الكلام في القياس وحده
[ذكر] القاضي أبوبكر أنه حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما عنه (١).
واعترضوا عليه وقالوا: قوله: "في إثبات حكم لهما". مشعر بأن الحكم في الأصل والفرع يثبت بالقياس، وهو باطل. ثم أنه مخرج منه ثبوت الصفة بالقياس، والقياس الفاسد.
والأقرب ما ذكره أبو الحسين البصري (٢)، وهو: تحصيل حكم الأصل في الفرع، لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد. ولا ينتقض بالتلازم والمقدمتين والنتيجة؛ لأنا نمنع كونهما قياسا، إذ القياس (٣) تشبيه شيء بشيء، وهو معدوم فيهما.
والذي يشمل أنواع القياس: أن القياس قول مؤلف من أقوال إذا سلمت لزم عنها أقوال أخر.
مسألة في المقدمات: الأصل في قياس الذرة على البر في الربا عند الفقهاء
стр. 282
هو البر (١). وعند المتكلمين هو النص الدال على الحكم (٢).
والحق أنه حكم البر وعلته؛ لأن حكم الذرة لا يتفرع على البر ما لم يثبت الحكم فيه بنص أو عقل. ثم نقول: الحكم أصل في محل الوفاق فرع في محل الخلاف؛ لأنا ما لم نعلم ثبوت الحكم في محل الوفاق لا نطلب علته. والعلة عكسه؛ لأنا نعرف العلة فيه ثم نفرع الحكم عليها. ثم إذا علمنا تعليل الأصل بوصف وعلمنا حصوله في الفرع كانت النتيجة معلومة وكان حجة بالاتفاق. وإن ظنناهما أو أحدهما كانت النتيجة ظنية وكان حجة في الأمور الدنيوية بالاتفاق، وفي الشرعيات فيه خلاف. ونعني بكونه حجة: وجوب العمل به والفتوى لغيره.
والجمع بين الأصل والفرع تارة باستخراج الجامع. وتارة بإلغاء الفارق. ويسمى الغزالي (٣) الأول تخريج المناط، والثاني تنقيح المناط.
стр. 283
القسم الأول: في أن القياس الشرعي حجة
وفيه اختلاف (١)، قيل: يجوز التعبد به سمعا. وقيل: عقلا. وهؤلاء اختلفوا في وقوعه. وقيل: لا يجوز عقلا. وقيل بالمنع عقلا وشرعا. والنظام خصص المنع بشرعنا؛ لأن مبناه على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات، بدليل أنه فرق بين الأزمنة والأمكنة في الشرف مع استواء الحقائق. وسوى بين الماء والتراب في الطهورية، من أن التراب مشوه. وجعل الحرة الشوهاء محصنة دون الجارية الحسناء. وقطع سارق القليل دون غاصب الكثير. وفرق بين عدة الموت والطلاق. وقيل في القتل والكفر شاهدين، والزنا أربعة. وحينئذ يمتنع القياس؛ لأن مبناه على أن الصورتين لما اشتركتا في الحكمة لزم اشتراكهما في الحكم، وهو باطل.
وجوابه: أن الصور القليلة لا تقدح في الظن الحاصل من الصور الغالبة الكثيرة.
حجتنا وجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يأولي الأبصار﴾ [الحشر: ٢]. والاعتبار من العبور، يقال: عبرت عليه. وعبر النهر. والمعبر ما يعبر فيه. والقياس: عبور من الأصل إلى الفرع.
ولا يقال: إنه الاتعاظ، إذ لا يقال للقايس الذي لم يتفكر في معاده: أنه
стр. 284
معتبر. وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لعبرة﴾ [النازعات: ٢٦]. ويقال: "السعيد من اعتبر بغيره"، والمراد الاتعاظ، لسبق الفهم إليه. على أنا لو حملنا قوله تعالى: ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ [الحشر: ٢]، "فقيسوا الذرة على البر". كان ركيكا. ثم المجاوزة مشتركة بين القياس الشرعي والدليل العقلي والنص والبراءة الأصلية. وهو عام فلا يدل عليه بلفظه ولا بمعناه.
لأنا نقول: جعله حقيقة في المجاوزة أولى لوجوه: أولا: أنه يقال، فاتعظ. ثانيا: أن الركاكة إنما جاءت لعدم المناسبة بينهما. وثالثا: لابد له من نوع، وليس البعض أولى، فيجب الكل.
الثاني: قوله ﷺ لمعاذ وأبي موسى - لما قالا: "إذا لم نجد الحكم في النص نقيس الأمر بالأمر" -: «أصبتما» (١).
الثالث: قوله ﵇ لابن مسعود: «اقض بالكتاب والسنة، فإن لم تجد فاجتهد رأيك» (٢).
فإن قلت: إنه يناقض قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾
стр. 285
[الأنعام: ٣٨]. ثم الاجتهاد محمول على طلب الحكم من النص الخفي. وقوله: «فإن لم تجد»، لا ينفيه، لصحة الاستفهام. على أنا نحمله على البراءة الأصلية، أو على قياس النص على علته، أو على تحريم الضرب على تحريم التأفيف. ثم الخبر مرسل فلا حجة فيه.
قلت: الجواب عن الأول: مراد الآية اشتمال الكتاب على كل الأمور ابتداء أو بواسطة، والكتاب يدل على المطلوب بواسطة.
وعن الثاني: أنه عام، لصحة الاستثناء.
وعن الثالث: أن ذلك معلوم من غير اجتهاد.
وعن الرابع: أن القياسين لا يفيان بمعرفة الأحكام كلها، فنحمله على القياس الشرعي للإجماع على الحصر.
وأما الحديث، فإن الأمة تلقته بالقبول.
الرابع: أن بعض الصحابة ﵁ استعمل القياس ولم ينكر الباقون فكان إجماعا. روي أن عمر قال لأبي موسى الأشعري: "اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك (١). وقد اجتهدوا في "مسألة الحرام" (٢)، فقال أبو بكر
стр. 286
وعمر وعائشة: تبين. وعلي وزيد: ثلاث طلقات. وابن مسعود: طلقة واحدة. وابن عباس: ظهار. وفي "الخلع" (١)، قال عثمان مرة: إنه طلاق. ومرة: ليس بطلاق، وبه قال ابن عباس. وذلك يدل على أنه عن اجتهاد لا عن نص (٢)، وإلا لما تخالفوا. وأما أنه لم ينكر البعض، فلأن القياس أصل عظيم في الشرع، فلو أنكر بعضهم لنقل واشتهر، فلما لم ينقل دل على إجماعهم على جوازه، وإلا كانوا مجمعين على الخطأ، وذلك باطل.
