سخطة من الوالي، ويعذبهم في غرم يغرمهم انتقاما لله تعالى منهم، فيلجئوا في ذلك إلى بيع أمتعتهم، فذلك ماض عليهم، سائغ لمن ابتاعه منهم، بمنزلة ما باعه المضغوط في الحق الذي يلزمه، أو في الدين الذي ثبت عليه، لأن أغرامهم ذلك كان من الحق وأن يرد ذلك لأربابه، فإن احتبس الوالي ذلك لنفسه، فإنما هو ظالم لرعيته في ذلك. انتهى (١).
[شروط الجواز]
قوله: (ومنع بيع مسلم، ومصحف، وصغير لكافر) أي ومنع ابتداء بيع مسلم لكافر، سواء مسلما حقيقة أو حكما كالمجوسي، لأنه يجبر على الإسلام، إذ لا يجوز أن يملك الكافر المسلم يمنع وإن كان البائع كافرا، وكذلك يمنع بيع مصحف لكافر، لما فيه من إهانة القرآن، ولتعرضه للنجاسة، وكذلك يمنع بيع صغير كتابي لكافر، لأنه يجبر على الإسلام، وكذلك لا يباع لكافر آلة الحرب، والدار لتتخذ كنيسة، والعنب يعصر خمرا، أو خشبا يعمل منه ناقوسا.
وقوله: ومنع بيع مسلم مفهومه أن الهبة والصدقة لا تمنع والمفهوم صحيح، ولكن يخرج ذلك عن ملك الكافر.
قوله: (وأجبر على إخراجه بعتق أو هبة ولو لولدها الصغير على الأرجح) أي فإن وقع البيع على مسلم أو مصحف أو على صغير كتابي لكافر، فإنه يجبر على إخراجه بعتق أو هبة أو صدقة، ولو الهبة لولده المسلم، لأن الكفر يمنع الاعتصار على ما اختاره ابن يونس.
قوله: (لا بكتابة ورهن وأتى برهن ثقة، إن علم مرتهنه بإسلامه، ولم يعين) أي ولا تكون الكتابة إخراجا من يده، لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وكذلك رهنية لا تكون إخراجا من يده، لأن الرهن ملك لربه بل يخرج من يده ويأتي برهن ثقة للدين بشرط إن علم مرتهنه حين قبضه بإسلام العبد الرهن وإن لم يعين الرهن حين الارتهان.
قوله: (وإلا عجل) أي وإن لم يكن الأمر كذلك بل المرتهن لا يعلم إسلام العبد حين الرهنية أو عين فإن الحق يعجل.
стр. 1017
قوله: (كمثقه) أي تشبيه لإفادة الحكم أي كما يعجل الحق إذا أعتق الكافر العبد المسلم الرهن. انتهى.
وقال المواق: قال ابن عرفة المذهب بيع عبد الكافر يسلم عليه قالوا: وله العتق وهذا واضح دليله في المدونة. انتهى (١).
وهذا هو الفرع المذكور في هذا الموضع، وأما عتق الرهن فليس ها هنا موضع ذكره وقد نص عليه هو بقوله: ومضى عتق الموسر. انتهى من التاج والإكليل (٢).
قوله: (وجاز رده عليه بعيب) أي وجاز رد العبد المسلم على البائع الكافر لأجل عيب ظهر فيه بناء على أن الرد بالعيب نقض بيع لابتداء، وعلى القول بأنه ابتداء بيع لا يجوز رده عليه بل يرجع بقيمة العيب.
قوله: (وفي خيار مشتر مسلم يمهل لانقضائه) أي وإن أسلم العبد في أيام الخيار لمشتر مسلم يمهل إلى انقضاء أمد الخيار لمشتر فإن اختاره فلا كلام وإن رده بيع على الكافر.
قوله: (ويستعجل الكافر) أي وإن أسلم العبد في أيام خيار لكافر فلا يمهل بل يستعجل باستعمال ما عنده من رد أو إمضاء ولم يمهله إلى مدة الخيار لئلا يدوم ملك الكافر على المسلم.
قوله: (كبيعه إن أسلم) تشبيه لإفادة الحكم والجامع بينهما الاستعجال.
المعنى: كما يعجل بيع عبد الكافر إذا أسلم (وبعدت غيبة سيده)، وأما إن قربت غيبته، فلا يستعجل بيعه حتى يعرف حاله لعله أسلم قبله أو الآن.
قوله: (وفي البائع يمنع من الإمضاء) أي وإن أسلم العبد الكافر في أيام خيار البائع المسلم، فإنه يمنع من إمضاء البيع بناء على أن بيع الخيار منحل.
قوله: (وفي جواز بيع من أسلم بخيار تردد) أي وفي جواز بيع عبد أسلم في يد كافر بخيار، وعدم جوازه فيه تردد لعدم النص، والمتردد هنا هو الإمام المازري وحده لا مع غيره لأنه تحير فيه المازري، لأنه إن منع فهو تضييق على الذمي، وإن أجيز ففيه بقاء المسلم بيد كافر مدة، ولذلك تحير فيه الإمام المازري. انتهى.
قوله: (وهل منع الصغير إذا لم يكن على دين مشتريه أو مطلق) أي وهل منع بيع
стр. 1018
الصغير المتقدم ذكره، هو إذا لم يكن على دين مشتريه، وأما إذا كان على دينه فلا يمنع، (إن لم يكن معه أبوه)، أو يمنع مطلقا كان على دين مشتريه أم لا إن لم يكن معه أي أبوه، وأما إن كان معه أبوه يكون هو تبعا فيه (تأويلان) على المدونة.
قوله: (وجبره تهديد، وضرب) أي وجبر الكافر الذي يجبر على الإسلام من حيث هو تهديد وضرب لا ضرب قتل.
غفل الشارحان هنا وابن عبد الكريم ﵏.
قوله: (وله شراء بالغ على دينه) أي وللكافر شراء بالغ تدين بدينه (إن أقام به) في دار الإسلام ليؤمن كونه جاسوسا، وأما إن أراد أن يخرج به لدار الحرب، فإنه يمنع من شرائه لما يخشى من اطلاع الكفرة على عورات المسلمين.
قوله: (لا غيره على المختار) أي لا غير من كان على دينه، فلا يترك نصراني يشتري يهوديا، أو يهودي يشتري نصرانيا، لما بينهما من العداوة على ما اختاره اللخمي، واختلف في الكتابي يشتري مجوسيا، أو من ليس من أهل الكتاب على ثلاثة أقوال: حكى المازري وغيره الجواز مطلقا وهو ظاهر المدونة، لقوله فيها: ما علمته حراما وغيره أحسن. والمنع مطلقا وعزاه المازري لابن عبد الحكم. والثالث في العتبية: الفرق الجواز في الكبار دون الصغار. انتهى في الشارح الكبير.
وقوله: (والصغير على الأرجح).
قال ابن غازي: ظاهر اللفظ عطفه على قوله: لا غيره ولم أر لابن يونس فيه ترجيحا، حيث مظنته في كتاب التجارة لأرض الحرب. انتهى (١).
[شروط المشتري]
قوله: (وشرط للمعقود عليه: طهارة) لما فرغ تحلله من الصيغة ومن العاقد، شرع يذكر المعقود عليه وهو الكثير في الباب، فقال: وشرط للمعقود عليه طهارة كان ثمنا أو مثمونا، فلذلك (لا) يجوز بيع نجس (كربل) وأحرى العذرة.
قوله: (وزيت تنجس) أي وكذلك لا يجوز بيع زيت تنجس على المشهور، لأنه لا يقبل التطهير، وقيل يجوز بيعه إذا بين أنه يقبل التطهير.
ابن غازي: خرج به نحو ثوب تنجس مما نجاسته عارضة وزوالها ممكن،
стр. 1019
ويجب تبيينها إن كان الغسل يفسده. انتهى (١).
قوله: (وانتفاع) أي ومن شرط المعقود عليه انتفاع به، فلا يصح بيع مالا منفعة فيه، لأنه من أكل المال بالباطل، بل لا يصلح تملكه، وما في معناه ما كانت فيه منفعة، إلا أنها كانت محرمة، إذ لا فرق بين المعدوم حسا والممنوع شرعا. قاله في الجواهر. انتهى (٢).
وقال المواق في التاج: وكل ما جاز اللعب به جاز بيعه.
البرزلي: وعلى هذا الآلات التي يلعب بها الصبيان.
قال شيخنا الغبريني: يشترى للأيتام الدوريات والزرابط ونحوها.
وقال ابن القاسم: للوصي أن يشتري لمحجوره بعض ما يلهو به. انتهى (٣).
قال ابن شاس في الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة: وأما من تنوعت منافعه إلى محللة ومحرمة، فإن كانت المنافع المقصودة من العين في أحد النوعين خاصة، كان الاعتبار بها والحكم تابع لها فاعتبر نوعها، وصار الآخر كالمعدوم.
وإن توزعت في النوعين لم يصح البيع، لأن ما يقابل ما حرم منها من أكل المال بالباطل، وما سواه من بقية الثمن يصير مجهولا.
وهذا التعليل يطرد في كون المحرم منفعة واحدة مقصودة، كما يطرد في كون المنافع بأسرها محرمة.
وهذا النوع وإن امتنع بيعه لما ذكرناه من الوجهين، فملكه صحيح لينتفع مالكه بما فيه من منفعة مباحة.
فرع: لو تحقق وجود منفعة محرمة، ووقع الالتباس في كونها مقصودة، فمن الأصحاب من يقف في حكم جواز البيع، ومنهم من يكره ولا يمنع ولا يحرم.
ويكفي من أمثلة هذا الأصل على اتساعها، مسألة بيع كلب الصيد، فإذا بني الخلاف فيها على هذا الأصل، قيل في الكلب من المنافع كذا وكذا وعددت جملة منافعه، ثم نظر فيها.
فمن رأى أن جملتها محرمة منع، ومن رأى أن جميعها محلل أجاز.
стр. 1020
ومن رأى ها متنوعة نظر: هل المقصود المحلل أو المحرم، ثم جعل الحكم للمقصود.
ثم إذا تقرر اشتراط المنفعة، فيكفي مجرد وجودها وإن قلت، ولا يشترط كثرة القيمة فيها، ولا عزة الوجود، بل يصح بيع الماء والتراب والحجارة، لتحقق المنفعة وإن كثر وجودها وقلت قيمتها. انتهى (١).
قوله: (لا كمحرم أشرف) أي ولا يجوز بيع حيوان محرم الأكل إذا أشرف على الموت، مفهومه أن غير المحرم المشرف يجوز، ومفهومه أن المحرم غير المشرف يجوز والمفهومان صحيحان.
قوله: (وعدم نهي) أي ومن شروط المعقود عليه أن يكون غير منهي عنه، فلذلك لا يجوز بيع كلب صيد أو زرع أو ماشية، اقتصر المصنف فيه على القول بالمنع فمثل به وإن كان مأذونا فيه، لأن غير المأذون فيه أحرى بالمنع، وهو في غاية الحسن، لأن فيه نهي نوعي فلا يرفعه بالكلي الإذن الوصفي، وقد دخل غيره من باب أحرى، ولو حذف المصنف قيد الصيد، لأوهم قصر الحكم على المنهي عنه، والمقصود بخلافه، فقصد الوجه المشكل لله دره.
عبارة عياض: المراد بالكلب كلب الماشية الذي يسرح معها، وبكلب الزرع الذي يحفظه من الوحش بالليل أو بالنهار لا من السارق. انتهى (٢).
إنما منع بيع كلب الصيد ونحوه صونا، لمكارم الأخلاق عن الفاسد. انتهى.
وفي القلشاني: قال مالك: يقتل ما يؤذي من الكلاب، وما يكون موضع لا ينبغي (٣) اتخاذها فيه مثل الفسطاط (٤).
قيل: فأهل الريف يتخذونها في دورهم مخافة اللصوص على دوابهم، والمسافر يتخذ كلبه يحرسه.
قال: لا أدري ذلك ولا يعجبني، إنما الحديث في الزرع، ولا بأس باتخاذه للمواشي كلها، ولكن بغير شراء. انتهى.
стр. 1021
فقاعدة ما يجوز بيعه ما اجتمع فيه شروط خمسة، وقاعدة ما لا يجوز بيعه ما فقد فيه أحد هذه الشروط.
