← Фикх малики

Фикх малики · id 30174

موهوب الجليل في شرح مختصر خليل

ابن أبي بكر الواداني

Полный текст (1 727 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إلا الله، وزوال يعلمه الملائكة المقربون ﵈، وزوال يعرفه الناس. وجاء في الحديث أنه ﷺ سأل جبريل ﵇: «هل زالت الشمس؟» فقال: لا نعم. فقال له: ما معنى لا نعم. قال: يا رسول الله قطعت الشمس من فلكها بين قولي لا نعم مسيرة خمس مائة عام (١). انتهى (٢). والقامة لكل أحد سبعة أقدام ونصف قدم بقدمه أو أربعة أذرع بذراعه لا غيره ولا يحسب من ذلك الظل الذي زالت عليه الشمس. قوله: (وهو أول وقت العصر للاصفرار) أي وآخر القامة الأولى هو أول وقت العصر وهو ممتد إلى إصفرار الشمس. قوله: (واشتركتا) أي الظهر والعصر (بقدر) وقوع صلاة (إحداهما) مشتركتان في الوقت خلافا لمن قال: لا يشتركان بل اختص الظهر بمقدار أربع ركعات بعد الزوال واختص العصر بمقدار ذلك ويشتركان فيما بين ذلك المشهور الاشتراك بقدر إحداهما (وهل) ذلك الاشتراك (في آخر القامة الأولى) فيكون العصر هو الآخذ في وقت الظهر (أو) الاشتراك إنما يقع في (أول) القامة (الثانية؟ خلاف) فيكون الظهر هو الآخذ في وقت العصر فيه (خلاف) مبناء ما روي في الحديث «أنه ﷺ صلى به جبريل ال من الغد في الوقت الذي صلى فيه العصر (٣) وهل بمعنى شرع أو فرغ وجبريل ال هو الذي حدد الأوقات. قوله: (وللمغرب غروب الشمس يقدر بفعلها بعد شروطها) أي والوقت المختار للمغرب غروب قرص الشمس عن ذلك القطر وهو ممتد بقدر فعلها بعد أداء شروطها من التطهير من الخبث والحدث والستر والتاذين والإقامة واستقبال القبلة. قوله: (وللعشاء من غروب حمرة الشفق للثلث الأول) أي وأول وقت المختار للعشاء ممتد من غروب حمرة الشفق إلى انقضاء ثلث الليل الأول ولا يعتبر الصفرة الباقية بعد حمرة الشفق. =

стр. 177

قوله: (وللصبح من الفجر الصادق للإسفار الأعلى) أي وأول الوقت المختار للصبح ممتد من الفجر الصادق إلى الاسفار الأعلى وهو الذي تظهر فيه الأشياء وقيل إلى طلوع الشمس. قال القاضي أبو بكر: هذا هو الصحيح عن مالك، ولا وقت الضرورة لها. قاله ابن شاس (١). قوله: (وهي الوسطى) أي والصبح هي الصلاة الوسطي أي الخيار وسط كل خيار ولكل شيء خياره، وقيل: صلاة العصر، وقيل: الظهر، وقيل: المغرب، وقيل: العشاء، وقيل: هي الصلاة على النبي ﷺ ، وقال : ﴿حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وقوموا لله قنتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] ولا قنوت إلا في الصبح، ولتوسطها بين ليلتين جهرتين ونهاريتين سريتين، والمشقة فيهما في الفصلين بالبرد في الشتاء وقصر الليل في الصيف، لأنها في الوقت الذي النوم فيه، وقال ابن عباس (٢) ﵁: لأنها تصلى في سواد من الليل وبياض من النهار (٣). قوله: (وإن مات) أي وإن مات المكلف بالصلاة في (وسط الوقت بلا أداء) هذه الوقتية (لم يعص) ربه توسعة من الرحمن (إلا أن يظن الموت) ويؤخرها فإنه حينئذ عاص بتأخيره. قوله: (والأفضل لفذ تقديمها مطلقا) أي والأفضل لمريد الصلاة منفردا تقديم الصلاة مطلقا أول الوقت كانت ظهرا أو غيرها سقيما كان أو صحيحا صيفا أو شتاء لقوله ﷺ : «أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها» (٤) ولما فيه من المبادرة إلى امتثال أمر الله ﷺ وخوف قاطع عن فعلها من موت أو غيره، وركعة من الصلاة خير من الدنيا وما فيها.

стр. 178

قوله: (وعلى جماعة آخره) أي والصلاة أول الوقت لفذ أفضل من صلاته آخره في جماعة ورجح الشيخ هنا فضيلة أول الوقت عن فضيلة الجماعة. قال البساطي: ويتولد من هذا أنه لا يعيد في الجماعة لأنه فعل الأفضل. قوله: (وللجماعة تقديم غير الظهر، وتأخيرها لربع القامة ويزاد لشدة الحر) أي والأفضل للجماعة تقديم الصلاة أول وقتها غير صلاة الظهر وأفضل لها تأخيرها إلى ربع القامة صيفا وشتاء ويزاد التأخير لشدة الحر وذلك يختلف باختلاف الأيام مفهومه لا يزاد إلا لشدة الحر ولم يبين الشيخ قدر الزيادة قيل الزائد إلى نصف القامة أو فوقه بيسير وقيل ما لم يصل آخر الوقت وقيل ما لم يخرج الوقت وصوب المازري كونه لانقطاع حر يومه المعين ما لم يخرج الوقت. انتهى. وقال ﷺ : «شدة الحر من فيح جهنم» (١). المازري: قال الليث (٢): الفيح سطوع الحر، فاحت القدر أي غلت. انتهى (٣). وفي الذخيرة تمهيد: الأصل أن المبادرة إلى طاعة الله تعالى في سائر الأحوال أفضل لما فيه من إظهار الطواعية والأمن من تفويت مصلحة العبادة، إلا أن يقوم عارض أرجح كالحر فإن الإبراد مقدم على مصلحة العبادة لأن المشي في الحر الشديد يذهب الخشوع الذي هو أحد أوصاف الصلاة، ولهذا أمر بالمشي إلى الجماعة بالسكينة والوقار، وإن فاتت المبادرة وصلاة الجماعة وبركة الإقتداء، وهذا عممه الشرع في سائر الصلوات، ولذلك قال صاحب القبس: إذا تعارض الشغل والصلاة، فالأخيار من العلماء على تقديم الشغل ليتفرغ للخشوع. الأصل في كثرة الثواب والعقاب وقلتهما أن يتبعا كثرة المصلحة في الفعل وقلتها، وكثرة المفسدة وقلتها، كتفضيل التصدق بالدينار على الدرهم، وإحياء الرجل الأفضل أفضل من إحياء المفضول، وإثم الأذية في الأعراض والنفوس أعظم من إثم الإذاية في الأموال، وكذلك غالب الشريعة وقد يستوي الفعلان في المصلحة

стр. 179

والمفسدة من كل وجه ويوجب الله تعالى أحدهما دون الآخر كإيجاب الفاتحة في الصلاة دون غيرها مع مساواتها لنفسها، وكتكبيرة الإحرام دون غيرها من التكبيرات، وأبعد من هذا عن القاعدة تفضيل الأقل مصلحة على الأكثر، كتفضيل القصر على الإتمام مع اشتمال الإتمام على مزيد الخضوع والإجلال وأنواع التقرب، وكتفضيل الصبح على سائر الصلوات عندنا، وكتفضيل العصر على رأي مع قصر القراءة فيها على ما وردت السنة به، وكتفضيل ركعة الوتر على ركعتي الفجر، والله تعالى هو الفاعل المختار يفضل ما شاء على ما شاء ومن شاء على من شاء ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣] ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ [هود: ٤] (١). انتهى واستحب ابن حبيب تعجيل العصر يوم الجمعة أكثر من تعجيلها في غيرها رفقا بالناس لأنهم يهجرون. قال ابن القاسم: وذكرته لمالك فقال: ما سمعته من عالم وهم يفعلونه وإنه لواسع (٢). قوله: (وفيها) أي وفي المدونة (ندب تأخير العشاء قليلا) أتى الشيخ بها استشكالا وأنكر مالك رحمة الله أن يؤخرها الحرس في الرباط إلى ثلث الليل إنكارا شديدا (٣). قوله: (وإن شك في دخول الوقت لم تجز ولو وقعت فيه) الشك هنا عدم الجزم أي وإن شك المكلف في دخول الوقت فدخل في الصلاة بشكه لم تجزه ولو وقعت في الوقت لأن الصلاة في ذمته ولا يبرأ منها إلا بيقين وأما من طرأ عليه الشك في أثناء الصلاة ثم تبين أنه صلى في الوقت أو لم يتبين فإنه يجزيه لوجود الجزم أولا حين دخوله وأشار بلو إلى خلاف أنها تجزيه إن وقعت في الوقت. قوله: (والضروري بعد المختار للطلوع) لما فرغ من ذكر وقت المختار شرع يذكر وقت الضروري وهو ما أبيح فيه الصلاة لأجل الضرورة أي والضروري مبدأه بعد

стр. 180

المختار إلى الطلوع (في الصبح) هذا هو المشهور خلافا للرسالة بأن لا ضروري للصبح. قوله: (وللغروب في الظهرين) أي ووقت الضرورة في الظهرين: الظهر، والعصر ممتد من وقت المختار لهما إلى الغروب. قوله: (وللفجر في العشائين) أي ووقت الضروري من المغرب والعشاء ممتد من وقت المختار لهما إلى طلوع الفجر وبيان مقدار وقت الضرورة يفيد أن وقت الاختيار للثانية من المشتركتين ضروري للأولى وكذلك ضروريه ضروري للأولى. قوله: (وتدرك فيه الصبح بركعة) أي ويدرك المكلف في وقت الضروري في الصبح بركعة كاملة بقراءة الفاتحة فقط مع الطمأنينة، وقيل: لا يعتبر الطمأنينة. انتهى. وهذا يفيد أن وقت الاختياري لا يدرك إلا بمقدار صلاة كاملة لا بركعة. قوله: (لا أقل) أي لا يدرك الضروري في الصبح بأقل من ركعة كاملة بسجدتيها وطمأنينتها. قوله: (والكل أداء) أي والركعات كلها في الصبح أداء وعليه فإن حاضت بعد أن ركعت ركعة فخرج الوقت فلا قضاء عليها. قال في إكمال الإكمال: القول بأن الصلاة كلها أداء هو قول اصبغ، سحنون: قضاء، اللخمي: الأول هو المشهور والثاني أبين. انتهى (١). قوله: (والظهران والعشاآن) أي ويدرك الضروري في الظهر والعصر والمغرب والعشاء (بفضل) وقوع ركعة عن الأولى) منهما (لا) بفضل ركعة من (الأخيرة) خلافا لمن قال به. قاله الشارح في الصغير (٢). وإلا الأخيرة أي فإن لم يكن في الوقت سعة لفضل ركعة عن الأولى بل ضاق الوقت ولم يتسع إلا دون ذلك فالأخيرة هي المدركة منهما وذلك لأن آخر الوقت لآخر الصلاتين اتفاقا ولكن إنما يتصور ذلك في صلاتي الليل. قوله: (كحاضر سافر، وقادم) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يقصر الحاضر إذا سافر في وقت يفضل ركعة بعد الصلاة الأولى لأنه سافر في وقتيهما ولكنه أثم