الخامس: العمل بالقياس يدفع ضررا مظنونا؛ لأن من ظن تعليل الحكم في الأصل بوصف وظن وجوده في الفرع ظن أن حكمه حكمه وعنده علم بأن مخالفة حكم الله سبب للعقاب فيظن أن مخالفة هذا يوجب العقاب، فيجب العمل به دفعا للضرر، إذ ترجيح الراجح واجب.
فإن قيل: ينتقض بالشاهد الواحد في المال، والاثنين في الزنا. وبظن صدق مدعي النبوة، فإنه مغلب على الظن ولا عمل به. سلمناه، لكن إنما يجوز العمل بالظن إذا لم يمكن تحصيل العلم، [وذلك] يمكن بالرجوع إلى النصوص أو إلى إمام معصوم. ثم ما ذكرتموه معارض بوجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [النجم: ٢٨].
الثاني: قوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣].
الثالث: قوله ﷺ : «تعمل هذا الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة، فإذا
стр. 287
فعلوا ذلك فقد ضلوا» (١).
الرابع: قوله ﵇: «ستفترق أمتي» إلى قوله: «أعظمهم فتنة قوم ينسبون الأمور برأيهم» (٢) الحديث.
الخامس: أن بعض الصحابة ذم القياس، ولم ينكر البعض فكان إجماعا. روي أن أبا بكر قال: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي؟ " (٣).
وقال عمر: "أياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن" (٤). وقال علي: "لو كان الدين يؤخذ قياسا لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره" (٥). وتمام التقرير ما ذكرتم.
السادس: أن العمل بالقياس يوجب النزاع، فإنه تمسك بالأمارات، والنزاع منهي عنه بقوله تعالى: ﴿ولا تنزعوا فتفشلوا﴾ [الأنفال: ٤٦].
والجواب عن النقض: أن عدم جواز العمل في تلك الصورة دل عليه
стр. 288
دليل قاطع، بخلاف القياس.
وعن الثاني: أن قبل ظهور العلم لابد من العمل بالظن الراجح؛ لأنه قائم مقامه في الشرعيات. وقد سبق الجواب عن الكتاب.
وأما ذم النبي وأصحابه القياس، فمحمول على قياس لم تتم فيه شرائطه. وصريح الرد معارض بصريح الدلالة.
وأما المعقول، فمنقوض بالعمل بالفتاوى والشهادة والأمور الدنيوية. والله أعلم.
الثانية: النص على علة الحكم ليس أمرا بالقياس. خلافا لأبي الحسين والنظام وبعض الفقهاء (١)؛ لأن قوله: "حرمت الخمر لأنها مسكرة" يحتمل أن تكون العلة إسكار الخمر، فلابد من أمر آخر بالقياس.
فإن قيل: خصوص المحل لا يكون قيدا في العلة وإلا لانجر ذلك في كل قياس عقلي. ثم العرف أسقط اعتبار هذا الجائز، إذ قول الوالد لولده: "لا تأكل الحشيشة؛ لأنها سم" [يقتضي] منعه عن أكل كل حشيشة كذلك.
واحتج البصري (٢) بأن من نهى عن أكل رمانة لحموضتها عم الرمان الحامض. ومن أمر بأكل رمانة حامضة لا يعم.
стр. 289
والجواب عن الأول: أن هذا الاحتمال متى وجد منع القياس. وعن الثاني: أن ذلك لقرينة الشفقة. وعن الثالث: منع العموم في النهي، لاحتمال اختصاص تلك الحموضة بالمنع. وأما عدم عموم الأمر، فذلك لعدم عموم الداعي والحاجة.
الثالثة: القياس منه جلي، كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف.
وقيل (١): المنع من التأفيف منقول بالعرف عن وضعه اللغوي إلى المنع من كل أذى؛ لأنه أثبته من لم يقل بالقياس.
والجواب عن الأول: أن اللفظ لم يدل عليه لغة، إذ التأفيف غير الضرب. فكذا عرفا، إذ النقل خلاف الأصل. وعن الثاني: أن القياس يقيني فلم يقدح فيه المعنى الظني.
الرابعة: الفرع يكون أقوى من الأصل إذا كان الأصل ظنيا، كقياس تحريم الضرب على التأفيف.
стр. 290
القسم الثاني: فيما به يعرف أن الوصف علة
قال نفاة القياس: العلة إما مؤثر أو داعي أو معرف. والأول باطل؛ لأن الحكم خطاب الله تعالى القديم، فيمنتع تعليله بالمحدث. والثاني باطل؛ لأن الفاعل لغرض مستكمل به، وزواله ممكن، وذلك نقص. والثالث باطل أيضا؛ لأن النص يعرف حكم الأصل، ثم بعده يعرف علية الوصف.
والجواب: المعني بها عندنا: المعرف (١)، وإنما يعرف الوصف من الحكم في الفرع دون الأصل. والله أعلم.
• الباب الأول: فيما به تعرف علية الوصف، وهي عشرة:
الأول: النص، إما بتصريح قاطع، كقوله: العلة كذا، أو لأجل كذا، أو بلفظ يحتمل العلية، وهو "اللام" و"إن" و "الباء"، قال الله تعالى: ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله﴾ [الحشر: ٤].
فإن قيل: "اللام" ليست للعلية لوجهين: الأول: أنها تدخل على العلة. الثاني: قوله تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا﴾ [الأعراف: ١٧٩]. و"أصلي الله". وليس جنهم وذات الله عرضا.
قلنا: مع تصريح أهل اللغة بأنها للعلية يكون هذا الاستعمال مجازا.
стр. 291
* الثاني: الإيماء، وهو خمسة أنواع:
الأول: تعليق الحكم بالوصف بإدخال "الفاء"، فيدخل على الوصف والحكم المتأخرين.
فرع: ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته. وقال قوم (١): إنما يشعر المناسب لنا. أنه يستقبح قوله: "أكرم الجاهل وأهن العالم" لجعله الجهل والعلم علة لذلك. وأن استحقاق ذلك بسبب آخر. ولأنه لم يوجد غير هذا الوصف بالأصل.
