← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30172

غرر المحصول فى علم الأصول

أبو محمد البرزي

Полный текст (358 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

التاسعة: يجوز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس؛ لأنها عبادتان منفصلتان، فلا يبعد في العقل صيرورة أحدهما مفسدة دون الأخرى. والفائدة في بقاء التلاوة: العلم بأنه تعالى أزال ذلك الحكم رحمة منه وفضلا على عباده. وقد نسخ التلاوة دون الحكم فيما روي من قوله تعالى: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله) (١). والحكم دون التلاوة، وكما تقدم. والتلاوة والحكم، فيما روي أن عائشة ﵂ قالت: "أنزل عشر رضعات فنسخت بخمس (٢). وروي أن سورة الأحزاب كانت تعدل البقرة (٣). العاشرة: يجوز نسخ الخبر عما يجوز تغيره (٤)، قياسا على الأمر، بجامع المصلحة. ولأن الدوام شرط النسخ، فلا ينافيه. وقال أبو علي وأبو هاشم (٥) وأكثر المتقدمين (٦): لا يجوز؛ لأن نسخ الخبر يوهم الكذب، ويفضي إلى

стр. 212

التناقض. والجواب عن الأول: أن نسخ الأمر أيضا يوهم البداء. وعن الثاني: إنما يتناقضان لو اتحد الزمان، وليس كذلك. الحادية عشرة: إذا قال الله تعالى: افعلوا هذا الفعل أبدا. جاز نسخه خلافا لقوم (١). لنا: أن لفظ التأبيد يتناول جميع الأزمنة المستقبلة، كالعموم لتناول الآي. والجامع: الحكمة الداعية إلى التخصيص. احتجوا بأن لفظ الدوام يقوم مقام قوله: افعلوا في هذا الوقت وذلك الوقت. إلى أن يستوعب جميع الأوقات. وهذا لا يجوز نسخه، فكذا ذاك. ولأنه لو جاز لا يبقى طريق العلم بالدوام. والجواب عن الأول: النقض بجواز تخصيص العام. وعن الثاني: أن القطع لا يحصل إلا من القرائن. والله أعلم.

стр. 213

القسم الثاني: في الناسخ والمنسوخ وفيه مسائل: الأولى: يجوز نسخ السنة المتواترة بالمتواترة، والآحاد بالآحاد وبالكتاب والسنة المتواترة بالاتفاق. ويجوز نسخ المتواتر بالآحاد عقلا، ولم يقع سمعا. خلافا لبعض أهل الظاهر (١). لنا: أن الصحابة ردت خبر الواحد الرافع لحكم الكتاب، قال عمر: "لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا نعلم صدقت أم كذبت" (٢). وهذا ضعيف؛ لأن رد هذا لا يدل على ردهم كل خبر ناسخ. احتجوا بوجوه: الأول: أن آية الوصية للوالدين والأقربين نسخت بقوله ﵇: «لا وصية لوارث» (٣).

стр. 214

الثاني: أن الرسول ﵇ لم ينكر على أهل قباء حين قبلوا نسخ القبلة بخبر الواحد. الثالث: القياس على التخصيص بجامع دفع الضرر المظنون. والجواب عن الأولى: أنها مخصوصة بالحديث المتواتر؛ لأن الأمة تلقته بالقبول وأجمعوا عليه. ولإجماعهم ضعف نقله. وعن الثاني: لعل النبي ﵇ أعلمهم بذلك، أو علموه بالقرائن، نحو كون المسجد قريبا من الرسول. وعن الثالث: أن الصحابة أجمعت على الفرق بين التخصيص والنسخ. وللخصم منعه كما سبق. الثانية: يجوز نسخ الكتاب بالكتاب عند الأكثرين، لما ذكرنا في الرد على أبي مسلم. ونسخ السنة بالقرآن واقع، والشافعي منع جوازه (١). لنا: أن تأخير صلاة الخوف إلى انجلاء القتال ثبت بالسنة، وقد نسخ بآية صلاة الخوف. وصوم رمضان نسخ صوم عاشوراء، وكان واجبا بالسنة. وقوله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠] نسخ ما [قرره] النبي ﵇ من الصلح والعهد. وهذا ضعيف، لجواز ثبوت تلك الأحكام بآيات نسخ تلاوتها كما نسخ حكمها.

стр. 215

واحتج الشافعي ﵁ بقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]. وهذا يدل على أن كلامه بيان للقرآن، فلو كان القرآن ناسخا لكلامه لزم كون كل واحد بيانا للآخر. وجوابه: أنه ليس في الآية ما يقضي أنه لا يتكلم إلا بالبيان. على أن المراد بالبيان: الإبلاغ، لئلا يلزم الإجمال والتخصيص. الثالثة: نسخ الكتاب بالسنة المتواترة واقع. خلافا للشافعي ﵁ (١). دليل الأول أن آية حبس الزاني نسخت بآية الجلد، ثم نسخ ﵇ الجلد بالرجم. ونسخت آية الوصية للأقربين بقوله ﵇: «لا وصية لوارث». حجة الشافعي وجوه: الأول قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦]. وذلك أن المأتي به من جنس الأول، يؤكده قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة]. الثاني: قوله تعالى: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [يونس: ١٥]. الثالث: أن ذلك يوجب التهمة والنفرة. والجواب عن الأول: أنه يجوز أن يكون الخير شيئا مغايرا للناسخ

