← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30172

غرر المحصول فى علم الأصول

أبو محمد البرزي

Полный текст (358 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

لأن «قام» لا يتناول المؤنث، فكذا: «قاموا (١)» المضعف منه لا يتناولهن. وقيل: يتناولهن (٢)؛ لأن النحاة اتفقوا على تغليب التذكير عند اجتماعهما. وجوابه: أنه متى أريد التعبير عن الفريقين بعبارة واحدة كان الواجب التذكير. * * * السابعة: إذا تعذر حمل الكلام على ظاهره [إلا] بإضمار، وثم أمور صالحة له حمل على واحد منها. خلافا لقوم (٣). وهو معنى قولهم: "الاقتضاء لا عموم له" (٤)؛ لأن الدليل ينفي الإضمار، خالفناه في الواحد للضرورة. وللمخالف: أن إضمار أحد الحكمين ليس أولى من الآخر. ولابد من شيء يحمل عليه، فليضمر الكل. * * * الثامنة: قال فقهاؤنا (٥): إذا قال: "والله لا آكل" عم جميع المآكل،

стр. 142

ويصح تخصيصه بالبعض بالنية. وبه قال أبو يوسف (١). وقال أبو حنيفة: لا يصح (٢). وهو المختار؛ لأن الملفوظ هو الأكل وهو ماهية واحدة؛ لأنها قدر مشترك بين أكل هذا أو غيره، فلا تتعدد، فلا تتخصص. نعم إذا اقترنت بها العوارض الخارجية حتى صارت هذا أو ذاك تعددت وقبلت التخصيص، لكنه لا يجوز؛ لأنها مع العوارض غير ملفوظة فيكون القابل لنية التخصيص شيئا غير ملفوظ، وهو القسم الثاني، لكنه وإن جاز عقلا، فهو باطل بالدليل الشرعي، وهو امتناع التخصيص بالمفعول به على امتناعه بالمكان والزمان، بجامع تعظيم اليمين. والشافعي قاس "الأكل" على قوله: "أكلا"، تصحيحا لنية التخصيص. والفرق أن "أكلا" منكر ليس بمصدر في الحقيقة فيقبل التعيين بالنية. * * * التاسعة: قال الشافعي ﵁: "ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال (٣)، لقوله ﵇ للذي أسلم على عشر نسوة: «أمسك أربعا وفارق سائرهن» (٤) من غير سؤال هل ورد العقد عليهن

стр. 143

دفعة أو على الترتيب. وفيه نظر، لاحتمال أنه ﵇ ترك الاستفصال لمعرفته بخصوص الحال. * * * العاشرة: العطف على العام لا يقتضي العموم؛ لأن مقتضاه نفس الجمع، وذلك جائز بين العام والخاص. * * * الحادية عشرة: خطاب المشافهة لا يتناول من يحدث إلا بدليل منفصل؛ لأنه ليس بمؤمن زمن الخطاب ولا بإنسان. والحق أنه يعم ضرورة من شرع محمد ﵇. وتمسك بعضهم بقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا﴾ [سبأ: ٢٨]. وقوله ﵇: «بعثت إلى الأحمر والأسود» (١)، وقوله: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» (٢). ولأنه ﵇ متى أراد التخصيص بين، فلما لم يبين دل على العموم. [والاعتراض على] النصوص أن «الناس» و «الجماعة» و «الأسود».

стр. 144

و «الأحمر» يختص بالموجودين. وجواب الثاني: إنما يحتاج إلى التخصيص لو قلنا أنه يتناول من سيوجد. * * * الثانية عشرة: قول الصحابي: "نهى رسول الله عن بيع الغرر"، و"قضى بالشفعة للجار"، لا يفيد العموم؛ لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية. ولعله وقع في صورة خاصة ولجار معلوم، والألف واللام للعهد. * * * الثالثة عشرة: قول الراوي: "كان الرسول يجمع بين الصلاتين في السفر" لا عموم له؛ لأن لفظة "كان" لا تفيد إلا تقدم الفعل. وقيل: تفيد التكرار عرفا (١)، إذ لا يقال: "كان فلان يصلي الضحى" إذا صلى مرة واحدة. * * * الرابعة عشرة: إذا قال الراوي: "صلى رسول الله بعد الشفق" منهم من حمله على الأحمر والأبيض. وهو خطأ، إذ المشترك لا يستعمل في مفهوميه معا. وكذا قوله: "صلى الله في الكعبة" لا يستدل به على جواز أداء الفرض والنفل فيها؛ لأن العام لفظ الصلاة لا فعلها. * * *

стр. 145

الخامسة عشرة: قال الغزالي (١): المفهوم لا عموم له؛ لأن العموم لفظ تتشابه دلالته بالنسبة إلى مفهوماته. وهو نزاع لفظي، وإلا فالحكم منتف عن كل ما عدا المذكور. والله أعلم. * * *