الثاني: الحكم على السائل عند العلم بالوصف منه يشعر بالعلية، كقوله: أفطرت. فقال: عليك الكفارة. إذ السؤال معاد بالجواب.
الثالث: أن يذكر في الحكم وصفا لو لم يصلح علة لضاع ذكره كقوله ﵇: «إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين» (٢). وقوله: «تمرة طيبة وماء طهور» (٣).
وقوله: «أينقص الرطب إذا جف» (٤). وقوله: «أرأيت لو تمضمضت بماء» الحديث (٥).
стр. 292
الرابع: أن يقول الشارع في الحكم بين شيئين بذكر وصف لو لم يكن علة ضاع ذكره. وقد يكون في خطابين، كقوله ﷺ : «القاتل لا يرث» (١) مع تقدم بيان الورثة. أو في خطاب وتقع التفرقة بلفظ الشرط، كقوله ﷺ : «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» (٢). وبالغاية والاستثناء والاستدراك واستئناف صفة مؤثرة من صفاته.
الخامس: النهي عن فعل ما يمنع واجبا بحيث يشعر أنه لكونه مانعا، كقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩].
فرع: قد يترك ظاهر الإيماء، كتركنا إيماء قوله ﵇: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (٣). [لعلمنا] أن المانع إنما هو المخل بالفكر، كالجوع والألم المبرحين، لا يسير الغضب.
* الثالث: المناسبة، وقد عرفها من يعلل أحكام الله تعالى بالحكم بجلب المنفعة ودفع المفسدة والمنفعة اللذة، والمفسدة الألم، وتصورهما بديهي. ومن لم يعلل قال: إنه الملائم لأفعال العقلاء عادة، يقال: هذا القميص يناسب هذه العمامة.
ثم المناسب إما حقيقي أو إقناعي. والأول إما لمصلحة دينية، كتهذيب الأخلاق ورياضة النفس. أو دنيوية، وهي أما ضرورية، كحفظ النفس والمال والنسب والدين والعقل، ولكل منها حكم يحفظه، أو حاجية، كتزويج
стр. 293
الصغيرة، أو لا، كالتحسينات والحث على مكارم الأخلاق. والإقناعي إما يظهر بأول نظر مناسبته ويزول عند التحقيق، كمناسبة النجاسة لحرمة البيع؛ لأنها تناسب الإهانة، وتجويزه يناسب الإكرام وبينهما تناقض.
ثم المناسب إما أن يعتبر الشارع [في] كل منها نوعه في نوع الحكم، كإثبات تحريم النبيذ بالمسكر، لاعتباره في تحريم الخمر. أو في جنسه كإثبات تقديم الأخ من الأب في ولاية النكاح بالأخوة من الأبوين لاعتبارها في ولاية الميراث. والأول أظهر، لقلة الاختلاف.
أو جنسه في نوعه، كإثبات سقوط الصلاة عن الحائض بالمشقة، لاعتبارها في سقوط ركعتين في السفر. أو في جنسه، كإقامة حد الشرب مقام القذف، إقامة مظنة الشيء مقامه، قياسا على إقامة الخلوة مقام الوطء في الحرمة.
أو يلغيه، وهو ساقط. أو يجهل حاله، فإنما يكون بحسب وصف أخص من كونه مصلحة، فيعتبر ويسمى مصلحة مرسلة.
والمناسب إما ملائم أوغير ملائم. والأول إما أن يشهد له أصل معين أو لا. والأول مقبول وفاقا والثاني مردود وفاقا. وإما وصف ملائم لم يشهد له أصل معين فمصلحة مرسلة. وإما وصف غير ملائم وشهد له أصل فمناسب غريب.
مسألة: المناسبة لا تبطل بالمعارضة لوجهين:
الأول: أن المتساويين في المصلحة والمفسدة يمتنع بطلان أحدهما
стр. 294
دون الآخر، لعدم المقتضي للبطلان.
الثاني: جواز اجتماع المصلحة والمفسدة فيهما، كالصلاة في الدار المغصوبة يفيد المطلوب؛ لأن المفسدة والمصلحة إن تساوتا اندفعتا فلم يحصل ذم ولا مدح، وإلا رجعت المرجوحية فلم يحصل الذم أو المدح.
مسألة: المناسبة تقتضي العلية؛ لأن الله تعالى شرع الأحكام لمصلحة العبد، لوجوه:
الأول: تخصيص الواقعة بالحكم المعين لمرجح عائد إلى العبد، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، وغيرها باطل بالإجماع.
الثاني: أن الفعل من غير مصلحة عبث، والله تعالى منزه عنه إجماعا وبالآيات الدالة على نفيه.
الثالث: أنا رأينا المصلحة دائرة مع شرع الحكم وجودا وعدما، والدوران يفيد العلية.
الرابع: قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. وقوله ﵇: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (١). وهذا مصلحة، فنظن أنه شرع الحكم له كالشاهد. أما المعتزلة،
стр. 295
فقد صرحوا بالغرض. وصرح الفقهاء بأنه تعالى شرع الحكم لكذا، ويكفرون من يقول بالغرض، مع أنه لا فرق.
فإن قيل: ماذكرتموه معارض بوجوه:
الأول: أن الله تعالى خلق كفر العبد ومعصيته، فلابد له من مرجح، فإن كان فعل العبد واقعا بالله تعالى كان تعالى فاعلا لكفره ومعصيته، فيصدق أنه يفعل لغير مصلحة العبد. وإن وقع بالعبد، فإن لم يتمكن من الترك عاد المحذور. وإن تمكن، فلابد من مرجح مخلوق الله تعالى دفعا للتسلسل، فيعود المحذور.
الثاني: تكليف ما لا يطاق (١)، ركب الشهوة والغضب في خلقه حتى يقتل بعضهم بعضا، مع قدرته على خلقهم ابتداء معصومين. [فإن قلت] (٢): ليعطيه العوض في الآخرة أولمصلحة مكلف آخر. قلت: لو أعطاه كان أصلح له، ولا يحسن إيلام مكلف لمصلحة آخر.
والجواب عن الأول: أنه قدح في التكليف، والقياس فرعه ولا يسمع ههنا. ولأنا لا نقول بتعليل أحكام الله تعالى. بل نقول: يفعل لمصلحة العبد تفضلا منه. ثم ينتقض بتعليل أفعالنا بالأغراض.
