← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30172

غرر المحصول فى علم الأصول

أبو محمد البرزي

Полный текст (358 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

القسم الرابع: في حمل المطلق على المقيد المسألة الأولى: إذا وردا واختلف حكمهما لم نحمل المطلق على المقيد إجماعا. وإن تماثلا، بأن كان سببهما واحدا وجب حمل المطلق على المقيد؛ لأنه جزء منه، فالعامل بالمقيد عامل بهما، والعامل بالمطلق تارك للمقيد، فكان الأول أولى به. فإن قيل: لا نسلم أن المطلق جزء المقيد، بل يضاده. سلمناه، لكن الإطلاق مقتضاه الإتيان بأي فرد شاء، والتقييد يزيله، فلم كان المطلق أولى من حمل المطلق على الندب؟! والجواب عن الأول: أن المطلق نفس الحقيقة، والمقيد هي مع قيد، فالحقيقة جزء الحقيقة المقيدة. وعن الثاني: أن التقييد مدلول عليه لفظا بخلاف التمكن، فكان التقييد أولى بالرعاية. أما إذا اختلف سبب الحكمين، كتقييد الرقبة في كفارة القتل وإطلاقها في كفارة الظهار، فمن أصحابنا من قال: تقييد أحدهما يوجب تقييد الآخر لفظا (١)؛ لأن الشهادة قيدت بالعدالة مرة واحدة، وأطلقت مرارا، وحمل المطلق على المقيد والجواب: أن ذلك قيد بالإجماع.

стр. 177

وقالت الحنفية (١): لا يجوز تقييده البتة؛ لأن التقييد بالقياس يزيل المكنة الثابتة بالنص، فيكون نسخا. وجوابه: أنه كان التقييد نسخا لما جاز تقييد الرقبة بالسلامة عن العيوب، وقد جوزتموه. ثم هو معارض بتخصيص العام بالقياس. والمحققون من أصحابنا (٢) قالوا: إذا وجد القياس الصحيح، جاز التقييد به، وإلا فلا. تنبيه: إذا أطلق في موضع وقيد مثله في موضعين بقيدين متضادين حمل المطلق على ما كان القياس عليه. والحنفية قالوا: يبقى على إطلاقه، كقول الأولين من أصحابنا، لعدم مزية التقييد.

стр. 178

القسم الرابع: في المجمل والمبين وفيه مقدمة وأقسام: أما المقدمة، ففي تفسير ألفاظ استعملت في هذا الباب، وهي سبعة: * الأول: البيان، وهو الدلالة. يقال بين [تبيينا] وبيانا، إذا ذكر الدلالة عليه، كما يقال: كلم تكليما وكلاما. وفي اصطلاح الفقهاء: هو ما دل على المراد بخطاب لا يستقل في الدلالة عليه. * الثاني: المبين، ويقال لما كان مستغنيا عن البيان. ولما ورد عليه بانه. * الثالث: المفسر، ومعناه معنى المبين. * الرابع: النص، وهو كلام تظهر إفادته لمعناه ولم يتناول أكثر منه. وخرج بـ "الكلام" دليل العقل والقياس، والمجمل مع البيان، فإن البيان قد يكون فعلا. وبـ "ظهور الإفادة" المجمل. * الخامس: الظاهر، وهو ما لا يفتقر في إفادته لمعناه إلى غيره، وإن أفاد مع غيره. وبهذا امتاز عن النص امتياز العام عن الخاص. * السادس: المجمل، وهو ما يفيد شيئا من جملة أشياء معينا في نفسه، واللفظ لا يعينه.

стр. 179

* السابع: المؤول والتأويل، هو احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر. والمحكم والمتشابه، فسرناهما في اللغات. القسم الأول: في المجمل المسألة الأولى: الدليل الشرعي إما أصل أو مستنبط منه - وهو القياس - ولا إجمال فيه. والأصل إن كان فعلا أمكن إجماله إن لم يقترن به ما يبينه، وإن كان قولا أمكن إجماله عند استعماله في موضوعه، كالمشترك والمتواطئ. وعند استعماله في بعض موضوعه، كالعام المخصوص بصفة مجملة أو استثناء مجمل أو دليل منفصل مجهول (١). وعند استعماله لا في شيء من موضوعه، كالألفاظ الشرعية وما لا يجوز حمله [على] الحقيقة، وليس بعض مجازاته أولى من بعض. الثانية: يجوز أن يتكلم الله ورسوله ﵇ بالمجمل، ويدل عليه: وروده في آية العدة، وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. احتج المنكر (٢): بأن المجمل إن اقترن بيانا كان تطويلا بلا فائدة. وإن لم يبين كان تكليف ما لا يطاق. والجواب: أنه ساقط على أصلنا؛ لأنه تعالى يفعل ما يشاء. وعند المعتزلة لا يبعد أن يكون في إرداف المجمل بالبيان مصلحة لا نعلمها. والله أعلم.

стр. 180

القول فيما ظن أنه مجمل وفيه مسائل: الأولى: ذهب الكرخي إلى أن إضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان يقتضي الإجمال (١). وعندنا: يفيد بحسب العرف تحريم الفعل المطلوب من تلك الأعيان. * لنا وجهان: الأول: أن الذهن يسبق عرفا إذا قيل الطعام حرام والمرأة حرام إلى تحريم الأكل والاستمتاع بها والأصل الحقيقة. الثاني: قوله ﷺ : «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها أي أذابوها وباعوها» (٢) يدل على تحريم أنواع التصرف المعتاد فيها. احتج الكرخي بأن إجزاء اللفظ على ظاهره ممتنع، إذ العين لا تراد بالتحريم، بل تحريم فعل من الأفعال التي يتعلق بها. وليس البعض أولى من البعض، وإضمار الكل ممتنع؛ لأنه لا حاجة، فوجب التوقف في الكل، وهو الغرض. وجوابه: أن العرف يقتضي ترجيح البعض. * * * الثانية: قال بعض الحنفية (٣): قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦]

