وفي المدونة: لا بأس بما انتضح من غسل الجنابة في إنائه (١).
وكره مالك الاغتسال في الماء الدائم ولو طاهر الجسد سدا، لذريعة إفساده وأجازه ابن القاسم نظرا للمستعمل في نفسه، وسمع جوازه له في الفضاء.
ابن رشد: لقصد وجوب ستر العورة عن الآدمي، وأنكر مالك النهي الذي جاء فيه.
قوله: (كغسل فرج جنب لعوده لجماع) أي كما يندب للجنب غسل فرجه إذا أراد العود إلى جماع تلك المرأة أو غيرها، وكذلك المرأة يندب لها غسل فرجها لذلك، وفي هذا الغسل فوائد منها: خيفة أن تدخل النجاسة في الفرج دون ضرورة مع ما فيه من النظافة التي بنيت عليها الشريعة، ومنها تكميل اللذة لأن ما يتعلق به من بلل الفرج، واشتداده عليه من المني مفسدة للذة، ورطوبة الفرج عندنا نجسة، لما يخالطه من النجاسة الجارية عليها كالبول والحيض.
قوله: (ووضوئه لنوم) أي ومما يندب للجنب إذا أراد النوم قبل أن يغتسل، أن يتوضأ وضوءا كاملا، كوضوء الصلاة لينشط للغسل، وقيل لينام على إحدى الطهارتين.
قال الأبي في إكمال الإكمال: الوضوء للنوم ينقضه الحدث الواقع قبل الإضجاع لا الواقع بعده. انتهى (٢).
قوله: (لا بتيمم. ولم يبطل إلا بجماع) أي لا يندب التيمم لجنب فاقد للماء بناء على أن الوضوء للتنشيط، ومن ثم لا يبطل وضوء الجنب بناقض إلا الجماع، وللجنب أن يأكل ويشرب ويجامع.
قوله: (وتمنع الجنابة موانع الأصغر) أي وكلما يمنعه الحدث الأصغر تمنعه الجنابة (والقراءة) تزيد عليه منع (إلا كاية) بغير المصحف (لتعوذ ونحوه) أو آيتين لتعوذ ونحوه كالاستدلال والرقى فيجوز، وأجاز مالك ﵀ للجنب أن يكتب الصحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم وآية من القرآن الكريم.
قوله: (ودخول مسجد) أي ومما تمنع الجنابة فعله دخول مسجد (ولو مجتازا)،
стр. 142
ظاهره ولو مسجد بادية، أو كان في بيته وأجازه ابن مسلمة (١) مطلقا (٢). قوله: (ككافر) أي كما يمنع دخول كافر مسجدا، (وإن أذن) له (مسلم) فيه، لأنه حق الله تعالى لا لغيره لقوله تعالى: ﴿يتأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨] إشارة إلى بعد المحكوم بنجاسته عن قرب مواضع القرب فاطرد في كل كافر وفي كل مسجد ويرجحه أمره ﵇ كل من أسلم بالاغتسال (٣) إذ هو حق الله تعالى.
قوله: (وللمني تدفق أي وللمني علامة يعرف بها وهي تدفق وبياض وتخثر للرجل وللمرأة صفرة ورقة وملوحة (ورائحة طلع) فحل نخل (أو عجين) قمح وحقه أن يوصل هذا الفرع بقوله: وإن شك أمذي أم مني اغتسل.
قوله: (ويجزئ عن الوضوء) أي ويجزئ الغسل الواجب عن الوضوء (وإن تبين عدم جنابته لأنه دخل بنية الفرض (و) كذلك يجزئ غسل الوضوء عن غسل محله) في الاغتسال (ولوناسيا لجنابته) وأحرى إن لم ينس فإن ذكر فإنه يبني على وضوئه وظاهره ولو انتقض وضوؤه وأما مسحه فلا يجزئ.
فرع: قال القلشاني: من كان فرضه في الغسل مسح رأسه لمرض به لمشقة غسله فنسى مسحه في غسل جنابته ثم مسحه بعد ذلك في وضوئه، فقال ابن عبد السلام: يجزئه وخالفه بعض شيوخه فقال: لا يجزئه.
قال ابن عرفة وصوب الثاني وهو عدم الإجزاء، بأن المسح للغسل واجب لكل الرأس إجماعا، والوضوء قد لا يعم وإن عم فالعموم غير واجب إجماعا، فصار كفضيلة عن واجب، قال: ويصوب أيضا بأن مسح الغسل كالغسل، والمسح لا يكفي عن الغسل. انتهى (٤).
وفي تصويبه ذلك نظر، لأن المعتبر في المطلوب من أفعال المكلفين الكيفية
стр. 143
المشروعة، والنية التي تكفيه، فإذا اشتمل فعل المكلف عليها فقد تم اعتباره شرعا كالمسح المذكور، لأن الفرض أنه مسح جميع رأسه، وتلك كيفية الرأس في اغتسال مثله، ونوى به رفع الحدث الأصغر، ونيته تكفيه عن نية الأكبر فتم اعتباره في ذلك شرعا، وأما ادعاء كونه كفضيلة عن واجب أو كمسح عن غسل فلا نسلمه إلا بدليل واضح ينقض ما بيناه فتأمله.
قلت: ولو نسي جنب جنابته فتوضأ بنية الأصغر ثم انتقض وضوءه ثم ذكر جنابته، فهل يبني على ما غسل من وضوئه إن شاء بنية اغتساله ويكون حينئذ محدث الحدث الأصغر فقط، أو لا يبني عليه فيه وفيه نظر عندي فاطلب نصها. انتهى.
قوله: (كلمعة منها) تشبيه أي كما إذا نسي لمعة في اغتساله للجنابة ثم غسلها بنية رفع الحدث الأصغر في وضوئه فإنه يجزئه (وإن) كانت اللمعة (عن جبيرة) كان يمسح عليها فنسي بعد برهة غسل محلها حتى غسلها في وضوئه إذ لا فرق بين كون المتروك لبدل أو غيره.
فصل [في المسح على الخف]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل المسح على الخفين ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (رخص لرجل وامرأة وإن مستحاضة بحضر أو سفر مسح جورب جلد ظاهره وباطنه، وخف ولو على خف)، الرخصة في اللغة التسهيل، وفي الشرع ما شرع للتخفيف والمسامحة، وجواز الإقدام على الشيء مع قيام السبب المانع منه تخفيفا أو مسامحة.
قال الشاطبي (١) في موافقاته: قد رأينا ترك الترخص في مواضع الترخص يوقع في مفسدة أو مفاسد يعظم موقفها شرعا (٢) فاللاهي إذا عن مثل هذه الرخص قد أمر
стр. 144
إذا بهذه المفسدة إذ مذهب أهل السنة أن النهي عن الشيء أمر بضده أو بأحد أضداده، المسح على الخفين فرض باعتبار فعله وسنة باعتبار مشروعيته ورخصة باعتبار نيابته ومن ثم اختلف العلماء عنه بتلك الأوصاف.
قال ابن القصار: روى المسح سبعون صحابيا قولا وفعلا فلا ينكره إلا مخاذل. انتهى (١).
ورخص بعشرة شروط خمسة في الماسح وخمسة في الممسوح وكلها في المختصر.
قوله: بحضر وهو المشهور وهو قول مالك المرجوع عنه واختلف هل المرجوع عنه يعد قولا؟ أم لا.
الجورب ما كان على هيأة الخف من قطن أو غيره فلا يجوز المسح عليه إلا بشروط خمسة وهي أن يصير جرموقا والجرموق الجورب الذي جلد ظاهره وباطنه، الشرط الأول أن يكون جلدا. والثاني أن يكون طاهرا لا متنجسا، والثالث أن يكون مخروزا، والرابع أن يكون ساترا لمحل الفرض من الرجل، الخامس أن يمكن تتابع المشي فيه، وكذلك يمسح على خف ولو لبسه على خف آخر تحته ظاهره مسح الأول أم لا وهو طريق بعضهم، وقال بعضهم: إنما الخلاف إذا لم يمسح على الأول وأما إن مسح عليهما فلا خلاف في جوازه، وأشار بلو إلى خلاف لأن الإمام مالكا ﵀ أجازه مرة ومنعه أخرى، وظاهر الخف ما يلي السماء، والباطن ما يلي الأرض من خارج.
قوله: ﴿بلا حائل كطين، إلا المهماز﴾ أي فلا يمسح على خف أو جرموق وعليه حائل من طين ونحوه إلا أن يكون الحائل المهماز الشرعي فإنه يمسح عليها فلا ينزعه.
قال ابن عرفة يحتمل قوله: ولا ينزعهما للمسح أوله ولا بعده فإن خرجت المهاميز بسعة سيرها عن الحاجة لكمباهات فلا يمسح عليهما وكذلك إن كانت بصفة تمنع لبسها. انتهى (٢).
стр. 145
قوله: (ولا حد بشرط جلد طاهر خرز، وستر محل الفرض، وأمكن تتابع المشي به. بطهارة ماء كملت بلا ترفه، وعصيان بلبسه، أو سفره) أي ولا حد لمقدار الزمان الذي أجيز فيه المسح على الخف ما دام الخف متصفا بشروط جواز المسح عليه وقد تقدمت آنفا، وهي أن يكون جلدا أو مجلدا.
الثاني: أن يكون طاهرا لا متنجسا.
الثالث: أن يكون مخروزا.
الرابع: أن يكون ساترا لمحل الفرض من الرجل والخامس أن يكون يمكن تتابع المشي به لذي مروءة، وقد تكون هذه الشروط وهي التي في الخف، وأما الشروط التي تكون في الماسح هي: أن يكون لبسه إياه بعد طهارة مائية كاملة.
وأن يكون لبسه إياه بلا قصد ترفه.
وأن يكون لبسه إياه غير عصيان كالمحرم، أو كان عاصيا بسفره كالمحارب. انتهى.
قال صاحب مغني النبيل وفي الذخيرة عن الطراز على القول باختصاص مسح الخفين بالسفر لا يمسح العاصي بسفره، وعلى عدم الاختصاص قولان الصحيح المسح. انتهى (١).
الباجي: إنما أبيح المسح على الخفين إذا لبسهما للوجه المعتاد من المشي فيهما أو التوقي بهما (٢).
قوله: (فلا يمسح واسع، ومخرق قدر ثلث القدم، وإن بشك، بل دونه إن التصق، كمنفتح صغر) أي فلا يمسح على خف واسع لا يمكن المشي به لسهولة نزعه، ولا على خف مخرق فيه قدر ثلث القدم وإن كان يشك في بلوغ الثلث، لا أقل من ثلث القدم فإنه يمسح على أقل إن التصق الخرق ولم ينفتح أو انفتح فتحا صغيرا جدا بحيث لا يمكن غسل ما بدى من الرجل.
