← Фикх малики

Фикх малики · id 30174

موهوب الجليل في شرح مختصر خليل

ابن أبي بكر الواداني

Полный текст (1 727 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

(قبله) أي وسجد غير المأموم وهو الإمام قبل السلام وأما المأموم فلا يسجد إن نسيها لأن الإمام حملها عنه. قال في الرسالة: وكل سهو سهاه المأموم فالإمام يحمله عنه إلا ركعة أو سجدة (١). قال أشهب في كتاب محمد: وإن كبر الإمام في الأولى أكثر من سبع وفي الثانية أكثر من خمس لم يتبع (٢). قوله: (ومدرك القراءة يكبر) أي وإن فاتته التكبيرات مع الإمام ولكن أدرك القراءة فإنه يكبر التكبيرات كلها ولا يقال أنه قضاء في حكم الإمام لخفة الأمر في ذلك. قوله: (فمدرك الثانية يكبر خمسا، ثم سبعا بالقيام) أي وإن فاتته الركعة الأولى مع الإمام وأدرك الثانية معه فإنه يكبر خمس تكبيرات لتكون له مع تكبيرة الإحرام ست ثم إذا قام لقضاء الأولى كبر لها سبعا بتكبيرة القيام وإليه أشار بقوله ثم سبعا بالقيام لأنه يقوم لها بتكبير لخصوصية العبد بزيادة التكبير (وإن فاتت) أي وإن فاتت الثانية أيضا كما إذا لم يدرك إلا التشهد (قضى) الركعة الأولى بست) تكبيرات (وهل) هذه الست (بغير) تكبيرة (القيام؟) وهو قول ابن رشد، عبد الحق يكبر ستا لا غير فيه (تأويلان). قوله: (وندب إحياء ليلته، وغسل، وبعد الصبح وتطيب وتزين، وإن لغير مصل، ومشي في ذهابه) شروع منه ﵀ يذكر مندوبات العيد أي وندب إحياء ليلة العيد بالعبادة، روي: «من أحيا ليلة العيد أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب (٣)» ومما يندب لمريد حضور العيد الغسل لجميع بدنه ويندب له أن يكون غسله ذلك بعد صلاة الصبح ومما يندب له التطيب فيه بروائح طيبة والتزين بما يليق بمثله وإن لغير مصل لأن التطيب والتزين لليوم لا للصلاة بخلاف الجمعة. انتهى. وفي اكمال الإكمال واختلف السلف في خروج النساء فأجازه أبو بكر وعلي

стр. 352

وابن عمر و وغيرهم ومنعه عروة (١) والقاسم (٢) وأجازه مالك ويحيى ابن سعيد (٣) للمتجالة دون الشابة. قلت: هذا في خروجهن إلى الصلاة، وأما اليوم فلا يختلف في منعهن لأنهن لا يخرجن إلى الصلاة، ويتأكد على الرجل منع زوجته منه ولا يكون جرحة إن تركها لأنها لا تعرف عينها، ويتأكد المنع إذا كانت الزوجة تسرع إليها العيون. ورآ الأجمي (٤) قاضي الأنكحة بتونس امرأة بالشارع على هذه الصفة فأرسل إلى زوجها وقدم إليهما أنه إن رآها بعد اليوم أدبه وأدبها. انتهى (٥). ومن قسم المندوبات لبس الثياب الجميلة في الأعياد، قال القاضي: ويتبع ذلك الزينة والطيب وما في معناه، وماهو من حقوق الآدميين مما يتجملون به ويدفع الإزدراء عنهم وهدم المروة. انتهى. ومما يندب لمريد العيد مشي في ذهابه إليها لا رجوعه عنها لأنه في ذهابه عبد ذاهب إلى ربه ليتقرب إليه فينبغي أن يذهب راجلا متذللا وهو سير العبد إلى مولاه ففارق الرجوع. انتهى من اللخمي (٦). قوله: (وفطر قبله في الفطر، وتأخيره في النحر، وخروج بعد الشمس، وتكبير فيه

стр. 353

حينئذ لا قبله، وصحح خلافه، وجهر به وهل لمجيء الإمام أو لقيامه للصلاة؟ تأويلان أي ويندب له أن يفطر يوم عيد الفطر قبل ذهابه إليها ليفرق بين يومه الذي وجب فيه الفطر وأمسه الذي حرم فيه، وندب له تأخير الفطر في يوم عيد الأضحى حتى يصلي ليأكل من كبد أضحيته، ومما يندب له أن يخرج إلى صلاة العيد بعد طلوع الشمس، وندب له التكبير في خروجه حينئذ فلا يندب له التكبير إن خرج قبل طلوع الشمس وصحح خلاف هذا وهو قول مالك أيضا، فيكبر في خروجه وإن قبل طلوع الشمس، ويندب له الجهر بالتكبير بحيث يسمع من يليه، وهذا أحد المواضع الذي يندب فيه الجهر بالذكر وهل منتهى هذا التكبير مجيء الإمام إلى المصلى أو إلى قيامه للصلاة وهو رواية ابن وهب فيه تأويلان للخمي وابن يونس. قوله: (ونحره أضحيته بالمصلى، وإيقاعها به إلا بمكة، ورفع يديه في أولاه فقط، وقراءتها بكسبح والشمس، وخطبتان كالجمعة، وسماعهما، واستقباله، وبعديتهما، وأعيدتا إن قدمتا، واستفتاح بتكبير، وتخللهما به بلا حد) أي وندب لإمام صلاة عيد الأضحى نحر أضحيته إن كان مما ينحر أو ذبحه إن كان مما ذكاته الذبح في المصلى ليعلم الناس ذلك لئلا يذبحوا قبله، فلا ينحر الإمام أضحية قبل الخطبة فإن فعل أعاد، ومما يندب إيقاع صلاة العيد بالمصلى خارج البلد إلا في مكة زاده الله تشريفا فإنها تقام في مسجدها نص عليه مالك. قال ابن بشير: لئلا يخرجوا عن الحرم، والحرم أفضل من خارجه واعترضه التادلي (١) بأنه يلزم عليه ألا تقام خارج مسجد المدينة، وقد أقامها ﷺ خارجه بالمصلى، وإنما العلة والله أعلم هي أن في صلاتها في المسجد الحرام مشاهدة الكعبة وهي عبادة لما أخرجه الحافظ أبو عبد الله محمد (٢) أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل كل يوم على البيت مائة وعشرون رحمة، ستون للطائفين، وأربعون للصملين، وعشرون للناظرين» (٣)، وهذه الخصوصية مفقودة في غيره من المساجد. انتهى من

