قوله: (أو أخرج بعض المستباح، أو نسي حدثا) أي وإن نوى بوضوئه بعض المستباح به وأخرج البعض كما إذا نوى بوضوئه الظهر لا العصر فإن ذلك لا يؤثر في وضوئه بل يجزيه لعصره وغيره، وكذلك يجزيه وضوؤه إذا توضأ لحدث أو غائط مثلا ناسيا للآخر كان المنسي أولا أو آخرا فإنه يجزيه لهما.
قوله: (لا أخرجه أو نوى مطلق الطهارة أو استباحة ما ندبت له أو قال: إن كنت أحدثت فله، أو جدد النية أي فلا يجزيه ذلك الوضوء إن أخرج الحدث بنية، كما إذا نوى بوضوئه حدث البول مثلا دون حدث الغائط وقد حصلا منه، فإنه لا يجزيه للتناقض، وكذلك إذا نوى بوضوئه مطلق الطهارة، فإنه لا يجزيه لأن المنوي لا بد من كونه معلوما أو مظنونا، فلا تنعقد النية في المشكوك لترددها، وكذلك إن نوى بوضوئه استباحة ماندبت له الطهارة، كقراءة القرآن في غير المصحف، أو للدخول على الملوك أو للنوم، فإنه لا يجزيه للصلاة ومس المصحف، وكذلك إن نوى بوضوئه إن كنت أحدثت فهذ الوضوء لذلك الحدث ثم تبين حدثه. انظر هذا في التجويز العقلي والوهم وأما ذا الشاك فإنه يجزيه.
وقال في الرسالة: ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث ابتدأ الوضوء (١).
وقال ابن عرفة - فيمن أيقن بالوضوء وشك في الحدث: من تأمل وأنصف يقول: لا شيء عليه لأن الحدث مانع والشك في المانع لا أثر له، وكذلك لا يجزيه الوضوء المنوي به التجديد ثم تبين الحدث لقصر النية على الفضيلة (٢).
وقوله: (فتبين حدثه، أو ترك لمعة فانغسلت بنية الفضل) راجع إلى الفرعين، وكذلك لا يجزيه وضوءه إذا ترك من أعضائه لمعة في الغسلة الأولى فانغسلت في الثانية بنية الفضيلة على المشهور فلأجل خوف ذلك ينوي بعضهم بالغسلات الثلاث كلها الفرض.
قال الشيخ في توضيحه فائدة: اختلف عندنا في مسائل هل يجزئ فيها ما ليس بواجب عن الواجب، منها هذه إذا ترك لمعة في الفرض فانغسلت بينة الفضيلة، ومنها من اغتسل للجمعة ناسيا للجنابة، ومنها من سلم من ركعتين ثم قام إلى نافلة،
стр. 107
ومنها لم يسلم ولكن ظن أنه سلم ومنها إذا بطلت عليه ركعة ثم قام إلى خامسة ساهيا، ومنها من نسي سجدة ثم سجد سجدة سهوا أو سجد للسهو والمشهور في هذه عدم الإجزاء، ومنها من طاف طواف الوداع ناسيا لطواف الإفاضة، ومنها من ساق هديا تطوعا ثم تمتع، ومنها من قام إلى ثالثة من غير تسليم ولا ظن سلام والمشهور في هذه الثلاثة الإجزاء، ومنها ما وقع لعبد الملك (١) في من نسي رمي جمرة العقبة ثم رماها ساهيا أنها تجزئه. انتهى (٢).
قوله: (أو فرق النية على الأعضاء) أي وكذلك لا يجزيه الوضوء الذي فرق فيه النية على الأعضاء بأن خص كل عضو بنية رفع الحدث عنه مع قطع النظر عما بعده بناء على أنه عبادة واحدة (والأظهر) عند ابن رشد (في) هذا الفرع (الأخير الصحة) بناء على أن الحدث يرتفع عن كل عضو لفعله ورد ما أورد عليه بأن المنع متعلق بالمكلف إذ هو الممنوع من الصلاة والمنع باق ولو بقيت لمعة.
قوله: (وعزوبها بعده ورفضها منتفر) أي ودوام النية بعد عقدها في محلها مطلوب وعزوبها بعده ورفضها مغتفر لأن رفع الواقع محال يعني في المفعول وأما الباقي منه فلابد فيه من نية فالنية إنما يستلزم استصحابها حكما لا ذكرا انتهى.
قال ابن العربي ﵀: إن الله يسمح للعباد في استرسال الخواطر في الصلاة فإذا ذكر عاد إليها فإن استمر مختارا بطلت صلاته. انتهى (٣).
وهذه المسألة موضع ذكرها فصل السهو في الصلاة وسبق العلم بها هنا.
مسألة: قال ابن شاس: لو رفض النية بعد كمال الطهارة، ففي نقضها بذلك روايتان، منشأهما أنها كجزء من أجزاء الوضوء فيجب استصحابها، أو المقصود بها
стр. 108
تصحيح الفعل وقد حصل. انتهى (١).
قوله: (وفي تقدمها بيسير خلاف) أي وفي إجزاء تقدم النية عن محلها بيسير وعدم إجزائها خلاف وأما تقدمها عن محلها بكثير فلاخلاف في عدم إجزائها.
فرع واختلف فيما ينوي به صاحب السلس والمستحاضة، قال بعضهم: ينويان استباحة الصلاة لأن رفع الحدث كالتيمم، وقال آخرون: ينويان رفع الحدث والذي يسيل منهما بعد الوضوء ليس بحدث قال البساطي (٢): وهو الظاهر. انتهى.
وفي العبدري وينظر إلى حكمة الشرع في غسل هذه الأعضاء المعلومة دون ما عداها من سائر البدن وذلك أنه ليس في البدن ما يتحرك للمخالفة أسرع من هذه الأعضاء، فأمر الشارع أولا بغسلها تنبيها منه ﵇ على طهارتها الباطنة، «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (٣) ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ [النساء: ١٤٧]، فالمطلوب والمقصود هو الباطن ثم إذا رتب غسلها على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة فما كان منها إلى التحريك أسرع من غيره أمر بغسله قبل صاحبه فأمر بغسل الوجه أولا وفيه الفم والأنف والعينان فابتدء بالمضمضة أولا على سبيل السنة لأنه أكثر الأعضاء وأشدها حركة وإنما أمر بالمسح للرأس لأنه لم تقع منه المخالفة وهو مجاور لمن تقع منه المخالفة وهو اللسان والعينان فلأجل المجاورة للمخالف أعطي حكما بين حكمين فأمر بالمسح ولم يؤمر بغسله. انتهى (٤).
стр. 109
[سنن الوضوء]
قوله: (وسننه) لما فرغ ﵀ من ذكر فرائض الوضوء، شرع يذكر سننه أي وسنن الوضوء (غسل يديه أولا، ثلاثا، تعبدا بمطلق ونية) قبل كل فعل منه إلى كوعيه ثلاث مرات تعبدا وهو المشهور ولأجله قال: (ولو نظيفتين)، وقيل للنظافة وهو قول أشهب، يغسلهما بماء مطلق بنية لأنه تعبد في نفسه، وتحديد غسل اليدين بالثلاث يدل على أنه تعبد.
قوله: (أو أحدث في أثنائه) مستغنى عنه لأنه داخل في قوله: ولو نظيفتين.
قوله: (مفترقتين) أي يغسلهما مفترقتين اليمنى باليسرى ثم اليسرى باليمني بناء على أنه تعبد وأما على القول بأنه للنظافة فلا.
وقوله: (ومضمضة) هذه هي السنة الثانية المضمضة تحريك الماء في الفم.
وقوله: (واستنشاق) سنة ثالثة، الإستنشاق هو جذب الماء بنفسه وهو من التنشق وهو الشم.
قال عياض في الإكمال: الحكمة في تقديم المضمضة والإستنشاق على الوجه اختبار رائحة الماء وطعمه إذ لونه مشاهد بالعين فجعل مبدأ الوضوء لئلا يبتدئ بما لا يجوز. انتهى (١).
قال صاحب التلقين: وصفة المضمضة أن يوصل الماء إلى فيه ثم يخضخضه ويمجه (٢).
قال الفاكهاني (٣) في شرح العمدة: فقوله: ويمجه فأدخل المج في حقيقة
стр. 110
المضمضة فعلى هذا لو ابتلع ماءها لم يكن آتيا بالسنة، ويمكن أن يكون ذكر ذلك؛ لأنها العادة والغالب، لا أنها تتوقف على المج) (١). انتهى من تكميل التقييد (٢).
وفيه أيضا: وقد سمعت شيخنا الفقيه الحافظ أبا عبد الله القوري يعارض اشتراط المج فيها بقول: قال المازري: رأيت اللخمي يتوضأ في المسجد ولعله كان يبتلع ماء المضمضة ولست أذكر الآن المحل الذي قاله فيه المازري، وزاد الشار مساحي (٣): وهل يمجه بأن يدفعه أو يتركه يسيل دون دفع قولان. انتهى (٤).
قوله: (وبالغ مفطر، وفعلهما بست أفضل، وجازا أو إحداهما بغرفة) أي في المضمضة والإستنشاق، وأما الصائم فلا لئلا يسبقه الماء إلى حلقه والأفضل في المضمضة والإستنشاق فعلهما بست غرفات كل واحد بثلاث، ويجوز فعلهما معا أو أحدهما بغرفة واحدة.
قوله: (واستنثار) هذا هو السنة الرابعة، وقيل إن الإستنشاق والإستنثار سنة واحدة، الإستنثار بثاء مثلثة وهو دفع ماء الإستنشاق بنفسه في كل غرفة ويده على أنفه كهيئة امتخاطه.
قوله: (ومسح وجهي كل أذن) هذا هو السنة الخامسة وهو مسح وجهي كل أذن حتى الصماخ ظاهرهما وباطنهما، خلافا لمن قال بوجوب مسح ظاهرهما، واختلف هل باطن الأذن ما يلي الوجه أو ما يلي الرأس، فمن نظر إلى الأصل قال: الباطن مايلي الوجه لأن الأصل كان منكمشا، ومن نظر إلى الظاهر قال: الباطن ما يلي الرأس، الأذن مأخوذ من أذن إذنا وهو من الإستماع.
قوله: (وتجديد مائهما) هذا هو السنة السادسة هو تجديد قبض الماء لمسح الأذنين يفرغ الماء على سبابتيه وإبهاميه أو يغمسهما في الماء ثم يمسح بهما أذنيه.
стр. 111
قوله: (ورد مسح رأسه) هذا هو السنة السابعة أي ورد يديه في مسح رأسه إلى حيث بدأ مقدما أو مؤخرا أوغيره سنة.
قوله: (وترتيب فرائضه) أي والسنة الثامنة ترتيب فرائضه في أنفسها بأن يبدأ بغسل الوجه ثم اليدين إلى المرفقين ثم يمسح الرأس ثم غسل الرجلين.
