الثالثة: المشهور منع القياس في الأسباب؛ لأن الأصل والفرع إن اشتركا في الجامع، فالجامع هو الموجب. وإن لم يشتركا بطل القياس.
الرابعة: الاستدلال على النفي الأصلي بقياس الدلالة وهو الاستدلال بعدم آثار الشيء، ممكن دون قياس العلة؛ لأن النفي سابق فلا يعلل بالمتأخر. وذلك مندفع، فإنا نفسر العلة بالمعرف. واختلفوا أيضا في الحكم الثبوتي المعلوم. واتفقوا على جواز القياس المظنون.
الخامسة: يجوز إثبات أصول العبادات بالقياس، بإيماء قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢]، [و] بما سبق. ومنع الكرخي ذلك (١)، وبنى عليه أنه لا يجوز إثبات الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس. ويمكن حمل الخلاف على وجوب اليقين فيه ببيان الشرع والنقل المتواتر، وهو منقوض بالوتر.
السادسة: يجوز إثبات المقدرات والكفارات والحدود والرخص بالقياس. خلافا للحنفية (٢).
لنا: ما سبق من أدلة القياس. وذكر الشافعي مناقضتهم، فإنهم أوجبوا
стр. 317
الرجم بشهود الزوايا (١) بالاستحسان. وقاسوا الإفطار بالأكل على الوقاع. وقتل الصيد ناسيا على العامد. وأثبتوا التقديرات في الدلو والبئر بالقياس. وكذا في الرخص حتى قاسوا العاصي بسفره على الطائع. وسائر النجاسات على نجاسة المحل في الاستنجاء بالحجر.
احتجوا بأن الحد يدرأ بالشبهة. والقياس إنما يفيد الظن، فتحصل الشبهة والمقدرات لا يهتدي العقل إليها. والرخص منح فلا يعدل عن مواضعها (٢). والكفارات على خلاف الأصل، فإنها ضرر.
والجواب: أن ما ذكرتموه يجوز تخصيصه بخبر الواحد، فكذا بالقياس.
السابعة: قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (٣) ﵀: ما طريقه العادة والخلقة - كقدر الحيض - لا يثبت بالقياس؛ لأن أسبابها مجهولة، فيرجع فيها إلى قول الصادق.
الثامنة: كل ما لا يتعلق به عمل، كدخول النبي ﷺ مكة صلحا أو عنوة. وقرانه وإفراده، لا يثبت بالقياس، إذ المطلوب العلم لا العمل.
стр. 318
التاسعة: القياس إذا خالف النص المتواتر، فإن نسخه رد. وإن خصه، أو خالف الآحاد [بينهما] (١).
العاشرة: التعبد في جميع الشرع جائز بالتنصيص عليه. ولا يجوز بالقياس؛ لأنه يتوقف على ثبوت الحكم في الأصل، وذلك دور. والله أعلم.
الباب الثاني في حكم الأصل
وفيه أقسام:
الأول: في شرائطه إذا كان على وفق الأصول، وهي ستة:
[الأول:] ثبوت الحكم في الأصل.
الثاني: معرفته بطريق سمعي.
الثالث: أن لا يكون ذلك الطريق قياسيا.
الرابع: أن لا يكون دليل حكم الأصل دليل حكم الفرع، وإلا لما اختص أحدهما بالأصل والآخر بالفرع.
الخامس: أن يظهر تعليل حكم الأصل بوصف معين حتى يصح رد الفرع إليه.
стр. 319
السادس: أن لا يكون حكم الأصل متأخرا عن حكم الفرع. وهو حق إن لم يكن للفرع دليل إلا القياس. وإن وجد غيره جاز.
القسم الثاني: إن كان حكم الأصل على خلاف قياس الأصول، فقد جوز قوم من الشافعية (١) والحنفية (٢) القياس عليه مطلقا. ولم يجوز الكرخي إلا إذا نص على علته (٣)، أو وقع الإجماع على تعليله، أو كان القياس عليه موافقا للقياس على أصول أخر. والحق أنه إن كان مقطوعا به جاز القياس عليه كغيره؛ لأن العموم لا يمنع من قياس يخصصه، فالقياس عليه أولى بذلك.
احتجوا بأن الخبر يخرج من القياس ما ورد فيه، فيبقى ما عداه على حكم قياس الأصول. والجواب: قيام الأمارة على علته يقتضي إخراج ما شاركه فيها، ثم ليس شبهه بالأصول أولى من شبهه بالمنصوص.
وإن لم يكن دليله مقطوعا به، فإن لم تكن علته منصوصة ولا قياس عليه أقوى من القياس على الأصول، فالراجح القياس على الأصول؛ لأن طريق حكمهما معلوم. وإن كانت منصوصة استوى القياسان؛ لأن طريق الحكم معلوم وطريق العلة معلوم.
стр. 320
القسم الثالث: فيما جعل شرطا. شرط عثمان البتي (١) أنه لا يجوز القياس على أصل حتى يقوم الدليل عليه. وشرط المريسي انعقاد الإجماع على أن حكم الأصل معلل، أو التنصيص على عمل العلة (٢). وقيل: لا يكون الأصل محصور العدد؛ لأن التخصيص بالذكر ينفي الحكم عما عداه (٣).
والكل منقوض بجواز القياس على الأشياء الستة المذكورة في الربا. ولأن الصحابة استعملت القياس بدونها.
الباب الثالث في الفرع
وشرطه: أن يوجد فيه مثل حكم الأصل في الماهية والقدر. ومنهم من شرط العلم بحصول العلة في الفرع (٤). وشرط أبو هاشم أن يكون ثبوت الحكم في الفرع جملة حتى يفصله القياس (٥). وأدلة القياس تبطلهما. وشرط بعضهم عدم التنصيص على الفرع لقصة معاذ، وهو باطل، إذ قصة معاذ لا تنفي الجواز عند وجود النص. ولأن توارد الأدلة على المدلول الواحد جائز.
стр. 321
خاتمة: قياس التلازم اشتهر في زماننا. ونظمه: لو ثبت الحكم في الفرع، فإن علل بالمشترك بين الأصل والفرع لزم النقض بالأصل، إذ لا حكم. وإن لم يعلل به لزم الترك بالمناسبة مع الاقتران.