الرابع: الوصف المؤثر في جنس الحكم يفيد العلية، كقولهم: الأخ من الأبوين مقدم في الميراث، فيقدم في النكاح. وهذا إنما يتم بالمناسبة أو السبر.
стр. 296
* الخامس: [الشبه]، قال القاضي أبوبكر (١): هو الوصف المستلزم لما يناسب الحكم بذاته. والحق أنه الذي يستلزم المناسب في [الصفة] (٢) أو الحكم.
وهو يفيد ظن العلية. خلافا له (٣)، لاستلزامه إياه. ولأن إسناده إليه أغلب على الظن من غيره. والعمل بالظن واجب.
احتج القاضي بأن الوصف إن كان مناسبا فهو معتبر وفاقا. وإلا كان طرديا مردودا وفاقا.
وجوابه المنع، فإن المستلزم للمناسب إذا عرف بالنص تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم فهو عندنا معتبر.
* السادس: الدوران وجودا وعدما في صورة أو أكثر يفيد ظن العلية. خلافا لقوم (٤).
لنا وجهان:
الأول: أن الحكم لابد له من علة، وغير المدار لم يوجد قبل الحكم،
стр. 297
وإلا لزم التخلف، والأصل بقاؤه على العدم.
الثاني: أن من دعي باسم مرارا فغضب، وبغيره لا يغضب، ظن أنه غضب [للدعاء به].
احتجوا بوجهين:
الأول: بعض الدوران لا يفيد ظن العلية، كدوران العلة مع المعلول، والحكم مع جزء العلة وشرطه، وأحد المضافين وأحد الحوادث مع الآخر، والعلم مع المعلوم، فكذلك الكل.
الثاني: الطرد لا يفيد العلية وفاقا، والانعكاس لا يفيده شرعا، فكذا المجموع.
السابع: السبر والتقسيم، فإما منحصر أو منتشر. فالأول معتبر في العقليات والشرعيات وفاقا، كقولنا: علة حرمة الربا الطعم والكيل إجماعا، وليس الكيل، فتعين الطعم. والثاني كما إذا لم يدع الإجماع فيما ذكرنا، فإنه يفيد ظن العلية.
فإن قلت: أمنع الحصر ثم بعض الأحكام لا يعلل، كعلية العلة، دفعا للتسلسل.
قلنا: إذا أمعن المجتهد في طلب العلل وفسدت عنده إلا أحدها، تعين عليه العمل بها. والمناظر تلوه. وجواب الثاني: ما سبق من تعليل الأحكام بالمصالح.
الثامن: الطرد، وهو الوصف الذي لا يناسب الحكم ولا يستلزم ما
стр. 298
يناسبه، مع مقارنة الحكم الوصف في كل ما عدا محل النزاع. [وهو] يفيد ظن العلية. وقيل: يكفي مقارنته له في صورة (١).
دليلنا وجهان: الأول: إلحاق النادر بالغالب. الثاني: إذا رأينا فرس القاضي بباب الأمير ظننا أنه عنده.
احتجوا بالحد مع المحدود والجواهر مع العرض وذات الله مع صفاته، والاقتران موجود ولا علية. وجوابه النقض بالغيم الرطب، والمناسبة والدوران والإيماء، فإن التخلف عنها لا يقدح ظاهرا.
* التاسع: تنقيح المناط، وهو إلغاء الفارق. وقالت الحنفية: هو الاستدلال (٢). ويورد بوجهين: أجودهما أن الحكم له علة وهو إما المشترك بين الأصل والفرع، أو المختص بالأصل، والثاني باطل فتعين الأول.
* العاشر: بطلان قول من أثبت العلة بعجز الخصم عن إبطالها؛ لأنه ليس أولى من العكس. وأضعف منه قوله: "هذا عبور من الأصل إلى الفرع، فيندرج تحت قوله: ﴿فاعتبروا﴾. أو أنه تسوية بينهما فيؤمر به، لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل: ٩٠]. والكل باطل لانتفاء العلة. والله أعلم.
стр. 299
• الباب الثاني: في مفسدات العلة، وهي أربعة:
[الأول: النقض]، وهو أن تخلف الحكم عن الوصف قادح في العلية. وقيل: لا يقدح إن تخلف لمانع (١). وقيل: بالعكس. وقيل: لا يقدح إن ثبتت عليته بالنص (٢). وبهما (٣) قال الأكثر.
لنا: أن الوصف حصل في الأصل مع الحكم، وحصل مع الفرع بدون الحكم، فليس إلحاقه [بأحدهما] أولى من الآخر. ويتأكد هذا بأن إحالة عدم الحكم على عدم المقتضي أولى من إحالته على المنع.
احتجوا بأن علل الشرع أمارات فلا تفسد بالتخلف، كالغيم الرطب.
ولأن بعض الصحابة قال بتخصيص العلة، قال ابن مسعود: هذا حكم معدول به عن القياس. وعن ابن عباس مثله (٤). ولم ينكر أحد فكان إجماعا.
والجواب عن الأول: أن الأمارة إنما تفيد ظن الحكم إذا غلب على الظن انتفاء ما يلازمه انتفاء الحكم. وذلك لا ينافي قولنا. وعن الثاني: أنهم لم يجوزوا التمسك به.
стр. 300
ثم دفع النقض بأحد أمرين:
الأول: منع وجود الوصف، إما بوجود قيد فيه - ولو طردي ـ، فلو استدل المعترض على وجوده لم يمكن؛ لأنه انتقال إلى مسئلة أخرى، فإن قال: دليلك على وجوده في الفرع يقتضي وجوده فيها، فهذا لو صح كان سؤالا آخر.
الثاني: منع عدم الحكم إن كان مذهب المعلل تحقيقا أو تقديرا، كما لو قال: ملك الأم علة لرق الولد، فينقض بولد المغرور بحريتها، فإنه حر.
فيقول: رقية الولد مقدرة، بدليل القيمة، فأمنع، والمنع قد يكون جليا وخفيا.
فروع:
* الأول: إذا تخلف الحكم لغير مانع قدح في العلة. خلافا لقوم (١)؛ لأن العلة إذا كانت مستلزمة للحكم بقيت أبدا حتى يوجد المزيل.
