يتوجه الأمر إليه. وجوابكم عنه هو جوابنا.
فرعان:
* الأول: اختلفوا فيما زاد على الواجب الغير مقدر، كمسح الرأس والطمأنينة، فقيل باتصافه بالوجوب (٢). وهو باطل، إذ جواز تركه ينافي وجوبه.
* الثاني: إذا اختلطت منكوحة بأجنبية وجب الكف عنهما. ثم قيل: الحرام هو الأجنبية، والمنكوحة حلال (٣). وهو باطل؛ لأن رفع الحرج عن
стр. 108
الفعل ينافي حرمته. وإنما حرمت الأجنبية لكونها أجنبية، والمنكوحة لاشتباهها بالأجنبية (١).
أما إذا طلق إحدى زوجتيه، احتمل أن يقال بحلهما؛ لأن الطلاق شيء معين، فلا يحصل إلا في متعين. ومنهم من حرمهما إلى وقت البيان، تعليقا للحرمة.
***
الثانية: الأمر بالشيء نهي عن ضده. خلافا لجمهور المعتزلة (٢) وبعض أصحابنا (٣).
* لنا: أن الدال على الشيء دال على ما هو من ضروراته، والمنع من الترك من ضرورات الطلب الجازم، فكان دالا عليه التزاما. ولأن الطلب الجازم يناقضه الإذن في الترك.
فإن قلت: الآمر بالشيء قد يكون غافلا عن ضده. قلت: نحن ندعي أن الأمر بالشيء نهى عن ضده المشعور به، على أنه ينتقض بما سلمتموه من أن الأمر بالشيء أمر بمقدماته وإن غفل عنها.
***
الثالثة: ليس من شرط الوجوب تحقق العقاب؛ لأن العفو عن الكبائر
стр. 109
جائز. وقال الغزالي به (١)، وهو مناقض لما زيفه (٢) من أن الوجوب ما يعاقب على تركه.
* * *
الرابعة: الوجوب إذا نسخ بقي الجواز. خلافا للغزالي (٣). لنا: أن المقتضي للجواز قائم، وهو الأمر المقتضي للوجوب بمعنى الإذن في الفعل، إذ هو جزؤه. والمعارض لا يصلح مزيلا؛ لأنه إنما يقتضي زوال الوجوب بزوال المنع من الترك، فيبقى جواز الفعل، وهو المطلوب.
* * *
الخامسة: ما جاز تركه لا يجب فعله، لتنافيهما. وقال الكعبي (٤) وأتباعه: المباح واجب؛ لأنه ترك الحرام، وهو واجب وجوابه: أن المباح ليس نفس ترك الحرام، بل هو فرد من أفراد ما يترك به الحرام.
وقال كثير من الفقهاء: الصوم واجب على المريض والحائض والمسافر (٥).
стр. 110
وقيل: إنما يجب على المسافر فقط (١). وعندنا: يجب صوم أحد الشهرين بدلا (٢).
احتجوا بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. ولأن المأتي به بعد زوال العدد يسمى قضاء. وينوى قضاء، فيحكي وجوبا سابقا. ولأنه يتقدر بقدره، فكان بدلا عنه، كغرامات المتلفات.
والجواب: أنه استدلال بالظواهر والأقيسة على الجمع بين النقيضين، فلا يسمع.
فروع:
*الأول: الحق أن المندوب غير مأمور به، لما سبق.
*الثاني: التطوع لا يجب بالشرع فيه. خلافا لأبي حنيفة ﵁ (٣). لنا قوله ﵇: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (٤).
стр. 111
* الثالث: قال الأستاذ أبو إسحاق: المباح من التكليف، بمعنى أنه يجب اعتقاد إباحته (١). وهو ضعيف؛ لأنه لم يرد تكليف بفعله، بل اعتقاده، وهما متغايران.
* الرابع: المباح حسن إن عني به رفع الحرج عن فعله. وإن عني به ما يثاب عليه، فلا.
* الخامس: قال بعضهم (٢): المباح ليس من الشرع؛ لأن انتفاء الحرج عن الفعل والترك كان معلوما قبل الشرع.
والحق أنه إن عنى به أن الشرع أثبت حكما لم يكن، فليس كذلك. وإن عنى به أنه ورد خطاب من الشرع بتحققه، فهو كذلك؛ لأن جواز الفعل والترك ورفع الحرج عنهما إنما ثبت بالشرع، فإذا لم يرد الشرع بذلك انعقد الإجماع على أنه مباح.
***
النظر الثالث: في المأمور به.
وفيه مسائل:
الأولى: تكليف ما لا يطاق جائز. خلافا للمعتزلة (٣).
стр. 112
* لنا وجوه:
الأول: أن الله تعالى أمر الكافر بالإيمان بالنصوص، وهو منه محال لإفضائه إلى انقلاب العلم جهلا، وهو على الله تعالى محال. فإن قيل: لا تسلم أن الإيمان منه محال، بدليل أنه لو فرض الإيمان بدلا عن الكفر كان العلم في الأزل متعلقا به دون الكفر، فلم يلزم محال. قلت: علمه في الأول (١) لما تعلق بعدم الإيمان، فلولا حصول متعلقه انقلب العلم جهلا في الماضي.
الثاني: أنه تعالى أمر أبا جهل بالإيمان، ومن الإيمان: تصديق الله تعالى بكل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه: أنه لا يؤمن، فقد صار مكلفا بأن يؤمن وبأن لا يؤمن. وهو جمع بين الضدين.