قوله: (فيعاد المنكس) أي فبسبب سنية الترتيب فإن نكس وقدم المؤخر عن المقدم فإنه يعيد غسل العضو المنكس إن كان مغسولا أو المسح إن كان رأسا (وحده إن بعد) وضوءه والبعد يكون (بجفاف) يدل على الطول أو زمن لو قدر معتدلا لجفت فيه الأعضاء المعتدلة وكذلك لو وضأه أربعة دفعة فإنه يعاد المنكس وحده. قوله: (وإلا مع تابعه) أي وإن لم يبعد ما بين ذلك لعدم حصول الجفاف يعاد المنكس مع تابعه إن كان له تابع.
قال ابن حبيب: يعاد مع تابعه طال أم لا (١)، واختاره ابن عبد السلام. انتهى.
انظر جمع إعادة المنكس وحده لم يحصل الترتيب.
قال القلشاني في شرحه للرسالة: قال المازري: واختلف في تريب الفرائض، فقيل: واجب.
وقيل: سنة، وقيل: مستحب.
قال: ووجه القول بوجوبه أن الله أمر بغسل أعضاء مخصوصة، عطف بعضها على بعض بالواو وهي للترتيب على ما ذكره الفراء (٢) وغيره فوجب الترتيب لذلك، وأيضا فإنه فرق بين متجانسين في حكم الغسل وهما اليدان والرجلان بمخالف لهما في الحكم وهو الرأس دل على الترتيب، ووجه القول بأنها سنة أن الواو لا توجب الترتيب وإنما هي لمطلق الجمع على المشهور، وإنما فرق بين المغسولين وذكر الرأس بعد اليدين وهو أقرب للوجه إنما ذلك لمجانسة حكم الوجه لليدين في أنهما مغسولان، ولأن الرأس يشارك الرجلين في بعض الأحكام وهو سقوطه مع الرجلين في التيمم فحسن تأخير ذكره لذلك.
стр. 112
انتهى (١).
قوله: (ومن ترك فرضا) أي ومن ترك فرضا من فروض الوضوء أو الغسل (أتى به) وإن قل (وبالصلاة) التي صلى بتلك الطهارة أبدا، قال ابن رشد: ومن صلى الخمس بوضوء وجب لكل صلاة فذكر مسح رأسه من وضوء أحدها ولم يعرفها بعينها مسحه وأعاد الخمس (٢). انتهى من مختصر ابن عرفة.
قوله: (وسنة فعلها لما يستقبل أي فإن ترك سنة من سنن الوضوء أو الغسل فعلها لما يستقبل من الصلوات إن أراد أن يصلي بذلك الوضوء، ولا يعيد الصلاة التي قد صلى به.
قال ابن ناجي: وقد قال ابن بشير كل سنة في الوضوء لم تخل عن فعل فإنها إذا تركت لا تعاد كمن ترك غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء والإستنثار ورد اليدين في مسح الرأس. انتهى (٣).
هنا انتهى من السنن وتليها الفضائل.
رتب الشيخ هنا ﵀ أفعال الوضوء الأوكد فالأوكد.
[فضائل الوضوء]
قوله: (وفضائله موضع طاهر، وقلة الماء) أي وفضائل الوضوء فعله بموضع طاهر لأنه أسلم له وأن لا يتكلم حين يتوضأ، ومن فضائله قلة مائه (بلا حد) في القلة وإن توضأ في نهر ولكن كل أحد بحسبه في جسمه وعلمه بإتقان الوضوء.
قوله: (كالمسل) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن من فضائل الغسل قلة مائه بلاحد، وموضع طاهر، وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لا تسرف في الماء عند الطهور وإلا لطال عليك الحساب».
وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ : «كان يغسله الصاع ويوضؤه المد» (٤)، وفي
стр. 113
البخاري مثل ذلك (١)، وقال مالك في المجموعة: رأيت عياش بن عبد الله بن معبد (٢). وكان فاضلا - يتوضأ بثلث مد هشام ويفضل له منه، فأعجب ذلك مالكا.
وقال ابن القاسم: سمعت مالكا يذكر قول الناس في الوضوء حتى يقطر أو يسيل، فسمعته يقول: (قطر قطرا) إنكارا لذلك. انتهى من تبصرة اللخمي (٣).
قوله: (وتيمن أعضاء) أي ومن فضائل الوضوء التيمن بأعضائه بأن يقدم اليمنى فاليمني، فيغسل يده اليمنى ثم اليسرى ثم رجله اليمنى ثم اليسرى، ولذلك قال بعض العلماء: يبدء في تخليل أصابع يده اليمنى بالخنصر ويبدأ في تخليل أصابع اليسرى بإبهامها.
قوله: (وإناء إن فتح) أي ومن فضائل الوضوء كون الإناء عن يمينه إن كان الإناء واسع الفم وإلا فحيث تيسر له.
قوله: (وبدء بمقدم رأسه) أي ومن فضائل الوضوئ البدء في مسح الرأس بمقدمه إلى منتهى آخره، وكيف ما مسح أجزأه.
قوله: (وشفع غسله، وتثليته) أي ومن فضائل الوضوء شفع غسل وجهه ويديه بنية الفضيلة.
قال صاحب إكمال الإكمال: حكى الإسفرائيني (٤) عن مالك وجوب الثانية، المازري وغيره في روايته ذلك كراهية مالك الاكتفاء بالواحدة من غير العالم، وفي إعادة المكرر بنية الفضيلة أو الوجوب أو بنية ما عسى أن يكون تركه من الأولى، أو نية إكمال الفرض أربعة أقوال وعلى الأول لو تبين نقض الأولى، فقال عبد الحق: الأرجح أن الثانية لا تجزئ. ابن بشير (٥): وأجمعوا على منع
стр. 114
الرابعة. انتهى (١).
وفضيلة التكرار في الوضوء مقصورة على الغسل دون المسح.
قال ابن شاس: والتكرار الذي نمنعه ونقول أنه لا فضيلة فيه هو أن يكون بماء جديد فأما بماء واحد فلا يمنعه أصحابنا. انتهى (٢).
وقد توضأ النبي ﷺ واحدة واحدة واثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وليس متناقضا مع الفعل، بل هو توسعة. انتهى.
قال في الرسالة والنهاية أحسن (٣).
قوله: (وهل الرجلان كذلك) أي وهل غسل الرجلين كالوجه واليدين في أن الثانية والثالثة فضيلة (أو المطلوب) في غسلهما (الإنقاء) وإن حصل بأقل من ثلاث، وعن المازري: إن كانتا نقيتين فثلاث كسائر الأعضاء وإلا فلا تجديد إجماعا (٤). ولو دلك إحدى رجليه بالأخرى وقد حصل بذلك الإيعاب أجزأ، قاله مالك في المجموعة (٥).
قوله: (وهل تكره الرابعة) أي وهل تكره الغسلة الرابعة في الوجه واليدين وعليه اختصر صاحب المقدمات (٦) (أو تمنع؟ خلاف) في الفرعين.
قوله: (وترتيب سننه أو مع فرائضه) أي ومن فضائل الوضوء ترتيب سننه في أنفسها بأن يبدء بغسل اليدين قبل دخولهما في الإناء ثم بالمضمضة ثم بالإستنشاق ثم بالإستنثار بعد كل غرفة ثم رد مسح الرأس وكذلك من فضائل الوضوء ترتيب السنن مع فرائضه فيكون رد مسح الرأس بعد الوجه واليدين ومسح الرأس.
стр. 115
قوله: (وسواك) أي والسواك من فضائل الوضوء وينوي به الإقتداء بسنة رسول الله ﷺ وصفته أن يستاك عرضا لأن الاستياك طولا يضر باللثاث، والسواك فيه خصال محمودة، مطهرة للفم، ومرضاة للرب سبحانه، ومطردة للشيطان مفرحة للملائكة، ويذهب الحفر، ويجلو البصر، ويكفر الخطيئة.
قال ابن عرفة: وباليمني أولى.
الشارمساحي: هو باليسرى أولى كالامتخاط (١).
قال صاحب إكمال الإكمال: وإذا كان بالأصبع فاستحب بعضهم أن يكون باليمنى لأن الشمال مست الأذى، قال ابن العربي: يكون بقضيب الشجر وأفضله الآراك وبالأخضر للمفطر وضعف قول من كرهه بذي صبغ للتشبه بالنساء لجواز الاكتحال. انتهى (٢).
وكه ابن حبيب الاستياك بعود الرمان والريحان (٣) وزاد بعضهم القصب والحلفاء.
وقوله: (وإن بإصبع) أي وإن كان الإستياك بأصبع يريد الأصبع المتصل، وأما المنفصل عنه فنجس ويكون السواك مع الماء أو قبله.
قوله: (فصلاة بعدت منه) أي كما أن السواك لصلاة بعدت من الوضوء فضيلة.
قوله: (وتسمية) أي التسمية: بسم الله في الوضوء فضيلة، (وتشرع) التسمية (في) كل أمر ذي بال لم يستلزم ابتداؤه ذكر الله ولا خص به نوع آخر من ذكر من ذكر الله وذلك ك (غسل، وتيمم، وأكل، وشرب) وإن في أثنائهما (وذكاة) وإن لجلد (وركوب دابة وسفينة، ودخول وضده) أي خروج (لمنزل) أو غيره، (ومسجد، ولبس) ثوب أو غيره ونزع له (وغلق باب)، وفتحه (وإطفاء مصباح، ووطء) مباح وأما المحرم فمكروه، لا يراد منهما الترك ولا الكثرة (وصعود خطيب منبرا) عند (وتغميض ميت ولحده) وإدخاله القبر ولا تشرع في ابتداء ذكر كدعاء وأذان أو خص بابتدائه نوع آخر من ذكر الله كصلاة وحج وعمرة وتكره البسملة في ابتداء أمر لا بال له ككل أمر محرم أو مكروه إذ البسملة إنما يراد منها التبرك والكثرة والمحرم والمكروه لا يراد منهما
стр. 116
التبرك ولا الكثرة، فالأقسام ثلاثة ما تشرع فيه البسملة وما لم تشرع فيه وما تكره فيه، إنما قال الشيخ ﵀: وتشرع إذ قد تجب وتباح وتكره والشرع جامع لذلك.
قال بعض العلماء: لا تكمل البسملة في سبعة مواضع: عند الأكل، وعند الشرب، وعند الذبح، وعند الجماع، وعند الوضوء، وعند ركوبه دابة أو سفينة.
قوله: (ولا تندب إطالة الغرة ومسح الرقبة وترك مسح الأعضاء) أي ولا يندب للمتوضيء أن يطيل الغرة بأن يغسل ما فوق المفروض.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يكون ذلك من الفضائل (١)، وكذلك لا يندب له مسح رقبته عند مسح الرأس، وكذلك لا يندب له ترك مسح أعضاء الوضوء بالمنديل ونحوه.
قوله: (وإن شك في ثالثة ففي كراهتها) أي وإن شك المتوضي في غسلة من غسلات عضو يريد تثليثه هل هي ثانية أو ثالثة ففي كراهة إتيانه بغسلة أخرى (وندبها) وجوازه (قولان) مبنيان على ترجيح السلامة من ممنوع على تحصيل فضيلة وعلى اعتبار أصل العدم كالشك في الركعات أتى بها، ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات أم أربعا بنى على اليقين وصلى ما شك فيه.