стр. 354

ابن ناجي (١). ومما يندب لمصلي صلاة العيدين أن يرفع يديه في أولى التكبير فيحرم بها لا غير أولاه وندب له أن يقرأ في الركعة الأولى ب ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] وفي الثانية ب ﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١] ويندب له أن يخطب فيهما خطبتان كالجمعة في الصفة يجلس عند أولهما وبينهما، لا تشبيها بخطبة الجمعة في الحكم لأن خطبة العيد مستحب، وإن أحدث في أثنائها تمادى، ومما يندب سماع الخطبتين، واستقبال الإمام فيهما، وأن تكون الخطبتان بعد الصلاة وإن قدمتا عنها أعيدتا إن قرب وإلا فلا، ويندب للإمام أن يستفتح الخطبتان بالتكبير ويخللهما به ولا حد في كثرة ذلك ولا في قلته خلافا لمن حد. وقال: يستفتح بسبع ثم ثلاث في أثناء الخطبة. قوله: (وإقامة من لم يؤمر بها أو فاتته) أي وندب لمن لم يخاطب بها، وهو من لم يؤمر بالجمعة كالعبد والمسافر إقامة صلاة العيد، وإن أقامها المسافر فلا خطبة عليه وإن خطب فحسن، وهل يجتمعون أو يصلون أفذاذا فيه خلاف، وكذلك يندب إقامتها لمن فاتته. قوله: (وتكبيره إثر خمس عشرة فريضة وسجودها البعدي من ظهر يوم النحر) أي يندب للمصلي أن يكبر في عيد الأضحى أيام التشريق إثر خمس عشرة صلاة فريضة وبعد سجوده البعدي ومبدأه ظهر يوم النحر. ابن ناجي: وظاهره أن النساء يكبرن كغيرهن وهو كذلك. وفي المختصر: لا يكبرن إلا أن يكون معهن رجل حكاه المازري وحكاه عبد الحميد (٢) دون استثناء. انتهى (٣). لما بين قدر وقتها ومبدأها علمنا أن الصبح من يوم الرابع متنهاها.

стр. 355

قال ابن العربي: والحكمة في ذلك ما ذكره علماؤنا الإقبال على الذكر عند قضاء المناسك شكرا على ما أولى نا من الهداية وأنقذ به من الغواية وبدلا عما كانت الجاهلية تفعله من التفاخر بالآباء وتعداد المناقب. انتهى (١). قوله: (لا نافلة ومقضية فيها مطلقا، وكبر ناسيه إن قرب والمؤتم إن تركه إمامه) أي لا يكبر أثر صلاة نافلة ولا إثر مقضية فيها أي في تلك الأيام سواء كانت المقضية من أيام التشريق أم لا وإليه أشار بقوله مطلقا، وكبر ناسي التكبيرات إن قرب والطول فيه مفارقة المجلس ويكبر المؤتم إن تركه إمامه. قوله: (ولفظه وهو الله أكبر ثلاثا) أي ولفظ هذا التكبير الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاث مرات (وإن قال بعد تكبيرتين:) منها ﴿لا إله إلا الله، ثم تكبيرتين ولله الحمد، ف﴾ ذلك (حسن). قوله: (وكره تنفل بمصلى قبلها وبعدها. لا بمسجد فيهما) أي وكره التنفل في مصلى العيد قبل صلاتها وبعدها فلا يكره له ذلك قبلها ولا بعدها إذا صلى العيد بمسجد. انتهى. وفي الواضحة قال مالك في قول الرجل لأخيه في العيد: تقبل الله منا ومنك، وغفر الله لنا ولك: ما أعرفه، ولا أنكره. قال ابن حبيب لم يعرفه سنة، ولا أنكره لأنه قول حسن، ورأيت من أدركت من أصحابه لا يبدؤون به، ولا ينكرونه على من قاله لهم، ويردون عليه مثله، قال: ولا بأس به عندي أن يبتدئ به. انتهى من اللخمي (٢). وسمي العيد عيدا لعوده وتكرره. وقيل: تفاؤلا ليعود على من أدركه، كما سميت القافلة قافلة تفاؤلا بأن يرجع المسافر، ويسمى اللديغ سليما تفاؤلا للسلامة. انتهى.

