العاشرة: الإجماع لا ينعقد بتخلف مجتهد وإن كان خاملا؛ لأن قول من عداه قول بعض الأمة، فلا تتناوله أدلة الإجماع.
القسم الرابع: في مستند الإجماع
وفيه مسائل:
الأولى: لابد للإجماع من دلالة أو أمارة. خلافا لبعضهم (١)، وإلا لكان خطأ. فإن قالوا: أجمعوا على المعاطاة وأجرة الحمام. ولأنه ينفي فائدة الإجماع. قلنا: لعله عن دليل لم ينقل استغناء بالإجماع. وفائدة الإجماع الكشف عن الدليل، فيكونا دليلين.
الثانية: قال ابن جرير: الإجماع الأمارة غير ممكن (٢). وبعضهم منع وقوعه بها (٣). والحق جواز وقوعه بها.
* لنا: رجوع الصحابة كلهم إلى فتوى علي في حد الشرب، فإنه قال: "إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى … وحد المفتري ثمانون" (٤).
فإن قلت: الأمارة خفية، فيستحيل اجتماع الخلق العظيم المختلف
стр. 247
الدواعي عليها، كاجتماعهم على الكلمة الواحدة والطعام الواحد في وقت واحد، بخلاف الدلالة. ولأن بعضهم لم يحكم بالأمارة. قلت: الخلاف في صحة القياس حادث. ثم ينتقض بالعموم وخبر الواحد.
الثالثة: الإجماع الموافق لخبر لا يلزم أن يكون لأجله، لجواز قيام غيره.
خلافا لأبي عبد الله البصري (١).
القسم الخامس: في المجمعين
وفيه مسائل:
الأولى: خطأ هذه الأمة جائز عقلا كسائر الأمم. ممتنع شرعا؛ لأن «المؤمنين» و «الأمة» عامان، فخروج البعض عنهما يحتاج إلى دليل.
الثانية: لا عبرة بقول الخارج عن الملة، إذ لا يتناوله لفظ «المؤمنين» و «الأمة» في عرف شرعنا.
الثالثة: لا يعتبر من سيوجد إلى يوم القيامة؛ لأن حصول الإجماع يوجب التمسك به في الحال، وتأخيره يضاده.
الرابعة: لا عبرة بقول العوام. خلافا للقاضي أبي بكر (٢)؛ لأن الصحابة
стр. 248
﵃ أجمعوا على ترك الأخذ بقولهم. وقياسا على الصبي والمجنون. فإن قلت: أدلة الإجماع تقتضي متابعة الكل. قلت: متابعة الكل لا تنافي متابعة البعض.
الخامسة: لا يعتبر في كل فن قول من ليس مجتهدا فيه؛ لأنه كالعامي.
إلا الأصولي المجتهد فيه فقط، فإنه يعتبر قوله في الإجماع. خلافا لقوم (١).
بخلاف الحافظ للأحكام؛ لأن طريق الإدراك اجتهاد، وهو موجود.
السادسة: لا يعتبر في المجمعين حد التواتر، بل لو بلغت الأمة إلى واحد والعياذ بالله، كان قوله حجة، لدخوله تحت لفظ «المؤمنين» و «الأمة».
السابعة: ينعقد إجماع غير الصحابة. خلافا للظاهرية (٢)، لوجود أدلة الإجماع.
فإن قلت: هو معارض بوجوه:
الأول: أن أدلة الإجماع إنما تتناول الصحابة.
الثاني: أن الإجماع لا يعرف إلا من قوم محصورين كالصحابة.
الثالث: يحتمل أن بعض الصحابة قال بخلاف قول التابعين، فيقع الشك في شرط صحة إجماعهم.
стр. 249
والجواب عن الأول: أنه لو صح ذلك لتعذر الإجماع بموت أحد الصحابة الحاضرين.
وعن الثاني: إنما نفرض الكلام فيما إذا أمكن وقوعه.
وعن الثالث: لو وجد قول لنقل، والأصل عدمه.
القسم السادس: فيما ينعقد الإجماع عليه
وفيه مسائل:
الأولى: كل ما لا يتوقف صحة الإجماع عليه، كإثبات الوحدانية وحدوث الأجسام يثبت بالإجماع؛ لأنه يمكن معرفة الإجماع قبل العلم بكونه تعالى واحدا. وما يتوقف العلم بكون الإجماع حجة على العلم به، كإثبات الصانع والنبوة، لا يمكن إثباته بالإجماع.
الثانية: الإجماع حجة في الآراء و [الحروب] (١) مطلقا. خلافا لقوم (٢)، الإطلاق أدلة الإجماع.
الثالثة: لا يجوز خطأ شطر الأمة في مسألة والشطر الآخر في أخرى. خلافا لقوم (٣)، لئلا يلزم خطأ الكل.
стр. 250
الرابعة: لا يجوز إجماع الكل على الكفر؛ لأن اتباع سبيل المؤمنين واجب، فيستدعي وجوده. وجوزه قوم (١)؛ لأنه لا يكون سبيلهم سبيل المؤمنين، ولا أمة محمد ﷺ ، إذ كفروا.
الخامسة: يجوز إجماعهم على عدم العلم بما لا يكلفوا به. خلافا لقوم (٢)؛ لأنه لا يلزم منه محذور.
القسم السابع: في حكم الإجماع
وفيه مسائل:
الأولى: جاحد المجمع عليه لا يكفر. خلافا لبعض الفقهاء (٣)؛ لأن أصله مظنون. ولأنه ﵇ لم يوجب على من أسلم من الكفار معرفة كون الإسلام حجة.
الثانية: الإجماع الصادر عن الاجتهاد حجة. خلافا للحاكم (٤)(٥).