قوله: (قال: كشكه في صوم يوم عرفة هل هو العيد) أي وخرج المازري عليهما حكم صوم يوم شك فيه هل هو يوم عرفة أو يوم العيد (٢). انتهى.
قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله - عكس الشيخ.
فصل [في آداب قضاء الحاجة والاستنجاء]
قوله: (فصل) أي هذا فصل ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب، وهذا فصل يذكر فيه آداب قضاء حاجة الإنسان والإستجمار منه وما يستجمر به وحقه أن يوصله بفصل زوال النجاسة.
قوله: (ندب لقاضي الحاجة) أي حاجة الإنسان من بول (جلوس) برخو طاهر ليأمن من النجس، (ومنع) له الجلوس (برخو نجس) ولزمه الجلوس بصلب طاهر،
стр. 117
وأما الغائط فلابد من الجلوس له.
(وتعين القيام) ابن عرفة عن الباجي (١) وابن بشير: قيامه بطاهر رخو جائز ومقابله يدعه، وجلوسه بصلب طاهر لازم ومقابله مقابله.
التلقين: يجوز له البول قائما في الرمل والمواضع التي يأمن تطايره عليه (٢). انتهى من المواق (٣).
ابن عبد الكريم وعلى كل حال تتحفظ من النجاسة ما أمكنك من غير حرج ولا إسراف.
قوله: (واعتماد على رجل، واستنجاء بيد يسريين) أي ومما يندب لقاضي حاجة الإنسان اعتماده في جلوسه على رجله اليسرى لأنه أعون له على استفراغ الخبث، ويندب له الإستنجاء بيده اليسرى تكرمة لليمنى عن مس محل الأذى، ولأنه أقرب إليه وأنظف له، فلا ينبغي أن يقرب يمناه خبثا فلا يمس ذكره بها ولا يمتخط بها إلا الضرورة تلجئه إلى شيئ من ذلك.
قوله: (وبلها قبل لقي الأذى، وغسلها بكتراب) أي ويندب له بل يسراه قبل الإستنجاء بها دفعا لكمال تعلقه بها فإذا نسي الإستنجاء حتى توضأ فإن كان القبل غسله بحائل، وإن كان دبرا يغسله وإن صلى به أعاد في الوقت. انتهى.
(بعده) فإذا استنجى بيده ندب له غسلها بتراب ونحوه كالصابون، طلبا لسرعة النظافة وكمالها.
قوله: (وستر إلى محله، وإعداد مزيله، ووتره) أي وندب لمريد قضاء حاجة الإنسان، إدامة ستر إلى محل لا بدله من تشمير ثوبه، وكذلك يندب له إعداد المزيل للخبث قبل شروعه فيه من ماء أو حجر أو مدر أو غيره ليزيل النجاسة عند فراغها لئلا يتحرك لطلبه فيتعدى النجس لثوبه أو جسده، ويندب له أن يكون المزيل وترا ثلاثا أو خمسا، فإن أنقى الموضع بإثنين، يزيد ثلاثا، أو بأربع يزيد خمسا، أو بستة
стр. 118
يزيد بها سبعا، واختلف هل يقوم حجر واحد ذي ثلاث شعب مقام ثلاثة أحجار، (و) يندب له (تقديم قبله) بالإستجمار لئلا تتنجس يده أو ذراعه، إلا أن يعتاد إدرار البول عند غسل دبره، فلافائدة حينئذ في تقديم القبل.
قال ابن عرفة: قال القرافي مغسول الثيب من فرجها في البول كالبكر، لأن مخرج البول قبل مخرج البكارة والثيوبة، وتغسل الثيب في الحيض كل ما ظهر من فرجها حين جلوسها للاستنجاء، والبكر ما دون العذارة، ويحتمل أن يقال إن البول يجري عليه وإليه فيغسل والأول أظهر. انتهى من مختصره (١).
قال الأبي في إكمال الإكمال: وجاء في الحديث: انتضاح الانتضاح بالماء، أن يأخذ قليل ماء فيرش به مذاكره، ليذهب الوسواس، وكان رسول الله ﷺ يفعله قطعا للوسواس، وإن كان محفوظا منه، لكن يفعله تعليما للأمة، أو كان يفعله ليرتد البول ولا ينزل منه شيء بعد شيء. انتهى (٢).
(و) يندب له حين قضاء الحاجة (تفريج فخذيه، واسترخاؤه) لأن ذلك أبلغ في الإستفراغ لما في المحل من الأذى.
قوله: (وتغطية رأسه) أي ومما يندب لمريد قضاء الحاجة تغطية رأسه حينئذ حياء من الله تعالى، وقيل إن تغطية الرأس أجمع لمسام البدن، وأسرع لخروج الخبث، (و) كذلك يندب له (عدم التفاته) حين قضائه للحاجة، لئلا يرى ما يخجله وأما قبل ذلك فمندوب له الإلتفات.
قوله: (وذكر ورد بعده وقبله) أي وندب القاضي الحاجة أن يذكر الذكر الذي ورد ذكره بعد قضاء الحاجة، وهو: «الحمد لله الذي سوغنيه طيبا، وأخرجه عني خبيثا، وأبقى في جسمي قوته» (٣)، وأما الذكر الذي ورد ذكره قبله هو: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (٤).
стр. 119
الخبث ذكران الشياطين، والخبائث إناثها.
قال صاحب كتاب الاختصار والتقريب في ذكر رجال الموطأ: وهذه الاستعاذة تكون من اغتمام الشياطين عدم الذكر في ذلك الموضع إذ بذكر الله سبحانه يطرد الشيطان فألجأ ﷺ إلى الاستعاذة قبل ذلك عصمة بينه وبين الشيطان حتى يخرج وكان ﷺ قد عصم من الشيطان بشرط الاستعاذة. انتهى (١).
وقيل: إن الشياطين تتضاخم عند كشف العورة للبراز، فإذا ذكر الله هربت.
قوله: (فإن فات ففيه إن لم يعد) أي فإن فات ذكر الذكر المذكور قبله، فإنه يذكره في موضع قضاء الحاجة، إن لم يكن معدا لها، كالمرحاض ونحوه، والحال أنه لم يشرع في قضاء الحاجة، وأما إن كان الموضع معدا لذلك أولا ولكن قد شرع في قضاء الحاجة فلا يذكره فيه لأن الموضع نجس، وورد النهي عن حمد العاطس وهو يبول، فقال ابن رشد: ذكر الله يصعد إلى السماء فلا يتعلق به من دناءة المحل شيء. قال: فلا ينبغي أن يمتنع من ذكر الله على كل حال إلا بنص ليس فيه احتمال. انتهى من العبدري (٢).
قوله: (وسكوت إلا لمهم) أي وندب لقاضي الحاجة سكوت عند قضاء الحاجة، إلا أن ينابه أمر مهم، كإنقاذ نفس أو مال، فلا يرد السلام على من سلم عليه، ولا يشمت عاطسا، ولا يحكى أذانا ولا يحمد إن عطس.
قوله: (وبالفضاء تستر) أي وندب لمريد قضاء الحاجة في الفضاء، تستر خلف ساتر من شجر أو حجر عن أعين الناس، (و) كذلك يندب له فيه (بعد) عن سمع أصوات، وشم رائحة، ولا يبول قائما.
قوله: (واتقاء جحر وريح) أي ومما يندب له حين يريد قضاء حاجته اتقاء قضائها في جحر أو مهوات لئلا يخرج منه ما يؤذيه ولأنها مساكن الجن وينبغي أن يبول دونها ويجري إليها البول، وكذلك يندب له اتقاء مقابلة الريح خيفة رده النجاسة عليه.
قوله: (ومورد وطريق، وشط، وظل، وصلب) إلى آخره أي ومما يندب لمريد قضاء
стр. 120
الحاجة أن يتقي ما كان من أمكنة الملاعن، وهي مورد الماء ومصدر عنه، وطريق، وظل من جدار أو شجر، وسميت ملاعن للعن قاصدها من يشينها، وكذلك يندب له أن يتقي فيه موضعا صلبا، خيفة التطاير عليه.
قوله: (وبكنيف نحى ذكر الله، ويقدم يسراه دخولا، ويمناه خروجا) أي وندب لمريد قضاء الحاجة في الكنيف أن ينحي عن نفسه شيئا فيه اسم الله وذكره قبل دخوله فيه أي الكنيف والمرحاض والمذهب والخلاء والمرفق والغائط والبراز والمدفع، أسماء للمرحاض.
قال عياض: الحشوش بالحاء المهملة المضمومة وبالشينين المعجمتين المراحاض (١). ويندب له تقديم يسراه في دخول المرحاض ويمناه خروجا منه تكرمة لليمنى ومن ثم يندب (عكس) ذلك في (مسجد) ونحوه من الأمكنة الفاضلة بأن يقدم يمناه دخولا فيه ويسراه خروجا منه، (و) أما (المنزل) فإنه يقدم (يمناه بهما) دخولا وخروجا. هنا انتهى.
المندوبات
قوله: (وجاز بمنزل وطء وبول وغائط) أي وجاز في منزل ونحوه مما ليس بفضاء وطء مباح وبول وغائط مستقبل قبلة ومستدبرا) لها (وإن لم يلجأ) إلى ذلك وهو المشهور، وقال في الواضحة: لا يجوز إلا أن يضطر (٢).
قوله: (وأول بالساتر) أي وأول بالساتر ما وقع في المدونة من الجواز أنه إذا كان له ساترا وإن لم يكن ساترا به فلايجوز كما في الفيافي أول أيضا (وبالإطلاق) أي كان بساتر أم لا.
قوله: (لا في الفضاء) أي لا يجوز ذلك في الفضاء إذا كان بغير ستر وفي جواز ذلك فيه (وبستر: قولان تحتملهما) المدونة (والمختار) فيهما للخمي (الترك) أي ترك ذلك، ومبنى القولين هل أنه للمصلين فيجوز أو للقبلة فلا.
стр. 121
قال صاحب إكمال الإكمال: قال النووي (١): شرط أصحابنا أن يكون بعد الساتر ثلاثة أذرع فأقل، وأن يكون ارتفاعه مما يستر أسفل القاعد وأقل ذلك مؤخرة الرحل ثلثى ذراع، فإن فقد أحد الشرطين حرم الإستقبال. انتهى (٢).
الفضاء: هو المرتفع من الأرض.
قوله: (لا القمرين) أي ولا ينهى فاعل ذلك من استقبال القمرين ولا استدبارهما لعدم ورود النهي في ذلك، (و) كذلك لا ينهى عن استقبال (بيت المقدس) بذلك ولا استدباره لأنه ليس بقبلة القمران الشمس والقمر، لما كانت الشمس مؤنثة والقمر مذكر غلب المذكر وعادة العرب أن تغلب المذكر على المؤنث إذا اجتمعا.
قوله: (ووجب استبراء باستفراغ أخبثيه مع سلت ذكر ونتر خفا) أي ويجب على قاضي الحاجة طلب البراءة مما يخرج منه من مخرجيه من الخبث باستفراغ ما فيهما مع سلت ذكره من أصله إلى طرفه سلتا خفيفا ثلاثا ويجعله بين السبابة والإبهام من يده اليسرى إن أمكنه وإلا مسك بيمينه ما يستجمر به، ويحرك ذكره بشماله إليه وينتر ذكره نترا خفيفا أي يجذبه جذبا خفيفا، النتر بالتاء المثنات الجذب، ابن القاسم: ليس القعود والقيام وكثرة السلت بصواب (٣).