فالشروط الخمسة هي الفرق بينهما وهي الطهارة، وأن يكون مقدورا على تسليمه حذرا من الطير في الهواء والسمك في الماء، وأن يكون منتفعا به بحج، ليصح مقابلة الثمن به، وأن يكون معلوما للمتعاقدين، وأن يكون الثمن والمثمون ملكا لهما أو وكيل منهما.
وقوله: (لا ككلب صيد) أدخل بالكاف الفهود ونحوها، ولو قال المصنف: لا كلب كصيد ليدخل كلب رعي الزرع والماشية وفي قتله خلاف.
قوله: (وجازهر وسبع للجلد) أي وجاز بيع هر لأنه ينتفع به، وكذلك يجوز بيع سبع لأجل جلده، وكذلك كل ما تعمل فيه الذكاة في جلده، ويؤخذ منه جواز بيع الجلد قبل السلخ.
قوله: (وحامل مقرب) أي وجاز بيع حامل مقرب الوضع، لأن الغالب سلامتها.
قال ابن غازي: إدراجه في شرط المعقود عليه يفيد أن الحامل هنا معقود عليها لا عاقدة (١).
قوله: (وقدرة عليه، لا كابق، وإبل أهملت) أي ومن شرط المعقود عليه أن يكون مقدورا عليه، فلذلك لا يجوز بيع عبد آبق إذ لا يقدر عليه، ولا يدرى أحي أم ميت، وعلى تقدير حياته أصحيح أم سقيم أم سليم سالم أم معيب، وكذلك لا يجوز بيع البعير الشارد مثلا، وكذلك بيع إبل أهملت في المرعى إذ لا يقدر عليها إلا أن تمسك.
قوله: (ومغضوب إلا من غاصبه) أي فلا يجوز بيع شيء مغصوب، لأن ربه لا يقدر عليه، إلا إذا كان البيع فيه لغاصبه، فإن بيعه منه يجوز إذا عزم على الرد أو أقر وهو حيث تجري عليه الأحكام.
وإن أشكل أمره، هل هو عازم على الرد أم لا؟ ففي بيعه له قولان، وإن لم يعزم على الرد فلا يجوز بيعه له.
قوله: (وهل إن رد لربه مدة؟ تردد) أي وهل يجوز بيع المغصوب للغاصب مطلقا، وهو ظاهر المدونة الجواز مطلقا وهو الذي يظهر فيما يأتي في باب الغصب،
стр. 1022
أو إنما يجوز إذا رده لربه مدة يخرج بها من معنى مدة الإكراه فيه تردد من الأشياخ في فهم النقل.
وقوله: (وللغاصب نقض ما باعه إن ورثه) أي ويجوز للغاصب نقض البيع فيما باعه من المغصوب إن ورثه لأن من مات عن حق فلورثته.
قوله: واستشكل (لا اشتراه) أي فإن اشترى المغصوب من ربه، ليس له نقض البيع فيه إذا اشتراه، لأنه تحلل صنفه واستشكل.
قوله: (ووقف مرهون على رضا مرتهنه) أي ووقف بيع مرهون قبل فكاكه على رضى مرتهنه، فإن أمضاه مضى وإلا رد، (و) كذلك يوقف بيع (ملك غيره على رضاه)، فإن أمضاه المالك مضى، (ولو علم المشتري) بتعديه بالبيع.
وقيل: إن علم بالتعدية فالبيع فاسد لا يوقف، وقد يلحق الضرر للمبتاع في وقف المبيع إذا بعدت غيبة المالك، ويسمى هذا البيع بيع الفضولي.
قوله: (والعبد الجاني على رضا مستحقها. وحلف إن ادعي عليه الرضا بالبيع. ثم للمستحق رده) أي وكذلك يوقف البيع في العبد الجاني إذا باعه سيده على رضى مستحق الجناية، ويحلف سيده إن ادعي عليه الرضا بدفع الأرش بالبيع، فإن نكل غرم الأرش، فإن حلف أنه ما قصد بالبيع تحمل الجناية، كان لمستحق الجناية رد البيع (إن لم يدفع له السيد أو المبتاع الأرش).
وقوله: (وله أخذ ثمنه ورجع المبتاع به أو بثمنه) أي وللمستحق للجناية أخذ ثمن العمد من المبتاع، ويرجع المبتاع على السيد بإرش الجناية، إن كان أقل من الثمن لأنه هو الذي دفع عنه، أو يرجع بالثمن (إن كان أقل)، لأنه هو الذي خرج من يده.
والحاصل: يرجع على السيد بأقل من الأرش ومن الثمن.
ابن غازي: لو قال الشيخ: ثم للمستحق رده أو أخذ ثمنه إن لم يدفع له السيد أو المبتاع الأرش لكان أولى (١).
قوله: (وللمشتري رده) أي والمشتري العبد الجاني الرد بعيب الجناية (إن تعمدها)، إن لم يعلم بها حين اشتراه لأنها عيب.
قوله: (ورد البيع في الأضربنه) ضربا (ما يجوز، ورد لملكه) أي ورد العبد في حلفه بحريته ليضربنه ضربا يجوز له، ثم باعه قبل أن يضربه، فإن البيع فيه ينتقض، ويرد
стр. 1023
العبد إلى ملكه. قاله في المدونة.
قال ابن دينار: لا يرد إلى ملكه بل يعتق، لا يقال أن هذه المسألة ليس هذا موضعها بل هو موضعها، لأنه لما حلف بحريته ليضربنه ضربا يجوز صار غير مقدور عليه، وإن مات قبل أن يضربه عتق من ثلثه. انتهى.
وأما إن حلف ليضربنه ضربا لا يجوز، فإنه لا يمكن من ذلك لأنه معصية وعتق عليه. قاله في المدونة. انتهى من الشارح الكبير (١).
قوله: (وجاز بيع عمود عليه بناء للبائع، إن انتفت الإضاعة وأمن كسره ونقضه البائع)
أي ويجوز بيع عمود عليه بناء للبائع أو غيره بشروط هي:
أن ينتفي فيه إضاعة المال، بأن يكون البناء الذي عليه خفيفا، أو يحتاج إلى النقض، أو ضوعف فيه الثمن.
والشرط الثاني: أن يؤمن كسر العمود عند إزالته، وإلا فلا يجوز فيه الثمن لأنه غرر، واشترط حيث جاز بيعه وخلعه على البائع حتى ينقضه (٢) المبتاع.
والعمود يسمى بالمغرب سارية.
فرع: فإن اشترى عمود الزيتونة رجل، واشترى الأغصان آخر واستؤني بقطعها حتى أثمرت، فإن الثمرة لصاحب الفروع وعليه كراء العمود، وعلى صاحب العمود كراء الأرض، وهذا إذا كانا غائبين باتفاق أو حاضرين على اختلاف. انتهى من التاج والإكليل (٣).
قوله: (وهواء فوق هواء) أي وجاز بيع هواء فوق هواء، وكذلك هواء تحت هواء (إن وصف البناء) فيهما العلوي والسفلي، والهواء ممدود ويجمع على الأهوية، وهوى النفس مقصور ويجمع على أهواء.
قوله: (وغرز جذع في حائط، وهو مضمون إلا أن يذكر مدة، فإجارة تنفسخ بالهدامه)
أي وجاز بيع موضع غرز جذع وهو مضمون في ذمة البائع متى أنهدم، فإنه يعيده إلا أن يذكر مدة معلومة، فيكون العقد عقد إجارة فتنفسخ بانهدام الحائط.
والجذع بكسر الجيم وسكون الدال المعجم.
стр. 1024
قوله: (وعدم حرمة) أي وهذا من شروط المعقود عليه وهو مستغنى عنه بقوله: وعدم نهي والمحرم منهي عنه، لعله كرره ليرتب عليه ما بعده من قوله: (ولو لبعضه) أي ومن شروط المعقود عليه ثمنا كان أو مثمونا عدم الحرمة ولو الحرمة ببعضه، لأن الصفقة إذا جمعت حلالا وحراما فسد العقد، خلافا لابن القصار فإنه قال: يصح منه ما كان حلالا ويفسد منه ما كان حراما.
قوله: (وجهل بمثمون أو ثمن) أي ويشترط في الثمن والمثمون عدم الجهل، فلا يصح البيع إلا إذا علم المتعاقدان معا الثمن والمثمون، وإلا فسد، فمتى حصل الجهل فيهما، أو في أحدهما عند أحد المتعاقدين فسد البيع.
قال القرافي في أنوار البروق وأصل الغرر هو الذي لا يدرى هل يحصل أم لا؟ كالطير في الهواء والسمك في الماء.
وأما ما علم حصوله وجهلت صفته فهو المجهول كبيعه ما في كمه فهو يحصل قطعا، ولكن لا يدرى أي شيء هو (١).
القاعدة أن كل تصرف لا يترتب عليه مقصوده لا يشرع (٢)، ولذلك لا يجوز في البيع الجهل بالثمن والمثمون.
وقوله: (ولو تفصيلا، كعبدي رجلين بكذا فأحرى جملة أي ولو كان الجهل في ذلك في التفصيل وأحرى جملة، كزنة بحجر مجهول، ومثل الشيخ أي للتفصيل فقال: كعبدي رجلين.
والجهل بالتفصيل كالجهل بالجملة، فلا يشرع عقد البيع مع الجهل ولا الغرر، لأن مقصوده تنمية لما جهل تفصيله دون جملته، وهو أن يشتري عبدي رجلين سلعتيهما في صفقة واحدة، ولم يعين ما لكل واحد منهما مانابه من الثمن، فإن كان ذلك بعد التقويم جاز ويقض الثمن على القيمتين.
قوله: (ورضل من شاة) هذا مثال لما جهلت صفته أي فلا يجوز بيع رطل من شاة قبل سلخها لأنه لحم مغيب، وقد نص في المدونة على عدم الجواز.
قال أشهب: أكرهه فإن جسها وعرفها وشرع في الذبح جاز.
وحكى ابن شعبان قولا بالجواز من غير كراهة، والأول هو المشهور.
стр. 1025
قوله: (وتراب صائغ) أي وكذلك لا يجوز بيع تراب صائغ، إذ لا يدرى هل فيه شيء أم لا؟ وعلى تقديره هل هو قليل؟ أو كثير، هو مثال لما جهل قدره.
قوله: (ورده مشتريه ولو خلصه وله الأجر) أي فإن وقع ذلك البيع في تراب صائغ، فإن مشتريه يرده لربه ولو خلص ما فيه، وللمبتاع أجر تخليصه إياه، لئلا يذهب عمله باطلا.
قوله: (لا معدن ذهب أو فضة) أي لا يمنع بيع تراب معدن ذهب أو فضة فإنه يجوز؛ لأنه حجارة معروفة يمكن حزرها على المشهور، والجواز في معدن الذهب على القول الأقوى، وأما تراب معدن الفضة فيجوز باتفاق.
قوله: (وشاة قبل سلخها) أي ويجوز شراء شاة مذبوحة قبل سلخها قياسا على بيعها وهي حية، ولا تراد إلا للذبح، والفرق بينهما وبين الرطل أن الشاة يضمنها بالعقد المبتاع، ولا يضمن الرطل مشتريه.
قوله: (وحنطة في سنبل وتبن، إن بكيل) أي ويجوز بيع حنطة في سنبل، كان قبل الحصاد أو بعده وقبل الدرس، أو كانت الحنطة في تبن بعد الدرس وقبل التذرية، لأنه يعلم حال الحنطة في السنبل بالسلت وفي التبن بالتذرية، وهذا كله إن كان البيع فيهما بكيل وإلا فلا يجوز، ويغتفر في تأخير القبض فيه نصف شهر، ولا يقال في ذلك معين يتأخر قبضه.
قوله: (وقت جزافا) أي ويجوز بيع الحب جزافا أي في حال كونه مجمعا أو حال كونه جزافا، والقت هو الحزم التي تعمل عند حصاد الزرع أي ويجوز بيع الحب جزافا في حال كونه قتا أي مجمعا.
قوله: (لا منفوشا) أي ولا يجوز بيع الزرع في حال كونه منفوشا أي مفترقا، لقوة الغرر فيه لأنه لا يمكن حزره.
قوله: (وزيت زيتون بوزن) أي ويجوز بيع زيت زيتون قبل عصره، إن كان ذلك بوزن لا بكيل، إلا أن يكون عادتهم فيه الكيل فيجوز.