стр. 146

القسم الثاني: في الخصوص وفيه مسائل: الأولى: حد التخصيص: إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه، وعند الواقفية: إخراج بعض ما صح أن يتناوله (١). فقولنا: العام مخصوص، معناه: أنه استعمل في بعض ما يصح تناوله. وأما المخصص، فيقال بالحقيقة على قصد المتكلم إلى ذلك الاستعمال، وبالمجاز على من أقام الدلالة على التخصيص، وعلى من اعتقد أو وصفه به. الثانية: الحق أن التخصيص جنس، والنسخ والاستثناء نوعاه. والفرق بين التخصيص والنسخ فرق ما بين العام والخاص. وفرق بعضهم بينهما: بأن التخصيص إنما يصح فيما تناوله اللفظ، والنسخ قد يعلم بطريق آخر. ويجوز نسخ شريعة بأخرى ولا يجوز تخصيصها بها. والنسخ رفع الحكم الثابت. ويجب تراخي الناسخ، ولا يقع بخبر واحد

стр. 147

ولا قياس، بخلاف التخصيص. وفرقوا بينه وبين الاستثناء: أن [الاستثناء] مع المستثنى عنه كاللفظة الواحدة، ولا يثبت بقرائن الحال. ولا يجوز تأخيره عن اللفظ بخلاف التخصيص في الكل. * * * الثالثة: المتناول للواحد لا يخص لعدم تعقل التخصيص فيه. والمتناول للأكثر إن كان من حيث اللفظ جاز. ومن جهة المعنى، فالعلة الشرعية هل تخص؟! فيه كلام يأتي. ومفهوم المخالفة ومفهوم الموافقة، والأول يخص، وكذا الثاني إذا لم يعد بالنقض على الملفوظ. * * * الرابعة: يجوز إطلاق الخبر والأمر العامين لإرادة الخاص (١). خلافا لقوم (٢). كقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]. احتج المخالف بأنه يوهم الكذب في الخبر والبداء في الأمر. والجواب: أن اللفظ لما احتمل التخصيص فقيام الدلالة عليه لا توجب ذلك. * * *

стр. 148

الخامسة: اتفقوا على جواز تخصيص ألفاظ الاستفهام والمجازاة إلى الواحد. واختلفوا في الجمع المعرف، فقيل: يكفي الواحد (١). وقال القفال: يجب أن لا ينقص عن ثلاثة (٢). وقال أبو الحسين (٣): يجب الكثرة في الكل إلا إذا استعمل في الواحد للتعظيم، كقوله تعالى: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [المرسلات: ٢٣] وهو المختار. * لنا: أنه لو قال: من دخل داري أكرمته. ثم قال: أردت زيدا أكرمته. ثم قال: أردت زيدا عابه أهل اللغة. احتج المخالف: بأن التخصيص لا يختص بالبعض دون البعض، لعدم المزية، فجاز إلى الانتهاء إلى الواحد. وجوابه أن البعض أولى لما ذكرنا. * * * السادسة: قال بعض الفقهاء العام المخصوص حقيقة (٤). وقال أبوعلي وأبو هاشم: مجاز (٥). والمختار تفصيل أبي الحسين (٦)، وهو أن القرينة

стр. 149

المخصصة عقلية أو لفظية إن استقلت فهو مجاز؛ لأنه مستعمل في غير موضوعه لقرينة. وإن لم يستقل، كالاستثناء والشرط والصفة فهو حقيقة؛ لأن لفظ العموم عند انضمام القرينة إليه إنما يفيد البعض، وإلا لم تفد القرينة، فلا يكون حقيقة ولا مجازا، بل لفظ العموم مع القرينة يفيد البعض حقيقة. * * * تنبيه: إذا قال تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]. ثم قال النبي ﷺ عقيبه: "إلا زيدا"، فهذا تخصيص بدليل متصل أو منفصل؟! فيه احتمال. * * * السابعة: يجوز التمسك بالعام المخصوص عند الفقهاء (١). ومنعه عيسى بن أبان وأبو ثور (٢). وجوزه الكرخي إذا خص بدليل متصل (٣). والمختار أن التخصيص إن كان [مجملا] لم يجز، وإلا جاز لوجهين: الأول أن المقتضي للحكم في غير محل التخصيص قائم وهو اللفظ العام والمعارض الموجود وهو عدم الحكم في هذه الصورة لا يصلح معارضا إذ عدم الحكم في البعض لا ينافي ثبوته في الآخر. الثاني تمسك علي ﵁ بقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣]،

стр. 150

على جواز الجمع بين الأختين في ملك اليمين (١)، مع أنه خص بالأخت والبنت، ولم ينكر أحد فكان إجماعا. احتجوا بأن العموم لا يعمل بظاهره، وليس البعض أولى من البعض، فيصير مجملا. وجوابه أن حمله على الباقي أولى. * * * الثامنة: قال الصيرفي: يجوز التمسك بالعام ابتداء، إذ الأصل عدم المخصص، وأنه يوجب ظن عدم التخصيص (٢). وقال ابن سريج: إنما يجوز بعد استقصاء الطلب؛ لأن قبل الطلب يحتمل كونه حجة في صورة التخصيص وألا يكون حجة فيها، والأصل أن لا يكون حجة (٣). وجوابه: أن احتمال كونه حجة أرجح لما ذكرنا. ثم يبطل بالعمل بالحقيقة من غير طلب الصارف عنها إلى المجاز. والله أعلم. * * *