стр. 181

لتأخيره إلى هذا الوقت وكذلك القادم من سفره فإنه يتمهما لأنه قدم في وقتيهما. قوله: (وأثم إلا لعذر بكفر، وإن بردة، وصبا، وإغماء، وجنون، ونوم، وغفلة، كحيض) أي وأثم من أخر الصلاة عن وقتها المختار إلى الضروري إلا أن يكون التأخير لأجل عذر فلا يأثم والعذر المسقط للإثم الكفر الأصلي والطارئ بالردة والعياذ بالله لأن «الإسلام يجب ما قبله» (١)، ومن الأعذار الصبا والإغماء وهو مرض في باطن الجسم يذهب منه العقل ومنها الجنون لعدم التكليف ومنها النوم إذا لم يتعمده بظنة خروج الوقت الاختياري ومنها الغفلة وهي النسيان ومنها الحيض والنفاس مسقط للإثم والقضاء. ولو قال الشيخ: وكحيض ليشمل النفاس لكان أولى. قوله: (لا سكر) أي والسكر ليس من الأعذار المسقطة للإثم إذا كان هو الذي أدخله على نفسه وأما إن سكر بشيء لم يعلم أنه مسكر فلا إثم حينئذ ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة الآية: ٢٨٦]. قوله: (والمعذور، وغير كافر) أي وكل معذور (يقدر له الظهر) من الحدث الأصغر والأكبر فيوسع عليه بمقدار الطهارة بحيث لا يأثم إلا الكافر بنوعيه فلا يوسع له بمقدار الطهارة لأن المنع من الإسلام من قبله واكتسابه بناء على أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في التكليف. قوله: (وإن ظن إدراكهما) أي وإن ظن من زال عذره إدراك الصلاتين في الوقت (فركع) ركعة (فخرج الوقت قضى) الصلاة (الأخيرة) لأنه لحق وقتها وأما التي صلى فيها ركعة، فإنه يشفع الركعة، فإن كان قد صلى فيها ثلاثا أتمها وقضى الأخيرة، وقيل يقطعها فلا يشفع ولا يتمها. فرع: وهل يعتبر مقدار الطهارة لأهل الأعذار في طرف السقوط؟ قال به اللخمي (٢). قال الشيخ في توضيحه ولم أره لغيره. انتهى (٣).

стр. 182

قوله: (وإن تطهر فأحدث، أو تبين عدم طهورية الماء أو ذكر ما يرتب فالقضاء) أي وإن تطهر ذو العذر ثم أحدث غلبة أو عمدا وأتم به أو تبين له عدم طهورية الماء الذي تطهر به أو تطهر بطهور ثم ذكر صلاة يجب عليه ترتيبها فالقضاء في الفروع الثلاثة ثابت عليه، ابن القاسم في الموازية: لا قضاء عليه. قوله: (وأسقط عذر حصل - غير نوم ونسيان - المدرك) أي وأسقط عذر حصل عن المكلف الصلاة غير النائم والناسي فإن الصلاة لا تسقط بعذر النوم والنسيان فالقضاء عليهما بالفور، بخلاف قضاء الصوم لقول النبي ﷺ : «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها» (١) في أي وقت من ليل أو نهار قال الله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾ [طه: ١٤] فتضمن هذا الحديث وجوب القضاء على النائم والناسي وأنه على الفور؛ لقوله « … . إذا ذكرها … » في أي وقت ذكر؛ من ليل أو نهار وأما الإثم فساقط عنهما. انتهى من اللخمي (٢). وقوله: (وأمر صبي بها لسبع وضرب لعشر) أي وأمر صبي ذكرا كان أو أنثى بالصلاة إذا دخل في السنة السابعة بلا ضرب عليها وضرب عليها إذا دخل في السنة العاشرة، والفرق بينها وبين الصوم فلا يؤمر به لكثرة مسائلها، وقيل لسهولتها، وقيل الأصل عدم الأمر، وخرجت الصلاة عن الأصل وبقي عليه الصوم. قوله: (ومنع نفل وقت طلوع شمس وغروبها) أي ومنع التنفل بالصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها لأن الشمس تطلع وتغرب على قرن الشيطان. قال صاحب إكمال الإكمال: لأن الشيطان ينتصب قائما في وجه الشمس عند طلوعها ليكون طلوعها بين قرنيه أي فوديه فيصير مستقبلا لمن يسجد للشمس فتصير عبادتهم له، فنهوا عن الصلاة في ذلك الوقت مخالفة لعبدة الشيطان. انتهى (٣). وسكت الشيخ نعم الله عن وقت استواء الشمس في كبد السماء، والمشهور جوازه، وسكت أيضا عن النفل عند دخول الإمام للجمعة، فإن كان قد أحرم أتم

стр. 183

بالتخفيف، ولا يبدأ به بعد دخوله، وعبر بالمنع لأنه ظاهر النهي الوارد في الحديث، وغالب عبارة الأصحاب الكراهة، واحترز بالنفل من الفرض فإنه لا يمنع في كل وقت من الأوقات. وقوله: (وخطبة جمعة) أي ومنع النفل وقت خطبة جمعة ولو تحية مسجد إلا أن يلغو الخطيب فيجوز النفل حنيئذ، واحتزر بخطبة الجمعة من خطبة العيد والاستسقاء فإن النفل لا يمنع وقتهما، وقال أبو حنيفة: يجوز النفل في كل وقت. قوله: (وكره بعد فجر، وفرض عصر، إلى أن ترتفع قيد رمح، وتصلى المغرب إلا ركعتي الفجر، والورد قبل الفرض لنائم عنه) لما فرغ من الوقت الممنوع فيه النفل، شرع يذكر الوقت المكروه أي وتكره صلاة النفل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر إلى أن ترفع الشمس قيد رمح أي قدر رمح العرب وهو ستة أذرع إلا وقت الطلوع فإنه محرم وقد تقدم، وإلا الورد قبل فرض الصبح لنائم عنه أي عن ورده أي إنما يجوز له صلاة الورد بعد الفجر إذا نام عنه غلبة، وأما إن تعمد النوم فلا يرخص له، وكذلك يكره النفل بعد صلاة عصر نفسه إلى أن تصلى المغرب. مسألة: فلو أحرم بالعصر ثم ذكر أنه صلاها وقد صلى ركعة قال مالك: يشفعها لأنه لم يقصد مخالفة السنة، ولقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] ولو ذكر قبل الركوع فالأظهر القطع. قوله: (وجنازة وسجود تلاوة) أي وتجوز الصلاة على الجنازة اتفاقا وسجود تلاوة على مذهب المدونة خلافا للموطأ (قبل إسفار) في الصبح (واصفرار) بعد العصر، وهذا إذا لم يخف عليه التغير، وأما إن خيف عليه فإنه يصلى عليه بعد إسفار واصفرار. قوله: (وقطع محرم بوقت نهي) أي ومن أحرم بصلاة نفل في وقت نهي تحريما كان أو كراهة، فإنه يقطع إذ هو مقتضى المنع، إذ لا يتقرب إلى الله بما نهى عنه ولا قضاء عليه، لأن القطع أمر به الشرع. قوله: (وجازت) أي جازت الصلاة (بمربض بقر أو غنم) لطهارة أروائها. المريض: بكسر الباء كمجلس وفتحها كمقعد. قوله: (كمقبرة ولو لمشرك، ومزبلة ومحجة ومجزرة) أي كما تجوز الصلاة على المقبرة ولو كانت لمشرك، والدليل أن النبي ﷺ بنى مسجده على مقبرة

стр. 184

المشركين (١). وظاهر كلام الشيخ: سواء كان القبر قديما أو حادثا. المقبرة بفتح الباء وضمها وكسرها، وكذلك تجوز الصلاة على المزبلة، ومحجة الطريق أي وسطها، وعلى المجزرة. المزبلة بفتح الباء وضمها، والمجزرة بتفح الزاء وكسرها. وقوله: (إن أمنت) راجع إلى ما بعد الكاف من قوله: كمقبرة على قاعدة الأكثرية أي إن أمنت هذه المواضع (من النجس). قال القلشاني: قال بعضهم: النهي عن الصلاة في المزبلة والمحجة والمجزرة إما معلل بالنجاسة وإما باستدبار القبلة وإما بالاستهزاء بالعبادة بفعلها بموضع لا يضمن الحكم فيها. انتهى. قال اللخمي: قال ابن حبيب من صلى في بيت نصراني أو مسلم لا ينفك من النجاسة أعاد أبدا. انتهى. قال مالك في النوادر في مساجد البوادي والأفنية يمشي عليها الكلاب والدجاج: لا بأس بالصلاة بها (٢). قوله: (وإلا فلا إعادة) أي وإن لم تؤمن النجاسة في هذه المواضع المذكورة وصلى بها ولو ظانا فلا إعادة أبدا عليه (على) القول (الأحسن إن لم تتحقق) النجاسة وإن تحققت فلابد من الإعادة أبدا عليه وأما في الوقت فإنه يعيد وإن لم تتحقق. قوله: (وكرهت بكنيسة، ولم تعد، وبمعطن إبل ولو أمن، وفي الإعادة قولان) أي وكرهت الصلاة في الكنائس والبيع لأجل نجاسة أقدامهم، ولأنها أسست على غير التقوى، فإن اجترأ وصلى فيها فلا إعادة الأبدية عليه، وأما الإعادة في الوقت فلابد، وكذلك تكره الصلاة في معاطن الإبل، ولو أمن من النجاسة لأنه تعبد، فإن اجترأ وصلى فيه ففي حد الإعادة قولان من غير ترجيح. ابن حبيب يعيد أبدا في العمد والجهل وفي الوقت مع النسيان. وقال بعضهم: الإعادة في الوقت لا غير عامدا كان أو جاهلا (٣). قوله: (ومن ترك فرضا أخر لبقاء ركعة بسجدتيها من الضروري، وقتل بالسيف حدا

стр. 185

(ولو قال أنا أفعل، وصلى عليه غير فاضل، ولا يطمس قبره) أي ومن ترك من المكلفين فرضا وقتيا أخر إلى بقاء قدر صلاة ركعة بسجدتيها من وقت الضروري، لأن الدماء عظيمة القدر فليبالغ في تأخيره إلى الوقت الذي يكون من صلى بعده يعد قاضيا لا مؤديا فإن أبى أن يصلي في الوقت قتل بالسيف، حدا خلافا لمن قال: ينغر بالسيف إلى آخر الوقت، وقتله قتل حد لا قتل كفر خلافا لابن حبيب من ترك الصلاة متعمدا أو مفرطا كان كافرا، والأول هو المشهور، فيقتل ولو وعد بالصلاة ويقول أنا أفعلها، وعلى المشهور يصلي عليه غير فاضل من المسلمين ويرثه ورثته ولا يطمس قبره، إذ لا يكفر بترك فعل علم وجوبه، ولو جحد الوجوب لكان كافرا إن لم يكن قرب عهده بالاسلام أو من بعدت داره فإنه يعلم. قال: واختلف في تارك غيرها من الفرائض، فقال مالك: من قال لا أتوضا ولا أصوم يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإن قال: لا أزكي، أخذت منه كرها، فإن أبي قوتل، وإن قال لا أحج لم يجبر لأنه على التراخي. وقال ابن حبيب: من قال: لا أتوضأ أولا أغتسل أولا أصوم أو ترك الزكاة أو الحج فهو كافر، وقاله جماعة من السلف. انتهى (١). قوله: (لا فائتة) أي لا يقتل إن أبى أن يقضي صلاة فائتة (على) القول (الأصح. و) أما (الجاحد) لفريضة من الفرائض فهو (كافر). مسألة: فإن قلت: هل تصلى الصبح قبل طلوع الفجر والظهر قبل الزوال والمغرب قبل غروب الشمس؟ قلت: نعم هو حكم الأيام التي تحتجب الشمس فيها عن الطلوع عند إرادة الله تعالى طلوع الشمس من مغربها، فإن اللازم تقدير أوقات الصلاة، وتؤدى الصبح عند وقت طلوع الفجر، وليس ثم فجر، وكذلك في الزوال والغروب، والحديث في ذلك ثابت في الصحيح، وهذا الحكم نص عليه الشارح. انتهى من درة الغواص لابن فرحون (٢).