стр. 356

فصل [في حكم صلاة الكسوف والخسوف] قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه حكم صلاة الخسوف وكيفيتها ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب الأصل فيه قول النبي ﷺ : «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة حتى تنجلي» (١)، وقال تعالى: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن﴾ [فصلت: ٣٧]. وقوله: سن هذا هو الحكم على المشهور وقال بعضهم بل باتفاق المذهب وقال بعضهم بل بإجتماع العلماء. قوله: (سن - وإن لعمودي ومسافر لم يجد سيره لكسوف الشمس - ركعتان سرا) أي وسن لأجل كسوف الشمس صلاة ركعتين وإن لعمودي وهو البدوي وأحرى الحضري أو كان مسافرا والمقيم أحرى وإنما تسن على مسافر إذا لم يجد سيره وأما إن جد به السير فلا تسن في حقه. وقوله: سرا أي والقراءة فيها سرا لأنها نهارية لا خطبة فيها. وقوله: (بزيادة قيامين وركوعين) تبيين لكيفية الصلاة في كسوف الشمس أي يزيد فيها قياما في الأولى والثانية، وزيادة ركوع فيهما، والركوع الثاني من كل ركعة هو الأصل والأول زائد. قوله: (وركعتان ركعتان لخسوف قمر كالنوافل جهرا بلا جمع) أي وسن لأجل خسوف القمر صلاة ركعتين ركعتين إلى أن ينجلي كالصلاة المعهودة في النوافل وقال بعضهم: المشهور في صلاة خسوف القمر أنها فضيلة لا سنة وتجهر فيها القراءة لأنها صلاة ليل. وقوله: بلا جمع أي فلا يؤمرون بالجمع في صلاة خسوف القمر، فيصلونها في بيوتهم أفذاذا ولا يكلفون الخروج إلى المسجد ليلا للمشقة في ذلك عليهم خوفا

стр. 357

من الضرر، وهذا هو المعروف من المذهب. قال مالك في المجموعة: يفزع الناس في خسوف القمر إلى الجامع ويصلون به أفذاذا (١). قوله: (وندب بالمسجد، وقراءة البقرة، ثم موالياتها في القيامات، ووعظ بعدها) أي وندب إيقاع صلاة كسوف الشمس في المسجد لا في المصلى، لأنهم إذا خرجوا إلى المصلى يخافون فواتها بالإنحناء، ولأنها في نهار ولا ضرورة على الناس في الجمع فيه، ويندب فيها قراءة سورة البقرة في القيام الأول، ثم قراءة السورة التي تلي سورة البقرة في القيامات الباقية، ويقرأ أم القرآن في كل قيام، وندب له أن يعظ الناس بعدها ويذكرهم ما يؤولون إليه. قوله: (وركع كالقراءة) أي ويركع فيها ركوعا طويلا كالقراءة التي تقدم ذكرها (وسجد) سجودا طويلا (كالركوع) المتقدم. قال في الطراز: فإن سهى عن طوله سجد لأنه من سننها فأشبه تكبيرات العيد، وهذا كله مع اتساع الوقت (٢) وإلا فلا، وهذا خلاف الرسالة لأنه قال: فيها سجدتين تامتين (٣)، ولا يدعوا في الركوع ولا يقرأ فيه بل يسبح أو يهلل. انتهى. قال في اكمال الإكمال: وقوله: آية من آيات الله. قال عياض: في كل شيء آية. ولكن لما كانت الجاهلية تعتقد أنهما إنما يخسفان لموت عظيم، والمنجمون يعتقدون تأثيرهما في العالم، وكثير من الكفرة يعتقد تعظيمهما لكونهما أعظم الأنوار، حتى أفضت الحال إلى أن عبدهما كثير منهم خصهما ﷺ بالذكر تنبيها على سقوطهما عن هذه المنزلة، لما يعرض من النقص لهما وذهاب ضوئهما الذي عظما في النفوس من أجله. وأيضا فلما جاء أن الساعة تكون وهما مكسوفان، ولذا قال في الآخر: «فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة» (٤). وأيضا فإن غيرهما من الآيات كطلوعهما وشروقهما وجري البحار وتفجير

стр. 358

الأنهار ونمو الثمار مألوف، وهذه غير مألوفة في سائر الأوقات، ولهذا أشار بقوله في الآخر: «يخوف بهما عباده (١)» قلت: واختلف في سبب الكسوف والخسوف. فقال ابن العربي وغيره هما أثران يخلقهما الله تعالى متى شاء في جزء من الشمس والقمر دون توقف على سبب أو ربط باقتران. قال بعضهم: وهذا هو مذهب أهل التوحيد. قال عياض: هما خلقان من خلقه يحدث فيهما ذلك للتخويف، وهما مفترقان في كشف ما نزل بهما من ذلك إلى دعاء بني آدم لا كما يقوله من يعتقد تأثيرهما في العالم بالكون والفساد. انتهى (٢). قوله: (ووقتها كالعيد) لما ذكر الحكم والكيفية شرع يذكر الوقت الذي تقام فيه أي ووقت صلاة كسوف الشمس كوقت صلاة العيد، وهو من حيث تجوز صلاة النفل من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال، فإن طلعت مكسوفة فلا يصلى لها إلى أن يحل وقت النفل. قوله: (وتدرك الركعة بالركوع) أي وتدرك الركعة في صلاة الكسوف بالركوع الحقيقي ولو في الركوع الثاني لأنه الأصل. قوله: (ولا تكرر. وإن انجلت في أثنائها، ففي إثمامها كالنوافل قولان) أي فإن تمت الصلاة وهي لم تنجل لا تكرر لها الصلاة، وإن انجلت في أثناء الصلاة ففي إتمامها كصلاة النوافل فيفرد الركوع أو يتم على هيأتها من غير إطالة فيه قولان. وظاهر كلام الشيخ عقد ركعة أم لا. وقال بعضهم: هذا إذ انجلت بعد عقد ركعة منها وأما إذا انجلت قبل عقد ركعة ففي قطعها أو إتمامها كالنوافل قولان. قوله: (وقدم فرض خيف فواته) أي كان الفرض صلاة أو غيرها، فإن قيل ما الفرض في وقت صلاة الكسوف قلت جنازة خيف عليه التغير بالتأخير، وإن طلع القمر مخسوفا في وقت المغرب قدم صلاة المغرب لأنها فرض وإن خسف بعد طلوع الفجر فلا يصلي له للاستغناء عنه بضوء النهار.

