ابن عبد السلام: وهو الأظهر إن كانت سرا لأن المخالفة إنما تقع في ترك قراءة السورة التي مع أم القرآن في الأوليين، وليس ذلك بمبطل على ظاهر المذهب، وإن كانت صلاته جهرا جرى ذلك على الخلاف فيمن ترك الجهر متعمدا أو جاهلا، وينضم له هنا ترك القراءة، وقال ابن حبيب: تبطل مطلقا. انتهى.
وأما ابن الحاجب وابن عبد السلام وابن عرفة والشيخ في توضيحه فرضوا المسألة فيما إذا جاء المستخلف بعد حصول العذر وفرضه الشيخ فيمن لم يحصل له ما يعتد به وإن جاء قبل العذر لأنه رأى أنه من باب لا فرق.
قوله: (وإلا فلا) أي وإن لم يبن في الأولى ولا في الثالثة بل بنى في الثانية أو الرابعة فلا تصح صلاته لجلوسه في غير محل الجلوس.
قوله: (كعود الإمام لإثمامها. وإن جاء بعد العذر فكأجنبي تشبيه أي كما لا تصح إذا أعاد الإمام بعد أن زال عذره وأتم لهم صلاتهم، ويحتمل أن يكون تشبيها للصحة وهو قول ابن القاسم وأشهب والأول قول ابن كنانة، فإن كان المستخلف إنما جاء بعد حصول العذر، فإنه كالأجنبي لا يصح استخلافه اتفاقا، الفرق بين من جاء قبل العذر ولم يحصل له ما يعتد به، وبين من جاء بعد العذر، أن من جاء بعد العذر لا يصح استخلافه اتفاقا بخلاف من جاء قبل العذر ولكن لم يحصل له ما يعتد به، فإن فيه الخلاف.
قوله: (وجلس لسلامه المسبوق) أي وإن استخلف المسبوق وكان من المأمومين مسبوقا فإن هذا المسبوق لا يقوم لقضاء ما فاته مع الإمام حتى يستكمل المسبوق المستخلف صلاته فيسلم لسلامه إن تمت صلاته وإلا قام لقضائه.
قوله: (كأن سبق هو) أي كما يجلس المأموم إذا تمت صلاته حتى يفرغ المتسخلف المسبوق ويسلم معه لأنه ألزم نفسه مع الأول وهذا ثانيه.
قال في المسبوق في الجواهر: فإن كان مسبوقا أشار إليهم إذا أكمل صلاة الإمام كالأمر لهم بالجلوس ثم نهض للقضاء، فإذا فرغ منه سلم بهم لأن السلام من بقية صلاة الأول، وقد حل محله في الإمامة فيه، فلا يصح الخروج عن ذلك لغير معنى يقتضيه، وانتظار القوم لفراغه من القضاء أخف من الخروج من إمامته، وقيل يسختلف من يسلم بالقوم لأن السلام من بقية صلاة الأول، ولا ينبغي له أن يقضي قبل فراغ الصلاة، وخروج القوم عن الإقتداء به إلى الإقتداء بمن أقامه مقامه أخف من انتظاره، وسبب هذا الاختلاف أن الضرورة دافعة للمصلي إلى الخروج عن
стр. 317
الأصل على المذهبين جميعا والنظر في أي الخروجين أخف، ولو ساوت هذا المستخلف طائفة من القوم في فوات ما فاته فقال سحنون من أصحابنا من يقول: يقوم المستخلف وحده للقضاء ثم يسلم ثم يقضون بعده، ومنهم من يقول إذا قام يقضي قام كل واحد يصلي لنفسه ثم يسلمون بسلامه فإن أتموا به أبطلوا على أنفسهم وصلاة المستخلف تامة، وذكر ابن سحنون عن أبيه أنه قال: تجزئهم ثم رجع فقال: أحب إلي أن يعيدوا. انتهى منه (١).
قوله: (لا المقيم يستخلفه مسافر، لتعذر مسافر، أو جهله: فيسلم المسافر ويقوم غيره للقضاء) أي فلا ينتظر مستخلف مقيم على مقيمين ومسافرين يستخلفه إمام مسافر وكأن سائلا سأله كيف يستخلف مقيما على مسافرين وهو مخالف للسنة إذ إمامة المسافر للمسافرين أحسن، فأجابه بقوله: لتعذر استخلاف المسافر لبعده مثلا أو لعدم صلاحيته للإمامة أو جهله عينه أو أنه خلفه فيسلم المأموم المسافر عند قيام الإمام إذا أكمل صلاته وأتم تشهده ولا ينتظر المستخلف لأن المستخلف دخل على عدم الإقتداء بالإمام الأول في السلام رواه ابن حبيب عن مالك. انتهى من فتح الجليل (٢).
وأما المقيم فإنه يقوم لقضاء ما فاته.
قوله: (وإن جهل ما صلى أشار فأشاروا) أي وإن جهل المستخلف ما صلى الإمام أشار للمأمومين كم صلى فأشاروا له بقدره (وإلا سبح به) أي وإن لم يفهم بالإشارة سبحوا له قال بعضهم: وإن لم يفهم بالتسبيح تكلموا له ولم يذكر الشيخ هذا لأنه اعترضه في توضيحه.
قوله: (وإن قال للمسبوق:) أي وإن قال الإمام للمسبوق المستخلف (أسقطت ركوعا عمل عليه من لم يعلم خلافه، وسجد قبله-إن لم تتمخض زيادة - بعد صلاة إمامه) أي من لم يعتقد خلاف ما قال بأن شك أو ظن أو توهم وسجد قبل السلام بعد صلاة الإمام إن لم تتمحض زيادة أما إن تمحضت الزيادة فإنه يسجد بعد السلام.
لو قال الشيخ: وإن قال للمسبوق: اسقطت كالركوع ليشمل كل ركن من سجود وفاتحة وغير ذلك لكان أشمل.
стр. 318
فصل في [أحكام صلاة السفر]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل القصر في السفر والجمع فيه، وجمع المريض، والجمع ليلة المطر، ولم يذكر هنا الجمع بعرفة والمزدلفة وذكرهما في باب الحج. السفر في اللغة: قطع المسافة.
قلت: وإن كثرت.
ومصلحة المكلف في راحته، وصلاح جسمه يوجب أن المشقة إذا عرضت توجب عنه تخفيف العبادة لئلا تعظم المشقة فتضيع مصالحه بإضعاف جسمه وإنهاك قوته بحفظ صحة الجسم وتوفير قوته، هو المصلحة والحكمة الموجبة لاعتبار وصف المشقة بسبب الترخص بالمشقة.
قاعدة: الأصل اعتبار الأوصاف المشتملة على الحكم فإذا تعذر اعتبارها إما لعدم انضباطها أو لخفائها أقيمت مظنتها مقامها، فكان الأصل إناطة الأحكام بالعقل حالة وجوده، ولكنه لما لم ينضبط زمانه أقيم البلوغ مقامه لكونه مظنة له، وموجب انتقال الأملاك الرضى ولما لم يعلم أقيم الإيجاب والقبول مقامه، والمشقة سبب الترخص بالقصر فلما لم تنضبط أقيمت المساحة مقامها لكونها مظنة لها. انتهى من الذخيرة (١).
ومظنة الشيء بكسر الظاء موضع يظن فيه وجوده وأظننته عرضته قاموس. فائدة: ضرب في الأرض إذا سافر للتجارة، وضرب الأرض إذا سافر للحج والغزو فكان الأول لما كان طالبا لمتاع الدنيا كان ملتبسا بها وفيها، والثاني عابرها إلى الآخرة.
قوله: (سن لمسافر غير عاص به، ولاه) بدء بحكم القصر فقال: سن بخلاف من قال بوجوب القصر ومن قال باستحبابه ولمن قال بالإباحة أي سن لمسافر غير عاص بسفره كالآبق والعاق مثلا وغير لاه بسفره فالعاصي بسفره لا يترخص له إلا في أكل الميتة على الأصح، وروى زياد بن عبد الرحمن (٢) جواز ترخص العاصي
стр. 319
بسفره كالعاصي في سفره، وإذا فرعنا على المشهور فلو طرأت المعصية بالسفر في أثنائه لم يترخص له ولو طرأت التوبة في أثناء سفر المعصية ترخص له. انتهى (١).
قوله: (أربعة برد، ولو ببحر ذهابا) أي من المسافر سافر مسافة أربعة برد برا أو بحرا أو بعضها في البر وبعضها في البحر ذهابا لا إيابا وهو تمييز للأربعة البرد.
قوله: (قصدت) أي قصدت الأربعة البرد شرط، لأن قطعها بغير قصد لها كالهائم الذي لا يعزم على مسافة القصر.
وفي إكمال الإكمال المازري: لم يحد بعض الناس مسافة القصر، واحتج بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١] الآية، وروى الأكثر تحديدها لأن القصر إنما شرع تخفيفا فلا يكون إلا فيما فيه مشقة، واختلفت أقوالهم في تقدير المسافة بحسب الضابط لتلك المشقة، فحدها مالك والشافعي وأصحابهما باليوم التام وهو يوم وليلة لأنها المسافة التي سماها الشارع سفرا في قوله ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما وليلة إلا ومعها ذو محرم» (٢) وحدها مالك مرة بثمانية وأربعين ميلا، وفي المذهب رواية أنه يقصر في خمسة وأربعين ميلا وفيه رواية يقصر في أربعين ميلا. انتهى منه (٣).
قوله: (دفعة) شرط وتمييز للقصد أي قصدت دفعة واحدة، وهو بفتح الدال اسم للفعل.
قوله: (إن عدى البلدي البساتين المسكونة) أي فيقصر إن عدى البلدي البساتين المسكونة لأهل البلد، ولا عبرة للبساتين غير المسكونة ولا المزارع.
قوله: (وتؤولت أيضا) أي وتأولت المدونة أيضا (على مجاوزة ثلاثة أميال بقرية الجمعة)، لما قال أيضا علمنا أن الأول هو التأويل والأول هو المشهور كان بالبلد
стр. 320
جمعة أم لا، فإذا فرعنا على المشهور فهل الثلاثة الأميال محسوبة من الثمانية والأربعين ميلا كما هو ظاهر كلامهم، أولا يحسب لأجل أنه لما حكم بأنه يتم فيها بأنه وطنه.
قال ابن ناجي: لم أر في ذلك نصا، وهي أول مسألة استشكلتها في صغري فلم يجبني عنها من سألته حينئذ قائلا: لا أدري، وهو الشيخ أبو محمد الشبيبي تخلله واختاره غير واحد ممن لقيته بعد أنها تحسب، والصواب عندي أنها لا تحسب. انتهى منه (١).
قوله: (والعمودي حلته، وانفصل غيرهما) أي وعدى العمودي حلته، والعمودي ساكن البدو، وينفصل غير البلدي والعمودي عن محله كمن هو ساكن في موضع لابناء فيه ونحوه.
قوله: (قصر رباعية وقتية، أو فائتة فيه، وإن نوتيا بأهله إلى محل البدء) أي هو نائب عن الفاعل أي من المسافر مسافة القصر قصر صلاة رباعية لا ثلاثية ولا ثنائية بل رباعية وقتية أو رباعاية فائتة في سفر وإن كان المسافر نوتيا مع أهله فإنه يقصر في سفره إلى محل البدء بالقصر.
قوله: (لا أقل - إلا كمكي في خروجه لعرفة ورجوعه) أي لا يكون له القصر في أقل من مسافة أربعة برد إلا أن يكون المسافر مكيا ونحوه من الحجاج في خروجه لعرفة، فإنه يقصر في خروجه ذلك وفي رجوعه، وإن لم يكن فيه مسافة القصر للسنة إلا العرفي والمنوي في وطنه.