стр. 216

يحصل بعد حصوله. وعن الثاني: أن المبدل بالحقيقة هو الله تعالى، وإن كان الناسخ خبرا. وقوله: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [يونس: ١٥] دال على أنه لا ينسخ إلا بوحي، وقد يكون خبرا لا قرآنا. وعن الثالث: أن النفرة زائلة بالدليل على أنه لا ﴿ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم]. الرابعة: الإجماع إنما ينعقد بعد وفاة النبي ﵇؛ لأن زمانه لابد من قوله ﵇، وقوله مستقل بالإفادة. فعلى هذا، الإجماع لا ينسخ الكتاب والسنة، وإلا كان خطأ، لمخالفته النص. ولا ينسخ بهما؛ لأنهما لو وجدا كانت الأمة مجمعة على خلافهما، وهو خطأ ويستحيل حدوثهما. ولا ينسخ بإجماع آخر؛ لأن المتأخر لا عن دليل خطأ، وعن دليل يوجب خطأ المتقدم. ولا ينسخ القياس؛ [لأن القياس] لا ينعقد على خلافه. وجوز عيسى بن أبان كون الإجماع ناسخا (١). لنا: أن المنسوخ إما نص أو إجماع أو قياس. والأول باطل، لانعقاده على خلاف النص. وكذا الثاني؛ لأن الإجماع المتقدم إن أفاد الحكم مطلقا كان أحدهما خطأ، وإن أفاده مؤقتا إلى زمن ورود المتأخر لم يكن المتأخر ناسخا له؛ لأنه انتهى بنفسه. والثالث

стр. 217

باطل، إذ شرط صحة القياس عدم الإجماع. الخامسة: القياس في زمن النبي ﵇-يجوز نسخه، بأن ينص ﵇-في الفرع بخلاف حكمه، وبالقياس بأن نص في صورة على خلاف ذلك الحكم، وتكون أمارة علتها أقوى. وأما بعد وفاته ﵇، فيجوز نسخه بالنص والإجماع، لما سبق. والقياس قد سبق القول فيه. السادسة: يجوز نسخ الأصل والفحوى وفاقا. ونسخ الفحوى تبعا لنسخ الأصل. وأما نسخ الفحوى مع بقاء الأصل، منعه أبو الحسين (١)؛ لأنه ينقض الغرض. وأما النسخ به فجائز وفاقا، لفظية كانت دلالته أو عقلية. القسم الثالث: فيما يظن أنه ناسخ وفيه مسائل: الأولى: اتفق العلماء على أن زيادة عبادة على العبادات أو صلاة على الصلوات لا يكون نسخا. وإنما جعل أهل العراق (٢) زيادة صلاة نسخا لقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فإنها تجعل

стр. 218

ما كان وسطى غير وسطى، وذلك يبطل بزيادة عبادة على العبادات الأخيرة، فإنها تجعلها غير أخيرة. والزيادة التي ليست كذلك، فعند الشافعي (١) وأبي علي وأبي هاشم (٢) أنها ليست نسخا. خلافا للحنفية (٣). ومنهم من قال (٤): إفادة النص من جهة دليل الخطاب أو الشرط خلاف ما أفادته الزيادة كان نسخا، وإلا فلا. وقال القاضي عبد الجبار (٥): إن غيرت الزيادة تغييرا شديدا بحيث لا يجري الأصل بعد الزيادة وحده، كزيادة ركعة على ركعتين، كانت نسخا، وإلا [فلا]. والأحسن تفصيل أبي الحسين (٦): وهو أن الزيادة على النص تزيل شيئا، وأقله عدمها، فتلك الإزالة إن أزالت حكما شرعيا وكانت متراخية عنه سميت نسخا، وإلا فلا. ولا يجوز إثبات زيادة على النص بخبر الواحد والقياس، إن كانت الإزالة نسخا، وإلا فلا. فهذا حد البحث الأصولي. ويتفرع عليه مسائل فقهية: * الأولى: زيادة التغريب على جلد ثمانين لا يزيل إلا نفي وجوب ما زاد عليها. وذلك حكم العقل؛ لأن البراءة الأصلية معلومة بالعقل، فيجوز قبول خبر الواحد والقياس فيه، ما لم يمنع مانع غير النسخ.

стр. 219

* الثانية: تقييد الرقبة بالإيمان في معنى التخصيص، فإنه يزيل إجزاء الكافرة، فإن تأخر كان نسخا وإلا فلا. * الثالثة: إذا قطعت يد السارق وإحدى رجليه، ثم سرق، فإباحة قطع الأخرى يزيل حظره الثابت بالعقل، وليس بنسخ. * الرابعة: التخيير بين الواجب وغيره يزيل حظر تركه الثابت بالعقل، فلا يكون نسخا. * الخامسة: زيادة ركعة على ركعتين قبل التشهد نسخ للتشهد لا للركعتين، وكذلك زيادة شرط فيهما ليس نسخا لوجوبهما وإجزائهما، ولا لشرطية شرط سابق. واعلم أن هذه المسائل لو علمت ضرورة أنها من الدين، لم يجز رفعها بخبر الواحد والقياس. * السادسة: قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى اليل﴾ [البقرة: ١٨٧]، يفيد كون أول الليل ظرفا وغاية له. وإيجاب الصوم إلى غيبوبة الشفق يزيل ذلك، فكان الثاني نسخا للأول، بخلاف قوله: "صوموا النهار"، فإن صوم أول الليل لا يجب؛ لأن اللفظ لا يتناوله. * الثامنة: النقصان من العبادة نسخ لما سقط. ونسخ ما لا تتوقف عليه العبادة، ليس بنسخ لها عند الكرخي (١). وهو المختار. وقال القاضي عبد الجبار:

стр. 220

نقصان جزءها لا شرطها نسخ للباقي (١). • لنا: أن المقتضي للكل متناول للجزئين، فخروج أحدهما لا يخرج الآخر، كأدلة التخصيص. احتج: بأن نقصان الركعة يرفع وجوب تأخير التشهد، ويرفع إجزاء العبادة المنسوخة، وذلك نسخ. والجواب: أن هذه أحكام الركعة الباقية، وهي مغايرة لذاتها، فنسخها مغاير لنسخ ذاتها. وأما نقصان الشرط المنفصل من العبادة، ليس نسخا لها؛ لأنهما عبادتان، فنسخ أحدهما ليس نسخا للأخرى، فعلى هذا نسخ الوضوء ليس نسخا للصلاة وإنما المرفوع نفي إجزائها بدون الطهارة. فإن عنى بهذا النسخ صح، لكنه يوهم أنها لم تبق واجبة ولا عبادة. القسم الرابع: فيما به يعرف الناسخ والمنسوخ ويعرف باللفظ، بأن يقول: هذا [ينسخ هذا]. أو ينص على نقيض الحكم الأول، أو على ضده مع العلم بالتاريخ. ويعلم بأن يقول: هذا [قبل] ذلك. أو هذا الخبر ورد سنة كذا والآخر سنة كذا. أو يعلق أحدهما بزمان معلوم التقدم والآخر بالعكس. أو يروي أحدهما رجل متقدم الصحبة والآخر متأخر، وانقطعت صحبة الأول عند ابتداء صحبة الآخر. ويتفرع على هذا مسألتان:

стр. 221

الأولى: قال القاضي عبد الجبار (١): قول الصحابي في أحد الخبريين المتواترين إنه قبل الآخر مقبول، وإن لم يقبل قوله في النسخ المعلوم. كما تقبل شهادة الشاهدين في الإحصان، وإن لم تقبل في الرجم المرتب عليه. الثانية: قول الصحابي: كان هذا الحكم ثم نسخ غير مقبول، لجواز أنه قاله عن اجتهاد هو مخطئ فيه. وقال الكرخي (٢): إن عين الناسخ لم يقبل، وإن لم يعين قبل؛ لأنه لولا ظهور النسخ فيه لما أطلق النسخ. وهو ضعيف، فلعله قاله لظن خطأ.

стр. 222

الكلام في الإجماع وفيه مسائل: الأولى: الإجماع في اللغة مشترك بين العزم والاتفاق، قال الله تعالى ﴿فأجمعوا أمركم وشركاءكم﴾ [يونس: ٧١]. وقال ﵇: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل» (١). ويقال: أجمع إذا صار ذا جمع، كما يقال: ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر. وفي اصطلاح العلماء: اتفاق المجتهدين في الأحكام الشرعية من أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور عن اعتقاد. ليتناول العقليات والشرعيات واللغويات. الثانية: منهم (٢) من زعم أن اتفاقهم على ما لا يعلم (٣) بالضرورة

стр. 223

مستحيل، كاتفاقهم في الآن الواحد على الكلمة الواحدة، والمأكول الواحد. وجوابه: إنما يستحيل [ذلك فيما] (١) يتساوى فيه الاحتمال (٢)، دون ما يظهر فيه الرجحان، كاتفاق الجمع العظيم على نبوة محمد ﵇. ومنهم (٣) من جوزه ومنع من العلم بحصوله (٤)؛ لأن طريق معرفة ما ليس بوجداني، إما النظر العقلي، ولا مجال له فيه. أو الحس أو الخبر، وإفادتهما تتوقف على معرفة المتكلم، وذلك متعذر، لتفرق العلماء شرقا وغربا. وبتقدير معرفتهم كيف نعلم عقائدهم؟! فقد يفتى تقية. وبتقدير العلم بعقائدهم، كيف نعلم اجتماعهم في الوقت الواحد؟! فإنه يحتمل أن بعضهم أثبت حال ما نفى الآخر، وبالعكس. وبتقدير اجتماعهم ورفع أصواتهم بالفتوى يحتمل - مع امتناعه - أن أحدهم خالف لكن خفي صوته، أو وافقهم خوفا من الجماعة أو السلطان الجامع لهم. فإن قلت: نعلم بالضرورة اتفاق المسلمين على نبوة محمد ﵇، أو على وجوب الصلوات الخمس. قلت: إن عنيتم بالمسلم المعترف بنبوة محمد ﵇، فيكون كقولك: المعترف بنبوته معترف بنبوته. وإن عنيت غير ذلك، منعنا حصول العلم باتفاقهم على ذلك، ويدل عليه: أن الإنسان قبل إحاطته بالمذاهب النادرة يجزم أن المسلمين يعترفون بأن ما بين الدفتين كلام الله تعالى، وبوجوب الصلوات الخمس، ثم إذا كشف عن المقولات الغريبة وجد

стр. 224

فيها اختلافا كثيرا، فإنه روي عن ابن مسعود إنكار أن المعوذتين من القرآن (١). وعن الخوارج أن سورة يوسف ليست من القرآن (٢). وأن الصلاة إنما تجب في طرفي النهار (٣). وعن كثير من فقهاء الروافض أن هذا القرآن ليس الذي أنزل، بل غير وبدل (٤). ومن أنصف علم أن الإجماع لم يحصل إلا في زمن الصحابة ﵃، حيث كانوا قليلين يمكن معرفتهم مفصلا. الثالثة: إجماع أمة محمد ﷺ حجة. خلافا للنظام (٥)