الثالث: أن صدور الفعل من العبد يتوقف على داعية يخلقها الله تعالى على ما سبق، وحينئذ يلزم الجبر (٢).
الرابع: أنه تعالى أمر بمعرفته، فالمأمور إما عارف بالله تعالى - وهو تحصيل الحاصل -. أو غير عارف (٣) - وهو تكليف ما لا يطاق ـ، إذ علمه بالأمر فرع معرفته بالآمر.
стр. 113
احتج المخالف بوجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿لا تكلف نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨].
الثاني: أن في العرف من كلف الأعمى نقط المصحف عد عابثا، تعالى الله عن ذلك.
الثالث: لو جاز الأمر بالمحال، لجاز أمر الجماد وبعثة الرسل إليها.
والجواب عن الأول: أن ظواهر النقل لا تعارض القواطع العقلية، على أنها تعلم أنها مأولة. ثم هو معارض بقوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وعن الثاني: إن عنيت بالعبث الخالي عن المصلحة، منعنا استحالته.
وعن الثالث: أن الأمر عندنا الإعلام، وذلك يختص بالفاهم دون الجماد.
***
الثانية: قال الأكثرون منا (١) ومن المعتزلة (٢): الكفار مخاطبون بفروع الإسلام، بمعنى: أنهم يعاقبون على تركها. خلافا لجمهور الحنفية (٣). وقيل:
стр. 114
يتناولهم النهي دون الأمر (١).
* لنا وجوه:
الأول: المقتضي للوجوب قائم، وهو قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١]. والكفر ليس بمانع، إذ يمكنه الإيمان أولا، ثم يأتي بالعبادات ثانيا، ولهذا قلنا: المحدث مأمور بالصلاة، والدهري مكلف بتصديق الرسول ﵇.
الثاني: قوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٣]. عللوا دخولهم سقر بتركهم الصلاة وغيره ولم يكذبهم الله تعالى فيه.
الثالث: تناولهم النهي، فكذا الأمر، بجامع تحصيل مصلحة التكليف. فإن قلت: العقاب إنما كان لمجرد التكذيب، فإنه سبب مستقل، فيحال الحكم عليه. سلمناه، لكن المراد من المصلين كما في قوله ﵇: «نهيت عن قتل المصلين» (٢)، لئلا يلزم الكذب، فإن أهل الكتاب في سقر مع أنهم يصلون. ثم هو معارض بأنه لو وجبت عليه الصلاة مثلا لوجبت في حال الكفر، وهو
стр. 115
ممتنع. أو بعده وهو باطل إجماعا. ولأنها لو وجبت لوجب قضاؤها بالقياس على المسلم.
والجواب عن الأول: أن حمله على المجموع أولى لئلا يخلو الذكر عن فائدة. والتكذيب وإن كان سببا مستقلا في دخول النار، لكن لا يقتضي موضعا معينا فيها.
وعن الثاني: أنه تأويل لا يتأتى في قوله تعالى: ﴿ولم نك من المصلين﴾ [المدثر]. وأما الصلاة، فلما كانت في شرعنا عبارة عن الأفعال المخصوصة، لم يكن أهل الكتاب مصلين.
وعن الثالث: أنه لا يرد علينا؛ لأنا عنينا به زيادة العقاب. وأما القضاء، فهو منقوض بالجمعة. ثم الفرق بينهما: أن وجوب القضاء ينفره عن الإسلام، بخلاف المسلم.
***
الثالثة: فعل المأمور به يقتضي الإجزاء، بمعنى سقوط الأمر. خلافا لأبي هاشم وأتباعه (١).
* لنا: أنه أتى بما أمر به - إذ الكلام فيه ـ، فوجب الخروج عن العهدة، إذ الأمر لم يتناول غير المأتي به بالأصل. ولأنه لو قال السيد لعبده: "افعل هذا، فإذا فعلت لا يجزيك" عد متناقضا.
стр. 116
احتجوا بوجوه: الأول: أن الأمر بالشيء إنما يفيد كونه مأمورا به، فكونه يقتضي الإجزاء لا يقتضيه الأمر.
الثاني: أن النهي لا يقتضي الفساد، فالأمر لا يقتضي الإجزاء.
الثالث أنه يجب إتمام الحج والصوم الفاسدين مع أنهما لا يجزئان.
والجواب عن الأول: أن الإتيان بالمأمور به يقتضي سقوط التكليف به وهو المعني بالإجزاء.
وعن الثاني: على تقدير التسليم أن النهي لا ينفي كونه سببا لحكم آخر، بخلاف الأمر، فإنه إنما يقتضي فعل المأمور به، فيستحيل بقاؤه بعده.
وعن الثالث: أنه يجزئ عن الأمر بإتمامهما، ولا يجزئ عن الأمر بالحج والصوم.
***
الرابعة: الإخلال بالمأمور به المقيد بوقت لا يوجب القضاء؛ لأن الأمر لم يتناول ما عدا ذلك الوقت، فلا يدل عليه بنفي ولا إثبات (١).