стр. 186

فصل [في الأذان والإقامة وما يتعلق بها] قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه الأذان ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب. قوله: (سن الأذان) أي الأذان للصلاة سنة خلافا للرسالة القائل بوجوبه (لجماعة) لا فذ وإن طلب غيره (طلبت غيرها في فرض وقتي) لا يفوت به لا في نفل ولا فائتة إذ هو لا يدعو أحدا ويزيدها الأذان تفويتا وأما السنن فالثابت عن النبي ﷺ أنه لم يكن يؤذن لها وهو في الجوامع والمساجد أكد لأنه حفظ للأوقات وأن الدار دار الإسلام وإظهار لشعائره وإقامة الجماعة. وقوله: (ولو جمعة) أشار بلو إلى خلاف أن الأذان في الجمعة واجب والسنية فيه على المشهور. قوله: (وهو مثنى، ولو: الصلاة خير من النوم) أي والأذان مثنى ألفاظه لعمل أهل المدينة. قال المازري: ولو أوتر الأذان لم يجزه (١). قوله: (مرجع الشهادتين) أي في حال كونه مرجع الشهادتين ظاهره ولو كثر الموذنون وهو كذلك. قوله: (بأرفع من صوته أولا) هل ليتحقق السامع؟ أو ليغيظ الكفار. وقوله: ولو الصلاة خير من النوم أي وألفاظ الأذان كله مثنى ولو الصلاة خير من النوم ظاهره وإن لم يكن هناك غيره أو تعدد المؤذنون. قال ابن الجلاب: وإن أراد الأذان فأقام أو الإقامة فأذن، أعاد حتى يكون على نية لفعله (٢)، فعلى هذا تجب النية فيهما وقد صرح بذلك الأبهري وعبد الحق في التهذيب واحتج بأنه قربة فتجب فيه النية لقوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات» (٣).

стр. 187

انتهي (١). ولو نكس الأذان ابتدأ. قوله: (مجزوم بلا فصل، ولو بإشارة لكسلام، وبنى إن لم يطل) أي والأذان مجزوم بلا فصل أي الأذان مجزوم بالوقف، لأن كلمات الأذان لما وضعت للاستدعاء نزلت منزلة الأصوات فلم يكن لها حظ في الإعراب فبنيت لذلك وليس كذلك الإقامة فإنها معربة على صورة التلاوة، وأجاز شيوخ القرويين إعراب الأذان. قوله: بلا فصل أي الأذان متصل الألفاظ بلا فصل فلا يشتغل المؤذن بغير أذانه ولو كان الاشتغال بإشارة لرد السلام أو دخول أو غيره، فإن اجترأ واشتغل بغيره بنى إن لم يطل الفصل وإن طال ابتدأ وإن رعف فيه تمادى وإن خرج فلا يبني. قوله: (غير مقدم على الوقت؛ إلا الصبح فبسدس الليل الأخير) أي وشرط الأذان أن لا يقدم على الوقت لأنه اعلام بدخوله إلا نداء الصبح، فإنه يجوز أن يقدم على الوقت بالسدس الآخر من الليل فإن قدم غير نداء الصبح أعيد ولا يعيده غير المؤذن له بنفسه ليسمعه الناس أيضا ويعيد من صلى بأذانه الأول وفي الإعادة فائدتان: تحصيل الأذان في الوقت وإعادة من صلى بالأذان الأول. انتهى. قوله: (وصحته بإسلام) لما فرغ تحلله من حكم الأذان وصفته ووقته شرع يذكر صحته أي وصحة الأذان بإسلام المؤذن له إسلاما مستمرا إلى وقوع الصلاة به فلا يصح أذان الكافر ولكن يكون به مسلما انظر كيف لا يعتد به وقد أسلم بسببه إلا إذا قيل: إذا اجتمع الشرط والمشروط معا هل يجزيه؟ أم لا فيه خلاف. قوله: (وعقل، وذكورة، وبلوغ) أي ومن شروط صحة الأذان أن يكون المؤذن له عاقلا لا مجنونا أو سكرانا وكذلك من شروط صحته ذكورة المؤذن، لأن الأذان ليس من شأن النساء لأن صوتهن عورة، وكذلك من شروط صحة الأذان أن يكون المؤذن بالغا، وأما غير البالغ فلا يعتد بأذانه، لأن الأذان وسيلة إلى أفضل القربات، والصبي ليس من أهل التقرب، وقيل: يجوز أذانه لأنه ذكر وإخبار عن أمر وقع،

стр. 188

كالإستيذان والرسائل. انتهى. وزاد الجزولي على هذه الشروط الحرية، فلا يعتد بأذان عبد، ويجب كونه عدلا عارفا بالأوقات إن اقتدي به فيها. انتهى (١). قال ابن عبد السلام: قد ابتلي المسلمون بتقديم من ليس بأمين في أمر دينهم ودنياهم لا سيما الإمامة والأذان، وأما القضاء فالابتلاء به قديم لأمور يعلمه الله. قوله: (وندب متطهر صيت) أي وندب للمؤذن أن يكون متطهرا من الحدث والخبث حين تأذينه وكذلك ندب أن يكون ذا صوت رفيع وأن يكون حسن الصوت والتطريب منكر إذا غيرت الحروف وإلا فتحسين الصوت للذكر مندوب. قوله: (مرتفع، قائم إلا لعدر، مستقبل إلا للإسماع) أي ويندب للمؤذن حين الأذان أن يكون بمكان مرتفع ولو بركوب وأن يكون قائما إلا لعذر لأن ذلك أبلغ للإسماع وأن يكون مستقبل القبلة لأنها أشرف الجهات إلا أن يكون أستدباره لها لأجل إسماع وأنكر مالك تخلله أذان القاعد لأن المقصود من الأذان الإعلام والإبلاغ ولذلك شرع الأذان على المنار. مسألة: قال سحنون: إذا كان المؤذن إذا صعد المنار عاين ما في الدور وطلب أهلها منعه من ذلك فإنه يمنع لدفع الضرر (٢). قوله: (وحكايته لسامعه لمنتهى الشهادتين، مثنى) أي وندب لسامع الأذان حكايته ظاهره ولو كثر المؤذنون وظاهره ولو أذن هو والحكاية إلى منتهى الشهادتين مثنى وقيل إلى منتهى الأذان والشاذ هنا أظهر من المشهور. وفي الشفا في تعريف حقوق المصطفى ﷺ : «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتي محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له الشفاعة يوم القيامة (٣)». ابن عمر (٤): سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما

стр. 189

يقول وصلوا علي، فإنه من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشرا، ثم اسألوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (١). انتهى (٢). قوله: (ولو متنفلا) أي وندبت له الحكاية وإن كان في أثناء نفل لخفة أمر النفل (لا مفترضا)، وقيل يحكيه في أثناء الفرض، وقيل يحكيه بعد سلامه وقيل حتى المتنفل لا يحكيه. قوله: (وأذان فد إن سافر) أي وندب للفذ أن يؤذن لصلاته إذا كان مسافرا مفهومه إذا لم يكن مسافرا فلا ندب. قوله: (لا جماعة لم تطلب غيرها على المختار) أي لا يندب لجماعة لم تطلب زيادة غيرها على ما اختاره اللخمي من الخلاف كأهل الرباط واختلف هل الإمام أفضل أو المؤذن أفضل فإن قلنا إن المؤذن أفضل، فإن قلت: فلم لم يؤذن النبي ﷺ إلا مرة واحدة في السفر لأن أفضل الخلق شأنه المواظبة على أفضل الأعمال بل كان إماما جوابه من وجوه: أحدها أن الأذان مشتمل على دعاء الناس إلى الصلاة، فلو أذن لكان التخلف عن إجابته شديد الحرج، فكان يشق على الناس. وثانيها أنه إن قال أشهد أني محمد رسول الله غير نظم الأذان، وإن قال أشهد أن محمدا رسول الله أوهم رسالة غيره. وثالثها أن الأذان يحتاج إلى رصد ومراقبة، والإشتغال بأعباء الرسالة ومصالح الأمة يمنع من ذلك بخلاف الإمامة، وقيل: الإمامة أفضل لإفادتها فضل الجماعة. انتهى من الذخيرة (٣). وقيل: إنما ترك ﷺ الأذان تواضعا لاشتماله على تعظيم قدره. قوله: (وجاز أعمى) أي وجاز أذان أعمى ولكن يقلد العدل العارف بالأوقات =

стр. 190

وكان عبد الله ابن أم مكتوم (١) يؤذن للنبي ﷺ وهو رجل أعمى. قوله: (وتعددهم): أي وجاز تعدد المؤذن لمسجد واحد وإن التصق مسجدان أو كان واحد فوق واحد أو كان بين قوم فوقعت بينهم الفتنة فقسماه فلابد لكل واحد من مؤذن يؤذن لأهله. قوله: (وترتبهم): أي ويجوز ترتب المؤذنين واحدا بعد واحد في صلاة واحدة ما لم يؤد إلى خروج الوقت المستحب (إلا) صلاة (المغرب) فإنه لا يجوز ترتبهم لضيق وقتها (و) يجوز (جمعهم) على أذانه بشرط أن يكون (كل) منهم (على أذانه) فلا يعتد بأذان صاحبه في شيء من ألفاظه بل كل منهم على أذان نفسه. قوله: (وإقامة غير من أذن): أي وجاز إقامة رجل لصلاة غير من أذن لها كما يجوز أن يؤم فيها غير من أذن لها ومن أقام لها. قوله: (وحكايته قبله): أي وجاز حكاية السامع للأذان قبل المؤذن ظاهره وإن لم يكن في ذكر أو شغل وهو ظاهر المدونة وقيده بعضهم بما إذا كان في ذكر أو شغل ولكن الإتباع بالحكاية أحسن. قوله: (وأجرة عليه): أي وجاز أجرة على الأذان وحده (أو مع صلاة) فتكون تبعا له فرضا كانت أو نفلا هذا هو المشهور. وقيل: يجوز عليها وحدها، فالأجرة على الصلاة فيها ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع الثالث الفرق بين أن يضم إليها الأذان فتصح أو لا يضم إليها فلا يصح، ووجه المنع أن ثواب صلاته له، فلو حصلت له الأجرة أيضا لحصل العوض والمعوض وهو غير جائز، وحجة الجواز أن الأجرة بإزاء الملازمة في المكان المعين، وهو غير الصلاة، ووجه التفرقة أن الأذان لا يلزمه، فيصح أخذ الأجرة عليه، فإذا ضم إلى الصلاة قرب العقد من الصحة وهو المشهور. انتهى من أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي (٢).