стр. 181

مجمل؛ لأنه يحتمل مسح جميع الرأس وبعضه. وقال ابن جني (١): لا فرق بين قوله - لغة -: مسحت الرأس ومسحت بالرأس. والرأس اسم للعضو، فيجب مسحه بتمامه. وقال بعض الشافعية: إنه يفيد مسح البعض (٢). وقال آخرون (٣): يفيد القدر المشترك بين الكل والبعض [وهو] مماسة اليد بجزء من الرأس. وهو قول الشافعي ﵁ (٤)، فإن اللفظ مستعمل في البعض كالكل، يقال: مسحت يدي بالمنديل، وبرأس اليتيم. والأصل الحقيقة الواحدة. * * * الثالثة: قال أبو عبد الله البصري (٥): إذا دخل حرف النفي على الفعل كان مجملا، كقوله ﷺ : «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (٦). وحجته: حجة الكرخي في إضافة التحريم والتحليل إلى العين. وقيل (٧): إن دخل على مسمى شرعي انتفى الإجمال. وقول القائل:

стр. 182

"هذه صلاة فاسدة" يحمل على المسمى الحقيقي توفيقا بينهما. وإن دخل على حقيقي - وله حكم واحد - انصرف النفي إليه. وإن كان له حكمان، كالجواز والفضيلة تعين الإجمال. وهو قول الأكثر. وقيل (١): الأولى الحمل على الجواز، لوجوه: الأول: أن اللفظ يدل على نفي الذات مطابقة وعلى نفي الصفات [التزاما] (٢)، فإذا ترك العمل به في الذات بقي معمولا به في الصفات. الثاني: أن المشابهة بين المعدوم وما لا يصح أكثر منها بينه وبين ما يصح والمشابهة بين طرق المجاز، فكان الأول أولى. الثالث: معنى قولنا: هذا لفلان، عود منافعه إليه. وقولنا: ليس له، سلب منفعته عنه، وأنه ينفي الصحة، وإلا لعادت منافعه. * * * الرابعة: قال بعضهم (٣): آية السرقة مجملة في اليد؛ لأنها تطلق على العضو من المنكب ومن الزند، ومن الكوع وأصول الأنامل. وفي القطع أيضا؛ لأنه يطلق بإزاء الإبانة والشق. والجواب عن الأول: أن اليد اسم للعضو من المنكب، إذ لا يقال قطعت يده بالكلية إلا إذا قطعت من المنكب.

стр. 183

وعن الثاني: أن القطع هو الإبانة، فإذا أضيف إلى الجلد أفاد إبانة تلك الأجزاء، وأطلق اسم اليد عليه مجازا (١). * * * الخامسة: قيل (٢): قوله ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ» (٣) مجمل، على ما تقدم بيانه. والأقرب أنه ليس مجمل؛ لأنه يفيد في العرف نفي المؤاخذة على الفعل كما يفيد قول السيد لعبده: "رفعت عنك الخطأ" نفي المؤاخذة بذلك الفعل. القسم الثاني: في المبين وفيه مسائل: الأولى: الخطاب المفيد بنفسه إما بالوضع، كقوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾. أو بالتعليل، كمفهوم الموافقة، وكقوله: «إنها من الطوافين عليكم» (٤). أو لا له (٥)، كما يدل الأمر بالشيء على وجوب شرطه، ويحمل

стр. 184

ما تعذر حمله على ظاهره على الأولى به، كقوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]، فإن إضمار أهلها متعين. الثانية: بيان المجمل إما باللفظ، وهو ظاهر. أو بالفعل، كالكتابة وعقد الأصابع والإشارة أو بشيء يتبع المواضعة، كقول النبي ﵇: هذا الفعل بيان هذه الآية. أو بالترك، فإنه ينفي الوجوب. أو بأن يسئل عن حادثة فيسكت فيعلم أنه لا حكم للشرع فيها. أو بأن الخطاب تناوله ولأمته، فيترك قبل فعله، فيعلم تخصيصه منه، أو بعده فيعلم نسخه عنه. ثم إن علم أن حكم أمته حكمه كان نسخا عنه وعنهم. الثالثة: قيل (١): الفعل لا يكون بيانا؛ لأنه يطول فيتأخر البيان عن وقت الحاجة. وجوابه: أن القول قد يقع أطول إذ وصف الأفعال وفروضها مستقصى أطول من فعل ركعة. الرابعة: إذا ورد القول والفعل، فإن تطابقا في البيان، فالأول بيان والثاني تأكيد. وإن تنافيا، فالقول مقدم على الفعل؛ لأنه يدل بنفسه. الخامسة: الحق أنه يجوز بيان المعلوم بالمظنون، خلافا للكرخي (٢)، كما جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد والقياس.

стр. 185

السادسة: قال قوم (١): يجب بيان المبين الواجب. فنقول إن عنى به أنه بيان لصفة الواجب، فصحيح. وإن عنى به أنه دال على الوجوب، فباطل، إذ ليس فيه ما يدل على الوجوب. وإن عنى به أنه يجب بيانه على النبي، فباطل أيضا؛ لأن بيان المجمل واجب مطلقا، وإلا لزم التكليف بالمحال. القسم الثالث: في وقت البيان المسألة الأولى: المانعون من تكليف ما لا يطاق منعوا جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٢)، أما تأخيره عن وقت الخطاب، فإما أن يكون له ظاهر واستعمل في خلافه، كتأخير بيان التخصيص والنسخ والأسماء الشرعية واسم النكرة - إذا أريد بها شيئا معينا -. أولا ظاهر له، كالأسماء المتواطئة والمشتركة، فمذهبنا جواز ذلك كله إلى وقت الحاجة (٣). ومنع منه جمهور المعتزلة إلا في النسخ (٤). وجوز أبو الحسين (٥) التأخير فيما لا ظاهر له. ومنع فيما له ظاهر. واكتفى (٦) بالبيان الإجمالي كقوله: هذا عام مخصوص.

