واقتصر عليه في مقدماته ولا اعتراض على الشيخ. القبلة خمسة أقسام قبلة عيان كمن بمكة، وقبلة وحي وهي قبلة مسجد النبي ﷺ ، وقبلة إجماع كمسجد عمرو بن العاص، وقبلة مسجد النبي ﷺ من البيت للميزاب فمن أخطأ القبلة في هذه الثلاثة أعاد أبدا، وقبلة اجتهاد، وقبلة تقليد.
ابن شاس: ومن بالمدينة ينزل محراب النبي ﷺ في حقه بمنزلة الكعبة وليس له الاجتهاد في التيامن والتياسر. انتهى (١).
والذي بعد عن مكة لا يقول أحد أن الله تعالى أو جب عليه استقبال عين الكعبة ومعاينتها لأن ذلك تكليف مالا يطاق بل الواجب عليه أن يبذل جهده في تعيين جهة يغلب على ظنه أن الكعبة وراءها، وإذا غلب على ظنه بعد بذل الجهد في الأدلة الدالة على الكعبة أنها وراء الجهة التي عينتها أدلته وجب عليه استقبالها اجماعا فصارت الجهة مجمعا عليها، والسمت الذي هي العين مجمع على عدم التكليف به. انتهى.
وقوله: (اجتهادا) هو حال عند الشارح وتمييز عند البساطي (٢).
قوله: (كأن نقضت) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يستقبل جهة الكعبة إذا نقضت عن مكانها والعياذ بالله، لأن النبي ﷺ قال: «يخرب الكعبة ذو السويقين من الحبشة» (٣) السويقين تصغير ساقين وصغرهما لرقتهما وهي صفة سوق السودان غالبا، وقد وصفه في قوله الآخر: «كأني به أسود أفحج» (٤)، والفحج بعد ما بين أوساط الساقين. وتخريبها ليس معارضا لقوله تعالى: ﴿حرما آمنا﴾ [العنكبوت: ٦٧] لأن معناه آمنا إلى قرب قيام الساعة أو أنه مخصص للآية أي آمنا إلا ما قدر الله من أمر ذي السويقين. انتهى من إكمال الإكمال (٥).
стр. 212
قوله: (وبطلت إن خالفها) أي وبطلت صلاة من خالف عمدا الجهة التي أدى إليها اجتهاده (وإن صادف) القبلة.
قال اللخمي في تبصرته واختلف في الجاهل والناسي والمجتهد يخطئ، فقال عبد الملك ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب تجزيه صلاته ويعيد في الوقت، وخالفه ابن حبيب في الجاهل خاصة وقال: لا تجزيه الصلاة ويعيد وإن ذهب الوقت لأنه عنده كالعامد (١).
قوله: (وصوب سفر قصر لراكب دابة فقط، وإن بمحمل بدل في نفل، وإن وترا وإن سهل الابتداء لها) أي وجهة سفر قصر لا دونه كاف ولو سهل الابتداء إلى القبلة لراكب دابة فقط في نفل وإن وترا.
القاعدة الوسائل أبدا اخفض رتبة من المقاصد إجماعا فمهما تعارضا تقدم المقاصد على الوسائل، وأقام الشرع جهة السفر بدلا من جهة القبلة في حق المتنفل لأن تحصيل مقاصد الصلاة أولى من رعاية شرط من شروطها، ولو منع التنفل في الأسفار لغير القبلة لامتنع الأبرار من الأسفار حرصا على النوافل (٢).
واحترز بقوله قصر من سفر دون القصر وبقوله لراكب من الماشي وإن كان الراكب على محمل وخصه بالذكر إذ قد يتوهم أن المحمل كالسفينة، والمحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية مركب النساء وبكسر الميم الأولى وفتح الثانية علاقة السيف واحترز بالدابة من السفينة وفي ألفاظ الشيخ تقديم وتأخير.
قوله: (لا سفينة) وهو مفهوم قوله: لراكب دابة تارة يستغني بالمفهوم وتارة لا يستغني به لعله يرتب عليه ما بعده من قوله: (فيدور معها إن أمكن، وهل إن أومأ، أو مطلقا؟ تأويلان) أي فبسبب ما قلنا فيدور راكب السفينة للقبلة إن أمكن الدوران وإلا فلا، وهل المنع إذا كان يومئ وأما إن كان يركع ويسجد فكالدابة أو يمنع مطلقا يركع ويسجد أم لا فيه تأويلات لابن البناء (٣) وابن أبي زيد.
стр. 213
قوله: (ولا يقلد مجتهد غيره، ولا محرابا، إلا لمصر وإن أعمى وسأل عن الأدلة) أي من المجتهدين لأن قدرته على الاجتهاد مانعة من ذلك إذ التقليد فرع عن الاجتهاد، والقدرة على الاجتهاد تمنع من التقليد، وكذلك لا يقلد المجتهد محرابا إلا أن يكون لمصر كبير وإن كان ذلك المجتهد أعمى ولكن يسأل العدل العارف عن الأدلة.
قوله: (وقلد غيره مكلفا، عارفا، أو محرابا، فإن لم يجد، أو تحير مجتهد تخير، ولو صلى أربعا لحسن واختير) أي وقلد غير المجتهد المكلف العدل العارف أو محرابا معتبرا فإن لم يجد من يقلده أو كان مجتهدا أو تحير لأجل الغيم وشبهه تخير جهة يصلي إليها ولو صلى أربعا صلوات لأربع جهات لحسن واختير أي واختاره اللخمي في نفسه وهذا بخلاف ما تقدم في قوله: وإن نسي إحدى الخمس تيمم خمسا، لأن هناك لابد أن يصيب بخلاف ما هنا إذ لا يتحقق الإصابة للقبلة.
قوله: (وإن تبين خطأ بصلاة) أي وإن تبين للمصلي في أثناء الصلاة أنه أخطأ القبلة (قطع غير أعمى، ومنحرف) عنها (يسيرا، فيستقبلانها) حينئذ. الخطأ نقيض الصواب، وأما إن شك فلا يقطع.
قوله: (وبعدها أعاد في الوقت المختار) أي وإن تبين له بعد أن صلى أنه أخطأ القبلة فيها أعادها في الوقت المختار وانظر قوله في الوقت المختار مع ما في المدونة من أن الإعادة إلى الإصفرار.
وقال في تقريب الفلاح وهو بخلاف ذي العذر فإن وقت ذي العذر باق ما لم تغرب الشمس، والفرق بينهما أن ذا العذر يصلي فرضه وإعادة هذا مستحبة فتمنع في الإصفرار كسائر النوافل.
قوله: (وهل يعيد الناسي أبدا؟) أي وهل يعيد الناسي للإستقبال أبدا أو إنما يعيد في الوقت فيه (خلاف).
قوله: (وجازت سنة فيها، وفي الحجر لأي جهة) أي وجازت صلاة سنة في وسط الكعبة والحجر لأنه من البيت، وهذا خلاف ما في المدونة أنه لا يصلى فيها الوتر ولا ركعتي الفجر، والله أعلم أنه وهم من الشيخ ﵀.
قوله: (لا فرض فيعاد في الوقت) أي لا تجوز صلاة فرض في داخل الكعبة لأنه يستدبر بعض القبلة فإن وقع ونزل يعيدها في الوقت إلى الإصفرار.
стр. 214
قوله: (وأول بالنسيان وبالإطلاق) أي وأول ما وقع في المدونة من الإعادة في الوقت بالنسيان وأما العامد فإنه يعيد أبدا وأول أيضا بالإطلاق عمدا كان أو سهوا. انتهى.
وأما الجاهل بوجوب استقبال القبلة فإنه يعيد أبدا اتفاقا لأنه لا يعذر بالجهل في مثل هذا.
قوله: (وبطل فرض على ظهرها) أي وبطلت صلاة فرض على ظهر الكعبة لعدم تحقق الاستقبال، وهل يزول ذلك النهي إذا كان شيء من بنيانها بين يديه أم لا فإذا منعت الصلاة على ظهرها وأحرى الصلاة تحتها في مطمورة وهل يمنع النفل على ظهرها كالفرض أم لا قولان.
قوله: (كالراكب، إلا لالتحام أو خوف من كسبع، وإن لغيرها. وإن أمن أعاد الخائف بوقت) أي كما تبطل صلاة فرض لراكب على دابة إلا لعذر وذلك كالالتحام وهو شدة الحرب، التحم الحرب إذا اشتد أو لأجل خوف من كسبع أو لصوص فإنه يصليها كيف ما أمكن له وإن لغير القبلة، وإن أمن الخائف من سبع أو لصوص أعاد في الوقت لأن السبع لا يعقل واللص الغالب عليه أنه إنما يطلب المال ولهذا لا يعيد الخائف من عدوه الكفار لأنهم يقاتلون على دينهم ولأنهم يطلبون النفوس، هذا هو الفرق بين اللصوص وعدو الكفار.
قوله: (وإلا لخضخاض لا يطيق النزول به، أو لمرض) معطوف على قوله: إلا لالتحام أي وتبطل صلاة راكب إلا إذا كان في خضخاض من الطين ولا يطيق النزول به لأجل مرض به أو خوف على نفس أو تلطخ ثوبه فإنه يصلي راكبا مستقبلا للقبلة وإليه أشار بقوله: (ويؤديها عليها كالأرض فلها) أي فللقبلة.
وقوله: (وفيها) أي وفي المدونة (كراهة) الفرع (الأخير) أتى الشيخ به استشكالا.
стр. 215
فصل [في فرائض الصلاة وسننها ومندوباتها ومكروهاتها]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه فرائض الصلاة وسننها وفضائلها وما جاز فيها وما يكره فيها ليس مما تقدم فنا سب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قال القرافي في أنوار البروق ويدل على شرف الصلاة من حيث أنها لم تفرض إلا بالمحل الأعلى والتكليف إذا بلغ وجبت ثلاث عبادات اعتقاد الوجوب، والعزم على الفعل، والامتثال، وفي الحديث: «إن المصلي ليصلي الصلاة وماله نصفها وربعها إلى العشر» (١) فهي خمس في حق من كتب له عشرها، وعشر في حق من كتب له أكثر من ذلك، وخمسون في حق من أداها مستوفاة الخشوع والأركان. انتهى.
اعلم أن الصلاة تبرء منها الذمة ويسقط قضاؤها ولم تقبل. انتهى.
قال تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: ٢٧] ومن أتى بالصلاة كما هي ولكن لم يميز بين الفرض والسنة برئت ذمته منها لأن جبريل ﵇ لما صلى بالنبي ﷺ الصلاة كاملة بجميع فرائضها وسننها وفضائلها، وقد ثبت أنه ﷺ قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢) فلم يأمرهم بسوى فعل ما رأو وإنما يحتاج لتبيين فرائضها وسننها وفضائلها وقد ثبت لأجل خوف الإخلال وما يجزئ سجود السهو له وما لا يجزي. انتهى.