стр. 151

القسم الثالث: في تخصيص العام وفيه أبواب: الأول: في الاستثناء وفيه مسائل: الأولى: الاستثناء: إخراج بعض الجملة عنها بلفظ «إلا» وما يقوم مقامها. ويقال: ما لا يدخل في الكلام إلا لإخراج بعضه بلفظة، ولا يستقل بنفسه. وهو تعريف الاستثناء بالاستثناء. * * * الثانية: يجب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه عادة. وقال ابن عباس ﵄: يجوز تأخيره (١). ولعل مراده ما إذا نواه متصلا، ثم أظهره بعده فإنه يدين به. * لنا: لو جاز ذلك لما استقر شيء من الطلاق والعتاق والحنث،

стр. 152

لجواز ورود الاستثناء. وحجته: القياس على النسخ والتخصيص. وهو منقوض بالشرط وخبر المبتدأ ثم نمنع (١) الجامع. * * * الثالثة: الاستثناء من غير الجنس باطل حقيقة صحيح مجازا (٢)؛ لأنه لا يصح من اللفظ؛ لأنه لم يتناوله، فلا يحتاج إلى صارف عنه. ولا من المعنى، وإلا لجاز استثناء كل شيء من كل شيء؛ لأن الاشتراك من بعض الوجوه واقع بين كل شيئين. احتجوا بقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١]. و ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾ [النساء: ١٥٧]. وقول الشاعر (٣): وبلدة ليس بها أنيس … إلا اليعافير وإلا العيس ولأن الاستثناء تارة يقع عما يدل اللفظ عليه بالمطابقة أو التضمن. وتارة عما يدل عليه بالالتزام. فقوله: لفلان علي ألف إلا ثوبا. معناه: قيمة ثوب.

стр. 153

والجواب عن الآية الأولى: أن «إلا» بمعنى لكن. أو يقال: معناه إلا إذا أخطأ فظنه صيدا أو كافرا مختلطا بالكفار. وعن الثانية: أن إبليس قيل: إنه من الملائكة. على أن الاستثناء إنما حسن لأنه أمر بالسجود. وعن الثالثة: أنه ليس باستثناء باتفاق النحاة، فإنه عند البصريين بمعنى «لكن» (١). وعند الكوفيين بمعنى «سوى» (٢) (٣). وعن الشعر: أن الأنيس سواء فسرناه بالمؤنس أو المبصر، أمكن إدخال اليعافير والعيس فيه. * * * الرابعة: أجمعوا على فساد الاستثناء المستغرق. وقال القاضي (٤): يجب أن يكون أقل. وقيل: يجب أن لا يكون المستثنى أكثر (٥). والدليل على فسادهما: أنه لو قال علي عشرة إلا تسعة لزمه واحد. ولأن قوله تعالى: ﴿لأغوينهم أجمعين … إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]، ينفي وجوب كونه أقل وإلا لزم كون كل واحد من المخلصين أقل من الآخر.

стр. 154

واحتج القاضي: بأن الدليل ينفي (١) الاستثناء، خالفناه في القليل؛ لأنه في معرض النسيان لقلة التفات القلب إليه، وهو معدوم في الكثير، فلا يصح. والجواب: أن هذا عندنا لقوله على واحد. * * * الخامسة: الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات. خلافا لأبي حنيفة في الأخير (٢). * لنا: أنه لو لم يكن كذلك لما تم الإسلام بقوله: ﴿لا إله إلا الله﴾؛ لأنه لا يكون مثبتا للإله تعالى. وحجته: قوله ﵇: «لا نكاح إلا بولي» (٣)، و «لا صلاة إلا بطهور» (٤). ولا يلزم تحقق النكاح والصلاة عند حصول الولي والطهور. ويمكن أن يقال:

стр. 155

إذا استثني عن النفي بالباء فهو إثبات للشرط، وكلامنا فيما إذا لم يكن بالباء. * * * السادسة: الاستثناءات سواء عطفت بحرف العطف أو لم تعطف - لكن الثاني أكثر أو مساوي ـ، رجع إلى المستثنى منه. وإن كان أقل رجع إلى الاستثناء فقط، إذ لا يجوز أن يعود إلى المستثنى عنه فقط؛ لأن القرب إن لم يترجح، فلا أقل من المساواة. ولا إليهما، وإلا يلزم أن تكون نفيا وإثباتا، وهو محال. ولا إلى كل واحد منهما؛ لأنه باطل بالاتفاق، فتعين الأول. * * * السابعة: الاستثناء عقيب الجمل يعود إليها عند الشافعي وأصحابه (١). وإلى الأخيرة عند أبي حنيفة وأصحابه (٢). ومشترك بينهما عند المرتضى (٣). وتوقف القاضي (٤). وهو المختار للمناظرة. احتج الشافعي ﵁ بوجوه: الأول: القياس على مشيئة الله تعالى وعلى الشرط.