стр. 186

* لنا: قوله تعالى: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، و «ثم» في اللغة للتراخي. فإن قيل: كلمته «ثم» قد تجيء بمعنى الواو (١)، كقوله تعالى: ﴿ثم الله شهيد﴾ [يونس: ٤٦]، ﴿ثم آتينا موسى الكتاب﴾ [الأنعام: ١٥٤]، فلم لا يجوز أن يكون المراد بالبيان إظهاره بالتنزيل؟! غايته أنه خلاف الظاهر، لكن تخصيص عود الضمير ببعض القرآن مع أن ظاهره العود إلى الجميع خلاف الظاهر أيضا. سلمناه، لكن المراد جمعه في اللوح المحفوظ، والبيان متأخر عنه. على أن الآية تدل على وجوب تأخير البيان، ولم يقل به أحد. والجواب عن «ثم»: أن المراد تأخير الحكم. وعن قوله تعالى: ﴿فإذا قرأناه﴾: المراد إنزاله. وقوله: ﴿فاتبع قرآنه﴾، أمر للنبي ﷺ باتباع قرآنه، إذ لا يمكنه الإسلام إلا بعد الإنزال، فاستحال إرادته بالبيان. سلمنا الإمكان، لكن ظاهر الضمير لا يقتضي عوده إلى جميع القرآن، فإن لفظ القرآن يتناول بعضه حقيقة، بدليل أنه لو حلف لا يمسه أو لا يقرؤه، حنث بمس بعضه وقراءة بعضه. وعن الثالث: أنه تعالى أخر البيان عن القراءة الواجب على النبي اتباعها. وعن الرابع: نحن نقول به، ويدل على جوازه في النكرة، أنه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة موصوفة لا منكرة، بدليل أن الهاء في قوله تعالى:

стр. 187

﴿إنها بقرة لا فارض﴾، ﴿صفراء﴾، ﴿لا ذلول﴾ [البقرة: ٦٨، ٦٩، ٧١]، ينصرف إلى ما أمروا بذبحه أولا إذ يطابق السؤال، والجواب واجب. فإن قيل: الآية تقتضي وجوب تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأنه لا يجوز على أن الواجب ذبح بقرة مطلقة، لذمهم على السؤال بقوله تعالى: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة: ٧١]. ولما روى ابن عباس: "لو ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأتهم، لكن شددوا فشدد الله عليهم" (١). سلمناه، لكن يجوز تقديم البيان الإجمالي وتأخير البيان التفصيلي أيضا عند أبي الحسين. والجواب عن الأول: أن الأمر لا يقتضي الفور. وعن الثاني: إنما ذمهم لتوقفهم بعد تمام البيان، وخبر ابن عباس لا يعارض الكتاب. وعن الثالث: أنه لو كان كذلك لذكره الله تعالى إزالة للتهم. والدليل على جواز تأخير بيان المخصص وجهان: الأول أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله﴾ الآية [الأنبياء: ٩٨]، قال ابن الزبعرى: أليس عبدت الملائكة وعيسى؟! فتأخر بيانه حتى نزل قوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ الآية [الأنبياء: ١٠١] (٢) ولفظة «ما» تتناول من يعقل، لما سبق في العموم. ولاتفاق أهل اللغة، منهم: ابن الزبعرى.

стр. 188

الثاني: - وهو على أبي علي وأبي هاشم - جاز التخصيص في الأزمان، فيجوز في الأعيان، بجامع نفي إيهام العموم في المجمل. فإن فرقوا: بأن احتمال النسخ في المستقبل لا يمنع العمل في الحال بخلاف التخصيص. فنقول: إنما يظهر الفرق أن لو أخره عن وقت الحاجة. واحتج أبو الحسين على المنع من تأخير بيان ما استعمل في غير ظاهره: بأن العموم خطاب لنا في الحال بالإجمال، فإن لم يقصد إفهامنا انتقض كونه مخاطبا لنا - لأن الخطاب إنما يراد للإفهام -، ولكان عبثا. وإن قصد إفهامنا لظاهره فقد أراد (١) منا الجهل. أو لغير ظاهره فقد أراد منا ما لا سبيل إليه. وجوابه: أنه منقوض بعدم جواز اعتقاد الاستغراق من العام وقت طلب الأدلة العقلية والسمعية. فإن قال: إن علم المكلف بكثرة السنن والأدلة كالإشعار بالتخصيص. قلنا: هذا التجويز كتجويز حدوث مخصص في ثاني الحال. ثم ينتقض بتأخير البيان بفعل طويل وزمان قصير وكلام طويل. * * * الثانية (٢): يجوز الخطاب باللفظ المشترك، فإن فائدته ظاهرة من حيث أن المراد أحدهما. ولا يجب تعيين أحدهما في الحال. خلافا لبعضهم (٣). * لنا وجهان: الأول أنه يحسن من السيد أن يقول لعبده: إني آمرك أن تخرج [إلى]

стр. 189

السوق يوم الجمعة لابتياع أشياء أبينها لك فيه، وغرضه التأهب للحاجة. الثاني: قد وضع في اللغة ألفاظ مبهمة وتأخير بيان المجمل مثله. فإن قيل: الغرض من التكليف الفعل. ثم لو حسن ذلك لحسن خطاب الزنجي بالعربية. والجواب عن الأول: إنما يجب الفعل وقت الحاجة. وعن الثاني: أن الفهم حاصل، إذ أحدهما مفهوم بخلاف خطاب الزنجي بالعربية. * * * الثالثة: يجوز للنبي ﵇ تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة. خلافا لقوم (١). * لنا: أن التأخير قد يشتمل على المصلحة، فيجوز أن الله تعالى علم أن مصلحة المكلف فيه. احتجوا بقوله تعالى: ﴿بلغ ما أنزل إليك﴾ [المائدة: ٦٧]. والأمر للفور. وجوابه: منع الفورية. القسم الرابع: في المبين له المسألة الأولى: يجب بيان الخطاب لمن أريد فهمه دون غيره، وإلا لكان تكليفا بالممتنع. ثم كل منهما قد يراد منه الفعل، كالعلماء بآية الصلاة والزكاة. والنساء بأحكام الحيض بعد الاستفتاء. وقد لا يراد، كالعلماء