وهذا كله (إن لم يختلف) خروجه، وأما إن اختلف فلا يجوز، (إلا أن يخير) من جهل ذلك منهما بائعا كان أو مبتاعا.
قوله: (ودقيق حنطة) أي ويجوز بيع دقيق حنطة قبل الطحن وهو في ضمان البائع، ولو لم يقل الشيخ في الحنطة إن لم يختلف خروجه، لأن خروجه متساويا أو
стр. 1026
متقاربا.
قوله: (وصاع، أو كل صاع من صبرة، وإن جهلت) أي ويجوز بيع صاع من صبرة بكذا، أو كل صاع منها بكذا، وإن جهل قدر الصبرة، وأحرى إن علم إذا جاء جزاء الصبرة متساويا، وليس المقصود من الحبوب أعيان آحادها.
قوله: (لآمنها، وأريد البعض) أي فلا يجوز البيع من الصبرة، إن أريد بلفظ من التبعيضية لأن البعض يقل أو يكثر، وأما إن أريد بها بيان الجنس فإنه يجوز.
قوله: (وشاة، واستثناء أربعة أرطال. ولا يأخذ لحم غيرها) أي ويجوز بيع شاة واستثناء أربعة أرطال من لحمها، إذا كانت الأرطال قليلة بالنسبة إلى الشاة، والشاة ليس بشرط، كذلك البعير والبقرة، ولا يجوز استثناء أكثر من أربعة أرطال على المنصوص، واستحب بعضهم أن يزاد على أربعة في البعير والبقرة، فإن استثنى الأرطال الأربعة فلا يأخذ لحم غير المستثنى ذلك منهما، لأنه بيع الطعام قبل قبضه، وبيع لحم بالحيوان.
قوله: (وصبرة) أي ويجوز بيع صبرة ويستثني منها قدر الثلث فأقل لنفسه، وذكر القدر يدل على أنه أراد الكيل لا الجزء.
قوله: (وثمرة، واستثناء قدر ثلث) أي ويجوز بيع الثمر المعلق في رؤوس الشجر، ويستثني منها الثلث فأقل لنفسه، وذكر القدر يدل على أنه ما أراد الكيل في الجزء.
قوله: (وجلد وساقط بسفر فقط) أي ويجوز بيع حيوان واستثناء جلده فقط، وساقط في سفر فقط لا في حضر إذ لا ثمن لذلك في السفر بخلاف الحضر، خلافا لابن يونس، فإنه قال: لا يكره ذلك في حضر ولا في سفر.
قوله: (وجزء مطلقا) أي وجاز بيع صبرة وثمرة وحيوان ويستثني جزء منه مطلقا حضرا أو سفرا، قل الجزء أو كثر، وإن كان الحيوان بيع للذبح.
قوله: (وتولاه المشتري) أي وتولى المشتري المبيع، (ولم يجبر) المشتري (على الذبح فيهما) أي في مسألة الساقط والجزء، (بخلاف) مسألة (الأرطال)، فإنه يجبر على الذبح، لأنه دخل على أن يدفع له اللحم وهو لا يأخذ لحم غيرها، ومسألة الأرطال ليس لنافيها إلا اتباع المتقدمين، وأما من جهة القياس فلا يجوز إذا قلنا المستثنى مبقى، لأن المشتري لا يعلم ما اشترى، وإن قلنا المستثنى مشتري، والبائع اشترى
стр. 1027
لحما مغيبا. انتهى.
وإن قلنا أن المستثنى مبقى يجوز بيعه قبل قبضه، وإن قلنا أنه مشترى لا يجوز بيعه قبل قبضه.
قوله: (وخير في دفع رأس أو قيمتها وهي أعدل، وهل التخيير للبائع أو للمشتري؟ قولان) أي وخير الإمام مالك تخلله في دفع مثل رأس، يريد أو جلد أو قيمتهما وهي أعدل، وهل هذا التخيير للبائع فيأخذ أيهما شاء أو التخيير للمبتاع فيدفع أيهما شاء؟ فيه قولان.
لو أسقط المصنف لفظ دفع لأنه يقتضي أن الخيار إنما كان للمبتاع فقط. انتهى.
وهذه المسألة من المسائل الأربع التي قضى فيها في المدونة بالمثل، وإن كانت من ذوات القيم.
الثانية: إذا وهب لرجلين شاة، لأحدهما اللحم، وللآخر الجلد، فلصاحب اللحم أن يدفع له مثل الجلد، فإن ولدت الشاة، فالولد لصاحب اللحم.
الثالثة من أولد مخدمة فاليدفع مثلها للمخدم.
الرابعة في كتاب الغصب حيث قال: ورفا الثوب مطلقا. انتهى.
انظر أنث الشيخ الرأس هنا، وفي الحج حيث قال: وتجفيفها وإنما يؤنثه العامة.
قوله: (ولو مات ما استثني منه معين ضمن المشتري جلدا وساقطا) أي لأنه لا يجبر على الذبح فيهما.
وقوله: (لا لحما) أي بخلاف الأرطال فإنه لا يضمنها لأنه شريك، وأحرى الجزء فإنه لا يضمنه.
[شروط الجزاف]
قوله: (وجزاف إن ريء ولم يكثر جدا، وجهلاه، وحزرا واستوت أرضه، ولم يعد بلا مشقة، ولم تقصد أفراده، الجيم في جزاف مثلثة أي ويجوز بيع جزاف بشروط سبعة، وأجيز للضرورة، وهو من المستثنيات لأنه مجهول، والمستثنيات في الشرع كثيرة.
فشروط جواز بيع الجزاف أن يكون مرئيا، وأن لا يكون كثيرا جدا بحيث لا يمكن حزره، وأن يكون المتبايعان يجهلان قدره، وأما إن علماه أو علمه أحدهما فلا يجوز بيعه جزافا، وأن يكونا من أهل الحزر والتقدير، ولذلك أسقط الضمير في حزر، وأن يكون استوت أرض الجزاف، فإن كان في حفرة أو مكان علو فلا يجوز،
стр. 1028
وأن يكون العد فيه مشقة، وأما ما لا مشقة في عده فلا يجوز، كالعبيد والثياب مثلا، وأن يكون لم تقصد أفراده كالطعام، إذ لا يتعلق الغرض بقمحة دون قمحة بخلاف الثياب، فإن الغرض يتعلق بثوب دون الآخر، وأما إن كانت أفراده تقصد فلا يجوز، كالإبل والبقر والعبيد.
قوله: (إلا أن يقل ثمنه) أي فلا يجوز بيع ما كانت أفراده تقصد جزافا، إلا أن يكون قليل الثمن، كالبطيخ والبيض والأترج، فيجوز بيعه جزافا، ولو كانت أفراده تقصد.
وقوله: (لا غير مرئي) هو مفهوم قوله: إن ريئ، وقد يكتفي بالمفهوم وقد يصرح به.
قوله: (وإن ملء ظرف) ملء بكسر الميم، مقدار ما يلي الشيء أي ولا يجوز بيع جزاف غير مرئي، وإن كان ملء أظرف، (ولو) ملئ (ثانيا بعد تفريفه)، لأنه قصد الشراء بالمكيال المجهول، (إلا في) مثل (كسلة تين)، فإنه يجوز، لأن السلة بمنزلة المكيال عندهم.
قوله: (وعصافير حية بقفص)، معطوف على قوله: لا غير مرئي أي فلا يجوز بيع عصافير حية في قفص، لأنه لا يمكن حزرها، لأنها يدخل بعضها في بعض. وقوله: حية، مفهومه لو كانت ميتة لجاز، إذ يمكن حزرها، (و) كذلك لا يجوز بيع (حمام) كائن في (برج)، إذ لا يمكن حزرها، لتداخل بعضها في بعض. انتهى.
قال المواق: هذا الفرع مقحم هنا.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: لا بأس ببيع ما في البرج من حمام، أو بيعه بحمامه جزافا.
وسمعه أصبغ وقال: إذا عاينه وأحاط به نظرا أو معرفة. انتهى (١).
مسألة: ذكر ابن فتوح (٢) عن الشيخ أبي الوليد أن البرج إذا بيع ولم يذكر حمامه، أن الحمام للبائع حتى يشترطه المبتاع.
стр. 1029
قال: وهو خلاف ابن العطار.
ذكر أبو الوليد في كتابه الكبير: أن بيع الطير في القفص جزافا وبيع النحل جزافا جائز بالتفاق، لعدم القدرة على عدها (١)، وبيع الحمام في الأبراج جزافا فيه قولان الجواز والمنع وعند قوله: كان حمامه للمبتاع، فرق الشيخ أبو الوليد بين النحل والحمام، فجعل النحل للمبتاع، والحمام للبائع. انتهى من الفيدة.
قوله: (وثياب) أي ولا يجوز بيع ثياب جزافا، وهذا مفهوم قوله: ولم تقصد أفراده، إذ الثياب لا مشقة في عدها، وهي تقصد أفرادها.
قوله: (ونقد، إن سك) أي ولا يجوز بيع أحد النقدين ذهبا كان أو فضة، إذا كان مسكوكا، (و) الحال أن (التعامل) فيه بالعدد، وإلا جاز أي وإن لم يكن مسكوكا أو كان مسكوكا، والتعامل فيه بالوزن جاز بيعه جزافا.
قوله: (فإن علم أحدهما بعلم الآخر بقدره خير أي وإن علم أحد المتبايعين بعلم الآخر بقدر الجزاف، خير في إمضاء البيع أو رده، (وإن أعلمه أولا) قبل العقد بقدره (فسد) البيع فيه.
قوله: (كالمغنية) تشبيه لإفادة الحكم أي وإن أعلمه بعد العقد أنها مغنية، خير في إمساكها أو ردها، وإن أعلمه أولا قبل العقد أنها مغنية، فإن البيع فيها يفسد، وينبغي أن يقيد هذا بما إذا بينه له على وجه المدح ليزيد في الثمن، وأما إن بينه على أنه عيب فلا يفسد.
قوله: (وجزاف حب مع مكيل منه، أو أرض) أي ولا يجوز بيع جزاف حب مع مكيل منه في صفقة واحدة، وكذلك لا يجوز بيع جزاف حب مع مكيل من أرض في صفقة واحدة.
قوله: (وجزاف أرض مع مكيله) أي وكذلك لا يجوز بيع أرض جزافا مع مكيل من الحب في صفقة واحدة.
قوله: (لا مع حب) أي لا يمنع بيع أرض جزافا مع مكيل من الحب في صفقة لأن كلا منهما على أصله.
стр. 1030
[ما يجوز في الجزاف]
قوله: (ويجوز جزافان، ومكيلان) أي ويجوز بيع جزافين من الحب في صفقة واحدة، اتحد الجنس أو النوع أم لا، وكذلك يجوز بيع مكيلان من الحب في صفقة واحدة، اتحد النوع أو الجنس أم لا.
قوله: (وجزاف مع عرض) أي ويجوز بيع جزاف حب مع عرض في صفقة.
قوله: (وجزافان على كيل، إن اتحد الكيل والصفة) أي وكذلك يجوز بيع جزافين على كيل، بشرط أن يتحد الكيل فيهما واتحاد الصفة فيهما.
قال ابن عبد الكريم فيه أربع صور:
الأولى: إذ اتحدت الصفة والكيل، كصبرتين من طعام بيعت كل واحدة منهما جزافا على أن كل ثلاثة أمداد بدرهم وهي جائزة اتفاقا، وإن كانت إحدى الصبرتين أكبر من الأخرى.
الثانية: إذ اختلف الكيل والصفة، كصبرتي قمح وشعير بيعت كل واحدة منهما جزافا على أن إحداهما ثلاثة أمداد بدرهم، والأخرى أربعة منها بدرهم وهي ممتنعة اتفاقا، لقوة الجهالة لكثرة الاختلاط.
الثالثة: إذا اتحد الكيل واختلفت الصفة، كصبرتي قمح وشعير بيعت كل واحدة منهما جزافا على أن إحداهما ثلاثة أمداد منهما بدرهم.
الرابعة: إذ اتحدت الصفة واختلف الكيل، كصبرتي طعام واحد بيعت كل واحدة منهما جزافا على أن كل ثلاثة أمداد منها بدرهم، والأخرى كل أربعة منها بدرهم، وكل من الصور ممتنع على المعتمد من المذهب نظرا لطرف الاختلاف. انتهى.
قوله: (ولا يضاف لجزاف على كيل غيره) أي ولا يضاف على عقد جزاف غيره (مطلقا)، كان مما أصله أن يباع جزافا أم لا.