стр. 322
الكلام في التعادل
المسألة الأولى: منع الكرخي تعادل الأمارتين مطلقا (١). وجوزه آخرون (٢). ثم حكم بعضهم فيه بالتخيير (٣). وبعضهم بالتساقط (٤). والمختار أنه إن وقع في حكمين متنافيين والفعل واحد جاز عقلا، لجواز أن يخبرنا عدل بوجود شيء وعدل بعدمه. لكنه غير واقع شرعا؛ لأن العمل بهما وتركهما محال. وإن عمل بأحدهما دون الآخر، فهو ترجيح بلا مرجح. وعلى التخيير يكون إباحة للفعل والترك، فيكون تعيينا (٥)، وقد (٦) أبطلناه.
فإن قيل: التخيير ليس بإباحة فيهما مطلقا، بل إن أخذ بأمارة التحريم حرم الفعل، وإن أخذ بأمارة الاباحة أبيح. ثم ما ذكرتم لا يتناول أمارتي الوجوب والتحريم. على أنا نقيس التعادل الخارجي على الذهني.
والجواب عن الأول: أن كلامنا في تعادل الأمارتين على حكمين
стр. 323
متنافيين لشيء واحد لا لشيئين كما ذكرتم. وعن الثاني: لا قائل بالفرق. وعن الثالث: أن المقصود من الأمارات في الخارج التوسل بها إلى المقصود، فإذا لم يكن كان الواضع عابثا، بخلاف الذهني، فإن امتناع التوسل يكون لقصور الذهن.
وإن تعادلت الأمارتان في فعلين متنافيين والحكم واحد جاز، فإن من دخل الكعبة صلى إلى أي جانب شاء ويكون مستقبلا. ولأن إيجاب الفعلين المتنافيين يستدعي إيجابهما على البدل.
واحتجوا بأن التخيير يقتضي إسقاطهما، إذ أمارة كل فعل اقتضت وجوبه مع جواز الإخلال به. جوابه أن المنع من الترك موقوف على عدم الدلالة على قيام غيره مقامه، فلم يكن التخيير مخالفا لمقتضاه.
فرع هذا التعادل إن وقع للمجتهد في عمل نفسه يخير. أو للمفتي خير المستفتي كنفسه. أو للحاكم عين، لتنقطع الخصومة. ولا يمتنع عقلا أن يحكم الحاكم بإحدى الأمارتين مرة ثم يحكم بالأخرى مرة أخرى، كاستقبال القبلة عند استواء الجهات. لكن قوله ﵇ لأبي بكر (١): «لا تقض (٢) بشيء واحد بحكمين مختلفين» (٣). يمنع منه. أما قول عمر في مسألة الحمارية: "ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي (٤). يجوز أن يكون قضاؤه أولا
стр. 324
بأمارة ظنها قوية ثم ترجح عنده الثانية.
الثانية: إذا وجد للمجتهد قولان في كتابين، فإن علم التاريخ فالثاني رجوع عن الأول ظاهرا. وإلا وجب نقل القولين من غير ترجيح. وإن وجد في كتاب واحد في مسألة واحدة، فإن عقب أحدهما بتقوية، كقوله: "هذا أولى"، أو فرع عليه، أو عرف له قول في نظير المسألة ولم يكن بينهما فرو جعل قولا له. وإن أطلق، فقد قيل: مقتضاه التخيير (١). وقد أبطلناه. أويكون له فيه قول واحد، وهو التخيير. والحق حمله على توقفه.
أما أقوال الشافعي المختلفة، فأكثرها من القسم الأول والثاني. وهي تدل على علو شأنه وغزارة علمه، لدلالته على اشتغاله أبدا بالبحث. وعلى رجحان دينه، لدلالته على الحق وترك التعصب لمذهبه. والقسم الثالث، فقد قال الشيخ أبو حامد: "لم يوجد للشافعي قولان على هذا الوجه إلا في سبع عشرة" (٢).
فيحتمل أن يكونا لغيره، وإنما ذكرهما (٣) ليعلم أن الأخذ بأحدهما ليس خرقا للإجماع. ويحتمل أن مراده بالقولين احتمالين ظاهرين حيث ظهر بطلان غيرهما، وسماهما قولين لصلاحيتهما، كما يقال للخمر في الدن: "مسكر".
стр. 325
القسم الثاني: في مقدمات الترجيح
المسألة الأولى: الترجيح تقوية طريق على مثلها. والأكثرون جوزوا التمسك به (١). وقال بعضهم: يجب التوقف، أو التخيير عند التعارض (٢).
لنا: إجماع الصحابة، حيث قدموا خبر عائشة في التقاء الختانين على ما روى: «الماء من الماء» (٣). وقوى علي خبر أبي بكر ﵄ حيث لم يحلفه. وكان يحلف غيره. وقوى أبوبكر خبر المغيرة في ميراث الجد لما وافقه محمد بن مسلمة (٤). ومثله كثير. ولأن ترجيح الراجح متعين عرفا، فيتعين شرعا لما مر.
احتجوا بالقياس على البينات. ولأن قوله ﵇: «نحن نحكم بالظاهر» (٥)، يلغي زيادة الظن.
جوابه ما ذكرناه قطعي، فلا يعارضه الظني.
الثانية: لا يجوز الترجيح في الأدلة اليقينية، إذ يستحيل تعارضها. ولأن
стр. 326
اليقيني لا يحتمل النقيض، فلا يقبل التقوية.
الثالثة: اشتهر أن العقليات لا يجري الترجيح فيها. والحق أنه إذا جوزنا للعوام التقليد في المعتقدات لم يمتنع.
الرابعة: مذهب الشافعي الترجيح بكثرة الأدلة (١). خلافا لبعضهم (٢)، لوجوه:
الأول: أن كثرة الأمارات تقوي الظن، بدليل خبر التواتر. وإلا يلزم اجتماع مؤثران مستقلان على أثر واحد.
الثاني: الغلط والنسيان والكذب على الأكثر أقل.
الثالث: العمل بأقوى الظنين واجب، كالترجيح بقوة الدليل.
احتجوا بالقياس على الفتوى والشهادة، وبترجيح الخبر الواحد على القياسات الكثيرة.
والجواب عن الأول: منع الأصل على رأي في الفتوى (٣). وعند مالك في الشهود (٤). ثم الفرق أن الشهادة شرعت لقطع الخصومات، والزيادة تطولها. وعن الثاني: أن القياسات إن اتحدت أصولها فهو قياس واحد فلا
стр. 327
ترجيح، وإن تعددت رجحناها لما ذكرنا.