стр. 190

بالحيض، وأمتنا بالنسبة إلى الكتب الماضية. الثانية: يجوز (١) إسماع المكلف العام قبل مخصصه. ومنع أبو الهذيل والجبائي مما خص بالسمع لا بالعقل. * لنا وجوه: الأول: أن الصحابة ﵃ سمعوا قوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]. ولم يسمعوا المخصص، وهو قوله-﵇: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (٢) إلى زمن عمر. الثاني: الواحد منا يسمع العام قبل مخصصه، فإنكاره مكابرة. الثالث: القياس على مخصص العقل، وإن لم يخطر له، بجامع التمكين من معرفة [المراد]. احتجوا بوجهين: الأول: أن دلالة العام مشروطة بعدم المخصص. وحينئذ يمتنع التمسك بالعام قبل طلب مخصصه، وذلك يفضي إلى إسقاط العمومات. الثاني: أنه إغراء بالجهل. والجواب: إنما يفيد ظن العموم. والظن حجة في العمليات. والله أعلم. * * *

стр. 191

الكلام في الأفعال المسألة الأولى: قالت الشيعة: الأنبياء معصومون مطلقا عن الكبائر والصغائر (١). وقيل بجوازه (٢). وهؤلاء اختلفوا في الذنب الاعتقادي، فالخطأ منه غير الكفر منهم من جوزه، ومنهم من منعه لكونه منفرا. واتفقوا على أنه لا يجوز منهم الكفر. وقالت الفضلية من الخوارج: وقعت منهم ذنوب وكل ذنب عندهم كفر (٣). وجوزت الشيعة إظهار الكفر منهم تقية (٤). وقيل: لا يجوز تغيير التبليغ؛ لأنه ينافي الوثوق بقولهم. ولا خطأ وهم في الفتوى. وقيل بجوازهما سهوا. أما أفعالهم، فقيل: يجوز عليهم الكبيرة عمدا. ثم من هؤلاء الحشوية قالوا بوقوع هذا الجائز (٥). ومنع من وقوعه القاضي أبوبكر سمعا (٦).

стр. 192

وقال الجبائي: لا يجوز أن يرتكبوا صغيرة ولا كبيرة عمدا، بل مؤولا (١). وقيل: ولا مؤولا بل سهوا، ويؤاخذون به دون أمتهم لزيادة معرفتهم وتحفظهم (٢). وقال أكثر المعتزلة: لا يجوز عليهم كبيرة وإن وقعت منهم صغائر عمدا وخطا ومؤولا، إلا ما ينفر، كالكذب والتطفيف (٣). والذي نقوله: أنه (٤) لا يقع منهم ذنب عمدا، وقد يقع سهوا بشرط أن يتذكروه في الحال وينبهوا على أنه سهو. * * * الثانية: قال ابن شريح والاصطخري وابن خيران: مجرد فعل النبي ﵇ للوجوب (٥). ونقل عن الشافعي ﵁ أنه للندب (٦).

стр. 193

وقال مالك: للإباحة (١). وتوقف فيه الصيرفي (٢) وأكثر المعتزلة (٣). وهو المختار. * لنا: فعله يجوز أن يكون ذنب إن جوزنا الذنب عليه ومباحا ومندوبا وواجبا عاما أو خاصا به ومع الجواز يمتنع الجزم بأحدها. احتج القائلون بالوجوب بوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٤). وبقوله: ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ [آل عمران: ٣١]، والمتابعة فعل مثل فعل الغير. وقوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ [النور: ٦٣]، والأمر هو الفعل. وحرمة المخالفة توجب الموافقة. الثاني: أن الصحابة واصلوا الصيام لما واصل (٥). وخلعوا نعالهم

стр. 194

في الصلاة لما خلع (١). ورجعوا بعد الاختلاف في التقاء الختانين إلى فعله مع عائشة (٢). وحلقوا وذبحوا لما حلق وذبح عام الحديبية (٣). وهذا دليل على [وجوب الرجوع إلى] (٤) أفعاله. والثالث: حمله على الوجوب أحوط، فيجب حمله عليه. والجواب عن الآيتين الأولين: بمنع العموم فإنه يقتضي وجوب الفعل علينا، واعتقاد عدم وجوبه بتقدير أن لا يكون واجبا عليه، وذلك متناقض. وعن [الثالثة]: لا نسلم أن الأمر حقيقة في الفعل بل بالقول إجماعا، فيحمل الفعل بل بالقول إجماعا، فيحمل عليه دفعا للاشتراك. سلمنا أنه حقيقة فيهما لكن حمله على القول أولى؛ لأن تقدم الدعاء يدل عليه، بدليل أن من قال لعبده: "لا تجعل دعائي كغيري، واحذر مخالفة أمري" فهم من الأمر القول. ثم الله تعالى أقرب المذكورين فيحمل الضمير في «الهاء» عليه. وعن فعل الصحابة: أنها أخبار آحاد فلا تفيد العلم. ولأن أكثرها وردت في الصلاة والحج، فلعله ﵇-بين لهم أن حكمهم فيها كحكمه، فقد قال ﵇: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥). وقال: خذوا عني مناسككم» (٦). ومن ذلك الغسل بالتقاء الختانين. وأما الوصال،

стр. 195

فلما ظنوه واجبا أنكر عليهم. وخلع النعل لم يعلم أنهم فعلوه وجوبا. وعن الثالث: أن الفعل قد يحرم علينا، فلا يكون فعله احتياطا. واحتج القائلون بالندب بوجهين: الأول: تطابق الخلق على التأسي بفعله. الثاني: أن فعله ﵇ ليس راجح العدم؛ لأنه ذنب (١). ولا مساوي للعدم؛ لأنه عبث، وهو ممنوع منه بقوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا﴾ [المؤمنون: ١١٥]. فتعين رجحان وجوده. وعدم وجوده ثابت بالأصل، فثبت الندب. والجواب عن الأول: يحتمل أنه كان لقرينة وجدت مع الفعل. وعن الثاني: أن الفعل المباح لغرض عاجل ليس بعبث. واحتج القائلون بالإباحة: أن فعله ليس بذنب، لما سبق، فانحصر في الواجب والندب والمباح، والمشترك بينها رفع الحرج عن الفعل. والأصل عدم رجحان الفعل، وهذا يقتضي إباحة كل أفعاله إلا ما خصه الدليل. وإذا كان مباحا في حقه فيكون كذلك في حقنا، عملا بآية التأسي. والجواب لا نسلم أنه كذلك في حقنا. وآية التأسي نجيب عنها إن شاء الله تعالى.