قوله: (وجاز برؤية بعض المثلي) أي وكفى رؤية بعض المثلي في غير الجزاف، وأما الجزاف فلا بد من رؤيته كله، فإن ظهر له خلاف ما قد رآه من بعض المثلي، فله الخيار في قبوله وسخطه.
قوله: (والصوان) أي وكذلك يكفي رؤية بعض الصوان من ذي صوان كالبيض والرمان.
стр. 1031
الصوان بضم الصاد وكسرها هو الوعاء.
قوله: (وعلى البرنامج) أي ويجوز البيع على البرنامج.
البرنامج: لفظة فارسية أعربت، والمراد به الدفتر المكتوب فيه صفات ما في العدل.
والبرنامج بفتح ميمه وبكسرها، وكذلك الباء فيه.
قوله: (ومن الأعمى) أي ويجوز البيع من الأعمى وشراؤه بالصفة لضرورة التعامل.
قال ابن شاس: سواء طرأ عليه العمى أو ولد أعمى.
قال الأبهري: لا يصح بيع من ولد أعمى ولا شراؤه، لأنه لا يقف على حقائق المدرك بمجرد الوصف (١).
وكذلك يجوز البيع من الأصم والأبكم، وأما إن كان أصم أبكم أعمى لم يجز شيء من عقوده لا في معاملة ولا في مناكحة، وإن كان أصم أعمى، فالظاهر المنع قياسا على عدم حده إذا زنا.
قال ابن فرحون: لأنه لم تبلغه الدعوة. انتهى.
قوله: (وبرؤية لا يتغير بعدها) أي ويجوز عقد البيع على رؤية متقدمة لا يتغير بعدها المبيع، مفهومه أنه إذا كان يتغير بعدها فلا يجوز شراؤه، وقيل: يجوز، وإن كان يتغير بعد الرؤية.
قوله: (وحلف مدع لبيع برنامج أن موافقته للمكتوب) حقه أن يوصل بقوله: وعلى البرنامج لأنه منه أي وحلف مدع ببيع برنامج إذ موافقته أي لأجل موافقته للمكتوب، وإذ بمعنى لأجل.
وفي بعض النسخ أن موافقته وفي بعضها أو موافقته.
قوله: (وعدم دفع رديء أوناقص) أي وكذلك يحلف مدع عدم دفع رديء أو ناقص أنه ما دفع في علمه إلا جيدا، ولا دفع إلا كاملا، إنما يحلفان إذا لم يصدقا، وأما إن صدقا أو قامت بينة فلا يمين.
قوله: (وبقاء الصفة) أي وكذلك يحلف من ادعى بقاء المبيع على الصفة السابقة في الرؤية المتقدمة، إذ اختلفا في بقاء المبيع على الصفة، فالقول قول البائع
стр. 1032
مع يمينه، لأن الأصل بقاء الصفة، وكذلك القول قوله إن لم يتقدم مدة يتغير فيها المبيع عادة.
وقوله: (إن شك) هو قيد في وحلف، وهو راجع إلى المسائل الأربع.
قوله: (وغائب ولو بلا وصف على خياره بالرؤية) أي وجاز بيع شيء غائب ولو بلا وصف أحرى بالوصف، على خيار المبتاع بالرؤية.
قوله: (أو على يوم) أي ويجوز بيع شيء غائب على مسافة يوم أو يومين.
وقال في المدونة: ومن باع عروضا أو رقيقا أو ثيابا بعينها حاضرة أو غائبة قريبة الغيبة، مثل يوم أو يومين جاز (١)، لكن لم يذكره إلا مع الوصف أو الرؤية لقوله بعينها.
قوله: (أو وصفه غير بائعه) لو أسقط المصنف تحمله لفظة غير لكان أحسن.
وقال ابن عبد الكريم في مفتاح الكنوز: قوله: ووصفه غير بائعه جاء بجملة خبرية، ليشعر بالأولوية دون الشرطية، لقوله في توضيحه: لا يشترط.
قال القرافي في أنوار البروق: ويشترط في صفة الغائب أن يصفه بصفاته التي تتعلق الأغراض بها؛ وهي شروط التسليم ليكون مقصود المالية حاصلا، فإن لم يذكر الجنس بأن يقول: ثوب أو عبد امتنع إجماعا، بسبب توقع المخالفة الغرض عند الرؤية. انتهى (٢).
قوله: (إن لم يبعد) أي وجاز بيع الشيء الغائب إن لم يبعد جدا، (ك) بعد (خراسان من إفريقية)، وأما إن بعد جدا فلا يجوز، لتوقع تغيره قبل التسليم، أو يتعذر تسليمه (ولم تمكن رؤيته بلا مشقة)، وأما إن أمكن رؤية الغائب المبيع بلا مشقة فلا يجوز فيه البيع، لأنه عدول عن اليقين إلى توقع الغرر.
قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق:
تنبيه: حيث اشترطنا الصفات في الغائب أو السلم، فينزل كل وصف على أدنى رتبة، وصدق مسماه لغة؛ لعدم انضباط مراتب الأوصاف في الزيادة والنقص، فيؤدي ذلك للخصام والقتال والجهالة بالمبيع. انتهى (٣).
стр. 1033
قوله: (والنقد فيه ومع الشرط في العقار) أي ويجوز النقد في ثمن المبيع الغائب، إذا كان بغير شرط في غير العقار، ويجوز النقد فيه مع الشروط، إذا كان المبيع عقارا، وكذلك كل ما يؤمن تغيره.
والعقار: الأرض وما يتصل بها من بناء وشجر.
قوله: (وضمنه المشتري) أي ويضمن المبتاع العقار بالعقد لا من تغيره، وهذا إذا وصفه غير بائعه وكان جزافا، وأما إن كان بالعدد والذرع (١) فلا يضمنه لما فيه من حق التوفية.
قوله: (وفي غيره إن قرب كاليومين، وضمنه بائع) أي ويجوز النقد بالشرط في غير العقار ولو كان حيوانا، إن قربت غيبته، كاليومين، ويضمنه البائع لأنه غير عقار. غفل الشارح هنا رحم.
قوله: (إلا لشرط) أي ويضمن المبتاع العقار، والبائع في غير العقار، إلا لشرط، فينتقل الضمان من المبتاع في العقار إلى البائع، ومن البائع في غير العقار إلى المبتاع.
قوله: (أو منازعة) أي وكذلك إن تنازع المتبايعان في كون السلعة الغائبة سالمة حين العقد أو لا، إنما يتصور هذا في ضمان المشتري، لأن الأصل أن يصادفه العقد سالما فيستصحب، وحيث يكون الضمان من المشتري بعد أن يكون البيع عقارا، أو اشترط عليه في غير العقار.
قوله: (وقبضه على المشتري) أي وقبض الشيء المبيع غائبا على المشتري.
[موانع البيع]
قوله: (وحرم في نقد وطعام ربا فضل ونساء)، لما فرغ من أركان البيع وهي: الصغة، والعاقد، والمعقود عليه، شرع يذكر موانع تمنع من صحته بعد حصول أركانه.
قال القرافي: إذا شرف الشيء وعظم في نظر الشرع كثرت شروطه وشدد في حصوله تعظيما له، لأن شأن كل عظيم أن لا يحصل بالطرق السهلة، حفت الجنة
على الصفة وبين قاعدة ما لا يجوز بيعه على الصفة
стр. 1034
بالمكاره، ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم الصبرين﴾ [آل عمران: ١٤٢] أي الصابرين على آلام المجاهدات، فمن هذه القاعدة النكاح لما شرف قدره بكونه سبب الاعفاف، ومن أعظم مغايظ الشيطان، ووسيلة لتكثير العباد، وحاسما لموارد الفساد، شدد الشرع فيه، فاشترط الصداق والبينة والولي، بخلاف البيع والنقدان لما عظم خطرهما، بكونهما مناط الأعراض ورؤوس الأموال وقيم المتلفات، ونظام العالم، شدد الشرع فيهما، بحيث لا يباع واحد بأكثر منه ولا بنسيئة بخلاف العروض، وكذلك الطعام لما كان لجنس الحيوان وبه قوام بنية الإنسان، والمعونة على العبادة، وأسباب السيادة والسعادة، شدد الشرع فيه بحيث لا يباع قبل قبضه فعلى هاتين القاعدتين تخرج أكثر مسائل المقاصة في الديون. انتهى (١).
قوله: وحرم في نقد أي يحرم في نقد وهو الذهب والفضة، كان مسوغا أو مسكوكا أو تبرا ربا فضل أي بزيادة من جنس واحد، وكذلك يحرم فيه ربا نساء كانا من جنس واحد أو من جنسين، واختلف في الربا المنهي عنه في الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا﴾ [البقرة: ٢٧٨] قيل: هو ربا الجاهلية، إما أن يقضي له أو يربي له، وقيل: الربا هو كل بيع فاسد، وقيل: الربا هو التفاضل فيما لا يجوز فيه التفاضل.
وقيل: النهي عن الربا تعبد لم تظهر لنا علته، وقيل معلل. انتهى.
فاشترط في النقديين المساواة والتناجز على التعليل هل العلة الثمنية؟ وعليه الربا يدخل فيه كل ما يكون ثمنا وإن لم يكن غالبا كالودع في بلاد تنبكت ونحوها، أو العلة لغلبة الثمنية، كالنقدين فلا يكون ربا فضل ونساء في غيرهما، وقال في المدونة: ولو جرت الجلود بين الناس مجرى العين المسكوك لكرهت بيعها بالذهب أو الفضة نظرة (٢).
قوله: وطعام يعني طعاما ربويا فيحرم فيه ربى فضل من جنس واحد وربي نساء من جنسين.
قوله: (لا دينار ودرهم أو غيره بمثلهما) أي فلأجل طلب المماثلة لا يجوز بيع دينار ودرهم وغيره مثليا كان أو غيره بمثلهما، وهو دينار ودرهم أو غيره، خشية أن
стр. 1035
تكون الرغبة في أحد الدينارين أو أحد الدرهمين، فيقابله من الجهة الأخرى أكثر، فيؤدي ذلك إلى التفاضل بين الدينارين أو الدرهمين.
قوله: (ومؤخر) أي ولا يجوز التأخير بين النقدين، (ولو كان التأخير (قريبا)، وأحرى إن كان بعيدا.
قوله: (أو غلبة، أو عقد ووكل في القبض) أي ولو كان التأخير بسبب غلبة، سواء غلبا معا أو أحدهما أو غلب غيرهما، كما إذا جعل الدنانير والدراهم بيد رجل لينظرها، فغلب ذلك الرجل فإن ذلك يمنع من المناجزة كالمفارقة اختيارا، وكذلك إن عقد الصرف ووكل غيره على القبض، فإن ذلك يمنع المناجزة، ظاهره وإن كان شريكه، ظاهره وإن حضر عند القبض، وقيل إن حضر القبض فلا يضر.
قوله: (أو غاب نقد أحدهما وطال أي وكذلك يمنع المناجزة في الصرف غيبة نقد أحدهما إذا طال ذلك، إذ هو صرف على الذمة، وإن كانت غيبة نقد أحدهما قريبة جاز على المشهور، ظاهره وإن علم صاحبه بغيبة نقده وهو ظاهر المدونة.
وقيل: معنى ما في المدونة إن لم يعلم.
قوله: (أو نقداهما) أي ويمنع المناجزة غيبة نقديهما معا طال أو لم يطل، لأن استسلا فهما معا مظنة التأخير، والتعليل بالمظان لا يتخلف الحكم فيه عند تخلف العلة.
غفل الشارح هنا تحمله الله.
قوله: (أو بمواعدة) أي ولو كان التأخير بسبب مواعدة، فإن ذلك يمنع المناجزة، كما إذا قال: اذهب إلى السوق لا صرف عندك.
قوله: (أو بدين إن تأجل، وإن من أحدهما) أي ولو كان التأخير بسبب دين، إن تأجل ذلك الدين، وإن كان التأجيل من أحد الدينين، كما إذا كان لأحدهما على الآخر دين دنانير وللآخر عليه دين دراهم، فإن كان الدينان قد حلا فذلك جائز، وإن لم يحلا أو لم يحل أحدهما لا يجوز، وهو صرف ما في الذمة.
قوله: (أو غاب رهن، أو وديعة) أي ولا يجوز صرف رهن غائب، أو وديعة غائبة، ولوسك) الرهن أو الوديعة.