стр. 359

قوله: (ثم كسوف، ثم عيد، وأخر الاستسقاء ليوم آخر) أي ثم صلاة كسوف تقدم لخوف فواتها ثم صلاة عيد بعدها واعترض بأن الكسوف أكثر ما يكون في آخر الشهر والعيد في أوله فلا يلتقيان عادة ورد الاعتراض بأنه تقدير أن لو وقع ورد هذا بأن الفقهاء ليس من عادتهم التقدير ويقدم العيد على الاستسقاء لأن العيد يوم تجمل وفرح، والاستسقاء يوم رهبة وسكون، فيؤخر الاستسقاء ليوم آخر إن أمكن تأخيره وإن لم يمكن تأخيره لخوف عطش أقاموه قبل العيد. فصل [في صلاة الاستسقاء] قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه حكم صلاة الإستسقاء وقدرها وما يتعلق بذلك، وبدأ فيه بالحكم فقال: (سن الاستسقاء لزرع، أو شرب بنهر، أو غيره وإن بسفينة ركعتان جهرا) أي من صلاة الإستسقاء أي لطلب السقي لأجل زرع لم ينبت، أو نبت وخافوا عليه العطش، أو احتاجوا الشرب لأنفسهم أو دوابهم، لأجل تخلف نهر كنيل مصر أو غيره أو احتاجوا المطر أو غور عين، ويستسقون للشرب وإن كانوا في سفينة بحر مالح، أو كان في غير إبان المطر، ولا يقال أنهم طلبوا خرق العادة. وقوله: ركعتان تبيين لقدر صلاتها أي وصلاة الإستسقاء قدرها ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، لأنها صلاة فيها خطبة، وينبغي أن يؤمهم فيها صالحهم لمظنة الإجابة. قوله: (وكرر إن تأخر) أي وكرر فعل الاستسقاء إن تأخر المطلوب وهو السقي، والأصل في تكرره قوله ﷺ : «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي (١) فيتحسر عند ذلك ويدع الدعاء» (٢). انتهى. كرر الاستسقاء في مصر وفيهم ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون خمسة

стр. 360

وعشرين يوما. انتهى (١). وقد يؤخر الله تعالى إجابة عبده وهو يحبه ليسمع تضرعه، ويعجل إجابة الفاجر كراهية له. قوله: ﴿وخرجوا ضحى﴾ أي ويخرج المستسقون وقت الضحى. وقال في الكسوف ووقته كالعيد ولم يقله هنا. وقوله: ﴿مشاة، ببذلة وتخشع:﴾ اللخمي لأنه صفة سير المذنب إذا أخذ بذنبه وكان يسعى في الفكاك أي ويخرجون إليها مشاة على أرجلهم لا بسين البذلة من الثياب وهي التي لا تصان متذللين متخشعين. ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ إلى الاستسقاء متبذلا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى (٢). وقوله: ﴿مشايخ ومتجالة، وصبية﴾ أي فيهم مشايخ إذ هم مظنة الإجابة وتخرج إليه المتجالة وهي التي لا إرب للرجال فيها ويخرج إليه الصبيان العقلاء (لا من لا يعقل منهم وبهيمة) خلاف لمن قال يخرج بها ولا بهيمة ﴿و﴾ لا ﴿حائض﴾ ولا شابة. اللخمي: ولا يدعوا يومئذ للأمير، فليس هو يوم ذلك، ويخلص الأمر لله . انتهى (٣). قوله: ﴿ولا يمنع ذمي وانفرد لا بيوم﴾ أي من الخروج إلى الاستسقاء طلبا لرزقهم من خالفهم ولكن يكونوا منعزلين في ناحيتهم منفردين ولكن لا ينفردون بيوم ولا بساعة خشية أن يسبق القدر لسقياهم فيفتتن ضعفاء المسلمين، ولا يتقرب إلى الله سبحانه بأعدائه. انتهى. ويدعوا بالاستصحاء، إذا أضر المطر بالناس في زرعهم أو غير ذلك من أملاكهم. قاله اللخمي. انتهى (٤). عياض: قوله ﵊: «اللهم حوالينا ولا علينا» (٥) فيه أدبه الكريم