الخامسة: إذا تعارض دليلان فالعمل بأحدهما من وجه أولى؛ لأن دلالة اللفظ على جزء مفهومه تابعة لدلالته على كله. وترك التبع أولى من ترك الأصل.
السادسة: إذا تعارض دليلان عامان أو خاصان، فإن كانا معلومين والتاريخ مجهول تساقطا وعمل بغيرهما، لاحتمال نسخ كل واحد بالآخر.
وإن علم التاريخ، فإن اتفقا تخير إن أمكن. وإن اختلفا نسخ المتأخر المتقدم إن أمكن. وإلا عمل بغيرهما.
وإن كانا مظنونين، فحكمه حكم المعلومين، إلا في الترجيح. وإن كان أحدهما معلوما - وهو متأخر -، نسخ المتقدم المظنون، وإلا عمل به لترجيحه.
وإن كان عاما من وجه خاصا من وجه، كقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ [النساء: ٢٣]، مع قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣].
فإن علم تقدم أحدهما نسخ الأخير المتقدم إلا أن يكون مظنونا والمتقدم معلوما فحينئذ يرجع إلى الترجيح عند من يقول بأن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم. أما من لا يقول بهذا، فيليق بمذهبه عدم النسخ في شيء من هذه الأقسام، لاحتمال أن المتأخر هو العام.
وإن لم يعلم تقدم أحدهما - وهما معلومان -، لم يرجح أحدهما بقوة الإسناد، بل يرجح بما يرجع إلى الحكم، إذ ليس فيه طرح أحدهما، بخلاف
стр. 328
المتعارضين من كل وجه. وإن تساويا (١) خير بينهما.
ويرجح المظنون بالطريقين (٢). وإن تساويا (٣) خير. ويرجح المعلوم على المظنون لكونه معلوما. فإن ترجح المظنون بما يرجع إلى الحكم فقد يحصل التعارض، وإن لم يترجح فالحكم التخيير.
وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا - وهما معلومان أو مظنونان ـ، نسخ الخاص المتأخر العام المتقدم. وينسخ العام المتأخر الخاص المتقدم عند الحنفية. وعندنا: يبنى عليه. وإن تقارنا خص العام بالخاص إجماعا.
وإن جهل التاريخ، فعندنا يبنى العام على الخاص. وعند الحنفية: يتوقف فيه. ويقدم المعلوم على المظنون وفاقا، إلا إذا كان المظنون خاصا ووردا معا، ففيه اختلاف سبق في باب العموم. والله أعلم.
القسم الثالث: في ترجيح الأخبار
وترجيح الخبر: بكثرة الرواة. [و] بعلو الإسناد؛ لأن قلة الرواة تقلل احتمال الكذب والغلط. وبفقه الراوي، لإمكانه التحفظ عن الخطأ. وقيل (٤):
لا يرجح به فيما يروى باللفظ، بل بالمعنى. وبزيادة الفقه؛ لأنه أقدر على التحرز وبعلمه بالعربية. وبزيادة العلم بها، لما ذكرنا. وبكونه صاحب
стр. 329
الواقعة، لزيادة اهتمامه. وبكثرة مجالسته للعلماء والمحدثين، لما سبق.
وبكون طريق روايته أظهر، كمشاهدة زيد الظهر بالبصرة [بالنسبة] إلى مشاهدته وقت السحر ببغداد. وبظهور عدالته. وبمعرفة عدالته بالخبرة، لقوتها. وتزكية من هو أكثر بحثا عن أحوال الناس، أو كان أكثر عددا أو علما أو ورعا. وبما إذا ذكر معدله أسباب عدالته، أو عمل بخبره. وبكون الراوي غير مبتدع. وتيقظه وقلة نسيانه. وبزيادة الضبط وقلة النسيان، فلو كان الأشد ضبطا أكثر نسيانا تعارضا. وبزيادة حفظ الخبر؛ لأن به الحجة. وبجزمه فيما يرويه. وبدوام عقله. وبتعويله على الحفظ دون المكتوب. وبكونه من أكابر الصحابة، أو له منصب يمنعه من الكذب. وبكونه غير مدلس. وبأن لا يكون ذو اسمين يجرح بأحدهما. وبأن لا يكون رجاله ممن تلتبس أسماؤهم بأسماء قوم مجروحين. وبكونه مشهور النسب، أو له اسم واحد، دفعا للتلبيس في الكل. وبكونه لم يرو في الصبا، أو لم يتحمل فيه. وبأن رفع الخبر إلى النبي ﵇ متفق عليه. وبكونه ينسب الخبر إلى النبي ﵇ قولا لا اجتهادا، كما قيل: إنه وقع بين يديه ﵇ فلم ينكر. وبكونه يذكر سبب النزول. وبكونه يروي الحديث بلفظه، لما مر. وبأن يروي حديثا آخر يعضده. ويقدم إنكار راوي الأصل.
ويقدم المسند عند الشافعي. والمرسل عند عيسى بن أبان (١). ويتساويان عند عبد الجبار (٢).
لنا: أن عدالة المرسل معلومة للراوي فقط. وعدالة المسند معلومة
стр. 330
للكل فكان أرجح.
احتج: بأن الثقة لا يقول: قال النبي. إلا وهو قاطع بأنه قوله. والجواب: قول الراوي: قال الرسول. لا يمكن حمله على القطع؛ لأنه يقتضي الجزم بصحة خبر الواحد، فوجب حمله على الظن، فالإسناد حينئذ أولى لما سبق.
وإذا قال المرسل: عن النبي. فالأظهر أنه مرجوح؛ لأنه في معنى قوله: روي عن النبي. وقد رجح قوم بالحرية والذكورة، كالشهادة (١). وفيه احتمال.
ويرجح أيضا بكون الآية أو الخبر مدني. وبوروده عند قوة الرسول ﵇، فإنها في آخر العمر. وبتأخر إسلام الراوي فيما علم سماعه بعد إسلامه، إن علم موت المتقدم قبل إسلام الآخر، وعلم أن أكثر روايته قبل إسلام المتأخر.
وبالمؤرخ المضيق. وبحصول العلم بسماع أحد المتقاربين في الإسلام بعد إسلامه. والتخفيف مرجح على التغليظ. وقيل: بالعكس (٢). والعام الوارد ابتداء راجح [على] الوارد على سبب.