قوله: (ولا راجع لدونها، ولو بشيء نسيه. ولا عادل عن قصير بلا عذر. ولا هائم وطالب رعي، إلا أن يعلم قطع المسافة قبله ولا منفصل ينتظر رفقة إلا أن يجزم بالسير دونها) أي وكذلك لا يقصر من نوى سفر القصر ولكن رجع دونه إلى وطنه ولو لشيء نسيه، وكذلك لا يقصر من عدل أي مال عن طريق قصير إلى طريق فيه مسافة القصر إذا كان عدوله ذلك بغير عذر وأما إذا كان لعذر كخوف المكس وشبهه أو وعر طريق فإنه يقصر، وكذلك لا يقصر الهائم وهو الذي لا يعزم على مسافة معلومة، وكذلك لا يقصر طالب رعي أي كلاء إلا أن يعلم قطع مسافة المقصر قبل منتهى سفره وكذلك لا يقصر مسافر منفصل عن البلدي ينتظر رفقة فيما دون مسافة القصر إلا أن
стр. 321
يجزم هو بالسير دون الرفقة فإنه يقصر حينئذ.
قوله: (وقطعه دخول بلده، وإن بريح إلا متوطن كمكة رفض سكناها ورجع ناويا السفر. وقطعه دخول وطنه، أو مكان زوجة دخل بها فقط وإن بريح غالبة ونية دخوله وليس بينه وبينه المسافة، ونية إقامة أربعة أيام صحاح، ولو بخلاله) أي وقطع القصر المذكور دخول المسافر بلده المراد بالبلد هنا الموضع الذي تقدمت له فيه إقامة سواء كان وطنه أم لا، وإن كان دخوله ذلك بسبب رد ريح له إلا أن يكون الداخل متوطن مكة ونحوها خرج منها رافضا لسكناها ورجع إليها ناويا السفر عنها عاجلا فإنه يقصر في ذهابه ورجوعه وفيها إذ ليست بوطنه ولا مستوطنه حينئذ، وكذلك يقطعه دخول وطنه وإن بريح غالبة، الفرق بينها وبين الأولى أن الأولى غلبته بالرجوع وهذه غلبته بالدخول، وقيل الفرق بينهما أن الأول راجع إلى محل استيطانه وهذا راجع إلى وطنه، وكذلك يقطعه دخول مكان زوجة دخل بها فقط لا زوجة لم يدخل بها، وقيل السرية كالزوجة، وكذلك يقطع القصر نية دخول بلده أو وطنه أو مكان زوجة دخل بها وإن لم يدخله إذا كان ليس بينه وبين مبدء قصره مسافة القصر لا إن بعد منه، وكذلك يقطعه نية إقامته أربعة أيام صحاح في موضع فلا يحسب يوم خروجه ولا يوم دخوله بل أربعة أيام صحاح ولو كانت الإقامة في خلال السفر.
قوله: (- إلا العسكر بدار الحرب - أو العلم بها عادة) هذا مستثنى من قوله: ونية إقامة أربعة أيام أي إلا العسكر بدار الحرب لا غيره فإنهم يقصرون وإن حضروا حصنا، لأن دار الحرب ليس كغيره لأنهم يمدد حدوث رغبة أو رهبة تقضها ولم تكن نيتهم جازمة، وأما الأسير فإنه يتم صلاته إلا أن يسافر وإن أخبروه أن المسافة مسافة قصر صدقهم، والأيام الملغات سبعة نظمها بعضهم.
مسافر وحلف ومولود وبدء عدة … وكراء وخيار وأجل في البيع
وهذه الملغات عند ابن القاسم.
قال ابن ناجي: قلت: وبقي عليه العهدة الصغرى والكبرى، وكان شيخنا حفظه الله يزيد تلومات القاضي، وذكرته في درس شيخنا أبي مهدي الله فلم يرتضه، واختار أنه يرجع إلى اجتهاد القاضي وهو الصواب وبه حكمت، فتارة اعتبرته وتارة ألغيته. انتهى منه (١).
стр. 322
وكذلك يقطع القصر العلم بإقامة أربعة أيام عادة في ذلك الموضع.
قوله: (لا الإقامة) أي لا يقطعها للإقامة المجردة عن النية (وإن تأخر سفره) وفي بعض النسخ وإن بآخر سفره.
قوله: (وإن نواها بصلاة شفع) أي وإن نوى الإقامة في أثناء صلاة السفر فإنه يشفع عقد ركعة أم لا، فالتشفيع بعد عقد الركعة ظاهر.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: وأما قبل عقد الركعة فلا أدري.
قوله: (ولم تجز حضرية ولا سفرية) أي ولم تجز هذه الصلاة حضرية إن أتمها ولا سفرية إن قصرها لرفض النية فيعيدها أبدا.
قوله: (وبعدها أعاد في الوقت) أي وإن نوى الإقامة بعد أن صلى فإنه يعيدها في الوقت فإن قلت: كيف يعيدها؟ قلت: لأن الغالب تردد النية لعل النية وقعت في الصلاة.
قوله: (وإن اقتدى مقيم به فكل على سنته، وكره كعكسه وتأكد، وتبعه ولم يعد) أي وإن اقتدى مقيم بمسافر فإن كلا منهما على سنته، فيقصر الإمام ويتم المأموم، ولا ينبغي أن يقتدي به بل كره اقتداؤه به، كما كره عكسه، وهو اقتداء المسافر بالمقيم وتأكد فيه الكره لأنه يغير سنته، ولكن يتبعه في الإتمام وهو المشهور لحرمة الإمام، وقيل: يجلس عند تمام صلاته إلى أن يتم الإمام صلاته فيسلم بسلامه وقيل لا ينتظره بل يسلم عند تمام صلاته فإن تبعه في الإتمام فلا يعيدها بعد وقصر المسافر فذا أفضل من صلاته مع جماعة إتماما.
قوله: (وإن أتم مسافر نوى إثماما أعاد بوقت، وإن سهوا سجد) أي وإن أتم مسافر نوى إتماما ساهيا أنه مسافر أو ساهيا عن القصر سجد بعد السلام للزيادة ولكن هذه الزيادة غير محققة، فلذلك اكتفى فيه بالسجود وليس كمن زاد في الصلاة مثلها.
قوله: (والأصح إعادته كمأمومه بوقت، والأرجح الضروري) أي والأصح من القولين إعادته في الفرعين، كما يعيد مأمومه بوقت، والأرجح عند ابن يونس في هذا الوقت أنه الضروري.
وقوله: (إن تبعه) شرط في المأموم وإن لم يتبعه بطلت صلاته وإليه أشار بقوله: (وإلا بطلت).
قوله: (كأن قصر عمدا. والساهي كأحكام السهو) أي كما تبطل صلاته إن نوى إتماما ثم قصر عمدا، وإن كان ذلك منه سهوا، وقد تقدم في أحكام السهو فيبني إن
стр. 323
قرب وتصح.
قوله: (وكأن أتم ومأمومه بعد نية قصر عمدا) أي كما تبطل صلاته وصلاة مأمومه إن أتم الصلاة بعد نية قصر عمدا، وقيل: تصح.
قوله: (وسهوا أو جهلا ففي الوقت، وسبح مأمومه ولا يتبعه وسلم المسافر بسلامه، وأتم غيره بعده أفدادا وأعاد فقط بالوقت) أي وإن أتم مسافر صلاته سهوا أو جهلا أو تأويلا فإنه يعيد في الوقت المذكور وهو الضروري فإن كان خلفه مأموم سبح به ليرجع ولا يتبعه وسلم المسافر بسلامه وأتم غيره وهو المقيم بعده أفذاذا إذ لا يكون في صلاة واحدة إمامان إلا في الإستخلافات، وأعاد الإمام فقط بالوقت المذكور.
قوله: (وإن ظنهم سفرا فظهر خلافه أعاد أبدا، إن كان مسافرا) أي وإن ظن الداخل القوم مسافرين فنوى قصرا فظهر خلاف ظنه بأنهم مقيمون أعاد أبدا إن كان مسافرا أتم معهم أو قصر وأما المقيم إذا ظنهم مسافرين ودخل معهم فإن صلاته لا تبطل لأنه دخل على الإتمام ولم تكن منه مخالفة إلا بنيته الزيادة على ركعاته، إنما تبطل صلاة المسافر لأنه دخل على القصر.
قوله: (كعكسه) والعكس أن يظنهم الداخل مقيمين وهو مقيم ولكن إنما فرضوا المسألة في المسافر في الفرعين.
قوله: (وفي ترك نية القصر والإثمام تردد) لعدم النص هل يتم الآن أي وإن دخل مسافر الصلاة ولم ينو إتماما ولا قصرا فيه تردد لعدم النص هل يتم لأن الإتمام هو الأصل أو يقصر لأنه سنة سواء ترك تلك النية سهوا أو عمدا غفل الشارح هنا ﵀ غفلة عظيمة، كل قول فيه مقبول ومردود إلا قول رسول الله ﷺ (١).
فمن ذا الذي ترضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
قوله: (وندب: تعجيل الأوبة، والدخول ضحى) شرع هنا تخلله يذكر شيئا من آداب السفر وترك منها كثيرا أي وندب للمسافر تعجيل الأوبة أي الرجوع إلى أهله والدخول إليهم ضحى، ويستحب للمسافر الرفق بدوابه وإنزالها منازلها في الخصب والنجاء عليها بنفيها في الجدب، ولا بأس بالإسراع في السير وطي المنازل فيه عند
стр. 324
الحاجة إلى ذلك فقد سار ابن عمر (١) وسعيد بن أبي هند (٢) وكانا من خيار الناس من مكة إلى المدينة في ثلاثة أيام (٣) وهي مسيرة عشرة أيام بالسير المعتاد وأن لا يعرسوا على الطريق لأنها طرق الدواب ومأوى الحياة وأن يقول إذا نزلوا منزلا «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق الله» (٤) فقد ضمن عدم الضرر فيها، قال القاضي أبو بكر: فلعمري أنبئكم لقد جربتها إحدى عشر عاما فوجدتها، «وأن لا يأتي أهله طروقا» (٥) كما جاء في الحديث.
قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله تعالى -: أعلم أن هذا في غير هذا الزمان لخوف المكس أي الظلم.
قوله: (ورخص) أي والرخصة ما شرع للتخفيف والمسامحة وهو جواز الإقدام على الشيء الممنوع مع قيام سبب المانع، ورخص (له جمع) بين (الظهرين ببر، وإن قصر ولم يجد، بلاكره) أي ورخص للمسافر جمع الظهر والعصر في سفر بر لا في سفر بحر وإن قصر سفره عن مسافة القصر راكبا كان أو ماشيا، رجلا أو امرأة، ولو لم يجد سيره بلاكراهة فيه خلاف لمن قال: يكره له الجمع. وكره له.
стр. 325
قوله: ولو لم يجد مخالف لقوله: ببر. انتهى.
قال في النكت (١): لأنا إنما نبيح للمسافر في البر الجمع من أجل جد السير وخوف فوات أمر وهذا غير موجود في المسافر بالريح. انتهى (٢).
وشرط في التهذيب أن يجد به السير وأن يخاف فوات أمر مهم وأما الرسالة اشترط جد السير فقط فقال: وإذا جد السير بالمسافر (٣) وزاد بعضهم على التهذيب فقال: وفوات أمر مهم والأول الذي اقتصر عليه الشيخ هو المشهور.
قوله: (وفيها شرط الجد: لإدراك أمر) أتى بهذا استشكالا.
قوله: (بمنهل زالت به، ونوى النزول بعد الغروب) أي ورخص الجمع للمسافر في الظهرين في منهل وهو المنزل سماه منهلا، لأن عادة الناس أن لا ينزلوا إلا في المنهل عند الماء فيجمع فيه الظهرين إذا زالت الشمس وهو فيه والحال أن نيته النزول بعد غروب الشمس.