قوله: (كمستأجر، وعارية، ومغصوب، إن صيغ إلا أن يذهب) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يمنع صرف مستأجر وعارية غائبة، وكذلك لا يجوز صرف مغصوب، إن كان مسوغا، وأما إن كان مسكوكا يجوز صرفه، وكذلك إن أتلف المغصوب، (فيضمن)
стр. 1036
الغاصب (قيمته)، يجوز صرف تلك القيمة، لأنها دين حل، وهو المراد بقوله: (فكالدين) والمستأجر والمعار لا يكونان إلا مسوغان، وهو من باب صرف الكلام لما يصلح له.
قوله: (وبتصديق فيه، كمبادلة ربويين، ومقرض ومبيع لأجل، ورأس مال سلم، ومعجل قبل أجله) إلى آخر النظائر أي وهذه المسائل يمنع فيها التصديق أي وحرم التصديق في الصرف في العدد أو الوزن أو الجودة خيفة ترقب الحل، فإن وقع ونزل فلا يفسخ، كما يمنع التصديق في مبادلة ربويين خيفة وجد النقص لأنه يؤدي إلى التأخير بين الطعامين، وكذلك يمنع التصديق في القرض خيفة وجود النقص فيسكت فيكون هدية المديان، فإن وقع ونزل هل يفسخ أم لا؟ وكذلك يمنع التصديق في مبيع بأجل ورأس مال سلم، ومعجل قبل أجله وهذا كالقرض. انتهى.
قوله: (وبيع وصرف) أي وحرم بيع وصرف في صفقة واحدة، لأن البيع يجوز فيه الخيار والصرف لا يجوز فيه، والتوقع حل الصرف لترقب عيب في المبيع أجازه أشهب. انتهى.
وأنشد بعضهم على هذا فقال: (١)
عقود منعناها مع البيع ستة … ويجمعها في اللفظ جص مشنق
فجعل وصرف والمساقاة شركة … نكاح قراض منع هذا محقق
فالجيم للجعالة، والصاد للصرف، والميم للمساقاة، والشين للشركة، والنون للنكاح، والقاف للقراض.
قوله: (وبيع وصرف إلا أن يكون الجميع دينارا) أي حرم بيع وصرف في صفقة، إلا أن يكون البيع والصرف في الدينار الواحد فيجوز، كما إذا دفع دينارا واحدا وأخذ في بعضه دراهم وفي بعضه الآخر غيرها.
قوله: (أو يجتمعا فيه) أي وكذلك إذا اجتمع البيع والصرف في دينار واحد، مثاله أن يدفع عشرة دنانير ويأخذ مائة وتسعين درهما وسلعة بالمائة وثمانين درهما
стр. 1037
مقابلة لتسعة دنانير، والعشرة الباقية والسلعة مقابلة للدينار العاشر.
قوله: (وسلعة بدينار، إلا درهمين إن تأجل الجميع، أو السلعة، أو أحد النقدين، بخلاف تأجيلهما) أي وحرم بيع سلعة بدينار إلا درهمين إن تأجل الجميع، كما إذا دفع سلعة ودرهمين في الدينار إن تأجل الجميع وهو الدينار والدرهمان والسلعة، أو تؤجل السلعة وحدها أو تأجل أحد النقدين وهذه ثلاث صور لا تجوز، وأما إن تأجل النقدان مع الدينار والدرهمين أو تأجل الجميع فهذه صورتان جائزتان، واختصار ما ذكره المصنف يمنع سلعة بدينار إلا درهمين إن تأجلت السلعة أو أحد النقدين أو الجميع بخلاف تأجيل النقدين (أو كدراهم من دنانير بتعجيل الجميع) فيجوز.
قوله: (كدراهم من دنانير ب) شرط (المقاصة) تشبيه لإفادة الحكم في الجواز فقط، كما يجوز استثناء دراهم من دنانير بشرط المقاصة، (ولم يفضل شيء من الدراهم بعد المقاصة، كما إذ اشترى ستة عشر ثوبا مثلا بستة عشر دينارا كل دينار إلا درهم والصرف ستة عشر، إذ كأنه اشتراها بخمسة عشر دينار فهذا جائز وإن تأجل النقدان.
غفل الشارح هنا نعم الله وكم أجاد وأصلح.
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
والكمال كله لله.
قوله: (شيء. وفي الدرهمين كذلك) أي والحكم في فضل الدرهمين كما تقدم في التفصيل في الدينار إلا درهمين إن تأجل الجميع، فلا يجوز لأنه صرف متأخر، والسلعة إن كانت معينة فهو معين يتأخر قبضه، وإن لم تكن معينة فهو دين بدين.
غفل البساطي هنا نعم الله.
قوله: (وفي أكثر كالبيع والصرف) أي والحكم في فضل أكثر من درهمين فحكمه حكم البيع والصرف وقد تقدم.
قوله: (وصائغ يعطى الزنة والأجرة) أي ولا يجوز إعطاء قدر الزنة لصائغ وأجرة عمله، فيأخذ مثل الزنة مصوغا لأن الأجرة زيادة على وزن حليه.
قوله: (كزيتون وأجرته لمعصره) تشبيه في المنع أي كما لا يجوز أن تأتي بزيتونك وأجرة العصر لمعصر الزيتون، فتأخذ مثل ما يخرج من زيتونك زيتا
стр. 1038
وقيل يجوز.
قوله: (بخلاف تبر يعطيه المسافر، وأجرته دار الضرب ليأخذ زنته، والأظهر خلافه)
أي دار السكة أي مسافر اضطر لخوف فوات أصحابه، فإنه يجوز أن يأخذ زنة تبره دنانير أو دراهم، والأظهر لابن رشد خلاف الجواز، وللإمام مالك فيه قولان.
قوله: (وبخلاف درهم بنصف وقلوس أوغيره) كأكبر أي فإنه يجوز للضرورة، والنصف ليس بشرط، وكذلك أقل من النصف لا أكثر، ومفهوم اللقب من الدرهم أن الدينار لا يجوز، مفهوم العدد درهم وأن الدرهمين لا يجوز.
قوله: (في بيع، وسكا، واتحدت، وعرف الوزن، وانتقد الجميع، كدينار إلا درهمين، وإلا فلا) أي إنما يغتفر ذلك في الدرهم بنصف وفلوس إنما هو في بيع أو ما في معناه من إجارة أو كراء، وأما في القرض فلا يغتفر، ويشترط في الدرهم والنصف أن يكونا مسكوكين وأن تتحد السكة فيهما، وعرف وزن كل منهما وانتقد الجميع، يريد أو السلعة يدل عليه (كدينار إلا درهمين) وقد تقدم التفصيل فيه.
قوله: وإلا فلا أي وإن انخرم شرط من هذه الشروط فلا يجوز.
قوله: (، وإلا فلا وردت زيادة بعده لعيبه) أي وترد الزيادة التي زادها أحد المتصارفين لصاحبه بعد عقد الصرف، ثم ظهر عيب في الأصل، فيرد الزيادة لأنها استصلاح للعقد.
قوله: (لا لعيبها، وهل مطلقا أو إلا أن يوجبها أو إن عينت تأويلات) أي ولا ترد السلعة لزيادة لأجل ظهور عيب فيها لأنها كالهبة، وهل هذه الزيادة لا ترد مطلقا عينت أم لا، أو جبها على نفسه أم لا وهو تأويل، أو ترد إلا أن يوجبها على نفسه فلا ترد، فإن علمنا في حاله أنه أوجبها على نفسه فإنها ترد وهو تأويل، وإنما ترد إن عينت، كما إذا قال لصاحبه: أزيدك هذا الدينار أو هذا الدرهم، أما إن قال له: أزيدك دينارا أو درهما غير معين فلا ترد وهو تأويل.
قوله: (وإن رضي بالحضرة بنقص وزن، أو بكرصاص بالحضرة، أو رضي بإثمامه، أو بمغشوش مطلقا صح) أي وإن رضي القابض بالحضرة بنقص وزن أو عدد أو رضي بقبض رصاص أو نحاس بالحضرة أو رضي الدافع لنقص الوزن أو العدد أو الرصاص أو النحاس بإتمامها بالحضرة صح العقد، وكذلك إن رضي القابض بمغشوش مطلقا طال أو لم يطل بحضرة أم لا وقع الصرف على معين أم لا فإن العقد يصح.
стр. 1039
قوله: (وأجبر عليه) أي على الإتمام إما بتبديلهم الوزن أو العدد أو تبديل الرصاص أو النحاس (إن لم تعين) ما وقع عليه الصرف من الدراهم أو الدنانير، وأما إن عين فلا يجبر.
قوله: (وإن طال نقض إن قام به) أي وإن طال ما بين العقد والإطلاع على العيب نقض الصرف إن قام بالعيب، وأما إن لم يقم بالعيب فلا ينقض إن رضي به وإن طال، فإن قلت: هذا خلاف مفهوم قوله أولا: وإن رضي بالحضرة.
قلت: قصاراه تعارض المفهومين في محل مختلف فيه فخطبه سهل أي فأمره سهل.
قوله: (كنقص العدد) تشبيه في النقص فقط يسيرا أو كثيرا ولو رضي به لأن الناقص لم يقبض حسا ولا معنى.
أصبغ اليسير كدرهم من ألف، ولابن القاسم كقول أشهب في اليسير كالدانق والدانقين التشبيه بينهما في النقص فقط المعنى كما ينتقض الصرف في نقص العدد قام به أم لا.
قوله: (وهل معين ما غش كذلك) أي فينتقض فيه الصرف ولا يجوز فيه البدل، لأن المعين وغيره سواء، (أو يجوز فيه البدل) إن قام فيه (تردد) في فهم النقل.
وقال اللخمي: لا خلاف أنه يجوز التراضي بالبدل (١) وهي طريقة أبي بكر بن عبد الرحمن، لأنهما لم يفترقا وفي ذمة أحدهما شيء، فلم يزل مقبوضا إلى حين البدل، بخلاف غير المعين، فإنهما افترقا وذمة أحدهما مشغولة. انتهى من الشارح الصغير (٢).
قوله: (وحيث نقض) أي وحيث حكمنا بالنقض فيما تقدم بنقص وزن أو عدد أو برصاص أو مغشوش (ف) إنما ينتقض (أصغر دينار) إذا كانت في الدنانير كبار وصغار لأنه لا ينقض إلا ما تدعو الحجة إلى نقضه، وذلك يحصل بنقض الأصغر (إلا أن يتعداه) المردود (ف) ينقض (أكبر منه) وإن تعدى الأكبر فأكبر منه وأصغر ثم كذلك ف (لا) ينقض الصرف في (الجميع).
стр. 1040
قوله: (وهل ولو لم يسم لكل دينار؟) أي وهل لا ينقض الجميع سمى لكل دينار أم لا، وإنما ينقض الجميع هو إذا سمى لكل دينار فيه (تردد) في فهم النقل إنما ينتقد الصرف في الدينار لأن كسره لا يجوز والشركة فيه ممتنعة، وهذا كله إذا اتحدت السكة، (و) أما إذا اختلفت (هل ينفسخ في السكك أعلاها) تأديبا للدافع، لأنه إما مدلس أو مقصر في النظر فيها، (أو ينفسخ (الجميع)، لأن كل درهم له حظ في الدنانير، وكل دينار له حصة في الدراهم في ذلك (قولان).
قوله: (وشرط للبدل جنسية وتعجيل) أي وحيث يجوز البدل شرط فيه جنسية، فإن رد الذهب فلا يأخذ إلا ذهبا والفضة فلا يأخذ إلا الفضة ويشترط فيه التعجيل، فلا يجوز فيه التأخير لأنه صرف متأخر.
قوله: (وإن استحق معين سك) أي وإن استحق معين مسكوك معين (بعد مفارقة) في المكان وإن لم يطل في الزمان، (أو) بعد (طول) في الزمان وإن لم يفارق في المكان نقض الصرف، وتعيين المسكوك إنما يكون بالشرط وإن لم يقبض أو بالقبض وإن لم يشترط.
قوله: (أو مصوغ مطلقا نقض) أي وكذلك ينقض الصرف في المصوغ إذ استحق فارق أم لا طال أم لا وهو مراده بقوله: مطلقا.
قوله: (وإلا صح) هذا راجع إلى مسألة المسكوك لا على المصوغ أي وإن لم تكن مفارقة ولا طول في المسكوك صح فيه العقد.