стр. 361

وخلقه العظيم، إذ لم يدع برفعه لأنه رحمة بل دعا بكشف ما يضرهم وتصييره إلى حيث يبقى نفعه وخصبه، ولا يستضر به ساكن ولا ابن سبيل. انتهى (١). قوله: (ثم خطب كالعيد وبدل التكبير بالاستغفار، وبالغ في الدعاء آخر الثانية مستقبلا) أي في الصفة بأن يجلس أولهما وبينهما ويستقبل الناس بوجهه مستدبرا القبلة ثم يخطب ثم يحول وجهه ويستسقي مستقبلا للقبلة مستدبرا على الناس وبعض الأئمة يعلمهم أن ما أصابهم مما كسبت أيديهم وبدل التكبير الذي في خطبة العيد بالإستغفار لأنه مظنة الغيث لقوله تعالى: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ [نوح: ١٠ - ١١] ويبالغ في الدعاء آخر الخطبة الثانية مستقبلا. قال في إكمال الإكمال: استحب مالك في الدعاء أن يكون ظهر كفيه إلى السماء وبه فسر الرهب في قوله تعالى: ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ [الأنبياء: ٩٠] قالوا وأما عند المسألة فيجعل ظهورهما إلى الأرض، وبه فسر الرغب. قال ابن عطية (٢): ووجه ذلك أن الراغب لما كان طالبا وكان الكف آلة الأخذ ناسب أن يبسط نحو المطلوب، ولما كان الرهب دفع مضر حسن معه نبذ الأشياء وتركها خلف. انتهى (٣). قوله: (ثم حول رداءه: يمينه يساره) ظاهره أن التحويل بعد الدعاء وهو خلاف المدونة والرسالة وغيرهما، ويحول ما على يمينه إلى يساره مبقيا حاشيته الأعلى أعلى فلا ينكس خلافا لمن قال: ينكس بأن يجعل ما كان أعلى أسفل وهذا التحويل تفاؤلا أي يتحول الحال عما هي عليه من الجدب إلى الخصب ومن العطش إلى السقي ومن الشدة إلى الرخاء. انتهى. وفي إكمال الإكمال وذكر الواقدي (٤) أن رداءه ﷺ كان طول ستة أذرع في

стр. 362

عرض ثلاثة وشبرين وأن إزاره ﷺ كان من نسج عمار (١) طول أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر يلبسهما يوم الجمعة والعيد ثم يطويان وذكر أبو سعيد (٢) أن رداءه ﷺ كان طول أربعة أذرع في عرض ذراعين وشبر (٣). قوله: (بلا تنكيس، وكذا الرجال فقد قعودا) أي يحول رداءه بلا تنكيس فلا يجعل الحاشية الأعلى أسفل خلافا لمن قال به، وكذلك الرجال يحولون أرديتهم بخلاف النساء لأن فيه كشفهن، والتحويل المذكور في الرجال إنما يكون في حال قعودهم. قوله: (وندب خطبة بالأرض، وصيام ثلاثة أيام قبله، وصدقة ولا يأمر بهما الإمام بل بتوبة، ورد تبعة، وجاز تنقل قبلها وبعدها) أي وندب للإمام أن يخطب على الأرض لا على المنبر لأن ذلك أخشع له وأقرب للتواضع إذ هو يوم استكانة وخضوع، ومما يندب صيام ثلاثة أيام قبل الاستسقاء، وكذلك يندب صدقة قبله ولكن لا يأمر بهما الإمام أمر تكليف بل يأمر بهما أمر ندب ويأمر بتوبة ورد تبعة أمر تكليف ويأمرهم بالصدقة ترغيبا. وفي إكمال الإكمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دعائم الإسلام المجمع على وجوبهما ولم يخالف فيه إلا من لا يعتد بخلافه من الروافض. قال النووي: فإن احتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ [المائدة: ١٠٥] الآية ورد بأن معنى الآية عند المحققين إن امتثلتم لا يضركم تقصير من لم يمتثل. انتهى (٤). قال صاحب مغني النبيل: وليس من السنة الأمر بالصيام قبله واستحبه ابن حبيب. انتهى.

стр. 363

وتجوز صلاة النفل في المصلى قبل صلاة الاستسقاء وبعدها. قوله: (واختار إقامة غير المحتاج بمحله لمحتاج. قال: وفيه نظر) أي واختار اللخمي في نفسه إقامة غير المحتاج إلى الاستسقاء لمحتاج إليه لأنه من التعاون. وقال المازري: وفي اختياره هذا نظر لأنه لم يقم على صلاتهم دليل، وأما الدعاء لمحتاج فمندوب (١). قال صاحب إكمال الإكمال: قلت: وصلاتها عند الخطبة إنما هو ما لم يؤد إلى أمر أشد احتيج إلى الاستسقاء بتونس مرارا وإمام جامعها الشيخ ولم يصلها بالناس. وقال: خفت إن صليتها أن يشتد أمر الطعام ويقوي الهرج والغلاء. انتهى (٢). ومن دعائه ﷺ في الاستسقاء: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت إلينا قوة وبلاغا إلى حين» (٣)، ومنه «اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا» (٤). ومنه: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير آجال» (٥)، ومنه «اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك على أرضك وأحي بلدك الميت» (٦). انتهى.