стр. 191

قال مالك ﵁: لأن يؤجر نفسه في سوق الإبل أحب إلي من أن يعمل عملا لله بالأجرة أي الدنيوية. قال سحنون: لأن أطلب الدنيا بالدف والمزمار أحب إلي من أن أطلبها بالدين. وعن عيسى (١) ﵇ أنه قال: «إن الله يحب العبد يتخذ المهنة يستغني بها عن الناس ويبغض العبد يتخذ الدين مهنة» (٢). قوله: (وكره عليها، وسلام عليه كملب) أي وكرهت الأجرة على الصلاة وحدها، وقد تقدم ما في ذلك من الخلاف، والأحباس التي يتخذها أئمة المساجد هل من باب المعونة أو الأجرة قولان، وكذلك يكره السلام على المؤذن حين اشتغاله بالأذان، وكذلك يكره السلام على الملبي في حين اشتغاله بالتلبية. قال بعض الشيوخ (٣): ومن شغل مشغولا بالله تعالى عن الله أدركه المقت في الوقت (٤)، ومما يكره في السلام السلام على قاضي حاجة الإنسان حين قضائه ومنها السلام على الآكل حين الأكل ومنه السلام على الشابة وتردد النووي في المشتغل بالدعاء والذكر. قال الشيخ في التوضيح: الفرق بين الأذان والصلاة أن الأذان عبادة ليس لها في النفس موقع كالصلاة وإذا أجزنا فيه الرد بالإشارة لتطرق إلى الكلام بخلاف الصلاة لعظمها في النفس لا يتطرق فيها من جواز الإشارة إلى الكلام والملبي ملحق بالمؤذن. انتهى (٥). قوله: (وإقامة راكب) أي كره إقامة راكب لأجل اتصال الإقامة بالصلاة وقيل إلا إذا كان لا يتكلف في نزوله. قوله: (أو معيد لصلاته كأذانه) أي ويكره إقامة معيد لصلاته لفضل الجماعة كما

стр. 192

لا يؤم فيها كما كره أذانه ظاهره ولو كان لم يؤذن لها أولا، فإن وقع ونزل وأقام لهم معيد لصلاته أو أذن لهم، فإنهم يعيدون الأذان والإقامة ما لم يصلوا. غفل الشارح هنا نعم الله. انتهى. فائدة: قال في إكمال الكمال وفي الحديث: «إذا سمع الشيطان الأذان أدبر وله» (١) ضراط قال عياض: ذهابه هروبا لئلا يسمع الإعلان بالإيمان كما يفعل بعرفة لما يرى من اجتماع الناس على البر والتقوى وما ينزل عليهم من الرحمة وقيل هروبه لانقطاع طمعه من الوسوسة عند الإعلان بالتوحيد إذ لا يقدر أن يصرف عنه الناس حينئذ، فإذا سكت المؤذن رجع إلى حالته التي أقدره الله عليها من تشويش خاطر المصلي (٢)، وقال عياض فيه أيضا: عقيدة الإيمان الموقوف عليه دخول الجنة هي الاعتراف بالذات وبما يجب لها وما يستحيل عليها، وما يجوز في فعلها من بعث الرسل والتزام التكليف، والاعتراف بوقوع الجزاء عليه في الدار الآخرة. والأذان مشتمل عليها على هذا الترتيب، فالله أكبر اعتراف بالذات منزهة عما يستحيل عليها من الأضداد لأنه تعالى الأكبر، وأشهد أن لا إله إلا الله اعتراف بما يجب له من الوحدانية، وأشهد أن محمدا رسول الله اعتراف بما يجوز في فعله من بعثة الرسل، وإثبات لرسالته ﷺ رسولا لهداية الخلق، وإلى ها هنا انتهى ما ثبت بدليل العقل من العقيدة، وحي على الصلاة دعاء إلى امتثال التكليف بها، وحي على الفلاح دعاء إلى البقاء في دار الجزاء على التكليف وهذا آخر العقيدة، ولما كانت الحكاية متشملة على الأذان مع ما فيها من التفويض والاستسلام بقوله: لا حول ولا قوة إلا بالله وجب بذكرها دخول الجنة. قلت: هذا يرجح أنها إلى آخر الأذان وأنها أفضل. انتهى (٣). وقال: وقوله: «رضيت بالله ربا، وبحمد ﷺ رسولا، وبالإسلام دينا» (٤).

стр. 193

عياض: كان قوله ذلك موجبا للمغفرة لأن الرضا بالله تعالى ربا يستلزم المعرفة بوجوده وبما يجب له وما يستحيل عليه وما يجوز في فعله والرضا بمحمد ﷺ رسولا يستلزم العلم برسالته. وهذه الفصول علم التوحيد والرضا بالإسلام دينا التزام بجميع تكاليفه (١). قوله: (وتسن إقامة مفردة، وتثنى تكبيرها لفرض، وإن قضاء) أي وتسن إقامة لكل مصل فرض وإن قضاء فذا كان أوفي جماعة في حال كونها مفردة الجمل أي وترها إلا التكبيرات منها فإنها تثنى. وقال في إكمال الإكمال: وهذا عمل أهل المدينة وهو المذهب، وكذلك عند الشافعي الله إلا قد قامت الصلاة فإنه يكررها، وهو عمل أهل مكة، ووجه تشفيع الأذان دون الإقامة أن الأذان لإعلام النائمين فبولغ فيه ولذا قال العلماء: يكون الصوت فيه أرفع من الإقامة. انتهى (٢). قال القلشاني: لو شفع الإقامة سهوا فقال أصبغ: يجزئه والمشهور الإعادة (٣)، وأما الأذان إذا أوتر أعيد، فإن قيل ما الفائدة في الإقامة؟ فالجواب أن الإقامة أهبة الصلاة. وفي بعض الطرر قال أشهب من خاف فوات الوقت فليترك الإقامة. قوله: (وصحت ولو تركت عمدا) أي وصحت الصلاة إن تركت الإقامة ولو عمدا ولكن يستغفر الله العامد فإن قيل: الاستغفار يختص بالذنوب، وترك السنة ليس بذنب حتى يستغفر الله منه جوابه أن الله يحرم العبد من التقرب إليه بالفرائض والنوافل عقوبة له على ذنبه، ويعينه على القربات بسبب طاعته له لقوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] الآية ولقوله تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى﴾ [الليل: ٥ - ٧] وهو إنما يستغفر الله من الذنب الذي من أجله منع الإستقامة. ابن كنانة (٤): يعيد في

стр. 194

الوقت (١). وقوله: ﴿وإن أقامت المرأة﴾ أي وإن أقامت لصلاتها (سرا فحسن). قال أشهب: يكره (٢). وإسرار الإقامة للمنفرد حسن، لأن المقصود منه إشعار النفس بالتأهب للصلاة، ولو اختير فيه الرفع لكان أحسن، لأن الشيطان إذا سمع النداء أدبر، ومباعدة الشيطان مطلوب. تنبيه: لا يتأول من هذا أن الأذان والإقامة أفضل من الصلاة، لهروب الشيطان منهما دون الصلاة، لأن المفضول قد يختص بما لا يختص به الفاضل ولا يقدح ذلك في الفاضل. وقال ﷺ : «أقضاكم على (٣) وأقرؤكم أبي (٤) وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ (٥) وأفرضكم زيد (٦) ................................

стр. 195

بن ثابت (١). مع كون الصديق (٢) أفضلهم، وقد تعرض الشيطان للنبي ﷺ وهرب من عمر ﵁ ويختص الله من يشاء بما يشاء وقيل إن إبليس لعنه الله ما أرقط إلا لأربع يوم لعن ويوم أهبط إلى الأرض ويوم نزول الفاتحة ويوم ولد محمد ﷺ والخنثى المكشل يقيم كالرجل وسرا كالمرأة. قوله: (وليقم معها أو بعدها بقدر الطاقة) أي وليقم المصلي مع الإقامة أو بعدها بقدر طاقته، وليس الضعيف كالقوي. قال سند إذا كان المستحب اتصال الإقامة بالصلاة، فهل يبعد المؤذن من الإمام مثل الجامع الواسع ليخرج على بابه، أو يصعد إلى سطحه، فقال ابن القاسم: يفعله إذا كان بذلك يسمع من حوله وإلا فلا. فرع ولا بأس بالكلام الخفيف بعد الإقامة ما لم يحرم الإمام، فإذا أحرم فلا يتكلم، والتثويب بدعة وضلالة والأصح فيه أنه قول المؤذن إذا أبطؤوا بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، ومعنى حي على الصلاة، حي على الفلاح، أي تعال إلى الصلاة وإلى الفلاح، وقال سفيان بن عيينة ﵀: إن من تزيين الصلاة أن لا تأتيها دبارا. انتهى. أي بل قبل الإقامة أفضل.