أما إذا كان الأمر مطلقا، كما إذا قال: "افعل"، فإذا لم يفعل في أول
стр. 117
وقت الإمكان، فهل يجب فعله فيما بعده، أو يحتاج إلى دليل آخر؟! أما نفاة الفور، فأوجبوا الفعل مطلقا. وأما مثبتوه، فاختلفوا فيه (١). ومنشأ الخلاف: أن قوله: "افعل"، هل معناه: افعل في الزمن الثاني والثالث أبدا. أو معناه: افعل في الزمن الثاني من غير بيان الزمن الثالث والرابع، فحينئذ تصير المسألة لغوية.
***
الخامسة: الأمر بالأمر بالشيء، كقوله ﵇ «مروهم بالصلاة لسبع» (٢)، لا يكون أمرا للصبي. أما لو قال: كل من أمرته بشيء فقد أمرته به، كان أمرا به، لكنه في الحقيقة إنما جاء من القول الثاني.
***
السادسة: الأمر بالماهية الكلية ليس أمرا بشيء من جزءياتها، إذ الجزء غير الكل، فلم يدل اللفظ عليه بالمطابقة ولا بالتضمن ولا الالتزام. اللهم إلا إذا دلت قرينة على الرضا ببعض الجزءيات حمل عليه، كقوله لوكيله: بع. فإن شهادة العرف تقيده بثمن المثل.
***
стр. 118
* النظر الرابع: في المأمور
وفيه مسائل:
الأولى: يجوز أمر المعدوم، بمعنى أن الشخص إذا وجد تعلق الأمر به. وإن وجد الأمر قبله (١). خلافا لسائر الفرق (٢).
* لنا: أن الواحد منا مأمور بأمر الرسول ﷺ . والأمر موجود حال عدمنا.
فإن قلت: أمر النبي ﵇ إخبار عن الله تعالى بأمر المكلف إذا وجد. ثم هو معارض بأنه تعالى لو أمر في الأزل مع عدم المأمور عد عابثا. ولا يجوز أن يكون خبرا لئلا يتطرق إليه التصديق والتكذيب، فيكون كمن أخبر نفسه، إذ ليس في الأزل غيره وهو عبث.
والجواب عن الكل: أنه مبني على التحسين والتقبيح العقليين، وقد أبطلناهما.
***
الثانية: تكليف الغافل لا يجوز، لقوله ﵇ «رفع القلم عن ثلاثة» (٣).
стр. 119
ولأن فعل الشيء مشروط بالعلم به، فحصول الأمر مع عدم العلم به تكليف ما لا يطاق.
فإن قيل: لا نسلم. وبيانه من وجوه: الأول: أنه قد خوطب السكران وهو غافل - بقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣]. الثاني: أن الصبي والمجنون والنائم غافلون، مع أن أفعالهم مضمونة عليهم. الثالث: ينتقض ما ذكرتم بالأمر بمعرفة الله تعالى، وبالأمر بالنظر، مع عدم علمه بهما.
والجواب عن الآية: أن المراد منها من ظهرت منه مبادئ النشاط.
وقوله: ﴿حتى تعلموا﴾ [النساء: ٤٣]، أي حتى يتكامل فيكم العلم، كما تقول للغضبان: اصبر حتى تعلم ما تقول. وعن الثاني: أنه خطاب للولي في الحال، أو الصبي بعد البلوغ. وعن المعرفة: ما سبق في تكليف ما لا يطاق. وأما النظر، فقيل: العلم به ضروري. وهو ضعيف، بل تلك الصورة مستثناه.
* * *
الثالثة: يجب قصد إيقاع المأمور على سبيل الطاعة، لقوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات» (١). ويستثنى عنه: الواجب الأول، وهو: النظر، لعدم العلم بوجوبه قبل الإتيان به. وقصد الطاعة، دفعا للتسلسل.
стр. 120
الرابعة: المكره الملجأ إلى الفعل لا يؤمر به ولا بتركه، لوجوب الفعل وامتناع الترك، وبين الإيقاع وعدمه تناف.
***
الخامسة: المأمور إنما يصير مأمورا بالفعل حال وقوعه، والموجود قبله إعلام له بأنه في الزمن الثاني يصير مأمورا (١). وقالت المعتزلة: مأمور قبله (٢).
* لنا: أنه لو أمر بالفعل في الزمن الأول، فإن أمكن وقوعه كان مأمورا بالفعل حال إمكان وقوعه. وإن امتنع، فيكون مأمورا بالممتنع، وهو محال عندكم.
فإن قيل: هو مأمور في الزمن الأول بإيقاعه في الزمن الثاني. ولأنه لا قدرة على الفعل حال وجوده، وإلا لكان تحصيلا للحاصل.
قلنا: الجواب عن الأول: أن كونه موقعا للفعل إن كان عن القدرة أو غيرها - ولم يحصل في الزمن الأول - لم يوجد فيه إلا نفس القدرة. وإن حصل، كان مأمورا بالإيقاع زمان حصوله.
وعن الثاني: أن الفعل حال القدرة والداعي مأمور به، مع كونه واجب الوقوع. والله أعلم.
***
стр. 121
السادسة: إذا علم الله تعالى [أن زيدا] يموت غدا، فيجوز أمره بالصلاة غدا بشرط أن يعيش عند القاضي أبي بكر (١) والغزالي (٢). خلافا لجمهور المعتزلة (٣).
دليل المجوزين أن الأمر كما يحسن لمصلحة المأمور به، فكذلك يحسن لمصلحة تنشأ من نفس امتحان العبد وتوطين نفسه على الامتثال، فيكون لطفا (٤) له عاجلا وآجلا.