стр. 225

والشيعة (١) والخوارج (٢). • لنا وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول﴾ [النساء: ١١٥] الآية. جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد. فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحا لما جمع بينه وبين المحظور. وما يختاره الإنسان لنفسه قولا وعملا يسمى سبيلا له، فحمل عليه، وإذا حرم ذلك كان متابعة سبيلهم واجبا. فإن قيل: إنما حرم اتباع غير سبيل المؤمنين بشرط المشاقة، فلم إذا حرم اتباع غير سبيلهم عند المشاقة كان اتباع سبيلهم واجبا عندها، فإن هاهنا واسطة وهي عموم الاتباع. سلمناه، لكن نمنع أن المشاقة هي الكفر؛ لأنها مشتقة من كون أحد الشخصين في شق والآخر في غيره، ويكفي فيه أصل المخالفة. سلمناه، لكن الحرمة مشروطة بتبين الهدى، تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، واللام للاستغراق. ودليل أهل الإجماع هدى، فيسقط الاستدلال. سلمناه، لكن لفظ «الغير» و «السبيل» مفرد، فلا يعم، فننزله على

стр. 226

واحد، وهو السبيل الذي صاروا به مؤمنين. ويدل عليه وجهان: الأول: أن قوله: "لا تتبع غير سبيل الصالحين" نفهم منه ما صاروا به صالحين. الثاني: أن الآية نزلت في رجل ارتد (١)، فيكون الغرض من الآية المنع من الكفر. سلمنا أن المراد كل المؤمنين، لكن هم الموجودون إلى يوم القيامة أو الموجودون حين نزول الآية؟! والأول ممنوع، سلمناه لكن ليس المراد كل مؤمني أهل العصر، لخروج العوام والصبيان والمجانين، بل بعضهم، وهو الإمام المعصوم. سلمناه، لكن دليلكم ظني، والمسألة علمية فلا يدل عليها. والجواب عن الأول: أن المعلق بالشرط إن لم يكن عدما عند عدمه حصل غرضنا، وإن كان لم تكن حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين مشروطة بمشاقة الرسول، لئلا يجوز اتباع كل ما هو اتباع غير سبيل المؤمنين عند عدم المشاقة. وعن الثاني: لا نسلم أن العطف يقتضي الاشتراك في الاشتراط. سلمنا، لكن التبيين المشروط: دلائل التوحيد والنبوة، فإن الآية وردت مدحا للمؤمنين، إذ لا فضيلة لليهود والنصارى في الأخذ بهدئ علمناه بالدليل، وإن قالوه؛ لأنا غير متبعيهم، فإن المتابعة: الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أن الغير فعله.

стр. 227

وعن الثالث: أنه عام لفظا ومعنى، إذ يفهم من قوله: "من دخل غير داري أهنته" العموم. ولأنه أكثر فائدة. ولأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية. ثم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وعن الرابع: أن المؤمنين المصدقون، وهم الموجودون، فيكون حينئذ كل المؤمنين، فإذا أجمعوا على حكم كان حقا ولم يجز خلافه في عصر آخر. وعن الخامس: الاعتبار يومئذ بقول الرسول لا بقولهم. وعن السادس: أن حمل لفظ الجمع على الإمام خلاف الظاهر، فيحمل على كل المؤمنين إلا ما خصه الدليل في العوام وغيرهم. وعن السابع: أن المسألة عندنا ظنية، فلا نكفر مخالف الاجماع ولا نفسقه. الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنكم أمة وسطا﴾ [١٤٣/ البقرة]. ووسط كل شيء خياره فلو أقدموا [على] محرم لما اتصفوا بذلك. فإن قلت: الآية ظاهرها يقتضي عدالة كل واحد منهم، وهو متروك، فيحمل على البعض، وهو الإمام المعصوم. سلمناه، لكن لا نعلم أن وسط الشيء خياره، إذ الوسط ما يتوسط شيئين، فلا يكون حقيقة في العدالة، لئلا يلزم الاشتراك. سلمناه، لكن نحمله على اجتنابهم الكبائر، والخطأ صغيرة. أو على أنهم عدول في الآخرة ليشهدوا على الأمم.

стр. 228

والجواب عن الأول: أن حمل الجميع على الإمام المعصوم خلاف الظاهر، فيحمل على امتناع خلو الأمة عن العدول. وجواب المنع: قوله تعالى: ﴿قال أوسطهم﴾ [القلم: ٢٨]، أي أعدلهم، وقوله ﵇: «خير الأمور أوسطها» (١)، أي أعدلها. وبالنقل عن أئمة اللغة، منهم الجوهري (٢). وعن الثالث: أنه قيل: لا صغيرة إلا بالنسبة. وعن الرابع: أن جميع الأمم عدول في الآخرة، فلا يبقى في تخصيصهم فائدة، لكن قوله تعالى: ﴿تأمرون … وتنهون﴾ [آل عمران: ١١٠]، يتناول الحال والاستقبال. الوجه الثالث: قوله ﷺ : «لا تجتمع أمتي على خطأ» (٣). ومنهم من

стр. 229

ادعى الضرورة في تواتر معنى هذا الحديث، فإنه نقل بألفاظ مختلفة بلغت التواتر، كقوله ﵇: «سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها» (١)، «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» (٢)، «عليكم بالسواد الأعظم (٣)، يد الله على الجماعة» (٤)، «من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (٥) وأمثاله كثير. الوجه الرابع: أن مجموع هذه الآيات والأخبار يغلب على الظن أن الإجماع حجة. فيجب العمل به؛ لأن دفع الضرر المظنون واجب. وهذا الوجه أقوى الوجوه. فإن قيل: ما ذكرتم معارض بوجوه: الأول: جميع ما في الكتاب من منع الأمة من القول والعمل الباطلين،