قوله: (فرائض الصلاة) أي للصلاة خمسة عشر فرضا أولها (تكبيرة الإحرام) لقوله ﵇: «الطهور مفتاح الصلاة وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (٣)، الإحرام.
стр. 216
أن يدخل في حرمة الصلاة ويترك ما ينافيها.
قال صاحب إكمال الإكمال: قلت: الإحرام النية، فمعنى تكبيرة الإحرام التكبيرة المقارنة للنية، والذي يجب أن ينويه الداخل في الصلاة هو التقرب إلى الله ﷺ بأداء ما افترض عليه من الصلاة التي يعينها الوقت (١).
قوله: (وقيام لها) هذا هو الفرض الثاني أي ومن فروض الصلاة القيام لأجل تكبيرة الإحرام فلا يكبر لها وهو قاعد.
وقوله: (إلا لمسبوق فتأويلان) أي والقيام لأجل تكبيرة الإحرام فرض إلا أن يكون مسبوقا مدركا يجد الإمام راكعا فيحرم هاويا للركوع ناويا بها الإحرام ففي فرض القيام لها وعدم فرضيته عليه تأويلان على المدونة.
الباجي وابن بشير: لا يجب وهو ظاهر المدونة، وقيل يجب فإن أحرم راكعا لا تصح له تلك الركعة، وتأولت المدونة عليه أيضا، وصرح عياض بمشهوريته وإليه ذهب ابن المواز. انتهى (٢).
لو قال الشيخ: ولو لمسبوق وينبغي له أن يسبق المشهور.
قوله: (وإنما يجزئ «الله أكبر») أي وإنما يجزئ في الإحرام لفظة الله أكبر لا غيره، اتفق أهل المذهب أن غير الله أكبر لا يجزئ ولو كان اللفظ مجانسا كالله الأكبر أو الله الأجل أو أعظم، ولا يجوز مد الباء حتى يصير أكبار لأن ذلك كفر.
الكبار: طبل.
ولو أسقط حرفا واحدا في لفظة الله أكبر لم يجزه، وأما قول العامة الله وأكبر فله مدخل في الجواز لأن الهمزة إذا وليت ضمة جاز أن تقلب واوا. انتهى.
قال في إكمال الإكمال: أبو حنيفة ﷺ يجزيه الدخول في الصلاة بكل لفظ يشعر بتعظيم الله ﷺ وأجازه الشافعي بلفظ الله الأكبر ومالك ﷺ لا يجزئ إلا الله أكبر لأنه المسموع المعروف في عرف الشرع واللغة.
قلت: واختلف في أكبر فقيل إنه بمعنى كبير، وقيل على بابه والمعنى أكبر من أن يدرك كنه عظمته.
عياض: قال بعض المتكلمين وحكمة ابتداء الصلاة بالتكبير أنه حمد الله على
стр. 217
الهداية للتوحيد والعبادة وامتثال لما أمر به وحض عليه في قوله تعالى: ﴿لتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥] ثم طابق ذلك أول ما يستفتح به في قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]. انتهى (١).
قوله: (فإن عجز سقط) أي فإن عجز عن التلفظ بالتكبير بأن كان أبكم أو لم يعلم لغة العرب سقطت عنه فرضيته ولا يجب التعويض.
قوله: (ونية الصلاة المعينة) هذا هو الفرض الثالث أي ومن فروض الصلاة نية الصلاة المعينة، والنية في اللغة القصد، وفي الشرع قصد المكلف الشيء المأمور به بأن يقصد بقلبه الدخول في الصلاة المعينة ويكون قصده مقارنا بالإحرام فالنية لا تحتاج إلى نية لئلا يلزم التسلسل ولا حاجة به بل صورة النية كافية في تحصيل مصلحتها لأن مصلحتها التمييز وهو حاصل بها قصد ذلك أو لم يقصده.
قلت: الأولى أن يقال هو من القسم الذي لا تصلح فيه النية كالنظر الأول في إثبات الصانع. انتهى من البقوري.
ابن الماجشون كل فرض معين لا يفتقر إلى نية قاعدة حكيمة.
قوله: (ولفظه واسع وإن تخالفا فالعقد) أي ولفظ المصلى الدال على الصلاة المعينة واسع فلا بأس به وإن تخالف لفظه وعقده فالمعتبر العقد إن صح فصحيح وإلا فلا.
قوله: (والرفض مبطل كسلام أو ظنه فأتم بنفل إن طالت، أو ركع) أي ورفض نية الصلاة مبطل لها ظاهره ولو بعد السلام منها واستشكل لأن رفع الواقع محال والرفض للنية مبطل للصلاة والصوم بخلاف الوضوء والحج قيل أن الفرق أن الصلاة والصيام الأجزاء فيهما متصلة بخلاف الوضوء والحجج.
قوله: كسلام أو ظنه تشبيه لإفادة الحكم يعني أن من سلم من صلاته ظانا إتمامها أو لم يسلم منها ولكن ظن أنه سلم منها فأتم الصلاة في الصورتين بنية نفل فقط فإن صلاته تبطل إن طالت القراءة وإن لم يركع أو عقد ركوعا وإن لم يطل القراءة.
قوله: (، وإلا فلا) وإن لم يطل القراءة ولا ركع فلا تبطل صلاته.
قوله: (كأن لم يظنه، أو عزبت) أي كما لا تبطل صلاته إن ظن أنه لم يسلم منها
стр. 218
بل اعتقد أنه في نافلة والفرق بينها والتي قبلها أنه هنا لم يقصد الخروج ولا اعتقده وفي تلك اعتقد الخروج من الفريضة حين ظن السلام وكذلك لا تبطل صلاته إن عزبت النية فيها بعد عقدها في محلها لأن استصحاب النية من أول الصلاة إلى آخرها حرج ومشقة وقد ارتفع في الدين قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] العزوب الذهول عن الشيء فالنية إنما يلزم استصحابها حكما لا ذكرا.
قال ابن العربي ﵀: أن الله سمح للعبد في استرسال الخواطر في الصلاة، فإذا ذكر عاد إليها فإن استمر مختارا بطلت صلاته. انتهى (١).
قوله: (أو لم ينو الركعات، أو الأداء أو ضده) أي وكذلك لا تبطل صلاته إن لم ينو عدد ركعاتها لاستلزام الظهر والعصر والعشاء أربعا والمغرب ثلاثا والصبح اثنتين وكذلك لا تبطل صلاته إذا لم ينو بها أداء ولا قضاء لاستلزام كون الوقتية أداء والفائتة قضاء فلو دخل بنية الأداء ثم تبين أنه خرج الوقت فإنه لا يضره وكذلك إذا ظن أن الوقت فات فأحرم بنية القضاء ثم يتبين أن الوقت لم يفت فإن ذلك لا يضره.
قوله: (ونية اقتداء المأموم) أي ومن فروض الصلاة أن ينوي المأموم الإقتداء بإمامه وإلا بطلت صلاته وعادة الشيوخ يذكرون هذا، وهناك ما يدل عليه كإتيان المسجد طلبا لفضل الجماعة والجلوس فيه حتى يأتي وذلك يدل على أن نيته الإقتداء ولعلهم يذكرونه للإحتراز من الإمام وليس عليه أن ينوي الاقتداء به إلا في المواضع الأربع خوفا واستخلافا وجمعة وجمعا وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله.
وقوله: (وجاز له دخول على ما أحرم به الإمام) أي وجاز لمدرك وجد الإمام قد أحرم ولا يدري ما أحرم به من الصلوات أن ينوي بإحرامه ما أحرم به الإمام.
قال ابن غازي: هذا والله سبحانه أعلم خاص بمسألة الجمعة والظهر ومسألة القصر والإتمام (٢).
стр. 219
قال اللخمي: في المسألة الأولى أجازه أشهب، ويجزئه ما صادف من ذلك، ولقول ابن رشد في الثانية: ولو دخل خلفهم ينوي صلاتهم وهو لا يعلم أكانوا مقيمين، أو مسافرين لأجزأته صلاته قولا واحدا، والعمدة في ذلك ما ورد أن عليا ﵁ أحرم في الحج بما أحرم به النبي ﷺ وصححه النبي ﵇ (١).
قوله: (وبطلت بسببقها) أي وبطلت النية بسبقها تكبيرة الإحرام (إن كثر) السبق (وإلا فخلاف) أي وإن لم يكثر السبق ففي بطلانها وعدم بطلانها خلاف في التشهير والأفضل أن تقترن النية وتكبيرة الإحرام معا.
قوله: (وفاتحة بحركة لسان على إمام وفذ وإن لم يسمع نفسه) أي ومن فروض الصلاة قراءة سورة الفاتحة فيها لإمام وفذ وإن لم يسمع بها نفسه في السرية والجهرية وأما المأموم فسيأتي إن شاء الله والقراءة إنما تكون بحركة لسان وهو أقل السر وأكثره إسماع لنفسه واستحبه ابن القاسم، وأما القراءة بغير حركة لسان فإنه تكفر ألا ترى أن الجنب يقرأ في نفسه والحالف لا يقرأ فلا يحنث إذا قرأ في نفسه. انتهى.
والتنزيل في القراءة هو الثاني، والتمهيل وتبيين الحروف والحركات. انتهى. ولو قرأ شيئا من التورية والإنجيل أو غيرهما من الكتب غير القرآن وهو يحسنه أم لا فسدت صلاته إذ هو كالكلام فيها لعدم العلم بكونه منه بعد انقطاع الوحي.
قوله: (وقيام لها) أي ومن فروض الصلاة قيام لقراءة الفاتحة فيها لأن الظروف حكمها حكم ما يعمل فيها وللفاتحة أسماء عدة، أم القرآن، أم الكتاب، وكره ابن سيرين أن يقال لها أم القرآن (٢)، وجوزه جمهور العلماء، وكره الحسن ابن أبي الحسن (٣) أن يقال لها أم الكتاب (٤) وأجازه ابن عباس وغيره، وسميت فاتحة لأنها
стр. 220
تفتح بها المصاحف. انتهى.
قال اللخمي: واستحب بعض العلماء إذا كان قائما أن يجعل بصره موضع سجوده لأن فيه ضرب من الخشوع واستشعار الحياء ممن هو واقف بين يديه. انتهى من تبصرته (١).
قوله: (فيجب تعلمها إن أمكن) أي فبسبب فرضية قراءة الفاتحة في الصلاة يجب على المكلف تعلمها إن أمكنه التعلم بوجود المعلم وقبول التعليم واتساع الوقت.
قوله: (وإلا انتم، فإن لم يمكنا فالمختار سقوطهما) أي وإن لم يمكن له التعلم لها لعدم المعلم أو لم يقبل التعليم أو ضاق عليه الوقت أتم في صلاته بإمام فإن لم يمكن التعليم ولا الإتمام فالمختار عند اللخمي سقوطهما أي الفاتحة والقيام لها بغير إبدال بذكر.