قوله: (أو غسل رجليه فلبسهما ثم كمل أو رجلا فأدخلها حتى يخلع الملبوس قبل الكمال، ولا محرم لم يضطر) أي وكذلك لا يمسح على خفيه إذا غسل رجليه أولا منكسا لوضوئه فلبسهما ثم كمل وضوؤه، وكذلك لا يمسح عليهما إن رتب وضوءه، حتى
стр. 146
غسل رجلا فأدخلها قبل غسل الأخرى حتى يخلع الملبوس في الصورتين، خلع في القرب أو في البعد، وكذلك لا يمسح محرم ذكر على خف لم يضطر إليه بأن لم يجد نعلا.
قوله: (وفي خف غصب تردد. ولا لابس لمجرد المسح أو لينام) أي وفي جواز المسح على خف غصب، وعدم جوازه تردد، لعدم النص.
القرافي: يجوز ابن عطاء الله: لا يجوز، وكذلك لا يمسح على الخفين إذا كان لبسه إياهما لمجرد المسح كمن سمع أن المسح على الخفين من عمل السلف الصالح فلبسهما ليمسح عليهما ليوافق عمله عمل السلف في ذلك أو لينام بهما أو لتعمل الحناء على رجليهما.
قوله: (وفيها يكره) أتى به استشكالا لأن قوله: أو لينام يقتضي أن المعتمد في لبسهما للنوم عدم أجزاء المسح كقول مالك وسحنون من فعل ذلك أعاد أبدا وأن قوله: يكره مشكل إلا أن تحمل الكراهة على التحريم.
وفي المدونة: سألت مالكا عن المرأة تخضب رجليها بالحناء وهي على وضوء فتلبس خفيها لتمسح عليهما إذا أحدثت أو نامت وانتقض وضوؤها، قال: لا يعجبني ذلك. انتهى (١).
قال البرزلي في نوازله: وسئل اللخمي عما روي عن سحنون من منع الوضوء بالماء المحمول على الدابة بغير إذن أربابها وديعة أو غيرها، وأباح له التيمم. فأجاب: لا تحل له الصلاة بالتيمم وعنده ذلك الماء، وأرجو أن تكون هذه الحكاية عن سحنون غير صحيحة.
فقلت: ما قاله صحيح إذ ليس فيه إلا غصب منافع دابة، فيجب عليه قيمتها، وما يحصل عنها يطيب له بمنزلة من غصب دابة وحرث عليها أو فرسا فاصطاد عليها إذ لا خلاف أنه يطيب له ما حصل عليها وعليه القيمة. ولا تجري على الصلاة بالوضوء بالماء المغصوب ولا بالثوب أو الدار المغصوبة، لأن الرقاب هنا تعدي عليها وحصل الانتهاك في ذواتها بخلاف هذا الماء إذ ليس هو بمغصوب إذ هو ملكه، ويجوز له التصرف فيه، ولا تجري على أحكام غلات المغصوب أو ربحه،
стр. 147
لأنها ناتجة عن ذات المغصوب، بخلاف هذا الماء. انتهى (١).
قوله: (وكره غسله وتكراره) أي ويكره غسل الخف ونحوه، لأجل إفساده، ويكره تكرار مسحه، لأن المسح مبني على التخفيف، ويجزئ غسله إن وقع وله نظائر تقدم ذكرها في فصل الوضوء عند قوله: وغسله مجزئ.
قوله: (وتتبع غضونه وبطل بغسل وجب وبخرقه كثيرا وبنزع أكثر رجل لساق خفه) أي ولا يلزم تتبع الغضون في المسح على الخفين.
لما فرغ من شروط المسح وما يكره وما لا يكره، شرع ﵀ يذكر ما يبطل الحكم في جواز المسح على الخفين، فقال: ويبطل جواز المسح على الخفين بسبب غسل وجب على الماسح لا غير الواجب، يريد إلا إذا كان لا يقدر على غسل رجليه، وكذلك يبطل حكم جواز المسح على الخف بخرقه خرقا كثيرا بحيث يمكن غسل ما بدا من الرجل، وكذلك يبطل حكم جواز المسح بسبب نزع أكثر رجل من الخف إلى ساقه، وقد كان مسح عليه فلا يجزيه إلا أن يخرجهما ويغسلهما مكانه، فإن أخر استأنف الوضوء، والنصف كثير، ودون النصف ليس بأكثر.
قوله: (لا العقب) أي فلا يبطل المسح بسبب نزع العقب إلى ساق الخف، والقدم كما هي في الخف مفهومه لا أكثر من العقب.
قوله: (وإن نزعهما أو أعلييه أو أحدهما بادر للأسفل كالموالاة) أي ومن مسح على خفيه أو لبس خفين على خفين فنزعهما أو الأعليين أو أحدهما نزعا يبطل المسح بادر لما تحت المنزوع بالغسل إن كان رجلا أو بالمسح إن كان خفا، فإن أخر ابتدأ وضوءه فإن كان نسيانا بنا مطلقا طال أم لا فإن كان عجزا عن الماء بنا ما لم يطل كما تقدم في وجوب الموالاة وعدمه.
قوله: (وإن نزع رجلا وعسرت الأخرى، وضاق الوقت ففي تيممه، أو مسحه عليه، أو إن كثرت قيمته وإلا مزق أقوال) أي وإن نزع رجله من خفه وعسر عليه خروج الأخرى من الخف وضاق الوقت ففي تيممه لأنه طهارة كاملة وإعطاء سائر الأعضاء حكم العضو الذي ستره الخف لأن الحقيقة المركبة إذا بطل بعضها بطلت كلها أو مسحه عليه أي على الذي عسر ويغسل الأخرى قياسا على الجبيرة بجامع تعذر غسل ما
стр. 148
تحت الحائل. قاله الأبياني.
وقال بعضهم: يمسح على الذي عسر نزعه وإن كثرت قيمته ويغسل الأخرى، وإن لم تكثر قيمته مزق.
قال ابن شاس: لأن المحافظة على قيام وظيفة الطهارة المائية تقدم على حفظ مالية الخف وعن طهارة ترابية (١).
قوله: (وندب نزعه كل جمعة ووضع يمناه على أطراف أصابعه، ويسراه تحتها ويمرهما لكعبيه، وهل اليسرى كذلك أو اليسرى فوقها؟ تأويلان) أي وندب نزع الخفين في كل جمعة وكذلك يندب في صفة المسح على الخفين وضع يده اليمنى على أطراف أصابع رجله اليمنى ويضع يسراه تحتها ويمر يديه إلى حد الكعبين وهل مسح الرجل اليسرى كذلك أو اليسرى من فوقها كما في الرسالة (٢) لأنه أمكن، فيه تأويلان.
قوله: (ومسح أعلاه وأسفله، وبطلت إن ترك أعلاه لا أسفله ففي الوقت) أي ومسح الماسح على خفيه أعلاهما وأسفلهما المدونة على الوجوب وإن ترك مسح أعلاه بطلت صلاته وإن ترك مسح أسفله أعاد في الوقت، وإليه أشار بقوله: لا أسفله ففي الوقت.
فصل [في التيمم]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل التيمم ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب، التيمم لغة: القصد ﴿وآمين البيت﴾ [المائدة: ٢] أي قاصدين، ولذلك سمي الإمام إماما لأنه يقصد ويتبع، وكذلك الطريق. وفي الشرع طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين تتوجه عند الاضطرار وسبب مشروعيته إقامة رسول الله ﷺ بالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء لالتماس عقد عائشة ﵂ والحديث (٣) مشهور وأنه كان في غزوة المريسيع (٤)، قيل وحكمة
стр. 149
مشروعيته عند العجز على وجود الماء لئلا تطول مدة ترك العبادة فتكل النفس عنها فيؤدي ذلك إلى تركها أو فعلها بمشقة وصعوبة وقد كفاهما الشرع بقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. انتهى.
قال ابن ناجي: من خصائص هذه الأمة ثلاثة أشياء:
الأول: التيمم.
الثاني: كون الأصل في الأرض الطهارة حتى تظهر النجاسة، دليله قوله ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلها» (١).
الثالث: الوضوء، نقله الفاكهاني عند قول الشيخ أبي محمد: باب ما يجب منه الوضوء (٢).
قوله: (يتيمم ذو مرض وسفر أبيح، لفرض ونفل) أي يتيمم ذو مرض مانع القدرة على مس الماء وذو سفر أبيح وأحرى إن كان مستحبا وأحرى منه إن كان واجبا وظاهر قوله: سفر ولو كان دون القصر وهو كذلك لا سفر ممنوع ولو منع الكراهة والعاصي لا يباح له التيمم، لأن ما كان معصية لا يكون سببا في الترخص فيجب عليه الرجوع لما عليه فإذا عزم على التوبة جاز له ذلك. انتهى من تبصرة ابن فرحون (٣).
فيتيمم من جاز له التيمم لفرض وكل ما يفتقر لطهارة أو كان نفلا من صلاة.
قوله: (وحاضر صح) أي وكذلك يجوز التيمم لحاضر صحيح (لجنازة إن تعينت) عليه بعدم مصل غيره.
وقال الشيخ في توضيحه ولم يفرق في المدونة بين ما إذا تعينت عليه وما إذا
стр. 150
لم تتعين لأن فرض الكفاية يتعين ما لم يقم به غيره (١).
قوله: (وفرض غير جمعة) أي وكذلك يتيمم الحاضر الصحيح لفرض غير فرض الجمعة آخر وقت المختار فإن وجد الماء فلا يعيد ما صلى بذلك التيمم خلافا لابن عبد الحكم (٢) أنه يعيد أبدا، وإليه رجع مالك.
وقيل: لا يتيمم، ويطلب الماء وإن فات الوقت، وأما فرض جمعة فلا يتيمم له، وإن خاف ذو مرض فواته، لأن الظهر هو الأصل فإن فاته فرض الجمعة مع الإمام لم يفته وقت الظهر.
قال ابن القصار: إذا خشي فوات صلاة الجمعة تيمم (٣).
قوله: (ولا يعيد، لا سنة) أي لا يتيمم الحاضر الصحيح لسنة وإن وترا وقيل يتيمم له وهو قول سحنون، ولا يتيمم لتلاوة ولا لمس مصحف ولا لدخول مسجد.
قوله: (إن عدموا ماء كافيا) أي وإنما يصح التيمم لمن ذكر إن عدموا ماء كافيا لجميع واجب الطهارة المائية دون سننها (أو خافوا باستعماله مرضا) وإن بظن (أو زيادته، أو تأخر برء) وخوف الموت أحرى وأما إن كان يتألم في الحال ولا يخاف عاقبته لزمه استعمال الماء، وقول الشيخ: وتأخر برء، داخل في الزيادة وهو مستغنى عن ذكره.
قوله: (أو عطش محترم معه) أي وكذلك يجوز التيمم لواجد الماء القادر على استعماله إن خاف عطش ذي نفس محترمة كائن معه في الحال والمال وإن لغيره، وأما غير المحترم كالكلب والخنزير فإنه يتطهر بمائه ويتركه للهلاك.
فرع في العتبية: قال سحنون في مسافرين تيمموا ثم وجدوا من الماء ما فيه كفاية لأحدهم فابتدر إليه أحدهم فتوضأ به، فلا ينتقض تيمم الآخرين إذا لم يملكوه.