стр. 156

الثاني: أن العطف يجعل الجمل جملة واحدة. الثالث: لو قال: علي خمسة وخمسة إلا سبعة. عاد إليهما. والأصل الحقيقة الواحدة. واحتج أبو حنيفة ﵁ بوجهين: الأول: الدليل ينفي الاستثناء، لكونه مزيلا للعموم عن ظاهره، خالفناه في الواحد لئلا يلغو، وتلك هي الأخيرة؛ لأن القرب مرجح باتفاق البصريين على أن أقرب العاملين أولى بالعمل. (١) ولأنه لا قائل بالفرق. الثاني: أن الاستثناء من الاستثناء يختص بالأخيرة، والأصل الحقيقة الواحدة. واحتج المرتضى بوجوه: الأول: حسن الاستفهام. الثاني: عاد إلى الكل تارة، وإلى الأخيرة أخرى. والأصل الحقيقة. الثالث: القياس على الحال وظرف الزمان والمكان، كقوله: ضربت غلماني قائما أو في الدار ويوم الجمعة، فإن احتمال عودها إلى الكل وإلى الأقرب ضروري عند أهل اللغة، إذ كل منها فضلة يأتي بعد تمام الكلام. والجواب عن الأول: منع الحكم. ثم الجامع، فإنه لا يلزم من اشتراكهما في بعض الوجوه اشتراكهما في الكل.

стр. 157

وعن الثاني: أن الجملتين ليستا بواحدة فيلزمكم إبداء الجامع. وعن الثالث: إنما رجع إلى الكل ثم للضرورة ولا ضرورة ههنا. وعن أول أدلة أبي حنيفة: النقض بالشرط والاستثناء بالمشيئة. ثم يمنع كونه على خلاف الدليل، إذ قد بينا أن العموم مع الاستثناء يفيد البعض بالحقيقة. وعن الثاني: إنما لم يعد إليهما للفسادين المذكورين. وعن الأول والثاني من أدلة المرتضى: ما سبق في باب العموم. وعن الثالث: أن الحال والظرفين يعود إلى الكل عندنا، وإلى الأخيرة عند الحنفية (١). الباب الثاني التخصيص بالشرط وفيه مسائل: الأولى: الشرط: ما يتوقف عليه المؤثر في تأثيره لا في ذاته. كالإحصان، فإنه شرط اقتضاء الزنا لوجوب الرجم. ولا يرد عليه العلة؛ لأنها نفس المؤثر. ولا جزؤها ولا شرط ذاتها؛ لأن العلة تتوقف عليه في ذاتها. * * * الثانية: صيغة الشرط «إن» و «إذا»، ويفترقان في أن «إن» مختص بالمحتمل، و «إذا» تدخل عليه وعلى المحقق.

стр. 158

الثالثة: الشرط قد لا يوجد إلا دفعة واحدة. وقد لا يوجد إلا متعاقبا، كالكلام والحركة. وقد يوجد تارة بمجموعه وتارة بتعاقب أجزاءه، فإن كان الشرط عدمها حصل الحكم في أول زمان عدمها في الثلاثة. وإن كان وجودها حصل المشروط في أول زمان وجود الشرط. وفي الثاني حصل عند حصول آخر جزء الشرط. وفي الثالث عند وجود أجزاءه دفعة واحدة؛ لأنه الوجود الحقيقي. * * * الرابعة: إذا رتب جزاء على شرطين على الجمع لم يحصل المشروط إلا عند حصولها. وعلى البدل، فأحدهما كاف. وإن رتب على شرط جزاءين على البدل، حصل أحدهما عنده، والقائل يعينه. وعلى الجمع حصلا عند حصوله. * * * الخامسة: اتفق الشافعي وأبو حنيفة ﵄ على أن الشرط إذا دخل على جمل رجع إلى الجميع (١). وقال بعض الأدباء: يرجع إلى ما يليه، تقدم أو تأخر (٢). والمختار: التوقف، كالاستثناء. * * * السادسة: اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام، لما مر في

стр. 159

الاستثناء. وعلى حسن التقييد بشرط أن يكون الخارج أكثر، وإن اختلفوا فيه في الاستثناء. * * * السابعة: يجوز تقديم الشرط وتأخيره، والأولى تقديمه، خلافا للفراء (١)؛ لأنه متقدم على الجزاء في الرتبة، فهو متقدم طبعا فليتقدم وضعا. والله أعلم. الباب الثالث في التخصيص بالغاية وهي نهاية الشيء وطرفه. وألفاظها: «إلى» و «حتى». وحكم ما بعدها بخلاف ما قبلها، وإلا لم تكن غاية. والأولى التفرقة، بين أن تنفصل الغاية عن صاحبها بمفصل حسي أو لا. وقد يجوز اجتماع الغايتين، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وحتى يغتسلن. لكن الغاية في الحقيقة الأخيرة، والأولى تسمى بها لاتصالها بها. وأما التخصيص بالصفة، فهي إن تعقبت شيئين وتعلق أحدهما بالآخر عادت إليهما، وإلا فتعود إلى الأخيرة. وإن تعلقت بشيء واحد عاد إليه، وللبحث فيه مجال، كما في الاستثناء. * * *

стр. 160

القول في التخصيص بدليل متصل وفيه فصول: الأول: العقل، فإنا نعلم بالضرورة تخصيص الله تعالى من قوله: ﴿الله خالق كل شيء﴾ [الزمر: ٦٢]. وبنظر العقل، كتخصيص الصبي والمجنون عن خطاب التكليف؛ لأنهما غير فاهمين. ومنهم من منع ذلك (١). وهو خطأ؛ لأن دليل العقل إذا عارضه دليل النقل، فإن ثبت موجبهما، كان جمعا بين النقيضين. أو لا يثبتا، وهو رفع لهما. أو ثبت موجب النقل، وهو محال؛ لأن القدح في العقل لتصحيح النقل يوجب الطعن في النقل؛ لأنه أصله. فلم يبق إلا إثبات موجب العقل. وهو خلاف لفظي (٢).