стр. 251
• لنا: أنه سبيل المؤمنين.
وله: أن سبيلهم إثباته بالاجتهاد.
وجوابه: أن تعيين طريق إثباته غير معتبر إجماعا.
الثالثة: لا ينعقد إجماع مخالف لإجماع قبله. خلافا لقوم (١)؛ لأن أحدهما خطأ قطعا.
الرابعة: لا يجوز أن يعارض الإجماع خبرا إذا علم ظاهر الخبر
والإجماع، للتناقض. وإن علم إرادة أحدهما الظاهر قدم. وإن جهلا قدم الأخص توفيقا بينهما. وإلا تساقطا للتعارض.
стр. 252
الكلام في الأخبار
وفيه مسائل:
الأولى: الخبر حقيقة في القول المخصوص، لسبق الفهم. ومجاز في غيره، كقوله (١):
تخبرني العينان ما القلب كاتم
ويخبرني الغراب.
الثانية: اختلف في حده، فقيل (٢): ما يدخله الصدق والكذب. وقيل (٣): ما يحتمل التصديق والتكذيب. وقال أبو الحسين البصري (٤): أنه كلام بنفسه يفيد إضافة أمر إلى أمر بنفي أو إثبات.
стр. 253
والكل باطل؛ لأن الصدق والكذب والتصديق والإثبات والنفي أنواع للخبر، فتعريف الخبر بها دور. والحق عندنا أن تصوره غني عن التعريف، إذ كل أحد يعلم بالضرورة أنه موجود، والخبر جزء من هذا الخبر. ويفرق بين موضعي حسن الخبر والأمر. فإن قلت: الخبر لفظ كيف يعلم تصوره؟! قلت: إذا علم المعنى علم ما يدل عليه.
الثالثة: لا يفتقر الخبر إلى إرادة؛ لأن غرض المتلفظ بالصيغة بها تعريف غيره بما يقتضيه لفظه. وقيل: يفتقر (١)، لصدورها عن الساهي والخاطئ. وقال أبو علي وأبو هاشم: الصيغة حال كونها خبرا صفة معللة بتلك الإرادة (٢). وقد سبق إبطال قولهم في الأمر.
الرابعة: مدلول صيغة الخبر الحكم بالنسبة لا ثبوتها، وإلا لم يكن الكذب خبرا. ثم ليس الحكم الذهني هو الاعتقاد ولا الإرادة، إذ قد يخبر الإنسان عن شيء لا يعتقده ولا يريده. وإذا تغايرا، فهو كلام النفس.
الخامسة: [الخبر] إما صدق وإما كذب. خلافا للجاحظ (٣). والخلاف
стр. 254
لفظي؛ لأنه إن عنى بالصدق الخبر المطابق، وبالكذب الغير المطابق كيف كانا، فلا واسطة. وإن عنى بالمطابقة وغير المطابقة بالعلم (١) تحققت الواسطة.
للجمهور: أنا نكفر اليهود والنصارى في كفرهم مع جهلهم بصحته.
جوابه: أن أدلة الإسلام جلية، فالمخبر يكون كالعالم به.
واحتج له: أن من أخبر عن شيء ظانا وقوعه فخرج بخلافه، لا يقال إنه كذب. ولأن أكثر العمومات مخصصة، فلو اشترطنا التطابق في الخبر لزم الكذب فيها.
الباب الأول: في التواتر
وفيه مسائل:
الأولى: التواتر في اللغة: مجيء واحد بعد واحد بفترة. قال تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا﴾ [المؤمنون: ٤٤]، أي: رسولا بعد رسول بفترة. وفي اصطلاح العلماء: خبر قوم يفيد العلم لكثرتهم.
الثانية: التواتر يفيد العلم عند الأكثرين. وقالت السمنية (٢): يفيد الظن
стр. 255
القوي (١). وقيل: يفيد العلم في الأمر الحاضر دون الماضي (٢).
• لنا: أنا نجزم بوجود مكة وخراسان كجزمنا بوجود ما نشاهده.
احتجوا: بأن جزمنا بوجود حاتم دون جزمنا بأن الواحد نصف الاثنين، فيدل على احتمال نقيضه. ولأنه ليس أقوى من جزمنا بأن هذا زيد هو الذي رأيته بالأمس. وليس بيقيني، لاحتمال وجود مثله.
وجوابه: أن ذلك تشكيك في الضروريات، فلا يجاب.
الثالثة: العلم عقيب التواتر ضروري خلافا لأبي الحسين (٣) وإمام الحرمين (٤) والغزالي (٥)؛ لأنه حاصل للعامة والصبيان والبله. فإن قلت: لو كان ضروريا لعلمنا بالضرورة كوننا عالمين به. ولأنه لو علم الغائب بالضرورة لعلم الشاهد بالدليل. قلت: قد يعلم أصل الشيء ضرورة دون كيفيته. ثم نمنع الجامع.
الرابعة: في شرائط التواتر. وضبطه: أن من أفاده الخبر علما علم
стр. 256
تواتره وإلا فلا.
وشرطه: أن لا يعلم السامع مخبره ضرورة. وشرط المرتضى (١) أن لا يعتقد نقيضه لشبهة وتقليد، فإن نفي تواتر خبر إمامة علي كان لشبهة.
وشرط المخبرين العدد وأن يكون المخبر به ضروريا، لجواز الالتباس في غيره.