стр. 151
وهو كالصيد، ولو أعطوه لأحدهم باختيار منهم انتقض تيممهم (١).
قال ابن القاسم: إن وجدا ماء لوضوء أحدهما فقط وتشاحا فيه تقاوياه.
ابن رشد شرط وإن وجد ماء كافيا لبعض أعضائه المفروضة دون بعض، فإنه يجعل إناء تحت أعضائه فيغسل ما بقي من أعضائه بذلك المستعمل لأنه إنما كره لا حرم فلا ينتقل إلى التيمم.
قوله: (أو بطلبه تلف مال) أي وكذلك يجوز له التيمم إذا خاف بطلب الماء تلف مال له بال لنفسه أو لغيره فلا بأس بتعريس مسافر لا ماء معه دون الماء بثلاثة أميال خوفا على ماله.
قوله: (أو خروج وقت) أي وكذلك يتيمم إذا خاف بطلبه خروج وقت المختار والوقت في هذا الفصل كله وقت المختار.
قوله: (كعدم مناول أو آلة) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يتيمم إذا خاف خروج الوقت بطلب مناول له أي للماء لأجل مرض به أو غيره من الأعذار، أو عدم آلة يستخرج بها الماء من بئر ونحوه.
قوله: (وهل إن خاف فواته) أي وهل يجوز التيمم لمن كان معه الماء وخاف فوات الوقت (باستعماله)، أو يستعمله ولو خرج الوقت فيه (خلاف)، ومنشأه مراعاة فضيلة الوقت أو فضيلة الطهارة المائية على أن الثاني حكي عليه الاتفاق. وقال القاضي أبو محمد: يتيمم (٢).
قال المصنف في التوضيح: لم أقف على من شهر الاستعمال. انتهى (٣).
ومن تعمد إراقة ماء كان عنده ليتيمم أثم ويتيمم وأفتى اللخمي بتيمم من إذا توضأ أحدث في صلاته وإذا تيمم لم يحدث.
وقوله: (وجاز جنازة، وسنة، ومس مصحف، وقراءة، وطواف وركعتاه، بتيمم فرض، أو نفل إن تأخرت لا فرض آخر وإن قصدا. وبطل الثاني ولو مشتركة) إلى آخره أي ومن تيمم لفريضة أو سنة أو نافلة أو شيء مما لا يجوز إلا بطهارة كجنازة وسنة ومس
стр. 152
مصحف وقراءة فيه وطواف وركعتاه بفعل ما تيمم له فإنه يجوز أن يفعل مثل ذلك بذلك التيمم لا صلاة مكتوبة أو طوافا واجبا إذ لا بد له من تيمم يخص الفرض أو الواجب وإليه أشار بقوله: لا فرض آخر إذ لا يجوز تبعية أحدهما للآخر ولو قصدا معا بخلاف غيره إذ لا يتيمم إلا لضرورة ولا يتحقق عند فعله بالنسبة إلى الثاني لعدم العلم بالطارئ فإن وقع ونزل وصلى فرضين بتيمم واحد بطل الفرض الثاني كانتا حاضرتين أو فائتتين أو إحداهما حاضرة والأخرى فائتة ولو كانت الحاضرتان مشتركتين في الوقت خلافا لأصبغ يعيد الثانية في الوقت، وغير المشتركة أبدا.
قوله: (إن تأخرت) مفهومه بالنسبة إلى النفل مفهوم الموافقة أي وأحرى إن تقدمت على النفل وبالنسبة إلى الفرض مفهوم المخالفة فمن تيمم لمكتوبة فتنفل قبلها أو صلى ركعتي الفجر بتيمم الصبح أعاد التيمم للمكتوبة فإن لم يعد وصلاهما به أعاد أبدا. انتهى.
وكل ما يباح بالطهارة المائية يباح بالصعيد إلا ثلاثا المرأة إذا طهرت من الحيض أو النفاس فإنها تتيمم وتصلي ولكن لا توطأ، والمتيمم الماسح على الخف إذا وجد الماء فلابد من المسح، الثالث: ومن صلى صلاة بتيمم فلا يصلي به فرضا آخر.
قوله: (لا بتيمم لمستحب)، كما قال أبو محمد في رسالته: إذا تيمم الجنب لنوم فلا يتنفل به (١).
اللام في لمستحب مقحمة أي لا يباح ما ذكر بتيمم مستحب، وأما التيمم للمستحب كالنفل ونحوه فيباح به وقد تقدم.
قول: (ولزم موالاته) أي ولزم موالاة التيمم وهو اتصال فعله في نفسه وما يفعل به معنى بنفسه إذا مسح على الوجه يمسح على اليدين إلا تفرقة يسيرة يعفى عنه، وقد صرح أبو عبد الله بن الحاج في المدخل بأن شرط تيمم الفريضة أن يتصل بها وهو أبين على المشهور، ولذلك كان شيخنا أبو عبد الله القوري فيما بلغني عنه يقول: إذا كان المريض يقدر على المشي للمسجد ولا يقدر على مس الماء فإنه يحمل معه التراب أو الحجر إلى المسجد فإذا أقيمت الصلاة تيمم وأحرم. انتهى من تكميل التقييد وتحليل التعقيد (٢).
стр. 153
قوله: (وقبول هبة ماء لا ثمن أو قرضه) أي ولزم من ليس معه ماء قبول هبة ماء وهب له وهو يكفيه لطهارته إذ لا ضرر عليه في قبوله لخفة المنة وأما قبول هبة ثمن الماء فلا يلزمه لجريان العرف بمنته. انتهى.
قال القرافي في أنوار البروق في أنواء الفروق ولزمه قبول هبة ماء بناء على أنه يعد مالكا ومن ملك أن يملك هل يعد مالكا؟ أم لا، وكذلك لا يلزمه قبول قرض ثمن الماء (١).
قوله: (وأخذه بثمن اعتيد لم يحتج له وإن بذمته) أي ولزم من ليس معه ماء لطهارته أخذه بثمن أعتيد فيه لا بأكثر وإن لم يحتج لذلك الثمن لأجل سفره فيشتريه وإن بذمته إذ لا ذمنة في شراء الماء بالدين بخلاف دين قرض ثمنه.
قوله: (وطلبه لكل صلاة وإن توهمه - لا تحقق عدمه) أي ولزم طلب الماء لكل صلاة ما لم يخف على نفس أو مال وأما إن تحقق وجوده أو ظنه أو توهمه إذ بذلك يتحقق عدمه وأما إن تحقق عدمه فلا يلزمه لأن من طلب ما يتحقق عدمه كالعابث.
قال ابن عرفة: قال الباجي عن المذهب وابن مسلمة جواز السفر التجر والرعي حيث يتيقن عدم الماء. انتهى (٢).
قال ابن ناجي في شرحه على الرسالة عند قوله: ويكره النوم قبلها (٣): ويقوم من كلام الشيخ أنه يكره للرجل الخروج قبل دخول الوقت من منزله إلى مكان يحدث فيه مثلا على أميال دون ماء إذا كان يشك هل فيه ماء أم لا، وانظر إذا كان يتحقق أنه ليس فيه ماء هل يجب حمل الماء معه أو يستحب فقط لأن الطهارة لا تجب إلا بعد دخول الوقت، وكذلك استعداد الماء لها وشاهدت في حال صغرى فتوى شيخنا أبو محمد عبد الله الشبيبي (٤) بالأمر بذلك ولا أدري هل ذلك منه على طريق الوجوب أو على طريق الندب ونفسي أميل إلى الوجوب. انتهى (٥).
стр. 154
قوله: (طلبا لا يشق به) أي إنما يلزمه من طلب الماء لكل صلاة طلبا لا يشق به فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص، ليس القوي كالضعيف، وليس الشاب كالشيخ وليس الرجل كالمرأة، وليس من كان نازلا في المنهل كمن هو على ظهر يخاف مفارقة أصحابه.
قال الإمام مالك ﵀ ومن الناس من يشق عليه نصف الميل (١).
قوله: (كرفقة قليلة أو حوله من كثيرة إن جهل بخلهم به) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لزمه طلب الماء في رفقة إن كانت قليلة كخمسة أو ممن حوله من رفقة كثيرة إنما يلزمه الطلب منهم وإن جهل بخلهم بالماء، فإن تحقق إعطاءهم للماء أو ظنه أو شك فيه أو توهمه فإن تيمم بغير طلب وصلى بطلت صلاته لعدم تحقق عدم الماء وهو قول مالك في العتبية. انتهى.
قال ابن عبد الكريم: وليس توهم عدم بخلهم كتوهم وجوده لقوة الملك وكثرة المنع. انتهى.
قوله: (ونية استباحة الصلاة) أي ويلزم عدم التلبس بالتيمم أن ينوي به استباحة الصلاة، لأن التيمم معنى يستباح به الصلاة لأنه لا يرفع الحدث واختلف هل يجزيه إذا نوى فرضيته أم لا.
قوله: (ونية أكبر إن كان) أي ولزم من عليه الحدث الأكبر أن ينويه لأن نية الأصغر لا تجزئ عن نية الأكبر لأن البدل لابد أن ينوي به المبدل وأيضا فكما لا يجزئ الوضوء عن الغسل فكذلك بدله لا يجزئ عن بدله.
قوله: (ولو تكررت) أي ولزمه أن ينوي بتيممه الأكبر إن كان ولو تكررت الصلاة.
قال بعض الشراح: ولو تكررت النية، وقال بعضهم: ولو تكررت الطهارة الترابية.
قوله: (ولا يرفع الحدث) معناه إذ لا يرفع الحدث به.
قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: لكنا نقول التيمم يرفع الحدث ارتفاعا مغيا بأحد ثلاثة أشياء: إما طريان حدث من الأحداث أو يفرغ من الصلاة الواحدة وتوابعها من النوافل أو يجد من الماء فيصير محدثا عند وجود
стр. 155
الماء (١).
قوله: (وتعميم وجهه وكفيه لكوعيه) أي ويلزم في التيمم تعميم وجهه بالمسح بيديه وتعميم كفيه إلى كوعيه أخذا بأوائل الأسماء وقيل إلى المنكب أخذا بأواخرها، وقيل إلى المرفقين قياسا على الوضوء. انتهى.
الكوع ما يلي الإبهام من رأس الذراع وما يلي الخنصر فهو كرسوع، وليس عليه تتبع غضون جبهته، ويمسح الوترة وهي ما بين المنخرين ولا يخلل أصابع يديه عند مسحهما ولا يشترط تفريج أصابع يديه عند ضربه الأرض بهما وينفض يديه نفضا خفيفا لئلا يتعلق بهما ما يلوث الوجه أو من دقيق الحجر ما يؤذيه.
قوله: (ونزع خاتمه) أي ولزمه نزع خاتمه عند تيممه بخلاف الوضوء لأن الماء أرق الأشياء وإن لم ينزعه وصلى بتيممه أعاد أبدا.