قال اللخمي: من عادته أن يحتبس بوله حتى يقوم ويجلس، وجب عليه أن يقوم ثم يقعد فإن لم يفعل وخرج منه شيء بعد وضوئه انتقض وضوءه.
قال البرزلي في نوازله: وسئل اللخمي عن المتوضئ يجد بللا على رأس الذكر وقد كان استقضى الاستبراء فأجاب: ليس عليه أكثر مما فعل، والزيادة على ذلك حرج لا سيما إذا كان ذلك يتكرر عليه. انتهى (٤).
стр. 122
وفيه: سئل أبو محمد عن من يكون في الصلاة فيحس ببلل فيقطع فلا يجد شيئا ثم يعرض له هذا في صلاة أخرى فيقطع فيجد البلل كيف يصنع؟ فهل يجزيه التمادي على الشك ثم يختبر بعد السلام؟، فقال: يقطع صلاته ويستبرئ فإن تمادى على شكه، وظهرت سلامته، فابن القاسم يقول: تصح صلاته، وغيره يرى إعادتها. انتهى (١).
قوله: (وندب جمع ماء وحجر ثم ماء) أي وندب في الاستجمار جمع ماء وحجر أو نحوه ليزيل العين بالحجر والأثر بالماء فإن اقتصر على أحدهما أجزأه والإقتصار على الماء أفضل من الإقتصار على غيره لأن الغسل أطهر وأحب إلى العلماء.
قال الأبي في إكمال الإكمال: قال القرطبي (٢): تطهير محل الأذى يسمى استنجاء واستجمارا واستطابة، إلا أن الاستنجمار مختص بالأحجار والآخران يكونان بالماء والأحجار (٣).
قال الهروي (٤): الإستجمار مسح محل البول والغائط بالجمار (٥).
قوله: (وتعين في مني) إلى آخره أي وتعين الماء في إزالة مني ومذي (وحيض، ونفاس، و دم (بول امرأة) كذلك يتعين في بول امرأة لتعذر الإستجمار من بولها لانتشاره، وكذلك يتعين الماء في بول المجبوب لأنه ينتشر وقوله: ومني قال الشارح: هذا في حق من فرضه التيمم ومعه من الماء ما يزيل به النجاسة وإلا فغسل
стр. 123
كل البدن واجب. انتهى (١).
قال المواق: قال ابن عبد السلام: إن عنى بالمني مني الصحة فغير محتاج إليه لإيجاب غسل جميع الجسد وإن عنى به مني ذي السلس فلم لا يكون كالبول. انتهى (٢).
قوله: (ومنتشر عن مخرج كثيرا) أي ويتعين الماء في إزالة الخبث إن انتشر عن مخرجه انتشارا كثيرا لخروجه عن محل الرخصة، وأما إن لم يكن الإنتشار كثيرا فلا يتعين الماء لزواله.
قوله: (ومذي بغسل ذكره) أي ويتعين الماء في إزالة المذي مع غسل ذكره (كله) عند إرادة الوضوء أو قبله وهو على الخلاف في تعليق الحكم بأول الإسم أو بآخره لأن الذكر يطلق على الكل وعلى البعض.
قوله: (ففي النية وبطلان صلاة تاركها أو تارك كله قولان) أي ففي وجوب النية في غسل الذكر كله لأنه تعبد ولأنه تعدى عن موجبه وعدم وجوب النية فيه لأن تعديه معلل بالقصد إلى قطع أصل المذي قولان في الوجوب وعدمه، فإن غسل ذكره بلانية أو غسل بعضه دون بعض ففي بطلان صلاته إن صلى بذلك الوضوء قولان.
قوله: (ولا يستنجى من ريح) أي ولا يلزم الاستنجاء من خروج ريح لقوله ﷺ : «من استنجى من الريح فليس منا» (٣) إذ لو لزم ذلك للزم غسل ثوبه.
وقوله: (وجاز بيابس طاهر منق. غير مؤذ ولا محترم) إلى آخر ما ذكر شروع منه ﵀ يذكر ما يستجمر به وما لا أي وجاز الاستجمار بشيء يابس كان من جنس الأرض كالحديد ونحوه أو من غير جنسها كالنبات، واحترز باليابس من المائع والمبتل، وأن يكون اليابس طاهرا وأن يكون منق للمحل وأن يكون غير مؤذ ولا محترم.
стр. 124
قوله: (لا مبتل، ونجس وأملس، ومحدد، ومحترم من مطعوم ومكتوب، وذهب وفضة، وجدار وعظم وروث) أي فلا يستنجى بالمبتل لأنه يلطخ المحل ويزيده تلوثا وإن كان المبتل من حجر أو ثوب لأنه وإن قلع النجس فليس بغسل ولا مسح، وكذلك لا يستنجي بنجس لأنه يزيد النجس، ولا بشيء أملس لأنه لا ينقي، ولا بمحدد لأنه يؤذي، ولا بمحترم من مطعوم وإن قبل طيبه وإن قبل تهيئته للأكل كالجلد، ولا بمحترم من مكتوب وإن حرفا واحدا، ولا بذهب أو فضة أو زبرجد أو ياقوت وإن في معدنها، ولا بثوب حرير أو رفيع من غيره لأن ذلك كله سرف «والله لا يحب المسرفين» (١)، وكذلك لا يستجمر بجدار وإن في ملكه وإن مرحاض ياقوت وأحرى جدار مسجد، وكثير من الناس اليوم يتساهلون في هذه الأشياء، وقد ينزل المطر، أو يصيبه بلل من السماء ويلتصق به هو أو غيره فتصيبه النجاسة فيصلي بها. ووجه آخر وهو أن يكون في الحائط حيوان فيلسعه فيتأذى به، ورأيت عيانا بعض الناس استجمر بحائط فلسعته عقرب كانت هناك على رأس ذكره ورآ من ذلك شدة عظيمة. انتهى من العبدري (٢).
وكذلك لا يستجمر بروث وإن طاهرا لأنه لا يثبت عند العرك ويتفتت ولا ينظف ويتعلق فيه حق الجن لأنه زاد دوابهم، وكذلك لا يستجمر بعظم لحرمته وإن باليا لأنه زاد إخواننا من مؤمن الجن، وكذلك لا يستجمر بفحم لأنه يلوث المحل وحد العلماء - رحمة الله عليهم - للإستجمار حدا يجمع كل ما تقدم من آلات الإستجمار لكل جامد طاهر منق قلاع للأثر غير مؤذ ليس بذي حرمة ولا سرف ولا يتعلق به حق الغير، وهو ضابط جيد.
قوله: (فإن أنقت أجزات) أي فإن أنقت هذه الأشياء الممنوع الاستجمار بها أجزأت وإن متعمدا لأن الإنقاء هو المطلوب.
قوله: (كاليد) تشبيه أي كما يجزي الإنقاء باليد إذا استجمر بها (ودون الثلاث) كذلك إذا حصل الإنقاء بدون الثلاث أجزء لأنه المطلوب.
стр. 125
فصل [في آداب قضاء الحاجة والاستنجاء]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه نواقض الوضوء من حدث وسبب، ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (نقض الوضوء بحدث، وهو الخارج المعتاد في الصحة)، والخروج شرط في النقض وأما قبله فلا ينقض وإن تهيأ للخروج، والخارج جنس يشمل البول والغائط والريح والمذي والودي والحصى والدود، وأخرج بقوله: المعتاد الحصى والدود والسلس، وإليه أشار بقوله: (لا حصى ودود ولو ببلة) أي ولو خرج معه بلة فإنه لا ينقض الوضوء.
البلة بكسر الباء البلل وبفتحها مصدر يقابله بلة.
قوله: (وبسلس فارق أكثر) أي وينتقض الوضوء بخروج شيء من سلس بول أو غائط أو ريح أو دم استحاضة إن كان فراقه أكثر من إتيانه في الأزمنة، مفهومه وإن تساويا فلا ينتقض والمفهوم صحيح وأحرى إذا كان إتيانه أكثر.
قوله: (كسلس مذي قدر) أي كما ينتقض وضوءه بسلس مذي قدر (على رفعه) بالتزويج أو التسري وإن لم يفارقه أكثر الأوقات، وقوله: قدر على رفعه يحتمل رجوعه على الفرعين إذ قد يقدر على رفع السلس بالتداوي.
قوله: (وندب إن لازم أكثر) أي وإن كان السلس لازمه أكثر الأوقات ندب له الوضوء لكل صلاة وأحرى إن تساوت الأوقات ف (لا) يندب له (إن شق) عليه الوضوء لبرد ونحوه كما إذا كان يخرج ذلك منه قبل صلاته بوضوئه إذ لا فائدة له حينئذ في وضوئه ولا استنجائه.
قوله: (وفي اعتبار الملازمة) أي وفي اعتبار الملازمة المذكورة (في وقت الصلاة لا غيره (أو) يعتبر (مطلقا) وقت الصلاة وغيره (تردد) فيه الأشياخ لعدم النص.
قال ابن ناجي: وحيث يستحب من السلس الوضوء، فقال سحنون: لا يستحب غسل فرجه لأن النجاسة أخف من الحدث.
وقال صاحب الطراز: بل يستحب كهو، واختلف هل يلزم صاحبه أن يعد خرقة
стр. 126
عند صلاته أم لا، على قولين للأبياني وسحنون وكلاهما نقله القرافي (١).
وفي لزوم غسل الخرقة عند الصلاة قولان.
قوله: (من مخرجيه أو تقبة تحت المعدة إن انسدا) أي إنما ينتقض الوضوء بالخارج المعتاد من مخرجيه أو من ثقبة تحت المعدة إن انسد مخرج الخارج منهما.
قوله: (وإلا فقولان) هذا يشمل صورتين الأولى أن لا ينسد المخرج وتكون الثقبة تحت المعدة، الثانية أن تكون الثقبة فوق المعدة وانسد المخرج لذلك الخارج فقولان في النقض وعدمه. انتهى.
ابن عرفة: ومن لا ذكر له ولا دبر وفضلته من سرته فهي كدبره معنا (٢). انتهى
من النواقض بالأحداث وشرع يذكر النواقض بالأسباب فقال: (وبسببه) أي وينتقض الوضوء بسبب الحدث (وهو) مظنة حصوله مما أدى إلى (زوال عقل، وإن بنوم ثقل، ولو قصر) أي ولو كان قصيرا والإغماء والسكر أحرى، وعلامة ثقل النوم أن لا يعلم ما جرى من غيره من صوت وغيره مما لا يخفى على الضابط لنفسه لأن النوم موت وأيضا فإنه هواء ينزل من أعلى الدماغ يفقد معه الحس.