стр. 364

فصل [في صلاة الجنازة وما يتعلق بالميت] قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل الجنائز، والنظر فيه مما يتعلق فيه بآداب المحتضر، وتغسيل الميت وتكفينه ودفنه والصلاة عليه وحمله والتعزية والبكاء عليه. يقال: الميت بكسر الياء وتشديدها، وبسكون الياء الموت وهو زوال الحياة، وقيل فساد بنية الحياة، وهو ليس بفناء صرف وإنما هو تبديل الحال من حال لحال، وانقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وانتقال من دار إلى دار. قوله: (في وجوب غسل الميت بمطهر، ولو بزمزم، والصلاة عليه، كدفنه وكفنه) إلى قوله: (وسنيتهما، خلاف)، وخلاف مبتدأ مؤخر أي وفي وجوب غسل الميت والصلاة عليه وسنيتهما خلاف. قال صاحب إكمال الإكمال: القول بالسنية لابن أبي زيد والأكثر. والقول بالوجوب أي على الكفاية للبغداديين. ابن العربي: ولا أدري كيف يقال بعدم الوجوب مع تكرار الأمر به ومصاحبة العمل له. المازري: قيل الغسل سنة. وقيل واجب. وسبب الخلاف قوله ﷺ : «اغسلنها ثلاثا أو خمسا إن رأيتن ذلك» (١) هل يرجع إلى الغسل؟ أو إلى الزيادة في العدد؟ وفي هذا الأصل خلاف في الأصول وهو الاستثناء أو الشرط المعقب جملا هل يرجع إلى الجميع إلا ما أخرجه الدليل أو إلى الأخير؟ قلت: والإجزاء على رجوع الشرط إلى الغسل ضعيف. انتهى (٢). قوله: كدفنه وكفنه أي كما يجب الدفن والكفن بلا خلاف. الكفن بفتح الفاء اسم لما يكفن به، وسكونها اسم للفعل. وقوله: بمطهر أي يغسل الميت بماء مطهر، ولو كان بماء زمزم بل هو أولى لما

стр. 365

يرجى من بركته. ابن شعبان لا يغسل الميت بماء زمزم، ولا تغسل به النجاسة وإليه أشار بلو. وقوله: (وتلازما، وغسل كالجنابة) أي الصلاة على الميت وغسله متلازمان فمن وجبت الصلاة عليه وجب عليه الغسل، ومن لا يصلى عليه فلا يغسل إما لشرفه كالشهداء لكرامتهم أو الكفار لدناءتهم. وفي إكمال الإكمال واختلف هل صلي على النبي ﷺ ، فقيل: لم يصل عليه وإنما كان الناس يدخلون فيدعون وينصرفون، وقيل: بل صلوا عليه أفذاذا فوجا بعد فوج، واختلف في علة القول بعدم الصلاة عليه، فقيل: لأن الصلاة شفاعة وهو شفيع فلا يكون مشفوعا له. وقيل لأنه شهيد. وقيل: لعدم الإمام لأن البيعة لم تتم لأبي بكر حينئذ. انتهى (١). وينوي المصلي على الجنازة الصلاة عليها وأنها فرض كفاية أو سنة كفاية فإن غفل عن الأخير فلا يضره وصفة غسل الميت كغسل الجنابة. قوله: (تعبدا بلا نية) أي وغسل الميت تعبد التعبد ما كلفنا به ولم تظهر لنا حكمته مع أنا جزمنا على وجود الحكمة ولا يحتاج الغاسل إلى نية الغسل لأنه في غير المتعبد به. قوله: (وقدم الزوجان إن صح النكاح، إلا أن يفوت فاسده) أي وقدم الزوجان على الأولياء بالقضاء إذا حصل بينهم تنازع في تغسيل أحدهما الآخر أما الزوجة فلأنها في عدته لأن المعتبر حال الموت وقد غسل أبو بكر وأبو موسى الأشعري (٢) زوجاهما ولم ينكر قول عائشة ﵂: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ غير أزواجه (٣). وأما الزوج فلغسل علي فاطمة (٤) ﵂.

стр. 366

ابن عرفة الزوج أحق بإدخال زوجته قبرها، فإن لم يكن فأقرب محارمها. ابن القاسم: فإن لم يكونوا فأهل الفضل. قال سحنون: إن لم يكونوا فالنساء، وإن لم يكن فأهل الفضل. ابن حبيب وأصبغ: إن لم يكونوا فقواعد النساء، فإن لم يكن فأهل الفضل. ابن حبيب وللزوج الاستعانة بذي محرم، فإن لم يكن فبذي الفضل عند أعلاها، والزوج عند أسفلها، قالوا: ويستر قبرها بثوب. أشهب ولا أكرهه في الرجل. انتهى (١). وإنما يقدم الزوجان في اغتسال أحدهما الآخر إن كان نكاحهما صحيحا، لا إن كان فاسدا لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، إلا أن يفوت الفاسد بما يفوت به من الدخول فقط أو الدخول مع الطول أو الطول مع الأولاد إذ في الأنكحة الفاسدة ما قد يفوت بالدخول فقط، ومنها ما لا يفوت إلا بالدخول والطول معا كما سيأتي في موضعه إن شاء الله، فإن فات بما يفوت به يكون حينئذ كالصحيح. وقوله: (بالقضاء) متعلق بقوله: وقدم الزوجان إذ من له حق يحكم له به. قوله: (وإن رقيقا أذن سيده، أو قبل بناء، أو بأحدهما عيب أو وضعت بعد موته، والأحب نفيه إن تزوج أختها، أو تزوجت غيره) أي وإن كان أحد الزوجين رقيقا إذ حكم الزوجين من الرقيق كالأحرار إلا أن استيفاء الحق في العبيد يوقف على إذن السادة فلا يغسله إلا بإذن سيده، وكذلك إن مات أحد الزوجين قبل البناء أو كان به عيب يوجب الخيار، فإن الآخر منهما يقدم على الأولياء في اغتساله لأن النكاح ثابت والمعتبر وقت الموت، وكذلك هي أحق باغتسال زوجها إن مات قبل وضعها ووضعت بعد موته وقبل غسله، لأن المعتبر حال الموت وهي فيه زوجة، والأحب نفي اغتساله لها إن تزوج أختها، وكذلك إن تزوجت هي. قوله: (لا رجعية) أي لا تغسله المطلقة الرجعية لأنها حال الموت ليست بزوجة وهو المعتبر، الفرق بينه وبين من تزوجت غيره أن الرجعية لا تحل له وقت الموت،