قوله: (وصعيد طهر) أي ومن لوازم التيمم فعله بصعيد طاهر وإن لم ينزعه والصعيد هو الأرض لم تخرجه صنعة ولا نفاسة عن معناه (كتراب وهو الأفضل) من جميع أنواعه ولو نقل عن مكانه خلافا لابن بشير إذا نقل قال بعضهم: الخلاف في التراب المنقول إذا جعل في وعاء وأما لو جعل على وجه الأرض فاسم الصعيد باق عليه. انتهى (٢).
وقوله: (ولو نقل) يحتمل أن يكون تأكيدا للتراب ويحتمل أن يكون تأكيدا للأفضلية أي والتراب أفضل ولو نقل.
قوله: (وثلج وخضخاض) أي ويتيمم على ثلج أو ماء جامد أو خضخاض وهو الطين الجاري إذا لم يجد غيره.
وقوله: (وفيها جفف يديه) أي وفي المدونة في صفة وضع يديه على الخضخاض خفف يديه روي بجيم وخاء ومعنى جفف يديه أي يحرك بعضهما ببعض لسرعة الجفاف ومعنى خفف بالخاء أي خفف وضع يديه على ذلك الخضخاض فجائز الجمع بينهما.
стр. 156
قال ابن حبيب: إن تيمم على الثلج وصلى، فإن وجد الصعيد في الوقت أعاد ولا يعيد بعده (١).
فرع: ولو مسح المتيمم يديه على شيء قبل مسح وجهه أو يديه فللمتأخرين فيه قولان: الجواز وعدمه بخلاف النفض الخفيف فإنه مشروع، ونفض اليدين مما يتعلق بهما من كتراب خوف الضرر خفيف.
قوله: (وجص لم يطبخ) أي ويجوز التيمم على جص لم يطبخ بعد وأما المطبوخ فلا، لأن الطبخ يخرجه عن ماهية الصعيد.
قوله: (وبمعدن غير نقد وجوهر) أي ويجوز التيمم على كل معدن لم ينقل عن محله إلا معدن ذهب أو فضة وهما المراد بالنقد وكذلك لا يجوز التيمم على كل جوهر نفيس، وكذلك كل ما لا يقع به التواضع لله كالزبرجد إلا أن يضيق الوقت عليه وهو في أحد تلك المواضع فإنه يتيمم عليها ويصلي لأن الصلاة خطرها عظيم وشأنها كبير.
قوله: (ومنقول كشب وملح) أي ولا يجوز التيمم على شب وشبهه إذا صار في الأيادي منقولا كنحاس ورصاص وحديد وكحل وكبريت وزرنيخ وكذلك لا يتيمم على الملح المنقول عن معدنه لأنه صار طعاما.
قال مالك: ولا يتيمم على الرخام لأنه كالزمرد (٢).
قوله: (ولمريض حائط لبن) أي وجاز لمريض التيمم على حائط لبن (أو حجر) إن لم يجد الأرض لخفة الصنعة في الحائط.
قوله: (لا بحصير وخشب) أي: لا يجوز لمريض أن يتيمم على حصير أو خشب فإن فعل أعاد أبدا والصحيح أحرى، ولا يتيمم على نبات وإن عم وجه الأرض وتعذر قلعه ولا يجد غيره.
ابن خويز منداد (٣): يجوز التيمم عندنا بالحشيش إذا كان عم وجه الأرض وقاله
стр. 157
الأبهري (١) وابن القصار.
قال الوقار (٢): ويجوز التيمم على الخشبة. قال المازري: وفيه نظر.
قال اللخمي: إن فقد سوى ما منع وضاق الوقت تيمم به. انتهى من التاج والإكليل (٣).
قوله: (وفعله في الوقت) أي: ومن لوازم التيمم وقوع فعله في الوقت لا قبله وإن بضربة واحدة لأن من شرطه أن يتصل بالصلاة أو بالفعل المستباح به. انتهى.
قال البرزلي: وسئل السيوري عن من تيمم ودخل الفريضة ثم شك في الإحرام فقطع هل يعيد التيمم أم لا، فأجاب لا يلزمه إعادة التيمم. قلت: يريد إذا لم يطل، وأما إذا طال فإن تيممه يبطل على ما حكاه ابن الجلاب. انتهى (٤).
قوله: (فالآيس أول المختار) أي والوقت الذي يتيمم فيه الآيس من وجود الماء وإدراكه أول الوقت المختار، إذ لا فائدة في تأخيره ولأجل أفضلية أول الوقت. انتهى.
قال ابن شاس: فإن أخر ما أمر بتقديمه فلا خفاء بسقوط الإعادة عنه إذا بالغ في الإستظهار وإن قدم أول الوقت ما أمر بتأخيره إلى آخره فقيل يعيد في الوقت خاصة وقيل في الوقت وبعده وسبب الخلاف هل التأخير من باب الأولى والأحسن أو من باب الأوجب؟ إذ به تتحقق الضرورة وهو محل الوجوب على هذا الرأي وقيل بالفرق بين العالم والظان فتجب الإعادة مطلقا في حق العالم وتتخصص بالوقت في حق الظان وأما إن قدم من أمرناه بالتوسط فلم يختلف هؤلاء في أنه لا يعيد بعد
стр. 158
الوقت. انتهى (١).
قال ابن المعلى السبتي: ولو قدم ذو التأخير، فقال ابن القاسم يعيد في الوقت، ابن حبيب: يعيد أبدا. وقيل إن لم يجد الماء في الوقت فكذلك.
قلت: رجح أشياخ المذهب قول ابن حبيب هذا، ولو قدم ذو التوسط لم يعد بعد الوقت باتفاق. انتهى.
قوله: (والمتردد في لحوقه أو وجوده وسطه والراجي آخره) أي ويتيمم المتردد في لحوق الماء أو وجوده وسط الوقت المختار لأنه ليس بآيس ولا راج، وكذلك المريض الذي لم يجد من يناوله الماء وكذلك الخائف من لصوص أو سبع، وكذلك المسجون، فالمتيممون وسط الوقت خمسة ذكر منهم الشيخ اثنين وسكت عن ثلاثة، ووسط الوقت في الظهر نصف القامة، وقيل: ثلثها لبطئ حركة الشمس قرب الزوال وسرعة حركتها بعد الميل، ورده ابن عرفة بأن المعتبر الظل لا نفس الحركة. انتهى.
وأما الراجي في لحوق الماء أو في وجوده فإنه يتيمم آخر الوقت المختار بحيث لو تيمم وصلى صلاة كاملة وسلم منها خرج الوقت.
قوله: (وفيها تأخيره المغرب للشفق) أي وفي المدونة أتى به استشكالا أي وفي المدونة تأخير المغرب فلا يتيمم له إلى وقت الشفق بناء على القول بأن للمغرب وقتا ممتدا إلى الشفق وأما على القول بأن ليس للمغرب إلا وقت واحد فإنه يتيمم.
فرع: قال ابن فرحون في تبصرته: إذا وجب على أهل القافلة طلب الماء فأرسلوا واحدا منهم إلى صوب الطلب، فرجع وقال: لم أجد شيئا، قبل خبره وجاز لهم التيمم. انتهى (٢).
قوله: (وسن ترتيبه وإلى المرفقين، وتجديد ضربة ليديه)، لما فرغ ﵀ من واجبات التيمم، شرع يذكر مسنوناته ومندوباته، وسنن التيمم ثلاث: ترتيبه بأن يمسح الوجه ابتداء ثم اليدين.
الثانية: إصال مسح اليدين إلى المرفقين.
الثالثة: تجديد ضربة ثانية لليدين، فتنكيس التيمم كتنكيس الوضوء.
стр. 159
قوله: (وندب تسمية وبدء بظاهر يمناه بيسراه إلى المرفق ثم مسح الباطن لآخر الأصابع ثم يسراه كذلك) شروع منه ﵀ في ذكر مندوبات التيمم أي وندب للمتيمم أن يسمي الله ﵎ عند تيممه، وليس هذا بتكرار لما تقدم في قوله في فصل الوضوء: وتسميته لأنه إنما ذكر هناك حكمها في المشروعية، لأن الشرع جامع للواجب والجائز والمستحب والمكروه، وكذلك يندب له أن يبدأ بمسح ظاهر يمناه بباطن يسراه من أطراف أصابعها إلى المرفق ثم مسح الباطن من المرفق إلى آخر أصابعها كلها هذا رواية ابن القاسم، ثم يمسح يسراه بيمناه على الوصف المذكور في مسح يمناه وهذا الوصف خلاف وصفه في الرسالة لأنه لا يمسح باطن كفه اليمني إلا بعد مسح ظاهر اليسرى ثم يمسح كفيه بعضهما ببعض وهو رواية مطرف (١) والوصف الأول أولى لأن التيامن مستحب. انتهى.
ولا بأس أن يتيمم على تراب تيمم عليه مرارا.
ابن رشد: لأن التراب لا يتعلق به من أعضاء التيمم ما يخرجه عن حكم التراب كما يتعلق بالماء بعض وسخ الأعضاء (٢).
قوله: (وبطل بمبطل الوضوء وبوجود الماء قبل الصلاة لا فيها إلا ناسيه)، شروع منه ﵀ في مبطلات التيمم أي ويبطل التيمم بما يبطل به الوضوء من حدث أو سببه أو شك فيه، وكذلك يبطل بوجود الماء قبل الشروع في الصلاة إذا كان في سعة من الوقت، وأما إن وجد الماء بعد أن دخل الصلاة فلا يقطعها لأجل الماء إلا أن يذكره في رحله أو نحوه أو رحل من لا يمنعه فإنه يقطع الصلاة حينئذ، لأنه كان واجدا للماء وقادرا عليه إذ لا يعذر بالنسيان والجهل، بخلاف ما لو طلع عليه رجل بماء وهو في الصلاة، القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن للمكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل.
قوله: (ويعيد المقصر في الوقت وصحت إن لم يعد) أي ومن وجد الماء بعد أن صلى بتيمم جائز فلا إعادة عليه إلا أن يكون في تيممه ذلك ضرب من التقصير
стр. 160
فيعيد في الوقت المختار وصحت صلاته إن لم يعدها.
قال شيخنا محمود ابن عمر حفظه الله وهذا والله أعلم مستغنى عنه لأنه لما قال: في الوقت، علمنا أن صلاته صحيحة.
قوله: (كواجده بقربه أو رحله) أي كما يعيد في الوقت من وجد الماء بقربه بحيث لو علم به لوجب عليه استعماله كما إذا نزل بصحراء ولا ماء معه فيتيمم وصلى ثم وجد الماء قريبا منه أو وجد الماء في رحله أو رحل من لا يمنعه منه فإنه يعيد في الوقت.
قوله: (لا إن ذهب رحله) أي لا إعادة على من ذهب رحله بمائه فطلبه ولم يجده فتيمم وصلى ثم وجده في الوقت.
قوله: (وخائف لص أو سبع ومريض عدم مناولا، وراج قدم ومتردد في لحوقه) أي وكذلك يعيد في الوقت من تيقن وجود الماء ومنعه منه خوف لص أو سبع أو سارق فتيمم وصلى ثم ذهب خوفه في الوقت، وكذلك مريض عدم مناولا فإنه يعيد في الوقت لتفريطه في الاستعداد.