* الثاني: لا يجب ذكر نفي المانع، إذ المقصود ذكر المؤثر. وقيل: يجب (٢)، إذ المعرف الوصف السالم عن المانع، خالفناه في نفي كل مانع للمشقة، فيبقى المانع المجمع عليه.
стр. 301
والنقض المستثنى اللازم لجميع المذاهب، كمسئلة العرايا، فإنها على جميع العلل، كالكيل والقوت والمال = لا يقدح عند قوم (١)، لوروده على علة قطعنا بصحتها. وهل يجب الاحتراز عنه لفظا؟! فيه خلاف. والأولى الاحتراز (٢).
الثالث: الكسر نقض المعنى دون اللفظ، كقولنا في صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها، فيجب أداؤها، فيظن أن لا تأثير للصلاة فينتقض بصوم الحائض فيحتاج المعترض إلى إلغاء القيد المحترز به.
الثاني: عدم التأثير، وهو تخلف الوصف عن الحكم ابتداء ودواما. قادح في العلة إلا إذا قلنا: إنها المعرف، كتعريف العالم للباري تعالى. والعكس: وجود علة الحكم بعلة أخرى لا تفسدها. وبه قال المعتزلة (٣). وأوجبه أصحابنا في العلل العقلية (٤). وهو باطل باتفاق لوازم المختلفات. وجواز تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة في الشرعيات. وسيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 302
الثالث: القلب، وهو أن يعلق على العلة في القياس نقيض الحكم المذكور، ويرد إلى ذلك بعينه لإثبات مذهب، أو لإبطال مذهب الخصم.
وإنما يفارق المعارضة في عدم إمكان الزيادة والنقصان على علة المعلل.
وأنه لا يمكن المستدل منع العلة في الأصل والفرع. ومنع قوم وقوعه؛ لأن الأصل الذي يرد إليه القياس، والقالب واحد، فيستحيل تنافي حكمه، فلا يقدح في العلية. ولأن الوصف الواحد يمتنع كونه مناسبا لحكمين متناقضين.
والجواب عن الأول: أنه يحتمل أن يختص الفرع بما يمنع الاجتماع. وعن الثاني: أن المناسبة قد لا تكون حقيقة، بل إقناعية، فيفسد القلب.
الرابع: القول بالموجب، وهو تسليم النتيجة مع بقاء الخلاف. وهو إما في الإثبات، أو في النفي. فالأول بأن يكون اللازم عاما والنزاع في صورة خاصة. والثاني بأن يكون لازم دليل المعلل عدم موجبية شيء معين للحكم، فيسلمه المعترض ويمنع الحكم، فلو بين الحكم بعده كان منقطعا؛ لأنه ظهر أنه لم يذكر إلا بعض الدليل.
الخامس (١): الفرق مبني على مسألتين:
* أحدهما: يجوز تعليل الحكم بعلتين منصوصتين (٢). خلافا لبعضهم (٣)؛
стр. 303
لأن انفراد الردة والقتل يوجب حل الدم الواحد وفاقا، فإذا اجتمعا علل بهما.
فإن قلت: هو معارض بوجوه: الأول: أن حله بالردة غير حله بالقتل. ولهذا لو أسلم يزول حكم الردة ويبقى الآخر فتعدد. الثاني: أنه يفضي إلى نقض العلة؛ لأنه لو ارتد حل دمه، فلو قتل لم يحصل حل ثان فيحصل النقض. [الثالث]: أنه يفضي إلى اجتماع مؤثرين على أثر واحد وإلى مناسبة واحد لمختلفين.
والجواب عن الأول: أن الإذن بإزهاق الروح الواحدة واحد. وعن الثاني والثالث: عندنا معرفة. وعن الرابع أن الواحد قد يناسب مختلفين بجهة مشتركة بينهما.
* الثانية: تعليل الحكم بعلتين مستنبطتين غير جائز؛ لأن عمر سأل عبد الرحمن في المجهضة، فقال: "ما عليك شيء". فقال علي: "إن لم يجتهد فقد غشك، وإن اجتهد فقد أخطأ، أرى عليك غرة" (١). شبهه عبد الرحمن بالتأديب. وفرق علي بأن التأديب لا يجوز المبالغة فيه إلى حد التلف، ولم ينكر أحد فكان إجماعا.
الباب الثالث: فيما يظن أنه مفسد للعلة، ولنقدم تقسيمات العلل: الأول: العلة إما محل الحكم، أو جزء ماهيته، أو خارج عنه. والخارج عقلي أوشرعي أو عرفي أو لغوي. والعقلي إما وصف حقيقي أو إضافي أو
стр. 304
سلبي، أو ما يتركب من هذه الأقسام.
الثاني: الحكم وعلته إما وجوديان أو عدميان متفق عليهما. أو الحكم ثبوتي والعلة عدمية وفيه نزاع. أو عكسه وتسميه الفقهاء تعليلا بالمانع.
الثالث: العلة إما فعل المكلف، كالقتل. أو لا، كالبكارة.
الرابع: الوصف المجعول علة إما لازم للموصوف، ككون البر مطعوما. وإما عارض ضرورة بحسب العادة، كانقلاب العصير خمرا، أو باختيار أهل العرف، أو الواحد.
الخامس: العلة إما ذات أوصاف، كقولنا: قتل عمد عدوان. أو لا، كالطعم في التفاح.
السادس: العلة إما وجه المصلحة، ككون الصلاة ناهية. أو أمارتها، كجهالة أحد [المتبايعين] (١)، فإن فساد البيع بالحقيقة معلل بتعذر التسليم.
السابع: الوصف قد يعلم وجوده ضرورة، ككون الخمر مسكرا. أو يعلم بالضرورة من دين محمد عليه [السلام]، ككون الجماع في نهار رمضان مفسدا للصوم. أو يعلم ذلك نظرا.
المسألة الأولى: يجوز التعليل بمحل الحكم بعلة قاصرة لا متعدية. خلافا لقوم (٢)، إذ لا يبعد قول الشارع: "حرمت الربا في البر لكونه برا". أو يعرف
стр. 305
مناسبة البر لها.
احتجوا بأن الشيء الواحد ممتنع أن يكون فاعلا وقابلا، لتغاير مفهومهما. جوابه: تقدم في كتبنا العقلية.
الثانية: يجوز التعليل بالوصف الحقيقي إذا كان مضبوطا. وبالحكمة. خلافا لقوم (١)؛ لأنا إذا ظننا أن الحكمة علة فظننا حصولها في الفرع وجب العمل.