قوله: (وقبل الإصفرار أخر العصر) أي وإن نوى النزول قبل دخول الاصفرار صلى الظهر بالمنهل ويؤخر العصر حتى ينزل قبل الاصفرار لأن كلا منهما يصليها في وقتها المختار.
قوله: (وبعده خير فيها) أي وإن نوى النزول بعد دخول الاصفرار فإنه يخير في إيقاع العصر بعد الظهر في المنهل وإيقاعها بعد نزوله لأن عصره لابد على كل حال أنها تقع في وقت الضروري.
قال بعضهم: تأخيرها لا يستلزم إيقاعها بوقت مكروه وتقديمها قبل الوقت رخصة إذ الأصل عدم الجواز لولا السنة.
قوله: (وإن زالت راكبا أخرهما؛ إن نوى الإصفرار) أي وإن زالت الشمس في حال كونه راكبا أخرهما إن نوى النزول عند دخول الاصفرار فيجمعهما حينئذ.
قوله: (أو قبله) مستغنى عنه لأنه لما كان يؤخرهما إلى عند دخول الاصفرار
стр. 326
وقبله أحرى.
قوله: (وإلا ففي وقتيهما، كمن لا يضبط نزوله وكالمبطون) أي وإن نوى النزول بعد دخول الاصفرار فإنه يصليهما في وقتيهما آخر وقت الظهر وأول وقت العصر يجمعهما جمعا صوريا كما يجمعها في وقتيهما جمعا صوريا من لا يضبط وقت نزوله وكذلك المبطون ونحوه له أن يجمعهما جمعا صوريا.
قوله: (وللصحيح فعله) أي وللصحيح غير المسافر فعل الجمع الصوري لأنه لم يخرج الصلاتين عن وقتيهما بل فعل كل منهما في وقتها، ونقل الباجي اتفاق فقهاء الأمصار.
قوله: (وهل العشاآن كذلك؟) أي وهل المغرب والعشاء كالظهرين فيما تقدم كله الغروب كالزوال الثلث الأول كقبل الاصفرار وطلوع الفجر كالغروب أو العشاءان كذلك فيما إذا غربت الشمس راكبا لا إن غربت وهو في المنهل لأن عادة الناس لا يرتحلون عند الغروب فيه (تأويلان).
قوله: (وقدم خائف الإغماء، والنافض، والميد) أي وقدم خائف الإغماء العصر أو العشاء عند الزوال بعد الظهر أو الغروب بعد المغرب واستشكل لأنه إن غمي فيها في وقتها فإنها تسقط عنه ولكن أمر بتقديمها احتياطا وليس برخصة وكذلك للخائف من الحمى النافض هي الرعدة تقديم العصر أو العشاء وكذلك من خاف الميد.
قوله: (وإن سلم، أو قدم ولم يرتحل، أو ارتحل قبل الزوال ونزل عنده فجمع: أعاد الثانية في الوقت) أي فإن قدم خائف الإغماء وخائف الحمى النافض وخائف الميد وسلم مما كان يخافه فإنه يعيدها ما دام في الوقت وكذلك إذا جمع بين صلاتين في المنهل وحدث أنه لم يرتحل منه أو كان ارتحل قبل الزوال ونزل عنده فجمع متأولا ظانا أنه يجوز له أعاد كلامنهما الثانية في الوقت وأما الأولى فقد وقعت في وقتها.
قوله: (وفي جمع العشاءين فقد بكل مسجد لمطر أو طين مع ظلمة، لا طين، أو ظلمة) أي ورخص في جمع العشاءين فقط لا الظهرين في كل مسجد خلافا لمن قال: خص ذلك بمسجد النبي ﷺ لأجل مطر وحده، وأحرى إذا كان مع طين أو ظلمة أو لأجل طين مع ظلمة لا طين وحده على المشهرو ولا لظلمة وحدها اتفاقا.
قوله: (أذن للمغرب كالعادة) لما ذكر الحكم شرع ﵀ يذكر كيفية الجمع. فقال: أذن للمغرب كالعادة أول الوقت خارج المسجد على المنار وأخر قليلا بعد ذلك ليتحقق السبب ثم صليا فلا يفصل بينهما إلا قدر أذان منخفض لأن الوقت
стр. 327
قد دخل فلا يحتاج إلى الإعلان به في داخل المسجد وإقامة.
قوله: (وأخر قليلا، ثم صليا ولاء، إلا قدر أذان منخفض بمسجد، وإقامة).
قال ابن ناجي: وتردد شيوخ شيوخنا هل تأخير المغرب على المشهور أمر واجب لا بد منه أم ذلك على طريق الندب فمنهم من ذهب إلى الأول ومنهم من ذهب إلى الثاني (١).
قوله: (ولا تنفل بينهما، ولم يمنعه) أي ولا تنفل بين المغرب والعشاء عند الجمع فإن وقع ونزل وتنفل بينهما لم يمنع ذلك التنفل الجمع المرخص فيه غفل الشارح هنا نعمله.
قوله: (ولا بعدهما) أي ولا تنفل بعد الجمع بين الصلاتين في المسجد.
قوله: (وجاز لمنفرد بالمغرب، يجدهم بالعشاء) أي وجاز الجمع المذكور لمنفرد بصلاة المغرب يجدهم في صلاة العشاء لأن علة الجمع فضل الجماعة والمسجد وقد حصلا وهذا بناء على أن الجمع لا يحتاج إلى نية لأن محل النية قد فات.
قوله: (ولمعتكف بمسجد) أي وجاز الجمع لمعتكف بالمسجد وإن لم يكن عليه الحرج لأنه تابع للجماعة كتبعية المسافر والعبد والمرأة في صلاة الجمعة ولهذا استحب بعضهم للإمام المعكتف أن يستخلف من يصلي بالناس ويصلي وراء المستخلف.
قوله: (كأن انقطع المطر بعد الشروع) أي كما يجوز لهم التمادي في الجمع إن انقطع المطر بعد أن شرعوا فيه بنيته لأن السبب إنما يطلب ابتداء لا دواما ولأن عودته لا تؤمن ولكن ربما وجدت أمارة تدل على عدم العودة.
قوله: (لا إن فرغوا فيؤخر للشفق، إلا بالمساجد الثلاثة) أي وهذا راجع لقوله: وجاز لمنفرد بالمغرب يجدهم بالعشاء أي لا إن فرغوا منها فإنه لا يجمع فبسبب ذلك يؤخر صلاته إلى مغيب الشفق إلا أن يكون بأحد المساجد الثلاثة فإنه يصلي فيها قبل الشفق فذا لفضلها.
قوله: (ولا إن حدث السبب بعد الأولى، ولا المرأة والضعيف ببيتهما ولا منفرد بمسجد: كجماعة لا حرج عليهم) أي وكذلك لا يجمعون إن حدث السبب بعد المغرب لافتقار الجمع إلى النية وقد فات محلها انظر هذا مع ما قبله من قوله: وجاز لمنفرد
стр. 328
بالمغرب يجدهم بالعشاء وكذلك لا تجمع المرأة ولا الضعيف في بيتهما مقتديان بصلاة الإمام في المسجد وكذلك لا يجمع المنفرد في مسجد إلا أن يكون إماما راتبا كما لا تجمع جماعة لا حرج عليهم كأهل الزوايا والرباط والمدارس.
فصل [في صلاة الجمعة]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه حكم صلاة الجمعة، يوم الجمعة يوم عظيم وفيه ساعة لا يسأل العبد ربه فيها إلا استجاب له وفيه خلق آدم ﵇، وفيه تاب الله عليه وفيه أهبط إلى الأرض وفيه يموت وفيه تقوم الساعة والجمعة من خصائص هذه الأمة وفي الحديث: «خير يوم طلعت عليه الشمس» (١).
النووي: يعني من أيام الأسبوع (٢) وأما أيام السنة فخيرها يوم عرفة.
والجمعة بضم الجيم وفتحها وسكونها قاله الواحدي (٣) عن الفراء (٤).
قال عياض في إكمال الإكمال: الظاهر أن هذه المعدودات ليست لبيان فضله لأن إخراج آدم ﵇ وقيام الساعة لا يعد فضيلة وإنما هو تعداد لما وقع فيه وما سيقع من عظائم الأمور وبحسب ذلك تكثر فيه الأعمال الصالحة لنيل رحمة الله تعالى ودفع نقمه.
النووي: قال ابن العربي: الجميع من الفضائل خروج آدم ﵇ سبب لهذا النسل العظيم الذي منه الأنبياء والرسل ﵈ ولم يخرج منها طردا بل لقضاء أو طار ويعود إليها وقيام الساعة سبب لتعجيل جزاء الثلاثة الأصناف الأنبياء
стр. 329
والأولياء والصديقين وإظهار كرامتهم. انتهى (١).
[شروط صحة الجمعة]
قوله: (شرط الجمعة: وقوع كلها بالخطبة وقت الظهر للغروب) أي شرط صحة الجمعة هذه الشروط المذكورة، وأما شروط وجوبها فحرية وبلوغ وذكورية، والفرق بين شرط الصحة وشرط الوجوب، أن شرط الصحة ما يطلب به المكلف، كشروط الصلاة وغير ذلك من الشروط المذكورة، وشرط الوجوب ما لا يطلب به المكلف كالحرية والبلوغ والذكورية، قال بعضهم: صلاة الجمعة فرض على الأعيان لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩] والأمر للوجوب، وقال بعضهم: على الكفاية، ومنشأ الخلاف هل المقصود إصلاح القلوب بالمواعظ والخشوع فيعم أو إظهار الشعائر وهذا حاصل بالبعض فيخص.
تمهيد: يحكي جماعة من الأصحاب الخلاف هل الجمعة بدل من الظهر أم لا، وأنت تعلم أن البدل لا يفعل إلا عند تعذر المبدل، والجمعة يتعين فعلها مع إمكان الظهر فهو مشكل، والحق أن يقال بدل من الظهر في المشروعية، والظهر بدل منها في الفعل. انتهى من الذخيرة (٢).
وشرط صحة الجمعة وقوع صلاتها كلها مع الخطبة وقت الظهر وهو الزوال، وإن سبق أحدهما الزوال فإن الصلاة تبطل.
القرافي: تنبيه: لما كانت القلوب تصدأ بالغفلات والخطيئات كما يصدأ الحديد، اقتضت الحكمة الإلهية جلاءها في كل أسبوع بمواعظ الخطباء، وأمرنا بالإجتماع ليتعظ الغني بالفقير والقوي بالضعيف والصالح بالطالح، ولذلك أمر باجتماع أهل الآفاق في الحج مرة في العمر لئلا يشق عليهم بخلاف أهل البلد. انتهى (٣).
قال البرزلي: وسئل بعض فقهاء إفريقية عن الخطيب الذي يكذب في خطبته بمدح الظلمة.
стр. 330
فأجاب: إذا كان يريد بذلك التقرب والتودد وتعطفهم عليه، فهو جرحة، وإن كان يخاف على نفسه الموت فالصلاة خلفه جائزة. انتهى (١).
قوله: (وهل إن أدرك ركعة من العصر؟ وصحح، أو لا: رويت عليهما) أي وهل يشترط في صلاة الجمعة أن يدرك ركعة من العصر قبل الغروب وصحح، أو لا يشترط ذلك فيه قولان رويت المدونة عليهما.
قوله: (باستيطان بلد أو أخصاص) أي هذا هو الشرط الثاني في صحة الجمعة، أن يكون مستوطنا بالبلد، والإستيطان نية الإقامة على التأبيد، ولو مرت جماعة بقرية خالية فنووا إقامة سنة فيها فلا يصلوا الجمعة. انتهى.
وكذلك تجب الجمعة باستيطان أخصاص، والأخصاص جمع خص وهو بيت من قصب، فإن كان مسجدهم خصا صلوا فيه الجمعة، وإن اختلط البناء بالخصوص فحكمها حكم البناء.