قال بعضهم: وهذا إذا لم يكن ممن يتكرر الدخول عليه وإلا فليس بمفرط وكذلك راج وجود الماء فتيمم وصلى أول الوقت ثم وجد الماء الذي كان يرجوه في الوقت فإنه يعيد في الوقت، وكذلك المتردد في لحوق الماء إذا وجد الماء الذي تردد في لحوقه، فإنه يعيد في الوقت قدم التيمم عن الوقت المقدر له أو أخره عنه. ابن عرفة: يريد إذا عرف موضع الماء قدم أم لا، لأنه إذا قدم فقد خالف ما أمر به، وإن لم يقدم فقد بان خطؤه. انتهى (١).
وهو بخلاف المتردد في وجوده إن تيمم وسط الوقت أو قبله أو بعده وصلى ثم وجده لضعف الشك في حقه بإسناده لأصل العدم.
قوله: (وناس ذكر بعدها) أي وكذلك يعيد في الوقت من كان عالما بماء يجب عليه استعماله فنسيه وتيمم وصلى ثم ذكره بعد أن صلى.
قوله: (كمقتصر على كوعيه، لا على ضربة) تشبيه أي كما يعيد في الوقت تيممه على مسح كوعيه فقط دون ذراعيه لأنه ترك سنة مؤكدة لكونها في محل الفرض للوضوء وأما من اقتصر في تيممه على ضربة واحدة لوجهه ويديه فلا يعيد في
стр. 161
الوقت لضعف سببيتهما.
قوله: (وكمتيمم على مصاب بول وأول بالمشكوك وبالمحقق، واقتصر على الوقت للقائل بطهارة الأرض بالجفاف) أي كما يعيد في الوقت من تيمم على موضع أصابه بول أو غيره من النجاسة بعد أن جفت الأرض.
قال ابن القاسم في المدونة: من تيمم على موضع النجاسة من الأرض موضع قد أصابه البول أو القذر فإنه يعيد ما دام في الوقت (١) وأوله بعضهم على المشكوك فإن لم تظهر النجاسة فيه ظهورا يحكم له بها وأما إن تحقق النجاسة فإنه يعيد أبدا وأوله بعضهم على ظاهره فيعيد في الوقت ولو كانت النجاسة محققة فيه واقتصر الإمام مالك ﵀ على الإعادة في الوقت، لأجل قول القائل بطهارة الأرض بالجفاف في الصلاة فيه مراعاة للخلاف، وهل يعتبر كل خلاف؟ أو إنما يعتبر القوي دون الضعيف قولان.
فإن روعي القوي واختلف ما هو قيل ما قوي دليله وقيل ما كثر قائله قولان.
قوله: (ومنع مع عدم ماء تقبيل متوض، وجماع مفتسل إلا لطول) أي ومنع مع عدم ماء تقبيل متوضئ التقبيل ليس بشرط وكذلك اللمس للذة وكل منقض للوضوء إن لم يخف شدة حنقة بول أو غائط، إذ لا ينتقل من الطهارة المائية إلى الترابية، وكذلك يمنع جماع مغتسل، أو إخراج مني إذ لا ينتقل من الحدث الأصغر إلى الأكبر، إلا لطول يؤدي إلى الضرر ويختلف باختلاف الأشخاص وكل واحد في ذلك بحسبه. انتهى.
قال ابن رشد: هذا المنع منع استحباب (٢).
وقوله: تقبيل متوضئ مصدر مضاف إلى الفاعل أو إلى المفعول.
قوله: (وإن نسي إحدى الخمس) أي وإن نسي من طهارة التيمم إحدى الصلوات الخمس ولم يعرفها بعينها (تيمم خمسا) وصلى بكل تيمم صلاة يخصها به متصلا بها.
стр. 162
قوله: (وقدم ذو ماء مات ومعه جنب) أي وقدم بالغسل ذو ماء كاف للغسل مات عن غسل الجنب معه لأن الماء ملكه، لا لكونه ميتا وصاحب الماء أحق به، وقيل لأنه آخر طهارة ولأنه غسل نجاسة وهي تقدم على الحدث.
قوله: (إلا لخوف عطش) أي وقدم ذو ماء مات إلا أن يكون هناك من يخاف العطش فإنه يقدم صونا للحياة.
قوله: (ككونه لهما) أي كما يقدم الحي الجنب بالغسل عن غسل الميت إذا كان الماء لهما لأن غسل الجنابة واجب إجماعا وغسل الميت مختلف فيه فلذلك قدم الحي الجنب.
وقوله: (وضمن قيمته) راجع إلى الفرعين أي ويضمن قيمة الماء لورثة الميت لمشقة قضاء المثل في تلك المواضع. انتهى.
وإذا كان الماء بين ذي الحدث الأصغر وذي الأكبر، فذو الحدث الأكبر أحق به من ذي الأصغر، وفي كون الجنب كالحائض، أو هي أولى منه به قولان.
قوله: (وتسقط صلاة وقضاؤها بعدم ماء وصعيد) أي ويسقط وجوب الصلاة وقضاؤها عند مالك ﵀ لأجل عدم ماء وصعيد، لأن الطهارة شرط في الوجوب عنده وقد يكون ذلك كالمربوط وخائف سبع طلع على شجرة، أو من كان تحت هدم.
قال ابن القاسم: يصليها كذلك ويقضيها، أشهب يصليها ولا يقضيها، أصبغ لا يصليها ولكن يقضيها (١)، ومذهب ابن القاسم أحوط، وإذا وجد المربوط الأرض يومئ بوجهه ويديه إلى الأرض في تيممه.
فصل [في المسح على الجرح أو الجبيرة أو العصابة]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسح الجرح أو جبيرته أو عصابته ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب، ولو قدم المصنف هذا الفصل على فصل المسح على الخفين لكان أولى.
قوله: (إن خيف غسل جرح كالتيمم - مسح) أي خوفا يبيح ترك غسل جرحه كما
стр. 163
تقدم في التيمم من خوف مرض أو زيادته أو تأخر برء مسح فرارا من الهلاك، وهو مطلوب شرعا لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] الآية.
قوله: (ثم جبيرته) أي فإن لم يقدر على مباشرة الجرح بالمسح مسح على جبيرته وهي الدواء الذي عليه، وسمى الجبيرة من الجبر تفاؤلا كما يسمى اللديغ سليما، فإن لم يقدر على مسح الجبيرة مسح عصابته، وإن كثرت العصائب وأمكن مسح أسفلها لم يجزه المسح على ما فوقه، وليس كخف فوق خف لأن شرط المسح على الجبيرة للضرورة بخلاف الخف.
قوله: (ثم عصابته، كفصد ومرارة وقرطاس صدغ) إلى قوله: (وعمامة) أي كما يمسح على عصابة فصد، الفصد قطع العرق وكذلك يمسح على مرارة تجعل على ظفر وجيع، ولكل حيوان مرارة إلا البعير والنعامة، المرارة بفتح الميم، وكذلك يمسح على قرطاس تجعل على صدغ لوجع الرأس، والقرطاس مثلثة القاف.
قوله: (وعمامة خيف بنزعها) أي وكذلك يجوز المسح على عمامة خيف بنزعها ضرر. قال القاموس: العمامة بكسر العين (١)، وقال غيره: بالكسر والفتح.
وقوله: (وإن بغسل، أو بلا طهر، وانتشرت) راجع إلى الكل أي إن خيف غسل جرح مسح أو جبيرته أو عصابته، وإن كان في غسل جنابة أو شدها على الجرح بلا طهارة من حدث للضرر بتأخير شدها على الجرح إذا لم يكن عليه أن يتطهر في موضع، لم يخاطب به لطهارته. قاله اللخمي (٢).
وكذلك يمسح عليها وإن انتشرت على محل الجرح انتشارا قريبا منه أو محتاجا إليه.
قوله: (إن صح جل جسده أو أقله ولم يضر غسله) أي إنما يمسح ذو الجرح إن صح جل جسده، والجل ما هو أكثر من النصف، أو كان الصحيح من جسده هو الأقل ولكن لم يضر غسله بالأكثر.
стр. 164
قوله: (وإلا ففرضه التيمم) أي وإن أضر غسل الأقل بالجراح ففرضه حينئذ التيمم رفعا للضرر والمشقة المنفيين في الشريعة.
قوله: (كأن قل جدا، كيد) أي كما أن فرضه التيمم إذا قل الصحيح من جسده كد واحدة ونحوها.
ابن عرفة وفتوى ابن رشد يتيمم من خشي على نفسه من غسل رأسه (١) دون مسحه بعيد والأظهر مسحه. انتهى.
قوله: (وإن غسل أجزأ) أي وإن غسل مطلوب بالمسح ما أمر بمسحه أجزاه ولكن عصى ربه وله نظائر قد تقدم ذكرها في فصل الوضوء.
قوله: (وإن تعذر مسها وهي بأعضاء تيممه تركها وتوضأ) أي وإن تعذر مس الجراح بمسح بماء أو تيمم والحال أنها في أعضاء تيممه الرأس والوجه واليدين تركها بلا غسل ولا مسح وغسل ما سواها في وضوئه، لأن الوضوء الناقص أولى من التيمم الناقص.
قوله: (وإلا فثالثها يتيمم إن كثر، ورابعها يجمعهما) أي وإن لم تكن في أعضاء تيممه بل في الرأس والرجلين ففيه أربعة أقوال أولها يتيمم ترجيحا للتيمم الكامل، الثاني يتوضأ ترجيحا للوضوء إذ هو الأصل، وثالث الأقوال يتيمم إن كثرت الجراح وإلا تطهر بالماء، ورابعها يجمع بين طهارة الماء والتيمم احتياطا وجبر نقص الكل منهما بكمال الآخر.
قوله: (وإن نزعها لدواء أو سقطت وإن بصلاة قطع وردها ومسح) أي وإن نزع ذو الجراح الجبيرة لكدواء بعد أن مسح عليها أو سقطت بنفسها وإن كان في صلاة قطع، ويردها ومسح في الحال لبطلان المسح الأول فإن أخر المسح فكترك الموالاة وكذلك يقطع كلما تطلب له الطهارة بنزعها أو سقوطها كمس المصحف وفي ميم المصحف ثلاثا.
قوله: (وإن صح غسل. ومسح متوضئ رأسه) أي الجرح ونحوه بعد ذلك وجب عليه فعل الأصل الذي هو الغسل الذي انتقل عنه إلى المسح والمتوضئ يمسح رأسه فإن ترك المبادرة بذلك فكترك الموالاة. انتهى.
ابن عرفة فلو نسي غسل ما كان من جنابة ففيها إن كان في مغسول الوضوء
стр. 165
أجزأ وقضى ما صلى قبل غسله وإلا غسل وقضى كل ما صلى قبله … وقال: من نسي في غسل جنابته مسح رأسه لمشقة غسله فمسحه في وضوئه ففي إجزائه قولان ابن عبد السلام: يجزئه، وقال بعض شيوخنا لا يجزيه وصوب الثاني لأنه للغسل واجب لكل الرأس إجماعا وللوضوء قد لا يعم وإن عم فالعموم غير واجب إجماعا فصار كفضيلة عن واجب.