قال ابن سحنون (٢): فرضه ذكر الله وعلى الأول لا يجب التعويض قياسا على تكبيرة الإحرام ولأن البدل يفتقر إلى نص فإذا لم يجب البدل فعند القاضي عبد الوهاب يقف وقوفا ما فإن لم يفعل أجزأه وإليه أشار بقوله: (وندب فصل بين تكبيره وركوعه). انتهى (٣).
قال اللخمي في تبصرته وإن فرط في التعليم قضى كل صلاة صلاها فذا بعد قدر ما يتعلم به الفاتحة (٤).
فرع: قال ابن عرفة: ولو افتتح الصلاة غير عالم الفاتحة بالشروط المتقدمة فطرا عليه علمها في داخل الصلاة بأن يكون شديد الحفظ وسمع من يقرؤها وتعلقت بحفظه فلا يستأنف الصلاة لأنه أدى ما مضى له فيها على حسب ما مر به قاله في كتاب ابن سحنون.
=
стр. 221
فرع: وإن عجز عن قراءة الفاتحة قائما جلس ويقرؤها وأما إن عجز عن سورة فإنه يتركها كمن عنده ماء لا يكفيه لفرائض وضوئه وسننه، فإنه يترك السنن ويستعمل الماء في الفرائض. انتهى (١).
فرع: قال ابن وضاح (٢): رأيت لمالك ﷺ في بعض الأسمعة أحب للإمام أن لا يعجل بقراءة أم القرآن في الركعتين الأخيرتين حتى يتمكن من خلفه من قراءتها. ورأيت له أيضا أن لا يتعجل بالتشهد حتى يتمكن من خلفه منها.
فرع: قال الصقلي عن بعض القرويين: لا يقطع من لا يحسن القراءة صلاته بإتيان محسنها. انتهى.
قوله: (وهل تجب الفاتحة في كل ركعة، أو الجل؟) أي وهل تجب قراءة الفاتحة المذكورة في كل ركعة من الصلاة أو إنما تجب في جلها والباقي من الصلاة فيه (خلاف) والقولان لمالك في المدونة وشهر ابن شاس الرواية الأولى.
عبد الوهاب: (وهو الصحيح من المذهب) (٣) وهو رأي العراقيين (٤)، واختاره ابن عبد البر (٥) وجماعة من الأصحاب وهو الراجح من طريق النظر والذي رجع إليه مالك ﷺ .
الرواية الثانية:
قال القرافي: وهو ظاهر المذهب. انتهى من حلى المختصرى.
قال بعضهم: والصحيح وجوبها في كل ركعة وعلى القول بالوجوب في الجل
стр. 222
لا في الكل يسجد قبل السلام وإنما يصح ذلك في ما عدى الثنائية ووجهه أنه مسألة اجتهاد فيستصحب ترك الأقل.
قوله: (وإن ترك آية منها سجد) أي وإن ترك المصلي قراءة آية من الفاتحة في ركعة واحدة سجد قبل السلام لخفة الآية ظاهره على كل من القولين. انتهى.
وكل ما ذكره في قراءة الفاتحة إنما هو في صلاة فرض، وأما النقل فقراءتها فيه سنة.
قوله: (وركوع تقرب راحتاه فيه من ركبتيه، وندب تمكينهما منهما، ونصبهما) أي ومن فرائض الصلاة ركوع وهو انحناء الظهر أقله ما تقرب راحتاه فيه من ركبتيه، وندب له تمكين الراحتين من الركبتين وهاذا خلاف ظاهر المدونة الراحة باطن الكف، وكذلك يندب نصب الركبتين أي مدهما معتدلتين.
قوله: (ورفع منه) أي ومن فروض الصلاة الرفع من الركوع فإن انحط من ركوعه بلا رفع رأسه بطلت صلاته إن كان عامدا وإن كان سهوا رجع له محدودبا وإلا بطلت.
قوله: (وسجود على جبهته، وأعاد لترك أنفه بوقت) أي ومن فرائض الصلاة السجود على جبهته ولا يشترط السجود على جميع الجبهة بل يكفي بعضها، فإن ترك ذلك بطلت صلاته فيعيد أبدا.
الجبهة ما بين الحاجب والناصية، والمطلوب أن يسجد على الجبهة والأنف معا فإن سجد على الجبهة دون الأنف أعاد في الوقت خلافا لابن حبيب أنه يعيد أبدا.
قوله: (وسن على أطراف قدميه وركبتيه كيديه على الأصح) أي وسن السجود على أطراف أصابع قدميه وعلى ركبتيه كما سن السجود على يديه على القول الأصح في المسائل الثلاث، خالف الشيخ هنا تعلله قاعدته الأكثرية أن الشرط راجع إلى ما بعد الكاف.
الحاصل في اليدين ثلاثة أقوال إن ترك الاعتماد عليهما في سجوده: قيل: تبطل صلاته، وقيل: لا تبطل، وقيل: إن اعتمد على واحدة فلا تبطل وإلا بطلت، وقيل أن السجود على أطراف قدميه وركبتيه ويديه أنه فرض. انتهى.
ولا يجب كشف الكفين في السجود ولكن يستحب.
قال اللخمي: فإذا سجد أبرز يديه من كميه ويباشر بهما الأرض إلا أن يتقي
стр. 223
بكميه حر الأرض أو بردها والتواضع لله أفضل فيباشر بيديه الأرض أو ما يسجد عليه. انتهى (١).
قوله: (ورفع منه) أي ومن فرائض الصلاة رفع رأس من السجود أولا، وثانيا. السجود لغة الميل ومنه يقال للنخلة المائلة ساجدة.
قوله: (وجلوس لسلام) أي ومن فروض الصلاة جلوس في التشهد الأخير قدر إيقاع السلام والزائد عليه سنة وسيأتي في السنن.
قوله: (وسلام عرف بأل) أي ومن فرائض الصلاة السلام منها عرف بالألف واللام فلو نكر السلام أو نونه.
قال عبد الوهاب وابن أبي زيد: لا تجزيه صلاته وهو المشهور.
ابن القاسم وابن شبلون (٢): يجزيه وقيل يجزيه سلام عليكم وهو تحية أهل الجنة ﴿سلام عليكم طبتم﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿سلام عليكم بما صبرتم﴾ [الرعد: ٢٤] ولو قال: السلام عليكم، فجمع بين التعريف والتنوين.
قال أبو محمد صالح (٣) وأبو عمران الجوزي (٤): صلاته باطلة.
وقال الشار مساحي: يدخل فيه ما يدخل في صلاة اللحان، وهذا كله في تسليم التحليل، وأما سلام الرد فقال أشهب يجوز أن يقول سلام عليكم.
قوله: (وفي اشتراط نية الخروج به) أي وفي اشتراط نية الخروج في الصلاة بالسلام وعدم اشتراطه (خلاف).
الفاكهاني المشهور عدم الإشتراط.
قال صاحب الإشراف: (لا تجزيه إذا سلم بغير تجديد النية) (٥) ووافقه صاحب
стр. 224
الطراز.
قوله: (وأجزأ في تسليمة الرد سلام عليكم، وعليك السلام) أي ويجزئ في تسلمة الرد سلام عليكم بلا تعريف وعليك السلام بالتعريف، وإن كان الأصل في تسليم الرد أنه كالتحليل، واختلف في القاضي هل يرد؟ وعلل رده ببقاء حكم الإمام عليه، وعلل نفيه بأن شرط الرد الإتصال. انتهى.
قال عياض في الشفا واستحب أهل العلم أن ينوي الإنسان حين سلامه كل عبد صالح في السماء والأرض من الملائكة وبني آدم والجن قال مالك في المجموعة: وأحب للمأموم إذا سلم إمامه أن يقول السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم (١).
قوله (وطمأنينة) أي ومن فروض الصلاة طمأنينة وهي استقرار الأعضاء في منتهى الافعال الواجبة، وقيل أنها غير فرض، وقال بعضهم: لا تطلب سرعة العمل واطلب جودته فإن الناس لا يسألون في كم فرغ هذا العمل، وإنما يسألون عن جودة صفته.
قوله: (وترتيب أداء) أي ومن فروض الصلاة ترتيب أدائها فيها اتفاقا فتكون تكبيرة الإحرام قبل القراءة والقراءة قبل الركوع والركوع قبل السجود والسجود قبل الجلوس للسلام فإن نكس بطلت صلاته.
قوله: (واعتدال على الأصح، والأكثر على نفيه) أي ومن فرائض الصلاة الاعتدال بأن يرفع من الركوع حتى ينتصب قائما ثم يهوي ساجدا ومن السجود حتى يستوي جالسا على القول الأصح وقد تكون الطمأنينة ولم يكن الاعتدال ويكون الإتعدال ولم تكن الطمانية فلا يتلازمان الاعتدال استقرار كل عضو في محله والأكثر من الشيوخ على نفي فرضية الاعتدال، واختلف في وجوب الاعتدال فمن رآه مطلوب الذات أوجبه، ومن رآه مطولبا للفصل وهو يحصل دون اعتدال جعل الزائد سنة. انتهى.
تنبيه: الأفعال في الصلاة كلها فرائض إلا ثلاثا رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام والجلسة الوسطى والتيامن بالسلام، الأقوال كلها فيها سنة ليست بفرائض إلا ثلاثا
стр. 225
تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة والسلام.
[سنن الصلاة]
قوله: (وسنتها سورة بعد الفاتحة في الأولى والثانية) أي وسنن الصلاة قراءة سورة بعد الفاتحة وإن قرأها قبلها أعادها بعدها ويقرؤها في الركعة الأولى والثانية من الرباعية والثلاثية وفي الثنائية كالجمعة والعيدين وصلاة القصر، وقيل قراءة السورة مستحبة لا سنة.
اللخمي: وهو الأحسن.
قوله: سورة يقتضي أن كمال السورة في الركعة سنة وليس كذلك على ظاهر قولهم وإنما السنة مطلق الزيادة على الفاتحة وهو المشهور.
قوله: (وقيام لها) أي ومن سنن الصلاة قيام لأجل قراءة السورة لأن حكم الظروف حكم ما يعمل فيها. انتهى.
وقد أجاز الإمام مالك تحلله في مختصر ابن عبد الحكم أن يقرأ في كل ركعة من الركعتين الأوليين بالسورتين والثلاث (١)، فإذا جاز أن يزيد على سورة في الأوليتين: جاز أن يقرأ السورة في الأخيرتين. قال: ولا بأس إذا قرأ في الأولى سورة بعد الفاتحة أن يقرأ في الثانية سورة قبلها، وأن يقرأ بما بعدها أحسن، ولا يقرأ بسورة واحدة في ركعتين، وإن فعل أجزه.
وقال في المجموعة: لا بأس به، وما هو بالشأن. انتهى من تبصرة اللخمي (٢).
قال الباجي: يكره في الثانية قراءة سورة قبل السورة الأولى.
قال عياض: لا اختلاف في جوازه وإنما يكره في ركعة واحدة، وسمع ابن القاسم: هو عمل الناس وهو والترتيب سواء، ابن حبيب وابن عبد الحكم ورواية مطرف الترتيب أفضل.