стр. 196

الثالثة: قال جمهور الفقهاء والمعتزلة: التأسي واجب (١). ومعناه: إذا علمنا أنه ﷺ فعل فعلا على وجه تعبدنا بفعله على ذلك الوجه. وأوجب أبو علي بن خلاد التأسي في العبادات (٢). وأنكره بعضهم مطلقا (٣). واحتج أبو الحسين بقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٤). والتأسي والاتباع: فعل مثل (٥) فعل الغير على وجه فعل الغير. ولما سبق في المسألة قبلها. فإن قلت: إنه يفيد التأسي مرة واحدة، كقول القائل: لك في الدار ثوب حسن. قلت: هذا يدل على أن التأسي به واجب في الجملة. قلنا: لا نزاع في أن التأسي به واجب في الصلاة والحج لقوله ﵇: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، و «خذوا عني مناسككم».

стр. 197

القسم الثاني: في التفريع المسألة الأولى: إذا وجب التأسي بفعله ﵇-وجب معرفة وجه فعله، وذلك من ثلاثة أوجه الإباحة والندب والوجوب. فالإباحة تعرف إما بنصه ﵇ أنه مباح، أو يقع امتثالا أو بيانا لآية إباحة، ونفي الوجوب والندب بالاستصحاب. ويعرف الندب بالثلاثة مع العلم بقصده القربة. أو قضاء المندوب. أو تمييزه بينه وبين مندوب آخر أو دام عليه مع الإخلال به من غير نسخ. ويعرف الوجوب بالثلاثة الأول مع كونه مخيرا بينه وبين واجب آخر. أو قضاء لواجب آخر. أو وقع بأمارة الوجوب، كالصلاة بأذان وإقامة، أو جزاء لشرط موجب، كنذر. أو أنه غير جائز لولا الوجوب، كركوعين في صلاة الخسوف. الثانية: الفعل إذا عارضه قول، فإن ورد القول عقيبه وكان عاما له ولأمته أسقط حكم الفعل عنهما. وإن اختص به، خصصه عن عموم حكم الفعل المتقدم. وإن اختص بالأمة خصوا عنه دونه. وإن تراخى القول عنه كان ناسخا لحكم المتقدم في حق من تناوله القول، سواء اختص به ﵇ أو بأمته أو عمهما. وإن كان الفعل عقيب القول وعم القول له ولأمته خصصه عن عموم القول. وإن اختص به فهو يجوز إذا جوزنا نسخ الشيء قبل حضور وقته وإلا فلا. وإن

стр. 198

اختص بالأمة وجب المصير إلى القول، لئلا يلغوا. وإن علم تراخي الفعل عن القول، فإن عمهما نسخ عنهما حكم القول. وإن تناول الأمة نسخ عنهم. وإن تناوله نسخ عنه دونهم. ثم يجب عليهم التأسي به، لآية التأسي. وإن جهل تقدم أحدهما رجح القول لاستغناء دلالته عن الفعل، من غير عكس. فرع: نهى النبي ﵇ عن استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة (١). ثم استقبل فيه في البنيان بيت المقدس (٢). فعند الشافعي ﵁ (٣): أن فعله مخصص لنهيه في حق الكل؛ لأن فعله مع دليل وجوب التأسي أخص من عموم النهي. وعند الكرخي (٤): أن فعله من خواصه، والنهي باق على عمومه. والقاضي عبد الجبار توقف فيه (٥). وإن عارضه فعل آخر، بأن أقر ﵇ بعض الأمة على فعل ضده فيعلم خروجه عنه. أو فعل النبي ضد ما علم لزوم مثله إياه في ذلك الوقت ما لم رد ناسخ، فيعلم نسخه عنه. تنبيه: النسخ والتخصيص في الحقيقة إنما لحقا ما دل على أن ذلك الفعل لازم لغيره، وأنه لازم له (٦) في المستقبل.

стр. 199

القسم الثالث من الناس (١) من قال: إنه ﵇ لم يكن قبل نبوته متعبدا بشرع من قبله، محتجا بأنه لو كان كذلك لرجع إلى علماء تلك الشريعة ولافتخروا به، وكان يشتهر. فإن قلت: ولو لم يكن على شريعة لاشتهر. قلت: الفرق أن قومه ما كانوا على شريعة، فبقاؤه على غير شريعة لا يكون بدعا، فلم ينقل بخلاف العكس. ومنهم من قال: كان متعبدا بشريعة (٢)، محتجا بعموم الشرائع المتقدمة، وبأنه كان يركب البهيمة ويأكل اللحم ويطوف بالبيت. والجواب عن الأول: منع عمومها ووصولها إليه بطريق يوجب العلم أو الظن، وهو المراد من زمن الفترة. وعن الثاني: أن الركوب والأكل حسن عقلا، إذ الركوب سبب حفظها ونفعها بالعلف. والأكل لا يضر بحيوان والطواف لا يحرم من غير شرع. ثم اختلفوا أيضا بعد نبوته، فقال جمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء: لم يكن متعبدا بشرع أحد (٣). وقال قوم من الفقهاء: [كان] متعبدا بشرع من

стр. 200

قبله إلا ما نسخه الدليل (١). وقيل: كان على شرع إبراهيم. وقيل: على شرع [موسى]. وقيل: على شرع عيسى ﵉. واعلم أن من قال بتعبده بشرع غيره، إن أراد به أنه تعالى كان يوحى إليه بمثل أحكام ذلك الشرع [في جميع الأحكام] (٢) فهو باطل، لمخالفة شرعنا شرع من قبلنا في كثير من الأحكام (٣). أو بعضها، فصحيح، لكنه لا يقتضي إطلاق القول بأنه كان متعبدا بشرع غيره؛ لأنه يوهم التبعية مع أصالة شرعه ﵇. وإن أريد أنه تعالى أمره باقتباس الأحكام من كتبهم، فهذا حقيقة المسألة. وهو باطل أيضا لوجهين: الأول: لو تعبد بشرع أحد لراجع كتبهم ولم يتوقف على نزول الوحي، ولم ينقل، وإلا لاشتهر. ولأن عمر طالع ورقة من التوراة، فغضب ﵇ وقال: «لو أن موسى حي لما وسعه إلا اتباعي» (٤). وأما رجوعه في الرجم إلى