قلت: وبأن المسح في الغسل كالغسل والمسح لا يكفي عن الغسل. انتهى (١).
فصل [في الحيض والنفاس والاستحاضة]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل الحيض والنفاس ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قال القرافي في ذخيرته: الحيض غسالة دم الجسد ينبعث من العروق إلى الفرج إذا كثر في الجسد فإذا حصل الحمل انغلق عليه الرحم فلا يخرج منه شيء في الغالب. انتهى (٢).
قال صاحب إكمال الإكمال: سبب اجتماع الحيض الدم لأن الدم يهبط من أعماق البدن إلى رحم المرأة التي قدر الله أن تحيض، ثم يندفع شيئا بعد شيء، ولذلك تختلف عادات النساء في الطهر والحيض على حسب ما أحكمته القدرة. وقال ابن العربي: إنما اختلفت عادات النساء من جهة الأزمنة والأمكنة، والأهوية ترخى الرحم الدم إرخاء مختلفا بحسب ذلك، فيقل مرة ويطول أخرى. انتهى (٣).
والشيخ عرفه فقال: (الحيض دم) لما قال دم أخرج قيحا ونحوه أو دود.
وقوله: (كصفرة أوكدرة) تشبيه أي كما أن صفرة أو كدرة خرجت من فرجها حيض.
قوله: (خرج بنفسه) أي كما خرج الدم بنفسه، لا بسبب كدم الولادة ولا دم
стр. 166
الإستحاضة لأنه بسبب قطع عرق هناك يسمى العاذل بالعين المهملة والذال المعجمة، هو في أدنى الرحم، ولا بسبب دم الإفتضاض، ولا دم من تعالج نفسها لتحيض لتخرج من العدة والظاهر بأنها لا تحل بذلك.
قوله: (من قبل من تحمل عادة) أي الحيض دم ونحوه من صفرة أو كدرة خرج بنفسه من قبل امرأة تحمل مثلها عادة كبنت تسع سنين وهل أوله أو وسطه أو آخره فيه خلاف وأخرج بقوله: قبل الدبر وعبارته في قوله من قبل خير من عبارة ابن الحاجب إذ قال: من فرج من تحمل.
الفرج يطلق على القبل والدبر.
وأخرج بقوله: من تحمل عادة من لا تحمل عادة، كبنت سبع سنين، واليائسة كبنت خمسين سنة، لقول عمر (١) والله: عجوز في الغابرين. وقول عائشة (٢) لها: قل امرأة تجاوز خمسين فتحيض إلا أن تكون قرشية (٣).
قال صاحب إكمال الإكمال: اليائسة ليس دمها دليل براءة رحمها، واختلف هل تترك الصلاة.
قلت: كان غير دليل لأنها لا تعتد به وإنما تعتد بالأشهر.
والقول أن دمها غير حيض لا تترك الصلاة هو المشهور والآخر لأشهب وعلى المشهور لا تغتسل لانقطاعه.
وقال ابن حبيب: تغتسل. والمعروف في سنها أنها خمسون سنة.
ابن شاس: سبعون (٤).
стр. 167
وفي المدونة: بنت سبعين آيس وغيرها يسأل النساء. انتهى (١).
قوله: (وإن دفعة) أي فلا حد لأقل الحيض وإن كان دفعة واحدة أي قطرة واحدة، الدفعة بضم الدال اسم للمدفوع وبفتحها مرة كما قال في فصل القصر في السفر قصدت دفعة أي مرة.
قوله: (وأكثره لمبتدأة نصف شهر) لما بين أن لا حد لأقل الحيض بين أن أكثره له حد معلوم أي وأكثر مدة الحيض لمبتدئة وهي التي لم تر الحيض قبله وبها بدأ الشيخ نصف شهر كامل.
قوله: (كأقل الظهر) تشبيه أي كما أن أقل الطهر نصف شهر كامل في جميع النساء ولا حد لأكثره.
قوله: (ولمعتادة ثلاثة استظهارا على أكثر عادتها ما لم تجاوزه) أي وأكثر الحيض لمعتادة الدم عادتها مع ثلاثة أيام استظهارا وهو طلب البرهان على انقطاع الدم. قاله الشيخ في توضيحه (٢).
وقال صاحب التقييد: الاستظهار طلب الظهور لما خفي من الأمور. انتهى.
فإن اختلفت عادتها تستظهر بثلاثة أيام على ما هو أكثر من عادتها ما لم تجاوز نصف شهر كامل ثم هي طاهر بعد أيام الاستظهار وإن استمر دمها، فإن انقطع عند خمسة عشر أو قبله فهو حيض وهو عادة انتقلت فتقضي ما صامت فيها وما صلت من الفوائت إذ لا يسقطهما الحيض عنها.
قال ابن رشد: قول ابن لبابة: تغتسل لأقل عادتها، والزائد استحاضة، خطأ صراح (٣).
قال ابن عبد الكريم: قلت: ليس بخطأ صريح إن اختصت كل عادة بزمن تعرفه، كمن كانت عادتها أن تحيض في فصل خمسة وفي فصل تسعة عادة مطردة، فاستمر بها الدم بعد الخمسة في فصلها، وعلى المشهور تنتظر التسعة، فإن بلغتها ولم ينقطع الدم عنها استظهرت بثلاثة عليها فمعتادة أربعة عشر تستظهر بيوم ومعتادة خمسة عشر لا تستظهر.
стр. 168
وقوله: (ثم هي طاهر) ولم يقل طاهرة لعدم اللبس لأن الرجل لا يحيض.
وقال بعض أئمة اللغة: إن أردت الحالة المستمرة والصفة المعتادة.
قلت: حائض وطاهر.
وإن أردت الحالة الحاضرة.
قلت: حائضة وطاهرة وطالقة والحيضة المرة الواحدة ولو دفعة، وهي بفتح الحاء، ولكن اصطلاح المذهب على أنها المدة التي تعتد بها من زمان الحيض في العدة والإستبراء، والحيضة بكسر الحاء الاسم والخرقة التي تستثفر بها المرأة وكذلك المحيضة.
والحيض والطهر يسمى كل واحد منهما قرءا وقرءا بضم القاف وفتحها. انتهى من الذخيرة (١).
قوله: (ولحامل بعد ثلاثة أشهر النصف ونحوه) أي وأكثر الحيض لحامل بعد مضي ثلاثة أشهر نصف شهر كامل ونحوه البساطي، النحو هنا ستة عشر يوما. وقال ابن عبد الكريم المغيلي: ونحو الشيء هنا ما زاد عليه زيادة لا تخرجه عنه في كنهه إجمالا.
وفي إكمال الإكمال: وقال بعضهم: النحو عشرون يوما لأنك إذا عطفت النحو على المفرد يكون مثله وإذا أضيف إلى العدد يكون أقله.
قوله: (وفي ستة فأكثر عشرون يوما) أي وأكثر الحيض لحامل بعد مضي ستة أشهر فأكثر عشرون يوما (ونحوها، وهل) حكم (ما قبل الثلاثة كما بعدها) إلى الستة بناء على أنها حامل (أو) هي (كالمعتادة (؟) بناء على أنها غير حامل إذ لا يثبت الحمل إلا بعد ثلاثة أشهر على ذلك القول (قولان) فإن قيل الحامل تحيض والحيض يدل على براءة الرحم قلنا دلالة ظنية لا قطعية فاكتفى بذلك رفقا بالنساء.
قوله: (وإن تقطع طهر لفقت أيام الدم فقط على تفصيلها) أي وإن تقطع طهر على حائض أو على نفساء لفقت أيام الدم بعضها ببعض إلى أن يحصل أكثر الحيض أو النفاس ولا يشترط استيعاب اليوم بالدم فإن رأت قطرة واحدة فإن ذلك اليوم يعد من أيام الدم لفقت على تفصيلها السابق من المبتدأة والمعتادة والحمل (ثم هي) بعد ذلك مستحاضة، وتغتسل كلما انقطع الدم، وتصوم وتصلي وتوطأ) لاحتمال ألا يعاودها
стр. 169
الدم فتطهر حقيقة لأن الأصل عدم عود الدم إليها.
قوله: (والمميز بعد طهر تم حيض) أي والدم المميز من دم الإستحاضة بعد طهر تام فهو حيض، مفهومه إن لم تميزه فليس بحيض والمفهوم صحيح، ومفهوم قوله بعد طهر تم أنه لو كان قبل طهر تام أنه ليس بحيض والمفهوم صحيح.
قوله: (ولا تستظهر) أي ولا تستظهر هذه المميزة (على) القول (الأصح) لأن الإستظهار لطلب تمييز الدم الزائد على العادة هل هو حيض أو استحاضة، وهذه قد تقررت الإستحاضة منها ومقابل الأصح تستظهر. انتهى.
فالنساء ستة مبتدئة هي التي لم تر الحيض قبله وبها بدء الشيخ حمد الله، والمعتادة وبها ثني، والحامل وبها ثلث، والمختلطة وبها ربع، والمستحاضة وبها خمس، السادسة النفساء. انتهى.
والمستحاضات في عهد رسول الله ﷺ خمس: حمنة بنت جحش (١) وأم حبيبة (٢) ويقال لها حبيبة بنت جحش زوج عبد الرحمن بن عوف (٣) وفاطمة بنت أبي حبيش (٤).
стр. 170
وسهلة بنت سهيل (١) وسودة بنت زمعة (٢) زوج رسول الله ﷺ وأما زينب (٣) زوج رسول الله ﷺ فلم تستحض قط. انتهى من غريب الموطأ (٤).
قوله: (والطهر بجفوف، أو قصة وهي أبلغ لمعتادتها فتنتظرها لآخر المختان) أي والطهر من الحيض والنفاس له علامتان يعرف بأحدهما جفوف وهو أن تدخل الخرقة في فرجها فتخرجها جافة وهو أبلغ عند ابن عبد الحكم (٥) العلامة الثانية هي القصة البيضاء وهي أبلغ عند ابن القاسم لمعتادتها وهو ظاهر الرسالة وقيل هما سيان وعلى قول ابن القاسم فإذا رأت الجفوف أول الوقت انتظرت القصة إلى آخر الوقت المختار مقدار ما تظهر فيه وتصلي فيخرج الوقت المختار.
قوله: (وفي المبتدأة تردد) أي وفي انتظار المبتدئة القصة إذا رأت الجفوف قبلها تردد في فهم النقل نقل بعضهم عن ابن القاسم: لا تطهر إلا بالجفوف ظاهره ولو رأت القصة ولهذا قال الباجي: نزع ابن القاسم إلى قول ابن عبد الحكم (٦).
стр. 171
قال عبد الوهاب: وافق ابن القاسم على أن المبتدئة إذا رأت الجفوف طهرت (١)، ولم يقل إذا رأت القصة تنتظر الجفوف، وهكذا نقل عنه المازري، ثم رد ما قاله الباجي بأن خروج المعتادة عن عادتها ريبة بخلاف المبتدئة إذ لا عادة لها، فمتى رأت الجفوف كان علامة، والأصل عدم القصة في حقها فلا تؤخر لأمر مشكوك فيه.