قال ابن رشد لعمري أنه أحسن لأنه جل عمل الناس، ويكره تكريره السورة الأولى في الثانية، وروى ابن حبيب يتمها ولو ذكرها في أولها. انتهى من ابن عرفة (٣).
стр. 226
سميت السورة سورة لأن قارئها يشرف بقراءتها عما لم يكن عنده كسور البناء ولأنها حافظة على قارئها.
وقيل: سميت سورة لتمامها، ومنه قيل للنافلة التامة سورة، وقيل من السور وهو القطعة ومنه السؤر هو البقية في الإناء.
قوله: (وجهر أقله - أقله أن يسمع نفسه ومن يليه - وسر بمحلهما) أي ومن سنن الصلاة الجهر بالقراءة وسر في محلهما، وأقل الجهر أن يسمع نفسه ومن يليه، وأكثر السر أن يمسع نفسه وهو مستحب للرجل وأقله حركة اللسان.
قال ابن عرفة: روى علي جهر المرأة إسماع نفسها فقط، فجهر المرأة مستحب للرجل في السر (١).
قال سند والإمام يرفع صوته ما أمكنه ليسمع الجماعة، والمنفرد بين ذلك (٢).
قوله: (وكل تكبيرة) أي وكل تكبيرة من تكبيرات الصلاة سنة مستقلة بنفسها، خلافا لمن قال: أنها كلها سنة واحدة (إلا الإحرام).
قوله: (وسمع الله لمن حمده) أي وكل ما في الصلاة من سمع الله لمن حمده كل منها سنة مستقلة بنفسها (الإمام وفذ) وأما المأموم فسيأتي حكمه ومعنى سمع الله لمن حمده يحتمل أن يكون خبرا عن فضل الله تعالى أي أجاب الله دعاء من حمده ويحتمل أن يكون دعاء بلفظ الخبر وهو الأظهر وتقديره اللهم اسمع لمن حمدك وعبر بالسماع عن المكافات أي أجب.
قال الباجي: الأظهر عنده أن سمع الله لمن حمده للترغيب في الحمد وسببه أن أبا بكر الصديق ﵁ ملازم للصلاة خلف النبي ﷺ فدخل يوما والنبي ﷺ في الصلاة فلما أدركه فيها قال: الحمد لله، فنزل جبريل ﵇ على النبي ﷺ فقال: سمع الله لمن حمده (٣) وشرع حينئذ، وكان النبي ﷺ يكبر في الانحطاط للركوع وفي الرفع منه، وفي سماع ابن وهب عن مالك قال: (أحب للمأموم ألا يجهر بالتكبير وبربنا ولك الحمد، ولو جهر بذلك جهرا يسمع نفسه ومن يليه فلا بأس) (٤)،
стр. 227
وأما الإمام الشأن أن يجهر بالتكبير ونحوه ليقتدي به من خلفه في الركوع والسجود والرفع منهما.
قوله: (وكل تشهد) أي وكل واحد من التشهدين سنة مستقلة خلافا للرسالة، لأنه قال: والتشهدين سنة وهو خلاف المشهور إلا أن يقال معناه وكل واحد من التشهدين سنة على حذف المضاف يتفق مع المشهور. انتهى.
قال صاحب اكمال الإكمال وسمي التشهد تشهدا لاشتماله على الشهادتين (١).
قوله: (والجلوس الأول والزائد على قدر السلام من الثاني وعلى الطمأنينة) أي والجلوس في التشهد الأول سنة مستقلة فإن تركه ترك ثلاث سنن التهشد والجلوس له والتكبير، وكذلك الزايد في الجلوس للتشهد الثاني على قدر إيقاع السلام سنة وأما قدر إيقاع السلام منه فقد تقدم أنه فرض وكذلك الزايد على الطمأنينة فهو من كل ركن سنة مستقلة.
قوله: (ورد مقتد على إمامه، ثم يساره وبه أحد) أي ومن سنن الصلاة لمتقد بإمام رد السلام على إمامه ثم على من هو في يساره إذا كان به أحد وإن لم يسلم عليه بعد فإنه مدرك.
قوله: (وجهر بتسليمة التحليل فقط) أي ومن سنن الصلاة الجهر بتسليم التحليل فقط بخلاف تسليم الرد على الإمام ومن على يساره فإنه يرد عليهما سرا.
قوله: (وإن سلم على يساره) أي وإن سلم المصلي في الصلاة على يساره (ثم تكلم لم تبطل) صلاته لأنه لم يترك إلا التيامن إلا أن ينوي بسلامه الرد فإن كان عمدا بطلت صلاته وإن كان سهوا سجد بعد السلام.
قوله: (وسترة لإمام وفد) أي ومن سنن الصلاة لإمام وفذ اتخاذ سترة (إن خشيا مرورا) بين أيديهما وإن لم يخشيا المرور ندب لهما السترة فيكون (بطاهر) لا نجس (ثابت) لا تحركه الرياح عادة وأن يكون (غير مشغل) للمصلي ويكون (في غلظ رمح وطول ذراع) ذكر الشيخ خليل السترة وصفتها ولم يذكر حد قربها وبعدها.
قال ابن العربي: ليس للمصلي حريم إلا مقدار ثلاثة أذرع، وأنه لا إثم على من مر بين يديه فيما هو أبعد من ذلك. انتهى.
قال عياض: وسر اتخاذها منع من يمر بقربه وكف البصر عن النظر إلى ما
стр. 228
وراءها. انتهى (١).
وعنه ﷺ : «إذا صلى أحدكم فليدن من سترته فإن الشيطان يحول بينه وبينها» (٢) فأبان أنه إذا أدنى لم يقدره الله على الجواز.
قوله: (لا دابة وحجر واحد وخط وأجنبية، وفي المحرم قولان) أي لا يجوز أن يستتر بدابة لنجاسة بولها.
ابن الجلاب: ولا بأس أن يستتر ببعير أو بقرة ولا يصلي إلى بغل أو حمار انتهى (٣).
وكذلك لا يستتر بحجر واحد بخلاف البناء، وكذلك لا يجوز أن يستتر بخط يخطه بين يديه سواء خطه يمينا أو شمالا أو طولا، لأن الخط باطل، وكذلك لا يستتر بامرأة أجنبية ولو كانت زوجته أو أمته خوفا أن يفتتن بها أو تشغله، والمراد بالأجنبية هنا غير المحرم، وفي الإستتار بالمحرم قولان في الجواز والمنع، أجازه ابن الجلاب ومنعه في المجموعة فلا يستتر بنائم لأن عورته قد تظهر، ومفهوم قوله: أجنبية أنه يستتر بأجنبي وهو كذلك، إذا كان مستيقظا غير متكلم وظهره تلقاء وجهه وأمن من ذهابه أو كحلقة إن سكت أهلها ولا بأس بالصلاة إلى الطائفين لأنهم بمعنى من هو في الصلاة، ولا يصمد المصلي سترته صمدا بل ينحرف عنها يمينا أو شمالا، ولا يناول من على يمينه ما على يساره بين يديه أو العكس. انتهى.
قوله: (وأثم مار له مندوحة) أي وأثم مار بين يدي المصلي إذا كانت له مندوحة أي سعة يجوز فيها غيرها بين يديه، وأما إن لم تكن له مندوحة عنه فلا إثم عليه، وخص الإثم بمن له مندوحة للدلالة على رفع الإثم على المضطر.
وفي إكمال الإكمال وفي الحديث: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه» (٤) أي من إثم المرور لكان أن يقف أربعين وقد شك الراوي في الأربعين أي
стр. 229
يقف ولا يمر لأن عذاب الدنيا وإن عظم يسير.
قلت: الأظهر في ماذا أنها للتعظيم.
وذكر ابن أبي شيبة (١) الحديث وفيه: «لكان أن يقف مائة عام» والحديث من حيث الجملة يدل على إثم المار مطلقا، وقسمه أهل المذهب على أربعة أقسام (٢).
قوله: (ومصل تعرض) أي وكذلك يأثم مصل تعرض للمرور بين يديه بأن يصلي في الممر عادة وله منه مندوحة وإلا فلا يأثم.
الحاصل: أنهما يأثمان لا يأثمان، يأثم المار وحده، يأثم المصلي وحده. انتهى.
واستحسن موعظته.
وقوله في الحديث: «فليقاتله» (٣) المقاتلة هنا المدافعة.
وقوله: فإنما هو شيطان أي فعل الشيطان.
قوله: (تعرض وإنصات مقتد ولو سكت إمامه) أي ومن سنن الصلاة إنصات مأموم في الجهرية ولو كان إمامه ممن يسكت بين تكبيرة الإحرام والفاتحة وبين الفاتحة والسورة.
قال ابن غازي: هذا خلاف ما قاله في توضيحه فإنه قال فيه ما نصه: والقراءة مع الإمام فيما يجهر فيه مكروهة وهذا إذا كان الإمام يصل القراءة بالتكبيرة فإن كان الإمام ممن يسكت بعد التكبير سكتة ففي المجموعة من رواية ابن نافع عن مالك: يقرأ من خلفه في سكتته أم القرآن وإن كان قبل قراءته.
قال الباجي: ووجه ذلك أن اشتغاله بالقراءة أولى من تفرغه للوسواس وحديث النفس، إذا لم يقرأ الإمام قراءة ينصت لها، ويتدبر معها.
قال المصنف: وعلى هذا إذا كان الإمام ممن يسكت بعد الفاتحة كما تفعل الشافعية فيقرأها المأمومون. انتهى (٤).
стр. 230
فظاهر ما في التضويح أنه جعل رواية ابن نافع تفسيرا وظاهر ما هنا أنه جعله خلافا وأشار لها بلو وقد اختصر ابن عرفة على نقل هذه الرواية من طريق الباجي. انتهى.
وفي درة الغواص لابن فرحون فإن قلت هل يجب عليه أن يقرأ مع الإمام في الجهرية.
قلت: نعم إذا كان في موضع لا يسمع قراءة الإمام.
قال ابن العربي في أحكام القرآن: الصحيح وجوبها في السرية وإذا لم يسمع الإمام حكمه حكم الصلاة السرية. انتهى (١).
[مندوبات الصلاة]
قوله: (وندبت إن أسر) لما فرغ تعالاى من السنن بعد الفرائض شرع يذكر المندوبات بدأ الله بالأوكد فالأوكد أي وندبت القراءة.
المفهومة من سياق الكلام إن أسر إمامه القراءة في الفاتحة والسورة، فإن فرغ من السورة قبل فراغ إمامه قرأ سورة أخرى، أو يدعوا أو يسكت.
وإن ركع إمامه قبل فراغه بادر لمتابعته.
قوله: (كرفع يديه مع إحرامه) أي كما يندب له رفع يديه مع تكبيرة الإحرام لا قبلها ولا بعدها وهذا رواية مطرف وينبغي أن يعد من السنن لصحته عنه ﵇. انتهى.
والقصد برفع اليدين عند الإحرام استعظام ما يدخل فيه وليس المراد به الدعاء ولا القبلة وكثير مما يجري من شأن الناس عند ما يفاجئه أمر يستعظمه رفع اليدين كالفزع منه.