قوله: (لا خف، وندب إن طال) أي لا ينتقض الوضوء بسبب نوم خفيف وإن طال لكن يندب له الوضوء إن طال نومه والنوم الخفيف القصير لا ينقض اتفاقا، الفرق بين الحدث والسبب أن الحدث ينتقض قليله بخلاف السبب لأنه مظنة فينتقض الوضوء بما تحقق فيه المظنة دون ما يندر فيه غالبا.
قال القرافي في الذخيرة: العينان وكاء السه، الوكاء الخيط الذي يربط به الشيء والسه أصله العجز ويقولون رجل سته وامرأة ستهاء إذا كانا كبيري العجز ثم يستعمل مجازا في حلقة الدبر وهو المراد ههنا، وأصل اللفظة ستة مثل قلم فحذفت التاء التي هي عين الكلمة فبقي سه ويروى بحذف لام الكلمة التي هي الهاء وإثبات العين التي هي التاء. فشبه ﵊ الإنسان بزق مفتوح لا يمنع خروج الريح منه إلا الحواس وذهابها بمنزلة ذهاب الخيط الذي يشد به الزق. انتهى (٣).
стр. 127
قوله: (ولمس يلتد صاحبه به عادة، ولو لظفر، أو شعر، أو حائل، وأول بالخفيف وبالإطلاق) أي ومما ينقض الوضوء لمس يلتذ صاحبه به عادة لامسا كان أو ملموسا ولو كان اللمس بظفر أو سن أو شعر أو فوق حائل وأول ما في المدونة بالحائل الخفيف وأوله بعضهم على الإطلاق خفيفا كان أو كثيفا، ونص المدونة: وإذا مس الرجل المرأة بيده للذة أو مست المرأة الرجل للذة من فوق الثوب أو من تحته فهو بمنزلة واحدة. انتهى (١).
وهذ كله إذا كان اللمس باليد وأما إن ضمها فالكثيف كالخفيف ومذهب الإمام مالك ﵁ على ما فهم من احتياطه أن التقاء البشرتين موجب، والمراعى من ذلك أن كل ما يتولد منه خروج المني أو المذي أو الودي فإنه موجب.
قوله: (إن قصد لذة، أو وجدها) أي إنما ينتقض وضوء اللامس إن قصد به لذة وإن لم يجدها أو وجدها وإن لم يقصدها لامسا كان أو ملموسا.
قوله: (لا انتفيا، إلا القبلة بفم مطلقا وإن بكره أو استغفال، لا لوداع أو رحمة) أي لا ينتقض الوضوء بلمس لم يقصد به اللذة ولا وجدها إلا أن يكون اللمس قبلة بفم فإنه ينقض الوضوء لأنه مظنة للذة غالبا وإن كانت بسبب كره أو استغفال إلا أن تكون القبلة لأجل وداع أو رحمة إلا أن يقصد بها اللذة أو وجدها عند التقبيل.
قوله: (ولا لذة بنظر كإنعاظ ولذة بمحرم على الأصح) أي ولا ينتقض الوضوء بسبب لذة بنظر وأحرى بتفكر كما لا ينتقض الوضوء بالإنعاظ وإن انتشر الذكر انتشارا كثيرا كاملا إلا أن ينكسر عن مذي وكذلك لا ينتقض وضوءه بسبب لذة بمحرم على القول الأصح يريد إذا عرفها ولم يكن ممن يلتذ بها عادة.
قوله: (ومطلق مس ذكره المتصل) أي وينتقض الوضوء بسبب مس ذكره المتصل به لا ذكره المقطوع ولا ذكر غيره فإنه لا ينتقض وضوءه بمس ذكر غيره والمراد بالمطلق سواء كان اللمس عمدا أو سهوا من الحشفة أو غيرها. انتهى.
وقال: وفي سماع ابن وهب (٢): الوضوء من مس الذكر حسن وليس بسنة
стр. 128
واختلف فيه عن ابن القاسم فقال: يجب منه الوضوء وروى عنه سحنون أنه قال: لا إعادة. وعن ابن القاسم من مس ذكره وصلى ولم يتوضأ لا يعيد ووجهه قوة الخلاف فيه.
قال ابن نافع: يعيد أبدا ووجهه قوله ﵇: «من مس ذكره فليتوضأ» (١) ولم يفرق.
ابن حبيب: يعيد في العمد أبدا وفي السهو في الوقت، ووجهه أن الغالب في السهو عدم اللذة. انتهى (٢).
واختلف في المجبوب إذا مس موضع الجب ومقتضى القواعد عدم النقض.
قوله: (ولو خنثى مشكلا) أي ولو كان اللامس لذكره خنثى مشكلا أو عنينا أو شيخا فانيا فإنه ينتقض وضوءه وأما غير المشكل فعلى حكمه بالذكورية أو الأنوثة.
قوله: (ببطن أو جنب لكف أو إصبع وإن زائدا حس) أي إنما ينتقض وضوء اللامس لذكره إذا كان مسه له ببطن كف أو جنبها أو بطن أصبع أو جنبها وإن كان أصبعا زائدا إذا كان يحس إحساس الأصبع خلافا لأشهب الحس الحركة.
قوله: (وبردة) أي ومما ينقض الوضوء ردة عن الإسلام والعياذ بالله لأن الوضوء عمل من العبادات والردة محبطة للأعمال، فإن رجع إلى الإسلام تطهر بوضوء جديد إن لم يجنب.
قوله: (وبشك في حدث بعد طهر علم) أي ومما ينتقض الوضوء بسببه شك في الحدث بعد تيقن طهارة وأحرى إن لم يعلم بها وهذا إذ استمر شكه لأن الصلاة في ذمته بيقين فلا يبرأ منها إلا بيقين الطهارة، واليقين لا يرفع بشك وهذا هو المشهور، ومقابله لا ينتقض وضوءه المتيقن به بالشك استصحابا لأن الأصل الطهارة، واليقين
стр. 129
لا يرفع بالشك.
قال ابن عرفة: من تأمل وأنصف قال: لا وضوء عليه لأن الشك في المانع لا أثر له والمانع الحدث وإنما يؤثر الشك في الشرط. انتهى (١).
قوله: (إلا المستنكح) أي الشاك المستنكح فإنه لا ينتقض منه الوضوء وقيل يبني على أول خاطره.
قوله: (وبشك في سابقيهما) أي ومما يوجب الوضوء الشك في سابقية الحدث أو الوضوء لأن الشك في الشرط مؤثر.
قوله: (لا بمس دبر، أو أنثيين، أو فرج صغيرة) أي لا ينتقض الوضوء بسبب مس حلقة الدبر ولا بمس أنثييه ولا بمس فرج صغيرة لا تشتهى عادة إلا أن يكون من عادته أن يلتذ بمثلها فينتقض بمسه.
قوله: (وقيء، وأكل لحم جزور، وذبح وحجامة وفصد) أي ومما لا ينقض الوضوء خروج قيء ولا استخراجه ولا بأكل لحم جزور والجزور البعير ولا ذبح بهيمة ولا احتجام أو احجام.
قوله: (وقهقهة بصلاة، ومس امرأة فرجها، وأولت) أي ومما لا ينتقض الوضوء منه قهقهة وإن في صلاة ولا في مس امرأة فرجها مطلقا ألطفت أم لا وهو تأويل ووجهه أن الحديث ورد في الذكر، وأول في المدونة (أيضا) أن عدم النقض مشروط بعدم الإلطاف) وأما إذا ألطفت فإن وضوءها ينتقض.
قال الصقلي (٢): إن قبضت عليه أو ألطفت نقض اتفاقا (٣) للزوم اللذة وإلا فقولان.
قوله: (وندب غسل فم من لحم ولبن) أي وندب لمريد الصلاة وبفمه أو يده أثر من لحم أو لبن ونحوهما مما له دسم أن يغسل ذلك عنه بغير طعام ونحوه. انتهى.
قال ابن رشد: الغسل بالعسل واللبن والنخالة وامتشاط المرأة بالنطوح يعمل من
стр. 130
التمر والزبيب، الروايات كراهته لا تحريمه (١).
قوله: (وتجديد وضوء إن صلي به) أي وندب تجديد وضوء لكل صلاة لأنه نور على نور لكن بشرط أن يصلي بالوضوء صلاة فرضا كان أو نفلا وإلا فلا يفعله إذ هو بمعنى الزيادة على الثلاث.
قوله: (ولو شك في صلاته ثم بان الطهر) أي وإن دخل في صلاته متيقنا للطهارة ثم شك في أثنائها في الطهارة فتمادى على شكه فأكملها ثم تبين له أنه على طهارة (لم يعد) تلك الصلاة تبين له ذلك في داخل الصلاة أو بعدها لأنه دخل على أمر جائز وبئس ما صنع في تماديه على الشك وأما إن كان شاكا في طهارته ودخل الصلاة على الشك بطلت صلاته وإن تبين طهارته بان الطهر في الصلاة أو بعدها انتهى.
قوله: (ومنع حدث صلاة، وطوافا، ومس مصحف وإن بقضيب، وحمله وإن بعلاقة أو وسادة إلا بأمتعة قصدت. وإن على كافر) إلى آخره هذا شروع منه يرتلئه في موانع الحدث أي ومنع حدث أصغر وأسبابه صلاة فرضا أو نفلا وطوافا فرضا كان أو نفلا ومس مصحف كاملا كان أو جزء منه وإن كان اللمس بقضيب وإن بتقليب أو راقه وحمله وإن بعلاقة أو على وسادة إلا أن يكون مع أمتعة قصدت بالحمل ظاهره قصد المصحف أم لا وإن كان على كافر.
قوله: (لا درهم وتفسير ولوح لمعلم ومتعلم. وإن حائضا. وجزء لمتعلم وإن بلغ، وحرز بساتر وإن لحائض) أي ولا يمنع الحدث حمل درهم مكتوب فيه شيء من القرآن ولا حمل تفسير وإن كتب فيه جميع القرآن كابن عطية، وكذلك لا يمنع الحدث لمس لوح لمعلم ولا لمتعلم وإن كان حائضا لأجل الضرورة ومن ثم رخص لمتعلم لا لمعلم في مس جزء من المصحف.
قال ابن بشير: أما المتعلم فلا خلاف في جواز مسه المصحف بغير طهارة لأنه مضطر إلى مسه ويشق عليه تكرار الوضوء وأما المعلم ففيه قولان أحدهما كالمتعلم والثاني أنه كسائر الناس إذ لا ضرورة به. انتهى من التقييد.
وخفف مالك ﵁ الصبي للجامع وكرهه ابن حبيب، وكذلك لا يمنع الحدث حمل حرز مكتوب فيه شيء من القرآن على وجه التعوذ إن كان عليه ساتر
стр. 131
يكنه جلد أو غيره وإن حائضا. انتهى.
ونص النهي عن مس القرآن بغير طهارة يتناول غير المكلف.
فصل [في أحكام الغسل]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه التطهير من الحدث الأكبر ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (يجب غسل ظاهر الجسد بمني. وإن بنوم، أو بعد ذهاب لذة بلا جماع، ولم يغتسل) أي يجب غسل ظاهر الجسد لا باطنه بسبب خروج مني شعر بخروجه أم لا في نوم أو يقظة أو خرج بعد ذهاب لذة بلا جماع إن لم يغتسل بعد اللذة لموجب الغسل قبل تلك اللذة، كما إذا التذ ولم يخرج منه شيء ثم ذكر أنه كان جنبا، أو كانت حائضا، فاغتسل لذلك ثم خرج منه المني فإنه لا غسل عليه، لأن الغسل لخروج مني اللذة، يندرج في الغسل الواجب قبلها. انتهى.