стр. 367

والمتزوجة تحل له وقت الموت. قوله: (وكتابية) أي لا تغسله زوجته الكتابية (إلا بحضرة مسلم) وأما الزوج فلا يغسل زوجته الكتابية. وقوله: (وإباحة الوطء للموت برق) ضابط حسن أي وإباحة الوطء المستمر إلى الموت برق (تبيح الغسل من الجانبين) فتغسل الأمة سيدها ويغسلها مدبرة كانت أو قنا وإن مع مانع طارئ كالظهار والنفاس فلا يغسل مكاتبته ولا معتق بعضها ولا معتقة إلى أجل ولا مشتركة أو كان مدينا وحجر عليه لعدم إباحة الوطء فيهن حين الموت. قوله: (ثم أقرب أوليائه، ثم أجنبي، ثم امرأة محرم. وهل تستره، أو عورته؟ تأويلان، ثم يمم لمرفقيه: كعدم الماء، وتقطيع الجسد، وتزليعه، وصب على مجروح أمكن ماء كمجدور؛ إن لم يخف تزلعه) أي فإن لم يكن زوج أو أبى من الاغتسال فأقرب أوليائه كالأولياء في النكاح أولى باغتساله فإن لم يكن ولي فرجل أجنبي فإن لم يكن فامرأة محرم وإن بمصاهرة فإن غسلته فهل تستر بدنه كله حين الاغتسال أو إنما تستر عورته فقط فيه تأويلان. فإن لم تكن امرأة محرم يمم النساء وجهه ويديه إلى مرفقيه كما يمم لعدم الماء، وهو تشبيه لإفادة الحكم أو دليل على أن الغسل تعبد، وكذلك يمم إذا خيف تقطيع الجسد بالغسل أو تزلعه به إن سلم محل التيمم، ويصب الماء على المجروح إن أمكن الصب عليه وإلا يمم، كما يصب الماء على مجدور وإن لم يخف تزلعه، خالف الشيخ هنا قاعدته الأكثرية أن الشرط راجع إلى ما بعد الكاف وقد يفعله. قوله: (والمرأة أقرب امرأة، ثم أجنبية، ولف شعرها، ولا يضفر، ثم محرم فوق ثوب، ثم يممت لكوعيها)، لما فرغ ممن يغسل الرجل شرع يذكر من يغسل المرأة أي فإن لم يكن زوج يغسلها فأولى بغسلها أقرب امرأة إليها كبنت أو أم، فإن لم تكن فامرأة أجنبية، فإن لم تكن امرأة أجنبية فرجل محرم وإن بمصاهرة وإن فوق ثوب صبا ودلكا، فإن لم يكن رجل محرم يممت إلى كوعيها، ويلف شعرها بعد الغسل ولا يضفر خلافا لمن قال: يضفر ثلاث ذوائب. قوله: (وستر من سرته لركبتيه وإن زوجا) أي ويستر الميت عند الإغتسال من سرته إلى ركبتيه، وصفة الستر أن يجمع ثوب ويجعل هناك ولا يبسط لأنه يصفه،

стр. 368

وإن كان الغاسل زوجا وأحرى غيره. ابن حبيب: يجوز غسله بادي العورة. انتهى (١). وروي أن امرأة غسلت امرأة فوضعت يدها على فرجها فلصقت يدها به، فاختلف فيه الفقهاء فقال بعضهم: يقطع الفرج ارتكابا لأخف الضررين، فسئل فيه الإمام مالك ﵀ فقال: اسئلوها عما قالت حين وضعت يدها على الفرج. فقالت: قلت: طالما عصى الله هذا الفرج. فقال: قذفتها. اجلدوها حد القذف، فجلدت فارتفعت يدها، ولذلك لا ينبغي لأحد أن يفتي بحضرة مالك. انتهى. قوله: (وركنها النية وأربع تكبيرات. وإن زاد لم ينتظر) أي وركن الصلاة على الميت النية وينوي بها فرض الكفاية، والركن الثاني أربع تكبيرات وإن زاد الإمام عنها لم ينتظر لأنه مبتدع بل يسلمون ولا ينتظرونه، وهذا بخلاف ما تقدم من أن المقتدي في الوتر يواصل يتبعه، الفرق بينهما أن الخلاف هناك قوي وهو هنا ضعيف، وقيل: ينتظر فيسلم بسلامه. قال صاحب إكمال الإكمال: وهو قول ابن وهب وأشهب وعبد الملك. واختلف هل يعتد به المسبوق فيكبرها أو لا يعتد به فلا يكبرها، واختلف إن نقص من الأربع فسلم من ثلاث. ابن حبيب: يتمها إن قرب وإلا ابتدأ فإن دفن فالصحيح أنه لا يخرج لإتمام التكبيرات ويكبرها على القبر. انتهى (٢). قوله: (والدعاء، ودعا بعد الرابعة على المختار) هذا هو الركن الثالث هو ان يدعو المصلي للميت، وأقله: اللهم اغفر له بعد كل تكبيرة من الأربع ولا حد لأكثره، ويدعو له بعد التكبيرة الرابعة على ما اختاره اللخمي وهو قول سحنون خلافا لابن حبيب. قوله: (وإن والاه، أو سلم بعد ثلاث أعاد. وإن دفن، فعلى القبر) أي وإن والى الإمام التكبيرات الأربع فسلم ولم يخلل بينهما بالدعاء أو سلم بعد ثلاثة تكبيرات، أعاد الصلاة إن فات التدارك، وإن دفن قبل الإعادة فعلى القبر تعاد كمن دفن بغير صلاة. قوله: (وتسليمة خفيفة) هذا هو الركن الرابع أن يسلم منها تسليمة خفيفة،