стр. 230

كقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣]، ﴿إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢]. إلى غير ذلك، والنهي عن الشيء يستدعي تصوره وإلا لقبح. الثاني جميع ما في السنة، كقوله ﵇: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (١). وقوله «لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي» (٢). «إني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض» (٣). ولأن معاذا ترك ذكر الإجماع (٤) في وقت الحاجة إلى ذلك والمعقول وجهان: الأول: أن كل واحد يجوز أن يخطئ، فكذا الكل. الثاني: أن الإجماع بالتشهي باطل، وليس ثم دلالة، وإلا لوجب اشتهارها؛ لأنها واقعة عظيمة. ولا أمارة؛ لأن أحوال الناس مختلفة فيها، فيستحيل اتفاقهم على مقتضاها. والجواب عن الآيات: أنها خطاب مع كل واحد، ونحن ندعي عصمة

стр. 231

الكل، ثم النهي لا يقتضي تصور المنهي عنه، لما سبق. ولأنه تعالى نهى المؤمن عن الكفر مع علمه بأنه لا يكفر. وعن الأحاديث: أنها لا تدل أن الجميع أشرار، بل البعض. ثم قوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا» ممنوع الصحة، أو أنه خطاب مع قوم معينين. وأما المعقول، فالأول ممنوع. والثاني إنما لم ينقل الدليل؛ لأن الإجماع كان لقوته. وعن حديث معاذ: أن الإجماع لم يكن حجة يومئذ. الثالثة: قالت الشيعة (١) الإجماع حجة، بمعنى أنه لا يخلو زمان التكليف عن إمام معصوم، فيكون الإجماع كاشفا عن قوله. بيانه: أن الإمام لطف، لعلمنا أن الخلق إذا كان لهم رئيس يحثهم على الطاعات وينهاهم عن المنكرات فإن حالهم أحسن وأتم ضرورة. واللطف واجب؛ لأنه كالتمكين في إزالة عذر المكلف والتمكين واجب؛ لأن من دعا غيره إلى طعامه وغرضه نفعه وعلم أنه متى لم يتواضع له لا يتناوله، فإن تركه التواضع كرد الباب عليه. والإمام يجب عصمته، [وإلا لاحتاج] (٢) إلى معصوم آخر وتسلسل. فحينئذ ظهر من هذا أن العلم بكون الإجماع حجة لا يتوقف على العلم بالنبوة أصلا، وأن إجماع الأمة حجة. والسؤال عليه: منع المقدمات الثلاث، وبيانه: أنكم تدعون أنه لم يخل

стр. 232

زمان عن إمام، فقولكم: (نعلم تفاوت حال الخلق عند عدمه) متناقض، بل المجرب وجود هذه المفاسد عند خوف الإمام و [تقيته] (١). سلمناه، لكن المفاسد إنما تزول بوجود إمام قاهر دون الضعيف الذي لا يعرف. وأنتم إنما توجبون أصل الإمام كيف كان، فلا يكون لطفا. سلمناه، لكن إنما يجب إذا خلا عن جميع جهات القبح. فإن قلت: هذا يشكل بمعرفة الله تعالى، فإنها لطف مع قيام الاحتمال. ولأنه لا دليل على مفسدة الإمامة، فوجب نفيها. ولأن جهات القبح محصورة في الظلم والجهل والكذب وشبهها، وهي زائلة عنه. قلت: أما الأول، فإن المعرفة وجبت علينا لكونها لطفا، فقام ظن المصلحة فيها في حقنا مقام العلم، بخلاف الإمامة، فإنكم توجبونها على الله تعالى، فلابد من خلوها عن المفسدة قطعا. وأما الثاني، فلا يلزم من عدم وجدان الدليل عدمه، ولا من انتفائه انتفاء المدلول. وأما الثالث، فمنقوض بقبح صوم العيد، مع انتفاء ما ذكرتم من الجهات. سلمنا أنه لطف، لكن [لا] في كل زمان، فإنه قد يوجد زمان يستنكف فيه الناس عن طاعة الإمام ويقدمون على القبائح أكثر مما لم يكن ويكفي فيه الاحتمال. سلمنا، لكن في المصالح الدينية أو الدنيوية، وكلاهما تحصيل الأصلح، وذلك ليس واجبا على الله تعالى. سلمنا أنه لطف فيهما، فلم قلتم: إن كل لطف واجب عليه تعالى؟!

стр. 233

قوله: (إنه كالتمكين). قلنا: هذا قياس، فلا يفيد اليقين. سلمناه، لكنه مبني على التحسين والتقبيح، وقد أبطلناهما. ثم ما ذكرتموه منقوض بالقضاة والأمراء، فإنهم لو كانوا معصومين كان حال الخلق أكمل. وكذا لو كان الإمام يعلم الغيب ويطير في الهواء. سلمناه، لكن نمنع أن الإجماع كاشف عن قوله. ونمنع أن قوله صواب، إذ يجوز عندكم فتوى الإمام بالكفر والفسق وكذبه للخوف والتقية، فلعله خاف الخلق فأفتى بالباطل، وذلك فيه تنفير أعظم من جريان الصغائر عليه. القسم الثاني: فيما هو من الإجماع وأخرج منه وفيه مسائل: الأولى: إذا اختلف أهل عصر على قولين، فليس لمن بعدهم إحداث ثالث مخالف. خلافا للظاهرية (١)، لما فيه من إبطال إجماع مستقر. فإن قيل: هو جائز على القول بأن كل مجتهد مصيب. قلت: لا يجوز على القول بأن المصيب واحد ضرورة أن الحق واحد. الثانية: إذا لم تفصل الأمة بين مسألتين، فإن نصوا على أن لا فصل لم