فإن قلت: لا يجوز لوجوه:
الأول: استقراء الشرائع دليل على جواز التعليل بالأوصاف لظهورها دون الحكم.
الثاني: أن علة الحكم متقدمة عليه. وحكمته متأخرة فلا تكون علة.
الثالث: [أن الحكم لا يجوز تعليله بـ] الحاجة [المطلقة] (٢) إجماعا، ولا بالخصوصية، لعسر معرفتها، والنص ينفي العسر والحرج.
الجواب عن الأول: التعليل بالحكم كثير في الشرع، كالتوسط بين المهلك وغيره. والفرق بين العمل الكثير والقليل في الصلاة.
стр. 306
وعن الثاني: أن تأخر العلة في الخارج لا في الذهن، فقد قيل: أول (١) الفكر آخر العمل (٢).
وعن الثالث: الحكمة علة لعلية الوصف، فجعلها علة للحكم أولى.
الثالثة: المعللون بالحكمة لما قيل لهم: إنها مجهولة القدر. فمنهم من أجاب: بأنا نعلل بالقدر المشترك بين الصورتين من المصلحة، إذ التعليل به مناسب لكونه مصلحة مطلوبة الوجود. فإذا قيل: ينتقض بالحاجة الفلانية. قالوا: إنما عللنا بالقدر المشترك، ونحن نمنع حصوله في صورة النقض.
وهذا ضعيف، لاحتمال أن لا يكون اشتراك إلا في مسمى المصلحة، والتعليل به غير ممكن، وإلا انتقض بجميع المصالح المنفكة عن هذا الحكم. وأما الاشتراك بين المقدورين في أمر آخر وراء عموم كونه مصلحة فغير معلوم ولا مظنون.
الرابعة: التعليل بالعدم جائز. خلافا لقوم (٣)، لدوران الحكم معه. احتجوا بأن العلة ثبوتية؛ لأنها نقيض اللاعلية، فلا تقوم بالعدم. ولأن
стр. 307
المجتهد يجب عليه سبر كل ما يمكن أنه علة، ولا يجب عليه سبر الأعدام، إذ لا نهاية له.
والجواب عن الأول: لو كانت ثبوتية لزم التسلسل. وعن الثاني: نمنع المقدمة الأولى. ثم نقول: الأوصاف العدمية متناهية.
الخامسة: الوصف الإضافي عدم، فمن منع التعليل بالعدم له منع التعليل به دفعا للتسلسل.
السادسة: يجوز تعليل الحكم الشرعي بمثله. خلافا لقوم (١). لنا: الدوران. ولهم: أن من شرط العلة تقدمها، وهو مجهول ههنا. ولأنه ليس جعل هذا علة أولى من الآخر.
جوابه: ما تقدم. ثم نحن نفسر العلة بالمعرف، فلا يرد.
فرع: إذا جوزنا ذلك جاز تعليل الحكم الحقيقي بالشرعي، كقولنا في حياة الشعر: "يحرم بالطلاق ويحل بالنكاح، فكان حيا، كاليد"، إذ العلة معرفة.
السابعة: يجوز التعليل بالوصف العرفي، كالشرب والكمال والخسة
стр. 308
والنقصان، إن انضبط ولم يختلف بالأوقات، حتى يعلم حصوله في زمن النبي ﷺ .
الثامنة: يجوز التعليل بالوصف المركب عند الجمهور (١).
• لنا: الدوران. ولهم: أن كل جزء إن اتصف بالعلية فتحصل العلية في محال كثيرة، وإن قام بكل جزء انقسمت الصفة العقلية وهما محلان.
ولأن كل جزء ليس بعلة عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع، دفعا للتسلسل.
والجواب عن الأول: أن العلية عدمية، فلا يصح تقسيمكم. وعن الثاني: أنه منقوض بالماهية المركبة.
فرعان:
• [الأول:] قيل: لا تزيد الأوصاف على سبعة. وقيل: هي خمسة. وهو تحكم (٢).
• الثاني: في الفرق بين جزء العلة ومحلها وشرطها. قيل: الشرط هو الذي يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يكون جزءا. وقيل: جزء العلة غير شرطها ومحلها. وقيل: العلة مجموع القيود من الشرط والإضافة إلى الأهل والمحل؛ لأنه المعرف. وقد يكون جزء أقوى من جزء، فيفيد إضافة الفعل إلى الأقوى.
стр. 309
التاسعة: لا يجوز التعليل بالاسم، كتعليل تحريم العنب حيث سمي خمرا، لعدم تأثيره. لكن لو عني بالاسم المسمى لكونه مخامرا للعقل كان تعليلا بالوصف.
العاشرة: يجوز التعليل بالعلة القاصرة. خلافا للحنفية في المستنبطة (١).
• لنا: أن صحة تعديها موقوف على صحتها. [فلو] وقفت صحتها على تعديها لزم الدور.
احتجوا بأنها إنما تعرف حكم الأصل، وهو معلوم بالنص. ولا (٢) حكم غيره، لعدمها فيه، فيكون عبثا. ولأن العلة أمارة كاشفة، والقاصرة غير كاشفة لشيء.
والجواب عن الأول: بأنها إنما تعرف مطابقة الحكم الأصل، وهو معلوم بالنص. ولا حكم غيره للحكم المطابق أكثر (٣). ثم هو منقوض بالتنصيص على العلة القاصرة. وعن الثاني: أنها تكشف عن المنع من استعمال القياس.
فرع: قالت الحنفية في مورد النص: ثابت به لا بالعلة. لهم: أن الحكم معلوم، فلا يثبت بالمظنون. ولنا: أنا نعني بها المناسب المغلب على الظن،
стр. 310
فلا يمكن إنكاره.
الحادية عشرة: لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة. خلافا لقوم (١)، كقولهم: الملك معنى مقدر شرعي في المحل، يظهر أثره في التصرفات. وربما قالوا: الملك حادث سببه: بعت واشتريت. وهي حروف لا بقاء لها حقيقة، بل قدر بقاؤها إلى حدوث الملك ضرورة. وقدروا في الأثر أيضا، فقالوا: الدين مقدر في الذمة. وهذا ضعيف، فإن الحكم قد تم، فلا يعلل بالمحدث. والدين معناه يمكن صاحبه من المطالبة.