стр. 161

فإن قيل: إذا خصصتم بالعقل، فهل تنسخون به؟! قلنا: [بلى] فإن من سقطت رجلاه سقط عنه فرض غسلهما. وما عرف ذلك إلا بالعقل. * * * الفصل الثاني: الحس، فإنا علمنا به تخصيص قوله تعالى: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ [النمل: ٢٣]. فإن العرش والكرسي لم يكن في يدها. * * * الثالث: السمع المقطوع، وفيه مسائل: * الأولى: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، خلافا لبعض أهل الظاهر (١). * لنا: قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ [البقرة: ٢٢١]. مع قوله: ﴿والمحصنت من الذين أوتوا الكتب﴾ [المائدة: ٥]، امتنع إعمالها فلابد من ترك أحدهما، فالمتروك تخصيص أو نسخ له. وكل من جوز النسخ جوز التخصيص. وقوله تعالى: ﴿لتبين للناس﴾ [النحل: ٤٤]. معارض بقوله تعالى: ﴿تبينا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩]. على أن تلاوته ﵇ لآية التخصيص بيان (٢). * الثانية: يجوز تخصيص السنة المتواترة بمثلها (٣)، إذ لا يمكن العمل

стр. 162

بمقتضاهما ولا تركهما ولا ترجيح العام وفاقا، فتعين الخاص. * الثالثة: تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة جائز قولا كانت أو فعلا، [وكذا عكسه]. ومن فقهائنا من لم يجز العكس (١). ودليلهما التقسيم السابق. وأيضا وقوعه، فإن قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]، خص بقوله ﵇: «القاتل لا يرث» (٢)، وخص آية الزنا برجمه ﵇ للمحصن. * الرابعة: تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالإجماع جائز، فإنهم خصصوا آية الإرث بالإجماع على أن العبد لا يرث. ولا يجوز العكس، للإجماع. * الخامسة: تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بفعل النبي ﵇ جائز، وتحقيقه: أن العلم إن كان متناولا للرسول فهو مخصوص بفعله في حقه وحق غيره، إن علم بدليل أن حكم غيره كحكمه، لكن المخصص فعله مع ذلك الدليل. وإن كان متناولا للأمة فقط، فهو مخصوص بهذا المجموع بهذا

стр. 163

الشرط. ومنهم من منع مطلقا (١)، محتجا بأن المخصص (٢) قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ (٣) [الأعراف: ١٥٨]. وذلك أعم من العام المخصوص (٤) بالفعل. وجوابه: أن المخصص هو قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾. وذلك الفعل، ومجموعهما أخص من العام المدعى تخصيصه بالفعل. * السادسة: عدم إنكار النبي ﵇ - على من خالف مقتضى العموم تخصيص في حق الفاعل وفي حق غيره إن ثبت أن حكمه على الواحد حكمه على الكل. * * * الفصل الرابع: السمع المظنون وفيه مسائل: الأولى: اتفق الشافعي وأبو حنيفة ومالك ﵃ على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد (٥). وقيل: لا يجوز أصلا (٦). وقال عيسى بن أبان: يجوز

стр. 164

إن خص قبله بدليل مقطوع (١). وقال الكرخي: إن خص بدليل متصل قبله جاز (٢). واختار القاضي الوقف (٣). * لنا: أن خبر الواحد دليل أخص من العموم، فوجب تقديمه، وإلا يلزم إلغاؤه. واحتج الأصحاب (٤) بإجماع الصحابة في خمس صور، منها: تخصيص قوله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]، بخبر الصديق: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» (٥). واحتج المانعون بوجوه: الأول قوله ﵇: «إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه» (٦).

стр. 165

الثاني إن الكتاب مقطوع، فليقدم على الخبر المظنون. الثالث لو جاز تخصيصه به لجاز نسخه به بجامع تقديم الخاص، ولا يجوز. والجواب عن الخبر: أنه يقتضي أن لا يجوز تخصيصه بالمتواتر، وقد بينا جوازه. وعن الثاني: أن البراءة الأصلية اليقينية تترك بخبر الواحد. ولأن الخبر مقطوع الدلالة مظنون المتن والكتاب بعكسه، فاعتدلا. وعن الثالث: الفرق بأن التخصيص أهون من النسخ، إذ النسخ تخصيص في الأزمان، وذلك في الأعيان. * * * الثانية: اتفق الشافعي (١) وأبو حنيفة (٢) ..............