стр. 196

فصل [في شروط صحة الصلاة: طهارة الحدث والخبث] قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه شروط الصلاة، ليس مما تقدم فيناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب. قوله: (شرط لصلاة طهارة حدث وخبث) أي شرط لكل صلاة فرضا كانت أو نفلا، طهارة من حدث صغير أو كبير، ابتداء ودواما بالماء أو بالصعيد اتفاقا، وكذلك شرط لها الطهارة من الخبث على المشهور. الفرق بين الشرط والفرض أن الشرط خارج عن الماهية، والفرض داخل فيها، الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، ولما كانت الطهارة شرطا للصلاة، عدمت الصلاة بعدمها، ولم توجد بوجودها، فقد تصح الطهارة وتكمل، ولا تصح الصلاة. انتهى من تفسير الحدود. قوله: (وإن رعف قبلها ودام: أخر لآخر الاختياري وصلى) أي وان رعف مريد الصلاة قبل الشروع فيها ودام عليه ذلك الرعاف، أخر صلاته إلى آخر الوقت المختار، حيث يكمل فيه صلاته قبل خروجه، فإن لم ينقطع صلى على حالته التي كان عليها، لأن المحافظة على الوقت مقدمة على طهارة الخبث. قوله: (أو فيها وإن عيدا أو جنازة وظن دوامه له) أي وإن رعف في أثناء الصلاة، وإن كان في صلاة عيد أو جنازة، والحال أنه ظن دوام الرعاف إلى آخر المختار (أتمها)، ولا يقطعها (إن لم يلطخ فرش مسجد) وإلا قطع. قوله: (وأوما لخوف تأنيه، أو تلطخ ثوبه) أي وحيث قلنا يتم صلاته في حال الرعاف، فإنه يومئ لركوعه قائما ولسجوده جالسا، لأجل خوف تأذي جسمه بالركوع والسجود اتفاقا، وكذلك يومئ لهما إذا خشي تلطخ ثوبه على قول، وقيل: له ذلك بلا خلاف. قوله: (لا جسده) أي ولا يومئ لخوف تطلخ بدنه قولا واحدا، إذ لا مشقة في غسله غالبا. قوله: (وإن لم يظن، ورشح فتله بأنامل يسراه، فإن زاد عن درهم قطع) أي وإن رعف في أثناء الصلاة، ولم يظن دوامه والحال أن الرعاف رشح ولم يسل ولم يقطر، فتله بأنامل يسراه الخمس، فإن زاد المفتول بعد انتقاله إلى الأنامل الوسطى عن درهم

стр. 197

بغلي قطع، جعل الدرهم هنا من حيز اليسير، وجعله في المعفوات من حيز الكثير، حيث قال: ودون درهم من دم مطلقا، تبع هناك قولا وهنا قولا، وقد يفعله. قوله: (كأن لطخه، أو خشي تلوث مسجد) - الله أعلم أن الناسخ ترك شيئا هنا - لو قال: فإن زاد عن درهم قطع كأن سال أو قطر إن لطخه أو خشي تلوث مسجد. قوله: (وإلا فله القطع) أي وإن لم يلطخ ولا خشي تلوث مسجد فله القطع لحصول المنافي للصلاة وهو النجس وهو قول ابن القاسم. قوله: (وندب البناء، فيخرج ممسك أنفه ليغسل، إن لم يجاوز أقرب مكان ممكن قرب، ويستدبر قبلة بلا عذر، ويطأ نجسا، ويتكلم ولو سهوا وإن كان بجماعة. واستخلف الإمام، وفي بناء الفذ خلاف) أي وندب له البناء لعمل السلف الصالح فيخرج في حال كونه ممسكا لأنفه من أعلاه ليغسل ما خرج من الدم فلا تبطل صلاته بما فعل من المشي لأجل غسله بشرط أن لا يجاوز أقرب مكان يمكن فيه غسل الدم وأن يكون ذلك المكان قريبا، وقد يكون المكان ممكنا وليس بقريب، وأن لا يستدبر قبلة إلا لعذر، وأن لا يطأ نجسا رطبا أو يابسا ذهابا وإيابا غير أرواث الدواب وأبوالها، وأما أرواث الدواب وأبوالها فلا تبطل بوطئها صلاته، وأن لا يتكلم ولو سهوا، وهو إنما ساغ له البناء إذا كان في صلاة جماعة مأموما كان أو إماما، ويستخلف ندبا، وأما الفذ ففي بنائه خلاف، منشؤه هل رخصة البناء لحرمة الصلاة للمنع من إبطال العمل؟ أو لتحصيل فضل الجماعة وفي البناء خمسة أقوال: واجب وممنوع ومندوب ومباح، وترك البناء خير عند ابن القاسم، لحصول المنافي. قوله: (وإذا بنى لم يعتد إلا بركعة كملت، وأتم مكانه إن ظن فراغ إمامه وأمكن) أي وإذا بنى الراعف الذي ساغ له البناء، لم يعتد في صلاته إلا بركعة كاملة بسجدتيها، ولغى ما فعل غيرها. قال ابن مسلمة: يبني على ما عمل وهو الظاهر (١)، فإن غسل الدم أتم صلاته حيث غسل الدم إن ظن فراغ إمامه وأحرى إن علمه، إذا كان ذلك المكان تمكن فيه الصلاة، ظاهره وإن كان إمامه في أحد المسجدين العيظيمين، وهو كذلك على المشهور.

стр. 198

وروى النسائي (١) عن مالك: أنه يرجع لأحد المسجدين، مسجد مكة والمدينة، طمع بإدراك إمامه أم لا. قوله: ﴿وإلا فالأقرب إليه﴾ أي وإن لم يمكن الإتمام حيث غسل الدم فإنه يتم في أقرب مكان إليه تمكنه فيه الصلاة فلا يتعداه، فإن تعداه بطلت صلاته، لأنه خالف ما أمر به، وإليه أشار بقوله: (وإلا بطلت). قوله: (ورجع إن ظن بقاءه، أو شك ولو بتشهد) أي فإن غسل الدم رجع إلى مصلاه إن ظن بقاء إمامه في الصلاة أو شك فيه ولو في تشهده، أشار بلو إلى ما حكى ابن شعبان: إن لم يرج إدراك ركعة كاملة أتم مكانه (٢). وقوله: (وفي الجمعة مطلقا لأول الجامع) أي ويرجع إلى صلاته في الجمعة مطلقا، ظن بقاءه أم لا إلى أول الجامع بعينه لأن الجمعة لا تصح إلا في الجامع فلا يتعدى منه حيث تصح فيه الجمعة. قوله: (وإلا بطلتا) أي وإن لم يرجع من ظن بقاء إمامه، أو لم يرجع إلى الجامع الذي رعف فيه، بطلت صلاته، لتركه ما أمر به. غفل الشارح هنا ج، وكم أجاد وأصلح. كفى المرء نبلا أن تعد معايبه (٣) فرع: قال اللخمي: فإن تبين له أنه أخطأ في التقدير، وأنه كان يدركه لورجع، أجزأته صلاته. وهو قول ابن القاسم في المبسوط. وإن رجى أن يدركه رجع، فإن وجده قد أتم صلاته أتم هو ولم تفسد صلاته. انتهى (٤). قوله: (وإن لم يتم ركعة) أي وإن لم يتم الراعف (في) صلاة (الجمعة) ركعة كاملة، (ابتدأ ظهرا بإحرام جديد) حيث شاء، إن لم يكن هناك جامع يطمع إدارك الجمعة فيه.

стр. 199

قوله: (وسلم وانصرف إن رعف بعد سلام إمامه) أي وإن رعف في الصلاة بعد سلام إمامه، فإنه يسلم وينصرف ارتكابا لأخف الضررين، لأن سلامه حاملا للنجاسة أخف من خروجه وزيادة في صلاته. وقال في المدونة مثله، وأخذ بعضهم من ذلك أن السلام غير فرض، كما حكى الباجي عن ابن القاسم: أن من أحدث في آخر صلاته أجزأته (١). ولم يرتض معظم الأشياخ هذا الأخذ. انتهى. وارتكاب اخف الضررين قاعدة مجمع عليها. قوله: (لا قبله) أي فإن رعف قبل سلام إمامه - وإن بعد تمام التشهد - فلا يسلم، بل يخرج ويغسل الدم ويبني كما تقدم، فيجلس ثم يسلم، هذا كله إذا لم يسلم الإمام قبل خروجه من المسجد، وأما إن سلم الإمام قبل أن يخرج هو من المسجد، فإنه يسلم بسلامه، كما لو رعف بعد سلام إمامه. قوله: (ولا يبني بغيره كظنه فخرج فظهر نفيه) أي ولا يبني مصل في غير الرعاف من النجاسات كما لا يبني إذا ظن الرعاف فخرج ليغسل الدم فظهر له أنه غير الرعاف لأنه فرط في تحقيق ذلك. قوله: (ومن ذرعه قيء) أي ومن غلبه قيء طاهر (لم تبطل صلاته) إذا كان قليلا ولم يرجع منه شيء بعد إمكان طرحه وأما إذا كان القيء نجسا أو كان طاهرا كثيرا أو رجع منه شيء بعد إمكان الطرح فإن صلاته تبطل. قوله: (وإذا اجتمع بناء وقضاء لراعف أدرك الوسطيين، أو إحداهما، أو لحاضر أدرك ثانية صلاة مسافر، أو خوف بحضر) إلى قوله: (قدم البناء وجلس في آخرة الإمام، ولو لم تكن ثانيته) البناء عبارة عن ما فاته بعد الدخول مع الإمام. والقضاء: عبارة عن ما فاته قبل دخوله معه. لو قال الشيخ: لكرعاف ليشمل المزحوم والناعس والغافل لأن حكم هؤلاء واحد أي وإذا اجتمع بناء وقضاء لراعف أو مزحوم، أو غافل، أو ناعس، أو مشتغل أدرك الركعتين الوسطيين وفاتته الأولى قبل دخوله مع الإمام، والرابعة بعد دخوله معه، أو أدرك إحدى الوسطيين، أو اجتمع البناء والقضاء الحاضر أدرك ثانية صلاة مسافر مقصر، أو حاضر أدرك ثانية صلاة خوف مع الطائفة الأولى في حضر، فإنه

стр. 200

يقدم البناء في الوجوه كلها عند ابن القاسم، لأنه كان مدركا وانسحب عليه حكم الإمام لم يقض ما فاته قبل الدخول معه. وقال سحنون: يقدم القضاء، فعلى قول ابن القاسم يقرأ فيما يبني بأم القرآن وحدها لأنه مدرك سواء كان قبل البناء في ركعة أو ركعتين، لأنه إنما كان بانيا في الثالثة والرابعة أو في واحدة منهما، وإنما يفترق الجواب في الجلوس، فإذا أدرك الوسطيين وبنى، يأتي بالتي رعف فيها بأم القرآن فقط ويجلس، لأنها رابعة إمامه عند ابن القاسم، ابن حبيب: لا يجلس لأنها ثالثته. قال اللخمي: وهو احسن وليس ذلك بموضع جلوس، وإنما كان جلوسه مع الإمام لئلا يخالفه، ابن القاسم من أدرك الثانية من الظهر يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس لأنها ثانيته، ثم ركعة بأم القرآن ويجلس لأنها رابعة إمامه، ثم ركعة القضاء بأم القرآن وسورة. انتهى من تبصرة اللخمي (١). قوله: أو لحاضر أدرك ثانية صلاة مسافر أي فإن أدرك الحاضر ثانية صلاة مسافر، ثم رعف فخرج لغسل الدم وبنى فإنه يقرأ بأم القرآن فقط ويجلس لأنها ثانيته وآخر صلاة إمامه، ثم يقوم فيأتي بركعة بأم القرآن، ثم يقضي الركعة التي فاتته بأم القرآن وسورة. قوله: أو خوف بحضر أي وإن أدرك ثانية صلاة خوف في حضر وفاتته الأولى منها، فإنه يمضي مع الطايفة الأولى التي أدرك الركعة معها اتجاه العدو، فإنه يأتي بالركعتين الأخيرتين بأم القرآن فقط ثم يقضي التي فاتته قبل الدخول مع الإمام بأم القرآن وسورة جهرا إن كانت جهرية كما فاتته وكذلك كل ركعة قضاها بعد البناء. انتهى. فصل [في ستر العورة وصفة الساتر] قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه حكم ستر العورة وصفة الساتر وحد العورة وما يتعلق بذلك ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب. العورة في اللغة الخلل في الثغر وغيره، وما يتوقع منه ضرر أعور المكان إذا