قوله: (حين شروعه) متسغنى عنه لأنه لما قال: مع إحرامه، علمنا أنه حين الشروع ولم يتعرض الشيخ لحد الرفع كما في الرسالة ولم يتعرض أيضا إلى كيفة الرفع، قيل بطونهما إلى الأرض رهبة، وقيل إلى السماء رغبة. انتهى.
وما ذكره الشيخ هنا من ندبية رفع اليدين عند الإحرام خلافا للرسالة لأنه قال: ورفع اليدين سنة.
стр. 231
قوله: (وتطويل قراءة بصبح) أي ومن المندوب تطويل القراءة في الصبح (والظهر تليها) في الطول لأنهما ليستا وقت عياء ولا حاجة ويجهر بالقراءة في الصبح لأنه ليس وقت الأصوات ويسرها في الظهر والعصر لأنه وقت الأصوات وأيضا فصلاة النهار تأتي وخواطر الناس متعلقة بأعمالهم، فقراءة السر أجمع للخواطر وأبعث على التدبير، وللشرع حكمة في ترتيب القراءة على هذا النحو. قاله القرافي.
قوله: (وتقصيرها بمغرب وعصر، كتوسط بعشاء) أي وندب تقصير القراءة في صلاة المغرب والعصر على أن المغرب أقصر لأن العصر وقت إرادة حاجة، والمغرب وقت عياء، وكذلك يندب توسط القراءة في صلاة العشاء لأن وقتها ليس بوقت عياء ولكن وقت إرادة النوم، ويجهر في الأوليين منها ومن المغرب، لأنهما ليستا من وقت الأصوات.
قوله: (وثانية عن أولى) أي وندب تقصير قراءة الركعة الثانية عن القراءة في الأولى.
قوله: (وجلوس أول وقول مقتد وفذ ربنا ولك الحمد) أي وندب تقصير الجلوس للتشهد الأول إذ يكره فيه الدعاء، وكذلك يندب لمقتد بإمام وفذ أن يقول في رفع الرأس من الركوع ربنا ولك الحمد، وجاز إسقاط الواو في ولك، وأما الإمام يقول سمع الله لمن حمده والفذ يجمعهما فيقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فمعنى ربنا ولك الحمد اللهم يا ربنا أي يا مصلح أمورنا ويا خالقنا لك الحمد على إجابة دعائنا.
قوله: (وتسبيح بركوع وسجود) أي ويندب للمصلي تسبيح في ركوعه فيقول: سبحان الله العظيم أو سبحان ربي الأعلى، وكذلك في سجوده فيقول: سبحانك رب إني ظلمت نفسي، وعملت بسوء فاغفر لي.
قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق: فاعلم أن المطلوبين في الشريعة قد يكون الجمع بينهما غير مطلوب، وربما كان منهيا عنه، وقد يكون الجمع بينهما مطلوبا والدعاء مطلوب في نفسه والسجود في الصلاة مطلوب في نفسه والجمع بينهما مطلوب كالتسبيح والتهليل كل منهما مطلوب في نفسه والركوع في الصلاة مطلوب في نفسه والجمع بينهما مطلوب ومن الشرع ما يطلب منفردا، قراءة القرآن مطلوبة والركوع والسجود مطلوبان ومع ذلك فقد ورد النهي عن الجمع بينهما لقوله
стр. 232
﵇ «نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا» (١) عكس ما ورد في الدعاء مع السجود والتسبيح مع الركوع لقوله ﵇: «أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء» (٢) فعسى أن يستجاب لكم. انتهى (٣).
قمن وقمين وحر وحرى وجدير معناها كلها أولى.
قوله: (وتأمين فذ مطلقا، وإمام بسر ومأموم بسر أو جهر) أي وندب للفظ أن يؤمن بعد قراءة الفاتحة في الجهرية والسرية وإليه أشار بالإطلاق، وفي التأمين ثلاث لغات آمين بالمد أمين بلا مد آمن بلا ياء ومعناه اللهم استجب لنا وكذلك يندب التأمين للمأموم في السرية والجهرية وفي السرية لقراءة نفسه وفي الجهرية لقراءة إمامه (إن سمعه) اتفاقا وإن لم يسمعه فلا يؤمن تحريا (على الأظهر).
قوله: (وإسرارهم به) أي ومما يندب الإسرار بالتأمين إماما كان أو مأموما أو فذا.
قوله: (وقنوت سرا بصبح فقط) أي ومما يندب في صلاة الصبح فقط قراءة القنوت وهو «اللهم إنا نستعينك» (٤) أي نطلب منك العون في أمورنا دينية ودنيوية «ونستغفرك» أي نطلب منك الغفران من ذنوبنا «ونومن بك» أي نصدق بوجودك ووحدانيتك ونخنع لك أي نخضع لك ونتضرع إليك «ونخلع» أي نخلع عمن سواك ونترك من يكفرك أي من يكفر بك «اللهم إياك نعبد» أي لا نعبد إلا إياك «ولك نصلي ونسجد» أي لا نصلي إلا لك «وإليك نسعى» أي نعمل «ونحفد» أي إليك نسرع «نرجو رحمتك» التي وسعت كل شيء «ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق أي لا حق، لو قال الشيخ: وقنوت وسر به لكان أولى لأن السر فيه مندوب.
قوله: (وقبل الركوع ولفظه وهو:) أي وندب إيقاع القنوت قبل الركوع لفوائد
стр. 233
ثلاث الرفق للمسبوق ولتتصل القراءة بعضها ببعض ولئلا يبعد ما بين الركوع والسجود ويجوز فيه كل دعاء ولفظه الوارد عن النبي ﷺ : (اللهم إنا نستعينك إلى آخره).
ابن رشد ومن أدرك ركوع الثانية في الصبح لم يقنت في قضائه أدرك القنوت مع الإمام أم لا على القول إنما أدرك آخر صلاته، وعلى القول أنه أولها يقنت. انتهى (١).
قوله: (وتكبيره في الشروع) أي وندب للمصلي تكبيره عند الشروع في الأفعال كالركوع والسجود لأن الأركان عظام ومخها أذكار وليعمر أفعال الصلاة كلها بالذكر.
قال النووي: فيستحب أن يمد صوته بالتكبير ليعمر الركن كله بالذكر (٢).
قوله: (إلا في قيامه من اثنتين فاستقلاله) أي فإنه إنما يكبر بعد أن يستقل قائما لأنه للشعور بالشروع إلى ركن من آخر وقيل لئلا يتابع تكبيرتين في فور، والمأموم لا يقوم حتى يستقل الإمام قائما من الجلوس الأول.
قوله: (والجلوس كله بإفضاء اليسرى للأرض واليمنى عليها، وإبهامها للأرض ووضع يديه على ركبتيه بركوعه ووضعهما حذو أذنيه، أو قربهما بسجود) أي ويندب للمصلي أن يكون جلوسه من فرض وغيره بإفضاء الرجل اليسرى إلى الأرض ورجله اليمنى عليها وإبهامها إلى الأرض، وكذلك يندب له في جلوسه ذلك وضع يديه على ركبتيه ووضعهما في سجوده حذو أذنيه أو قربهما، ولا يشترط أن يكون على الراحة والأصابع بل أحدهما كاف ولا يكفي على ظاهر الكف ويندب له أن لا يبسط ذراعيه إذا سجد كبسط السبع بل يدعم على راحتيه.
قال مالك: إلا فيما طال من السجود من النوافل. قاله اللخمي (٣).
قال صاحب حلية الأولياء (٤): قال رسول الله ﷺ : «لا تبسط ذراعيك إذا
стр. 234
سجدت وادعم على راحتيك وتجاف عن ضبعيك فإنك إذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك» (١). انتهى (٢).
وإن اعتمد على يديه يخف اعتماده على وجهه فيسلم من إذاية الأرض.
قوله: (ومجافاة رجل فيه بطنه فخذيه ومرفقيه وركبتيه) أي وندب له مباعدة بطنه فخذيه إذا كان ذكرا وأما المرأة فتكون منضمة منزوية، وكذلك يندب له مباعدة مرفقيه من ركبتيه وجنبيه ويفرج ما بين الركبتين لأنه إذا فعل ذلك كان اعتماده على يديه.
قوله: (والرداء) أي وندب للمصلي أن يكون الرداء على مكتبيه فيها، كذلك يندب له (وسدل يديه) فيها أي إرسالهما في قيام فرض (وهل يجوز القبض) لليدين (في النفل) بلا كراهة أو يكره (أو) إنما يجوز (إن طول؟) النفل وإلا فلا، والقبض هو وضع اليد اليمنى على اليسرى إذا كان قائما فيه تأويلان.
قوله: (وهل كراهته في الفرض للاعتماد، أو خيفة اعتقاد وجوبه، أو إظهار خشوع؟ تأويلان أي وهل كراهة القبض في الفرض لأجل الاعتماد وأما إن فعله للسنية فلا يكره أو الكراهة خيفة اعتقاد وجوبه وليس بواجب أو الكراهة لأجل إظهار خشوع وليس في قلبه خشوع تأويلان.
وفي الحديث: «أعوذ بالله من خشوع النفاق» (٣) وهو الخشوع الذي ليس في القلب في ذلك ثلاث تأويلات.
الخشوع: هو (تذلل القلوب لعلام الغيوب) (٤)، وقيل تذلل الأعضاء المتركب من تذلل القلوب. انتهى.
ورأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلا طأطأ رقبته تخشعا فقال له: يا هذا ارفع
стр. 235
رقبتك الخشوع ها هنا فأشار إلى قلبه لا هاهنا فأشار إلى رقبته.
قوله: (وتقديم يديه في سجوده) أي وندب له إذا هوى للجسود تقديم يديه إلى الأرض (وتأخيرهما عند القيام) منه لأن غير ذلك لا يقدر عليه إلا الشاب القوي فخيره مالك مرة وقال يفعل ما هو الأرفق به وقال مرة يعتمد عليهما لأنه أقرب إلى السكينة.
قال الثوري (١): لا يعتمد إلا أن يكون شيخا (٢).
قوله: (وعقده يمناه في تشهديه الثلاث، ماذا السبابة والإبهام وتحريكها دائما) أي وندب له عقد أصابعه الثلاث من يده اليمنى الخنصر والبنصر والوسطى في تشهده في حال كونه مادا السبابة والإبهام ملتصقين وحرف السبابة لوجهه، وندب له تحريك السبابة والإبهام دائما أي من أول تشهده إلى آخره، وهل إذا عدمت اليمنى صارت اليسرى كذلك قاله بعضهم أو تبقى على حالها وهو ظاهر الرسالة.
قال القلشاني: إنما اختصت السبابة بالإشارة بها دون غيرها لأن عروقها متصلة بنياط القلب فإذا تحركت انزعج القلب فتنبه لذلك. انتهى (٣).