стр. 166

ومالك (١) وأبو الحسين (٢) والأشعري (٣) وأبو هاشم (٤) أخيرا على جواز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس. ومنع الجبائي وأبو هاشم أولا (٥) منه مطلقا. وقال عيسى بن أبان والكرخي كقولهما في المسألة المتقدمة (٦). وقال كثير من فقهائنا (٧): يجوز بالقياس الجلي دون الخفي. ثم قيل: الجلي: قياس المعنى. والخفي: قياس الشبه. وقيل: الجلي ما ينقض القضاء بخلافه. وقيل: ما يفهم عليه. وقال الغزالي (٨): إن تفاوتا في الرجحان عملنا بالراجح، وإلا توقفنا. وقال القاضي أبوبكر (٩) وأمام الحرمين (١٠) بالوقف. واعلم أن نسبة قياس الكتاب إلى عمومه، كنسبة قياس الخبر المتواتر إلى عمومه، وكنسبة قياس خبر الواحد إلى عمومه، والخلاف جار فيها، وكذا

стр. 167

القول في قياس الخبر المتواتر، بالنسبة إلى عموم الكتاب وبالعكس. وإن كان العام كتابا أوسنة متواترة، وأصل القياس خبر واحد، فالجواز أبعد. وعلى العكس أقرب. * لنا: الدليل المتقدم في المسألة السابقة ومعارضتها بجوابها. واحتج المانعون بوجوه: الأول: أن القياس فرع النص فلا يقدم عليه. الثاني: حديث معاذ (١) يدل على تقديم النص. الثالث: القياس على النسخ، حيث لا يجوز بالقياس. والجواب عن الأول: أن القياس المخصص يكون فرعا لنص آخر. وعن الثاني: أنه يقتضي أن لا يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة، وهو فاسد. وعن الثالثة: ما تقدم. * * * الثالثة: المفهوم بتقدير أنه حجة لا يجوز تخصيص العام المنطوق به لأن دلالته أضعف.

стр. 168

القول في بناء العام على الخاص إذا تعارض خبران، عام وخاص، فإن علم مقارنتهما، فالخاص يخص العام. وقيل (١): يصير معارضا بقدره من العام. * لنا وجهان: الأول أن إعمال العام إلغاء الخاص ولا ينعكس. الثاني أن الخاص أقوى دلالة لأن العام يجوز إطلاقه بدون إرادة ذلك الخاص بخلاف الخاص. وإن علم تأخر الخاص، فإن ورد قبل وقت العمل بالعام كان تخصيصا للعام. ويجوز عند من يجيز تأخير البيان عن وقت الخطاب. وإن ورد بعد العمل كان نسخا له لا تخصيصا؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة. و [إن علم] تأخر العام، فعند الشافعي (٢) وأبي الحسين (٣) يبنى العام على الخاص المتقدم. وهو المختار. وعند أبي حنيفة (٤) والقاضي عبد الجبار (٥)

стр. 169

العام ينسخ الخاص. * لنا: ما تقدم. ولهما: قول ابن عباس: "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث" (١). ولأنه متأخر، فتقدم كالخاص المتأخر. والجواب عن الأول: أن قول الصحابي ضعيف الدلالة، فيخص بما إذا كان الأحدث هو الخاص. وعن الثاني: أن ما ذكرنا من الأدلة هي الفرق. وإن لم يعلم التاريخ، فعند الشافعي: الخاص يخص العام (٢)، لاتفاق فقهاء الأمصار في جميع الأعصار على ذلك. وأبو حنيفة يتوقف فيهما (٣)، ويرجع إلى المرجح لأحدهما أو إلى غيرهما. وهذا سديد على أصله، إذ الخاص بين أن يكون منسوخا بالعام ومخصصا للعام، وناسخا مقبولا إن كان متواترا، أو مردودا إن كان أحادا والعام متواتر، كانت الاحتمالات قائمة، فيجب التوقف. تنبيه: الحنفية لما قالوا بالتوقف أو الترجيح، ذكر عيسى بن أبان (٤) ثلاث ترجيحات: اتفاق الأمة على العمل بأحدهما. وعمل أكثر الأمة به مع

стр. 170

عيبهم على من لم يعمل به. وأن روايته أشهر. وزاد أبو عبد الله البصري (١) ترجيحين آخرين: أن يتضمن أحدهما حكما شرعيا. وأنه بيانا للآخر وفاقا. وقال أبو الحسين البصري (٢): هذه الأمور أمارة لتأخر الخبرين، إذ لو كان مقدما منسوخا لما وجدت هذه الأمور.