قوله: (لا خيم) أي لا جمعة على أهل الخيم. الخيمة هي بيت من وبر أوصوف أو شعر أو قطن أو أدم.
قوله: (وبجامع مبني متحد، والجمعة للعتيق وإن تأخر أداء) هذا هو الشرط الثالث أي وشرط صحة صلاة الجمعة أن يكون وقوعها في جامع مبني بناء له بال، إلا أن يكون البلد اخصاصا كله فإنهم يصلونها في خص إن لم يكن لهم مسجد مبني، ومن شروط الجامع أن يكون داخل البلد، وأن يكون متحدا في البلد، ولكن العمل على التعدد لكثرة الناس، وإن كان في البلد جامعان فإن الجمعة إنما تصح لمن صلى في العتيق أي المتقدم وإن تأخر أداء وإن تساويا في الحدوث فالجمعة لمن سبق له إذن الإمام، وإن لم يكن إذن فلمن سبق بالإحرام، وإن لم يعلم السابق أعادوا ظهرا، وإن أحرموا معا أعادوا الجمعة. انتهى.
قال في الجواهر: ولو أصاب الناس ما يمنعهم من الجامع في يوم ما، لم تصح لهم جمعة في غيره من المساجد ذلك اليوم، إلا أن يحكم له الإمام بحكم الجامع، وينقل الحكم إليه عن الجامع الممنوع، فيبطل حكم الجمعة في المسجد الأول، وينتقل إلى هذا الثاني، وإنما يوصف بأنه جامع لاجتماع الناس كلهم فيه لصلاة الجمعة، وهذا حكم يختص بهذا المسجد دون غيره من المساجد، فلا يصح أن تقام
стр. 331
الجمعة في غيره من المساجد مما لا يحكم له بهذا الحكم حتى يحكم له به على التأبيد، دون أن ينتقل إليه هذا الحكم في يوم بعينه. انتهى (١).
كل جامع مسجد وليس كل مسجد جامع.
قوله: (لا ذي بناء خف، وفي اشتراط سقفه، وقصد تأبيدها به، وإقامة الخمس تردد) أي لا تصلى الجمعة في جامع ذي بناء خفيف، وفي اشتراط دوام سقف الجامع وعدم اشتراطه، واشتراط قصد تأبيد صلاة الجمعة فيه وعدم اشتراطه، واشتراط إقامة الصلوات الخمس فيه، في المسائل الثلاث تردد لعدم النص فيها.
قال ابن غازي: أما الأولان فمعروفان وأما الثالث فقال ابن بشير: وقد سمعت أنه لابد من أن يكون الصف دائما فيه، إلا أن تزيله الأعذار التي لابد منها. انتهى (٢).
ولا أعرفه لغيره وعنه نقله في التوضيح بلا تردد ولم يذكره ابن عرفة.
قوله: (وصحت برحبته وطرق متصلة إن ضاق أو اتصلت الصفوف) أي وصحت صلاة الجمعة في رحبة الجامع وهل هو صحن المسجد وما يحوزه خلفه؟ أو حريم خارجه فيه تفسيران.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: الله أعلم أنه حريم خارجه لأن الصحن من المسجد، وكذلك تصح صلاة الجمعة في الطرق المتصلة بالجامع إن ضاق بأهله وإن لم تتصل الصفوف، أو اتصلت الصفوف وإن لم يضق الجامع، لا إن لم يضق ولم تتصل الصفوف فإن الصلاة فيها لا تجزئ، وإليه أشار بقوله: (لا انتفيا).
قوله: (كبيت القناديل وسطحه، ودار وحانوت) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا تصح صلاة الجمعة في بيت القناديل وإن كان في وسط المسجد لأنه محوز، وكذلك لا تجزئ صلاة الجمعة في سطح المسجد لأنه ليس منه.
ابن القاسم في المدونة: إن صلاها على ظهر المسجد يعيد وإن ذهب الوقت. وقال مالك ومطرف وابن الماجشون واصبغ في ثمانية أبي زيد (٣): صلاته صحيحة
стр. 332
ولا إعادة عليه. انتهى من اللخمي (١).
وكذلك لا تصح صلاة الجمعة في دار ولا في حوانيت محجورة بملك وإن أذن أهلها، إذ لا تصلى الجمعة في الأملاك.
قوله: (وبجماعة تتقرى بهم قرية، بلاحد) أي تجتمع بهم قرية، يستغنون عن غيرهم في غالب حاجتهم، لاستغلالهم بأنفسهم، وبالدفع عن أنفسهم، وذلك يختلف باختلاف الأزمان.
قوله: (أولا) أي وإنما تشترط الجماعة المذكورة في إقامتها في ابتداء إقامة الجمعة، ولا حد لتلك الجماعة في الكثرة، بل بحيث يساعد بعضهم بعضا في دفع من يقصدهم بشر.
قوله: (وإلا فتجوز باثني عشر باقين لسلامها) أي وإن لم يكن في ابتداء الأمر فتجوز بإثنى عشر رجلا مع الإمام باقين من الإحرام إلى السلام منها.
قوله: (بإمام مقيم - إلا الخليفة يمر بقرية جمعة - ولا تجب عليه) أي والإمام المقيم شرط أداء في صلاة الجمعة، وإن لم تكن إقامته استيطانا، بل الإقامة الشرعية كافية، وهو أن ينوي إقامة أربعة أيام صحاح لأنه متم لصلاته، إلا أن يكون الإمام خليفة وهو الإمام الأعظم يمر في سفره بقرية جمعة في عمله فإنه له أن يصلي بهم الجمعة فتجزيه وتجزيهم لأنه الأصل والإمام نائبه، ولا يجب عليه ذلك لأنه مسافر.
قوله: (وبغيرها تفسد عليه وعليهم) أي وإن صلى بهم الخليفة الجمعة في غير قرية الجمعة فإنها تفسد عليه لأنه جهر في موضع السر عمدا وهذا على القول ببطلانها بترك السنة عمدا وتفسد عليهم لأن صلاتهم أربعا.
قوله: (وبكونه الخاطب إلا لعذر ووجب انتظاره لعذر قرب على الأصح) أي ومن شروط صلاة الجمعة أن يكون الإمام هو الخاطب إلا إذا حدث به عذر، فإن كان به عذر وجب انتظاره فيما قرب على القول الأصح ومقابله لا ينتظر مطلقا.
قوله: (وبخطبتين قبل الصلاة مما تسميه العرب خطبة، تحضرهما الجماعة) أي ومن شروط أداء الجمعة أن تكون قبل الصلاة خطبتين لفعله ﷺ ، ولأنهما شرط والشرط يقدم على المشروط، وخطبة عرفة فرض إلا أنه تعليم للحاج، وقدمت ليكون الدعاء إثر الصلاة وخطبة الجمعة تحميد لله، وتصلية على نبيه ﷺ ون وشكر، وأمر بمعروف،
стр. 333
ونهي عن منكر، وتحذير من الذنوب، وتبشير بالثواب، وقراءة القرآن، وشروطهما أن تحضرهما الجماعة المشروطة في الجمعة.
البرزلي: وسئل عز الدين هل يستحب للخطيب ذكر الصحابة في الخطب على ما جرت به العادة في زماننا أم لا؟ وإذا صلى على النبي ﷺ هل يصلي على أصحابه أم لا؟ فأجاب ذكر الصحابة والخلفاء والسلاطين بدعة غير محبوبة، ولا يذكر في الخطبة إلا ما يوافق مقاصدها من الثناء والدعاء والترغيب والترهيب وتلاوة القرآن. والأولى أن يقتصر في الصلاة على الرسول ﷺ على ما صح في الحديث ولا يزيد عليه بذكر الصحابة ولا غيرهم، وصح أنه ﵇ نص على أزواجه وذريته في الصلاة عليه (١).
قوله: (واستقبله غير الصف الأول) أي واستقبل الإمام ظاهره الوجوب وهو كذلك، مشى الشيخ هنا على خلاف المذهب وهو قول اللخمي.
قال صاحب مغني النبيل: واستقبله من هو في غير الصف الأول كذي الصف الأول، وأسقط اللخمي عنه وجوب استقباله بعض المتأخرين.
المازري: هو خلاف المذهب.
قوله: (وفي وجوب قيامه لهما) أي وفي وجوب قيام الإمام بخطبتين وسنيته (تردد) لعدم النص.
المازري: القيام شرط في صحة الخطبة خلافا لأبي حنيفة.
ابن القصار الذي يقوى في نفسي أنه سنة.
عياض: المذهب أنه ليس بشرط، ومن خطب جالسا أساء وتجزيه خلافا للشافعي أنها لا تجزئ، وأول من خطب جالسا معاوية (٢) حين ثقل) إكمال الإكمال (٣).
стр. 334
[شروط وجوب الجمعة]
قوله: (ولزمت المكلف الحر الذكر بلا عذر المتوطن) أي وتلزم صلاة الجمعة المكلف الحر الذكر المتوطن بلا عذر مسقط أتى بهذا تكميلا للشروط، وأما التكليف فشرط في كل فرض.
قوله: (وإن بقرية نائية بكفرسح من المنار) أي وإن كان المتوطن في قرية بعيدة من البلد بكفرسخ وما قرب منه وإليه أشار بالكاف من المنار ومذهب الرسالة من البلد.
الفرسخ فارسي أعرب وهو ثلاثة أميال، والميل يشبه أن يكون من الميل بفتح الميم لأن البصر يميل فيه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه.
قوله: (كأن أدرك المسافر النداء قبله) أي كما تلزم الجمعة المتوطن المسافر أدركه النداء قبل قطع مسافة الفرسخ وما قرب منه، يريد إذا طمع بالإدراك وإلا فلا فائدة في رجوعه.
قوله: (أو صلى الظهر ثم قدم، أو بلغ أوزال عذره) أي فإن صلى الظهر في سفره ثم قدم البلد قبل أن يصلوا الجمعة فإنه يلزمه أن يصليها معهم لأنه قد تبين استعجاله. وقيل: لا يلزمه لأنه فعل ما خوطب به، وكذلك إن صلى الصبي الظهر ثم نام واحتلم قبل صلاة الجمعة فإنها تلزمه، وكذلك إن منع الملكف إتيان الجمعة لأجل عذر به كالعبد يصلي الظهر ثم عتق قبل صلاة الجمعة أو المريض فأفاق أو كان خائفا فزال خوفه فإنه يلزمه أن يصلي معهم الجمعة.
قوله: (لا بالإقامة إلا تبعا) هذا راجع لقوله: باستطان بلد أي لا تجب الجمعة بسبب الإقامة المجردة الموجبة لإتمام الصلاة وإن طالت الإقامة إلا أن يكون تبعا فتجب عليه.
ابن رشد: المرابطون بموضع ستة أشهر وأكثر إن كان أهل ذلك الموضع يجمعون وجبت على هؤلاء المرابطين الجمعة، وأما إن لم يبلغ أهل ذلك الموضع العدد المشترط في وجوب الجمعة إلا بمن معهم من المرابطين فلا جمعة عليهم. انتهى من التاج والإكليل (١).
стр. 335
[مندوبات الجمعة]
قوله: (وندب تحسين هيئة) أي وندب لمريد صلاة الجمعة تحسين هيئته بقص الشارب والسواك وحلق العانة، ويندب له لبس ثياب جميلة وإليه أشار بقوله: (وجميل ثياب، وطيب) وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وعبارة المصنف أحسن من عبارة الرسالة: ويلبس أحسن ثيابه (١)، إذ قد يكون أحسن ثيابه وليس بحسن. أنتهى.