قال في إكمال الإكمال فلو اضطرب البدن لمبادي خروج المني ولم يخرج، أو نزل المني إلى أصل الذكر، أو وصل إلى وسطه ولم يخرج فلا غسل، ولو وصل مني المرأة إلى المحل الذي تغسله في الإستنجاء، وهو ما يظهر عند جلوسها لقضاء الحاجة، اغتسلت لأنه كحكم الظاهر، والبكر لا يلزمها ذلك حتى يبرز عنها لأن داخل فرجها كداخل الإحليل. انتهى (١).
قوله: (لا بلا لذة) أي فلا يجب الغسل بخروج مني بلا لذة تقارنه أو بعده (أو) خرج بلذة (غير معتادة) كمن ضرب فأمنى أو لدغته عقرب أو نزل في ماء حار أو حك لجرب أو أصابه فرح فأمنى لأن اللذة في هذه الأشياء غير معتادة، لكن (ويتوضأ) في الصورتين.
قال ابن عرفة في مختصره وتجويز جنابة دون شك لغو لو اغتسل له ثم تيقن لم يجز.
قلت: قاله ابن القاسم، وقال عيسى (٢): ......................................
стр. 132
يجزيه. انتهى (١).
قوله: (كمن جامع) تشبيه أي كما يتوضأ من جامع جماعا يوجب الغسل، ولكن لم ينزل، (فاغتسل) للجماع، (ثم أمنى) أي خرج منه مني بعد غسله فلا غسل عليه ثانيا، (ولا يعيد الصلاة) التي صلى بعد الغسل وقبل خروج المني بل يتوضأ والجاري على القواعد لا وضوء عليه لأنه الخارج غير المعتاد. انتهى.
وروى ابن حبب خروج ماء الرجل من فرجها بعد غسلها كبولها.
قال صاحب الطراز: خروج ماء المرأة ليس بشرط في جنابتها لأن عادته ينعكس إلى الرحم ليخلق منه الولد فإذا أحست بنزوله وجب عليها الغسل وإن لم يبرز. انتهى من ابن ناجي (٢).
قال صاحب إكمال الإكمال عند حديث شبه الولد، «إن سبق ماء الرجل وعلا أذكر الولد وأشبه أعمامه، وإن سبق ماء المرأة وعلا أنث وأشبه أخواله، وإن سبق ماء الرجل وعلى ماؤها أذكر وأشبه الولد أخواله، وإن سبق ماء المرأة وعلا ماؤه أنث وأشبه الولد أعمامه» (٣)، قال: وقال عياض: زعم بعضهم أن الولد إنما هو من ماء المرأة وماء الرجل إنما هو للعقد كالمنفاح للبن والحديث يرد عليه لأن انقسام الشبه يدل على أنه من الماءين وقيل لا من مائهما بل هو من دم الحيض، وقيل بل من الرغوة والزبد الذي يكون بين ماء الزوجين، والصحيح ما دل عليه الحديث أنه منهما (٤).
قوله: (وبمغيب حشفة بالغ لا مراهق، أو قدرها: في فرج وإن من بهيمة، وميت أي ويجب الغسل بسبب مغيب حشفة أو قدرها من مقطوعها من بالغ من وطئ مباح أو حرام في قبل أو دبر، وإن من بهيمة، أو ميتة آدميا كان أو غيره ذكرا كان أو أنثى، كان ذو الحشفة فحلا أو خصيا أو خنثى مشكلا أو شيخا فانيا أو عنينا أو مكرها أو
стр. 133
ذاهب عقل، فمغيب بعض الحشفة لغو.
قال ابن العربي: ومغيبها ملفوفة، فالأشبه إن كانت اللفافة رقيقة أو جب (١) الغسل وفي سماع ابن القاسم، ورواه مطرف (٢) لا غسل على الموطئ في الدبر. انتهى.
والمرأة مع غير الآدمي كالرجل معه، وبلوغ المفعول به شرط في وجوب الغسل عليه، وبلوغ الفاعل شرط في وجوبه عليهما إن كان كل منهما بالغا، واختلف في النائمة والمكرهة تجامع هل عليها الغسل أم لا، ولا خلاف في وجوب الغسل على الراكب تهزه الدابة حتى ينزل.
قوله: لا مراهق أي لا يجب الغسل بمغيب حشفة مراهق في قبل أو دبر بالنسبة له ولا موطوء ته البالغة على المشهور.
فتح الجليل: وأما الصغير غير المراهق فيفهم من هذا عدم وجوبه عليه اتفاقا وهو صحيح (٣).
قوله: (وندب لمراهق) أي وندب الغسل لمراهق بسبب مغيب حشفة.
قوله: (كصغيرة) أي كما يندب الغسل لصغيرة أو مراهقة إذا (وطئها بالغ).
قوله: (لا بمني وصل للفرج) أي فلا يجب الغسل على امرأة جومعت في ما دون الفرج فوصل المني إلى داخل فرجها (ولو التدت) به إلا أن تنزل هي فيجب عليها الغسل وأشار بلو إلى خلاف الباجي إذ التذت يجب عليها الغسل.
فرع فإن جومعت بكر تظن أنها لم تبلغ ثم تبين حملها فقد ظهر أنها كانت بالغة يوم وطئها فوجب الغسل عليها لأن المرأة لا تحمل حتى تنزل.
فرع: قال العوفي (٤): لو علم من زوجته أو أمته أنهما لا تغتسلان من الجنابة
стр. 134
فهل يحرم عليه وطؤهما لأنه إعانة على معصية أم لا؟
الجواب زجرهما فإن تعذر فهو مخير بين الإمساك مع عدم الوطئ والطلاق فإن لم يقدر وجب عليه طلاقها فإن تبعتها نفسه لم يجز له وطؤها إلا عند خوف العنت. قال الوانوغي: قوله: منع عدم الوطء خلاف ظاهر قول ابن القاسم في العتبية في من قالت: لا أغتسل من الجنابة، قال: لا يجبر على فراقها فقد جوز له البقاء مع جواز الوطئ وعلمه أنها لا تغتسل. انتهى من تكميل التقييد وتحليل التعقيد (١).
قال البرزلي في نوازله: وسئل ابن رشد في امتناعهن من مباشرة أزواجهن في الشتاء خوفا على أنفسهن من الاغتسال فيه هل لهن ذلك أم لا وهل على الزوج حرج في إكراههن على ذلك وإن أدى إلى تضييع صلاة الصبح أم لا، فأجاب بأن قال: إن استعمال الماء عند الخوف منه لبرد ونحوه فالتيمم يكفي منه، واكتساب معنى ينقل المكلف من الطهارة المائية إلى الترابية لا يجوز إلا عند حاجة وحدوث ضرورة تكتسب منه، وأيضا فالمعونة على المعصية لا تجوز، وعلى هذا الأصل يدور جواب هذا السؤال أما الزوجة إن أمكنها استعمال الماء بتسخينه أو غيره من الوجوه فلا يحل عدولها إلى التيمم ولا تأبى منه إذا طلبها فإن لم يمكنها استعمال الماء على حالة فتمكينها أو اكتسابها ما يمنع طهارة الماء لا يجوز إلا عند شدة الضرورة اللاحقة للزوج من ترك جماعها، ولا يجوز له الجبر مع اعتقاده أنها تترك الصلاة، كما لا يجوز للقادم من السفر وطء زوجته الصائمة المكلفة بالصوم وإن كان له مباحا فلا يباح له أن يعينها على معصية (٢).
قوله: ﴿وبحيض ونفاس بدم واستحسن وبغيره﴾ أي ويجب الغسل بسبب خروج دم حيض أو نفاس، واستحسن وجوب الغسل بنفاس بغير خروج دم مع الولد وأصله في سماع أشهب بأن من ولدت دون دم اغتسلت.
فقال اللخمي: (هذا استحسان لأنه للدم لا للولد، ولو اغتسلت لخروج الولد دون الدم لم يجزها) (٣)، وقال ابن رشد: معنى سماع أشهب دون دم كثير إذ خروجه بلا دم معه ولا بعده محال عادة، وهذا تحصيل ابن عرفة (٤) قال: ونقل ابن الحاجب
стр. 135
نفيه رواية ابن بشير لا أعرفه. انتهى (١).
قال ابن ناجي وكان بعض من أدركنا يحكي عمن يثق بقوله أنه شاهد خروج الولد من زوجته بلا دم ولم يعقبه دم بعد. انتهى (٢).
قوله: (لا بإستحاضة وندب لإنقطاعه) أي فلا يجب الغسل بسبب انقطاع دم الإستحاضة لشبهه بالحيض بل ندب الغسل لانقطاعه، وقيل يجب وتجبر الذمية على الغسل من حيضتها ونفاسها لحق زوجها المسلم لا من جنابتها، ويصح غسلها دون نية لأنه تعبد في غير المتعبد، ويستحب للحائض ونحوها إذا طهرت أن تدخل خرقة مطيبة في فرجها في إثر الدم لتزيل رائحته.
قوله: (ويجب غسل كافر بعد الشهادة) أي ويجب الغسل على كافر أسلم بعد التلفظ بالشهادتين (ب) سبب حصول ﴿ما ذكر﴾ منه من خروج مني وغيره مما يوجب الغسل.
قوله: (وصح قبلها) أي ويصح غسله قبل التلفظ بالشهادتين ﴿وقد أجمع على الإسلام﴾ هو قد أجمع على الإسلام أي عزم عليه بقلبه العزم هو التصميم وتوطين النفس عليه.
قال في إكمال الإكمال: قال ابن رشد: أجزأه لأن إسلامه بقلبه إسلام لو مات مات مؤمنا. انتهى (٣).
وإن لم يكن منه ما يوجب الغسل قبل الإسلام فلا غسل عليه إذا أسلم إذ لا يؤمر بعد إسلامه إلا بما يقتضيه الإسلام.
قال القاضي: غسله تعبد لا لجنابة لأن الإسلام يجب ما قبله، وقيل: غسله مستحب وهو شاذ، وعزاه ابن العربي لابن شعبان (٤) والمازري لإسماعيل (٥) محتجا
стр. 136
بالإسلام يجب ما قبله فألزم الوضوء، وفي كون الوضوء لجنابته أو تعبدا أو لإسلامه لنص ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨] ثلاثة أقوال لابن القاسم وابن شعبان والمازري عن القائلين باستحبابه وعلى الأولين تيممه لفقد الماء وسقوطه عمن يجنب وثبوته، اللخمي: إن لم يكن جنبا اغتسل لنجاسة جسمه وإن قرب عهده بالماء فلا. انتهى من ابن عرفة.
ويؤمر من أسلم بالاختتان.
قوله: (لا الإسلام إلا لعجز) أي فلا يصح له الإسلام قبل التلفظ بالشهادتين بل بالتلفظ بهما يصح إلا أن يكون عدم التلفظ بهما بسبب عجز عن التلفظ بهما فيصح له الإسلام ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] وإن أسلم وهو جنب ولم يجد ماء تيمم كالمسلم الأصلي.