стр. 171

القول فيما ظن أنه من مخصصات العموم وفيه مسائل: الأولى: الخطاب الذي يرد جوابا للسؤال إن لم يستقل بنفسه، فإما لذاته أو للعادة، وهو يفيد مع سببه - والسبب مجرد فيه تقديرا ـ، وإلا لم يفد. والمستقل إذا ساوى السؤال فظاهر، وإن كان أخص جاز إن كان في المذكور تنبيه على حكم غيره، وأن يكون السائل مجتهدا، وأن لا تفوت المصلحة باجتهاده. وإن كان أعم، فالحق أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. خلافا للشافعي (١) والمزني وأبي ثور (٢). * لنا: إجماع الأمة على تعميم آية اللعان والظهار والسرقة وغيرها، مع إجماعهم على أنها نزلت في أقوام معينين. واحتجوا بأن المراد إن كان بيان ما سئل عنه فهو المراد. وإن كان بيان

стр. 172

غيره وجب أن لا يتأخر البيان عن تلك الواقعة. والجواب: أنه يقتضي تخصيصه بذلك السائل وذلك الزمان والمكان. تنبيه: دلالة العام على موضع السؤال أقوى منها على غيرها، فليرجح بها. الثانية: لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي عند الشافعي (١). خلافا لابن أبان (٢). لنا: أن مخالفة الراوي قد تكون لدليل ظنه أقوى، وهو ضعيف فلا يعارض العموم. احتج المخالف: بأن الظاهر من حال العدل المجتهد أن لا يخالف إلا عن طريق، والطريق لا يجوز أن يكون محتملا، وإلا لوجب ذكره إزالة للتهمة عن نفسه والشبهة عن غيره، فتعين القاطع. وجوابه: لعله ذكر ولم ينقل أو نقل ولم يشتهر. الثالثة: لا يجوز تخصيص العام بذكر بعضه. خلافا لأبي ثور (٣). * لنا: أنه لا منافاة بين كل الشيء وبعضه، والمخصص مناف.

стр. 173

احتج: بأن تخصيصه البعض بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، لما مر. وجوابه: أن دلالة العموم أقوى من دلالة المفهوم. الرابعة: العادة إن وجدت يقينا زمن النبي ﵇ ولم يمنعهم منها، صح التخصيص، وإلا فلا. لكن المخصص في الحقيقة هو تقرير النبي ﵇. الخامسة: كونه مخاطبا لا يقتضي خروجه عن الخطاب العام إن كان خبرا، إذ لا مانع من الدخول. وإن كان أمرا جعل جزءا، فالظاهر الخروج لقرينة الأمر. السادسة: قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا﴾، و ﴿ياأيها الناس﴾ يتناول النبي وأمته. وخصه بعضهم بالأمة (١)؛ لأن منصبه ﵇ يقتضي إفراده بالذكر. وهو ضعيف، إذ لا مانع من دخوله فيه. وقال الصيرفي: يختص بالأمة إن كان الخطاب مصدرا بأمر الرسول بالتبليغ، كقوله تعالى: ﴿قل ياأيها الناس﴾. وإلا تناوله (٢). السابعة: الخطاب المتناول للكافر والعبد لا يخرجان منه، لما سبق أن الكافر مخاطب بالفروع. ولأن اللفظ عام (٣)، والتخصيص بالعبودية خلاف الأصل. لكن الدليل الدال على وجوب خدمة السيد كالعام بالنسبة إلى الدال على وجوب الصلاة والصوم وغيرهما، لاختصاص كل عبادة بدليل، والخاص مقدم على العام.

стр. 174

الثامنة: ذكر العام في معرض المدح والذم لا يخصه. خلافا لبعض فقهائنا (١)؛ لأن دلالة الخطاب على المدح والذم لا يعارض مقتضى العموم. التاسعة: عطف الخاص على العام لا يخصص العام. خلافا للحنفية (٢)، فإنهم قالوا: قوله ﵇: «لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» (٣)، أي كافر. ثم الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي، فكذا الذي لا يقتل به المسلم، تسوية بينهما (٤). وجوابه: أن قوله-﵇: «ولا ذو عهد في عهده». كلام تام لا يحتاج إلى الإضمار الذي هو خلاف الأصل. سلمناه، لكن العطف لا يوجب اشتراك المعطوف والمعطوف عليه من كل الوجوه. * * * العاشرة: ذهب القاضي عبد الجبار إلى أن العموم إذا تعقبه استثناء أو صفة أو حكم لا يتأتى إلا في بعضه، لا يخصص به (٥). وقيل: يخصص به (٦).

стр. 175

وقيل: بالتوقف (١). وهو المختار، إذ مقتضى العموم الاستغراق، ومقتضى ظاهر الكناية الرجوع إلى جميع المتقدم، وليس أحدهما أولى، فوجب التوقف.

стр. 176

القسم الرابع: في حمل المطلق على المقيد المسألة الأولى: إذا وردا واختلف حكمهما لم نحمل المطلق على المقيد إجماعا. وإن تماثلا، بأن كان سببهما واحدا وجب حمل المطلق على المقيد؛ لأنه جزء منه، فالعامل بالمقيد عامل بهما، والعامل بالمطلق تارك للمقيد، فكان الأول أولى به. فإن قيل: لا نسلم أن المطلق جزء المقيد، بل يضاده. سلمناه، لكن الإطلاق مقتضاه الإتيان بأي فرد شاء، والتقييد يزيله، فلم كان المطلق أولى من حمل المطلق على الندب؟! والجواب عن الأول: أن المطلق نفس الحقيقة، والمقيد هي مع قيد، فالحقيقة جزء الحقيقة المقيدة. وعن الثاني: أن التقييد مدلول عليه لفظا بخلاف التمكن، فكان التقييد أولى بالرعاية. أما إذا اختلف سبب الحكمين، كتقييد الرقبة في كفارة القتل وإطلاقها في كفارة الظهار، فمن أصحابنا من قال: تقييد أحدهما يوجب تقييد الآخر لفظا (١)؛ لأن الشهادة قيدت بالعدالة مرة واحدة، وأطلقت مرارا، وحمل المطلق على المقيد والجواب: أن ذلك قيد بالإجماع.