قال القاضي أبو الوليد: وقد شرع في الصلاة التجمل (٢) وحسن الزي والهيئة، ومنع الإحترام وتشمير الكمين وما جرى مجرى ذلك مما ينافي زي الوقار، وكذلك يشرع في أيام الجمع التجمل بالملبس، والتطيب لاجتماع الناس (٣)، وكذلك في الأعياد والمحافل وجميع مجامع الإسلام، لأن فيه إظهار الإسلام وجماله وغيظ الكفار إلا أن تكون المجامع لحوادث مخوفة كالكسوف والزلازل والإستسقاء فليس موضع تجمل بل موضع تضرع وإظهار فاقة وسكينة. انتهى من إكمال الإكمال (٤).
والعالم يجتمع إليه الناس شرع له التجمل في الملبس دون أن يخرج عن عادة مثله، وكذلك العباد لا يستحسن لهم الخروج عن حسن الزي إلى الملبس الخشن، لأن ذلك خروج عن العادة ودخول فيما يشهره، وقد قال إبراهيم بن أدهم (٥) لرجل تنسك فلبس الصوف: رأيته نسك نسكا أعجميا فعاب عليه. ومن قسم المندوبات لبس الثياب الجميلة في الأعياد.
قال القاضي: ويتبع ذلك الزينة والطيب وما في معناه، وماهو من حقوق
стр. 336
الآدميين مما يتجملون به، ويدفع الإزدراء عنهم وهدم المروءات، وينبغي لأهل العلم أن يكون زيهم حسنا، ولا يستحسن لهم مفارقة ذلك، ففي الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: إني لأحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب (١).
وقد روي عن عبد الله ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله جميل يحب الجمال، والكبر من بطر الحق وغمط الناس» (٢). وسئل مالك ﵀ عن قوله تعالى: ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ [القصص: ٧٧] فقال: أن يعيش ويأكل ويشرب غير مضيق عليه. انتهى من جامع ابن شاس (٣).
قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواء الفروق: والتجمل قد يكون واجبا في ولاة الأمور وغيرهم إذ توقف عليه تنفيذ الواجب، فإن الهيئة الرثة لا تحصل معها مصالح العامة من ولاة الأمور، وقد يكون مندوبا في الصلواة والجماعات، وفي الحروب لرهبة العدو، والمرأة لزوجها، وفي العلماء لتعظيم العلم في نفوس الناس، وقد يكون حراما إذا كان وسيلة لمحرم كمن تزين للنساء الأجنبيات ليزني بهن، وقد يكون مباحا إذا عرى عن هذه الأسباب.
وانقسم التجمل إلى هذه الأحكام الخمسة، وكذلك الكبر أيضا قد يجب غيظا للكفار في الحرب وغيرها، وقد يندب على أهل البدع تقليلا للبدعة، وقد يحرم إذا كان بطر الحق وغمض الناس واحتقارهم، والإباحة فيه بعيدة، وأصل التجمل الإباحة، فإذا عدم المعارض الناقل عن الإباحة بقيت الإباحة.
وأصل الكبر التحريم، فإذا عدم المعارض الناقل عن التحريم استصحب التحريم فيه، والكبر من أعمال القلوب، والتجمل من أفعال الجوارح. انتهى (٤).
ولا ينبغي أن يغفل في المباحات عن حسن النية ففي الخبر: «أن العبد ليسأل
стр. 337
يوم القيامة عن كل شيء حتى عن كحل عينيه، وعن فتات الطين بأصبعيه، وعن لمسه ثوب أخيه (١).
فمثال النية في المباحات أن من يتطيب يوم الجمعة يمكنه أن يقصد التنعم بلذته، والتفاخر بإظهار ثروته، والتزويق للنساء وأخدان الفساد، ويتصور أن ينوي اتباع السنة، وتعظيم بيت الله تعالى، واحترام يوم الجمعة، ودفع الأذا عن غيره بدفع الرائحة الكريهة، وإيصال الراحة إليهم بالرائحة الطيبة، وحسم باب الغيبة إذا شموا منه رائحة كريهة، وإلى الفريقين الإشارة بقوله ﷺ : «من تطيب الله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة» (٢). انتهى من العبدري (٣).
قوله: (ومشي، وتهجير) أي ومما يندب لمريد صلاة الجمعة أن يأتي الجامع ماشيا لقوله ﷺ : «من أغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله عليه النار» (٤) وأما في رجوعه إلى منزله فلا يندب له ترك الركوب، وكذلك يندب لمريد الجمعة المشي في التهجير، والتهجير شدة الحر، فلا يكون قبل الهاجرة لأنه مما يخشى فيه الرياء، ولأن السلف لم يفعلوه.
قوله: (وإقامة أهل السوق مطلقا) أي وندب للإمام أن يوكل من لا تلزمه الجمعة يقيم الناس في الأسواق، كانوا ممن تلزمهم الجمعة أم لا سدا للذريعة لئلا يتذرع من تلزمه فيتركها، وقيل: لئلا يستبد بالربح عن غيرهم.
قوله: (بوقتها، وسلام خطيب لخروجه لاصعوده، وجلوسه أولا، وبينهما، وتقصيرهما والثانية أقصر، ورفع صوته) أي والوقت الذي يقامون في الأسواق هو إذا أخذ المؤذنون في الأذان فوق المنابر، ومما يندب للإمام الخطيب سلامه على الناس حين خروجه أي حين دخوله، والخروج هنا بمعنى الدخول لا وقت صعوده على المنبر فإنه لا يسلم عليهم، ومما يندب له أيضا جلوسه أولا قبل الخطبتين، وكذلك
стр. 338
يندب له جلوسه بين الخطبتين قدر الجلوس بين السجدتين، وندب له تقصير الخطبتين لاسيما في هذا الزمان، وندب له أن تكون خطبته الثانية أقصر من الأولى، وندب له رفع صوته بالخطبة فوق الجهر، وأما الجهر فيه فواجب، لأن إسرارها كالعدم.
فرع: قال البرزلي في جامعه: ولا تشترط النية في شيئ من الخطبة لأنها أذكار وأمر بمعروف ونهي عن منكر ودعاء وقراءة، ولا تشترط النية في شيء من ذلك، لأنه ممتاز بصورته، منصرف إلى الله ل بحقيقته، فلا يفتقر إلى نية تعرف إليه. انتهى (١).
قوله: (واستخلافه لعذر حاضرها، وقراءة فيهما، وختم الثانية بيغفر الله لنا ولكم، وأجزأ اذكروا الله يذكركم، وتوكو على كقوس، وقراءة الجمعة وإن لمسبوق، وهل أتاك. وأجاز بالثانية بسبح أو المنافقون) أي وندب للخطيب استخلافه لأجل عذر حدث به حاضر الخطبة، ومما يندب للخطيب أن يقرأ شيئا من القرآن في خطبته، وندب له أن يختم خطبته الثانية بقوله: يغفر الله لنا ولكم أي غفر الله ذنوبنا وذنوبكم وأجزأ في ذلك: اذكر الله يذكركم أي يجازيكم عن ذكركم.
قال البساطي: لو قال: وأجزي أي كفي لكان أولى، وندب له أيضا توكأ يسير بيسراه على كقوس أو سيف أو عصى ونحو ذلك، لئلا يعبث بلحيته أوغيرها، وقيل: علته أن من لم يكتف بالموعظة فالقوس أو السيف أو العصى فوقه، ومما يندب في صلاة الجمعة، قراءة سورة الجمعة فيها في الركعة الأولى وإن كان مسبوقا بالأولى وقراءة ﴿هل أتنك حديث الغشية﴾ [الغاشية: ١] في الركعة الثانية، واستحب قراءة سورة الجمعة فيها لما فيها من أحكامها، وفي الثانية بالغاشية لما فيها من المواعظ، وبالمنافقين لما فيها من توبيخهم لاجتماعهم، لأنه قل من يتخلف عنها منهم. انتهى من إكمال الإكمال (٢).
وأجاز الإمام مالك تخلله فيها قراءة سبح اسم ربك الأعلى وسورة المنافقين والجهر في العيدين والإستسقاء لأنهما يشهد هما الناس وفيهم الأعراب والجهلة فيشرع فيهما الجهر.
стр. 339
قوله: (وحضور مكاتب، وصبي، وعبد، ومدبر أذن سيدهما) أي وندب للمكاتب حضور الجمعة وإن لم يأذن له السيد لما فيه من شائبة الحرية، وكذلك يندب لصبي لا يعبث أو يعبث ولكن يكف إذا نهي وينهى قبل الصلاة، وكذلك يندب للعبد القن والمدبر حضور الجمعة إن أذن سيدهما لحق الخدمة ولا تجب عليهما بإذنه وإنما سقطت الجمعة عن العبد لطول أمرها.
قوله: (وأخر الظهر راج زوال عذره) أي وأخر الراجي زوال عذره في الوقت المختار قبل فوات الجمعة ظهر يومه استحبابا وهو المنصوص، وظاهر كلام الشيخ الوجوب قبل فوات الجمعة.
قوله: (وإلا) أي وإن لم يرج زوال عذره قبل فوات الجمعة (فله التعجيل) قبل صلاة الجمعة.
قوله: (وغير المعذور إن صلى الظهر مدركا لركعة لم يجزه) أي وإن صلى غير المعذور الظهر في حال كونه مدركا لركعة في صلاة الجمعة لو أتى إليها لم تجزه تلك الصلاة عن ظهره سواء عزم على تركها أو ليس له عزم، لأن فرضه الجمعة ولم يصلها.
فرع: المغيرة (١): لو ظن أنه لا يدرك الجمعة فصلى ظهرا، ثم أدرك الجمعة فصلاها، ثم ذكر أنه أحدث قبلها أعادها ظهرا، ولو صلى الظهر قبل صلاتهم لوقت لوسعى فيه لم يدركه أجزأته اتفاقا.
قوله: (ولا يجمع الظهر إلا ذو عدر) أي ولا يصلي يوم الجمعة في جماعة إلا ذو الأعذار سدا للباب، لئلا يطرق أهل البدع بالتخلف عن الجمعة.
قال الشار مساحي: ووجهه أن يحرم من تخلف عنها لغير عذر أجر الجماعة حتى ينتهي عن ذلك (٢).
قوله: (واستؤذن إمام. ووجبت إن منع وأمنوا) أي واستؤذن إمام القرية استحبابا في إقامة الجمعة فيها ووجب إقامتها إن منع من إقامتها إذا أمنوا على أنفسهم.
стр. 340
قوله: (وإلا) أي وإن لم يستأذنوا أو استأذنوا ولم يأمنوا على أنفسهم (لم تجن) من الأجزاء لأن مخالفة الإمام لا تجوز، وما قال الشارح هنا ضعيف، هكذا قرره شيخنا محمود بن عمر حفظه الله ورعاه.
[مسنونات الجمعة]
قوله: (وسن غسل متصل بالرواح ولو لم تلزمه) أي لما فرغ من المندوبات شرع يذكر السنن أي وسن المريد صلاة الجمعة غسل متصل بالرواح، والرواح ما بعد الزوال، وصفة الغسل لها كصفة غسل الجنابة ندب له الغسل ولو لم تجب عليه صلاة الجمعة كالعبد والمرأة والصبي والمسافر لأن سببه الرائحة.
قوله: (وأعاد إن تغذى، أو نام اختيارا. لا لأكل خف) أي ويعيد الغسل إن تغذى بعده أونام اختيارا، لأن النوم اختيارا مظنة الطول، وأما إن نام لغير اختيار فإنه لا يعيد الغسل بل يتوضأ إن ثقل نومه.
الغذاء بكسر الغين وبالذال المعجمة اسم لما يعيش به، وفي نسخة البساطي: «وأعاد إن بعد» أي: وأعاد الغسل إن بعد ما بين الغسل والصلاة. انتهى.
وكذلك يعيد الغسل إذا مشى بعده لموضع بعيد ولا يعيد الغسل إذا أكل بعده أكلا خفيفا.