القول في الترجيح باللفظ: فيرجح بفصاحة لفظ الحديث. وقيل: لا يقبل، إذ لا يقوله أفصح العرب. والأصح أنه لا يقدم بزيادة الفصاحة، لتفاوتها. ولا بكونه حقيقة في الاستعمال؛ لأن دلالة المجاز الغالب أظهر.
وبما اتفق على وضعه لمسماه. وبما لا يحتاج إلى إضمار. وبالمفيد بالوضع الشرعي أو العرفي. ويتجه: تقديم اللغوي؛ لأنه إذا لم ينقله الشرع فهو عرفي
стр. 331
شرعي، وذاك شرعي فقط. وبكون أحد المجازين أشبه بالحقيقة. وبأنه لم يدخله التخصيص. وبكثرة دلالته على المقصود. وبما ذكر مع العلة صريحا أو إيماء. وبما إذا نص على الحكم مع اعتبار محل آخر؛ لأنه إشارة إلى وجود علة جامعة. وبما دلالته مؤكدة. وبما كان فيه تنصيص على الحكم مع ذكر المقتضي لضده، لاقتضائه النسخ مرة واحدة. وبما كان مقترنا بتهديد أو بزيادة تهديد. وبما دلالته على الحكم بمنطوقه أو بغير واسطة.
القول في الترجيح بالحكم فيرجح الخبر الذي يقرر حكم الأصل. خلافا لجمهور الأصوليين (١).
• لنا: أن المقرر متأخر، إذ لو تقدم لكان قد ورد حيث لا يحتاج إليه، لاستقلال العقل بمعرفته.
فإن قيل: الناقل يستفاد منه ما لا يعلم إلا منه. ولأن تقدمه على المنفي يقتضي النسخ مرتين، فإذا تأخر اقتضاه مرة واحدة، فكان أولى. الجواب عن الأول: ما ذكر في الدليل. وعن الثاني: أن دلالة الأصل مشروطة بعدم دلالة السمع، فلا يكون الناقل ناسخا له. وأيضا في تقدم المبقي نسخ ما ثبت بدليل العقل والسمع.
وقال القاضي عبد الجبار: هذا ليس من باب الترجيح؛ لأنه قد عمل بالناسخ. قلنا: نحن لا نقطع بالتأخر ليكون نسخا. وقال أيضا (٢): إذا كان
стр. 332
أحد الخبرين نفيا وحكم الآخر إثباتا - وهما شرعيان - تساويا، لو اقتضى العقل الحظر والخبران الحظر والوجوب.
وهذا يستقيم على مذهبنا دون مذهب المعتزلة؛ لأن عندهم العقل يستقل بالحكم، للقطع بمشاركة أحد الخبرين حكم العقل ولو من وجه، فيعود الكلام في أن المبقي أرجح أم الناقل؟! فمن رجح الناقل رجح في المثال الأول خبر المقتضي للوجوب؛ لأنه مخالف للحظر من وجهين. ومقتضى خبر الإباحة مخالف من وجه واحد. ومن رجح المبقي رجح مقتضى خبر الإباحة. وكذا القول في المثال الثاني، أما الثالث، فلا ترجيح فيه، إذ كل خبر يشارك حكم العقل من وجه، [و] يخالفه من وجه. وقال الكرخي وجماعة من الفقهاء (١): خبر الحظر راجح على خبر الإباحة. ويتساويان عند أبي هاشم وابن أبان (٢).
احتجوا بقوله-﵇: «ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال» (٣). وقوله-﵇: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٤). ولأن ترك المباح أولى من فعل الحرام؛ لأنه أحوط.
стр. 333
قال الكرخي: المثبت للطلاق والعتاق مقدم على النافي لهما، لتأيده بالأصل المنافي لملك اليمين والنكاح (١). وقيل: هما سيان (٢).
والنافي للحد مقدم على مثبته عند بعض الفقهاء (٣). خلافا للمتكلمين (٤)؛ لأن شرعيته على خلاف الأصل. ولأنه يفيد الشبهة فيسقط، للحديث. وقياسا على تعارض البينتين.
القول في الترجيح من خارج: إذا قال بعض أئمة الصحابة أو عمل بخلاف الخبر، أوجب نسخه أو رده عند بعضهم. والشافعي ﵁ يرجح ما ليس كذلك عليه (٥). وما عمل به أكثر السلف ممن لا يجب تقليدهم راجح عند عيسى بن أبان (٦)، لموافقتهم الصواب ظاهرا. وخبر الواحد فيما تعم به البلوى مرجوح؛ لأنه لو صح لاشتهر. وإذا عارض رجحان الكمية رجحان الكيفية فعلى المجتهد النظر في ترجيح أحدهما. والله أعلم.
стр. 334
القسم الرابع: في ترجيح الأقيسة
فيرجح أحد القياسين بتعليل أصله بوصف حقيقي؛ لأن التعليل به متفق عليه. وتعليله بالحكمة أولى من تعليله بالعدم والوصف الإضافي والتقديري والحكم الشرعي، إذ هو تعليل بنفس المؤثر. والعدم أولى من الحكم الشرعي، لكونه أشبه بالأمور الحقيقية، ويحتمل أن يرجح الحكم، لكونه أشبه بالموجود. والتعليل بالعدم أولى من التعليل بالوصف التقديري، لمحذورين: كونه معدوما وإعطاؤه حكم الموجود. وتعليل الموجود [بالموجود] أولى من تعليل العدم بالعدم، والعدم بالوجود، وبالعكس؛ لأنه لا يمكن التعليل إلا بتقدير وجوده، وهو محذور. وتعليل العدمي بالعدمي أولى من القسمين الباقيين، للمشابهة. والتعليل بالحكم أولى من الوصف المقدر، إذ التقدير خلاف الأصل. والعلة المفردة أولى من المركبة، لقلة الاحتمال فيها. وإذا قطعنا بوجود وصفي القياس في الفرع فلا ترجيح؛ لأن القطعيات لا تقبل الترجيح. وكلام أبي الحسين يدل على أنه يقبل (١). وإن كان أحدهما معلوما يرجح على المظنون. وإن كانا ظنيين، فما كان مقدماته أقل كان أولى، لقلة الخطأ فيه. والأولى مقابلة كمية المقدمات بكيفية إفادتها للظن.