وقيل: يشير بها تقريرا على نفسه، وقيل: يشير بها عند الوحدانية، وقيل: ينصبها من غير تحريك مشيرا إلى الوحدانية، وقيل: للتذكر أنه في صلاة، وقيل أنه صفة المتذلل الخاضع، وقيل: الإشارة إلى التوحيد.
قوله: (وتيامن بالسلام) أي وندب للمصلي التيامن بسلامه منها كان إماما أو مأموما أو فذا في السلام المفروض بحيث يرى صفحة وجهه بعد أن يشير به إلى قبالته.
قوله: (ودعاء بتشهد ثان) المراد بتشهد ثان تشهد السلام وإن لم يكن ثانيا إنما
стр. 236
قال ذلك لأنه الغالب أي وندب له في تشهد السلام أن يدعو فيه لمصالحه وللمسلمين.
قال في العتبية: ومن لم يتشهد حتى سلم الإمام فليتشهد ولا يدعو ثم يسلم (١).
قوله: (وهل لفظ التشهد والصلاة على النبي ﷺ سنة، أو فضيلة؟ خلاف) أي وهل لفظ التشهد الوارد بعينه الذي كان عمر بن الخطاب ﵁ يعلمه للناس على المنبر، وهل الصلاة على نبيه أي على نبي المصلي سنة أو فضيلة خلاف في كل من الفرعين، أبو محمد: سنة. ابن الجلاب: فضيلة.
وقيل: الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة فرض. انتهى.
التحيات جمع تحية، والتحية السلام لقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [النساء: ٨٦] والتحية الملك والتحية أيضا البقاء.
قال في فتح الجليل: والحكمة في أن الله تعالى أمرنا أن نصلي عليه ونحن نقول: اللهم صل على محمد فنسأل الله أن يصلي عليه ولا نصلي عليه بأنفسنا لأنه ﷺ طاهر لا عيب فيه ولا نقص وفينا العيب والنقص فكيف يثني ذو العيب على طاهر فسألنا الله أن يصلي عليه لتكون الصلاة من رب العالمين طاهر على نبي طاهر. انتهى (٢).
(وإنما خص إبراهيم ﷺ من بين سائر الأنبياء بذكر آله لوجهين أحدهما أن النبي ﷺ رأى ليلة المعراج جميع الأنبياء وسلم عليه كل نبي ولم يسلم أحد منهم على أمته غير إبراهيم ﷺ فأمرنا النبي ﷺ أن نصلي عليه في آخر كل صلاة إلى يوم القيامة مجازاة على إحسانه، والثاني أن إبراهيم ﷺ لما فرغ من بناء الكعبة جلس مع أهله فبكى ودعى فقال: اللهم من حج هذا البيت من شيوخ أمة محمد فهبه مني السلام، فقال أهل بيته: آمين.
ثم قال إسحاق ﷺ : اللهم من حجه من كهول أمة محمد ﷺ فهبه مني السلام فقالوا: آمين.
فقال إسماعيل: اللهم من حج هذا البيت من شباب أمة محمد فهبه مني السلام فقالوا: آمين. وقالت سارة مثل ذلك لنساء أمة محمد، فلما سبق منهم السلام أمرنا
стр. 237
بذكرهم في الصلاة مجازاة لهم على حسن صنيعهم) (١)، ومحله التشهد الأخير.
عن أبي بكر الصديق: الصلاة على النبي ﷺ أمحق للذنوب من الماء البارد للنار (٢).
قوله: (ولا بسملة فيها) أي في التشهد، وتكره الصلاة على النبي ﷺ في سبعة مواضع عند الذبح وعند العطاس وعند الجماع وعند العثرة وعند التعجب وعند البيع وعند قضاء الحاجة.
قوله: (وجازت كتعوذ بنفل، وكرها بفرض) أي البسملة كما يجوز التعوذ في صلاة نفل وكرها في فرض.
قال سند: لم يختلف في أنها لا تفسد الفريضة وله أن يتعوذ ويبسمل في النفل، هل ذلك في غير الفاتحة؟ وهو رواية ابن القاسم في العتبية، أو في الفاتحة وغيرها وهو حكاية الباجي من العراقيين وهل يجهر بها؟ أم لا، وهل يقولها في كل ركعة، أو في الركعة الأولى خاصة، ولفظها عند مالك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قوله: (كدعاء قبل قراءة، وبعد فاتحة وأثناءها، وأثناء سورة وركوع، وقبل تشهد، وبعد سلام إمام وتشهد أول) عد الشيخ تكلله ثمانية مواضع التي يكره فيه الدعاء في الصلاة:
الأولى: الدعاء قبل القراءة لأن الاشتغال بالفريضة أولى.
الثاني: دعاء بعد قراءة الفاتحة وقبل قراءة السورة.
الثالثة: الدعاء في أثناء الفاتحة.
الرابع: الدعاء في أثناء السورة.
الخامس: الدعاء في الركوع.
السادس: الدعاء قبل التشهد الثاني.
السابع: بعد سلام الإمام وقبل سلام الماموم.
الثامن: الدعاء في التشهد الأول.
ولذلك طلب بتقصيره والمكروه لا ينبغي فعله لأن في فعله ترك الأجر، وينبغي للمؤمن أن يكون في دينه نهابا لما فيه الأجر كما قال بضعهم: الليل والنهار يمضيان
стр. 238
فيك فانهب فيهما بالأعمال.
قوله: (لا بين سجدتيه) أي لا يكره الدعاء بين سجدتيه ولا قبل ركوع ولا بعده.
قوله: (ودعا بما أحب - وإن لدنيا - وسمى من أحب ولو قال: يا فلان فعل الله بك كذا) أي ودعى المصلي حيث لا يكره له بما أحب من أمور الدنيا والآخرة واستحسن له تكرار رب اغفرلي.
قال سند قال مالك: إلا أنه يستحب له التأدب فلا يقول: اللهم أرزقني وهو كثير الدراهم، وليدع بما يدعوا به الصالحون، ويجووز له أن يسمي في دعائه من أحب الدعاء له بالخير أو عليه بالشر ولو قال يا فلان فعل الله بك كذا من خير أو شر حاضرا أو غائبا (لم تبطل) صلاته سواء قدم النداء على الدعاء أم لا على المشهور. انتهى.
فائدة: عياض: الدنيا إسم لهذه الحياة، وسميت دنيا لدنوها لأهلها وبعدها عن الآخرة، وقيل: اسم لما على الأرض، وقيل: اسم للجواهر والأغراض.
قوله: (وكره سجود على ثوب) أي وكره للمصلي أن يسجد على ثوب قطنا كان أو صوفا لأنه ليس من طبع الأرض فإن قلت: لم كرر كره هنا ولم يعطف بالواو قلت لئلا يتوهم أنه معطوف على الجائزات بغير كراهة.
قوله: (لا حصير) أي لا يكره السجود على الحصير (و) لكن (تركه أحسن) لقوله ﵇: «يا رباح (١) عفر وجهك بالأرض (٢)».
قوله: (ورفع موم ما يسجد عليه وسجود على كور، عمامته أو طرف كم ونقل حصباء من
стр. 239
ظل له) أي وكره لمن فرضه الإيماء أن يرفع إلى جبهته ما يسجد عليه وهذا إذا أدى ما عليه من الإيماء وإلا بطلت صلاته، وكذلك يكره له السجود على كور عمامته. الكور يطلق على الزيادة ومنه (أعوذ بالله من الجور بعد الكور) (١) أي من النقصان بعد الزيادة، وكذلك يكره له السجود على طرف كمه. الكم بضم الكاف، وكذلك يكره له نقل حصباء من ظل لأجل السجود عليه في مسجد لأن ذلك يؤذي المارين والمصلين.
وقوله: (بمسجد) شرط ولكن ليس في المدونة.
قوله: (وقراءة بركوع أو سجود) لقوله ﷺ : «نهيت أن أقرأ راكعا أوساجدا أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء» (٢).
قال القرافي: فاعلم أن المطلوبين في الشريعة قد يكون الجمع بينهما غير مطلوب وربما كان منهيا عنه (٣).
قوله: (ودعاء خاص، أو بعجمية لقادر) أي ويكره له دعاء مخصوص في الصلاة بل يدعو بما شاء، ويستحب له أن يدعو بما يدعو به الصالحون، وكذلك يكره له دعاء بلفظ عجمي إذا كان قادرا على العربية وإن لم يقدر على العربية فلا كراهة، سئل فيه الإمام مالك ﵁ فقال: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قوله: (والتفات بلا حاجة) أي ويكره الإلتفات في الصلاة فإن فعل فلا تبطل صلاته ما لم يستدبر قبلة قال ﷺ : «الالتفات في الصلاة هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» (٤) «فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه العبد
стр. 240
في الصلاة ما لم يلتفت (١) «ما التفت عبد قط إلا قال الله تعالى أنا خير مما التفت إليه» «أما يخاف الوجه الذي يفعل هذا أن يحول الله وجهه وجه حمار» (٢). انتهى.
قوله: (وتشبيك أصابع وفرقعتها) أي وكره في الصلاة لا في غيرها تشبيك الأصابع بعضها ببعض، وكذلك يكره فرقعة الأصابع في الصلاة.
قوله: (وإفعاء) أي وكره الإقعاء في الصلاة وهو أن يجلس على صدور قدميه ماسا بعقبيه إليتيه.
قال صاحب إكمال الإكمال: قال أبو عبيد (٣): هو أن يلصق إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه بالأرض كفعل الكلب.
وفسره الفقهاء بأن يضع إليتيه على عقبيه بين السجدتين.
وقال النضر (٤): هو أن يجلس على وركيه وهو الاحتفاز والإستيفاز.
وحكى الثعالبي عن الأئمة في كيفية الجلوس: أقعى إذا ألصق أليتيه بعقبيه واستوفز واحتفز واقعنفز وجلس القعفزى إذا جلس كأنه يريد أن ينهض. وقرطش إذا ألصق إليته بالأرض وتوسد ساقيه. انتهى (٥).
قوله: (وتخصر) أي ومما يكره في الصلاة التخصر هو أن يجعل يده على خاصرته لأنه راحة اليهود وهم أهل النار وقيل لأنه فعل أهل الكبر والصلاة موضع تذلل وخضوع، كذلك يكره (تعميض بصره) في الصلاة إلا لكحضور قلب أو لعذر، ولا يرفع بصره إلى السماء وهو في الصلاة لقوله ﵇: «ما بال أقوام يرفعون
стр. 241
أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ثم قال: «لينتهين عن ذلك أو ليخطفن أبصارهم» (١) أخرجه البخاري (٢) و مسلم (٣).
قوله: (ورفعه رجلا ووضع قدم على أخرى، وإقرانهما) أي ومما يكره في الصلاة رفع رجل كما تفعله الدابة، وكذلك يكره له فيها وضع إحدى قدميه على الأخرى، وكذلك يكره له إقران قدميه كالمقيد.