الخامسة: العدد. وفيه وجوه (٢): قيل: اثنا عشر، عدد نقباء موسى. وقال أبو الهذيل: عشرون (٣)، لقوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ [الأنفال: ٦٥]، فتخصيصهم في الجهاد يدل على إفادة قولهم العلم. وقيل: أربعون، لقوله تعالى: ﴿ومن اتبعك من المؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٤]. وكانوا أربعين. وقيل: سبعين، عدد من اختارهم موسى للمناجاة. وقيل: ثلاثمئة وبضعة عشر، عدد أهل بدر. وقيل: ألف وخمسمئة وعشرون، عدد بيعة الرضوان. وقيل: أن لا يحصرهم عدد ولا بلد ولا دين ولا نسب. وأن يكون فيهم معصوم. ولا تعلق لشيء منها بالمسألة.
السادسة: قال القاضي أبو بكر (٤): قول الأربعة الصادقين لا يفيد العلم؛ لأنه لو أفاده لاستغنى الحاكم عن تزكيتهم في الزنا؛ لأنه إن علم صدقهم قطع بصدقهم وإلا قطع بكذبهم. وتوقف في الخمسة.
стр. 257
فإن قيل: ما ذكرتموه لازم في الخمسة وعدد أهل القسامة، فوجب أن لا يفيد العلم. وجوابه: أنه إذا لم يحصل العلم بقول الخمسة لا تبطل الحجة، لجواز صدق أربعة منهم، ثم كل واحد من أهل القسامة يخبر عن غير ما يخبر الآخر.
السابعة: إذا كثرت الأخبار الجزئية في واحد، كسخاوة حاتم، فإنه يفيد التواتر، إذ راوي الجزئي بالمطابقة، راوي الكلي بالتضمن. والله أعلم.
الباب الثاني: في غير المتواتر من الأخبار الصادقة
الأول: ما علم مخبره ضرورة.
الثاني: ما علم بالدليل.
الثالث: خبر الله تعالى، باتفاق الملل ودليله: العقل، إذ الصدق صفة كمال، والكذب صفة نقص، والله تعالى منزه عنه. وقال الغزالي (١): يدل عليه وجهان: الأول: كلامه، فإنه قائم بذاته، فيمتنع الكذب عليه كامتناع الجهل.
الثاني: في إخبار الرسول بتصديقه.
وجواب الأول: أن كلامنا في أصول الفقه [في الكلام المسموع] دون كلام النفس. والثاني: دور، إذ تصديق الرسول علم بتصديق الله تعالى إياه.
واستدلت المعتزلة بأن الكذب قبيح، وهو على الله تعالى محال.
стр. 258
وهو باطل؛ لأنه لا خبر يخالف المخبر عنه ظاهرا إلا ويصح بإضمار أو تغيير، ومثله لا يقبح من الله تعالى، فإن أكثر العمومات كذلك.
الرابع: خبر النبي ﷺ . قال الغزالي (١): دليله المعجزة؛ لأنها لو ظهرت على يد كاذب لعجز الله تعالى عن تصديق [رسله].
والاعتراض من وجهين: الأول: أنه لو تعذر عليه إظهار المعجز على يد الكاذب لكان عاجزا أيضا. والثاني: أن إظهار المعجز ممكن، فلو تعذر ظهوره على يد الكاذب لانقلب الممكن ممتنعا.
الخامس: خبر الأمة، ودليل صدقه: دلائل الإجماع.
السادس: خبر الجمع العظيم فيما يجدوه من شهوة أو كراهة.
السابع: صدور أخبار مختلفة من أهل التواتر دليل صدق أحدها.
الثامن: القرائن تدل على صدق الخبر. وهو مذهب إمام الحرمين (٢) والغزالي (٣) والنظام (٤)؛ لأن من أخبر عن عطشه وظهر أمارته على وجهه ولسانه علم صدقه.
احتج المنكر بوجوه: الأول: أن خبر الموت للمريض مع البكاء وإحضار الكفن والجنازة قد يبطل، فيقال أغمي عليه أو أظهر ذلك لغرض.
стр. 259
الثاني: لو كانت القرائن المفيدة لما حصل العلم بالتواتر عند عدمها. الثالث: لاطرد في كل واحد كالمتواتر.
والجواب عن الأول: أن القدح في واحد لا يقدح في كل واحد. وعن الثاني: لا تنافي بين أن تفيد القرائن وغيرها. وعن الثالث: الاطراد في الخبر مع القرائن لازم.
القول في الطرق الفاسدة
الأول: ما سمعه الرسول ﵇ فلم يكذبه صدق بشرط أن يكون عن أمر ديني لم يتقدمه بيان، وكونه جائز التغيير أو دنيوي لكنه استشهد النبي ﵇، أو ادعي علمه ﵇ بالواقعة. أو علم الحاضرون علمه ﵇ بها؛ لأن السكوت يوهم التصديق، وإيهام تصديق الكاذب لا يجوز.
الثاني: سكوت الجماعة العظيمة تصديق للخبر، وهو يفيد الظن دون اليقين.
الثالث: قال أبو هاشم والكرخي وأبو عبد الله البصري (١): الإجماع على موجب الخبر دليل على صدقه. وهو باطل، إذ قد يعمل بالخبر المظنون صحته.
احتجوا بأن عادتهم فيما لا يعلموه أن يخالفه بعضهم مع عدم الصادق.
وجوابه: منع العادة، إذ حكم المجوس ثبت بخبر عبد الرحمن.
стр. 260
الرابع: قال بعض الزيدية (١): بقاء النقل مع إيثار (٢) إبطاله دليل صدقه، كخبر الغدير (٣) والمنزلة (٤)، إذ سلما في زمن بني أمية. وهو باطل، إذ الآحاد قد تشتهر بحيث يتعذر نفيها.