стр. 234

يفصل من بعدهم. وإن لم ينصوا، فإن اتحد المأخذ لم يجز، وإلا فيجوز لوجهين: الأول: أنه ليس فيه مخالفة الإجماع في الحكم ولا في علته. الثاني: أنه لو امتنع لوجب على من وافق الشافعي في مسألة لدليل موافقته في الكل. فإن قلت: إنه إبطال ما أجمعوا عليه؛ لأن فيه جواز الأخذ بقول أي طائفة كانت. قلت: الإجماع ممنوع. والثاني سبق جوابه. وقيل: يجوز الفصل مطلقا (١)، أخذا بقول الثوري: أن الجماع ناسيا يفطر، دون الأكل ناسيا (٢). ففرق مع اتحاد طريقتهما. الثالثة: يجوز الإجماع بعد الخلاف. خلافا للصيرفي (٣). لنا: إجماع الصحابة على إمامة أبي بكر بعد خلافهم. وإجماع التابعين على منع بيع أم الولد بعد الخلاف. وله: ما سبق بجوابه.

стр. 235

الرابعة: اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول حجة (١). خلافا لكثير من المتكلمين (٢) وفقهاء الشافعية (٣) والحنفية (٤)؛ لأنه سبيل المؤمنين. وقياسا على الإجماع بعد التفكر والتردد. احتجوا بوجوه: الأول: قوله: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩] الآية. والاتفاق الحادث لا ينفي التنازع السابق، فوجب الرد. الثاني: قوله ﵇: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (٥).

стр. 236

الثالث: أنه نسخ إجماعهم على جواز الأخذ بأحدهما. والجواب عن الأول: أن المجمعين لم يتنازعوا، فلم يجب الرد. وعن الثاني: أنه مخصوص بحال الفكر. وعن الثالث: أن ذلك الإجماع مشروط بعدم القطع بعده. الخامسة: إذا انقسمت الأمة شطرين، ثم مات أحدهما أو كفر أو أجمع من بعدهم كان قول الثاني حجة عند من يقول بالإجماع في المسألتين المتقدمتين، وبل أولى؛ لأن الأول مرجوع [عنه بخلاف الثاني. ومن لم يقل به، فمن اعتبر انقراض العصر منهم من جوزه] (١). ومن لم يعتبر، اختلفوا فيه، فمنهم من أحاله (٢)، ومنهم من جوزه، لكنه ليس بحجة (٣). والحق أنه حجة (٤)، لاندراجه تحت أدلة الإجماع. [و لإجماعهم على خلافة أبي بكر بعد خلافهم. السادسة: لا يعتبر انقراض العصر في الإجماع. خلافا لقوم (٥).

стр. 237

• لنا: أدلة الإجماع] (١). ولأنه لو اعتبر لما حصل إجماع؛ لأنه ما من عصر إلا ويحدث فيه مجتهد. [احتجوا] بما نقل أن عبيدة السلماني قال لعلي كرم الله وجهه حين خالف عمر ﵁ في بيع أم الولد بعد اتفاقهما: "رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحده" (٢). فدل أن عليا خالف الإجماع. وبالقياس على قول النبي ﵇، فإنه لا يستقر كونه حجة في حياته. والجواب عن الأول: إنما أراد بالجماعة عليا وعمر، لا كل الأمة. وعن الثاني: منع الجامع. السابعة: من لم يعتبر الانقراض في الإجماع القولي اعتبره في السكوتي (٣)، لزوال احتمال التفكر. وليس كذلك؛ لأن السكوت إن دل على الرضا دل في الموضعين، وإلا فلا. الثامنة: الإجماع المروي بالآحاد حجة. خلافا لأكثر الناس (٤). لنا: (٤ ب/ ٢٧٠). وأبي الحسن الأشعري وأبي بكر ابن فورك، «مجرد مقالات أبي الحسن» (ص: ١٩٤)، و «البحر» (٤/ ٥١٠).

стр. 238

القياس على جواز التمسك بمظنون السنة. ولأنا بينا أن الإجماع قاعدة ظنية، فما ظنك في تفاصيله (١)؟! القسم الثالث: فيما أدخل في الإجماع وليس منه وفيه مسائل: الأولى: قول البعض وسكوت الباقين ليس بحجة عند الشافعي ﵁ (٢)؛ لأنه يحتمل الرضى والسخط والتفكر وحصول مانع، أو أنه لا يرى الإنكار فرضا، أو تركه صغيرة، أو لا يلتفت إليه، أو ظن أن غيره أنكر، فلا يدل على الرضا. وقال أبو هاشم: ليس بإجماع لكنه حجة (٣)؛ لأن الناس في كل عصر

стр. 239

يحتجون بالقول المنتشر في الصحابة إذا لم يعرف له مخالف. وجوابه: المنع. وقال ابن أبي هريرة: هو إجماع وحجة من غير الحاكم (١)؛ لأن عدم الإنكار على الحاكم يكون مجاملة عرفا، وعدمه على غيره رضى. وجوابه: أن ذلك بعد تقرر المذاهب، أما حال الطلب فلا. وقال الجبائي: هو إجماع وحجة بعد انقراض العصر (٢)؛ لأن من اعتقد خلافا أظهره، إذ لا تقية؛ لأنها لم تنقل. وجوابه: ما ذكرناه من احتمال السكوت. الثانية: قول الصحابي إذا انتشر ولم يعرف له مخالف، فيه خلاف (٣). والحق أنه كالإجماع السكوتي فيما تعم به البلوى، وإلا فلا، لاحتمال ذهول البعض عنه. الثالثة: أهل العصر إذا تمسكوا بدليل أو تأويل ليس لمن بعدهم إبطالهما بمثلهما وفاقا، وإلا لكان قد أجمعوا على الباطل. نعم لهم ذكر دليل وتأويل