***
стр. 122
القسم الثالث: في النواهي
وفيه مسائل:
الأولى: ظاهر النهي للتحريم، والمذاهب فيه كما في أن الأمر للوجوب.
* لنا: قوله تعالى: ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧]، أمر بالانتهاء، ولا معنى لتحريم الفعل إلا وجوب الانتهاء عنه.
***
الثانية: النهي يفيد التكرار. ومنهم من منع (١)، وهو المختار.
* لنا وجهان:
الأول: أنه ورد لغير التكرار كما يقال للمريض: لا تأكل. وللصبي: لا تلعب. أي في هذا اليوم. والأصل عدم الاشتراك والمجاز.
الثاني: أنه يفيد بالدوام وعدمه وليس تكرارا ولا نقضا.
احتج المخالف بأن الصيغة لا تخصص وقتا، فيجب حمله على الدوام
стр. 123
لإمكانه، بخلاف الأمر، لوجود المشقة.
والجواب: أن النهي إنما دل على نفس الامتناع فقط.
تنبيه: إن قلنا: إن النهي للتكرار أفاد الفور، وإلا فلا.
***
الثالثة: المأمور به لا ينهى عنه. وكذا عكسه؛ لأن المأمور: ما ليس في فعله حرج. والنهي ضده، فيتمانعان. والفقهاء جوزوه فيما له جهتان (١)، كالصلاة في الدار المغصوبة، فإن جهة الصلاة تباين جهة الغصب، فيجوز تعلق الأمر بأحدهما والنهي بالأخرى. ولأنها صلاة، فتناولها الأمر بالصلاة. ولأن إجماع السلف منعقد على عدم قضائها. وهذا ضعيف، لأن متعلق الأمر إن كان لازم متعلق النهي، كان المأمور به منهيا عنه. وإن لم يتلازما، فلا خلاف فيه. فإن قلت: هما منفكان في الجملة، لكن تلازما في هذه الصورة. ولأن الحركة والسكون جزء ماهية الصلاة، وهما شغل الحيز، فشغل الحيز جزء الصلاة، وهو منهي عنه، فلا يكون مأمورا بها؛ لأن الأمر بالمركب أمر بجميع أفراده. وأما الآية (٢)، إن سلمنا عمومها، فهو مخصوص بما ذكرنا. وإن صح الإجماع، فنقول: يسقط الفرض عندها لا بها، كما قال القاضي أبو بكر ﵀ (٣).
стр. 124
الرابعة: قال أكثر الفقهاء: النهي لا يفيد الفساد (١). ويفيده عند بعض أصحابنا (٢). وقال أبو الحسين (٣): يفيده في العبادات دون المعاملات. وهو المختار. ونعني بالفساد في العبادات: عدم الإجزاء. وفي المعاملات: عدم الملك.
* لنا في العبادات: أنه لم يأت بالمأمور به؛ لأن المنهي عنه لا يؤمر به على ما بينا، فلا يخرج عن العهدة. فإن قيل: لم لا يكون المنهي عنه سببا للخروج عن العهدة، إذ الصلاة في الثوب والماء المغصوبين، وفي الأوقات المكروهة صحيحة. ولأنه لو اقتضى الفساد لزم الترك بالمقتضي لصحتها، وهو خلاف الأصل.
والجواب عن الأول: أن النهي في تلك الصور إنما تعلق بالمأمور به بالمجاورة إذ ليس ذلك جزءا من الصلاة.
وعن الثاني أن المقتضي لصحتها فرع الأمر بها وقد بينا أن المنهي عنه لا يؤمر به.
стр. 125
وأما المعاملات، فلأن النهي إنما يدل على الزجر. ولا يمتنع أن نقول: "لا تبع وإذا بعت أفادك الملك، فلم يدل عليه بلفظه ولا بمعناه إذ عدم الملك لا يلازم النهي.
فإن قيل: هذا ينتقض بالعبادات. ثم نقول: يدل بمعناه لوجوه:
الأول: أن الملك نعمة، والمنهي عنه معصية فيناسب.
الثاني: المنهي عنه يشتمل على المفسدة الخالصة أو الراجحة أو المساوية، وإلا لما نهى عنه، فالإقدام عليه عبث.
الثالث: المعارضة بإجماع الصحابة فإنهم تمسكوا في فساد الربا ونكاح المتعة بالنهي. ثم القياس على المنهيات الفاسدة.
والجواب عن الأول والقياس الأخير: ما بينا من تباين المعنيين.
وعن الثاني والثالث: المذكور في الخلافيات.
وعن الرابع: إنما تمسكوا بالنهي فيما ذكرتم للقرينة، فإنهم حكموا في كثير من المنهيات بالصحة.
***
الخامسة: القائلون بأن النهي في المعاملات لا يدل على الفساد، منهم من قال: إنه يدل على الصحة، وهو: أبو حنيفة ومحمد بن الحسن ﵏ (١).
стр. 126
وأنكره أصحابنا، لقوله ﷺ : «دعي الصلاة أيام أقرائك» (١)، ونهى عن بيع الملاقيح والمضامين (٢)، مع عدم الصحة.
احتجوا: بأن النهي عن غير [المقدور] عبث. وجوابه: أنا نحمل النهي على النسخ، أو نصرفه إلى البيع اللغوي، وهو [مقدور] عليه. ثم ينتقض بما ذكرنا من النهي.
***
السادسة: المطلوب عندنا بالنهي: فعل ضد المنهي عنه. وعند أبي هاشم: [نفس] أن لا يفعل المنهي عنه (٣).