الخامس: قال بعضهم (٥): كل خبر تمسك به البعض وأوله البعض فهو صدق. وهو ضعيف، إذ خبر الواحد مقبول. والله أعلم
الباب الثالث: في الأخبار الذي يقطع بكذبها
الأول: ما نافي مخبره وجود ما علم ضرورة أو نظرا، كقول من لم يكذب: "أنا كاذب"؛ لأن المخبر عنه بكذبه ليس هذا الخبر، وإلا تأخر الشيء عن نفسه رتبة، بل ما قبله، وهو صادق فيه، فكاذب في هذا.
الثاني: الخبر الذي ينافي الدليل القاطع، إن احتمل تأويلا قريبا حمل
стр. 261
عليه، وإلا حكم أما بكذبه، أو بأن معه ما يصح به ولم ينقل.
الثالث: الخبر الذي يروى بعد استقرار الأخبار ولم يوجد في بطن كتاب ولا في صدر راو (١).
الرابع: ما لم يتواتر مع توافر الدواعي على نقله متواترا كأصول الشريعة، أو لغرابته، أو لهما، كالمعجزات؛ لأنه لو جاز هذا لجاز وجود بلدة عظيمة بين البصرة وبغداد لم تنقل. وأن الواجب عشر صلوات والمنقول خمس.
وجوز الشيعة ذلك (٢) للتقية لوجهين: الأول: عدم تواتر إفراد الإقامة والجهر بالتسمية. الثاني: عدم تواتر المعجزات وقصص الأنبياء ﵈.
والجواب عن الأول: لعلمهم أن تركه لا يوجب كفرا ولا بدعة، فتساهلوا في نقله متواترا. وعن الثاني: ربما يشاهدها عدد التواتر. وقصص الأنبياء لا غرض ديني فيها، بخلاف النص الجلي على إمامة علي كرم الله وجهه.
الخامس: بعض أخبار الآحاد كذب، إذ قد صح أنه ﵇ قال: «سيكذب علي» (٣). فهذا كذب، وإلا فغيره. وقال شعبة: "نصف الحديث كذب " (٤) والسلف لم تتعمد الكذب لنزاهتهم عنه، بل ربما بدل أحدهم لفظا
стр. 262
بآخر يعتقده في معناه ونسي بعض ما يصح به الخبر. أو ترك ذكر [سبب] الحديث. أو اعتقد خبر المتكلم قول النبي ﵇. فإن الإمامية يسندون ما صح عن بعض أئمتهم إلى النبي ﵇ عملا بقول جعفر بن محمد: "إذا سمعتم عني حديثا فقولوا: قال النبي ﵇ " (١).
أما الخلف فقد تعمدوه، نسبت الملاحدة الأباطيل إلى رسول الله ﷺ تنفيرا عنه. وأجازت الكرامية وضع الأخبار على المذاهب لترويج الحق (٢).
مسألة: الأصل عدالة الصحابة ﵃، إلا لمعارض، لقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ [الفتح: ١٨]. وقوله ﵇: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (٣)، وقوله: «خير الناس قرني» (٤). ثم قوله: «لا تسبوا أصحابي» (٥).
وقد طعن النظام (٦) والخوارج فيهم محتجون بأن بعضهم كذب بعضا،
стр. 263
قال عمران بن الحصين: "والله لو أردت لحدثت عن النبي ﵇ يومين متتابعين، فإني سمعت كما سمعوا وشاهدت كما شاهدوا، ولكنهم يحدثوا أحاديثا ما هي كما يقولون" (١). وهذا قدح في الكل. وكان علي ﵁ يستحلف الرواة (٢). ولولا الاتهام العام وإلا لما حلفهم. وقبلوا خبر الواحد على خلاف الكتاب. ورووا الأحاديث بعد تطاول الزمان، مع أنهم ما كتبوها وما درسوها، وذلك قاطع بأنه غير مسموع.
والجواب عن المطاعن: أنها مروية بالآحاد، فلا تعارض الكتاب، وتخصيص الكتاب بخبر الواحد جائز كما سبق. والأصل أن العدل لا يروي إلا ما يظن صحته.
الباب الرابع
الخبر الذي لا يقطع بصدقه ولا كذبه يحتج به في الأمور الدنيوية بالاتفاق. وفي الشرعيات. خلافا لقوم (٣).
стр. 264
• لنا وجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]، أمر بالتثبت وعلل المنع بالفسق المفارق لمناسبته، فلو منعت الوحدة مع لزومها لعلل بها.
الثاني: روي بالتواتر أنه ﵇ كان يبعث آحاد أصحابه لتعليم الأحكام.
الثالث: رجع جمهور الصحابة إلى قول عائشة في وجوب الغسل بالتقاء الختانين (١). وفي الربا إلى خبر أبي سعيد (٢).
الرابع: رجعوا إلى خبر الصديق: «الأئمة من قريش» (٣). و «الأنبياء يدفنون حيث يموتون» (٤)، و «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» (٥). والأخبار فيه كثيرة.
стр. 265
الخامس: العمل به يدفع ضررا مظنونا؛ لأن رواية العدل باقتضاء الفعل يوجب تركه العقاب، فيجب فعله ضرورة، إذ العمل بهما وتركهما وترجيح المرجوح على الراجح ممتنع.
احتجوا بوجهين:
الأول: لو وجب العمل بالظن في الرواية لوجب بالظن قبول مدعي النبوة إذا ظن صدقه.
الثاني: لو جاز التعبد في الفرع بالظن لجاز في الأصل، كمعرفة الله تعالى. وباقي الأسئلة تأتي في القياس إن شاء الله تعالى.
والجواب: أنه منقوض بالفتوى والشهادات والأمور الدنيوية من الأغذية والأشربة والعلاجات وغيرها. وجواب ما يأتي في القياس أيضا. والله أعلم.