[جائزات الجمعة]
قوله: (وجاز تخط قبل جلوس الخطيب، واحتباء فيها وكلام بعدها للصلاة، وخروج كمحدث بلا إذن) لما فرغ من السنة شرع يذكر الجائز لمريد الجمعة إماما كان أوغيره أي وجاز تخط الرقاب لداخل قبل جلوس الخطيب قاصدا فرجة بين يديه، وهذا كله إذا كان الصف الأول عامرا، وأما إن لم يكن عامرا فإنه يجوز له التخطي إذ لا حرمة لهم، ومحل النهي عن التخطي على ما إذا جلس وقد نهى الشرع عن التأخير مع إمكان التقديم، وكذلك يجوز للإمام الإحتباء في الخطبة وكذلك المأمومون، وكذلك يجوز الكلام بعد الخطبة إلى دخول الصلاة، وكذلك يجوز الخروج لمن أحدث أو رعف أو له عذر يوجب له الخروج بلا إذن من الإمام ولا استيذانه يوم الجمعة.
وروي أن الإمام مالك رحمة الله تعالى قال: معنى ذلك في من يخرج من العسكر لا يخرج
стр. 341
إلا بإذن الإمام ولو كان في الصلاة لكان ضيقا وحرجا والله قد رفع الحرج عن هذه الأمة.
قوله: (وإقبال على ذكر قل سرا، كتأمين وتعوذ عند ذكر السبب، كحمد عاطس سرا. ونهي خطيب، أو أمره وإجابته) أي وجاز الإقبال على ذكر حالة الخطبة بشرطين أن يكون الذكر قليلا وأن يكون سرا، وكذلك الصلاة على النبي ﷺ تجوز سرا.
قوله: كتأمين يحتمل التشبيه في التقليل وفي السر ويحتمل التشبيه في الجواز، وكذلك التعوذ عند ذكر ما يتعوذ منه كالنار والشيطان، وكذلك يجوز وقت الخطبة حمد عاطس سرا. انتهى.
وكذلك يجوز للخطيب النهي عن المنكر والأمر بالمعروف في خطبته، وكذلك يجوز لمن كلمه الخطيب أن يجيبه عن كلامه فلا يعد به لاغ.
[مكروهات الجمعة]
قوله: (وكره ترك طهر فيهما والعمل يومها) لما فرغ من الجائزات جعل يذكر المكروهات أي وكره للخطيب ترك طهر في الخطبتين بل يندب له أن يكون متطهرا فيهما، وكذلك يكره ترك العمل في يوم الجمعة كما تفعل اليهود في السبت والنصارى في يوم الأحد، هذا إذا تركه لذلك، وأما إذا تركه للراحة فلا بأس به.
قوله: (وبيع كعبد بسوق وقتها، وتنفل إمام قبلها) أي وكره للعبد وشبهه من صبي وامرأة أن يبيع سلعته في السوق وقت الخطبة، وأما في غير السوق كالدور فلا يكره له، وكذلك يكره للإمام التنفل في الجامع قبل الصلاة إن كان إنما دخل للصلاة وإلا فيجوز له، وأما بعد الصلاة فلا يتنفل في المسجد اتفاقا.
قوله: (أو جالس عند الأذان، وحضور شابة) أي وكره التنفل لجالس عند سماع الأذان الأول كما يفعله أهل مصر لا إن استمر به التنفل إليه، وكذلك يكره حضور شابة للجمعة إن لم يخش منها الفتنة، وأما إذا كانت ممن تخشى منها الفتنة فلا تخرج لها أصلا.
قوله: (وسفر بعد الفجر، وجاز قبله، وحرم بالزوال) أي وكره لمن تلزمه الجمعة أن يسافر بعد الفجر يوم الجمعة لئلا يفوته ما في حضورها من الخير الكثير، وجاز له السفر بلا كراهة قبل طلوع فجر يومها، ويحرم عليه السفر إذا زالت عليه الشمس وهو بالبلد أو حيث تلزمه.
стр. 342
قوله: (ككلام في خطبتيه بقيامه وبينهما ولو لغير سامع، إلا أن يلغو على المختار) أي كما يحرم الكلام لحاضر الجمعة وقت الخطبة مع قيامه وبين الخطبتين، ولو كان غير سامع للخطبة لبعد أو صمم ظاهره ولو من في خارج المسجد إلا أن يلغو الخطيب فإنه للسامع الكلام على ما اختاره اللخمي من الخلاف، وهو خلاف ظاهر المدونة والرسالة. انتهى.
وقيل: فيه نزل قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. انتهى.
وسئل بعض فقهاء افريقية عن الخطيب الذي يكذب في خطبته بمدح الظلمة. فأجاب: إذا كان يريد بذلك التقرب والتودد إليهم وتعطفهم عليه فهو جرحة، وإن كان يخاف على نفسه فالصلاة خلفه جائزة.
فالخطب ثلاثة أقسام قسم ينصت فيه وهي خطبة الجمعة، وقسم لا ينصت فيه وهو خطب الحج كلها، وقسم اختلف فيه وهي خطب العيدين والاستسقاء. انتهى.
قوله: (وكسلام ورده، ونهي لاغ، وحصبه أو إشارة له) أي ويحرم السلام على أحد في وقت الخطبة، ولا يرد السلام على من سلم عليه، وكذلك يحرم عليه أن ينهي لاغ في وقت الخطبة ولا يرمه بحصباء ولا يشير له لينتهي، لأن ذلك يؤدي إلى اشتغاله عن سماع الخطبة.
قوله: (وابتداء صلاة بخروجه. وإن لداخل) أي وحرم عليه ابتداء صلاة عند خروج الإمام على الناس أي ظهوره وإن كان داخلا الآن وهو مذهب المدونة وهو الأصح. وقال السيوري: والأولى له أن يركع التحية فلما حرم ابتداء الصلاة على الداخل حينئذ والجالس أحرى منه (١).
قوله: (ولا يقطع إن دخل) قال البساطي: أي ولا يقطع هذا المبتدئ الصلاة. قال غيره من الشراح: ولا يقطع من كان في صلاة إن دخل الإمام، ولكن يخفف ولا يدعو في التشهد.
قال البرزلي: إذا خرج الإمام يوم الجمعة وهو يصلي النافلة أتمها، وإن ابتدأها وهو جالس على المنبر وقام يخطب، ففي التمادي وهو قول سحنون وابن وهب،
стр. 343
والقطع وهو قول ابن شعبان. انتهى (١).
قوله: (وفسخ بيع وإجارة وتولية وشركة وإقالة وشفعة) إلى آخر ما ذكر أي وفسخ عقد بيع أو إجارة أو تولية أو شركة أو إقالة أو شفعة عند أذان ثان، والفسخ يتضمن التحريم، والتحريم لا يتضمن الفسخ سواء تقدم الأذان العقد أو قارنه، سواء اعتاد ذلك أم لا.
قوله: (بأذان ثان، فإن فات فالقيمة حين القبض) قلت: الأذان الذي يجب به السعي ويحرم الإشتغال عنه بغيره وهو أذان جلوس الإمام على المنبر في حق من يدرك الجمعة لسعيه حينئذ فيجب عليه السعي، وأما من بعد فيجب عليه السعي بمقدار ما يدرك به أقل ما تدرك به الجمعة. وعلى القول بوجوب سماع الخطبة، يجب السعي بمقدار ما يدرك به سماعها.
ولوجوب السعي لسماع أذان الجلوس جعله ابن عبد الحكم واجبا (٢). إكمال الإكمال (٣).
وقوله: فسخ لفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر، والفسخ لمالك في المدونة وهو المشهور.
وقال في المجموعة: البيع ماض وليستغفر الله، وقال المغيرة: يفسخ ما لم يفت، فإن فات بتغير الأسواق مضى بالثمن، وقال ابن القاسم وأشهب في الواضحة: يفسخ ما لم يفت فإن فات مضى بالقيمة. خ (٤).
المشهور يفسخ البيع فيه إلا إذا كان محدثا ولم يجد ما يتطهر به إلا بالشراء، فإنه يجوز له حينئذ الشراء، لأن الشراء عون على إدراك صلاة الجمعة، وكذلك إذا كان به عطش لا يقدر معه على الصبر ولم يجد الماء إلا ببيع، نص ابن أبي زيد على الأول وابن بشير على الثاني، وهل يرخص للبائع هنا كما رخص للمشتري تردد فيه شيوخ ابن ناجي، وإنما تعتبر القيمة إذا فات يوم القبض لا وقت العقد ولا وقت الفوات.
стр. 344
قوله: (كالبيع الفاسد) هو تشبيه الشيء بنفسه أي كسائر البيوع الفاسدة.
قوله: (لا نكاح وهبة وصدقة) أي لا يفسخ عقد النكاح والهبة إن عقدا عند الأذان الثاني وكذلك عقد الصدقة.
وقال ابن القاسم في العتبية: النكاح يمضي بالعقد ولا يفسخ.
قال: والهبة والصدقة نافذة إلا في البيع.
وقال أصبغ في النكاح: يفسخ لأنه بيع.
قال الشيخ: قول ابن القاسم في هذا أحسن، فلا يفسخ النكاح ويحتاط للفروج، ولا يباح لأحد مع قوة الخلاف، وتمضى الهبة والصدقة بالعقد، بخلاف البيع، لأنه في البيع يرد إلى كل واحد ماله، فلا يلحقه كبير مضرة، بخلاف الهبة والصدقة، لأنه ملك شيئا بغير عوض، فيبطل عليه. انتهى من اللخمي (١).
ابن ناجي: واختلف في فسخ بيع من باع لخمس ركعات للغروب وعليه ظهر يومه وعصره.
فقال إسماعيل القاضي (٢) وأبو عمران: يفسخ.
وقال سحنون: لا يفسخ، وصوبه ابن محرز وغيره، وفرقوا بأن الجمعة لا تقضى. انتهى (٣).
قوله: (وعذر تركها والجماعة)، هذا شروع منه تخلله في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة فقال: شدة وحل ومطر، أو جدام ومرض، وتمريض، وإشراف قريب ونحوه، وخوف على: مال، أو حبس، أو ضرب والأظهر والأصح أو حبس معس أي وعذر ترك حضور صلاة الجمعة لمن تلزمه أو حضور الجماعة شدة وحل وهو طين رقيق. قاله الجوهري.
لو قال الشيخ: وشدة كطين ليشمل الطين وغيره. الوحل بفتح الحاء وسكونها. ومن الأعذار المسقطة لها شدة جذام أو نحوه، وشدة مرض به، وشدة تمريض وهو القيام بالمريض وإن لم يكن قريبا، والتمريض واجب على القريب أو الصاحب أو
стр. 345
الجيران أو المسلمين إن لم يكن هؤلاء، ومنها إشراف قريب ونحوه من زوجة أو مملوك أو معلم أو صديق على الموت، وفي بعض الطرر ونحوه بالضم معطوف على إشراف كتجهيزه إذا خيف عليه التغيير ومن الأعذار المسقطة لهما خوف على المال من سرقة أو غصب وغير ذلك من خوف حبس أو ضرب والأظهر عند ابن رشد والأصح عند غيره أن من الأعذار خوف حبس وهو معسر لأنه مظلوم في الباطن إذ لا حبس على معدم وهو غير مظلوم في الظاهر.
قوله: والأصح صوابه والمختار لأن اللخمي له الإختيار هنا.
قوله: (وعري، ورجاء عفو قود، وأكل كثوم) أي ومن الأعذار المسقطة لحضور الجمعة والجماعة عري يضر بمثله، ومنها رجاء عفو قود، كان القود نفسا أو دونها ورخص له وإن كان ظالما، ومنها أكل ثوم.
لو قال الشيخ: أكل كثوم لأشمل كل ما له رائحة كريهة. وفي إكمال الإكمال: قال المازري: وألحق أهل المذهب بذلك أهل الصنائع المنتنة كالحواتين والجزارين.
قلت: وألحق الشيخ بذلك كثير الصنان والبرص الذي يتأذى بريحه. وأفتى ابن رشد بمنع ذي البرص أن يبيع المعجون.