القول في الترجيح بما يدل على وجود العلة: فما ثبت عليته بالتنصيص عليه بلفظ لا يحتمل غيره، كقولنا: لعلة كذا، أو لأجل، أو من أجل، أو
стр. 335
لسبب كذا، فهو مقدم على غيره. وما يحتمل غيره كـ «اللام» و «إن» و «الباء».
و «اللام» مقدم لظهوره في التعليل. وفي «إن» و «الباء» احتمال. وإن ثبتت عليته بإيماء نص مناسب يرجح. وإيماء الدلالة اليقينية راجح. وإيماء الكتاب راجح على إيماء خبر الواحد.
واتفق الجمهور على أن دلالة الإيماء راجحة على دلالة الطرق العقلية، من المناسبة والدوران والسبر. وفيه نظر؛ لأن الإيماء [لا] يدل على العلية بلفظ، بل بواسطة أحد الطرق العقلية. والأصل أرجح من الفرع. وما ثبت عليته بالمناسبة فهو أقوى من الدوران، ويسمى بالمطرد والمنعكس. خلافا لقوم.
* لنا: أن تأثير الوصف في الحكم لمناسبته، لا لدورانه معه، إذ العلية قد توجد بدون الدوران إذا كانت العلة أخص من المعلول. ويوجد الدوران بدون العلية كما تقدم.
احتجوا بأن المطردة المنعكسة (١) أشبه بالعلل العقلية. وجوابه: أن الطرد لا يجب في العلل العقلية.
وإذا تعارضت دلالة المناسبة ودلالة التأثير، فالمناسبة أرجح لما سبق من الإشكال المذكور على التأثير. والسبر إن كان قاطعا في مقدماته تعين العمل به. وإن كان مظنونا فيها أو في بعضها كانت المناسبة راجحة؛ لأنها مستقلة بإنتاج العلية، والسبر ينتجها بعد مقدمات. والمناسبات أقوى من الشبه والطرد، وهذا ظاهر. وترجح المناسبة [التي] من باب الضرورة. ثم التي من
стр. 336
باب الحاجة. ثم التي من باب الزينة. ثم الوصف المناسب للحكم نوعه. ونوع الحكم راجح على المناسب نوعه لجنس الحكم. وجنسه لنوع الحكم. وجنسه لجنس الحكم. والثاني والثالث متقاربان وراجحان على الرابع. والجنس الأقرب مقدم على الأبعد. أما المناسبة الجلية - وهي التي يلتفت الذهن إليها في أول سماع الحكم -، كقوله ﵇: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (١). فإن الذهن يلتفت عند السماع إلى أن المراد ما يمنع من استيفاء الفكر والمناسبة المؤيدة بغيرها. والتي تناسب من وجهين. والخالية عن المعارضة راجحة. والدوران في صورة واحدة راجح، كصورة العصير؛ لأنه يوجب القطع بأن باقي الصفات الثابتة في الأصول الثلاثة لا تصلح للعلية، وإلا لزم وجود العلة بدون الحكم، بخلاف الدوران في صورتين. والشبه في الصفة راجح على الشبه في الحكم الشرعي؛ لأنه أشبه بالعلل العقلية. والله أعلم.
القول في الترجيح بدليل الحكم في الأصل: فما ثبت أصله بدليل قاطع راجح على الظني. وإن كانا قطعيين، فلا ترجيح. وإن كانا ظنيين، فالإجماع أولى من الدلائل اللفظية؛ لأنها تقبل التخصيص والتأويل. وفيه إشكال من حيث أن الإجماع ثبت بها فكان أقوى. وما ثبت أصله بنص راجح على ما ثبت أصله بالقياس؛ لأنه أصل القياس.
стр. 337
القول في الترجيح بكيفية الحكم: فالقياس المثبت حكما شرعيا أولى من المثبت لحكم عقلي؛ لأن القياس دليل شرعي، فيجب أن يكون حكمه شرعيا. ولا تعد (١) في استخراج علة شرعية من أصل عقلي، إذا لم يرد الشرع بنقلنا [عنه]. أما إذا كان أحدهما نفيا والآخر إثباتا، وهما شرعيان، فقيل: إنهما يتساويان. وقد [ذكر] نا حكمه في ترجيح الأخبار. والحظر إذا كان عقليا راجح لكونه حظرا، مرجوح لكونه [عقليا]. وقد سبق كيفية النقل عن حكم العقل. والمثبت للعتق والطلاق راجح على النافي. والمسقط للحد راجح على المثبت له. والموجب لزيادة الحكم الشرعي راجح، فيرجح المثبت للندب على المثبت للإباحة. والقياس الوارد على وفق قياس الأصول، أو الحكم المجمع على تعليله، أو الذي شهدت له أصول كثيرة، أو عضده قول صحابي، أو قياس آخر راجح. وما لزم منه محذور كتخصيص عام، أو ترك ظاهر أو ترجيح مجاز على الحقيقة راجح.
القول في الترجيح بمكان العلة: فالعلة المطردة أولى من المخصوصة.
[و] التي تشهد لها أصول كثيرة أولى من المتعدية. [والمتعدية] أولى من القاصرة، للاتفاق عليها وأنكره بعض الشافعية (٢)، وقال: إن التعدية فرع الصحة، والفرع لا يقوى الأصل. وجوابه: أنه يدل على قوته.
والتي فروعها أكثر أولى، لكثرة فوائدها. ومنع بعضهم، وقاس على
стр. 338
أعم الخطابين. وجوابه: أن العمل بأعم الخطابين يسقط الأخص، بخلاف ترجيح الأخص. والتي تثبت الحكم في كل الفروع أولى من المثبتة في البعض؛ لأن الدلالة على كل فرد كالدلالة على الكل، لعدم القائل بالفرق، ففيه تكثير الأدلة. والعلة التي ترد الفرع إلى جنسه أولى من التي ترده إلى غير جنسه. والله أعلم.
стр. 339
الكلام في الاجتهاد
وهو في اللغة: استفراغ الوسع في الفعل. وعند الفقهاء: استفراغه في النظر فيما لا يلحقه لوم مع استفراغه الوسع فيه، في الفروع دون الأصول.
وفيه مسائل:
الأولى: قال الشافعي وأبو يوسف رحمهما الله: يجوز في أحكام الرسول ﷺ ما يصدر عن اجتهاد (١). ومنع أبو علي وأبو هاشم منه مطلقا (٢). وجوز بعضهم في الآراء والحروب فقط (٣).