الباب الخامس في الشرائط
ويشترط في المخبر التكليف، ليحصل الظن بقوله. ويمكنه الضبط، ويقبل فيما يحمله قبل البلوغ للإجماع. وكونه ضابطا، وقلة السهو غير مخلة.
وكونه مسلما وإن كفرناه لبدعة، ما لم يجوز الكذب. خلافا للقاضي أبي بكر (١) وعبد الجبار (٢). لنا وجهان
الأول: أن اعتقاده حرمة الكذب يزجره عنه.
стр. 266
الثاني: أنهم قبلوا خبر الحسن وقتادة وعمرو بن عبيد مع تكفيرهم أياهم (١).
احتجوا بقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق﴾ الآية [الحجرات: ٦]. وبالقياس على الخارج عن الملة، وجهله بكفره ليس بعذر؛ لأنه ضم جهل إلى كفر.
والجواب عن الأول: أن الفاسق في الشرع: المسلم. وعن الثاني: أن كفر المتأول أخف.
стр. 267
وكونه عدلا. والعدالة: هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا. وشرائطها مذكورة في الفقه. ولنذكر ههنا بعضها:
مسألة: من أتى بفسق مظنون جاهلا به قبلت روايته، كالحنفي إذا شرب النبيذ. وكذا لو كان مقطوعا. خلافا للقاضي أبي بكر (١)؛ لأن صدقه راجح فقبلت روايته.
مسألة: لا نقبل من المخالف الذي نكفره إن ظهر عناده؛ لأنه يكذب مع العلم به. ولا من المجهول. خلافا لأبي حنيفة وأصحابه (٢).
• لنا وجهان:
الأول: أن آي القرآن تنفي العمل بخبر الواحد، خالفناها في ظاهر العدالة [لقوته].
الثاني: القياس على ظن وجود البلوغ والحرية والإسلام في الشهادة.
احتجوا بالقياس على قبوله في ذكاة اللحم، وطهارة الماء، والقبلة، ووضوءه إذا أم، ورق الجارية.
والجواب: أن منصب الرواية أعلى لشرعيته في حق الكل.
مسألة: يشرط العدد في الجارح والمزكي في الشهادة دون الرواية؛ لأن
стр. 268
العدالة شرط الرواية، وشرط الشيء لا يزيد عليه، فالإحصان يثبت باثنين دون الزنا. وقيل: يشترط فيهما (١). وقال القاضي: لا يشترط فيهما (٢).
مسألة: يجب ذكر سبب الجرح دون التعديل، للاختلاف فيه (٣). وقيل بالعكس (٤)، إذ مطلق الجرح يبطل الثقة بخلاف التعديل، لتسارعهم إلى الثناء على الظاهر. وقيل: يجب فيهما (٥). وقيل: لا يجب فيهما (٦)؛ لأنهما إنما يقبلان من بصير بهذا الشأن. وهو الحق، فلا معنى للسؤال.
مسألة: يقدم الجرح وإن زاد عدد المزكي على الصحيح، لاطلاع الجارح على زيادة لم ينفها المزكي. فإن نفاها ثبت الجرح، إذ النفي لا يعلم. نعم لو قال: قتل، فقال المزكي: رأيته حيا، تعارضا.
مسألة: التعديل: أن يحكم بشهادة، أو يقول: هو عدل عندي. أو يروي عنه خبرا - إن علم أنه ينقل عن عدل .. أو يعمل بخبره. ورد شهادته لا تمنع الرواية، إذ يشترط في الشهادة ما لا يشترط في الرواية.
стр. 269
فصل: إن علم أنه قرأه على شيخه أو حدثه به، رواه. وإن ظنه بناء على خطه، خلافا لأبي حنيفة (١)؛ لأن الصحابة ﵃ عملوا بكتب رسول الله ﵇، وما علموا رواتها. ولأنه يفيد الظن.
احتج بأنه لا يؤمن كذبه. جوابه الظن كاف.
وشرط الجبائي في خبر الواحد أن يعضده ظاهر أو يعمل به صحابي أو اجتهاد أو انتشار (٢). واحتج: بأن النبي ﵇ لم يقبل خبر ذي اليدين حتى شهد له أبو بكر وعمر (٣). [و] قياسا على الشهادة، مع أن الرواية أعم.
جواب الأول: أن انفراده دونهم يوجب تهمة. وعن الثاني: الفرق، بأن الشهادة على معين. ثم هو منقوض بالحرية والزكاة. ومعارض بما سبق في الخبر المحتمل للصدق والكذب.
مسألة: لا يشترط قبول الأصل. خلافا للحنفية (٤). والضابط فيه: أنه متى تعادل قول الأصل بالفرع تساقطا، ومتى ترجح قول أحدهما على الآخر عمل به. لنا ولهم ما سبق.
مسألة: لا يشترط كون الراوي فقيها. خلافا لأبي حنيفة ﵁ فيما يخالف
стр. 270
القياس (١)، لقوله ﵇: «نضر الله امرء سمع مقالتي» إلى قوله: «فرب حامل فقه ليس بفقيه» (٢). ولأن خبره يفيد الظن. وله ما تقدم بجوابه.
مسألة: تقبل رواية المحتاط في حديث الرسول المتساهل في غيره على الأظهر، لإفادة الظن. ورواية من لم يعرف العربية ولا معنى الحديث؛ لأن الحجة في اللفظ. ورواية من لم يرو إلا حديثا واحدا. فإن كثرت ولم تسعها صحبته لأهل الحديث ردت. ولا يشترط معرفة نسب الراوي، فلو كان له اسمان مشهوران، وجرح بأحدهما وعدل بالآخر، لم يقبل للتردد. والله أعلم.