стр. 201

التوراة، إنما كان ليبين لهم كذبهم وعنادهم لما أنكروا وجوده في التوراة، إذ لم يرجع في غيرها إليها. الثاني: أنه عليه ﵇ صوب معاذا في الحكم بالاجتهاد إذا فقد الكتاب والسنة. ولو كان متعبدا بشرع غيره لما صوبه، ولوجب الرجوع إلى كتبهم قبل الاجتهاد. والكتاب ينصرف إلى القرآن، لسبق الفهم إليه. احتجوا بقوله تعالى: ﴿فبهدلهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا التورة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون﴾ [المائدة: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿أن اتبع ملة إبراهيم﴾ [النحل: ١٢٣]، وقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ [النساء: ١٦٣]. والجواب عن الأولى: أن هداهم المضاف إلى كلهم هو الأصول إلا ما نسخ. وعن الثانية: أن ظاهرها متروك، إذ كل النبيين لم يحكموا بكل ما في التوراة، فنخص، إما النبيين، أو الحكم، وذلك لا يضرنا. وعن الثالثة: أن الملة هي الأصول دون الفروع، إذ يقال: "ملة الشافعي وأبي حنيفة واحدة ". ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾ [الأنعام: ١٦١]. وعن الرابعة: أنه يقتضي تشبيه الوحي لا تشبيه الموحى به بالموحى به. والله أعلم.

стр. 202

الكلام في النسخ وفيه أقسام: الأول وفيه مسائل: الأولى: النسخ عندنا: الإزالة (١). وعند القفال: النقل (٢). لنا: الاستعمال، يقال: نسخت الريح آثار القوم. والشمس الظل. إذا زال. والأصل كونه حقيقة فيه دون غيره، دفعا للاشتراك. فإن قيل: هذا مجاز؛ لأن المزيل هو الله تعالى، فلا يكون حقيقة في مدلوله. ثم نعارضه بأنه النقل والتحويل، ومنه نسخ الكتاب وتناسخ الأرواح والمواريث والقرون. والأصل كونه حقيقة فيه، دفعا للاشتراك، وعليكم الترجيح. فالجواب عن الأول: أن متمسكنا بإطلاق أهل اللغة لفظ النسخ على الإزالة، لإسنادهم الفعل إلى الريح والشمس إلى الظل. [وعن] الثاني: أن

стр. 203

الزوال أعم من النقل فيجعل حقيقة فيه. الثانية: في حده اصطلاحا. الذي ذكره القاضي أبوبكر (١)، وارتضاه الغزالي (٢)، أنه الخطاب الدال على ارتفاع حكم ثابت بخطاب متقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه. وهو فاسد لوجوه: الأول: أن الخطاب ناسخ للحكم الأول، وليس بنسخ، إذ النسخ نفس الارتفاع. الثاني: أن الناسخ قد يكون فعلا، فتقييده بالخطاب خطأ. الثالث: تقييده بالرفع باطل، لما سيأتي إن شاء الله تعالى. الرابع: قوله: "بخطاب متقدم" باطل، بما لو ثبت بفعل متقدم ثم نسخ. والأولى أن يقال: الناسخ طريق شرعي بين انتهاء حكم شرعي ثبت بطريق شرعي مع تراخيه عنه. ونعني بـ "الطريق" القدر المشترك بين القول والفعل المنقولين عن الله تعالى ورسوله ﵇. ويخرج عنه: اتفاق الأمة على أحد القولين. والعقل والمعجز؛ لأنها ليست بطرق شرعية بهذا التفسير. ولا يلزم التقييد بالشرط والصفة والاستثناء؛ لأنها غير متراخية. والله أعلم.

стр. 204

الثالثة: قال القاضي أبوبكر ﵀ النسخ رفع (١). بمعنى أنه يرفع ما لولاه لثبت بالخطاب الأول. وحاصله: أنه هل يجوز إعدام الضد بالضد وفيه خلاف. وقال الأستاذ أبو إسحاق ﵀: إنه بيان (٢). بمعنى أنه نظر بأن النسخ أظهر أن الخطاب المتقدم انتهى في ذلك الوقت. وهذا قول بامتناع إعدام الضد بالضد. والدلائل في تلك المسألة نفيا وإثباتا عائدة إلى هذه. حجة المنكرين للرفع وجوه: الأول: أن كلام الله تعالى قديم، والقديم لا يرفع. فإن قلت: المرفوع تعلقه. قلت: تعلقه إما كونه عدميا، فممتنع رفعه. أو حادثا، فيلزم كونه تعالى محلا للحوادث. أو قديما، فيلزم عدم القديم. وكله محال. الثاني: أنه ليس زوال الباقي لطريان الطارئ أولى من العكس، ووجودهما معا وعدمهما معا محال. الثالث: طريان الطارئ مشروط بزوال المتقدم، فلو علل زوال المتقدم بطريان الطارئ لزم الدور. وحجة القائلين بالرفع وجهان: الأول: أن النسخ الإزالة لغة، فكذا شرعا؛ لأن الأصل عدم التغيير.

стр. 205

الثاني: تعلق الخطاب بالفعل ممتنع عدمه لذاته وإلا لما وجد، فلابد من مزيل وهو الناسخ. والجواب عن الأول: أن الدليل الظني لا يعارض القطعي. وعن الثاني: أن الخطاب تعلق به إلى ذلك الوقت، فلا يفتقر بعده إلى معدم. الرابعة: النسخ جائز عقلا، وواقع سمعا. خلافا لبعض المسلمين (١)، وبعض اليهود (٢)، ومنعه بعضهم عقلا وبعضهم منعه سمعا. واحتج بعض المثبتين بوجوه: الأول: أن نبوة محمد ﷺ لا تصح إلا مع النسخ، وقد صحت. الثاني: إجماع الأمة عليه. الثالث: كان آدم ﵇ يزاوج الأخ من الأخت، ثم حرم على موسى (٣).