قوله: (وتفكر بدنيوي) أي ويكره للمصلي التفكر في أمر دنيوي إذا لم يذهله ذلك عنها لأن المصلي يناجي ربه «إن في الصلاة شغلا» (٤) يعني عن غيرها. فوظيفة المصلي الإقبال عليها وتدبر ما يقول والإعراض عن غيره (٥). ومفهوم قوله: بدنيوي أن الأخروي ليس بمكروه والمفهوم صحيح.
قوله: (وحمل شيء بكم، أو فم) أي ومما يكره في الصلاة حمل شيء في كمه أو فمه ما لم يشغله ما في الكم أو يمنعه ما في الفم من القراءة وإلا فممنوع.
قوله: (وتزويق قبلة) أي ويكره تزويق قبلة المصلين أو الكتابة فيه لأن ذلك مما يشغل.
قوله: (وتعمد مصحف فيه ليصلي له) أي وكره للمصلي تعمد وضع مصحف في قبلة مصلاه ليصلي إليه تبركا لأن ذلك يشبه الصنم وأما إذا كان ذلك الموضع موضعه فلا بأس به.
قوله: (وعبث بلحية) أي ومما يكره للمصلي العبث بلحيته (أو غيرها).
стр. 242
وقيل: لا بأس أن يحول خاتمه في أصابعه لعدد الركعات خوف السهو. انتهى من اللخمي (١).
قوله: (كبناء مسجد غير مربع، وفي كره الصلاة به قولان) تشبيه في الكراهة أي كما يكره بناء مسجد بناء غير مربع لأنه لا يمكن فيه تسوية الصفوف، وكذلك يكره المربع غير المستقبل فإن وقع ونزل بنيت كذلك ففي كره الصلاة فيه وعدم كراهته قولان. كرر الشيخ الكاف في كبناء مسجد ولم يعطفه بالواو لئلا يتوهم أنه معطوف على عبث بلحيته. انتهى.
وسئل أبو حازم (٢) ﵁ كيف تصلي؟ قال: إذا قرب وقت الصلاة اسبغت الوضوء بتمام فروضه وسننه ثم استقبل القبلة وأمثل البيت الحرام بين حاجبي والجنة عن يميني والنار عن شمالي، والصراط تحت قدمي والله مطلع علي وأظن أن صلاتي تلك لا أصلي بعدها وأكبر بتعظيم وأقرء بتفكر وأركع بتذلل وأسجد بتواضع وأسلم على التمام وأقوم على الرجل لا أدري تقبل مني أو يضرب بها وجهي قال له السائل: منذ كم تصلي هذه الصلاة قال: منذ أربعين سنة. قال: وددت لو صليت في عمري كله صلاة واحدة مثل هذه الصلاة فأكون من الفائزين. انتهى من حلية الأولياء (٣).
قال رباح بن أحمد الهروي (٤) في حلية الأولياء: مر عاصم بن يوسف (٥) بحاتم الأصم (٦) وهو يتكلم في مجلسه. فقال: يا حاتم تحسن تصلي قال: نعم. قال: كيف. قال حاتم: أقوم بالأمر وأمشي بالخشية وأدخل بالنية وأكبر بالعظمة وأقرأ بالترتيل والتفكر وأركع بالخشوع وأسجد بالتواضع وأجلس للتشهد بالتمام وأسلم بالسبيل والسنة وأسلمها بالإخلاص إلى الله وأرجع على نفسي بالخوف أخاف أن لا
стр. 243
يقبل مني وأحفظه بالجهد إلى الموت قال: تكلم فأنت تحسن تصلي. انتهى (١).
ولا ينبغي أن يصلي وهو ناعس لقوله ﷺ : «إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر الله فيسب نفسه» (٢)، وفي هذا الحديث دليل على أن العبد يثاب ويعاقب بالنطق من غير نية، كما استجاب الله دعاء إسحاق ونيته كانت ليعصوا على جميعهم السلام. انتهى من البرزلي.
فصل [في القيام وبدله ومراتبهما]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه صلاة المريض ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب وينبغي للعبد أن يحفظ هذا الفصل إذ لا معصوم من المرض.
قوله: يجب بفرض قيام إلا لمشقة، أو لخوفه به فيها، أو قبل ضررا كالتيمم أي يجب في صلاة فرض وقتي أو فائت قيام إلا لأجل مشقة تخل بخشوعه فيسقط عنه القيام بذلك فإن تكلف القيام أجزأه وكذلك يسقط عنه القيام فيها لأجل خوفه به أي بالقيام فيها أي في الصلاة او قبل دخوله فيها ضررا كما تقدم في التيمم من خوف مرض أو زيادة.
قوله: (إلا لمشقة) قال تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ [النور: ٦١] الثعالبي (٣): ظاهر الآية وأمر الشريعة أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر وتقتضي نيتهم الإتيان به بالأكمل ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص فالحرج عنهم مرفوع. انتهى من الجواهر الحسان (٤).
стр. 244
قوله: (كخروج ريح) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يسقط عنه القيام في الصلاة لخوف خروج ريح منه بسبب القيام فيها فإذا جلس اتمها متوضئا.
وقوله: كخروج ريح، يحتمل أن يكون تمثيلا للمشقة، ويحتمل أن يكون تمثيلا للضرر، والأصح أنه تشبيه لإفادة الحكم.
قوله: (ثم استناد. لا لجنب وحائض) أي فإن سقط عنه القيام مستقلا فإنه يستند قائما لشيء طاهر غير جنب ذكرا أو أنثى أو حائض أو نفساء لغلبة نجاسة ثيابهما أو جسدهما فلو طهرا فلا بأس باستناد هما.
قال القاضي: لا يجوز لإعانتهما في الصلاة فلزم غير المتوضئ (١).
قال اللخمي: لأنهما كنجس لمنعهما المسجد. انتهى من ابن عرفة (٢).
قوله: (ولهما أعاد في الوقت) أي فإن وقع ونزل واستند إليهما أعاد تلك الصلاة في الوقت الضروري.
قوله: (ثم جلوس كذلك) أي فإن لم يقدر على القيام مستندا فإنه يجلس مستقلا، فإن لم يقدر على الجلوس مستقلا استند جالسا، الصور أربع: مستقل قائم، قائم مستند، جالس مستقل، جالس مستند، فإن ترك الأعلى مع القدرة بطلت صلاته.
قوله: (وتربع كالمتنفل، وغير جلسته بين سجدتيه) أي فإن ساغ له الجلوس في صلاة فرض جلس تربعا استحبابا كما يفعله المتنفل جالسا لان التربع أقرب إلى القيام، وقيل يجلس كالمتشهد لأنه جلوس الادنى بين يدي الأعلى فإن تربع في جلوسه غير جلسته بين سجدتيه وفي التشهد ندبا وكيف ما جلس أجزأه.
قوله: (ولو سقط قادر بزوال عماد بطلت) أي ولو سقط قادر على القيام أو الجلوس مستقلا واستند استنادا يسقط بزوال عماد المستند إليه بطلت صلاته لإخلاله بالركن.
قوله: (وإلا كره) أي وإن لم يسقط بزواله صحت صلاته وفعل مكروها.
قوله: (ثم ندب على أيمن، ثم أيسر ثم ظهر) أي فإن سقط عنه الجلوس مستندا
=
стр. 245
بالعجز عنه فاضطجع ليصلي ندب له أن يضجعه على جنبه الأيمن كما في القبر إن أمكن له ذلك بلا مشقة ولا خوف ضرر فإن لم يمكن له ذلك ندب له أن يصلي مضطجعا على جنبه الأيسر فإن لم يكن له ذلك فعلى ظهره مستلقيا ورجلاه إلى القبلة وقيل إن لم يقدر على جنبه الأيمن فإنه يصلي مستلقيا على ظهره ثم على جنبه الأيسر.
قوله: (وأوما عاجز إلا عن القيام) أي والعاجز عن كل ركن فعلي إلا عن القيام فقط فإنه يومئ للركوع في قيامه، ويومئ للسجود في قيامه أخفض من إيمائه بالركوع.
قوله: (ومع الجلوس أوما للسجود منه) أي وإن قدر على القيام مع الجلوس ولم يقدر على الركوع والسجود فإنه يومئ للسجود من الجلوس لأن كلا من الركنين أقرب إلى ما الإيماء منه من غير، غفل الشارح هنا ﴿تعللته﴾ غفلة عظيمة ظاهرة وكم أجاد وبين.
كفى المرأ نبلا أن تعد معايبه
قوله: (وهل يجب فيه الوسع) أي وهل يجب على من فرضه الإيماء الطاقة في إيمائه فيفعل غاية مقدوره التي منه بداية المعجوز عنه أولا يجب عليه بل يكفيه مطلق الإيماء فيه تأويلان.
قوله: (ويجزئ إن سجد على أنفه؟) أي وهل يجزئ ذو كجرح في جبهته إن سجد على أنفه لأنه فعل الإيماء وزاد أو لا يجزئ أي فرضه الإيماء فيه (تأويلان) أيضا.
قوله: (وهل يومئ بيديه أو يضعهما على الأرض وهو المختار) أي وهل يومئ من فرضه الإيماء بيديه حين يومئ لسجوده وهو قول ابن نافع، أولا يومئ بهما بل يضعهما على الأرض وهو المختار للخمي فيه تأويلان. انتهى.
ومن الورع الخروج من الخلاف.
قوله: (كحسر عمامته بسجود؟ تأويلان) تشبيه أي كما يحسر عمامته عن جبهته حين إيمائه لسجوده بلا خلاف، أتى به دليلا على ما اختاره اللخمي انتهى.
قوله: (وإن قدر على الكل، وإن سجد لا ينهض أتم ركعة، ثم جلس) أي وإن قدر المصلي على الأركان كلها ولكن إن سجد لا يقدر على النهوض بباقي الركعات أتم ركعة كاملة، ثم يجلس فيتم ما بقي من صلاته لأن المطلوب من المكلف تحصيل
стр. 246
ما كلف به أولا إلى أن ينتهي ما كلف به أو يعجز عنه فيسقط ما عجز عنه، وقيل يصلي الثلاث الأولى ويركع فيها ويومئ بسجودها ويصلي الرابعة يركع فيها ويسجد، والذي راعى هذا القول أنه إذا دار الأمر بين تصحيح الركوع والسجود فالركوع أولى لأن من أدرك الركوع فقد أدرك السجدة، ومن فاته الركوع فاته السجود والأول أظهر.
قوله: (وإن خف معذور انتقل للأعلى) أي وإن وجد معذور في صلاته خفة في نفسه بزوال عذره انتقل عن ما كان معذورا فيه للأعلى الذي هو الأصل، فإن خف وهو مضطجع، انتقل إلى الجلوس مستندا، وإن خف المستند انتقل للجلوس مستقلا، فإن خف انتقل إلى القيام مستندا، فإن خف فيه انتقل إلى القيام مستقلا، وإن خالف ما أمر به بطلت صلاته، وكذلك إذا عجز في أثناء صلاته فإنه ينتقل إلى الأدنى، وقيل يستأنف الصلاة.