عياض: قال الخطابي (١): وعد قوم أكل الثوم من الأعذار المبيحة للتخلف عن صلاة الجمعة والجماعة لهذ الحديث ولا حجة فيه لأن الحديث إنما ورد مورد التوبيخ والعقوبة لأكلها بما حرمه من فضل الجماعة.
قالوا: وتخصيص النهي بالمساجد يدل على جواز دخول الأسواق وغيرها لأنه ليس لها حرمة المسجد ولا هي محل الملائكة ﵈، ولأنه إذا تأذى أحد بذلك في سوق تنحى إلى غيره وليس ذلك في المسجد لأنه ينتظر الصلاة ولو خرج فاتته. انتهى (٢).
قوله: (كريح عاصفة بليل) وهذا بالنسبة إلى حضور الجماعة لأن الجمعة لا تكون في ليل.
стр. 346
قال اللخمي: وكذلك شدة البرد.
وقوله: بليل مفهومه أن الريح العاصفة في نهار لا يعذر به.
وقيل: الليل ليس بشرط، وكذلك النهار إذا اشتدت الريح أو كان هو ضعيفا. انتهى. قال ﵊: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» (١) عياض:
الصبا الريح الشرقية وهو مقصور، والدبور بفتح الدال الريح الغربية (٢).
قوله: (لا عرس، أو عمى، أو شهود عيد، وإن أذن الإمام) أي والعرس هو النكاح ليس بعذر يسقط الجمعة والجماعة وإن كانت العروس بكرا، وكذلك العمى ليس من الأعذار المسقطة لهما وأطلق الشيخ فيه ولم يقيده بقائد ولا بأن يهتدي بنفسه والشارح قيده بذلك، وكذلك شهود عيد ليس من الأعذار المسقطة لحضور الجمعة يومها وأن لأهل العوالي وإن أذن لهم الإمام في التخلف عنها بل عليهم أن يحضروها لأن العيد سنة فلا يسقط الفرض.
فصل [في صلاة الخوف]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل صلاة الخوف ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب، الخوف غم على ما يأتي والحزن غم على ما فات جعلنا الله من الذين ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [٦٢: يونس].
تنبيه: شرعية صلاة الخوف تدل على أن مصلحة الوقت الاختياري أعظم من مصالح استيفاء الأركان وحصول الخشوع واستقبال القبلة وإلا لجوز الشرع التأخير للأمن مع أنا لم نشعر بمصلحة الوقت البتة ويتحقق شرف هذه المصالح، ونظيره الصلاة بالتيمم تدل على أن مصلحة الوقت أعظم من مصلحة طهارة الماء. انتهى من الذخيرة (٣).
стр. 347
وقوله: (رخص لقتال جائز) أي هذا حكم صلاة الخوف، الرخصة ما شرع على وجه التخفيف والمسامحة وهو خلاف الرسالة أنها سنة وضعف لأنه لو كانت سنة لأعادوا في الوقت.
وقوله: رخص لقتال جائز أي إنما رخص لصلاة الخوف لأجل قتال جائز كقتال الكفار والمحاربين لا في قتال حرام كالفتنة بين المسلمين والهزيمة الممنوعة إذ لا يرخص للعاصي.
وقوله: (أمكن تركه لبعض: قسمهم، وإن وجاه القبلة) أي أمكن ترك القتال لبعضهم وإن لم يكن فسيأتي ذكره. وقوله: قسمهم نائب عن الفاعل أي رخص قسمهم وإن وجاه القبلة أي وإن كان العدو من جهة القبلة خلافا لمن قال: إذا كان العدو من جهة القبلة لا يرخص لهم صلاة الخوف وما ذكره الشيخ هو المشهور الوجاه بضم الواو وكسرها المقابلة.
وقوله: (أو على دوابهم) أي وإذا كان المقاتلين على دوابهم لمشقة النزول.
وقوله: (قسمين) أي وقسمهم الإمام جزئين متساويين أو متفاوتين.
قوله: (وعلمهم) أي وعلم الإمام القوم كيفية صلاة الخوف وهي كصلاة الأمن في العدد في الحضر وفي السفر ولا يعتبر الخوف في أعدادها.
قوله: (وصلى بأذان وإقامة بالأولى في الثنانية ركعة، وإلا فركعتين، ثم قام ساكتا أو داعيا أو قارنا في الثنانية، وفي قيامه بغيرها تردد) شروع منه في تبيين الكيفية أي وصلى الإمام فيها بأذان وإقامة بالطائفة الأولى في الثانية كالصبح أو الظهر أو العصر أو العشاء في السفر ركعه وإلا أي وإن لم تكن الثنائية بل رباعية أو ثلاثية فإنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين ثم يقوم من جلوسه في حال كونه ساكتا في قيامه ذلك في الكل أو داعيا أو مهللا أو مسبحا أعني بالكل الثنائية وغيرها أو قارئا في الثانية لأنه يقرأ فيها سورة وفي قراءته في قيامه في غير الثنائية تردد، وما قاله الشارح هنا ليس ببين الكمال لله لا لغيره.
قوله: (وأتمت الأولى وانصرفت ثم صلى بالثانية ما بقي وسلم. فأتموا لأنفسهم) أي وإذا قام الإمام ينتظر الطائفة الثانية أتمت الطائفة الأولى صلاتهم وانصرفوا اتجاه العدو، ثم صلى بالطائفة الثانية ما بقي من صلاته ويسلم فيتموا لأنفسهم كالمسبوق.
стр. 348
وقوله: (ولو صلوا بإمامين أو بعض فذا جاز) أي ولو صلوا المقاتلين بإمامين، أو بعضهم بإمام وبعضهم فذا جاز، وفي الحرب شغل.
قوله: (وإن لم يمكن أخروا لآخر الاختياري، وصلوا إيماء) أي وإن لم يمكن تركه لبعض لأجل كثرة العدو أو شجاعتهم، أخروا الصلاة إلى آخر المختار حيث إذا سلموا منها خرج الوقت وصلوا حينئذ إيماء كيف ما أمكن لهم إذا كانوا على طهارة أو أمكنهم التيمم وإن لم يكونوا على طهارة ولم يمكنهم التيمم فإن الصلاة تسقط وقد تقدم فيمن لم يجد ماء ولا صعيدا.
وقوله: (كأن دهمهم عدو بها) تشبيه أي كما يصلوا إيماء إذا غشيهم العدو وهم في أثناء الصلاة صلوا إيماء آخذين سلاحهم لأن الصلاة على قدر الطاقة.
قوله: (وحل للضرورة مشي وركض، وطعن، وعدم توجه وكلام) أي وحل للمقاتل لأجل الضرورة مشي في أثناء الصلاة وركض فيها وطعن وعدم توجه للقبلة إذ شرط الاستقبال الأ من ويجوز له الكلام فيها إذا اضطر إليه لكتنبيه ولو كان الكلام في غير إصلاح الصلاة.
قوله: (وإمساك ملطخ) أي ويجوز إمساك سلاح ملطخ بدم أو غيره إذا كان لا يتسغني عنه أو يستغني عنه وخاف تلفه وإلا فلا يمسكه.
قوله: (وإن أمنوا بها أتمت صلاة أمن) أي وإن أمن المقاتلون في أثناء الصلاة أتموا ما بقي منها صلاة أمن لأن المعذور إذا زال عذره انتقل عما كان فيه للأعلى منه.
وقوله: (وبعدها لا إعادة، كسواد ظن عدوا فظهر نفيه) أي وإن حصل لهم الأمن من العدو بعد أن صلوا صلاة الخوف فلا إعادة عليهم كمالا إعادة عليهم إذا رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا صلاة الخوف ثم ظهر أن ذلك السواد ليس بعدو، والسواد شخص، وقيل: عدد كثير.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: الله اعلم بالمراد هنا بالسواد عدد كثير.
قوله: (وإن سها مع الأولى سجدت بعد إكمالها، وإلا سجدت القبلي معه، والبعدي بعد القضاء) أي وإن سهى الإمام مع الطائفة الأولى سجدت بعد إكمالها صلاتها كان السجود قبليا أو بعديا وإلا أي وإن كان سهوه مع الطائفة الثانية سجدت القبلي معه والبعدي بعد القضاء لما فاتها، وسكت الشيخ عن سجود الطائفة الثانية لسهو الإمام مع الأولى.
стр. 349
قال صاحب مغني النبيل: وكذلك تسجد لسهوه مع الأولى.
قوله: (وإن صلى في ثلاثية أو رباعية بكل ركعة بطلت الأولى، والثالثة في الرباعية) أي وإن صلى الإمام في صلاة ثلاثية أو رباعية بكل طائفة ركعة فإن صلاة الطائفة الأولى بطلت فيهما وكذلك تبطل صلاة الثالثة في الرباعية لأنهم فارقوا الإمام في غير موضع المفارقة وذلك كالقضاء قبل سلام الإمام.
وقوله: (كغيرهما على الأرجح، وصحح خلافه) أي كما تبطل صلاة غيرهما وهم الطائفة الثانية والرابعة في الرباعية على ما رجحه ابن يونس وهو قول سحنون وصحح خلاف هذا الترجيح وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وصلاة الإمام صحيحة، لأن علة البطلان هنا مفارقته والقضاء في حكمه في غير الوجه المرخص فيه.
فصل [في صلاة العيد]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل صلاة العيد ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب بدأ الشيخ فيه بالحكم. فقال: سن، خلافا لمن قال هو فرض كفاية.
قال صاحب إكمال الإكمال: قال ابن بشير: لا يبعد كونها فرض كفاية. ابن عبد السلام: واختاره بعض الأندلسيين. انتهى (١).
وفيه: وكان للجاهلية يومان معدان للعب فعوض الله سبحانه منهما للمسلمين العيدين، لما يظهر فيهما من تكبير الله وتحميده إغاظة للكفار، وقيل شرعت شكرا عند الفطر على إتمام الصوم، والأضحى على العبادة الواقعة في عشر ذي الحجة. انتهى (٢).
قوله: (سن لعيد ركعتان لمأمور الجمعة، من حل النافلة للزوال) أي سن لأجل عيد ركعتان لمأمور الجمعة، وهو المخاطب بحضور العيد، وقد تقدم ذكر من تلزمه
стр. 350
الجمعة من أهل بلد أو أخصاص من حر مكلف ذكر.
وقوله: لمأمور الجمعة متعلق بسن.
وقوله: ركعتان تبيين لقدر ما يصلى فيه.
وقوله: من حل النفل إلى الزوال تبيين للوقت الذي تصلى فيه فلا تصلى بعد الزوال، ولا عند طلوع الشمس. (ولا ينادى) لها: (الصلاة جامعة)، والصلاة منصوب على الإغراء، وجامعة حال.
قوله: (وافتتح بسبع تكبيرات بالإحرام، ثم بخمس غير القيام، موالى، إلا بتكبير المؤتم، بلا قول) لما فرغ من ذكر الحكم فيها وذكر قدرها وذكر من يخاطب بها ووقتها التي تقام فيه، شرع يذكر كيفيتها فقال: وافتتح أي مصليها الركعة الأولى بسبع تكبيرات فيها تكبيرة الإحرام، ثم الركعة الثانية بخمس تكبيرات غير تكبيرة القيام وهي ست بها، ويوالي التكبيرات إلا قدر ما يكبر فيه المأموم لئلا يخلط على المأموم بالإسراع ويكون في إمهاله ذلك بلا قول من تهليل أو تسبيح بل يسكت في خلال تكبيره حتى يكبر المؤتم وهو المراد بقوله: بلا قول، والشافعية يهلل أو يسبح.