* لنا: أن العدم المستمر غير مقدور عليه، والنهي تكليف، فلا يرد إلا بما يقدر عليه. فإن قلت: ترك المنهي عنه على العدم الأصلي مقدور عليه فيتناوله التكليف. ولأن العقلاء يمدحون من لم يزن على عدم الزنا، وإن لم
стр. 127
يخطر لهم الضد. قلت: الإبقاء على العدم إن كان عدما لم يكن مقدورا، وإن لم يكن عدما كان وجوديا، وهو فعل الضد. وإنما يمدحون على ما يقدر (١) عليه، وهو الامتناع، وأنه وجودي.
* * *
السابعة: قد ينهى عن الأشياء على الجمع، كقوله: "لا تفعل هذا ولا ذاك". وعن الجمع، كقوله: "لا تجمع بينهما". وعلى البدل، كقوله: "لا تفعل هذا إن [فعلت] ذاك ". ويرجع إلى النهي عن الجمع وعن البدل. ويفهم منه شيئان: أحدهما: النهي عن جعل الشيء بدلا لغيره. والآخر: النهي عن فعل أحدهما دون الآخر. ثم ما كان منها ممكنا جاز التكليف به، والآخر دخل في تكليف ما لا يطاق. والله أعلم.
* * *
стр. 128
الكلام في العموم والخصوص
* * *
وفيه أقسام:
* الأول: وله شطران:
أحدهما: في العموم
وفيه مسائل:
الأولى: العام هو اللفظ المستغرق لكل ما يصلح له بحسب وضع واحد. واحتزرنا بالأولى: عن النكرات والتثنية والجمع ولفظ العدد. وبالثاني: عن المشترك والذي له حقيقة ومجاز، فإن عمومه لا يستغرق جميع المفهومات. وقيل: هو اللفظة الدالة على شيئين فصاعدا بلا حصر (١).
* * *
الثانية: اللفظ إما أن يفيد العموم عقلا، كدليل الخطاب عند من يقول به. أو عرفا، كقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣]. فإنه يفيد تحريم جميع وجوه الاستمتاع. أو لغة، إما على البدل كالنكرات. أو على الجمع، إما لما ينضم إليه، كالمعرف بالألف واللام والجمع المضاف.
стр. 129
وكالنكرة مع النفي. أو لأنه وضع للعموم، كـ «أي» و «ما» و «من» في المجازاة والاستفهام. و «كل» و «جميع» و «متى» و «أين» و «حيث». ثم هذه تارة تتناول من يعقل فقط، ومن يعقل وغيره ومن لا يعقل.
* * *
الثالثة: المطلق هو اللفظ الدال على الحقيقة من حيث هي هي عرية عن دلالة شيء من قيودها. وأما الدال عليها مع الكثرة المعينة، فهو اسم العدد. ومع غير معينة، فهو العام. ومع وحدة معينة، فهو المعرفة. ومع غير معينة، فهو النكرة. وقيل: المطلق هو اللفظ الدال على واحد لا بعينه. وهو خطأ فإن الوحدة وعدم التعيين قيدان زائدان.
* * *
الرابعة: ذهبت المعتزلة (١) وجماعة الفقهاء (٢) إلى أن لفظ «أي» و «ما» و «من» و «أين» و «متى» في الاستفهام والمجازاة و «كل» و «جميع» للعموم.
وقال أكثر الواقفية (٣): إنها مشتركة بينه وبين الخصوص .........
стр. 130
وتوقف فيه أقلهم (١).
والكلام في فصول:
* الأول: «من» و «ما» و «أين» و «متى» في الاستفهام للعموم إذا لم تكن قرينة صارفة؛ لأنها لو كانت للخصوص لما حسن [الجواب بذكر كل العقلاء. أو مشتركة بين الخصوص والعموم لوجب] (٢) الاستفهام عن جميع مراتب الخصوص، لاحتمالها. ولم يجب، لقبحه عقلا ولغة فتعين العموم.
فإن قلت: إنما حسن الجواب بالكل لإفادته المطلوب بكل تقدير. ثم قبح بعض الاستفهامات معارض بحسن بعضها.
والجواب عن الأول: أنه يلزم منه حسن الجواب بذكر النساء والرجال لو قال: من عندك من الرجال؟! إذ يجوز أن يتعلق غرضه بالسؤال عن الجنسين.
وعن الثاني: أن حسن بعض الاستفهامات لا يدل على وقوع الاشتراك، لما نبين إن شاء الله تعالى أن للاستفهام فوائد غير الاشتراك.
* * *
стр. 131
* الثاني: صيغة «من» و «ما» في المجازات للعموم لوجهين (١):
الأول: أنها لو كانت مشتركة لما حسن الامتثال والإجابة إلا بعد الاستفهام عن الأقسام الممكنة، واللازم منتف.
الثاني: أن «ما» يتناول العقلاء، بدليل قوله تعالى: ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٣]، وقوله تعالى: ﴿والسماء وما بنها﴾ [الشمس: ٥]. وعدم الإنكار على ابن الزبعرى لما قال للنبي ﷺ حين نزل قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله﴾ الآية [الأنبياء: ٩٨]، أليس عبدت الملائكة وعيسى؟! حتى نزل قوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ الآية [الأنبياء: ١٠١] (٢).