الباب السادس في المخبر عنه
وشرطه: سلامته عن معارض قاطع عقلي أو سمعي، [فإن وجد] ولم يمكن تأويل خبر الواحد [رد]؛ لأنهما أقوى منه فرجحا (٣).
وإذا اقتضى القياس تخصيص الخبر خص به، أو بالعكس، خص القياس إن جوز تخصيص العلة. وإن تعارضا، فإن ثبت القياس به رجح الخبر. وإن علم أصل القياس وتعليله بعلة ووجدت في الفرع رجح القياس لقوته. وإن ظن الكل رجح الخبر لقلة الظن فيه. وإن علم البعض وظن
стр. 271
البعض، فإن علم الحكم وظن تعليله، ووجود العلة في الفرع، فالشافعي يرجح الخبر (١). ومالك القياس (٢). وتوقف غيرهما (٣).
• لنا وجوه:
الأول: قصة معاذ (٤).
الثاني: نقض أبوبكر حكمه برأيه لحديث بلال (٥).
الثالث: ترك عمر اجتهاده في الجنين (٦)، وفي المنع من توريث المرأة من دية زوجها (٧).
стр. 272
مسألة: إذا عمل النبي ﵇ بخلاف خبر الواحد، فإن لم يتناوله، أو كان حكمه حكمنا لم يضر. وإن تناوله أو كان حكمنا حكمه، فإن أمكن تخصيص أحدهما بالآخر فعل ولم يرد الخبر، وإن تعذر رجح المتواتر، فإن فقد رجح بغيره.
مسألة: لا يرد الخبر بعمل أكثر الأمة بخلافه، بل بضعفه. والحفاظ إذا خالفوا الراوي في بعض ما روى رد المخالف فيه فقط؛ إذ الظاهر أنهم حفظوا أو سها.
مسألة: لا يجب عرض خبر الواحد على الكتاب إذا وجدت شروطه عند الشافعي ﵁ (١)؛ لأن تكامل شروطه دليل على عدم مخالفته للكتاب. وقال ابن أبان: [يعرض] (٢)، لقوله ﵇: «إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق فاقبلوه وإلا فردوه» (٣)، فيجب تأخير الناسخ.
فإن علم أن خبر الواحد غير مقارن للكتاب رد؛ لأنه لا ينسخه. وإن شك فيه قبله القاضي عبد الجبار (٤)؛ لأن الصحابة رفعوا بعض أحكام الكتاب به.
مسألة: إذا خالف الراوي روايته، فعند الكرخي ظاهر الخبر أرجح (٥).
стр. 273
وعند بعض الحنفية مرجوح (١). وعند الشافعي (٢): إذا رجح (٣) أحد معنيي (٤) اللفظ عمل به. وإلا فلا، [إذ] يجوز أن الراوي خالف لدليل ظنه.
مسألة: لو اقتضى خبر الواحد علما وثم دليل قاطع يدل عليه قبل، لجواز أن يكون قد شافه الراوي. وإلا فيرد، إذ التكليف بالعلم مع أنه لا يفيده تكليف ما لا يطاق. وإن اقتضى عملا تعم به البلوى قبل خلافا للحنفية (٥).
• لنا: ما سبق. ورجوع الصحابة إلى عائشة في التقاء الختانين (٦).
احتجوا بما سبق. وبرد أبي بكر خبر المغيرة في الجدة (٧). وعمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان (٨).
الجواب: إنما ينفعكم أن لو لم تقبلوا إلا خبر التواتر. ثم النقض بأحكام القيء والرعاف والقهقهة في الصلاة، لثبوتها بخبر الواحد.
стр. 274
الباب السابع في نقل الأخبار
وفيه مسائل:
الأولى: إذا قال الصحابي: حدثني النبي ﵇، أو أخبرني، أو شافهني، فهو سماع منه. وإن قال: قال كذا، فظاهره من الصحابي السماع مع احتمال، إذ الواحد منا يقول كذلك.
وإن قال: "أمر بكذا"، أو "نهى"، فالاحتمال الأول، مع اعتقاد ما ليس بإمر أمرا. وهو حجة عند الأكثرين، إذ ظاهر الإطلاق العلم بمراده ﵇.
وإن قال: "أمرنا" أو "نهانا" أو "أوجب علينا" أو "أباح لنا كذا"، فهم منه ﵇ عند الشافعي ﵁ (١)، خلافا للكرخي (٢)؛ لأن غرض الصحابة تعليم الشرع، فيحمل على المشرع.
وإن قال: "من السنة"، فسنة النبي، لما سبق. فإن احتج بقوله: «من سن سنة حسنة» (٣). واشتقاق السنة من الاستنان. قلنا: ذاك بحسب اللغة، وما ذكرنا بحسب عرف الشرع.
فإن قال: عن النبي كذا، فقيل: الأظهر السماع من النبي ﵇ (٤). وقيل:
стр. 275
كقول غير الصحابي (١).
وإن قال: "كنا نفعل" فهو تعليم للشرع.
وإن قال قولا لا اجتهاد فيه، فالظاهر أنه عن سماع.
الثانية: غير الصحابي إذا قال: أخبرني زيد. أو حدثني. أو سمعته.
فللسامع أن يقول: حدثني، وأخبرني، وأسمعني الشيخ، إن قصد الشيخ إسماعه أو جماعة هو منهم. وإلا قال: سمعته يحدث.
وإن قيل له: أسمعت الحديث، فقال: نعم. أو قرئ عليه، فقال: الأمر كما قرئ. فللسامع أن يقول: أخبرني، وحدثني، وسمعت.
وإن كتب إلى غيره: سمعت كذا. فللغير إذا ظنه كتابه أن يقول أخبرني فقط. وإن أشار برأسه أو إصبعه. عمل به ولا يرويه.