قوله: (وإن شك أمدي أو مني اغتسل) أي وإن وجد في ثوبه بللا شك فيه هل هو مذي أم مني وجب عليه الغسل لأن الشك في الحدث كتحققه، وأعاد ما صلى من آخر نومة نامها فيه لعدم جزمه ببطلان ما صلى قبله، وقد جاء عن مالك قال: لا أدري ما هذا توقف في شك مذي أم مني ولم يتوقف ﵀ في الشك في الحدث الأصغر.
قال أهل العلم: توقفه في الشك في الغسل للمشقة فيه دون الوضوء، فإن كان ما شك فيه يابسا صب عليه الماء، فإن ابتلعه فهو مني وإلا فهو مذي، وإن كان غير يابس فرائحة المني ظاهرة، وتجويز وجود جنابة من غير شك لغو، وليس الغسل على من رآه احتلاما ولم ير له أثرا، فلو اغتسل لتجويز صلاته ثم تيقن أنه كان جنبا لم يجزه غسله والمرأة كالرجل في ذلك كله، وقال ابن شعبان: فإن أكره مسلم زوجته الكتابية على الغسل من الحيض ثم أسلمت مكانها لم يجزها عن غسل الإسلام، لأنها لم تنوه (١).
قوله: (وأعاد من آخر نومة كتحققه) أي كما يعيد الغسل من آخر نومة نامها فيه، إذا تحقق أنه المني. هنا انتهى موجبات الغسل.
стр. 137
وشرع ﵀ يذكر واجباته وسننه ومندوباته فقال: (وواجبه) أي وواجب الغسل نية وهي قصد رفع المانع، والغسل عبادة تفتقر إلى نية كالصلاة والصوم، لأن امتثال أوامر الله يتعلق بها الثواب والمخالفة يتعلق بها الإثم والعقاب إن شاء، ولا يكون ممتثلا منقادا لأمر الله تعالى إلا بنية لذلك الفعل المأمور به، فيثاب لامتثال أمره وانقياده له، ويكون قد أطاعه في أمره.
وأجاز ابن القاسم إذا لم تكن النية مقارنة للوضوء والغسل وقرب ما بينهما، فقال في من دخل الحمام ليغتسل من الجنابة فخرج للطهور فتطهر وهو ناس لجنابته أنه يجزئه.
قال: وكذلك الذي يأتي النهر ليغتسل من الجنابة فاغتسل وهو ناس لجنابته، قال سحنون يجزئه في النهر ولا يجزئه في الحمام وهو أبين. انتهى من تبصرة اللخمي (١).
قوله: (نية وموالاة) أي وتجب الموالاة في الغسل وهي الفور وهو تتابع أفعال الغسل.
وقوله: (كالوضوء) راجع عليهما، والموالاة في صفتها وحكمها كما تقدم في الوضوء وقال فيه وهل الموالاة واجبة إن ذكر وقدر إلى قوله: أو سنة خلاف.
قوله: (وإن نوت الحيض والجنابة أو أحدهما ناسية للآخر) أي وإن نوت الحائض بغسلها غسل الحيض وغسل الجنابة التي كانت عليها تقدمت الجنابة عن الحيض أو تأخرت عنه أو نوت غسل الحيض أو الجنابة في حال كونها ناسية للآخر حصلا معا في الصورتين، مفهوم قوله: ناسية أنها لو أخرجته بالنية لم يجزها ذلك الغسل والمفهوم صحيح.
قوله: (أو) أي وإن نوى الرجل بغسله غسل الجنابة وغسل الجمعة (أو نوى) بغسل (الجنابة والجمعة أو نيابة عن) غسل (الجمعة حصلا) في الصورتين أيضا، وقول الشيخ حصلا جواب عن المسائل الأربع.
قوله: (وإن نسي الجنابة أو قصد نيابة عنها انتفيا) أي وإن نسي الرجل الجنابة وقصد غسل الجمعة أو لم ينسى الجنابة ولكن لم ينو غسلها بل قصد باغتساله الجمعة نيابة عن الجنابة انتفيا أي لم يحصل له ما نوى وما لم ينو.
стр. 138
قوله: (وتخليل شعر) أي ومما يجب في الغسل تخليل شعر رأسه ولحيته وإن لم تظهر البشرة تحته لإيصال الماء إلى البشرة.
ابن عرفة في مختصره: وسمع ابن القاسم سقوط تخليل اللحية وأشهب وجوبه (١)، قال القاضي: يستحب. وفي كون وجوبه لإيصال الماء إلى البشرة، أو باطن الشعر نقل المازري عن الحذاق وبعض شيوخه مع رواية ابن وهب: تخليلها واجب لإيصال الماء إلى البشرة، وتخليل شعر الرأس واجب، وتخريجه القاضي على الروايتين في اللحية ورده الباجي بأن بشرة الرأس ممسوحة في الوضوء، مغسولة في الغسل فاختلف لذلك حكم شعرها، وبشرة الوجه مغسولة فيهما فاتحد حكم شعرها وقول ابن الحاجب: الأشهر وجوب تخليل اللحية والرأس (٢) وغيرهما لا أعرفه. انتهى.
قوله: (وضغث مضفوره لا نقضه، ودلك ولو بعد الماء أو بخرقة أو استنابة وإن تعذر سقط) أي ومن واجبات الغسل ضغث الشعر المضفور حائضا كانت أو جنبا ولا يجب نقضه إذا كان رخيا وأما إن كان شديد الفتل بحيث لا يصل الماء إلى باطن الشعر أو على الشعر حائل فلابد حينئذ من نقضه ليصل الماء إلى البشرة والشعر كله.
قوله: (ودلك) أي ومن واجبات الغسل دلك بإمرار اليد أوغيرها على ظاهر الجسد كله، ويجوز الدلك بغير اليد من خرقة أو عود أو حائط أو استنابة غيره إن تعذر منه الدلك بيده أو بغيرها فإن تعذر الدلك بوجه سقط ولا شك في جواز الاستنابة لضرورة ومنعها لتكبر ولغيرهما فيه خلاف وقيل إذا جرى الماء على جسده بنية المكان الذي لا يقدر على إمرار اليد عليه أجزاه «ودين الله يسر» (٣). هنا انتهى واجبات الغسل ويليها السنن.
قوله: (وسننه) أي وسنن الغسل (غسل يديه أولا) أي ابتداء إلى الكوعين وعبارته أولى من عبارة غيره قبل إدخالهما في الإناء لأن الإناء ليس بشرط وإنما يذكرونه لأنه الغالب.
стр. 139
قوله: (وصماخ أذنيه) هذا هو السنة الثانية أي ومن سنن الغسل مسح صماخ أذنيه ولا مسح في الغسل إلا مسح صماخ الأذنين. انتهى.
لو قال الشيخ ومسح صماخ أذنيه لكان أولى لأن الأشراف واجب غسلهما. انتهى.
قال البرزلي في نوازله: وسئل الشيخ أبو القاسم عبد الخالق السيوري عن الحجة في إسقاط وجوب غسل داخل العينين في الوضوء والطهر، وما روي عن ابن عمر فيه، وهل يلزم ما لصق بأشفار العين من القذى، فأجاب: جميع الواصفين لوضوء رسول الله ﷺ لم يذكروا شيئا من ذلك، ويزال القذى من أشفار العين إذا لم يشق جدا.
قلت: فإن صلى به وكان يسيرا مثل خيط العجين والمداد ففيه قولان المشهور الإعادة. انتهى (١).
قوله: (ومضمضة واستنشاق) هذه هي السنة الثالثة والرابعة أي ومن سنن الغسل مضمضة مرة واستنشاق مرة، وبهما احترز بقوله: ظاهر الجسد، وليس في الغسل من السنن إلا هذه الأربع.
لما فرغ من السنن شرع يذكر المندوبات، فقال: (وندب بدء بإزالة الأذى) أي وندب للمغتسل أن يبدأ بإزالة ما في بدنه من الأذى النجاسة، ثم يغسل ذكره بنية الغسل.
المازري: ليسلم من مس ذكره في اغتساله، وقال: قول بعض شيوخنا: لو غسله ونيته الجنابة وإزالة النجاسة لأجزأه متعقب متى اعتقد المغتسل عدم فرض زوال النجاسة.
قلت: إنما قال اللخمي: إن نوى الجنابة حين غسل النجاسة أجزأه، فلم يذكر نية زوال النجاسة، إذ لا تفتقر لنية.
نعم قول اللخمي خلاف شرط الجلاب، تقدم طهارة محل الوضوء يزيل أذاه ثم يتوضأ، اللخمي ينوي الجنابة وإن نوى الوضوء أجزأ. انتهى من مختصر ابن عرفة (٢).
стр. 140
قال صاحب إكمال الإكمال وتلخيص الأمر: أن المغتسل إن لم يرد أن يتوضأ فالأكمل له أن يغسل الأذى ثم يعيد غسل محل الأذى بنية الجنابة ثم يكمل غسله ويجزيه عن الوضوء باتفاق لأن موانع الأكبر أكثر فاندرج الأقل تحت الأكثر، وإن مس ذكره في أثناء غسله أعاد ما كان غسله من أعضاء الوضوء.
قال ابن العربي وابن أبي زيد: يعيدها بنية الوضوء لأن اللمس لم يؤثر في الغسل وإنما أثر في الوضوء، وإن شاء نوى الجنابة عند غسل الأذى ولا يعيد غسل محله على المشهور في أن طهارة الحدث ليس من شرطها أن ترد على الأعضاء والأعضاء طاهرة.
قال ابن الجلاب: شرطها ذلك واختاره جماعة. انتهى (١).
قوله: (ثم أعضاء وضوئه) أي ومن مندوبات الغسل: تقديم غسل أعضاء وضوئه (كاملة) تشريفا لها، ولأنه الوارد من صفة غسل رسول الله ﷺ فلا يؤخر غسل رجليه، ويغسل أعضاء الوضوء كاملة مرة خلافا للرسالة، وظاهره (مرة) بنية الجنابة، لا لرفع الحدث الأصغر.
قوله: (وأعلاه) أي وندب للمغتسل تقديم أعلاه بالغسل في غسله، فيبدأ بغسل عنقه كله، (و) كذلك يندب تقديم غسل (ميامينه) أي فيغسل جانبه الأيمن من عنقه إلى كعب رجله اليمنى، ثم جانبه الأيسر كذلك.
قوله: (وتثليث رأسه، وقلة الماء بلا حد) أي ومما يندب للمغتسل تثليث غسل رأسه وإن عم بواحدة، ولا تكرار في الغسل إلا في غسل الرأس، وكذلك يندب له قلة ماء اغتساله بلا حد في القلة، وقد تطهر رسول الله ﷺ بصاع (٢).
قال في إكمال الإكمال: قال ابن العربي: وإذا روعي المد والصاع فالمعتبر فيه الكيل لا الوزن لأن المكيل ضعف الموزون. انتهى (٣).
هنا انتهى مندوبات الغسل.