قوله: (وإن عجز عن فاتحة قائما جلس) أي وإن عجز المريض عن قراءة الفاتحة قائما فإنه يجلس فيقرؤها، وأما إن عجز عن سورة فإنه يتركها ويركع، كمن عنده ماء لا يكفيه لفرائض وضوئه وسننه، فإنه يترك السنن ويستعمله في الفرائض.
قوله: (وإن لم يقدر إلا على نية، أو مع إيماء بطرف فقال وغيره: لا نص، ومقتضى المذهب الوجوب) أي وإن لم يقدر المريض إلا على نية الصلاة أو على النية مع الإيماء بطرف، فقال المازري وغيره وهو ابن بشير: لا نص فيه في المذهب، ومقتضى المذهب الوجوب (١).
قال صاحب فتح الجليل: لابد في قول الشيخ من تقديم وتأخير تقديره وإن لم يقدر إلا على نية قال ابن بشير: لا نص في المذهب، وإن لم يقدر إلا على نية مع إيماء بطرفه، فقال المازري: لا نص فيه ومقتضى المذهب الوجوب (٢)، وبهذا التقدير يوافق النقول، واعترض قوله: لا نص، لقول ابن الجلاب ولا تسقط عنه الصلاة ومعه شيء من عقله (٣).
стр. 247
وقال في الرسالة: ولا يؤخر الصلاة إذا كان في عقله (١)، ظاهره وإن لم يقدر إلا على نية، وهذه النصوص فقهية، ومذهب أبي حنيفة السقوط لأن النية إنما هي للتمييز وليس هنا، ومذهب الشافعية الوجوب.
قوله: (وجاز قدح عين أذى لجلوس لا استلقاء، فيعيد أبدا، وصحح عذره أيضا) القدح هو استخراج الماء من العين يجوز إذا كان إنما يؤدي إلى الجلوس في الصلاة ولا يجوز إذا أدى إلى الاستلقاء في الصلاة فنسيان فعله أدى إلى الإستلقاء فإنه يعيد ما صلى مستلقيا أبدا عند ابن القاسم وصحح أشهب عذره، لما اختار الشيخ قول ابن القاسم قدمه عن قول أشهب ولو استويا عنده لقال: قولان أو خلاف، وهذا الخلاف فيما إذا كان قدح العين لأجل طلب الرأية إذا عمي، وأما إذا قدح لأجل الصداع فلا خلاف في جوازه وإن أدى إلى الإستلقاء، لما جاز له التعرض للتيمم بالأسفار بسبب الأرباح فيها والإنتقال من غسل إلى المسح في القصد فيها بهاهنا أولا.
قوله: (ولمريض ستر نجس بطاهر ليصلي عليه كالصحيح على الأرجح) أي وجاز لمريض ستر شيء نجس بشيء طاهر كثيف ليصلى عليه كما يجوز للصحيح أن يفعل ذلك على ما رجحه ابن يونس لو عكس الشيخ فيقول: وجاز للصحيح ستر نجس بطاهر كما يجوز للمريض إذ المريض لا ولمريض ستر نجس بطاهر ليصلي عليه كالصحيح على الأرجح خلاف في جواز ذلك له والخلاف الذي في الصحيح فيما غير الارض من الفراشات وأما الأرض فلا فرق بين الصحيح والمريض، الفرق أن الفراش يتحرك والأرض لا تتحكر.
قوله: (ولمتنفل جلوس ولو في أثنائها إن لم يدخل على الإثمام) أي وجاز لمتنفل جلوس في الصلاة بلا عذر ولو دخل بنية أن يصلي قائما ولو في أثنائها قاله ابن القاسم خلافا لأشهب وهو المشار إليه بلو، ابن القاسم يجوز له الجلوس في أثنائها إن لم يدخل على الإتمام قائما ملتزما له.
قوله: (لا اضطجاع، وإن أولا) أي ولا يجوز التنفل في حال الاضطجاع وإن دخل فيه مضطجعا ظاهره وإن كان مريضا وقيل يجوز ذلك للمريض وقيل يجوز حتى للصحيح ثلاثة أقوال.
стр. 248
فصل [في قضاء الفائتة مطلقا]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه قضاء الفوائت، ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (وجب قضاء فائتة مطلقا) أي ووجب على كل مكلف مسلم ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا قضاء كل صلاة فائتة مطلقا على الفور، سواء تركها عمدا أو سهوا كثيرة كانت أو يسيرة، وفي كل وقت من ليل أو نهار كما توجه عليه الخطاب بها حين الأداء من جهر أو سر أو إتمام أو قصر على قدر طاقته فلا يؤخرها، فإن لم يقدر على الإتيان بجميعها في فور أتى بما يقدر عليه ثم كذلك حتى يستوفي جميعها، ولا يتنفل بقيام رمضان ولا غيره إلا ركعتي الفجر والشفع والوتر واختلف الشيوخ في القضاء هل هو بالأمر الأول أو بأمر جديد ويجب القضاء على المستحاضة تركت الصلاة تظنه كالحيض جهلا، وكذلك من اسلم بدار الحرب فلم يصل حتى خرج منه فإنه يجب عليه قضاء كل صلاة بعد إسلامه إذ لا يعذر بالجهل، لأن كل جهل يمكن للمكلف رفعه، فلا يعذر به.
قال في إكمال الإكمال: قال ابن عبد الحكم: لا قضاء عليه، وأما المستحاضة فذكر ابن رشد فيها ثلاثة أقوال لا يفرق في الثالث بين أن تقل فتقضي أولا فلا. انتهى (١).
فائدة: قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق: العبادات على ثلاثة أقسام منها ما يوصف بالأداء والقضاء كالصلوات الخمس ورمضان، ومنها ما لا يوصف بهما كالنوافل إلا إذا شرع فيها وأبطلها ومنها ما يوصف بالأداء فقط كصلاة الجمعة. انتهى (٢).
وقال: القضاء في اصطلاح جملة الشريعة لفظ مشترك يطلق على ثلاثة معان: أحدها إيقاع الواجب خارج وقته المحدود له شرعا، وثانيها إيقاع الواجب بعد تعيينه بالشروع ومنه حجة القضاء، ومنه قضاء النوافل إذا شرع فيها، وثالثها ما وقع على خلاف وضعه في الشريعة، مع قطع النظر عن الوقت والتعيين بالشروع، ومنه قضاء
стр. 249
المأموم لأن الركعتين الأخيرتين من العشاء يجهر فيهما فهو خلاف الوضع الشرعي تقديما؛ لأن الوضع الشرعي تقديم الجهر على السر، فتأخره خلاف الوضع. انتهى (١).
قوله: (ومع ذكر ترتيب حاضرتين شرطا) أي وجب مع الذكر ترتيب صلاتين حاضرتين في حال كونه وجوبا شرطا، فلو خالف فقدم العصر مثلا على الظهر أعاد العصر لبطلانها إن تعمد ذلك أو جهله، ولو بدأ بالعصر قبل الظهر سهوا أعاد ما دام الوقت فقط. انتهى.
قوله: (والفوائت) أي وجب ترتيب الفوائت (في أنفسها) يقدم الأولى فالأولى ولكن ليس بواجب شرطا فمن فاته صبح يومه وعليه فوائت كثيرة أو يسيرة فلا يقضى الصبح حتى يصلي جميع ما عليه من الفوائت ولم يذكر الشيخ هنا شرطا فلذلك لا يعيد إن خالف عمدا لأن وقتها خرج بنفس السلام منها.
قوله: (ويسيرها مع حاضرة) أي ويجب ترتيب يسير الفوائت مع الحاضرة (وإن خرج وقتها) كان يسير الفوائت يسيرة أصلا، أو بقيت من فوائت كثيرة وهذا هو المشهور.
ولو قال الشيخ: ولو خرج وقتها، ليشير إلى قول ابن وهب، لكان أحسن.
قوله: (وهل أربع، أو خمس؟ خلاف. فإن خالف ولو عمدا أعاد بوقت الضرورة، وفي إعادة مأمومه خلاف) أي وهل هذه اليسيرة المذكورة أربع وهو ظاهر كلام أبي محمد أو هي خمس.
قال المازري: هو مهشور مذهب مالك.
ابن الجلاب والترتيب في الصلوات الفوائت إذا ذكرها مستحق في خمس صلوات فما دونهن وغير مستحق في ست صلوات فما فوقهن. انتهى (٢).
وعلى المشهور فإن قدم الحاضرة على يسير الفوائت، ولو فعل ذلك عمدا أعاد الحاضرة في وقت الضروري، ويعيد الجمعة ظهرا، والضروري في الظهرين إلي
стр. 250
الغروب، وفي العشائين إلى الفجر، وفي إعادة مأمومه وعدم إعادته خلاف، قيل: يعيد بناء على أن كل خلل في صلاة الإمام خلل في صلاة مأمومه، وقيل: لا يعيد لأن ذلك إنما هو للخلل في نفسها وليس ذلك هنا.
قوله: ﴿وإن ذكر اليسير في صلاة ولو جمعة قطع فة، وشفع إن ركع، وإمام ومأمومه لا مؤتم، فيعيد في الوقت ولوجمعة﴾ أي وإن ذكر صلوات يسيرة في أثناء الصلاة ولو صلاة جمعة، قطع فذ وجوبا.
وقيل: مستحب، وشفع إن عقد ركعة، فإن كان إماما قطع هو ومأمومه شفع أم لا، ويقطع المأموم بناء على أن صلاته مرتبطة بصلاة إمامه، وهذه إحدى المسائل التي يقطع فيها الإمام ومأمومه.
الثانية: النية والشك فيها.
الثالثة: تكبيرة الإحرام والشك فيها.
الرابعة: ذاكر الوتر وهو في صلاة الصبح على القول وفرق بينه وبين ذكر الإمام أنه محدث أنه يستخلف بفروق أحدها صحتها هنا على قول، فصار كالمختار في قطعها، بخلاف ذاكر الحدث لفساد صلاته إجماعا. انتهى من ابن ناجي (١).
قوله: قطع ولمالك قول باستحباب القطع.
قوله: لا مؤتم أي فإن كان الذاكر في أثناء الصلاة يسير الفوائت ماموما فإنه لا يقطع لحرمة الإمام إذ هو من مساجين الإمام فلا يقطع ولو كان ذلك في صلاة جمعة بناء على أن الجمعة له بدل من الظهر، وأما على القول بأنه فرض يومه فلا يقطع.
قال أشهب: إن خاف فوات الجمعة تمادى مع إمامه ولا يعيد ظهرا، فإن لم يذكرها حتى سلم من صلاة الجمعة، فأكثر الروايات يعيد في الوقت بناء على أنه بدل من الظهر، ورجع إليه ابن القاسم بعد أن قال بعدم الإعادة أصلا. انتهى من ابن الحاجب (٢).
قوله: ﴿وكمل فة بعد شفع من المغرب كثلاث من غيرها﴾ أي وإن ذكر اليسير في صلاة المغرب وهو فذ بعد أن صلى ركعتين كملهما أو ذكرها بعد ركعة في الثانئية فإنه