الثالث: أنه [يصلح] استثناء (٣) الآحاد منها، والاستثناء يخرج ما لولاه لدخل فيه؛ لأن صحة الدخول معتبرة في الاستثناء من الجنس وفاقا. فإن قلت: ينتقض بالاستثناء من جموع القلة والسلامة، فإنه للقلة بنص سيبويه (٤).
ثم لا نسلم صحة استثناء الملائكة والجن واللصوص. سلمناه، لكن يلزم من دليل اعتبار الوجوب في الاستثناء كون الجمع المنكر للعموم. ثم صحة الاستثناء ينفي العموم، لئلا يكون نقضا
стр. 132
قلت: أما النقض، فممنوع، إذ لا يحسن قوله: أكلت الأرغفة إلا ألف رغيف. وأما الجمع المنكر، فإذا لم يفد الوجوب [فيه]، فلم لا يفده في غيره. وأما خروج الملائكة والجن فلقرينة الحال. وعموم الجمع المنكر سبق جوابه. وأما أن الاستثناء ينفي العموم، فسيأتي جوابه.
* * *
* الثالث: صيغة «كل» و «جميع» للاستغراق، لوجوه:
الأول: أن قوله: جاءني كل فقيه [يناقضه: ما جاءني كل فقيه] (١).
ولولا الاستغراق لما تناقضا، إذ رفع الكل لا يناقض ثبوت البعض.
الثاني: إذا قال: "أعط من دخل داري درهما" فاستوعب. سقط اللوم عنه. وتوجه عليه بالاقتصار على البعض. وذلك دليل العموم.
الثالث: تكذيب عثمان للبيد في قوله:
وكل نعيم لا محالة زائل
بقوله: "نعيم أهل الجنة لا يزول" (٢)، دليل العموم، وإلا لما توجه تكذيبه.
الرابع أهل اللغة إذا أرادوا العموم فزعوا إلى لفظ الكل والجميع بخلاف الجموع المنكرة.
стр. 133
* الرابع: النكرة في سياق النفي تعم، لوجهين:
الأول: أنه لولا عمومها لما كان قولنا: ﴿لا إله إلا الله﴾ نفيا للآلهة كلها غير الله تعالى.
الثاني: قولنا: أكلت اليوم شيئا، يناقضه: ما أكلت اليوم شيئا. ولولا العموم لما تناقضا؛ لأن السلب الجزئي لا يناقضه الإيجاب الجزئي.
تنبيه: النكرة في الإثبات إذا كانت خبرا لا تعم، وإن كانت أمرا عمت عند الأكثرين، للخروج عن العهدة بكل فرد.
* * *
* الخامس: احتج الواقفية بوجوه:
الأول: العلم أن هذه الصيغ للعموم ليس ضروريا ولا عقليا؛ لأنه لا مجال للعقل في اللغات. ولا نقليا متواترا وإلا لعرفه الكل ولا آحادا لأنها (١) إنما تفيد الظن، والمسألة علمية.
الثاني: لو كانت للعموم لما حسن الاستفهام، إذ (٢) [طلب] الفهم عند الموجب سفه.
الثالث أن هذه الصيغ تؤكد فتكون تكريرا، وهو عبث. و [يستثنى] عنها بـ «إلا»، فيكون نقضا.
الرابع لو كانت «من» للعموم لامتنع جمعها، لعدم الفائدة، وقد جمعت
стр. 134
بقول الشاعر (١):
أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟!
فلا تكون للعموم لما سبق.
والجواب عن الأول: أنا بعد استقراء اللغات نعلم أنها للعموم ضرورة، على أنه يجوز أن يعلم بالعقل بواسطة النقل، كما سبق. وأما المسألة، فهي عندنا ظنية، وقد بينا أن القطع لا يوجد في اللغات إلا نادرا.
وعن الثاني: أن الاستفهام قد يحسن لا عند الاشتراك، بأن نظنه ساه أو غير متحفظ في كلامه، أو ثم قرينة تقتضي التخصيص، أو طالبا لأقوى الدلالتين، وهو دلالة الخاص. فهذا كله فوائد الاستفهام.
وعن الثالث: أنه معارض بتأكيد ألفاظ العدد، وتأكيد الشيء بنفسه من غير اشتراك. ومن فوائد التأكيد: إبعاد التجوز والتخصيص وتقوية الظن بالعموم.
وعن الرابع: أن «منون» ليس جمعا، بل إشباع حركة (٢) بالاتفاق (٣).
стр. 135
الخامسة: الجمع المعرف بلام الجنس للعهد ـــ إن كان ـــ، وإلا فللاستغراق. خلافا للواقفية وأبي هاشم (١).
* لنا وجوه:
الأول: أن أبا بكر ﵁ لما طلب الأنصار الإمامة احتج عليهم بقوله ﵇:
«الأئمة من قريش» (٢).
الثاني أنه يؤكد بـ «كل» و «جميع»، لقوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ [ص: ٣٠]، وذلك يفيد الاستغراق وفاقا، فكذا في أصله، إذ التأكيد تقوية الأصل. ولا ينتقض بتأكيد جمع القلة والنكرة؛ لأنا نمنع تأكيدهما على رأي البصريين، ثم ذلك محمول على المنكر، لما بينا.
الثالث: صحة الاستثناء منه يدل على العموم، لما سبق.
احتجوا بأمور:
أحدها: أنه لو كان للعموم لكان إذا استعملت في العهد أو في قولهم: جمع الأمير الصاغة يلزم إما الاشتراك أو المجاز. وهما خلاف الأصل.