стр. 141
وفي المدونة: لا بأس بما انتضح من غسل الجنابة في إنائه (١).
وكره مالك الاغتسال في الماء الدائم ولو طاهر الجسد سدا، لذريعة إفساده وأجازه ابن القاسم نظرا للمستعمل في نفسه، وسمع جوازه له في الفضاء.
ابن رشد: لقصد وجوب ستر العورة عن الآدمي، وأنكر مالك النهي الذي جاء فيه.
قوله: (كغسل فرج جنب لعوده لجماع) أي كما يندب للجنب غسل فرجه إذا أراد العود إلى جماع تلك المرأة أو غيرها، وكذلك المرأة يندب لها غسل فرجها لذلك، وفي هذا الغسل فوائد منها: خيفة أن تدخل النجاسة في الفرج دون ضرورة مع ما فيه من النظافة التي بنيت عليها الشريعة، ومنها تكميل اللذة لأن ما يتعلق به من بلل الفرج، واشتداده عليه من المني مفسدة للذة، ورطوبة الفرج عندنا نجسة، لما يخالطه من النجاسة الجارية عليها كالبول والحيض.
قوله: (ووضوئه لنوم) أي ومما يندب للجنب إذا أراد النوم قبل أن يغتسل، أن يتوضأ وضوءا كاملا، كوضوء الصلاة لينشط للغسل، وقيل لينام على إحدى الطهارتين.
قال الأبي في إكمال الإكمال: الوضوء للنوم ينقضه الحدث الواقع قبل الإضجاع لا الواقع بعده. انتهى (٢).
قوله: (لا بتيمم. ولم يبطل إلا بجماع) أي لا يندب التيمم لجنب فاقد للماء بناء على أن الوضوء للتنشيط، ومن ثم لا يبطل وضوء الجنب بناقض إلا الجماع، وللجنب أن يأكل ويشرب ويجامع.
قوله: (وتمنع الجنابة موانع الأصغر) أي وكلما يمنعه الحدث الأصغر تمنعه الجنابة (والقراءة) تزيد عليه منع (إلا كاية) بغير المصحف (لتعوذ ونحوه) أو آيتين لتعوذ ونحوه كالاستدلال والرقى فيجوز، وأجاز مالك ﵀ للجنب أن يكتب الصحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم وآية من القرآن الكريم.
قوله: (ودخول مسجد) أي ومما تمنع الجنابة فعله دخول مسجد (ولو مجتازا)،
стр. 142
ظاهره ولو مسجد بادية، أو كان في بيته وأجازه ابن مسلمة (١) مطلقا (٢). قوله: (ككافر) أي كما يمنع دخول كافر مسجدا، (وإن أذن) له (مسلم) فيه، لأنه حق الله تعالى لا لغيره لقوله تعالى: ﴿يتأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨] إشارة إلى بعد المحكوم بنجاسته عن قرب مواضع القرب فاطرد في كل كافر وفي كل مسجد ويرجحه أمره ﵇ كل من أسلم بالاغتسال (٣) إذ هو حق الله تعالى.
قوله: (وللمني تدفق أي وللمني علامة يعرف بها وهي تدفق وبياض وتخثر للرجل وللمرأة صفرة ورقة وملوحة (ورائحة طلع) فحل نخل (أو عجين) قمح وحقه أن يوصل هذا الفرع بقوله: وإن شك أمذي أم مني اغتسل.
قوله: (ويجزئ عن الوضوء) أي ويجزئ الغسل الواجب عن الوضوء (وإن تبين عدم جنابته لأنه دخل بنية الفرض (و) كذلك يجزئ غسل الوضوء عن غسل محله) في الاغتسال (ولوناسيا لجنابته) وأحرى إن لم ينس فإن ذكر فإنه يبني على وضوئه وظاهره ولو انتقض وضوؤه وأما مسحه فلا يجزئ.
فرع: قال القلشاني: من كان فرضه في الغسل مسح رأسه لمرض به لمشقة غسله فنسى مسحه في غسل جنابته ثم مسحه بعد ذلك في وضوئه، فقال ابن عبد السلام: يجزئه وخالفه بعض شيوخه فقال: لا يجزئه.
قال ابن عرفة وصوب الثاني وهو عدم الإجزاء، بأن المسح للغسل واجب لكل الرأس إجماعا، والوضوء قد لا يعم وإن عم فالعموم غير واجب إجماعا، فصار كفضيلة عن واجب، قال: ويصوب أيضا بأن مسح الغسل كالغسل، والمسح لا يكفي عن الغسل. انتهى (٤).
وفي تصويبه ذلك نظر، لأن المعتبر في المطلوب من أفعال المكلفين الكيفية
стр. 143
المشروعة، والنية التي تكفيه، فإذا اشتمل فعل المكلف عليها فقد تم اعتباره شرعا كالمسح المذكور، لأن الفرض أنه مسح جميع رأسه، وتلك كيفية الرأس في اغتسال مثله، ونوى به رفع الحدث الأصغر، ونيته تكفيه عن نية الأكبر فتم اعتباره في ذلك شرعا، وأما ادعاء كونه كفضيلة عن واجب أو كمسح عن غسل فلا نسلمه إلا بدليل واضح ينقض ما بيناه فتأمله.
قلت: ولو نسي جنب جنابته فتوضأ بنية الأصغر ثم انتقض وضوءه ثم ذكر جنابته، فهل يبني على ما غسل من وضوئه إن شاء بنية اغتساله ويكون حينئذ محدث الحدث الأصغر فقط، أو لا يبني عليه فيه وفيه نظر عندي فاطلب نصها. انتهى.
قوله: (كلمعة منها) تشبيه أي كما إذا نسي لمعة في اغتساله للجنابة ثم غسلها بنية رفع الحدث الأصغر في وضوئه فإنه يجزئه (وإن) كانت اللمعة (عن جبيرة) كان يمسح عليها فنسي بعد برهة غسل محلها حتى غسلها في وضوئه إذ لا فرق بين كون المتروك لبدل أو غيره.
فصل [في المسح على الخف]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل المسح على الخفين ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (رخص لرجل وامرأة وإن مستحاضة بحضر أو سفر مسح جورب جلد ظاهره وباطنه، وخف ولو على خف)، الرخصة في اللغة التسهيل، وفي الشرع ما شرع للتخفيف والمسامحة، وجواز الإقدام على الشيء مع قيام السبب المانع منه تخفيفا أو مسامحة.
قال الشاطبي (١) في موافقاته: قد رأينا ترك الترخص في مواضع الترخص يوقع في مفسدة أو مفاسد يعظم موقفها شرعا (٢) فاللاهي إذا عن مثل هذه الرخص قد أمر
стр. 144
إذا بهذه المفسدة إذ مذهب أهل السنة أن النهي عن الشيء أمر بضده أو بأحد أضداده، المسح على الخفين فرض باعتبار فعله وسنة باعتبار مشروعيته ورخصة باعتبار نيابته ومن ثم اختلف العلماء عنه بتلك الأوصاف.
قال ابن القصار: روى المسح سبعون صحابيا قولا وفعلا فلا ينكره إلا مخاذل. انتهى (١).
ورخص بعشرة شروط خمسة في الماسح وخمسة في الممسوح وكلها في المختصر.
قوله: بحضر وهو المشهور وهو قول مالك المرجوع عنه واختلف هل المرجوع عنه يعد قولا؟ أم لا.
الجورب ما كان على هيأة الخف من قطن أو غيره فلا يجوز المسح عليه إلا بشروط خمسة وهي أن يصير جرموقا والجرموق الجورب الذي جلد ظاهره وباطنه، الشرط الأول أن يكون جلدا. والثاني أن يكون طاهرا لا متنجسا، والثالث أن يكون مخروزا، والرابع أن يكون ساترا لمحل الفرض من الرجل، الخامس أن يمكن تتابع المشي فيه، وكذلك يمسح على خف ولو لبسه على خف آخر تحته ظاهره مسح الأول أم لا وهو طريق بعضهم، وقال بعضهم: إنما الخلاف إذا لم يمسح على الأول وأما إن مسح عليهما فلا خلاف في جوازه، وأشار بلو إلى خلاف لأن الإمام مالكا ﵀ أجازه مرة ومنعه أخرى، وظاهر الخف ما يلي السماء، والباطن ما يلي الأرض من خارج.
قوله: ﴿بلا حائل كطين، إلا المهماز﴾ أي فلا يمسح على خف أو جرموق وعليه حائل من طين ونحوه إلا أن يكون الحائل المهماز الشرعي فإنه يمسح عليها فلا ينزعه.
قال ابن عرفة يحتمل قوله: ولا ينزعهما للمسح أوله ولا بعده فإن خرجت المهاميز بسعة سيرها عن الحاجة لكمباهات فلا يمسح عليهما وكذلك إن كانت بصفة تمنع لبسها. انتهى (٢).
стр. 145
قوله: (ولا حد بشرط جلد طاهر خرز، وستر محل الفرض، وأمكن تتابع المشي به. بطهارة ماء كملت بلا ترفه، وعصيان بلبسه، أو سفره) أي ولا حد لمقدار الزمان الذي أجيز فيه المسح على الخف ما دام الخف متصفا بشروط جواز المسح عليه وقد تقدمت آنفا، وهي أن يكون جلدا أو مجلدا.
الثاني: أن يكون طاهرا لا متنجسا.
الثالث: أن يكون مخروزا.
الرابع: أن يكون ساترا لمحل الفرض من الرجل والخامس أن يكون يمكن تتابع المشي به لذي مروءة، وقد تكون هذه الشروط وهي التي في الخف، وأما الشروط التي تكون في الماسح هي: أن يكون لبسه إياه بعد طهارة مائية كاملة.
وأن يكون لبسه إياه بلا قصد ترفه.
وأن يكون لبسه إياه غير عصيان كالمحرم، أو كان عاصيا بسفره كالمحارب. انتهى.
قال صاحب مغني النبيل وفي الذخيرة عن الطراز على القول باختصاص مسح الخفين بالسفر لا يمسح العاصي بسفره، وعلى عدم الاختصاص قولان الصحيح المسح. انتهى (١).
الباجي: إنما أبيح المسح على الخفين إذا لبسهما للوجه المعتاد من المشي فيهما أو التوقي بهما (٢).
قوله: (فلا يمسح واسع، ومخرق قدر ثلث القدم، وإن بشك، بل دونه إن التصق، كمنفتح صغر) أي فلا يمسح على خف واسع لا يمكن المشي به لسهولة نزعه، ولا على خف مخرق فيه قدر ثلث القدم وإن كان يشك في بلوغ الثلث، لا أقل من ثلث القدم فإنه يمسح على أقل إن التصق الخرق ولم ينفتح أو انفتح فتحا صغيرا جدا بحيث لا يمكن غسل ما بدى من الرجل.
قوله: (أو غسل رجليه فلبسهما ثم كمل أو رجلا فأدخلها حتى يخلع الملبوس قبل الكمال، ولا محرم لم يضطر) أي وكذلك لا يمسح على خفيه إذا غسل رجليه أولا منكسا لوضوئه فلبسهما ثم كمل وضوؤه، وكذلك لا يمسح عليهما إن رتب وضوءه، حتى