قال في المقدمات: ونقل عبد الوهاب أصح وأبين (٢) مما نقله غيره، والجفوف انقطاع رطوبات الحيض من الفرج. القصة ماء أبيض كالجير وري على أنه كالمني وروى ابن القاسم أنه كالبول.
قوله: (وليس عليها) أي وليس بواجب على حائض أو نفساء (نظر طهرها قبل) طلوع (الفجر) وغيره من الأوقات التي يشق عليها النظر فيها (بل) يجب عليها النظر (عند النوم، والصبح) لتعلم حكم صلاتي الليل والصبح فليس على من رأته غدوة ولم تدر إن كان قبل الفجر أو بعده قضاء صلاة الليل بل عليها إمساك بقية اليوم في الصوم الواجب وتقضيه ويستحب للحائض والنفساء أن تنظر الطهر في النهار أول الوقت ويجب عليها في آخر الوقت بحيث تدرك أداء الصلاة.
وفي إكمال الإكمال أيضا قال المازري عند قوله: (ناقصات عقل ودين) (٣): نقص دينها بذلك صحيح إذا قلنا العبادات الدين، لأن من نقص عبادة نقص دينا. ولا يتعرض بالمسافر فيقال إنه يقصر ولا يقال إنه ناقص الدين، لأن تركهن الصلاة إنما هو تنزيه الله تعالى أن يعبدنه مستقذرات بخلاف المسافر، فجاء النص فيهن من هذا الوجه، وأيضا فالنقص للمسافر غير لازم لأن له أن لا يسافر فلا يسقط
стр. 172
عنه شيء، وهو لهن لازم إذ ليس لهن أن لا يحضن.
وقد لا يحتاج إلى هذا لأن المسافر إنما يغير العدد وهن يتركن الصلاة جملة.
والحديث بين في أن الحائض لا تثاب على تركها الصلاة.
وقالوا في المسافر والمريض يتركان نوافل الصلاة لعذرهما أنهما يكتب لهما ثواب ما كانا يتنفلان به في الصحة والمرض، وفرق بأنهما كانت نيتهما الدوام لولا العذر، والحائض لم تكن نيتها الدوام، وإنما نظير الحائض من كان يتنفل مرة ويترك أخرى، فهذا لا يكتب له لأنه لم تكن نيته الدوام. انتهى (١).
قوله: (ومنع صحة صلاة، وصوم، ووجوبهما، وطلاقا. وبدء عدة) شروع منه عمله في موانع الحيض والنفاس أي ومنع الحيض صحة صلاة فرضا أو نفلا وصحة صوم فرضا كان أو نفلا وكذلك يمنع وجوبهما عليها وإنما أمرت بقضاء الصوم أمر استيناف وكذلك يمنع الطلاق فإن وقع فيه مضى ولكن يجبر على الرجعة وسيأتي في موضعه إن شاء الله وكذلك يمنع الحيض بدء عدة الطلاق.
قوله: (ووطء فرج أو تحت إزار، ولو بعد نقاء وتيمم) أي ومن موانع الحيض والنفاس وطأ امرأته في فرج اتفاقا حتى تطهر بالماء إلا أن يطول ذلك طولا يشق عليه وهل ذلك تعبد أو معلل وكذلك يمنع له الوطء تحت إزار فيما دون الفرج على المشهور فإن فعل ما منع له من ذلك فعليه الإستغفار لا غير وقوله: ولو بعد نقاء وتيمم راجع إليهما.
قال في إكمال الإكمال عياض: هو المشهور لأن الله تعالى ذكر غاية وشرطا ولا بد منهما وأجازه الكوفيون وبعض أصحابنا البغداديين قالوا: والمنع حتى تغتسل استحبابا وتأوله على قول مالك.
وقال ابن نافع: إن احتاج إليها جاز لقوله تعالى: ﴿حتى يطهرن﴾ [البقرة: من الآية ٢٢٢] يعني الغاية.
الأوزاعي (٢): إن غسلت فرجها جاز وحمل الطهر على اللغوي وقال آخرون إذا
стр. 173
توضأت جاز كما يؤمر الجنب بالوضوء قبل النوم.
قلت: ولابن بكير (١) قول ثالث بالكراهة. انتهى (٢).
قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: الأجنبية ممنوعة محرمة والعقد عليها رافع لهذا المنع ارتفاعا مغيا بغايات، أحدها الطلاق، وثانيها الحيض، وثالثها الصوم، ورابعها الإحرام، وخامسها الظهار، فقد وجدنا المنع يرتفع ارتفاعا مغيا بغايات. انتهى (٣).
فائدة: قال صاحب إكمال الإكمال فيه ومباشرته ﷺ ليست حرصا على نيل شهوة النفس بل للتشريع، وفعله ذلك مع كلهن يفيد انتشاره، كما أن القصد بإكثار الزوجاة نشر الأحكام وحفظها لتخبر كل واحدة عن ما شاهدت فاعلمه (٤).
قوله: (ورفع حدثها) أي وكذلك يمنع الحيض رفع حدثها (ولو) كان الحدث (جنابة) وقيل إن اغتسلت للجنابة يرفع عنها حدثها لتقرأ القرآن لأن الحائض تقرأ والجنب لا يقرأ.
قوله: (ودخول مسجد) أي ومن موانع الحيض والنفاس دخول مسجد ولو مسجدا في بيتها وإن استقرت فبسبب ألا تدخل المسجد (فلا تعتكف ولا تطوف) لأن الاعتكاف والطواف لا يكونان إلا في المسجد ولا يمنع السعي بين الصفا والمروة ولا الوقوف بعرفة ولا ذكر الله كالتسبيح والاستغفار.
قوله: (ومس مصحف) أي ويمنع الحيض والنفاس مس مصحف وميم المصحف يجوز فيه الحركات الثلاث الضم والفتح والكسر.
قوله: (لا قراءة) أي ولا يمنع الحيض والنفاس قراءة القرآن ولو من المصحف
стр. 174
إن لم تكن تمسه وإن بقضيب لطول أمرها خوف النسيان بخلاف الجنب لأنه يقدر على رفع الجنابة عن نفسه، وإنما تجوز قراءة القرآن للحائض ونحوها ما لم ينقطع عنها الدم وأما إن انقطع عنها فهي حينئذ كالجنب. انتهى.
وأنفرد ابن الحاجب بأن الحائض لا تقرأ ورد ما قال لطول أمرها.
قوله: (والنفاس دم خرج للولادة)، واختلف في النفاس هل هو اسم لتنفيس الرحم أو للدم فمن قال للدم فلا يجب الغسل إلا به ومن قال لتنفيس الرحم أوجب الغسل وإن لم يخرج الدم وعرفه الشيخ خليل فقال: والنفاس دم خرج للولادة ظاهره قبله أو معه أو بعده.
قال بعضهم: ما خرج قبله ليس بنفاس وإنما هو حيض والذي بعده نفاس.
قوله: (ولو بين توأمين، وأكثره ستون يوما) أي فكل دم خرج للولادة دم نفاس ولو خرج بين توأمين وعليه قال ابن القاسم: وإذا ولدت ولدا وبقي في بطنها آخر ولم تضعه إلا بعد شهرين والدم متماد بها فحالها كحال النفساء ولزوجها عليها الرجعة ما لم تضع آخر من في بطنها (١).
وقوله: وحالها كحال النفساء في الجلوس عن الصلاة إذا تمادى بها الدم أقصى ما تجلس النفساء وهو أكثره وأكثره على قول مالك الأول ستون يوما وهو المشهور وهو المرجوع عنه.
قوله: (فإن تخللهما، فنفاسان وتقطعه ومنعه كالحيض) أي فإن تخلل أكثر النفاس بين التوأمين فإنها يحكم لها بحكم نفاسين وأما إن كان ما تخلل بينهما من تمادي الدم أقل من أكثر النفاس فهو نفاس واحد، ولا حد لأقل النفاس وتقطع النفاس ومنعه كتقطع الحيض في الحكم ومنعه كمنعه.
قوله: (ووجب وضوء بهاد والأظهر نفيه) أي ويجب الوضوء على الحامل بسبب خروج هاد وهو ماء أبيض يخرج من قبل الحامل قرب الوضع لقول ابن القاسم: هو كبولها، والأظهر عند ابن رشد نفي الوضوء لأنه ليس بخارج معتاد. قال شيحنا محمود بن عمر حفظه الله: وهو الظاهر هنا انتهى باب الطهارة.
* * *
стр. 175
باب [في أحكام الصلاة]
قوله: (باب) أي هذا باب الصلاة يذكر فيه أوقات الصلاة ومسائلها وهو أطول أبواب هذا المختصر وفيه فصول وبدء تختلف بتبيين الأوقات.
الوقت هو الزمان الذي حده الشارع لفعل الصلاة فيه وهو قسمان وقت أداء، ووقت قضاء.
فوقت الأداء ما قيد فعل الصلاة به أولا، أي حين فرضت الصلاة. ووقت القضاء ما بعد وقت الأداء، ووقت الضرورة ما أبيح لأجل الضرورة. انتهى.
قال القرافي في ذخيرته: فائدة: نصب الله تعالى الأوقات أسبابا للأحكام، كالفجر والزوال ورؤية الهلال. كما نصب الأفعال أسبابا. نحو السرقة والزنا.
والأوقات تختلف بحسب الأقطار، فما من زوال لقوم إلا وهو فجر لقوم وعصر لقوم ومغرب لقوم، ونصف الليل لقوم، بل كلما تحركت الشمس درجة، فتلك الدرجة بعينها هي الفجر وطلوع الشمس والزوال والغروب ونصف الليل ونصف النهار، وسائر أسماء الزمان تنسب إليها بحسب أقطار مختلفة، وخاطب الله كل قوم بما يتحقق في قطرهم، لا في قطر غيرهم، فلا يخاطب أحد بزوال غير بلده ولا بفجره، وهذا مجمع عليه، وكذلك يخاطب كل أحد بهلال قطره، ولا يلزمه حكم غيره، ولو ثبت بالطرق القاطعة، كما لا يلزمنا الصبح وإن قطعنا بأن الفجر قد طلع على مشرق غيرنا. انتهى (١).
[فصل في بيان أوقات الصلوات الخمس]
قوله: (الوقت المختار للظهر: من زوال الشمس لأخر القامة بغير ظل الزوال) أي أول وقت المختار للظهر من زوال الشمس وهو زوالها عن أعلى درجات السماء ارتفاعا وذلك ممتد إلى آخر القامة الأولى.
قال أبو طالب (٢) في إكمال الإكمال: في القوت: والزوال ثلاثة: زوال لا يعلمه
стр. 176
إلا الله، وزوال يعلمه الملائكة المقربون ﵈، وزوال يعرفه الناس. وجاء في الحديث أنه ﷺ سأل جبريل ﵇: «هل زالت الشمس؟» فقال: لا نعم. فقال له: ما معنى لا نعم. قال: يا رسول الله قطعت الشمس من فلكها بين قولي لا نعم مسيرة خمس مائة عام (١). انتهى (٢).