стр. 177

وقالت الحنفية (١): لا يجوز تقييده البتة؛ لأن التقييد بالقياس يزيل المكنة الثابتة بالنص، فيكون نسخا. وجوابه: أنه كان التقييد نسخا لما جاز تقييد الرقبة بالسلامة عن العيوب، وقد جوزتموه. ثم هو معارض بتخصيص العام بالقياس. والمحققون من أصحابنا (٢) قالوا: إذا وجد القياس الصحيح، جاز التقييد به، وإلا فلا. تنبيه: إذا أطلق في موضع وقيد مثله في موضعين بقيدين متضادين حمل المطلق على ما كان القياس عليه. والحنفية قالوا: يبقى على إطلاقه، كقول الأولين من أصحابنا، لعدم مزية التقييد.

стр. 178

القسم الرابع: في المجمل والمبين وفيه مقدمة وأقسام: أما المقدمة، ففي تفسير ألفاظ استعملت في هذا الباب، وهي سبعة: * الأول: البيان، وهو الدلالة. يقال بين [تبيينا] وبيانا، إذا ذكر الدلالة عليه، كما يقال: كلم تكليما وكلاما. وفي اصطلاح الفقهاء: هو ما دل على المراد بخطاب لا يستقل في الدلالة عليه. * الثاني: المبين، ويقال لما كان مستغنيا عن البيان. ولما ورد عليه بانه. * الثالث: المفسر، ومعناه معنى المبين. * الرابع: النص، وهو كلام تظهر إفادته لمعناه ولم يتناول أكثر منه. وخرج بـ "الكلام" دليل العقل والقياس، والمجمل مع البيان، فإن البيان قد يكون فعلا. وبـ "ظهور الإفادة" المجمل. * الخامس: الظاهر، وهو ما لا يفتقر في إفادته لمعناه إلى غيره، وإن أفاد مع غيره. وبهذا امتاز عن النص امتياز العام عن الخاص. * السادس: المجمل، وهو ما يفيد شيئا من جملة أشياء معينا في نفسه، واللفظ لا يعينه.

стр. 179

* السابع: المؤول والتأويل، هو احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر. والمحكم والمتشابه، فسرناهما في اللغات. القسم الأول: في المجمل المسألة الأولى: الدليل الشرعي إما أصل أو مستنبط منه - وهو القياس - ولا إجمال فيه. والأصل إن كان فعلا أمكن إجماله إن لم يقترن به ما يبينه، وإن كان قولا أمكن إجماله عند استعماله في موضوعه، كالمشترك والمتواطئ. وعند استعماله في بعض موضوعه، كالعام المخصوص بصفة مجملة أو استثناء مجمل أو دليل منفصل مجهول (١). وعند استعماله لا في شيء من موضوعه، كالألفاظ الشرعية وما لا يجوز حمله [على] الحقيقة، وليس بعض مجازاته أولى من بعض. الثانية: يجوز أن يتكلم الله ورسوله ﵇ بالمجمل، ويدل عليه: وروده في آية العدة، وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. احتج المنكر (٢): بأن المجمل إن اقترن بيانا كان تطويلا بلا فائدة. وإن لم يبين كان تكليف ما لا يطاق. والجواب: أنه ساقط على أصلنا؛ لأنه تعالى يفعل ما يشاء. وعند المعتزلة لا يبعد أن يكون في إرداف المجمل بالبيان مصلحة لا نعلمها. والله أعلم.

стр. 180

القول فيما ظن أنه مجمل وفيه مسائل: الأولى: ذهب الكرخي إلى أن إضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان يقتضي الإجمال (١). وعندنا: يفيد بحسب العرف تحريم الفعل المطلوب من تلك الأعيان. * لنا وجهان: الأول: أن الذهن يسبق عرفا إذا قيل الطعام حرام والمرأة حرام إلى تحريم الأكل والاستمتاع بها والأصل الحقيقة. الثاني: قوله ﷺ : «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها أي أذابوها وباعوها» (٢) يدل على تحريم أنواع التصرف المعتاد فيها. احتج الكرخي بأن إجزاء اللفظ على ظاهره ممتنع، إذ العين لا تراد بالتحريم، بل تحريم فعل من الأفعال التي يتعلق بها. وليس البعض أولى من البعض، وإضمار الكل ممتنع؛ لأنه لا حاجة، فوجب التوقف في الكل، وهو الغرض. وجوابه: أن العرف يقتضي ترجيح البعض. * * * الثانية: قال بعض الحنفية (٣): قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦]
следующие страницы →