قوله: (وهل إن تراضيا؟ تردد) أي وهل هذه الصحة مقيدة بما إذا تراضيا بالبدل أو يصح مطلقا فيه تردد في فهم النقل.
قوله: (وللمستحق إجازته) أي وللمستحق لهذا المسكوك إجازة الصرف بحضرته (إن لم يخبر المصطرف) أنه متعد، وأما إن أخبره أنه متعد فلا يجوز إجازة ذلك العقد لأنه دخل على صرف فيه خيار، والخيار الحكمي كالخيار الشرطي.
قوله: (وجاز محلى، وإن توبا يخرج منه، إن سبك بأحد النقدين إن أبيحت، وسمرت، وعجل مطلقا، وبصنفه إن كانت الثلث، وهل بالقيمة أو بالوزن؟ خلاف) أي ويجوز بيع شيء محلى بأحد النقدين للضرورة، والضرورة تبيح بعض الممنوع، كما أن المعروف يبيح بعض الممنوع كالقرض لأن أصله ذهب بذهب أو طعام بطعام إلى أجل وإباحة المعروف.
стр. 1041
قوله: بأحد النقدين أي ويجوز بيع محلى بأحد النقدين ذهبا أو فضة، وإن كان هذا المحلى ثوبا يجوز بشروط وهي:
أن يخرج منه غيره إن سك، وأما إن لم يخرج منه فكالعدم، فيجوز بيعه بغير هذه الشروط على المشهور، لأنه مستهلك. وقيل لا يجوز لأنه عين قائمة.
الشرط الثاني: أن يكون المحلى مباحا كالمصحف والسيف وحلي النساء، وأما ما لا يجوز تحليه فلا يجوز بيعه.
الشرط الثالث: أن يجعل الثمن والمثمون بغير صنفه مطلقا كان الأصل تبعا أم لا، ولا يجوز بصنفه إن كان تبعا الثلث فأقل، وهل هذا الثلث إنما يعرف بالوزن بلا قيمة وهو ظاهر الموطأ والموازية أو إنما يعرف بالوزن.
الباجي: وهو ظاهر المذهب.
سبب الخلاف هل تعتبر الصيغة أو لا تعتبر، ومثاله إذا كان وزن ما فيه عشرون مثلا والأصل أربعون وقيمة الصيغة مع الوزن ثلاثون ومن اعتبر الوزن أجاز لأنه ثلث، ومن اعتبر القيمة منع لأنه أكثر من الثلث.
قوله: (وإن حلي بهما لم يجز بأحدهما، إلا إن تبعا الجوهر) أي وإن حلي المحلى بالنقدين معا فلا يجوز بيعه بأحدهما، إلا إذا كانا تبعا للجوهر وهو الأصل فيجوز.
وقال المواق في التاج والإكليل: لو قال: وجاز محلى بأحد النقدين إن أبيحت وسمرت بغير صنفه وإن لم يكن تبعا وبصنفه إن كان الثلث، لتنزل على ما يتقرر (١).
انتهى هنا الكلام في الصرف.
قوله: (وجازت مبادلة القليل المعدود) أي وجاز للضرورة مبادلة الدراهم بالدراهم أو الدنانير بالدنانير بشروط ثلاثة:
أحدها: أن يكون بلفظ المبادلة.
الثاني: أن يكون ذلك بالعدد لا بالوزن.
الثالث: أن تكون قليلة (دون سبعة بأوزن منها: بسدس، سدس) أو أقل لا أكثر، ولا خلاف في الجواز في الثلاث، كما لا خلاف في منع ذلك في السبعة، وإنما الخلاف في ما بين السبعة والثلاث، مذهب المدونة الجواز وعليه مشى الشيخ، ومذهب الموازية المنع وعليه أصلح سحنون المدونة، وهذه المسألة جاءت على خلاف
стр. 1042
الأصل لأنه يحرم في النقدين ربا فضل وهي مما ترك فيه الدليل للتيسير وهي من المستحسنات، والمبادلة عبارة عن بيع مسكوك بمسكوك من نوعه وعدده، والمراطلة بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة وزنا بوزن.
قوله: (والأجود أنقص، أو أجود سكة ممتنع) أي ولا يجوز مبادلة الأجود لأصل أنقص وزنا بالرديء الكامل، وكذلك لا يجوز مبادلة الأجود سكة ناقص الوزن بأكمل أدنى سكة لدوران الفضل من الجانبين.
قوله: (وإلا جان) أي وإن لم يكن الأنقص أجود بل كان مساويا وأحرى إذا كان أردى، فإنه تجوز المبادلة، لأن الفضل من جهة واحدة.
قوله: (ومرا طلة عين بمثله بصنجة أو كفتين) أي ويجوز مراطلة عين بمثله بوزن بصنجة وهو أبلغ في المماثلة، أو بكفتي الميزان وهو أبلغ في المناجزة.
قوله: (ولو لم يوزنا على الأرجح) أي والمراطلة جائزة ولو لم يوزنا للعيان، قيل ذلك على ما اختاره ابن يونس، ومقابله لا يجوز في المسكوك إلا بعد الوزن.
وقوله: (وإن كان أحدهما أو بعضه أجود) مبالغة في الجواز.
قوله: (لا أدنى وأجود) أي ولا تجوز مراطلة الأجود البعض وأدنى البعض، مثاله أن يكون مع أحدهما درهمان إسكندري ومغربي ومع الآخر مصريان فالإسكندري أدنى والمغربي أعلى والمصري متوسط بينهما، فيمنع ذلك لتقابل الفضل من الجهتين.
قوله: (والأكثر على تأويل السكة) صوابه والأقل أي والأكثر من الشيوخ أن قول المدونة ليس على ظاهره بل ظاهرها أن السكة (والصياغة كالجودة)، والمشهور أن السكة والصياغة لا تعتبران وقيل تعتبر الصياغة دون السكة، وفي بعض الحواشي معناه أن الأكثر على تأويل قولها بلسان ظاهرها السكة والصياغة كالجودة ومعناه الأكثر على تأويل السكة والصياغة حالة كونهما في ظاهرها كالجودة.
قوله: (ومغشوس بمثله وبخالص، والأظهر خلافه لمن يكسره أو لا يغش به. وكره لمن لا يؤمن، وفسخ ممن يغش، إلا أن يفوت، فهل يملكه، أو يتصدق بالجميع، أو بالزائد على من لا يغش؟ أقوال) أي ويجوز مراطلة مغشوش بمثله في النوع وفي الغش، وكذلك تجوز مراطلة مغشوش بخالص، والأظهر عند ابن رشد خلاف الجواز لعدم المماثلة، فعلى الجواز، إنما يراطله لمن يكسره أو لا يكسره ولكن لا يغش به بل يبين إن
стр. 1043
باعه، ويكره بيع المغشوش لمن لا يؤمن أن يغش به، وأما من علم أنه يغش به فلا يجوز، فإن وقع ونزل فسخ فيه البيع إلا أن يفوت، فإن فات فهل يملك الثمن كله ولكن يستحب له التصدق به ويستغفر الله، أو يتصدق بالجميع أي بجميع الثمن أو يتصدق بالزائد على شراء من لو اشتراه لا يغش به في ذلك ثلاثة أقوال. انتهى.
والأصل في العقوبة في المال أمر النبي ﷺ بالقدور التي أغليت بلحوم الغنم قبل أن تقسم أن تكفى (١)، وإعتاقه على من مثل بعبده. انتهى.
ابن ناجي: وما ذكر في الكتاب من طرح عمر ﷺ اللبن المغشوش أخذ منه الأدب بالمال، وظاهره ولو كثر اللبن، ويتحصل فيه أربعة أقوال: أحدها هذا قاله ابن العطار في الملاحم الرديئة فإنها تحرق بالنار وبه أفتى ابن عتاب في أعمال الجزارين إذا غشوا فيها، وقيل تقطع في الملاحم خرقا وتعطى للمساكين إذا تقدم إلى أهله قاله ابن عتاب أيضا، وقيل يجوز الأدب في المال اليسير فقط وهو قول ابن القاسم مقيدا به سماعه، وقيل لا يجوز الأدب في مال مسلم قاله ابن العطار في الجبن المغشوش الناقص.
قال ابن سهل وهذا تناقض منه لقوله في الملاحم وأخذ القول الأول من قول أهل المذهب: ومن مثل بعبده فإنه يعتق عليه وهو ضعيف لحرمة الآدمي، واعلم أن هذا الخلاف إنما هو في نفس المغشوش هل يصح الأدب به أم لا، وأما ما يفعله الولاة من خسارة من وجد على منكر بدفع مال، فإنه لا قائل به بل من جورهم. انتهى.
قال البرزلي مفتي تونس: ونزلت مسألة وهي أن رجلا يدعى ابن أبي بكر، وكان صاحب الوقت بتونس ظهر على محله قطعة منها فيها غش، فأخذه السلطان وسجنه فمكث طويلا.
ثم إنه تشفع بالشيخ الفقيه الصالح أبي الحسن البطرني (٢)، وكان يمد له العصا
стр. 1044
يوم الجمعة حين كان خطيبا بجامع القصبة، فكلم فيه السلطان الله فقال: إنه ليس في سجني إنما هو في سجن المفتي، يعني شيخنا الإمام ﵀ ورضي عنه - فبعثني سيدي الفقيه البطرني إليه، وذكر له من الجزئيات ما يستميله لإخراجه، فأتيته وذكرت له ذلك، وقال لي: ما تقول في من يقطع الدنانير والدراهم، وما نقل عن ابن المسيب فيه؟.
فقلت: إنه من معنى الفساد في الأرض، فقال لي: وما تحفظ عن بعض السلف فيه؟، فقلت له: إنه ضرب عنق من فعل هذا أو قطع يده، والشك مني في ما نحفظه عن ابن الزبير.
فقال لي: هذا عندي أشد، لأن هذا غش عام خفي يفسد كثيرا على الناس في أموالهم، لا يزال في السجن حتى يموت وأبى أن تقبل فيه شفاعة، فبقي فيه حتى مات، ومنه أخرجت جنازته هذا على التوهم، فكيف لو حقق عليه.
وكان تحلله شديدا في الحدود والآداب، لغلبة الفساد على عامة أهل العصر.
انتهى (١).
قوله: (وقضاء قرض بمساء وأفضل صفة) أي ويجوز قضاء قرض بما هو مساو له قدرا وصفة قبل الأجل وبعده، وبأفضل صفة لأنه حسن القضاء، وقال السلام: «خياركم أحسنكم قضاء» (٢).
قوله: (وإن حل الأجل بأقل صفة وقدرا، لا أزيد عددا) أي وإن حل أجل القرض جاز قضاؤه بأقل صفة وقدرا لأنه حسن الاقتضاء، فلا يجوز بأزيد عددا (أووزنا)، لأن الزيادة في العدد والوزن فيه سلف بزيادة، (إلا) أن يكون الزائد (كرجحان ميزان) فيغتفر.
قوله: (أو دار فضل من الجانبين) أي وكذلك لا يجوز قضاء القرض في ما فيه
стр. 1045
الفضل من الجانبين، حل الأجل أم لا، كما إذ اقتضى تسعة محمدية عن عشرة يزيدية، لأنه إنما ترك فضل العدد في اليزيدية لفضل المحمدية.
قوله: (وثمن المبيع من العين كذلك) أي كالقرض، فكل ما يجوز في القرض يجوز فيه، وأما ثمن المبيع عرضا فلا يجوز قبل الأجل أفضل صفة لأن فيه حط عني الضمان وأزيدك.
قوله: (وجاز بأكثر) أي جاز قضاء ثمن المبيع بأكثر عددا من العين لأنه أحسن القضاء.
قوله: (ودار الفضل بسكة وصياغة وجودة)، ولم يذكر المصنف هنا الخلاف الذي ذكره في المراطلة لأن المراطلة ليس في ذمة أحدهما شيئا.
قوله: (وإن بطلت فلوس فالمثل) أي وإن انقطع التعامل بالفلوس أو غيرها مما يتعامل به الناس، كالودع في بعض البلدان والحديد في بعضها فالواجب فيها المثل، وكذلك الدنانير والدراهم.
قوله: (أو عدمت فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم) أي وإن عدمت الفلوس ونحوها مما يتعامل به أو هلكن لم يقطع التعامل بها، فالواجب فيها القيمة حين اجتماع الاستحقاق للطلب والعدم لا قبل ذلك.