قال صاحب إكمال الإكمال: قال المازري: قال بعض أصحابنا: على مذهبنا في أنه سبع في الأولى وست في الثانية معنى لطيف لأنه ﷺ أراد أن يجعل في هاتين الركعتين تكبير الأربعة ركعات، كما فعل في صلاة الكسوف، جعل في الركعتين ركوع أربع تضعيفا للأجر وكأن المصلي فعل أربع ركعات. انتهى (١).
قوله: (وتحراه مؤتم لم يسمع) أي ويتحرى المؤتم وقت تكبير الإمام إذا كان في موضع لا يسمعه لبعد ثم لا شيء عليه إن أخطأ في تحريه فتقدم تكبيره عن تكبير الإمام.
قوله: (وكبر ناسيه إن لم يركع، وسجد بعده، وإلا تمادى) أي وإن نسي التكبيرات فإنه يكبرها إماما كان أو مأموما، ويعيد القراءة ما لم ينحن للركوع، وقد تقدم عند ذكر النظائر أن عقد الركوع في نسيان تكبير العيد هو الإنحناء وسجد بعده أي ويسجد بعد السلام لزيادته الفرق بينه وبين من زاد سورة في أخرييه أنه لا يسجد لأن الزيادة هنا متفق عليها وهناك غير متفق عليها بل استحبها بعضهم وإلا أي وإن لم يذكر حتى انحنى للركوع تمادى على صلاته لفوات التدارك (وسجد غير المؤتم
стр. 351
(قبله) أي وسجد غير المأموم وهو الإمام قبل السلام وأما المأموم فلا يسجد إن نسيها لأن الإمام حملها عنه.
قال في الرسالة: وكل سهو سهاه المأموم فالإمام يحمله عنه إلا ركعة أو سجدة (١).
قال أشهب في كتاب محمد: وإن كبر الإمام في الأولى أكثر من سبع وفي الثانية أكثر من خمس لم يتبع (٢).
قوله: (ومدرك القراءة يكبر) أي وإن فاتته التكبيرات مع الإمام ولكن أدرك القراءة فإنه يكبر التكبيرات كلها ولا يقال أنه قضاء في حكم الإمام لخفة الأمر في ذلك.
قوله: (فمدرك الثانية يكبر خمسا، ثم سبعا بالقيام) أي وإن فاتته الركعة الأولى مع الإمام وأدرك الثانية معه فإنه يكبر خمس تكبيرات لتكون له مع تكبيرة الإحرام ست ثم إذا قام لقضاء الأولى كبر لها سبعا بتكبيرة القيام وإليه أشار بقوله ثم سبعا بالقيام لأنه يقوم لها بتكبير لخصوصية العبد بزيادة التكبير (وإن فاتت) أي وإن فاتت الثانية أيضا كما إذا لم يدرك إلا التشهد (قضى) الركعة الأولى بست) تكبيرات (وهل) هذه الست (بغير) تكبيرة (القيام؟) وهو قول ابن رشد، عبد الحق يكبر ستا لا غير فيه (تأويلان).
قوله: (وندب إحياء ليلته، وغسل، وبعد الصبح وتطيب وتزين، وإن لغير مصل، ومشي في ذهابه) شروع منه ﵀ يذكر مندوبات العيد أي وندب إحياء ليلة العيد بالعبادة، روي: «من أحيا ليلة العيد أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب (٣)» ومما يندب لمريد حضور العيد الغسل لجميع بدنه ويندب له أن يكون غسله ذلك بعد صلاة الصبح ومما يندب له التطيب فيه بروائح طيبة والتزين بما يليق بمثله وإن لغير مصل لأن التطيب والتزين لليوم لا للصلاة بخلاف الجمعة. انتهى.
وفي اكمال الإكمال واختلف السلف في خروج النساء فأجازه أبو بكر وعلي
стр. 352
وابن عمر و وغيرهم ومنعه عروة (١) والقاسم (٢) وأجازه مالك ويحيى ابن سعيد (٣) للمتجالة دون الشابة.
قلت: هذا في خروجهن إلى الصلاة، وأما اليوم فلا يختلف في منعهن لأنهن لا يخرجن إلى الصلاة، ويتأكد على الرجل منع زوجته منه ولا يكون جرحة إن تركها لأنها لا تعرف عينها، ويتأكد المنع إذا كانت الزوجة تسرع إليها العيون. ورآ الأجمي (٤) قاضي الأنكحة بتونس امرأة بالشارع على هذه الصفة فأرسل إلى زوجها وقدم إليهما أنه إن رآها بعد اليوم أدبه وأدبها. انتهى (٥).
ومن قسم المندوبات لبس الثياب الجميلة في الأعياد، قال القاضي: ويتبع ذلك الزينة والطيب وما في معناه، وماهو من حقوق الآدميين مما يتجملون به ويدفع الإزدراء عنهم وهدم المروة. انتهى.
ومما يندب لمريد العيد مشي في ذهابه إليها لا رجوعه عنها لأنه في ذهابه عبد ذاهب إلى ربه ليتقرب إليه فينبغي أن يذهب راجلا متذللا وهو سير العبد إلى مولاه ففارق الرجوع. انتهى من اللخمي (٦).
قوله: (وفطر قبله في الفطر، وتأخيره في النحر، وخروج بعد الشمس، وتكبير فيه
стр. 353
حينئذ لا قبله، وصحح خلافه، وجهر به وهل لمجيء الإمام أو لقيامه للصلاة؟ تأويلان أي ويندب له أن يفطر يوم عيد الفطر قبل ذهابه إليها ليفرق بين يومه الذي وجب فيه الفطر وأمسه الذي حرم فيه، وندب له تأخير الفطر في يوم عيد الأضحى حتى يصلي ليأكل من كبد أضحيته، ومما يندب له أن يخرج إلى صلاة العيد بعد طلوع الشمس، وندب له التكبير في خروجه حينئذ فلا يندب له التكبير إن خرج قبل طلوع الشمس وصحح خلاف هذا وهو قول مالك أيضا، فيكبر في خروجه وإن قبل طلوع الشمس، ويندب له الجهر بالتكبير بحيث يسمع من يليه، وهذا أحد المواضع الذي يندب فيه الجهر بالذكر وهل منتهى هذا التكبير مجيء الإمام إلى المصلى أو إلى قيامه للصلاة وهو رواية ابن وهب فيه تأويلان للخمي وابن يونس.
قوله: (ونحره أضحيته بالمصلى، وإيقاعها به إلا بمكة، ورفع يديه في أولاه فقط، وقراءتها بكسبح والشمس، وخطبتان كالجمعة، وسماعهما، واستقباله، وبعديتهما، وأعيدتا إن قدمتا، واستفتاح بتكبير، وتخللهما به بلا حد) أي وندب لإمام صلاة عيد الأضحى نحر أضحيته إن كان مما ينحر أو ذبحه إن كان مما ذكاته الذبح في المصلى ليعلم الناس ذلك لئلا يذبحوا قبله، فلا ينحر الإمام أضحية قبل الخطبة فإن فعل أعاد، ومما يندب إيقاع صلاة العيد بالمصلى خارج البلد إلا في مكة زاده الله تشريفا فإنها تقام في مسجدها نص عليه مالك.
قال ابن بشير: لئلا يخرجوا عن الحرم، والحرم أفضل من خارجه واعترضه التادلي (١) بأنه يلزم عليه ألا تقام خارج مسجد المدينة، وقد أقامها ﷺ خارجه بالمصلى، وإنما العلة والله أعلم هي أن في صلاتها في المسجد الحرام مشاهدة الكعبة وهي عبادة لما أخرجه الحافظ أبو عبد الله محمد (٢) أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل كل يوم على البيت مائة وعشرون رحمة، ستون للطائفين، وأربعون للصملين، وعشرون للناظرين» (٣)، وهذه الخصوصية مفقودة في غيره من المساجد. انتهى من
стр. 354
ابن ناجي (١).
ومما يندب لمصلي صلاة العيدين أن يرفع يديه في أولى التكبير فيحرم بها لا غير أولاه وندب له أن يقرأ في الركعة الأولى ب ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] وفي الثانية ب ﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١] ويندب له أن يخطب فيهما خطبتان كالجمعة في الصفة يجلس عند أولهما وبينهما، لا تشبيها بخطبة الجمعة في الحكم لأن خطبة العيد مستحب، وإن أحدث في أثنائها تمادى، ومما يندب سماع الخطبتين، واستقبال الإمام فيهما، وأن تكون الخطبتان بعد الصلاة وإن قدمتا عنها أعيدتا إن قرب وإلا فلا، ويندب للإمام أن يستفتح الخطبتان بالتكبير ويخللهما به ولا حد في كثرة ذلك ولا في قلته خلافا لمن حد.
وقال: يستفتح بسبع ثم ثلاث في أثناء الخطبة.
قوله: (وإقامة من لم يؤمر بها أو فاتته) أي وندب لمن لم يخاطب بها، وهو من لم يؤمر بالجمعة كالعبد والمسافر إقامة صلاة العيد، وإن أقامها المسافر فلا خطبة عليه وإن خطب فحسن، وهل يجتمعون أو يصلون أفذاذا فيه خلاف، وكذلك يندب إقامتها لمن فاتته.
قوله: (وتكبيره إثر خمس عشرة فريضة وسجودها البعدي من ظهر يوم النحر) أي يندب للمصلي أن يكبر في عيد الأضحى أيام التشريق إثر خمس عشرة صلاة فريضة وبعد سجوده البعدي ومبدأه ظهر يوم النحر.
ابن ناجي: وظاهره أن النساء يكبرن كغيرهن وهو كذلك.
وفي المختصر: لا يكبرن إلا أن يكون معهن رجل حكاه المازري وحكاه عبد الحميد (٢) دون استثناء. انتهى (٣).
لما بين قدر وقتها ومبدأها علمنا أن الصبح من يوم الرابع متنهاها.
стр. 355
قال ابن العربي: والحكمة في ذلك ما ذكره علماؤنا الإقبال على الذكر عند قضاء المناسك شكرا على ما أولى نا من الهداية وأنقذ به من الغواية وبدلا عما كانت الجاهلية تفعله من التفاخر بالآباء وتعداد المناقب. انتهى (١).
قوله: (لا نافلة ومقضية فيها مطلقا، وكبر ناسيه إن قرب والمؤتم إن تركه إمامه) أي لا يكبر أثر صلاة نافلة ولا إثر مقضية فيها أي في تلك الأيام سواء كانت المقضية من أيام التشريق أم لا وإليه أشار بقوله مطلقا، وكبر ناسي التكبيرات إن قرب والطول فيه مفارقة المجلس ويكبر المؤتم إن تركه إمامه.
قوله: (ولفظه وهو الله أكبر ثلاثا) أي ولفظ هذا التكبير الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاث مرات (وإن قال بعد تكبيرتين:) منها ﴿لا إله إلا الله، ثم تكبيرتين ولله الحمد، ف﴾ ذلك (حسن).
قوله: (وكره تنفل بمصلى قبلها وبعدها. لا بمسجد فيهما) أي وكره التنفل في مصلى العيد قبل صلاتها وبعدها فلا يكره له ذلك قبلها ولا بعدها إذا صلى العيد بمسجد. انتهى.
وفي الواضحة قال مالك في قول الرجل لأخيه في العيد: تقبل الله منا ومنك، وغفر الله لنا ولك: ما أعرفه، ولا أنكره.
قال ابن حبيب لم يعرفه سنة، ولا أنكره لأنه قول حسن، ورأيت من أدركت من أصحابه لا يبدؤون به، ولا ينكرونه على من قاله لهم، ويردون عليه مثله، قال: ولا بأس به عندي أن يبتدئ به. انتهى من اللخمي (٢).
وسمي العيد عيدا لعوده وتكرره.
وقيل: تفاؤلا ليعود على من أدركه، كما سميت القافلة قافلة تفاؤلا بأن يرجع المسافر، ويسمى اللديغ سليما تفاؤلا للسلامة. انتهى.