الثانية عشرة: قد يكون للعلة الواحدة أحكام كثيرة، فإن كانت متماثلة جاز ذلك في ذاتين، لامتناع اجتماع المثلين في محل. وإن اختلفت غير متنافية جاز، كاقتضاء الحيض تحريم الإحرام والصوم والصلاة. وإن تنافت، فإن توقف اقتضاؤها على شروط متنافية جاز، لامتناع اجتماع المتنافيين.
الثاني (٢): شرط العلة اختصاصها بمن له (٣) الحكم. وقد تقتضي شرطا، كالزنا، يوجب الرجم بشرط الإحصان. وقد لا يكون.
الثالث: العلة قد تثبت الحكم ابتداء، كالعدة في منع النكاح. وقد تثبته ابتداء ودواما، كالرضاع في إبطال النكاح. وقد تقوى على الدفع لا الرفع
стр. 311
كالعدة. وقد تقوى عليهما.
الثالثة عشرة: يصح الاستدلال بذات العلة، كقولنا: "قتل عمد عدوان، فيوجب القصاص". ولا يصح بعلية العلة، كقولنا: "القتل العمد العدوان سبب لوجوب القصاص، وقد وجد فيجب؛ لأن العلية أمر إضافي يتوقف ثبوتها على ثبوت المضافين، فلو استفدنا ثبوت المعلول من ذكر العلة لزم الدور.
الرابعة عشرة: تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي لا يتوقف على وجود المقتضي. وإن جوزنا تخصيص العلة. خلافا لقوم (١).
لنا وجهان:
الأول: أن مناسبة المانع والدوران معه يفيد ظن العلية.
الثاني: أن المقتضي والمانع يتعارضان، ويجوز التمسك به فمع عدم المقتضي أولى.
احتجوا بوجهين:
الأول: أن المعلل بالمانع ليس هو عدما مستمرا، لحصوله قبله، [بل] متجدد، فيستدعي أن الحكم كائن بعرضية الوجود. وذلك يستدعي
стр. 312
قيام المقتضي.
الثاني: أنه يتوقف عليه عرفا، فإنه لا يحسن أن يقال: الطير لا يطير؛ لأن القفص يمنعه إذا كان ميتا، إلا إذا كان حيا قادرا، فيتوقف عليه شرعا، لما سبق.
والجواب عن الأول: أن علل الشرع معرفات، والمعرف قد يتأخر عن المعرف.
وعن الثاني: منع التوقف عرفا، فإنه يحسن تعليل عدم حضور زيد بوجود سبع في طريقه، وإن لم يخطر ببالنا سلامة أعضائه.
فرع: إذا قلنا: يتوقف عليه، لم نحتج إلى بيان وجود المقتضي، بل يكفينا أن نقول: إن لم يوجد المقتضي في الفرع لزم عدم الحكم. وإن وجد فإنما يثبت لمصلحة كذا وأنها موجودة في الأصل، فيكون عدم الحكم فيه معللا بالمانع.
الخامسة عشرة منهم من شرط في الوصف المجعول علة في الأصل أن يكون متفقا عليه، وهو ضعيف لحصول الغرض بثبوته بالدليل.
стр. 313
القسم الثالث: في البحث عن الحكم والأصل والفرع
وفيه أبواب:
الأول في الحكم
وفيه مسائل:
الأولى: اتفق أكثر المتكلمين على صحة القياس في العقليات (١). ومنه قياس الغائب على الشاهد. وقالوا: لابد من جامع عقلي، وهو أربعة: [العلة و] الحد والشرط والدليل. والجمع بالعلة أقوى.
فنقول: اعتماد القياس على مقدمتين: ثبوت الحكم في الأصل لعلة كذا. ووجود تلك العلة في الصورة الأخرى. فإن كانتا معلومتين كان الحكم في الفرع معلوما. وإن كانتا مظنونتين كان مظنونا. نعم، تحصيل العلم بهما صعب، لاحتمال أن ما به الامتياز (٢) جزء العلة أو شرطها أو مانع من الحكم.
ويستدلون على حصر العلة بطرق:
стр. 314
الأولى: أنا إذا لم نجد بعد الطلب الشديد قسما آخر دل على الانحصار. وقياسا على المبصر إذا نظر في جوانب الدار نهارا بلا مانع فلم يبصر شيئا. والأول ضعيف، إذ رب موجود لم نعرفه والثاني: لو كان له جامع فهو إثبات القياس بالقياس.
وثانيهما: الدوران، وإنما يفيد الذهني لا الخارجي؛ لأنه متى علمنا أن الخطاب أمر بالمحال علمنا قبحه. وإن لم نعلم ذلك لم نعلم قبحه، وذلك يفيد الجزم بالعلية.
ولم يذكر المتكلمون في تقرير المقدمتين شيئا. على أنه منقوض بجميع الإضافات، فإن العلم بالأب علم بالابن وليس أحدهما علة للآخر. أما القطع، فممنوع، لجواز وجود صفة تدل على قبحه.
الثانية: يجوز القياس في اللغات، وهو قول ابن سريج (١) وأكثر علماء العربية (٢). خلافا لجمهور أصحابنا (٣) وجمهور المعتزلة (٤).
стр. 315
• لنا وجوه:
الأول: أن تسمية [عصير العنب خمرا] دار مع الشدة المطربة، فيفيد ظن عليتها لها، فوجود الشدة في النبيذ يفيد ظن أنه مسمى بالخمر، فيفيد ظن حرمته. ثم دلائل القياس تدل على صحته. لا يقال: إنه لا مناسبة بين الاسم والمسمى فلا يعلل به. ولأن ما جعله العبد علة لا يترتب عليه حكم أينما وجد، إذ يجوز أن يكون هو الوضع؛ لأنا نعني بالعلة المعرف. وأما اللغات، فإنها توقيفية.
الثاني: ما اعتمد عليه المازني وأبو علي الفارسي، أنه لا خلاف بين أهل اللغة أن كل فاعل مرفوع وكل مفعول منصوب إلا لمانع. وعلمنا استمرارهم عليه. وكذا جميع الإعراب.
الثالث: اتفقوا على تعليل أحكام الإعراب بكون هذا شبه هذا، كرفعهم ما لم يسم فاعله لشبهه بالفاعل. وإجماعهم حجة فيه.
احتجوا بوجوه:
الأول: أن اللغات كلها توقيفية لما سبق، فيمتنع فيها القياس.