لنا وجوه:
الأول: دخوله ﵇ في عموم قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢].
الثاني: قوله ﵇: «العلماء ورثة الأنبياء» (٤). وإنما يرثوا منه الاجتهاد.
стр. 340
وكان مجتهدا فيعم كل الاجتهادات، فتقييده بأركان الشرع خلاف الأصل.
الثالث: اجتهد في أخذ الفدى عن أسارى بدر.
احتجوا بوجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [النجم: ٣].
الثاني: أنه قادر على معرفة الحكم من الوحي.
الثالث: لو جاز له الاجتهاد لما توقف إلى نزول الوحي، وقد توقف في اللعان والظهار.
والجواب عن الأول: أن الوحي لما دل على العمل بالقياس، فإذا قاس فقد عمل بالوحي.
وعن الثاني: إنما يجتهد إذا لم يجد نصا.
وعن الثالث: إنما كان يتوقف بمقدار ما يعرف أن الوحي ينزل فيه.
الثانية: لا يجوز عليه الخطأ فيما يجتهد فيه. وجوزه قوم بشرط أن لا يقر عليه (١).
لنا: أنا مأمورون باتباعه في الحكم للنص، وذلك ينافي الخطأ.
احتجوا بقوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣]، وقوله
стр. 341
تعالى: ﴿قل إنمآ أنا بشر مثلكم﴾ [الكهف: ١١٠]. وقوله ﵇: «لو نزل من الله عذاب لما نجا إلا عمر» (١). وهذا يدل على خطئه في أخذ الفدية. وقياسا للقول على الغلط في الفعل.
والجواب: ذكرناه في عصمة الأنبياء.
الثالثة: يجوز الاجتهاد عقلا بحضرة الرسول ﵇. ومنهم من منعه عقلا (٢). ويجوز في زمانه عند غيبته. ومنع أبو علي وأبو هاشم وقوعه شرعا (٣). وأجازه قوم بشرط الإذن (٤).
احتج المجوزون عقلا بأنه لا يبعد أن يقول لإنسان: لقد أوحي إلي أن لك الاجتهاد والعمل بظنك.
واحتج المانعون عقلا بأن الاجتهاد قد يقع فيه الخطأ، والنص آمن منه، فسلوكه قبيح عقلا. وجوابه: لما أذن فيه صار آمنا.
واحتج المجوزون شرعا بحديث معاذ، وبأنه ﵇ حكم سعد بن معاذ في بني قريظة (٥).
стр. 342
واحتج منكروه بأنه لم ينقل اجتهادهم في عصره. ولأنهم كانوا يفزعون في الحوادث إليه.
والجواب عن الأول: لعله لم ينقل لقلته. وعن الثاني: أنه خبر واحد فلا يعمل به في مسألة علمية.
الرابعة للاجتهاد شروط:
منها: أن يكون عالما بالاستدلال بالأدلة الشرعية على الأحكام، ومنها في الكتاب: خمسمئة آية، ولا يلزم حفظها. ويندرج فيه معرفة العام والخاص والسبب وظاهر اللفظ وقرائنه ومعناه ومقتضاه لغة وشرعا وعرفا وتقدمه وتأخره.
ومنها: العلم بمواقع الإجماع، لئلا يفتي بخلافه.
ومنها: العلم بأنا مكلفون بالتمسك بالقراءة الأصلية ما لم يصرفها صارف.
ومنها: معرفة شرائط الحد والبرهان. ومعرفة اللغة والنحو والتصريف. وهذا مقدم.
ومنها: معرفة الناسخ والمنسوخ والجرح والتعديل وأحوال الرجال.
وهذا مؤخر. ثم لما عز ذلك في زماننا اكتفي بتعديل الأئمة الذين اتفق الناس على عدالتهم، كالبخاري ومسلم وأمثالهما.
стр. 343
الخامسة: الحق جواز الاجتهاد في فن دون فن، ومسألة دون مسألة. خلافا لقوم (١)؛ لأن من عرف ما ورد في الفرائض وأصولها تمكن من الاجتهاد فيها.
السادسة: المجتهد فيه: حكم شرعي لا قاطع فيه. وقال أبو الحسين (٢): هو ما اختلف فيه المجتهدون من الأحكام الشرعية. وهو دور.
السابعة: ذهب الجاحظ (٣) والعنبري (٤) إلى أن كل مجتهد في الأصول مصيب، بمعنى رفع الأثم والخروج عن العهدة. لا بمعنى مطابقة الاعتقاد.
وأنكره الباقون، لوجهين:
الأول: أنه تعالى مكن العقلاء من العلم بهذه المطالب بما وضعه من الأدلة القاطعة عليها فلا يخرجون عن العهدة إلا بالعلم.
стр. 344
الثاني: أنا نقطع بأنه ﵇ ذم الكفار على إصرارهم على عقائدهم وقاتلهم عليها، مع القطع بأن العارف المعاند فيهم نادر.
فإن قيل: ماذكرتم باطل باختلاف الخلق في الأديان والعقائد. وقتلهم إنما كان لإصرارهم على ترك التعلم بعد مبالغته ﵇ في الإرشاد إلى الحق، لا لجهلهم بالحق. على أنا نعلم أن النبي ﵇ كان يحكم بإسلام من لم يعلم هذه الأدلة والجواب عن شبهات الفلاسفة. ولأن الله تعالى لا يليق بسعة رحمته وكرمه تعذيب من أفنى عمره بالفكر والاجتهاد.
وجواب الجمهور: ادعاء الإجماع على مذهبهم قبل هذا الخلاف (١).
الثامنة: قال جمهور المتكلمين منا (٢) ومن المعتزلة (٣): كل مجتهد في الأحكام الشرعية مصيب؛ لأنه ليس الله تعالى في الواقعة حكم معين. وقال بعض الفقهاء والمتكلمين: لله في كل واقعة حكم معين، لكن ليس عليه دليل، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر لاجتهاده (٤). وقال كافة
стр. 345
الفقهاء: عليه دليل ظني، لكن لا تكليف بإصابته لخفائه، فالمخطئ يعذر ويؤجر (١). وقيل: يكلف بطلبه، فإن ظن غيره عمل بظنه، وإلا أثم (٢). وقيل: عليه دليل قاطع، فيجب عليه طلبه، فإن أخطأ أثم عند المريسي وحده. وينقض القضاء به عند الأصم وحده (٣).