ولو قيل له: حدثك فلان، فلم يقر ولم ينكر بإشارة ولا عبارة، عمل به وله روايته، خلافا للمتكلمين (٢). وقيل: إنما يقول … ... … ... …
стр. 276
أخبرني قراءة عليه (١).
• لنا: أن الخبر ما يفيد الخبرة والعلم. والسكوت كذلك. ولأن العرف كذلك. والخلاف جاز فيما إذا قال القارئ: أرويه عنك؟! فقال: نعم.
حجة المتكلمين: أنه لم يسمع فقوله: سمعت أو حدثني كذب. وجوابه: أنه بعد نقل العرف ممنوع.
وإن ناوله الشيخ كتابا وقال: سمعته. فله روايته. ولو قال: حدثه عني فقط، لم يحدثه. ولو سمع نسخة لم يرو غيرها، ولا يأذن في غيرها إلا أن يقابلها.
ولو قال الشيخ: أجزت لك أن تروي عني ما صح [عندي، فهو إباحة في الكذب، إلا أنه في العرف كقوله: ارو عني ما صح] (٢) عندك إن سمعته.
ويجب العمل بهذه الطرق كلها لإفادتها الظن.
الثالث (٣): المرسل لا يقبل عند الشافعي (٤) …
стр. 277
خلافا لأبي حنيفة (١) ومالك (٢) وجمهور المعتزلة (٣)، لوجهين:
الأول: أن عدالة الراوي مجهولة، فأشبه شاهد الفرع إذا لم يذكر الأصل.
الثاني: أنه [يوجب] شرعا عاما، وفيه ضرر، فلم يقبل ما لم نعلم عدالته.
احتجوا بالإجماع، من وجوه:
الأول: ما رواه أبو هريرة عنه ﵇، «من أصبح جنبا فلا صوم له». ثم قال: أخبرني به الفضل بن العباس (٤). الثاني: قول البراء بن عازب: "ليس كل ما حدثناكم به عن النبي سمعناه منه، غير أنا لا نكذب " (٥). الثالث: روى ابن عباس قوله-﵇: «لا ربا إلا في النسيئة». ثم أسنده إلى أسامة (٦). ولم يظهر إنكار من أحد.
стр. 278
والجواب: أن المسألة اجتهادية، فلعل بعضهم قال بها ولم ينكر الآخر.
فروع:
* الأول: المرسل أو الموقوف إذا أسنده أو وصله غيره قبل. ولو أسنده المرسل أو وصله قبل أيضا ما لم يطل الزمان، لبعد النسيان عادة. إلا أن يراجع كتابه. ولو أرسل خبرا جمعت الشرائط فيه قبل، كسعيد بن المسيب.
* الثاني: أن من يرسل الأخبار إذا أسند خبرا، فمردود لضعف الأصل. ولأن ستره خيانة. وقبله من يقبل المرسل.
* الثالث: من يقبل المرسل إنما يقبله بشرط أن يقول فيه: حدثني أو سمعت. ولو قال: أخبرني رد، لاحتماله غير المشافهة.
* الرابعة: إذا سمى الأصل باسم لا يعرف به، فإن كان الشيخ مجروحا لم يقبل حديثه، لخيانته. وإن سكت لصغر سنه، فمن [يكتفى في] العدالة بمجرد الإسلام، أو يقبل المرسل قبله، وإلا فمرسل.
* الخامسة: يجوز نقل الخبر بالمعنى - خلافا لابن سيرين وبعض - محدثين (١) ـ، بشرط مطابقة الترجمة للأصل في الإفادة. والمساواة في الجلاء والخفاء وعدم الزيادة والنقصان، لوجوه:
стр. 279
الأول: قوله ﷺ : (إذا أصبتم المعنى فلا بأس (١).
الثاني: أن الصحابة ما اعتادوا التكرار على ألفاظ الأحاديث، فروايتها بعينها بعيد مع قبولها.
الثالث: القياس على شرح الشرع للعجم بلسانهم.
احتجوا بوجهين: قوله ﵇: «رحم الله امرءا سمع مقالتي» الحديث (٢).
الثاني: أنه لو جاز ذلك لجاز للثاني والثالث التبديل بلفظ آخر، فلا يبقى بين الأول والأخير مناسبة.
والجواب: أن من أدى تمام المعنى - ولو ترجمة - أدى كما سمع.
السادسة: إذا انفرد أحد الراويين بزيادة ولم تغير إعراب الباقي قبلت وإن اختلف المجلس، لاحتمال ذكرها في مجلس (٣) دون مجلس.
وكذا لو اتحد. خلافا لقوم (٤). إلا أن يكون الساكت ممن يمتنع ذهوله عنها، أو أنه أضبط، أو صرح بنفي الزيادة للتعارض.
стр. 280
وإن غيرت الزيادة إعراب الباقي لم تقبل. خلافا لأبي عبد الله البصري (١)، لوجود التعارض.
فرع: لو زاد الواحد مرة دون مرة، فإن اختلف المجلس قبلت.
وإن اتحد، فإن [تغير] الإعراب لم تقبل، كما لو كانت مرات الزيادة أقل؛ لأن حمل الأقل على السهو أولى. إلا أن يقول: سهوت في الأكثر.
ولو استوى الزيادة وتركها، أو كانت الزيادة أكثر قبل، إذ نسيان ما سمع أكثر من توهم سماع ما لم يسمع.
стр. 281
الكلام في القياس وحده
[ذكر] القاضي أبوبكر أنه حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما عنه (١).
واعترضوا عليه وقالوا: قوله: "في إثبات حكم لهما". مشعر بأن الحكم في الأصل والفرع يثبت بالقياس، وهو باطل. ثم أنه مخرج منه ثبوت الصفة بالقياس، والقياس الفاسد.