стр. 240

إن لم يبطل الأول؛ لأن أهل كل عصر يستخرجون أدلة وتأويلات ولم ينكر عليهم فكان إجماعا. فإن قلت: إنه غير سبيل المؤمنين. ولأنه لو صح الجديد لما ذهل الأولون عنه. قلت: وإبطاله غير سبيل المؤمنين. ولأن الدليل الواحد يغني، فلم يبطلوا غيره. الرابعة: إجماع أهل المدينة حجة عند مالك (١)، لقوله ﷺ : «إن المدينة لتنفي خبثها» (٢). وإنما ينتفي الخبث بانتفاء كل أفراده فينتفي الخطأ فإنه خبث. فإن قيل: ظاهر الخبر متروك، إذ قد خرج منها ثلاثمئة صحابي، منهم علي وعبد الله. على أنا نحمله على من كره المقام فيها، أو على الكفار. ثم هو معارض بوجوه: الأول: أن دليل الإجماع هو لفظ «المؤمنين» و «الأمة» لا يحصل بهم. الثاني: أن المكان وأهله لا تأثير لهما في كون القول حجة. ولأنه لو كان قولهم حجة فيها لكان حجة في غيرها، كقول الرسول ﵇.

стр. 241

والجواب عن الأول: أن معناه نفي الخبث، لا خبث المنفي. وعن الثاني: أن التقييد خلاف الأصل. وعن الثالث: أن ذلك الدليل لا ينفي ما ثبت بدليل آخر. وعن الرابع: أن أهل بلدة كأهل عصر. وعن الخامس: أنه قياس في مقابلة النص. الخامسة: إجماع العترة ليس بحجة خلافا للإمامية (١) والزيدية (٢)؛ لأن عليا لم يقل لمن خالفه إن قولي حجة. احتجوا بقوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ [الأحزاب: ٣٣]. وقوله ﵇: «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي» (٣). ولأن الخطأ منهم أبعد، إذ هم مهبط الوحي. والجواب عن الأول: أن المراد أزواجه؛ لأن الخطاب معهن، والتذكير لا ينفي إرادتهن. وعن الثاني: أن الحديث خبر واحد لا تعملون به (٤). على أنه يفيد

стр. 242

التمسك بمجموع الكتاب والعترة. وعن الثالث: هو منقوض بأزواجه ﵇. ولأن لفظ «أهل البيت» حقيقة فيهن لغة. السادسة: قال أبو حازم (١): إجماع الخلفاء الأربعة حجة. وقيل: إجماع الشيخين حجة (٢). حجة الأول: قوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (٣). وحجة الثاني: قوله ﵇: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٤). وجوابهما: أنه كقوله ﵇: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم

стр. 243

اهتديتم» (١)، وهو لا يفيد أن قول كل واحد حجة. السابعة: إجماع الصحابة مع خلاف التابعي لا ينعقد. خلافا لبعضهم (٢). • لنا: أن الصحابة رجعوا إلى قول التابعين، وروي أن [ابن] عمر سئل عن شيء، فقال: "سلوها سعيد بن جبير" (٣). وسئل أنس عن شيء فقال: "سلوها مولانا الحسن" (٤). وتابع ابن عباس فتوى مسروق في نذر ذبح الولد (٥). ولولا اعتبار قولهم لما رجع أكثر الصحابة إليهم. احتجوا بقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ [الفتح: ١٨]. وبإنكار عائشة على أبي سلمة مخالفته لابن عباس في عدة المتوفى عنها زوجها (٦).

стр. 244

والجواب: الآية مختصة بأهل بيعة الرضوان، ولم يختصوا بالإجماع. وإنكار عائشة ﵂ ربما كان لأنه خالف الإجماع. على أن قولها ليس بحجة على الباقين. الثامنة: يعتبر قول المسلم المخطئ في الأصول إن لم نكفره؛ لأنه مؤمن. ثم لا يثبت كفره بإجماعنا؛ لأنه إنما خرج بكفره، فتكفيرنا له دور. التاسعة: لا ينعقد الإجماع مع مخالفة الواحد والاثنين خلافا لبعضهم (١)؛ لأن أبا بكر ﵁ خالف الصحابة في قتال مانع الزكاة. وابن مسعود وابن عباس خالفا الكل في مسائل الفرائض. ولم يقل أحد أن خلافهم غير معتبر. احتجوا بوجوه: الأول: قوله ﵇: «عليكم بالسواد الأعظم» الحديث (٢). وقوله:

стр. 245

«الشيطان مع الواحد» (١). الثاني: أن لفظ الأمة والمؤمنين يتناولهم كما يقال للزنجي أسود مع بياض أسنانه وعينه. الثالث: أن الاعتماد في خلافة أبي بكر على الإجماع مع مخالفة سعد وعلي. الرابع: أنه يستحيل اتفاق الجمع العظيم على الكذب. و [الخامس]: القياس على ترجيح الخبر بكثرة العدد. والجواب عن الأول: أن المراد منه الكل. وعن الثاني: أنه ليس المراد كل واحد؛ لأن قول الرسول وحده حجة. وعن الثالث: أنه مجاز، لصحة الاستثناء. وعن الرابع: أن البيعة كافية في الإمامة. وعن الخامس: أن الإجماع لا يحصل بقول كل بعض، بخلاف الخبر، فافترقا.