والمختار أن الله تعالى في الواقعة حكما معينا عليه دليل ظني، والمخطئ معذور، ولا ينتقض قضاؤه، لوجهين:
الأول: أن أحد المجتهدين إذا اعتقد رجحان أمارته في نفس الأمر على أمارة خصمه كان اعتقادهما، أو اعتقاد أحدهما خطأ، فيلزم أن كل مجتهد ليس بمصيب بمعنى عدم المطابقة. ولأن الاعتقاد لغير المطابق جهل، وأنه غير مأمور به، فلا يكون إتيانا بالمأمور.
الثاني: لابد للمجتهد من طريق؛ لأن الحكم بالتشهي باطل، فذلك الطريق إن تعين أو ترجح فذاك. وإن وقع تعارض بخبر أو أسقط وطلب غيرهما، فيتعين الحكم على كل تقدير، فمخالفه مخطئ.
فإن قلت: إنما يجب العمل بالراجح لو علمه وعلم رجحانه. وقد يعتقد المجتهد رجحان المرجوح. قلت: مقدار الرجحان ممكن. وإلا لما كلف به.
стр. 346
واستدل من قال أنه لا حكم في الواقعة: أنه لو كان فإما أن يكون عليه دليل، وهو باطل، إذ الحكم بغيره حكم بغير ما أنزل الله، فيكون كفرا أو فسقا، للآية. ومستحقا للعقاب، لتركه المأمور به وإن لم يكن فباطل أيضا؛ لأنه تكليف بما لا يطاق. ولأن المجتهد مأمور بالعمل بغلبة ظنه إجماعا، فيكون كل مجتهد مصيب لإتيانه بالمأمور.
التاسعة: من قال لا حكم في الواقعة، اختلفوا في الأشبه بمعنى أنه وجد ما لو حكم الله بحكم لما حكم إلا به (١)؛ لأن المجتهد طالب، وليس مطلوبه معينا في الواقع، فيكون معينا تقديرا. ولأنه ﵇ قال: «إذا أخطأ المجتهد فله أجر» (٢). ولا حكم واقع بخطئه، فيكون مقدرا.
وجوابه: ما لم يتم عليه دلالة أو أمارة، ولم ينص عليه امتنع كونه مخطئا.
* *
العاشرة: من قال المصيب واحد قال: تصويب الكل يؤدي إلى نزاع لا ينقطع، كما إذا قال المجتهد لزوجته المجتهدة: "أنت بائن". ثم راجعها وأدى اجتهاده جواز الرجعة بالكنايات دون المرأة، فله وطؤها، ولها الامتناع.
стр. 347
قال المصوبون (١): إن المحققين منكم ساعدوا على أن المجتهد يجب عليه العمل بظنه الخطأ. ويعود المحذور. قلنا: الحادثة إذا نزلت بمجتهد أو مقلد مختصة به عمل باجتهاده، أو بفتوى المقلد. فإن استوت عنده الأمارات أو المفتون في العلم والورع تخير. وإن تعلقت بغيره، فإن جرى فيه الصلح، كالمال اصطلحا، أو رجعا إلى حاكم أو حكم. وإن لم يجز فيه الصلح رجعا إلى من يفصل بينهما.
الحادية عشرة: إذا أدى اجتهاده إلى أن الخلع فسخ فنكح من خالعها ثلاثا. ثم تغير اجتهاده قبل حكم الحاكم بالصحة، لزمه تسريحها. وبعد الحكم يستمر. وإذا تغير حكم المقلد وجب على المقلد التسريح. بخلاف القضاء، فإنه مقرر. وإنما ينقض القضاء إذا خالف دليلا قاطعا. والله أعلم.
стр. 348
الكلام في المفتي والمستفتي
القسم الأول: في المفتي
مسألة: إذا أفتى المجتهد مرة ثم سئل عنها مرة أخرى فإن ذكر طريق اجتهاده أفتى، وإلا استأنف الاجتهاد وأفتى وإن خالف الأول. ولقائل أن يقول: لما ظن أن الطريق الأول كان قويا لم يجب الاستئناف؛ لأن العمل بالظن واجب.
مسألة: إذا حكي عن الميت فتوى لم يجز العمل بها، إذ لا قول للميت، لانعقاد الإجماع مع خلافه. وإنما صدقنا كتب الفقه لاستفادة طرق الاجتهاد ومعرفة المتفق والمختلف منها.
وقيل: إذا روى ثقة فاهم عن مجتهد عالم ثقة حصل للعامي ظن أن حكم الله ما حكاه، والعمل بالظن واجب (١). وأيضا: انعقد الإجماع في زماننا على ذلك.
وإن حكى عن حي أو سمع منه جاز العمل به ولغيره بقوله، إذ رجع علي إلى حكاية المقداد عن النبي ﷺ في شأن المذي (٢). وإن رواه عن كتاب
стр. 349
موثوق بصحته جاز، وإلا فلا. والله أعلم.
القسم الثاني: في المستفتى
مسألة: يجوز للعامي تقليد المجتهد في فروع الشرع. خلافا لمعتزلة بغداد (١). وجوز الجبائي في مسائل الاجتهاد (٢).
• لنا: الإجماع قبل حدوث المخالف. ولأن العامي إذا حدثت له حادثة، فإن أوجبتم عليه الاستدلال بالبراءة الأصلية فهو باطل إجماعا. أو بالأدلة السمعية وهو باطل إيضا؛ لأنه إن لزمه حال بلوغه منعه عن معاشه، وهو حرج. وإن لزمه حال حدوث الواقعة يلزم أن يكتسب صفة الاجتهاد عند حدوثها، وذلك غير مقدور له.
ولا يقال: معرفة ذلك يمنعه عن المعاش، فيجوز له التقليد في الأصول؛ لأن أدلتها أغمض، وهو باطل؛ لأنا نقول: الواجب على المكلف معرفة أدلة التوحيد والنبوة إجمالا، كالاستدلال بالحوادث على الصانع وأنها سهلة. وفي الفروع يحتاج إلى علوم كثيرة. ولا فرق بين المباحث الإجمالية والتفصيلية؛ لأن المستدل إن علم جميع مقدمات الدليل حصل له العلم النظري. وإن قلد في بعضها كان مقلدا في النتيجة.