والقامة لكل أحد سبعة أقدام ونصف قدم بقدمه أو أربعة أذرع بذراعه لا غيره ولا يحسب من ذلك الظل الذي زالت عليه الشمس.
قوله: (وهو أول وقت العصر للاصفرار) أي وآخر القامة الأولى هو أول وقت العصر وهو ممتد إلى إصفرار الشمس.
قوله: (واشتركتا) أي الظهر والعصر (بقدر) وقوع صلاة (إحداهما) مشتركتان في الوقت خلافا لمن قال: لا يشتركان بل اختص الظهر بمقدار أربع ركعات بعد الزوال واختص العصر بمقدار ذلك ويشتركان فيما بين ذلك المشهور الاشتراك بقدر إحداهما (وهل) ذلك الاشتراك (في آخر القامة الأولى) فيكون العصر هو الآخذ في وقت الظهر (أو) الاشتراك إنما يقع في (أول) القامة (الثانية؟ خلاف) فيكون الظهر هو الآخذ في وقت العصر فيه (خلاف) مبناء ما روي في الحديث «أنه ﷺ صلى به جبريل ال من الغد في الوقت الذي صلى فيه العصر (٣) وهل بمعنى شرع أو فرغ وجبريل ال هو الذي حدد الأوقات.
قوله: (وللمغرب غروب الشمس يقدر بفعلها بعد شروطها) أي والوقت المختار للمغرب غروب قرص الشمس عن ذلك القطر وهو ممتد بقدر فعلها بعد أداء شروطها من التطهير من الخبث والحدث والستر والتاذين والإقامة واستقبال القبلة.
قوله: (وللعشاء من غروب حمرة الشفق للثلث الأول) أي وأول وقت المختار للعشاء ممتد من غروب حمرة الشفق إلى انقضاء ثلث الليل الأول ولا يعتبر الصفرة الباقية بعد حمرة الشفق.
=
стр. 177
قوله: (وللصبح من الفجر الصادق للإسفار الأعلى) أي وأول الوقت المختار للصبح ممتد من الفجر الصادق إلى الاسفار الأعلى وهو الذي تظهر فيه الأشياء وقيل إلى طلوع الشمس.
قال القاضي أبو بكر: هذا هو الصحيح عن مالك، ولا وقت الضرورة لها. قاله ابن شاس (١).
قوله: (وهي الوسطى) أي والصبح هي الصلاة الوسطي أي الخيار وسط كل خيار ولكل شيء خياره، وقيل: صلاة العصر، وقيل: الظهر، وقيل: المغرب، وقيل: العشاء، وقيل: هي الصلاة على النبي ﷺ ، وقال : ﴿حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وقوموا لله قنتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] ولا قنوت إلا في الصبح، ولتوسطها بين ليلتين جهرتين ونهاريتين سريتين، والمشقة فيهما في الفصلين بالبرد في الشتاء وقصر الليل في الصيف، لأنها في الوقت الذي النوم فيه، وقال ابن عباس (٢) ﵁: لأنها تصلى في سواد من الليل وبياض من النهار (٣).
قوله: (وإن مات) أي وإن مات المكلف بالصلاة في (وسط الوقت بلا أداء) هذه الوقتية (لم يعص) ربه توسعة من الرحمن (إلا أن يظن الموت) ويؤخرها فإنه حينئذ عاص بتأخيره.
قوله: (والأفضل لفذ تقديمها مطلقا) أي والأفضل لمريد الصلاة منفردا تقديم الصلاة مطلقا أول الوقت كانت ظهرا أو غيرها سقيما كان أو صحيحا صيفا أو شتاء لقوله ﷺ : «أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها» (٤) ولما فيه من المبادرة إلى امتثال أمر الله ﷺ وخوف قاطع عن فعلها من موت أو غيره، وركعة من الصلاة خير من الدنيا وما فيها.
стр. 178
قوله: (وعلى جماعة آخره) أي والصلاة أول الوقت لفذ أفضل من صلاته آخره في جماعة ورجح الشيخ هنا فضيلة أول الوقت عن فضيلة الجماعة.
قال البساطي: ويتولد من هذا أنه لا يعيد في الجماعة لأنه فعل الأفضل.
قوله: (وللجماعة تقديم غير الظهر، وتأخيرها لربع القامة ويزاد لشدة الحر) أي والأفضل للجماعة تقديم الصلاة أول وقتها غير صلاة الظهر وأفضل لها تأخيرها إلى ربع القامة صيفا وشتاء ويزاد التأخير لشدة الحر وذلك يختلف باختلاف الأيام مفهومه لا يزاد إلا لشدة الحر ولم يبين الشيخ قدر الزيادة قيل الزائد إلى نصف القامة أو فوقه بيسير وقيل ما لم يصل آخر الوقت وقيل ما لم يخرج الوقت وصوب المازري كونه لانقطاع حر يومه المعين ما لم يخرج الوقت. انتهى.
وقال ﷺ : «شدة الحر من فيح جهنم» (١).
المازري: قال الليث (٢): الفيح سطوع الحر، فاحت القدر أي غلت. انتهى (٣).
وفي الذخيرة تمهيد: الأصل أن المبادرة إلى طاعة الله تعالى في سائر الأحوال أفضل لما فيه من إظهار الطواعية والأمن من تفويت مصلحة العبادة، إلا أن يقوم عارض أرجح كالحر فإن الإبراد مقدم على مصلحة العبادة لأن المشي في الحر الشديد يذهب الخشوع الذي هو أحد أوصاف الصلاة، ولهذا أمر بالمشي إلى الجماعة بالسكينة والوقار، وإن فاتت المبادرة وصلاة الجماعة وبركة الإقتداء، وهذا عممه الشرع في سائر الصلوات، ولذلك قال صاحب القبس: إذا تعارض الشغل والصلاة، فالأخيار من العلماء على تقديم الشغل ليتفرغ للخشوع.
الأصل في كثرة الثواب والعقاب وقلتهما أن يتبعا كثرة المصلحة في الفعل وقلتها، وكثرة المفسدة وقلتها، كتفضيل التصدق بالدينار على الدرهم، وإحياء الرجل الأفضل أفضل من إحياء المفضول، وإثم الأذية في الأعراض والنفوس أعظم من إثم الإذاية في الأموال، وكذلك غالب الشريعة وقد يستوي الفعلان في المصلحة
стр. 179
والمفسدة من كل وجه ويوجب الله تعالى أحدهما دون الآخر كإيجاب الفاتحة في الصلاة دون غيرها مع مساواتها لنفسها، وكتكبيرة الإحرام دون غيرها من التكبيرات، وأبعد من هذا عن القاعدة تفضيل الأقل مصلحة على الأكثر، كتفضيل القصر على الإتمام مع اشتمال الإتمام على مزيد الخضوع والإجلال وأنواع التقرب، وكتفضيل الصبح على سائر الصلوات عندنا، وكتفضيل العصر على رأي مع قصر القراءة فيها على ما وردت السنة به، وكتفضيل ركعة الوتر على ركعتي الفجر، والله تعالى هو الفاعل المختار يفضل ما شاء على ما شاء ومن شاء على من شاء ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣] ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ [هود: ٤] (١). انتهى
واستحب ابن حبيب تعجيل العصر يوم الجمعة أكثر من تعجيلها في غيرها رفقا بالناس لأنهم يهجرون.
قال ابن القاسم: وذكرته لمالك فقال: ما سمعته من عالم وهم يفعلونه وإنه لواسع (٢).
قوله: (وفيها) أي وفي المدونة (ندب تأخير العشاء قليلا) أتى الشيخ بها استشكالا وأنكر مالك رحمة الله أن يؤخرها الحرس في الرباط إلى ثلث الليل إنكارا شديدا (٣).
قوله: (وإن شك في دخول الوقت لم تجز ولو وقعت فيه) الشك هنا عدم الجزم أي وإن شك المكلف في دخول الوقت فدخل في الصلاة بشكه لم تجزه ولو وقعت في الوقت لأن الصلاة في ذمته ولا يبرأ منها إلا بيقين وأما من طرأ عليه الشك في أثناء الصلاة ثم تبين أنه صلى في الوقت أو لم يتبين فإنه يجزيه لوجود الجزم أولا حين دخوله وأشار بلو إلى خلاف أنها تجزيه إن وقعت في الوقت.
قوله: (والضروري بعد المختار للطلوع) لما فرغ من ذكر وقت المختار شرع يذكر وقت الضروري وهو ما أبيح فيه الصلاة لأجل الضرورة أي والضروري مبدأه بعد
стр. 180
المختار إلى الطلوع (في الصبح) هذا هو المشهور خلافا للرسالة بأن لا ضروري للصبح.
قوله: (وللغروب في الظهرين) أي ووقت الضرورة في الظهرين: الظهر، والعصر ممتد من وقت المختار لهما إلى الغروب.
قوله: (وللفجر في العشائين) أي ووقت الضروري من المغرب والعشاء ممتد من وقت المختار لهما إلى طلوع الفجر وبيان مقدار وقت الضرورة يفيد أن وقت الاختيار للثانية من المشتركتين ضروري للأولى وكذلك ضروريه ضروري للأولى.
قوله: (وتدرك فيه الصبح بركعة) أي ويدرك المكلف في وقت الضروري في الصبح بركعة كاملة بقراءة الفاتحة فقط مع الطمأنينة، وقيل: لا يعتبر الطمأنينة. انتهى.
وهذا يفيد أن وقت الاختياري لا يدرك إلا بمقدار صلاة كاملة لا بركعة.
قوله: (لا أقل) أي لا يدرك الضروري في الصبح بأقل من ركعة كاملة بسجدتيها وطمأنينتها.
قوله: (والكل أداء) أي والركعات كلها في الصبح أداء وعليه فإن حاضت بعد أن ركعت ركعة فخرج الوقت فلا قضاء عليها.
قال في إكمال الإكمال: القول بأن الصلاة كلها أداء هو قول اصبغ، سحنون: قضاء، اللخمي: الأول هو المشهور والثاني أبين. انتهى (١).
قوله: (والظهران والعشاآن) أي ويدرك الضروري في الظهر والعصر والمغرب والعشاء (بفضل) وقوع ركعة عن الأولى) منهما (لا) بفضل ركعة من (الأخيرة) خلافا لمن قال به. قاله الشارح في الصغير (٢).
وإلا الأخيرة أي فإن لم يكن في الوقت سعة لفضل ركعة عن الأولى بل ضاق الوقت ولم يتسع إلا دون ذلك فالأخيرة هي المدركة منهما وذلك لأن آخر الوقت لآخر الصلاتين اتفاقا ولكن إنما يتصور ذلك في صلاتي الليل.
قوله: (كحاضر سافر، وقادم) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يقصر الحاضر إذا سافر في وقت يفضل ركعة بعد الصلاة الأولى لأنه سافر في وقتيهما ولكنه أثم