стр. 201

صار ذا عورة، ومنه قوله تعالى: ﴿إن بيوتنا عورة﴾ [الأحزاب: ١٣] أي خالية لتوقع الفساد فيها، فلذلك سميت السوأتان عورة، لأن كشفهما يوجب خللا في حرمة مكشوفهما، والمرأة عورة لأنها يتوقع من رؤيتها أو سماع كلامها خلل في الدين والعرض وليس المراد بالعورة المستقبح فإن المرأة الجميلة تميل النفس إليها انتهى من الذخيرة (١). قوله: (هل ستر عورته بكثيف) سؤال من الشيخ على لسان سائل فقال: هل ستر عورة المصلي بلباس كثيف؟ الكثيف: هو ما لا يظهر فيه سطح البدن، وقيل ما يظهر فيه حرارة البدن وبرودته، لأن الساتر الشاف كالعدم. الكثيف بثاء مثلثة الغليظ. قال اللخمي: فستر العورة عن أعين المخلوقين فرض، وعن أعين الملائكة مستحب، واختلف في سترها في الصلاة إذا كان مخليا في بيته هل هو فرض أو سنة (٢). قوله: (وإن بإعارة، أو طلب، أو نجس وحده كحرير - وهو مقدم -) أي وإن كان هذا الساتر بإعارة بلا طلب منه أو بطلبه، أو باشتراء، أو إجارة، أو هبة، أو كان نجسا وحده، أو حريرا وحده، فإن اجتمعا فالحرير مقدم على النجس عند ابن القاسم، فإن وجد غيره يعيد في الوقت كما سيذكره. قال أصبغ: يصلي بالنجس ويعيد في الوقت، وإن صلى في الحرير فلا إعادة. ووجه قول ابن القاسم أنه يلبس في الغزو إرهابا للعدو، ويلبسه النساء، ويلسبه من به حكة تداويا، ووجه تقديم النجس أنه يلبس في غير الصلاة. واختلف فيمن لم يجد إلا ثوب حرير، فقال اشهب في كتاب محمد: يصلي عريانا أحب إلي. وقاله ابن القاسم في سماع اصبغ عنه، وهو خلاف قوله في المدونة في المسألة الأولى؛ لأنه قال: يصلي به مع وجود غيره إذا كان غيره نجسا. وقوله الأول أحسن؛ لأنه ثوب طاهر والنهي فيه لمكان السرف، وهذا مضطر غير قاصد إلى السرف، وقد أباح النبي ﷺ لباسه لمن به حكة، وهو في ستر العورة في الصلاة أعذر. انتهى من اللخمي (٣).

стр. 202

فرع: قال ابن قداح المالكي: إذا كان الثوب مخلوطا بالحرير، فإن كان أقل من النصف جاز لبسه، وإن كان النصف أو أكثر كره لبسه، وإن كان حريرا خالصا لم يجز لبسه، وإن كان قد صلى به فصلاته صحيحة (١). ولا يجوز للرجل أن يبطن ثوبه بالحرير على المشهور. قال البرزلي: قلت: يتخرج على المغشى برصاص أو غيره. قوله: (شرط إن ذكر وقدر) أي وهل ستر العورة واجب شرطا، أو واجب غير شرط فيه خلاف، وعلى الشرطية بطلت الصلاة لتركه، وعلى الثاني لا تبطل ولكن أثم، فإن قلنا بشرطيته، فليس من الشروط التي يلزم من عدمها العدم. قوله: إن ذكر وقدر شرطان، وأما إن لم يذكر، أو ذكر ولم يقدر، فليس بواجب عليه أصلا، قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية. قوله: (وإن بخلوة للصلاة؟) أي وإن كان المصلى في خلوة، إذ لا فرق بين ستر عورة المصلى في الخلوة وغيرها على المشهور، وقيل: لا يجب عليه سترها في الصلاة في بيته في الخلوة. قوله: (خلاف) أي فيه خلاف في شرطية وجوب ستر العورة، أو واجب غير شرط. قوله: (وهي من رجل، وأمة - وإن بشائبة - وحرة مع امرأة، ما بين سرة وركبة) شروع منه ﵀ في بيان العورة ما هي؟ فقال: هي من رجل حر، أو عبد، أو من أمة قنا، أو فيها شائبة رق كأم الولد، والمكاتبة، والمدبرة، والمعتقة إلى أجل، والمعتق بعضها، ما بين السرة والركبة، ويفهم منه أن السرة والركبة لا يدخلان، وكذلك جمع حرة مع امرأة حرة أو أمة مسلمة، عورتهما ما بين سرة وركبة، والحرة المسلمة مع الكافرة كالمسلمة مع رجل أجنبي. قوله: (ومع أجنبي) أي وعورة الحرة مع رجل أجنبي كل بدنها (غير الوجه والكفين)، إلا أن يخشى منها الفتنة، فيكون حينئذ الوجه واليدان منها عورة. قال صاحب اكمال الإكمال: لاخلاف أن للمرأة أن تخرج فيما تحتاج إليه من أمورها الجائزة، لكن على حال بذاذة وتستر وخشونة ملبس، والحاصل أنها تخرج على حالة لا تمتد إليها فيها الأعين.

стр. 203

وما أعدم الأمر اليوم لما يظهرن من الزينة والطيب والتخير من الملابس الحسان وذلك معصية ظاهرة. وقول عمر ﵁ للنبي ﷺ : أحجب نساءك. هي مصلحة ظهرت له وأشار بها، ولم تكن تلك المصلحة خفيت عنه ﷺ لكن كان ينتظر الوحي، فلذلك لم يتابع عمر ﵁ حين إشارته، وكانت عادة العرب أن لا يحجبوا النساء لكرم أخلاق الرجال وعفة النساء غالبا، فلما لم تكن هناك ريبة تركهن ولم يمنعهن استصحابا للعادة. وكراهة ابتداع أمر فإنه كان يحب التخفيف عن أمته، وحمل عمر شدة الأنفة من أن يطلع أحد على حرم رسول الله ﷺ حتى صرح له بقوله: أحجب نساءك فإنهن يراهن البر والفاجر. ولم يزل ذلك عنده إلى أن نزل الحجاب وبعده فإنه كان يريد أن لا يخرجن أصلا. ولا خلاف أنه يجب عليهن أن يسترن جميع أشخاصهن وإن كن مستترات. وقد كن إذا خرجن لضرورة جلس النساء خلف الحجاب، وإذا خرجن لضرورة سترن أشخاصهن (١). قوله: (وأعادت لصدرها، وأطرافها، بوقت، ككشف أمة فخذا) أي وأعادت الحرة لأجل كشف صدرها وأطرافها بوقت الاصفرار. الأطراف الرأس واليدان والرجلان إلى الكعبين كما تعيد الأمة صلاتها إذا صلت مكشوفة الفخذ في الوقت. الفخذ مثلثة الخاء وذال معجمة. وقوله: (لا رجل) أي ولا يعيد الرجل إذا صلى مكشوف الفخذ. والفخذ في الأمة أشد من الرجل. قوله: (ومع محرم غير الوجه والأطراف، وترى من الأجنبي ما يراه من محرمه، ومن المحرم كرجل مع مثله) أي وعورة المرأة مع رجل من محارمها هي ما عدى الوجه والأطراف وهي الرأس واليدان وأعالي الصدر والقدمين، وهي ترى من الرجل الأجنبي ما يراه الرجل من محرمه وهو الأطراف والوجه، وترى من محرمها ما يراه

стр. 204

الرجل من مثله وهو ما عدى ما بين السرة والركبة. قوله: (ولا تطلب أمة بتغطية رأس) أي ولا تطلب أمة بتغطية رأسها في صلاة كانت الأمة علية أو وخشا هل ذلك إيجابا؟ أو استحبابا يريد إلا أن يخشى منها الفتنة، وقيل إنما ذكر عن عمر ابن الخطاب ﵁ في منع الأمة من تغطية رأسها لئلا يلحق الفساد إلى الحرائر لأن ذلك الزمان لا يمد الأشرار أيديهم إلا للإماء. قوله: (وندب سترها بخلوة، ولأم ولد وصغيرة، ستر واجب على الحرة) أي وندب في غير الصلاة ستر العورة في الخلوة، وكذلك يندب لأم ولد أو حرة صغيرة في الصلاة ستر ما هو واجب ستره على الحرة البالغة. الستر بفتح السين مصدر وبكسرها اسم لما يستتر به. قوله: (وأعادت إن راهقت للاصفرار) أي وأعادت الحرة الصغيرة إن راهقت البلوغ إن تركت ستر ما وجب على الحرة ستره من القناع، ما دام الوقت ممتدا إلى الاصفرار وفي العشاءين من الليل كله. قوله: (ككبيرة إن ترك القناع) تشبيه أي كما تعيد الكبيرة ما دام الوقت ممتدا إلى الاصفرار إن تركت القناع ظاهره وإن كانت عامدة. قاله أصبغ. خالف الشيخ هنا قاعدته الأكثرية، أن الشرط إنما يرجع إلى ما بعد الكاف. القناع اسم لما تتقنع به المرأة. قوله: (كمصل بحرير، وإن انفرد، أو بنجس) أي كما يعيد المصلي بحرير وإن انفرد ما دام الوقت إلى الاصفرار. ابن حبيب: يعيد أبدا، وكذلك يعيد في الوقت إذا صلى بنجس ما دام الوقت. وقوله: (بغير أو بوجود مطهر، وإن ظن عدم صلاته وصلى بطاهر) راجع إليهما أي فإن وجد غير الحرير وغير النجس أو بوجود مطهر للنجس فإنه يعيد في الوقت، وإن كان حين صلى بهما ظانا أنه لم يصل فصلى بطاهر أو غير حرير ثم ذكر أنه صلى بهما فإنه يعيد في الوقت لأن الإعادة تفتقر إلى نية وهو لم ينوها. فائدة: المعيدون في الوقت ثلاثون: عشرة للاصفرار وعشرة للغروب وعشرة لآخر المختار. قال ابن غازي: وقد نظمت أصولها في ثلاثة أبيات فقلت (١):

стр. 205

لوقت للاصفرار في المدونة … طهران ليس قبلة مبينة ومطلق العذر إلى الغروب … كالعجز عن طهر وكالترتيب ولاختيار مقتد بمبتدع … ومطلق المسح ففصل تطلع قوله: (لا عاجز صلى عريانا) أي لا يعيد العاجز عن الساتر صلى عريان لأن العاجز انقطع رجاؤه. قوله: (كفائتة) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يعيد من صلى فائتة بحرير أو نجس لأن بالفراغ منها خرج وقتها. قوله: (وكره محدد، لا بريح) أي وكره ساتر محدد لصورة العورة وتظهر منه حدوده، يعني تحديدا بغير ريح لا إن حددتها الريح فإنه لا يضر. قوله: (وانتقاب امرأة) أي وكذلك يكره انتقاب المرأة في الصلاة لأنه غلو في الدين قال تعالى: ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ [المائدة: ٧٧]، والرجل أحرى من المرأة إذ هو في الرجل من الكبر وفي المرأة ثلاث لغات امرأة مرأة مرة. قوله: (ككف كل وشعر لصلاة، وتلثم) أي كما يكره لمن أراد أن يصلي أن يكفت أكمامه أو شعره لئلا يناله التراب لأن الصلاة بنيت على الخشوع والخضوع والتضرع، وكذلك يكره له التلثم في الصلاة. التلثم ستر الفم فقط، والتنقب ستر الأنف إنما يكره له ذلك إذا فعله لأجل الصلاة وأما إذا كان ذلك عادته أو فعله لأجل عمل فلا يكره أن يصلي كذلك وكذلك إذا كان لباسه عدته أنه يضم شعره فلا بأس. تنبيه: لو قدم الشيخ لفظ وتلثم عن قوله للصلاة لأنه من المكروهات لأجل الصلاة انتهى. ابن عرفة في مختصره: لا بأس أن تصلي المرأة بلا مرط ولا قلادة إنما يفتي بهذا العجائز. فقال ابن رشد: أكره صلاتها دون قلادة. ابن سرن (١): للتشبه بالرجال.