الثاني: ما سبق من عدم المناسبة.
الثالث: سموا الفرس الأسود أدهم. والأبيض أشهب. دون غيرها.
والجواب عن الأول: أن التوقيف لا يمنع القياس. وعن الثاني: ما سبق. وعن الثالث: [امتناعه] في البعض لا يمنع في الباقي، كالقياس الشرعي.
стр. 316
الثالثة: المشهور منع القياس في الأسباب؛ لأن الأصل والفرع إن اشتركا في الجامع، فالجامع هو الموجب. وإن لم يشتركا بطل القياس.
الرابعة: الاستدلال على النفي الأصلي بقياس الدلالة وهو الاستدلال بعدم آثار الشيء، ممكن دون قياس العلة؛ لأن النفي سابق فلا يعلل بالمتأخر. وذلك مندفع، فإنا نفسر العلة بالمعرف. واختلفوا أيضا في الحكم الثبوتي المعلوم. واتفقوا على جواز القياس المظنون.
الخامسة: يجوز إثبات أصول العبادات بالقياس، بإيماء قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢]، [و] بما سبق. ومنع الكرخي ذلك (١)، وبنى عليه أنه لا يجوز إثبات الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس. ويمكن حمل الخلاف على وجوب اليقين فيه ببيان الشرع والنقل المتواتر، وهو منقوض بالوتر.
السادسة: يجوز إثبات المقدرات والكفارات والحدود والرخص بالقياس. خلافا للحنفية (٢).
لنا: ما سبق من أدلة القياس. وذكر الشافعي مناقضتهم، فإنهم أوجبوا
стр. 317
الرجم بشهود الزوايا (١) بالاستحسان. وقاسوا الإفطار بالأكل على الوقاع. وقتل الصيد ناسيا على العامد. وأثبتوا التقديرات في الدلو والبئر بالقياس. وكذا في الرخص حتى قاسوا العاصي بسفره على الطائع. وسائر النجاسات على نجاسة المحل في الاستنجاء بالحجر.
احتجوا بأن الحد يدرأ بالشبهة. والقياس إنما يفيد الظن، فتحصل الشبهة والمقدرات لا يهتدي العقل إليها. والرخص منح فلا يعدل عن مواضعها (٢). والكفارات على خلاف الأصل، فإنها ضرر.
والجواب: أن ما ذكرتموه يجوز تخصيصه بخبر الواحد، فكذا بالقياس.
السابعة: قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (٣) ﵀: ما طريقه العادة والخلقة - كقدر الحيض - لا يثبت بالقياس؛ لأن أسبابها مجهولة، فيرجع فيها إلى قول الصادق.
الثامنة: كل ما لا يتعلق به عمل، كدخول النبي ﷺ مكة صلحا أو عنوة. وقرانه وإفراده، لا يثبت بالقياس، إذ المطلوب العلم لا العمل.
стр. 318
التاسعة: القياس إذا خالف النص المتواتر، فإن نسخه رد. وإن خصه، أو خالف الآحاد [بينهما] (١).
العاشرة: التعبد في جميع الشرع جائز بالتنصيص عليه. ولا يجوز بالقياس؛ لأنه يتوقف على ثبوت الحكم في الأصل، وذلك دور. والله أعلم.
الباب الثاني في حكم الأصل
وفيه أقسام:
الأول: في شرائطه إذا كان على وفق الأصول، وهي ستة:
[الأول:] ثبوت الحكم في الأصل.
الثاني: معرفته بطريق سمعي.
الثالث: أن لا يكون ذلك الطريق قياسيا.
الرابع: أن لا يكون دليل حكم الأصل دليل حكم الفرع، وإلا لما اختص أحدهما بالأصل والآخر بالفرع.
الخامس: أن يظهر تعليل حكم الأصل بوصف معين حتى يصح رد الفرع إليه.
стр. 319
السادس: أن لا يكون حكم الأصل متأخرا عن حكم الفرع. وهو حق إن لم يكن للفرع دليل إلا القياس. وإن وجد غيره جاز.
القسم الثاني: إن كان حكم الأصل على خلاف قياس الأصول، فقد جوز قوم من الشافعية (١) والحنفية (٢) القياس عليه مطلقا. ولم يجوز الكرخي إلا إذا نص على علته (٣)، أو وقع الإجماع على تعليله، أو كان القياس عليه موافقا للقياس على أصول أخر. والحق أنه إن كان مقطوعا به جاز القياس عليه كغيره؛ لأن العموم لا يمنع من قياس يخصصه، فالقياس عليه أولى بذلك.
احتجوا بأن الخبر يخرج من القياس ما ورد فيه، فيبقى ما عداه على حكم قياس الأصول. والجواب: قيام الأمارة على علته يقتضي إخراج ما شاركه فيها، ثم ليس شبهه بالأصول أولى من شبهه بالمنصوص.
وإن لم يكن دليله مقطوعا به، فإن لم تكن علته منصوصة ولا قياس عليه أقوى من القياس على الأصول، فالراجح القياس على الأصول؛ لأن طريق حكمهما معلوم. وإن كانت منصوصة استوى القياسان؛ لأن طريق الحكم معلوم وطريق العلة معلوم.
стр. 320
القسم الثالث: فيما جعل شرطا. شرط عثمان البتي (١) أنه لا يجوز القياس على أصل حتى يقوم الدليل عليه. وشرط المريسي انعقاد الإجماع على أن حكم الأصل معلل، أو التنصيص على عمل العلة (٢). وقيل: لا يكون الأصل محصور العدد؛ لأن التخصيص بالذكر ينفي الحكم عما عداه (٣).
والكل منقوض بجواز القياس على الأشياء الستة المذكورة في الربا. ولأن الصحابة استعملت القياس بدونها.
الباب الثالث في الفرع
وشرطه: أن يوجد فيه مثل حكم الأصل في الماهية والقدر. ومنهم من شرط العلم بحصول العلة في الفرع (٤). وشرط أبو هاشم أن يكون ثبوت الحكم في الفرع جملة حتى يفصله القياس (٥). وأدلة القياس تبطلهما. وشرط بعضهم عدم التنصيص على الفرع لقصة معاذ، وهو باطل، إذ قصة معاذ لا تنفي الجواز عند وجود النص. ولأن توارد الأدلة على المدلول الواحد جائز.