стр. 206

الرابع: أنه جاء في التوراة أنه تعالى قال لنوح عند خروجه من الفلك: " أن قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم، فلا تأكلوه (١). ثم حرم كثيرا من الحيوان على موسى (٢). والوجهان الأخيران إلزامان على اليهود. وهذا ضعيف، إذ لا إجماع مع الخلاف. وكذا الباقي، لجواز تأقيت الشريعة المتقدمة إلى وقت ورود المتأخرة. وذلك لا يكون نسخا، بل يجري مجرى قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى اليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. والمسلمون الذين أنكروا النسخ عولوا على هذا الحرف وقالوا: ثبت في القرآن أن موسى وعيسى بشرا بشرع محمد ﵇، وأوجبا الرجوع إليه عند ظهور ملته. وهكذا جواب اليهود عن الإلزامين. والمعتمد لنا قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦]. وجه الاستدلال أن جواز التمسك بالقرآن إن لم يتوقف على صحة النسخ تمسكنا بهذه الآية. فإن توقف، توقفت صحة نبوة محمد ﷺ عليه، وقد صحت نبوته فيصح النسخ. واحتج المنكرون عقلا: أن الفعل إن كان حسنا كان النهي عنه قبيحا، وإن كان قبيحا كان الأمر به قبيحا. وللمنكرين شرعا وجهان: الأول: أنه تعالى لما شرع ملة موسى-﵇، فإن بين دوامها كان النسخ

стр. 207

بعده تناقضا، وإن لم يبين، وجب أن ينقل تواترا وإلا لجاز ذلك في شرعنا. وحينئذ نستغني عن النسخ. الثاني: ثبت بالمتواتر أن موسى ﵇ قال: "تمسكوا بالسبت أبدا" (١). والجواب عن الحجة الأولى: أن الفعل يجوز أن يكون مصلحة وقت الأمر، مفسدة وقت النهي. وعن الثانية: ما سبق في تأخير البيان عن وقت الخطاب. وعن الثالثة مع التواتر: بأن (٢) بختنصر لم يبق من اليهود عدد التواتر، ثم لفظ التأبيد جاء في التولي للمبالغة كقوله في البقرة التي أمروا بذبحها: "يكون ذلك سنة أبدا" (٣). وفي العبد: "يستخدم ست سنين، ثم يعتق في السابعة، فإن أبى العتق فلتثقب أذنه ويستخدم أبدا" (٤). ثم انقطع ذلك عندهم. الخامسة: يجوز نسخ القرآن. وفاقا. خلافا لأبي مسلم الأصفهاني (٥).

стр. 208

• لنا وجوه: الأول: الآية المتقدمة. والثاني: قوله تعالى ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ [النحل: ١٠١] والتبديل: رفع الشيء وإقامة غيره مقامه. الثالث: نسخت آية الأمر بثبات الواحد العشرة بما بعدها. الرابع: نسخت آية التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة وأمثاله كثير. واحتج أبو مسلم بقوله تعالى: ﴿لا يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت: ٤٢]، فلو نسخ لأتاه الباطل. وجوابه: أن معناه لم يتقدمه كتاب يبطله، ولا يأتيه بعده كتاب يبطله أيضا. السادسة: يجوز نسخ الشيء قبل وقت فعله. خلافا للمعتزلة (١) وكثير من الفقهاء (٢). لنا: أنه تعالى أمر إبراهيم بذبح إسماعيل ثم نسخه قبل فعله.

стр. 209

فإن قيل: إنما أمر بالمقدمات، لقوله تعالى: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ [١٠٥: الصافات] ولو أمر بالذبح لقال: "قد صدقت بعض الرؤيا". فإن عارض بقوله تعالى: ﴿أفعل ما تؤمر﴾ [١٠٢: الصافات]، فإنه يجب عوده إلى شيء فيعاد إلى الذبح؛ لأنه المذكور أولا. ولأنه قال تعالى: ﴿إن هذا لهو البلؤا المبين﴾ [١٠٦: الصافات]. والمقدمات لا توصف بذلك. قلنا: قوله تعالى: ﴿أفعل ما تؤمر﴾ إنما يفيد في المستقبل لا في ما مضى. وعن الثاني: أن الإضجاع وأخذ المدية مع الظن الغالب بإنه مأمور بالذبح بلاء عظيم. على أنا نمنع النسخ، فإنه نقل أنه ذبح وكلما قطع موضعا وصله الله تعالى. ونقل أيضا أنه تعالى جعل على عنقه صفيحة حديد. ثم ما ذكرتم يقتضي كون الشخص الواحد مأمورا منهيا عن فعل واحد في وقت واحد من وجه واحد، فإن الكلام فيه، وذلك محال؛ لأن الأمر إن علم الفعل لزم الأمر بالقبيح والنهي عن الحسن. وإن لم يعلم يلزم البداء، وذلك محال عليه تعالى. والجواب عن الأول: أن تصديق اللزوم لا يدل على أنه أتى بكل المأمور، وإلا لما احتاج إلى النداء. وهذا جواب عن قوله: "كلما قطع موضعا التحم". وأما الصفيحة، فإنها تكليف ما لا يطاق. وعن الثاني: أنا لا نقول بالحسن والقبح العقليين. ثم قد يحسن الأمر لغير مصلحة تحصل من الفعل. مثاله: أن السيد قد يأمر عبده بالذهاب إلى بلده غدا راجلا. وغرضه توطين نفس العبد على الامتثال ورياضته، مع علمه بأنه سيرفعه عنه غدا.