قوله: (وتصدق بما غش ولو كثر) أي ويتصدق بما جهل فيه الغش من الأموال ولو كان كثيرا عند مالك. ابن القاسم إن كثر بل يباع عليه ولا يمكن منه، وهذه هي العقوبة في المال فهي جائزة، وأما ما يفعله الولاة من خسارة ما وجدوه على منكر فلا قائل به بل هو جورهم.
قوله: (إلا أن يكون اشتري كذلك، إلا العالم ليبيعه) أي يتصدق بالمغشوش إلا أن يكون اشترى مغشوشا فلا يتصدق به، إلا أن يكون عالما بالغش لأجل بيعه مغشوشا، فإنه يتصدق به لا عليه لأنه غاش.
قوله: (كبل الخمر بالنشاء، وسبك ذهب جيد برديء، ونفخ اللحم) إلخ أمثلة للغش.
والنشاء بالضم يمد ويقصر.
ونفخ اللحم ينقص طعم اللحم، إنما كان نفخ اللحم عيبا إذا كان بعد السلخ وأما النفخ لأجل السلخ فلا بأس به، وما يفعله الجزارون من تزويق اللحم بالشحم فلا يجوز.
стр. 1046
فصل [في بيان ما يحرم فيه ربا الفضل والنساء من الطعام ومتعلقاته]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه ربا الطعام ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب قال عبد الله ابن سلام وللربى اثنان وسبعين حوبا أصغرها كمن أتى أمه في الإسلام، ودرهم في ربى أشد من بضعة وثلاثين زنية في الإسلام، قال: ويأذن الله تعالى بالقيام للبر والفاجر، إلا آكل الربا فإنه لا يقوم إلا ﴿كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة آية ٢٧٥] (١).
قوله: (علة طعام الربا: اقتيات وادخار) المراد بالربا هنا ربا الفضل، وأما ربا النساء فلا يجوز في كل ما يؤكل من أجل طعامه من غير تداو فإنه لا يجوز فيه ربا النساء، كان من جنس واحد أو من جنسين، والطعام كل ما يتخذ لأكل بني آدم وشرابهم غالبا، والقوت كل ما يقوم به بنية الآدمي. والطعام لما كان به قوام بنية الإنسان منع بيعه نساء بعضه ببعض، والقاعدة إذا عظم قدر الشيء وشرفه شدد فيه الشرع لأن عادة كل عظيم لا يؤخذ بالطرق المسهلة.
قوله: (وهل لغلبة العيش تأويلان) أي وهل يشترط في الادخار كونه لغلبة العيش أو لا يشترط فيه تأويلان.
الربا هو كل بيع فاسد، وقيل: ربا الجاهلية، وقيل: التفاضل فيما لا يجوز فيه التفاضل.
قوله: (كحب وشعير، وسلت، وهي جنس) إلى آخر ما عد شروع منه في ذكر أمثلة الطعام الذي يكون فيه ربا الفضل مما هو جنس واحد فقال: كقمح وشعير وسلت فلا يجوز فيها التفاضل، لأنها جنس واحد خلافا للسيوري وعبد الحق.
قوله: (وعلس) أي وكذلك العلس وهو بفتح العين وهو في قشره حبتان.
قوله: (وأرز، ودخن) والأرز معروف، والدخن هو البشن.
قوله: (وذرة) الذرة بضم الذال المعجمة المخففة قيل هو البشن وهو بالبربرية أقل.
قوله: (وهي أجناس) أي وهذه الأربعة أجناس مختلفة يجوز التفاضل فيها
стр. 1047
يدا بيد.
قوله: (وقطنية) وهي بضم القاف وكسرها وتخفيف الياء وتشديدها.
قوله: (ومنها كرسنة، وهي أجناس) أي ومن القطنية كرسنة وهو حب الجلجلان الصغير، والقطنية من قطن إذا أقام بالمكان، لأن الغالب في القطنية لا يرغب في أكلها، وإنما تعمل في الديار، ولا خلاف أن القطنية في البيوع أجناس يجوز التفاضل فيها يدا بيد وهو قول مالك المرجوع عنه.
قوله: (وتمر، وزبيب) أي والتمر والزبيب من الأطعمة الربوية.
قوله: (ولحم طير، وهو جنس، ولو اختلفت مرقته) أي ولحم الطير كلها جنس واحد لا يجوز فيه التفاضل إنسيها ووحشيها، طير الماء وغيره، والنعامة من الطير، واللحم بسكون الحاء وفتحها واطرد ذلك في عين كل ثلاثي، وعينه حرف الحاء، ولحم الطير كله جنس واحد لا يجوز فيه التفاضل، ولو كان مرقه مختلفا، كما إذا طبخ أحدهما بخل والآخر بعسل، فإن ذلك لا يخرجه عن كونه جنسا واحدا وأحرى إذ اتفق المرق.
قوله: (كدواب الماء) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن دواب الماء كلها جنس واحد وإن كان إنسان الماء.
قوله: (وذوات الأربع، وإن وحشيا) أي ولحوم ذوات الأربع جنس واحد إنسيها ووحشيها.
قوله: (والجراد. وفي ربويته خلاف) معطوف على كحب زاده عبد الوهاب صنفا رابعا، وفي كونه ربويا وعدم كونه ربويا خلاف.
المازري: ليس بربوي فيجوز فيه التفاضل.
قوله: (وفي جنسية المطبوخ من جنسين) أي وفي كون المطبوخ من جنسين جنسا واحدا كلحم الطير ولحوم ذوات الأربع وعدم جنسيته (قولان)، قيل: لأن الطبخ يصيره جنسا واحدا، وقيل: لا.
قوله: (والمرق والعظم، والجلد كهو) أي والمرق والعظم والجلد من هذه الأصناف الثلاث كاللحم سواء بيع منفردا أو بيع مع اللحم، سواء المرق له عين قائمة أم لا.
قوله: (ويستثنى قشر بيض النعام) أي فإذا بيع بيض النعام ببيض النعام أو غيره فإنه يستثني قشره لأنه سلعة.
стр. 1048
قوله: (وذو زيت كفجل) أي وكذلك حب كل ذي زيت فهو ربوي لا يجوز فيه التفاضل في جنس واحد، وذلك كفجل ونحوه مما يخرج منه الزيت (والزيوت أصناف).
قوله: (كالعسول) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن العسول أصناف، عسل النحل جنس واحد، وعسل السكر صنف، وعسل الرطب صنف.
قوله: (لا الخلول، والأنبدة) أي فالخلول كلها صنف واحد وإن اختلف الأصل، وكذلك الأنبذة كلها صنف واحد وإن اختلفت أصولها.
قوله: (والأخبان) أي والأخباز كلها صنف واحد (ولو بعضها) قمحا وبعضها (قطنية)، وهذا يخالف ما قال ابن جماعة وأخبازها كأصولها.
قوله: (إلا الكعك بأبزار) أي وهو مستثنى من الأخبار لأن الأبزار صيرته جنسا آخر.
قوله: (وبيض، وسكر، وعسل) معطوف على قوله: كحب أي وبيض ربوي، وكذلك السكر والعسل.
قوله: (ومطلق لبن) أي واللبن مطلقا حليبا كان أو مخيضا أو مضروبا، لبن إبل أو بقر أو غنم ربوي لا يجوز فيه التفاضل، لأن دوامه يقوم مقام الادخار.
قوله: (وحلبة وهل إن اخضرت؟) أي والحلبة ربوي وهل ذلك مطلقا أخضرت أو يبست؟، أو إنما تكون ربويا إن كانت خضرة، وأما إن كانت يابسة فهي دواء فيه (تردد).
وقيل: إنما التردد هل هي طعام أو دواء.
قوله: (ومصلحه كملح، وبصل، وتوم، وتابل: كفلفل، وكزبرة، وكراويا، وآنيسون، وشمار، وكمونين - وهي أجناس) أي ومصلح الطعام ربوي كملح وبصل وثوم وتابل.
التابل بفتح الباء كمصلح الطعام وذلك كفلفل وكزبرة، ويقال فيه كسبرة بالسين، وكذلك كارويا وهو في بيان الذي ذكر في المدونة، وكرويا يمد ويقصر، وكذلك أنيسون وهو حبة حلاوة، وكذلك شمار.
الشمار بفتح الشين وبفتح الميم المخففة هو زريعة البسباس، وكذلك كمونين الأخضر والأسود، يقال للأسود الشونيز وحبة السوداء والكمون الأخضر وهي أجناس أي والتوابل كلها أجناس.
стр. 1049
قوله: (لا خردل، وزعفران، وخضر، ودواء، وتين، وموز، وفاكهة) إلى قوله: (ولو ادخرت) الخردل بالدال المهملة وهو زعفران ليسا بربويين، وحكى بعضهم الإجماع عليه، وكذلك الخضر كله ليس بربوي، والخضر ما يقطع ويبقى أصله، ويجوز بيع غير الربوي متفاضلا يدا بيد، وكذلك جميع الأدوية ليست ربوي كصبر وشاهترج وهو بالعجمية سلطان العشب، وكذلك التبن والموز ليسا بربويين، وكذلك كل فاكهة ولو ادخرت (بقطر) أي بناحية بقطر.
والقطر بضم القاف الناحية، وبالفتح المطر، وبالكسر النحاس المذاب.
قوله: (وكبندق) الكاف المشمول أتى به ليدخل الموز والجوز والفستق ونحوها أي والبندق وما يشبهه ليس بربوي.
قوله: (وبلح إن صغر) يعني أن البلح الصغير ليس بربوي ما لم يكبر، وإن كبر فهو ربوي.
قوله: (وماء. ويجوز بطعام لأجل) أي وكذلك الماء ليس بربوي، ويجوز بيعه بطعام إلى أجل ويجوز بيعه قبل قبضه، فالماء أعز مفقود وأذل موجود.
قوله: (والطحن، والعجن، والصلق) أي وطحن القمح، وعجن الدقيق، والصلق بالماء وحده لا ينقل عن أصله الذي هو القمح مثلا، (إلا الترمس) فإن الصلق بالماء ينقله عن أصله، لطول أمره، الترمس نوع من القطاني.
قوله: (والتنبيذ لا ينقل) أي وكذلك التنبيذ لا ينقل عن الأصل، فلا يجوز بيع التمر والعنب بالمنبوذ منهما إلا مثلا بمثل، والتنبيذ أن يجعل التمر أو العنب في الماء حتى يخرج منه طعمه.
قوله: (بخلاف خله، وطبخ لحم بأبزار، وشيه، وتخفيفه بها) أي بخلاف خل ما نبذ، فإنه ينقله عن أصله لطول صنعته، وكذلك طبخ لحم وشيه وتجفيفه بالأبزار فإنه ينقله ذلك عن أصله فيجوز فيه التفاضل مع جنسه يدا بيد لأن الأبزار صيرته شيئا آخر.
قوله: (والخبز) أي والخبز في الطعام ينقله عن أصله، والخبز هو بفتح الخاء كل ما صنع من الأطعمة من الحبوب.
قوله: (وقلي قمح) القمح ليس بشرط وإنما هو تمثيل أي وكل ما قلي من الحبوب فالقلي ينقله عن أصله فيجوز فيه التفاضل يدا بيد.
стр. 1050
قوله: (وسويق وسمن) قال محمد بن عبد الكريم في مفتاح الكنوز: أقرب ما ظهر لي أنها مسألة واحدة، والواو المتوسط بمعنى مع، والمعنى أن لت السويق بسمن ينقله عن السويق. انتهى.
وقال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله -: وقوله: وسويق مستغنى عنه لأن السويق لا يسمى سويقا إلا بعد القلي والطحن، والقلي وحده ناقل.
قوله: (وجاز تمر ولو قدم بتمر) أي ويجوز بيع تمر بتمر جديدين أو قديمين، أو أحدهما قديم والآخر جديد يدا بيد.
قوله: (وحليب) أي ويجوز بيع حليب بمثله، وقيل: لا يجوز لاختلاف الزبد. انتهى.
انظر اللباهل يجوز باللبن متفاضلا لاختلاف منفعتهما ولاختلاف اسمهما، ولأنه لا يؤكل إلا بعد الطبخ، أو لا يجوز لأن أصله اللبن.
قوله: (ورطب، ومشوي) أي ويجوز بيع رطب من التمور بمثلها لأن الرطوبية أصلية، بخلاف البلل لأن البلل يتفاوت.