وثانيها: لو عم، لما كان قولنا: رأيت كل الناس، تكريرا. أو بعض الناس نقضا.
стр. 136
والجواب عن الأول: أنه تخصيص بالعرف، كقولهم: من دخل داري أكرمته، لا يتناول الملائكة واللصوص.
وعن الثاني: أن الأول تأكيد والثاني تخصيص.
* * *
السادسة: الجمع المضاف، كقولنا: "عبيد زيد" للاستغراق، لما تقدم. وأما الكناية، فكقولنا: "فعلوا"، فتارة للاستغراق، وتارة لغيره، كالمكني عنه.
* * *
السابعة: الجماعة إذا أمروا بصيغة الجمع، أفاد الاستغراق، بدليل توجه اللوم على المتخلف منهم. والله أعلم.
الشطر الثاني في ما ليس من العموم
وفيه مسائل:
الأولى: الواحد المعرف ليس للعموم. خلافا للجبائي (١) والفقهاء (٢) والمبرد (٣)، لوجوه:
الأول: لو قال: لبست الثوب وشربت الماء، لا يفهم منه الاستغراق.
стр. 137
الثاني: لا ينعت بالجمع، ولا يؤكد به. وقوله تعالى: ﴿والنخل باسقات﴾ [ق: ١٠]، و ﴿والطفل الذين لم يظهروا﴾ [النور: ٣١]، و ﴿وكل الطعام﴾ [آل عمران: ٩٣]. وقولهم: "أهلك الناس الدراهم البيض"، مجاز لعدم اطراده.
الثالث: لو قال: أنت الطلاق. لم تقع الثلاث إجماعا، فلا يفيد الاستغراق.
احتجوا بوجهين:
الأول: أنه يجوز استثناء الآحاد منه، كقوله تعالى: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا﴾ [العصر]، فيكون عاما، إذ الاستثناء أخرج ما لولاه لدخل.
الثاني: ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، فقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]، مشعر بأنه حل لكونه تبعا، والحكم يعم لعموم علته.
والجواب عن الأول: أن عدم الاطراد يدل على أنه مجاز. وعن الثاني: أنه اعتبار مغاير للتمسك باللفظ، ونحن نسلمه.
* * *
الثانية: أقل الجمع ثلاثة عند أبي حنيفة (١) والشافعي (٢) -رحمهما الله-. وقال بعض
стр. 138
الصحابة والتابعين (١) والقاضي (٢) والأستاذ أبو إسحاق (٣): أقله اثنان.
* لنا وجهان
الأول: صيغة الجمع تنعت بالثلاثة، والتثنية بالاثنين، ولا ينعكس.
الثاني: أن أهل اللغة فصلوا بين ضمير الواحد والتثنية والجمع.
احتجوا بقوله تعالى: ﴿إذ تسوروا المحراب﴾ [ص: ٢١]، وكانا اثنين، لقوله: ﴿خصمان بغى بعضنا على بعض﴾ [ص: ٢٢]. وبقوله تعالى: ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ [الأنبياء: ٧٨]، والمراد داود وسليمان. وبقوله ﷺ «الاثنان فما فوقهما جماعة» (٤). ولأن الاجتماع حاصل في الاثنين.
والجواب عن الأولى: أن الخصمان للواحد والجمع، كالضيف قال تعالى: ﴿هؤلاء ضيفي﴾ [الحجر: ٦٨]. وعن الثانية: المراد الحاكم والمتحاكمين؛ لأن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول. وعن الخبر، أنه محمول على إدراك فضيلة الجماعة. وقيل: هو تبيين للجماعة في جواز السفر. وعن المعقول، أن النزاع وقع في
стр. 139
لفظ «الرجال» و «المسلمين» لا في لفظ «الجمع».
* * *
الثالثة: الجمع المنكر يحمل عندنا على أقل الجمع وهو ثلاثة. وعند الجبائي على العموم (١).
* لنا: أنه يمكن نعته بأي عدد شئنا، فوجب جعله للقدر المشترك بين الكل.
واحتج الجبائي: بأن حمله على العموم حمل له على جميع حقائقه. وجوابه: ما بيناه أنه لا حقيقة له إلا القدر المشترك، لكن الثلاثة لابد منها فتعينها كذلك.
* * *
الرابعة: قوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [الحشر: ٢٠]، لا يقتضي عموم نفي الاستواء من جميع الأمور؛ لأن نفي الاستواء أعم من نفيه من كل الوجوه أو من بعضها. والدال على المشترك بين القسمين لا إشعار فيه بهما. ولأن قولنا: "يستويان" يقتضي استواءهما في جميع الصفات، وإلا لكان كل شيئين يستويان لاشتراكهما ولو في بعض السلوب. وقولنا: "لا يستويان" نقيضه، ونقيض الكل الجزئي.
* * *
стр. 140
الخامسة: قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي﴾ لا يتناول الأمة (١). وقيل: ما ثبت في حقه ثبت في حق غيره، إلا ما خصه الدليل به (٢). وهو باطل؛ لأنه إن زعم أنه مستفاد من اللفظ، فهو جهالة. وإن زعم أنه من دليل آخر (٣)، فهو خروج عن هذه المسألة. وكذلك الخطاب الموضوع للأمة لا يتناول النبي ﵇.