والأقرب ما ذكره أبو الحسين البصري (٢)، وهو: تحصيل حكم الأصل في الفرع، لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد. ولا ينتقض بالتلازم والمقدمتين والنتيجة؛ لأنا نمنع كونهما قياسا، إذ القياس (٣) تشبيه شيء بشيء، وهو معدوم فيهما.
والذي يشمل أنواع القياس: أن القياس قول مؤلف من أقوال إذا سلمت لزم عنها أقوال أخر.
مسألة في المقدمات: الأصل في قياس الذرة على البر في الربا عند الفقهاء
стр. 282
هو البر (١). وعند المتكلمين هو النص الدال على الحكم (٢).
والحق أنه حكم البر وعلته؛ لأن حكم الذرة لا يتفرع على البر ما لم يثبت الحكم فيه بنص أو عقل. ثم نقول: الحكم أصل في محل الوفاق فرع في محل الخلاف؛ لأنا ما لم نعلم ثبوت الحكم في محل الوفاق لا نطلب علته. والعلة عكسه؛ لأنا نعرف العلة فيه ثم نفرع الحكم عليها. ثم إذا علمنا تعليل الأصل بوصف وعلمنا حصوله في الفرع كانت النتيجة معلومة وكان حجة بالاتفاق. وإن ظنناهما أو أحدهما كانت النتيجة ظنية وكان حجة في الأمور الدنيوية بالاتفاق، وفي الشرعيات فيه خلاف. ونعني بكونه حجة: وجوب العمل به والفتوى لغيره.
والجمع بين الأصل والفرع تارة باستخراج الجامع. وتارة بإلغاء الفارق. ويسمى الغزالي (٣) الأول تخريج المناط، والثاني تنقيح المناط.
стр. 283
القسم الأول: في أن القياس الشرعي حجة
وفيه اختلاف (١)، قيل: يجوز التعبد به سمعا. وقيل: عقلا. وهؤلاء اختلفوا في وقوعه. وقيل: لا يجوز عقلا. وقيل بالمنع عقلا وشرعا. والنظام خصص المنع بشرعنا؛ لأن مبناه على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات، بدليل أنه فرق بين الأزمنة والأمكنة في الشرف مع استواء الحقائق. وسوى بين الماء والتراب في الطهورية، من أن التراب مشوه. وجعل الحرة الشوهاء محصنة دون الجارية الحسناء. وقطع سارق القليل دون غاصب الكثير. وفرق بين عدة الموت والطلاق. وقيل في القتل والكفر شاهدين، والزنا أربعة. وحينئذ يمتنع القياس؛ لأن مبناه على أن الصورتين لما اشتركتا في الحكمة لزم اشتراكهما في الحكم، وهو باطل.
وجوابه: أن الصور القليلة لا تقدح في الظن الحاصل من الصور الغالبة الكثيرة.
حجتنا وجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يأولي الأبصار﴾ [الحشر: ٢]. والاعتبار من العبور، يقال: عبرت عليه. وعبر النهر. والمعبر ما يعبر فيه. والقياس: عبور من الأصل إلى الفرع.
ولا يقال: إنه الاتعاظ، إذ لا يقال للقايس الذي لم يتفكر في معاده: أنه
стр. 284
معتبر. وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لعبرة﴾ [النازعات: ٢٦]. ويقال: "السعيد من اعتبر بغيره"، والمراد الاتعاظ، لسبق الفهم إليه. على أنا لو حملنا قوله تعالى: ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ [الحشر: ٢]، "فقيسوا الذرة على البر". كان ركيكا. ثم المجاوزة مشتركة بين القياس الشرعي والدليل العقلي والنص والبراءة الأصلية. وهو عام فلا يدل عليه بلفظه ولا بمعناه.
لأنا نقول: جعله حقيقة في المجاوزة أولى لوجوه: أولا: أنه يقال، فاتعظ. ثانيا: أن الركاكة إنما جاءت لعدم المناسبة بينهما. وثالثا: لابد له من نوع، وليس البعض أولى، فيجب الكل.
الثاني: قوله ﷺ لمعاذ وأبي موسى - لما قالا: "إذا لم نجد الحكم في النص نقيس الأمر بالأمر" -: «أصبتما» (١).
الثالث: قوله ﵇ لابن مسعود: «اقض بالكتاب والسنة، فإن لم تجد فاجتهد رأيك» (٢).
فإن قلت: إنه يناقض قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾
стр. 285
[الأنعام: ٣٨]. ثم الاجتهاد محمول على طلب الحكم من النص الخفي. وقوله: «فإن لم تجد»، لا ينفيه، لصحة الاستفهام. على أنا نحمله على البراءة الأصلية، أو على قياس النص على علته، أو على تحريم الضرب على تحريم التأفيف. ثم الخبر مرسل فلا حجة فيه.
قلت: الجواب عن الأول: مراد الآية اشتمال الكتاب على كل الأمور ابتداء أو بواسطة، والكتاب يدل على المطلوب بواسطة.
وعن الثاني: أنه عام، لصحة الاستثناء.
وعن الثالث: أن ذلك معلوم من غير اجتهاد.
وعن الرابع: أن القياسين لا يفيان بمعرفة الأحكام كلها، فنحمله على القياس الشرعي للإجماع على الحصر.
وأما الحديث، فإن الأمة تلقته بالقبول.
الرابع: أن بعض الصحابة ﵁ استعمل القياس ولم ينكر الباقون فكان إجماعا. روي أن عمر قال لأبي موسى الأشعري: "اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك (١). وقد اجتهدوا في "مسألة الحرام" (٢)، فقال أبو بكر