الرطب بضم الراء رطب التمر، وبفتح الراء ضد اليابس من كل شيء، والرطب بضم الراء وسكون الطاء هو النبات.
قوله: (وقديد، وعفن) أي وجاز بيع لحم مقدود بمثله في القد، وكذلك يجوز بيع العفن من التمر وغيره بمثله في العفن.
قوله: (وزبد وسمن، وجبن وأقط بمثلها) أي وكذلك يجوز بيع الزبد بالزبد متماثلا، وكذلك السمن بالسمن متماثلا، وجبن بجبن متماثلا، وكذلك الأقط بالأقط يجوز متماثلا.
قوله: (كزيتون ولحم) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يجوز بيع زيتون بزيتون متماثلا وكذلك لحم بلحم متماثلا.
قوله: (لا رطبهما بيابسهما) أي لا يجوز بيع الزيتون الرطب أو اللحم الرطب باليابس لأجل المزابنة، وقيل: يجوز والقولان في المدونة.
قوله: (ومبلول بمثله) أي ولا يجوز بيع مبلول بمبلول ولو متماثلا، لأن البلل يختلف، وقيل يجوز بشرط تساوي البلل.
قال سند: وهو قول ابن القاسم.
стр. 1051
قوله: (ولبن بزبد) أي ولا يجوز بيع لبن بزبد، (إلا أن يخرج زبده) فيجوز، لو قال المصنف: ولبن بزبد أو سمن وأسقط السمن في المنقولات لكان أسعد لموافقة المدونة.
قوله: (واعتبر الدقيق في خبز بمثله) أي ويعتبر مقدار الدقيق إذا بيع خبز بمثله لا وزنه إذا كانا من صنف واحد، وأما إن كانا من صنفين فلا يعتبر إلا الوزن.
قوله: (كعجين) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يعتبر مقدار الدقيق إذا بيع عجين (بحنطة أو دقيق).
قوله: (وجاز قمح بدقيق، وهل إن وزنا؟ تردد) أي ويجوز بيع قمح بدقيق متماثلا، وهل الجواز مقيد بما إذا وزنا أو يجوز مطلقا كيلا أو وزنا فيه تردد في فهم النقل.
قوله: (واعتبرت المماثلة) أي وتعتبر المماثلة المطلوبة في العين والأطعمة الربوية (بمعيار الشرع) إن وجد.
قوله: (وإلا فبالعادة) أي فإن لم يحفظ عن الشرع معيار معروف، فمعيار العادة بين الناس كان كيلا أو وزنا وإن اختلفت العادة فعادة محله.
قوله: (فإن عسر الوزن جاز التحري لا إن لم يقدر على تحريه لكثرته) أي فإذا لم يجد ما يوزن به جاز التحري إن قدر على تحريه، فإن لم يقدر على تحريه فلا يجوز، وسكت الشيخ عن الكيل؛ لأن المكيال لا يعدم وإن كان مجهولا، لأن المعتبر المماثلة وقد وجدها.
стр. 1052
فصل [في البيوع المنهي عنها]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه بعض البيوع المنهي عنها، ليكون أصلا ودليلا لكل ما يذكر من العقود الفاسدة، والأصل في الأحكام المعقولية لا التعبد، والأصل في المنافع الإباحة لا الحظر، والأصل في المضار المنع.
قوله: (وفسد منهي عنه) هذا ضابط أي يفسد العقد في كل منهي عنه، لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه، فيفسد (إلا بدليل) من الكتاب أو السنة أو الإجماع منفصل يدل على أنه خارج عن النهي، كإجازة التولية والشركة في الطعام من بيع الطعام قبل قبضه، فيكون مستثنى، والمستثنيات في الشرع كثيرة، فاعلم أنه يجب عليك أن تعتقد أن الله تعالى ما أمر بشيء إلا وفيه مصلحة عاجلة أو آجلة أو كلاهما، وما نهى عن شيء إلا وفيه مفسدة عاجلة أو آجلة أو كلاهما، وما أباح شيئا إلا وفيه مصلحة عاجلة، وأكثر هذه المصالح والمفاسد ظاهر جلي، ومنها ما لا تظهر فيه مصلحة ولا مفسدة، سواء جلب الثواب أو دفع العقاب، ويعبر عنه بالتعبد. انتهى.
قوله: (كحيوان بلحم جنسه) شروع منه ﵀ في أمثلة البيع المنهي عنها أي فلا يجوز بيع حيوان بلحم جنسه (إن لم يطبخ)، وأما إن طبخ فيجوز، وظاهر كلامهم بشرط الطبخ بالأبزار.
قوله: (أو بما لا تطول حياته) أي وكذلك لا يجوز بيع حيوان بحيوان لا تطول حياته كطير الماء والشارف على الموت، فلا يجوز بيع طير الماء بالطير البري، لأنه كاللحم فلا يباع باللحم لأنه حيوان.
قوله: (أو لا منفعة فيه: إلا اللحم، أو قلت فلا يجوز إن بطعام لأجل: كخصي ضأن) أي وكذلك لا يجوز بيع حيوان بحيوان لا منفعة فيه إلا اللحم، وذلك كخصي معز، أو كانت فيه منفعة إلا أنها قليلة كخصي ضأن له صوف، وللصوف منفعة ولكن قليلة، فبسبب ذلك لا يجوز بيع ما لا تطول حياته، أو ما لا منفعة فيه إلا اللحم أو كانت فيه إلا أنها قليلة بطعام إلى أجل وهو المراد بقوله فلايجوزان بطعام إلى أجل وإن نوى القيمة في الخصي.
قوله: (وكبيع الفرر) أي ومما نهي عنه بيع الغرر وهو بيع يشك في حصول
стр. 1053
المقصود منه غالبا، فكل سلعة بحسبه، فإنها للمعاوضة على غير منتفع به للشك، واختلف في علة المنع من بيع الغرر. ابن عبد السلام: هو ما يؤدي إليه من التنازع.
وقيل العلة لاشتماله على حكمة هي حجز البائع عن التسليم.
قال المازري: علته أنه من أكل أموال الناس بالباطل لقوله اللي في بيع الثمار قبل بدو صلاحها: «أرأيت إذا منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه» (١). انتهى (٢).
والغرر لغة ما له ظاهر محبوب وباطن مكروه، ولذلك سميت الدنيا متاع الغرور، وقد يكون من الغرارة وهي الخديعة، ومنه الرجل الغر بكسر الغين الخداع، ويقال للمخدوع أيضا ومنه قوله اللي: «المؤمن غر كريم» (٣).
قوله: (كبيعها بقيمتها) هذا شروع منه الله في ذكر أمثلة الغرر، والإجماع على أن الغرر اليسير في البيوع مغتفر والكثير لا يجوز وفيما بينهما خلاف وهو خلاف بغير ذكر ثمن معه في شهادة أي فلا يجوز أن يبيع سلعة بغير ذكر ثمن معين، بل قال: أبيعكها بما تساوي من القيمة عند أهل المعرفة، لأن ذلك مجهول والجهل بالثمن يفسد البيع.
قوله: (أو على حكمه أو حكم غير) أي وكذلك لا يجوز عقد البيع على أن يكون الثمن بحكم أحد المتبايعين أو غيرهما، لأنه جهل بالثمن للجهل بما يحكم به.
قال اللخمي: إلا أن يقوم ما يدل على المكارمة لقرابة أو غيرها فيجوز، وكذلك لا يجوز أن يقول اشتريتها بما يخرج به من العسر أو بما تساوي في السوق فيفسخ العقد إن وقع، وكذلك لا يجوز أن تقول له امض بسلعتك إلى السوق فما سوت أخذتها به. قاله ابن جماعة (٤).
قال المواق: قال ابن القاسم: من قال بعتكها بما شئت ثم سخط ما أعطاه إن
стр. 1054
أعطاه القيمة لزمه.
الباجي: حمله على المكارمة، وهو كهبة الثواب (١).
قوله: (أورضاه) أي وكذلك لا يجوز عقد البيع على رضى أحد المتبايعين أو غيرهما لأنه جهل بما يرضى به من الثمن.
قوله: (أو توليتك سلعة لم يذكرها، أو ثمنها بإلزام) أي ومن الغرر توليتك سلعة لم تذكرها بوصفها المقصود لمن وليتها له، أو ذكرتها بوصفها ولم تذكر ثمنها.
قوله: بإلزام قيد في المسائل الست وأما إن كان على خيار فلا بأس.
قوله: (وكملامسة الثوب) وهو من أمثلة الغرر أي ولا يجوز أن ينعقد البيع بلمس الثوب لأنه جهل بصفة المبيع.
قوله: (أو منا بدته، فيلزم) أي وكذلك لا يجوز عقد البيع بالمنابذة وهو أن ينبذ إليه سلعته، وينبذ إليه الآخر سلعته بغير تأمل كاشف لما بها عن المقصود، وأما إن كانا على الخيار فلا بأس.
قوله: (وكبيع الحصاة وهل هو بيع منتهاها أو يلزم بوقوعها، أو على ما تقع عليه) أي ومما نهي عنه بيع الحصاة في الحديث النبوي (٢)، واختلف في تفسيره قال بعضهم: هو منتهى رمية أحدهما أو غيرهما من الأرض يقع عليه البيع فلا يجوز وإن كانا يعلمان منتهى رميته قبل ذلك، ولا يخفى ما في ذلك من الجهالة لاختلاف قوة الرامي وعوائق الرمي، فلا يدرى قدر المثمون إذ لا يدرى منتهى الرمية.
وقال بعضهم: هو أن يلزم البيع في زمن وقوع الحصاة، فلا يجوز لأنه أجل مجهول إذ لا يدري متى تقع.
وقال بعضهم: معناه أن يرمي بالحصاة فيلزم البيع فيما تقع عليه الحصاة.
قوله: (بلا قصد، أو بعدد ما يقع عليه؟) الظاهر أنه عائد على الذي يليه، وقال بعضهم: معناه أن يرمي بالحصا ويتلقاها بظاهر كفه فيعدد ما يقع من الحصياة يقع عليه البيع فلا يجوز، لأنه جهل بقدر المبيع ففيه (تفسيرات).
قوله: (وكبيع ما في بطون الإبل أو ظهورها، أو إلى أن ينتج النتاج وهي المضامين
стр. 1055
(والملاقيح - وحبل الحبلة) أي ومما نهي عنه بيع ما في بطون الإبل وهي المضامين، وكذلك ما في ظهور الإبل وهي الملاقيح، والإبل ليس بشرط بل في كل حيوان.
قوله: أو إلى أن ينتج النتاج أي ومما نهي عنه البيع إلى أن ينتج النتاج وهو حبل الحبلة، لأنه أجل مجهول.
فائدة في الإكمال: (الحبلة) جمع حابلة، وهو مختص ببنات آدم وفي غيرهن، إنما يقال له حمل قاله أبو عبيد (١)(٢).
وروي بسكون الباء في حبل المضاف للحبلة. انتهى من الذخيرة.
قوله: (وكبيعه بالنفقة عليه) أي ومما نهي عنه أن يبيع سلعته بالنفقة عليه مدة حياته، لأنه من الغرر إذ لا يدري منتهى (حياته)، فإن وقع ونزل رد المبيع إلى ربه إن لم يفت فإن فات رد القيمة. غفل الشارح هنا نفع الله.
قوله: (ورجع بقيمة ما أنفق، أو بمثله، إن علم ولو سرفا على الأرجح، ورد، إلا أن يفون) أي ويرجع المنفق على المنفق عليه بقيمة ما أنفق إن لم يعلم قدره، أو بمثله إن علم، ولو كان ما أنفق سرفا على ما اختاره ابن يونس لأنه كالهبة.
السرف هنا خرج مخرج العوض فمن ثم يرجع به.
قال المواق: المسألة الثانية: إذا أسكنه إياها على أن ينفق عليه حياته.
قال ابن يونس: فهذا كراء فاسد.
ولم يذكر خليل هذه المسألة، وفي هذه المسألة: ذكر ابن يونس الخلاف في الرجوع بالسرف ورجح الرجوع، قال: لأنه كهبة من أجل البيع، فانظر قول ابن يونس من أجل البيع ولم يقل من أجل الكراء، وانظر لم يذكر هذا الخلاف في البيع، وقد نقلت كلام ابن يونس بنصه فانظره في نفسه ومع لفظ خليل (٣).