стр. 206

وأفتى أنس بن مالك (١): لا تصلي امرأة إلا بقلادة في عنقها وإن لم تجد إلا سيرا. انتهى (٢). قوله: (ككشف مشتر صدرا أو سافا) صوابه سادلا أي كما يكره كشف سادل طرفي ثوبه على منكبيه، ويكشف صدره وفي وسطه ميزر أو سراويل ولكن صلاته تامة لأنه مستور العورة. قاله ابن ناجي (٣). وفي بعض النسخ ككشف مشتر صدرا أو ساقا، وفي بعضها ككشف صدر أو ساق، وفي بعضها ككشف مشتر صدرا أو ساقا أي وكذلك يكره لمريد شراء أمة أن يكشف عن صدرها أو ساقها لينظر إليه وعلى هذه النسخة، فالمسألة غريبة مقحمة هنا والله أعلم. قوله: (وصماء بستر، وإلا منعت) أي ومما يكره اشتمال الصماء مع ستر وأما إذا كانت بغير ساتر فإنها تمنع. المواق: قال ابن عرفة يكره اشتمال الصماء أن يشتمل بثوب يلقيه على منكبيه مخرجا يده اليسرى من تحته ولا إزار عليه، وكرهه مالك وابن القاسم مع الأزار، وكان مالك يقول بجوازها مع الإزار وارتضاه ابن رشد. انته (٤). وفي إكمال الإكمال: قال عياض: فسر اللغويون الصماء أن يجلل جسده بالثوب ولا يبقي فيه فرجة يخرج منها يده وسميت بذلك؛ لأنه سد المنافذ كالصخرة الصماء التي لا خرق فيها وفسرها الفقهاء أن يشتمل بثوب ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جوانبه على كتفه، فعلة النهي على الأول خوف أن يرفع فيها إلى حالة يداخله فيها بعض الهوام المهلكة فلا يمكنه نقضه عنه، وعلته على الثاني ما فيه من كشف العورة. انتهى (٥).

стр. 207

قوله: (كاحتباء لا سترمعه) أي كما منع الاحتباء التي لاستر معها وأما بستر فلا تمنع وصفة الاحتباء أن يدير الجالس ظهره وركبتيه إلى صدره بثوبه معتمدا عليه انتهى. وأما التوشيح قال البوني (١) في شرح الموطأ هو أن يلتحف بثوب ويخالف بين طرفيه ويعقده في عنقه. قوله: (وعصي وصح إن لبس حريرا، أوذهبا، أو سرق) أي وعصى المصلي ربه إن لبس في صلاته حريرا أو ذهبا أو فضة غير خاتم سنة أو تلبس فيها بمحرم كالسرقة أو نظر نظرا محرما فيها ولكن صلاته صحيحة لا تعاد، وقد تكمل الصلاة ولا يثاب عليها. وفي اكمال الإكمال: قال النووي: (٢) لا يحتاج إلى تأويل لأنه إنما نفى القبول، ويصح في عمل المسلم أن يكون صحيحا غير متقبل كالصلاة في الدار المغصوبة، هي صحيحة أي مسقطة للقضاء غير متقبلة إلاذلا ثواب لها على الصحيح، وما قاله ظاهر لاشك في حسنه (٣). قوله: (أو نظر محرما فيها) ظاهره ولو كان عورة إمامه أو عورة نفسه. ابن عرفة من نظر إلى عورة إمامه أو عورة نفسه بطلت صلاته، وقيل لا تبطل ما لم يشغله ذلك أو يتلذذ به. انتهى (٤). وأما النظر إلى عورة نفسه في غير الصلاة فغاية ما ذكر أبو عبد الله بن الحاج في المدخل من آداب الأحداث أن لا ينظر إلى عورته ولا إلى الخارج منها إلا لضرورة.

стр. 208

انتهى (١). وقال في اكمال الإكمال واختلف في علة النهي عن لبس الحرير. قال الأبهري: لئلا يتشبه بالنساء، وقال غيره: لما فيه من الخيلا (٢). المازري كره مالك لباس الملاحف المعصفرة في المحافل والخروج إلى السوق، لما فيه من الشهرة وأجازه في البيوت وأفنية الدور. عياض: أجاز لباسه جماعة من السلف والفقهاء والشافعي وأهل الكوفة. وقال مالك: لا أعلمه حراما وغيره أحب إلي واختلف فيه عن ابن عمر، وكره بعضهم جميع ألوان الحمرة (٣). قوله: (وإن لم يجد إلا سترا لأحد فرجيه فثالثها يخير أي وإن لم يجد من يريد الصلاة إلا سترا لأحد فرجيه ففيه ثلاثة أقوال: يستر القبل لأنه مكشوف في حال القيام قاله الكافي (٤). وقيل: يستر الدبر لأنه يكشف عند الركوع والسجود. قاله الطرطوشي (٥). وثالث الأقوال يخير في ستر أيهما شاء وهو الذي اختاره المصنف، وهذا كله في موضع لا حائط فيه ونحوه، فأما إن كان هناك حائط أونحوه خلفه ستر القبل، وإن كان بين يديه سترا ستر الدبر، ويستر الواجد للحشيش به، أو الطين فليلطخ به عورته، ويستتر بالثوب النجس اتفاقا، وأما نجس العين كجلد الكلب والخنزير فظاهر المذهب أنه كذلك وعلى قول عبد الملك بعدم الانتفاع بالنجاسة لا يستتر به. انتهى. وإنما يستتر بالنجس لأن في العري هتك حرمتين الستر عن الأبصار وحرمة

стр. 209

الستر للصلاة. قوله: (ومن عجز صلى عريانا، فإن اجتمعوا بظلام فكالمستورين) أي وإن عجز مريد الصلاة عن كل ساتر ولو حشيشا أو طينا صلى عريانا إذ لا تترك الصلاة بذلك إذ خطرها عظيم في الشرع فسبب ذلك إن اجتمع العراة في ظلام فهم كالمستورين يركعون ويسجدون. قال القرافي في ذخيرته: النصوص الدالة على وجوب الركوع والسجود وأنها أركان متفق عليها والسترة شرط مختلف فيه، والأركان مقدمة على الشروط، والمجمع عليه مقدم على المختلف فيه. قاعدة الوسائل أبدا أخفض رتبة من المقاصد إجماعا فمتى تعارضا تقدم المقاصد عن الوسائل ولذلك قدمنا الركوع والسجود اللذين هما مقصدان على الستر التي هي وسيلة ولو اجتمعوا نهارا (١). قوله: (وإلا تفرقوا، فإن لم يمكن صلوا قياما غالين إمامهم وسطهم) أي وإن لم يكونوا بظلام تفرقوا في الأمكنة فإن لم يمكن لهم التفرق لخوف أو ضيق مكان صلوا قياما غاضين أبصارهم وإمامهم وسطهم لا بين أيديهم، وإن كان معهم نساء صلين جانبا ويتوارين عن الرجال فيصلون جلوسا. قوله: (وإن علمت في صلاة بعتق مكشوفة رأس، أو وجد عريان ثوبا استترا إن قرب، وإلا أعادا بوقت) أي فإن علمت الأمة في الصلاة بعتقها وهي مكشوفة الرأس سواء حصل العتق في الصلاة أو قبلها أو وجد عريان في الصلاة ثوبا استترا ويبنيان على ما تقدم من صلاتهما إن قرب الستر وإلا أي وإن لم يكن قريبا أعادا بوقت يحتمل أنهما تماديا في صلاتهما ويحتمل القطع وإن لم يقطعا أعادا بوقت، هكذا قرره بعضهم. وقال صاحب مغني النبيل: وإلا أي وإن لم يكن الساتر قريبا بل بعد قطعا وإن لم يقطعا أعادا بوقت. وقال في إكمال الإكمال: قال أصبغ: تبطل صلاتها وظاهر قول ابن القاسم أنها لا تبطل فتتمادى لكن إن أمكنها ما تستتر به بالقرب تستتر به أو وجدت من يناوله إياها تعين عليها وهو قول أكثر أصحابنا. انتهى (٢).

стр. 210

قوله: (وإن كان لعراة ثوب صلوا أفذاذا، ولأحدهم ندب له إعارتهم) أي وإن كان لجماعة عراة ثوب واحد صلوا أفذاذا به إن اتسع الوقت. وإن ضاق الوقت أو تنازعوا في الابتداء لأجل فضل الوقت اقترعوا في أيهم يبدأ بالصلاة به، وإن كان الثوب لأحدهم ندب له أن يعيرهم إياه ليصلوا به. وقد ورد الحديث بوجوب المواساة فيما يكون من أمور الدنيا فهو فيما يتعلق بالدين أولى، فإن لم يجد مالك الثوب ما يستر به عورته لم يجز أن يتعرى منه. قاله اللخمي (١). فصل [في استقبال القبلة وما يتعلق به] قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه حكم استقبال القبلة وما يتعلق به ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب وهي آخر شروط الصلاة، الفرق بين الشرط والفرض أن الشرط خارج عن الماهية والفرض داخل فيها. قوله: (ومع الأمن استقبال عين الكعبة لمن بمكة، فإن شق ففي الاجتهاد نظر) هو معطوف على قوله شرط لصلاة طهارة حدث وخبث أي وشرط للصلاة مع الأمن والإمكان استقبال عين الكعبة أي ذاتها وسمتها لمن في مكة زادها الله تعالى تشريفا بأن يستقبل شيئا منها بوجهه يقينا لا اجتهادا لأن من بمكة لا يشق عليه ذلك فيجب عليه استقبالها كان بينه وبنيها حاجز أم لا، فإن شق عليه ذلك الإستقبال بالعين وهو بمكة كمريض أو شيخ بأن لا يجد من يستقبل به عينها، ففي جواز اجتهاده فيها ومنعه نظر للتردد بين نفي الحرج في الدين لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] وإمكان اليقين لاستقبالها. انتهى. ومن بالمدينة المشرفة يستدل بمحراب النبي ﷺ لأنه قطعي والقدرة على اليقين بمصادفتها تمنع من الاجتهاد وعلى الاجتهاد تمنع من التقليد. انتهى. ومن منعه عذر من الاستقبال انتظر زواله كانتظار الماء في التيمم. قوله: (وإلا فالأظهر جهتها) أي فإن لم يكن بمكة بل بغيرها من غير المدينة شرفها الله وغير مسجد عمرو بن العاص ﵁ فالأظهر عند ابن رشد استقبال الجهة