стр. 210

السابعة: يجوز نسخ الشيء لا إلى بدل خلافا لقوم (١)؛ لأنه نسخ تقديم الصدقة لا إلى بدل. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾ الآية [البقرة: ١٠٦]. والجواب: أنه يفيد نسخ لفظ الآية لا الحكم. على أن نسخ الحكم قد يكون خيرا. الثامنة: يجوز نسخ الحكم إلى أثقل منه، خلافا لبعض أهل الظاهر (٢)؛ لأنه نسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم. وجواز تأخير الصلاة عند الخوف إلى إيجابها في القتال. وصوم عاشوراء لصوم رمضان. وإطلاق الخمر ونكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية إلى التحريم. وذلك أثقل. احتجوا بقوله تعالى: ﴿ما نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦]، وبقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. والجواب عن الأول: أن الخير ما هو أصلح في المعاد. وعن الثاني: المراد اليسر في الآخرة، دفعا لتخصيصات كثيرة.

стр. 211

التاسعة: يجوز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس؛ لأنها عبادتان منفصلتان، فلا يبعد في العقل صيرورة أحدهما مفسدة دون الأخرى. والفائدة في بقاء التلاوة: العلم بأنه تعالى أزال ذلك الحكم رحمة منه وفضلا على عباده. وقد نسخ التلاوة دون الحكم فيما روي من قوله تعالى: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله) (١). والحكم دون التلاوة، وكما تقدم. والتلاوة والحكم، فيما روي أن عائشة ﵂ قالت: "أنزل عشر رضعات فنسخت بخمس (٢). وروي أن سورة الأحزاب كانت تعدل البقرة (٣). العاشرة: يجوز نسخ الخبر عما يجوز تغيره (٤)، قياسا على الأمر، بجامع المصلحة. ولأن الدوام شرط النسخ، فلا ينافيه. وقال أبو علي وأبو هاشم (٥) وأكثر المتقدمين (٦): لا يجوز؛ لأن نسخ الخبر يوهم الكذب، ويفضي إلى

стр. 212

التناقض. والجواب عن الأول: أن نسخ الأمر أيضا يوهم البداء. وعن الثاني: إنما يتناقضان لو اتحد الزمان، وليس كذلك. الحادية عشرة: إذا قال الله تعالى: افعلوا هذا الفعل أبدا. جاز نسخه خلافا لقوم (١). لنا: أن لفظ التأبيد يتناول جميع الأزمنة المستقبلة، كالعموم لتناول الآي. والجامع: الحكمة الداعية إلى التخصيص. احتجوا بأن لفظ الدوام يقوم مقام قوله: افعلوا في هذا الوقت وذلك الوقت. إلى أن يستوعب جميع الأوقات. وهذا لا يجوز نسخه، فكذا ذاك. ولأنه لو جاز لا يبقى طريق العلم بالدوام. والجواب عن الأول: النقض بجواز تخصيص العام. وعن الثاني: أن القطع لا يحصل إلا من القرائن. والله أعلم.

стр. 213

القسم الثاني: في الناسخ والمنسوخ وفيه مسائل: الأولى: يجوز نسخ السنة المتواترة بالمتواترة، والآحاد بالآحاد وبالكتاب والسنة المتواترة بالاتفاق. ويجوز نسخ المتواتر بالآحاد عقلا، ولم يقع سمعا. خلافا لبعض أهل الظاهر (١). لنا: أن الصحابة ردت خبر الواحد الرافع لحكم الكتاب، قال عمر: "لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا نعلم صدقت أم كذبت" (٢). وهذا ضعيف؛ لأن رد هذا لا يدل على ردهم كل خبر ناسخ. احتجوا بوجوه: الأول: أن آية الوصية للوالدين والأقربين نسخت بقوله ﵇: «لا وصية لوارث» (٣).

стр. 214

الثاني: أن الرسول ﵇ لم ينكر على أهل قباء حين قبلوا نسخ القبلة بخبر الواحد. الثالث: القياس على التخصيص بجامع دفع الضرر المظنون. والجواب عن الأولى: أنها مخصوصة بالحديث المتواتر؛ لأن الأمة تلقته بالقبول وأجمعوا عليه. ولإجماعهم ضعف نقله. وعن الثاني: لعل النبي ﵇ أعلمهم بذلك، أو علموه بالقرائن، نحو كون المسجد قريبا من الرسول. وعن الثالث: أن الصحابة أجمعت على الفرق بين التخصيص والنسخ. وللخصم منعه كما سبق. الثانية: يجوز نسخ الكتاب بالكتاب عند الأكثرين، لما ذكرنا في الرد على أبي مسلم. ونسخ السنة بالقرآن واقع، والشافعي منع جوازه (١). لنا: أن تأخير صلاة الخوف إلى انجلاء القتال ثبت بالسنة، وقد نسخ بآية صلاة الخوف. وصوم رمضان نسخ صوم عاشوراء، وكان واجبا بالسنة. وقوله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠] نسخ ما [قرره] النبي ﵇ من الصلح والعهد. وهذا ضعيف، لجواز ثبوت تلك الأحكام بآيات نسخ تلاوتها كما نسخ حكمها.

стр. 215

واحتج الشافعي ﵁ بقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]. وهذا يدل على أن كلامه بيان للقرآن، فلو كان القرآن ناسخا لكلامه لزم كون كل واحد بيانا للآخر. وجوابه: أنه ليس في الآية ما يقضي أنه لا يتكلم إلا بالبيان. على أن المراد بالبيان: الإبلاغ، لئلا يلزم الإجمال والتخصيص. الثالثة: نسخ الكتاب بالسنة المتواترة واقع. خلافا للشافعي ﵁ (١). دليل الأول أن آية حبس الزاني نسخت بآية الجلد، ثم نسخ ﵇ الجلد بالرجم. ونسخت آية الوصية للأقربين بقوله ﵇: «لا وصية لوارث». حجة الشافعي وجوه: الأول قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦]. وذلك أن المأتي به من جنس الأول، يؤكده قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة]. الثاني: قوله تعالى: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [يونس: ١٥]. الثالث: أن ذلك يوجب التهمة والنفرة. والجواب عن الأول: أنه يجوز أن يكون الخير شيئا مغايرا للناسخ
следующие страницы →