стр. 350
احتجوا بوجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف].
الثاني: قوله ﵇: «اجتهدوا فكل ميسر لما خلق» (١).
الثالث: أن جواز التقليد يقتضي جواز تقليد من يمنع منه، فيفضي ثبوته إلى نفيه.
الرابع: القياس على الأصول.
وجواب الأسئلة: النقض بكل عمل مظنون، كخبر الواحد والأروش والقيم. وعن القياس: الفرق المذكور.
مسألة: الاستفتاء لا يجوز إلا ممن يغلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد والورع، بأن يراه منتصبا للفتوى. فإن اختلف مفتيان في مسألة، قيل: يجب الاجتهاد في أعلمهم وأورعهم (٢). وقيل: لا يجب؛ لأن العلماء لم ينكروا على العوام تركه (٣). ثم إذا غلب على ظنه استواؤهم مطلقا، قيل: يسقط
стр. 351
التكليف، للتخير. وقيل: لا يقع، كاستواء أمارتي الحل والحرمة. وإن ظن الرجحان عمل به. وإن تساويا في ظنه بالعلم وتفاضلا في الدين وجب تقليد الأدين. وإن ظن بالعكس قلد الأعلم. وقيل: يتخير (١). وإن ظن أحدهما أدين والآخر أعلم، فالأقرب تقليد الأعلم، إذ الحكم مستفاد من علمه. وقيل: بالعكس (٢).
مسألة: للعالم الذي ليس بمجتهد التقليد. وليس للمجتهد تقليد من يخالفه إذا اجتهد وفاقا. وكذا إن لم يجتهد عند أكثر أصحابنا (٣). وجوزه أحمد (٤) وابن راهويه وسفيان مطلقا (٥). وقيل: يجوز لغير الصحابي تقليد الصحابي (٦). وقيل: يجوز للعالم تقليد الأعلم (٧). وقيل: يجوز فيما يخصه
стр. 352
دون ما يفتي به (١). وقيل: فيما يخصه إن فاته الوقت لو اشتغل بالاجتهاد (٢).
* لنا وجهان: الأول: عموم قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢]. الثاني: القياس على الأصول.
فإن قلت: المطلوب في الفروع الظن، وفي الأصول اليقين، فافترقا. ثم ينتقض بقضاء القاضي، فإنه لا يجوز خلافه. قلت: المطلوب الظن القوي، وهو قادر عليه. وأما قضاء القاضي، فإنه لما ثبت بالدليل حرمة مخالفته كان العمل به عملا بالدليل.
احتجوا بوجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿فسئلوا أهل الذكر﴾ [الأنبياء: ٧]. وقوله: ﴿وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩].
الثاني: بايع عبد الرحمن بن عوف لعثمان على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، فقبل. وعلي لم ينكر جوازه، لكن لم يقبل (٣).
الثالث: القياس على العامي، وعلى قبول خبر الواحد.
والجواب عن الآية الأولى: أنها تقتضي السؤال، ولا يجب إجماعا.
стр. 353
وعن الثانية: أنها محمولة على الطاعة في الأقضية؛ لأن الطاعة في الحكم لا تجب. وعن الأثر: المراد طريقتهما في العدل والإنصاف. وأما القياس: فالعامي عاجز. وتمسك المجتهد ابتداء بخبر الواحد أقل احتمالا.
مسألة: لا يجوز التقليد في أصول الدين (١). خلافا لكثير من الفقهاء (٢).
• لنا: أن تحصيل العلم فيها واجب على الرسول، لقوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩]، فيجب علينا لقوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٣).
فإن قيل: لا نسلم إيجاب العلم بالله لما تقدم في الأوامر. ثم هو معارض بأنه ﵇ كان يحكم بإسلام من تلفظ بكلمتي الشهادة من غير سؤال عن حدث العالم وقدم الباري تعالى. وفي المسألة أبحاث مذكورة في علم الكلام.
والجواب: أن القرآن ورد بذم التقليد مطلقا. خالفناه في الفروع لما سبق، فيبقى في الأصول.
стр. 354
الكلام فيما اختلف فيه من أدلة الشرع
وفيه مسائل:
الأولى: الأصل في المنافع الحل. وفي المضار الحرمة.
أما الأول، فلوجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ [البقرة: ٢٩]. و «اللام» للاختصاص بجهة الانتفاع لعمومه، كقولهم: "الجل للفرس".
فإن قلت: إنه يستعمل في غير المنافع، لقوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧]. ثم يمنع العموم على أنه خطاب مشافهة. ثم نعارضه بقوله تعالى: ﴿لله ما في السموات والأرض﴾ [النور: ٦٤].
الجواب: أنا إذا جعلناه حقيقة في الاختصاص النافع أمكن جعله مجازا في غيره. ولا ينعكس. وعن الثاني: التقييد على خلاف الأصل. وعن الثالث: يبطل بسائر الخطابات.
الثاني: قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله﴾ [الأعراف: ٣٢]. أنكر على من حرم.
الثالث: أنه انتفاع لا ضرر فيه على الله تعالى قطعا؛ لأنه المالك.
стр. 355
ولا على المنتفع ظاهرا فيباح، كالاستظلال بحائط الغير.
وأما الثاني، فلقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) (١). والضرر: تألم القلب، يقال: أضر به إذا شتمه، أو ضربه، أو فوت منفعته؛ لأنه معنى عام في موارد الاستعمال.
فإن قلت: من هدم دار غيره ولا يعلم، أضر به ولا ألم، لعدم الشعور. ولأن عبادة الأصنام لا تضر الكافر، للآية. وتؤلم قلبه بالعقاب يوم القيامة. ثم تفويت المنفعة مشترك أيضا.
قلت: أما الأول، فإن النفع: هو اللذة أو الوسيلة إليها. والضرر: الألم أو الوسيلة إليه. فيكون قد فعل ما لو علم لتضرر به. وأما الثاني: فالمراد نفي المضرة في الدنيا. وأما الثالث: فلأن البائع فوت على نفسه الانتفاع بالمبيع. ولا يسمى ضررا.
الثانية: استصحاب الحال حجة. خلافا للحنفية (٢) والمتكلمين (٣). لنا: أن العلم بتحقق أمر في الحال يقتضي ظن بقائه؛ لأن الحادث