стр. 211

واقتصر عليه في مقدماته ولا اعتراض على الشيخ. القبلة خمسة أقسام قبلة عيان كمن بمكة، وقبلة وحي وهي قبلة مسجد النبي ﷺ ، وقبلة إجماع كمسجد عمرو بن العاص، وقبلة مسجد النبي ﷺ من البيت للميزاب فمن أخطأ القبلة في هذه الثلاثة أعاد أبدا، وقبلة اجتهاد، وقبلة تقليد. ابن شاس: ومن بالمدينة ينزل محراب النبي ﷺ في حقه بمنزلة الكعبة وليس له الاجتهاد في التيامن والتياسر. انتهى (١). والذي بعد عن مكة لا يقول أحد أن الله تعالى أو جب عليه استقبال عين الكعبة ومعاينتها لأن ذلك تكليف مالا يطاق بل الواجب عليه أن يبذل جهده في تعيين جهة يغلب على ظنه أن الكعبة وراءها، وإذا غلب على ظنه بعد بذل الجهد في الأدلة الدالة على الكعبة أنها وراء الجهة التي عينتها أدلته وجب عليه استقبالها اجماعا فصارت الجهة مجمعا عليها، والسمت الذي هي العين مجمع على عدم التكليف به. انتهى. وقوله: (اجتهادا) هو حال عند الشارح وتمييز عند البساطي (٢). قوله: (كأن نقضت) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يستقبل جهة الكعبة إذا نقضت عن مكانها والعياذ بالله، لأن النبي ﷺ قال: «يخرب الكعبة ذو السويقين من الحبشة» (٣) السويقين تصغير ساقين وصغرهما لرقتهما وهي صفة سوق السودان غالبا، وقد وصفه في قوله الآخر: «كأني به أسود أفحج» (٤)، والفحج بعد ما بين أوساط الساقين. وتخريبها ليس معارضا لقوله تعالى: ﴿حرما آمنا﴾ [العنكبوت: ٦٧] لأن معناه آمنا إلى قرب قيام الساعة أو أنه مخصص للآية أي آمنا إلا ما قدر الله من أمر ذي السويقين. انتهى من إكمال الإكمال (٥).

стр. 212

قوله: (وبطلت إن خالفها) أي وبطلت صلاة من خالف عمدا الجهة التي أدى إليها اجتهاده (وإن صادف) القبلة. قال اللخمي في تبصرته واختلف في الجاهل والناسي والمجتهد يخطئ، فقال عبد الملك ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب تجزيه صلاته ويعيد في الوقت، وخالفه ابن حبيب في الجاهل خاصة وقال: لا تجزيه الصلاة ويعيد وإن ذهب الوقت لأنه عنده كالعامد (١). قوله: (وصوب سفر قصر لراكب دابة فقط، وإن بمحمل بدل في نفل، وإن وترا وإن سهل الابتداء لها) أي وجهة سفر قصر لا دونه كاف ولو سهل الابتداء إلى القبلة لراكب دابة فقط في نفل وإن وترا. القاعدة الوسائل أبدا اخفض رتبة من المقاصد إجماعا فمهما تعارضا تقدم المقاصد على الوسائل، وأقام الشرع جهة السفر بدلا من جهة القبلة في حق المتنفل لأن تحصيل مقاصد الصلاة أولى من رعاية شرط من شروطها، ولو منع التنفل في الأسفار لغير القبلة لامتنع الأبرار من الأسفار حرصا على النوافل (٢). واحترز بقوله قصر من سفر دون القصر وبقوله لراكب من الماشي وإن كان الراكب على محمل وخصه بالذكر إذ قد يتوهم أن المحمل كالسفينة، والمحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية مركب النساء وبكسر الميم الأولى وفتح الثانية علاقة السيف واحترز بالدابة من السفينة وفي ألفاظ الشيخ تقديم وتأخير. قوله: (لا سفينة) وهو مفهوم قوله: لراكب دابة تارة يستغني بالمفهوم وتارة لا يستغني به لعله يرتب عليه ما بعده من قوله: (فيدور معها إن أمكن، وهل إن أومأ، أو مطلقا؟ تأويلان) أي فبسبب ما قلنا فيدور راكب السفينة للقبلة إن أمكن الدوران وإلا فلا، وهل المنع إذا كان يومئ وأما إن كان يركع ويسجد فكالدابة أو يمنع مطلقا يركع ويسجد أم لا فيه تأويلات لابن البناء (٣) وابن أبي زيد.

стр. 213

قوله: (ولا يقلد مجتهد غيره، ولا محرابا، إلا لمصر وإن أعمى وسأل عن الأدلة) أي من المجتهدين لأن قدرته على الاجتهاد مانعة من ذلك إذ التقليد فرع عن الاجتهاد، والقدرة على الاجتهاد تمنع من التقليد، وكذلك لا يقلد المجتهد محرابا إلا أن يكون لمصر كبير وإن كان ذلك المجتهد أعمى ولكن يسأل العدل العارف عن الأدلة. قوله: (وقلد غيره مكلفا، عارفا، أو محرابا، فإن لم يجد، أو تحير مجتهد تخير، ولو صلى أربعا لحسن واختير) أي وقلد غير المجتهد المكلف العدل العارف أو محرابا معتبرا فإن لم يجد من يقلده أو كان مجتهدا أو تحير لأجل الغيم وشبهه تخير جهة يصلي إليها ولو صلى أربعا صلوات لأربع جهات لحسن واختير أي واختاره اللخمي في نفسه وهذا بخلاف ما تقدم في قوله: وإن نسي إحدى الخمس تيمم خمسا، لأن هناك لابد أن يصيب بخلاف ما هنا إذ لا يتحقق الإصابة للقبلة. قوله: (وإن تبين خطأ بصلاة) أي وإن تبين للمصلي في أثناء الصلاة أنه أخطأ القبلة (قطع غير أعمى، ومنحرف) عنها (يسيرا، فيستقبلانها) حينئذ. الخطأ نقيض الصواب، وأما إن شك فلا يقطع. قوله: (وبعدها أعاد في الوقت المختار) أي وإن تبين له بعد أن صلى أنه أخطأ القبلة فيها أعادها في الوقت المختار وانظر قوله في الوقت المختار مع ما في المدونة من أن الإعادة إلى الإصفرار. وقال في تقريب الفلاح وهو بخلاف ذي العذر فإن وقت ذي العذر باق ما لم تغرب الشمس، والفرق بينهما أن ذا العذر يصلي فرضه وإعادة هذا مستحبة فتمنع في الإصفرار كسائر النوافل. قوله: (وهل يعيد الناسي أبدا؟) أي وهل يعيد الناسي للإستقبال أبدا أو إنما يعيد في الوقت فيه (خلاف). قوله: (وجازت سنة فيها، وفي الحجر لأي جهة) أي وجازت صلاة سنة في وسط الكعبة والحجر لأنه من البيت، وهذا خلاف ما في المدونة أنه لا يصلى فيها الوتر ولا ركعتي الفجر، والله أعلم أنه وهم من الشيخ ﵀. قوله: (لا فرض فيعاد في الوقت) أي لا تجوز صلاة فرض في داخل الكعبة لأنه يستدبر بعض القبلة فإن وقع ونزل يعيدها في الوقت إلى الإصفرار.

стр. 214

قوله: (وأول بالنسيان وبالإطلاق) أي وأول ما وقع في المدونة من الإعادة في الوقت بالنسيان وأما العامد فإنه يعيد أبدا وأول أيضا بالإطلاق عمدا كان أو سهوا. انتهى. وأما الجاهل بوجوب استقبال القبلة فإنه يعيد أبدا اتفاقا لأنه لا يعذر بالجهل في مثل هذا. قوله: (وبطل فرض على ظهرها) أي وبطلت صلاة فرض على ظهر الكعبة لعدم تحقق الاستقبال، وهل يزول ذلك النهي إذا كان شيء من بنيانها بين يديه أم لا فإذا منعت الصلاة على ظهرها وأحرى الصلاة تحتها في مطمورة وهل يمنع النفل على ظهرها كالفرض أم لا قولان. قوله: (كالراكب، إلا لالتحام أو خوف من كسبع، وإن لغيرها. وإن أمن أعاد الخائف بوقت) أي كما تبطل صلاة فرض لراكب على دابة إلا لعذر وذلك كالالتحام وهو شدة الحرب، التحم الحرب إذا اشتد أو لأجل خوف من كسبع أو لصوص فإنه يصليها كيف ما أمكن له وإن لغير القبلة، وإن أمن الخائف من سبع أو لصوص أعاد في الوقت لأن السبع لا يعقل واللص الغالب عليه أنه إنما يطلب المال ولهذا لا يعيد الخائف من عدوه الكفار لأنهم يقاتلون على دينهم ولأنهم يطلبون النفوس، هذا هو الفرق بين اللصوص وعدو الكفار. قوله: (وإلا لخضخاض لا يطيق النزول به، أو لمرض) معطوف على قوله: إلا لالتحام أي وتبطل صلاة راكب إلا إذا كان في خضخاض من الطين ولا يطيق النزول به لأجل مرض به أو خوف على نفس أو تلطخ ثوبه فإنه يصلي راكبا مستقبلا للقبلة وإليه أشار بقوله: (ويؤديها عليها كالأرض فلها) أي فللقبلة. وقوله: (وفيها) أي وفي المدونة (كراهة) الفرع (الأخير) أتى الشيخ به استشكالا.

стр. 215

فصل [في فرائض الصلاة وسننها ومندوباتها ومكروهاتها] قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه فرائض الصلاة وسننها وفضائلها وما جاز فيها وما يكره فيها ليس مما تقدم فنا سب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب. قال القرافي في أنوار البروق ويدل على شرف الصلاة من حيث أنها لم تفرض إلا بالمحل الأعلى والتكليف إذا بلغ وجبت ثلاث عبادات اعتقاد الوجوب، والعزم على الفعل، والامتثال، وفي الحديث: «إن المصلي ليصلي الصلاة وماله نصفها وربعها إلى العشر» (١) فهي خمس في حق من كتب له عشرها، وعشر في حق من كتب له أكثر من ذلك، وخمسون في حق من أداها مستوفاة الخشوع والأركان. انتهى. اعلم أن الصلاة تبرء منها الذمة ويسقط قضاؤها ولم تقبل. انتهى. قال تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: ٢٧] ومن أتى بالصلاة كما هي ولكن لم يميز بين الفرض والسنة برئت ذمته منها لأن جبريل ﵇ لما صلى بالنبي ﷺ الصلاة كاملة بجميع فرائضها وسننها وفضائلها، وقد ثبت أنه ﷺ قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢) فلم يأمرهم بسوى فعل ما رأو وإنما يحتاج لتبيين فرائضها وسننها وفضائلها وقد ثبت لأجل خوف الإخلال وما يجزئ سجود السهو له وما لا يجزي. انتهى. قوله: (فرائض الصلاة) أي للصلاة خمسة عشر فرضا أولها (تكبيرة الإحرام) لقوله ﵇: «الطهور مفتاح الصلاة وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (٣)، الإحرام.
следующие страницы →