стр. 246

العاشرة: الإجماع لا ينعقد بتخلف مجتهد وإن كان خاملا؛ لأن قول من عداه قول بعض الأمة، فلا تتناوله أدلة الإجماع. القسم الرابع: في مستند الإجماع وفيه مسائل: الأولى: لابد للإجماع من دلالة أو أمارة. خلافا لبعضهم (١)، وإلا لكان خطأ. فإن قالوا: أجمعوا على المعاطاة وأجرة الحمام. ولأنه ينفي فائدة الإجماع. قلنا: لعله عن دليل لم ينقل استغناء بالإجماع. وفائدة الإجماع الكشف عن الدليل، فيكونا دليلين. الثانية: قال ابن جرير: الإجماع الأمارة غير ممكن (٢). وبعضهم منع وقوعه بها (٣). والحق جواز وقوعه بها. * لنا: رجوع الصحابة كلهم إلى فتوى علي في حد الشرب، فإنه قال: "إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى … وحد المفتري ثمانون" (٤). فإن قلت: الأمارة خفية، فيستحيل اجتماع الخلق العظيم المختلف

стр. 247

الدواعي عليها، كاجتماعهم على الكلمة الواحدة والطعام الواحد في وقت واحد، بخلاف الدلالة. ولأن بعضهم لم يحكم بالأمارة. قلت: الخلاف في صحة القياس حادث. ثم ينتقض بالعموم وخبر الواحد. الثالثة: الإجماع الموافق لخبر لا يلزم أن يكون لأجله، لجواز قيام غيره. خلافا لأبي عبد الله البصري (١). القسم الخامس: في المجمعين وفيه مسائل: الأولى: خطأ هذه الأمة جائز عقلا كسائر الأمم. ممتنع شرعا؛ لأن «المؤمنين» و «الأمة» عامان، فخروج البعض عنهما يحتاج إلى دليل. الثانية: لا عبرة بقول الخارج عن الملة، إذ لا يتناوله لفظ «المؤمنين» و «الأمة» في عرف شرعنا. الثالثة: لا يعتبر من سيوجد إلى يوم القيامة؛ لأن حصول الإجماع يوجب التمسك به في الحال، وتأخيره يضاده. الرابعة: لا عبرة بقول العوام. خلافا للقاضي أبي بكر (٢)؛ لأن الصحابة

стр. 248

﵃ أجمعوا على ترك الأخذ بقولهم. وقياسا على الصبي والمجنون. فإن قلت: أدلة الإجماع تقتضي متابعة الكل. قلت: متابعة الكل لا تنافي متابعة البعض. الخامسة: لا يعتبر في كل فن قول من ليس مجتهدا فيه؛ لأنه كالعامي. إلا الأصولي المجتهد فيه فقط، فإنه يعتبر قوله في الإجماع. خلافا لقوم (١). بخلاف الحافظ للأحكام؛ لأن طريق الإدراك اجتهاد، وهو موجود. السادسة: لا يعتبر في المجمعين حد التواتر، بل لو بلغت الأمة إلى واحد والعياذ بالله، كان قوله حجة، لدخوله تحت لفظ «المؤمنين» و «الأمة». السابعة: ينعقد إجماع غير الصحابة. خلافا للظاهرية (٢)، لوجود أدلة الإجماع. فإن قلت: هو معارض بوجوه: الأول: أن أدلة الإجماع إنما تتناول الصحابة. الثاني: أن الإجماع لا يعرف إلا من قوم محصورين كالصحابة. الثالث: يحتمل أن بعض الصحابة قال بخلاف قول التابعين، فيقع الشك في شرط صحة إجماعهم.

стр. 249

والجواب عن الأول: أنه لو صح ذلك لتعذر الإجماع بموت أحد الصحابة الحاضرين. وعن الثاني: إنما نفرض الكلام فيما إذا أمكن وقوعه. وعن الثالث: لو وجد قول لنقل، والأصل عدمه. القسم السادس: فيما ينعقد الإجماع عليه وفيه مسائل: الأولى: كل ما لا يتوقف صحة الإجماع عليه، كإثبات الوحدانية وحدوث الأجسام يثبت بالإجماع؛ لأنه يمكن معرفة الإجماع قبل العلم بكونه تعالى واحدا. وما يتوقف العلم بكون الإجماع حجة على العلم به، كإثبات الصانع والنبوة، لا يمكن إثباته بالإجماع. الثانية: الإجماع حجة في الآراء و [الحروب] (١) مطلقا. خلافا لقوم (٢)، الإطلاق أدلة الإجماع. الثالثة: لا يجوز خطأ شطر الأمة في مسألة والشطر الآخر في أخرى. خلافا لقوم (٣)، لئلا يلزم خطأ الكل.

стр. 250

الرابعة: لا يجوز إجماع الكل على الكفر؛ لأن اتباع سبيل المؤمنين واجب، فيستدعي وجوده. وجوزه قوم (١)؛ لأنه لا يكون سبيلهم سبيل المؤمنين، ولا أمة محمد ﷺ ، إذ كفروا. الخامسة: يجوز إجماعهم على عدم العلم بما لا يكلفوا به. خلافا لقوم (٢)؛ لأنه لا يلزم منه محذور. القسم السابع: في حكم الإجماع وفيه مسائل: الأولى: جاحد المجمع عليه لا يكفر. خلافا لبعض الفقهاء (٣)؛ لأن أصله مظنون. ولأنه ﵇ لم يوجب على من أسلم من الكفار معرفة كون الإسلام حجة. الثانية: الإجماع الصادر عن الاجتهاد حجة. خلافا للحاكم (٤) (٥).
следующие страницы →