* * *
السادسة: اللفظ المختص بالرجال للذكور وبالنساء للإناث. وغير المختص إن لم يتبين فيه الذكور عن الإناث، كصيغة «من» تتناولهما، لانعقاد الإجماع على دخولهما في الوصية، وتعليق العتق وغيرهما. وقيل: يختص (٤)، لقول العرب: «من ومنون ومنة». وجوابه: أنهم وإن جوزوه، لكنهم اتفقوا على استعمال «من» في الذكور والإناث.
وعلامة الإناث لا تتناول الذكور. وما لا علامة فيه لا يتناول الإناث؛
стр. 141
لأن «قام» لا يتناول المؤنث، فكذا: «قاموا (١)» المضعف منه لا يتناولهن.
وقيل: يتناولهن (٢)؛ لأن النحاة اتفقوا على تغليب التذكير عند اجتماعهما.
وجوابه: أنه متى أريد التعبير عن الفريقين بعبارة واحدة كان الواجب التذكير.
* * *
السابعة: إذا تعذر حمل الكلام على ظاهره [إلا] بإضمار، وثم أمور صالحة له حمل على واحد منها. خلافا لقوم (٣). وهو معنى قولهم: "الاقتضاء لا عموم له" (٤)؛ لأن الدليل ينفي الإضمار، خالفناه في الواحد للضرورة. وللمخالف: أن إضمار أحد الحكمين ليس أولى من الآخر. ولابد من شيء يحمل عليه، فليضمر الكل.
* * *
الثامنة: قال فقهاؤنا (٥): إذا قال: "والله لا آكل" عم جميع المآكل،
стр. 142
ويصح تخصيصه بالبعض بالنية. وبه قال أبو يوسف (١). وقال أبو حنيفة: لا يصح (٢). وهو المختار؛ لأن الملفوظ هو الأكل وهو ماهية واحدة؛ لأنها قدر مشترك بين أكل هذا أو غيره، فلا تتعدد، فلا تتخصص. نعم إذا اقترنت بها العوارض الخارجية حتى صارت هذا أو ذاك تعددت وقبلت التخصيص، لكنه لا يجوز؛ لأنها مع العوارض غير ملفوظة فيكون القابل لنية التخصيص شيئا غير ملفوظ، وهو القسم الثاني، لكنه وإن جاز عقلا، فهو باطل بالدليل الشرعي، وهو امتناع التخصيص بالمفعول به على امتناعه بالمكان والزمان، بجامع تعظيم اليمين. والشافعي قاس "الأكل" على قوله: "أكلا"، تصحيحا لنية التخصيص. والفرق أن "أكلا" منكر ليس بمصدر في الحقيقة فيقبل التعيين بالنية.
* * *
التاسعة: قال الشافعي ﵁: "ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال (٣)، لقوله ﵇ للذي أسلم على عشر نسوة: «أمسك أربعا وفارق سائرهن» (٤) من غير سؤال هل ورد العقد عليهن
стр. 143
دفعة أو على الترتيب. وفيه نظر، لاحتمال أنه ﵇ ترك الاستفصال لمعرفته بخصوص الحال.
* * *
العاشرة: العطف على العام لا يقتضي العموم؛ لأن مقتضاه نفس الجمع، وذلك جائز بين العام والخاص.
* * *
الحادية عشرة: خطاب المشافهة لا يتناول من يحدث إلا بدليل منفصل؛ لأنه ليس بمؤمن زمن الخطاب ولا بإنسان. والحق أنه يعم ضرورة من شرع محمد ﵇. وتمسك بعضهم بقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا﴾ [سبأ: ٢٨]. وقوله ﵇: «بعثت إلى الأحمر والأسود» (١)، وقوله: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» (٢). ولأنه ﵇ متى أراد التخصيص بين، فلما لم يبين دل على العموم.
[والاعتراض على] النصوص أن «الناس» و «الجماعة» و «الأسود».
стр. 144
و «الأحمر» يختص بالموجودين. وجواب الثاني: إنما يحتاج إلى التخصيص لو قلنا أنه يتناول من سيوجد.
* * *
الثانية عشرة: قول الصحابي: "نهى رسول الله عن بيع الغرر"، و"قضى بالشفعة للجار"، لا يفيد العموم؛ لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية. ولعله وقع في صورة خاصة ولجار معلوم، والألف واللام للعهد.
* * *
الثالثة عشرة: قول الراوي: "كان الرسول يجمع بين الصلاتين في السفر" لا عموم له؛ لأن لفظة "كان" لا تفيد إلا تقدم الفعل. وقيل: تفيد التكرار عرفا (١)، إذ لا يقال: "كان فلان يصلي الضحى" إذا صلى مرة واحدة.
* * *
الرابعة عشرة: إذا قال الراوي: "صلى رسول الله بعد الشفق" منهم من حمله على الأحمر والأبيض. وهو خطأ، إذ المشترك لا يستعمل في مفهوميه معا. وكذا قوله: "صلى الله في الكعبة" لا يستدل به على جواز أداء الفرض والنفل فيها؛ لأن العام لفظ الصلاة لا فعلها.
* * *
стр. 145
الخامسة عشرة: قال الغزالي (١): المفهوم لا عموم له؛ لأن العموم لفظ تتشابه دلالته بالنسبة إلى مفهوماته. وهو نزاع لفظي، وإلا فالحكم منتف عن كل ما عدا المذكور. والله أعلم.
* * *