стр. 369

(وسمع الإمام من يليه)، وزاد بعضهم ركنا خامسا هو القيام فيها. قوله: (وصبر المسبوق للتكبير ودعا إن تركت) أي ويصبر المسبوق بتكبيرته إلى أن يكبر الإمام التكبيرة التي بين يديه ليدخل مع الإمام بها، وذلك إن بعد منه ما قبله وأما إن قرب فإنه يكبر لأن ما قارب الشيء له حكمه، وإنما يصبر إن بعد لأنه إذا كبر إما أن يكون قضاء قبل سلام الإمام، وإما أن يكون التكبير قبل إمامه، وإن كان لزيادة فلا زيادة فيها، ولكن يدعو في صبره ذلك، كما يدعو المسبوق بالرابعة إن بعد منها، لأنه لم يبق له من الصلاة ما يعتد به، ويدعو المسبوق إن تركت له (وإلا) أي وإن لم تترك له الجنازة (والى) التكبيرات ويسلم، هنا انتهى الصلاة على الميت. قال ابن مسعود: «والذي نفسي بيده ما من نفس منفوسة إلا والموت خير لها، لأنها إن كانت من أهل السعادة فما عند الله خير وأبقى، وإن كانت من أهل الشقاء فالله تعالى يقول: ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ [آل عمران: ١٧٨]». انتهى (١). فالمؤمن يستريح من تعب الدنيا، والفاجر راحة العباد منه، لأنهم إذا أنكروا عليه نالهم أذاه وإن تركوه أثموا، وراحت البلاد والدواب لما ينالهم من الجدب بسبب معاصيه، الميت من حيث هو مستريح أو مستراح منه. انتهى. قوله: (وكفن بملبوسه لجمعة) أي لما فرغ من الصلاة شرع يذكر صفة الكفن وقدره أي وكفن المية بملبوسه للجمعة لأنه ثوب العبادة، وكذلك الثوب الذي أحرم فيه، وينبغي أن يوصي به لما يرجى من بركته. قوله: (وقدم: كمؤونة الدفن على دين غير المرتهن. ولو سرق، ثم إن وجد وعوض ورث إن فقد الدين، كأكل السبع الميت) أي وقدم الكفن في مال الميت كما يقدم مؤنة دفنه على جميع الديون غير المرتهن فيه، ولو سرق الكفن بعد دفنه ولو قسم المال، ثم إن وجد المسروق والحال أنه عوض بدله ورث إن فقد الدين المستغرق له، كما يورث إن أكل السبع الميت إن لم يكن عليه دين. وفي إكمال الإكمال والكفن ملك الميت وحق له ما دام محتاجا إليه وكذا قال بعض شيوخ البغداديين لو أكلت السباع الميت رجع الكفن إلى الورثة. وقال: قال النووي: ووجه أنه من رأس المال مقدم على الدين أنه ﷺ أمر بتكفينه في النمرة ولم يسأل هل عليه دين. ولا يبعد من حال من ليس له إلا نمرة أن يكون عليه دين.

стр. 370

انتهى (١). قال ابن فرحون في درة الغواص: لعل مرادهم أن السباع أخرجته من كفنه وذهبت بأعضائه فلم توجد، وأما إن أكلت السباع لحمه وبقي عظامه فإنه يكفن بالكفن ويدفن فتأمله (٢). قوله: (وهو) أي والكفن، ومؤنة الدفن من غسل وحمل وحفر قبر وحراسته على المنفق (عليه (ب) سبب (قرابة أو رق) كالأولاد الصغار والكبار الزمناء الذين لا مال لهم والأبوين الفقيرين ولا فرق بين النفقة، والكسوة والكفن والمؤن، حتى يواريه في قبره، وقد فهم من الشرع أن الله خص كل واحد من هؤلاء بالقيام بالآخر عند العدم لدفع المعرة. انتهى من اللخمي (٣). وكذلك من تلزمه نفقته بسبب رق الإجماع على أن على السيد أن يكفن عبده وإن سقط عنه ملكه بالموت. قوله: (لا زوجية) أي لا على المنفق بسبب زوجية، وهو في مالها لانقطاع العصمة بالموت وهذا هو المشهور، وقيل على الزوج، وقيل إن كان لها مال فعليها وإلا فعلى الزوج (و) أما كفن (الفقير من) زوجة وغيرها فمن (بيت المال) إن كان وأمكن الوصول إليه (وإلا فعلى المسلمين) أي وإن لم يكن بيت المال أو كان ولم يمكن الوصول إليه كما في هذا الزمان فكفنه ومؤنة دفنه فعلى المسلمين بكفاية. قوله: (وندب تحسين ظنه بالله تعالى، وتقبيله عند إحداده على أيمن، ثم ظهر، وتجنب حائض وجنب له، وتلقينه الشهادة، وتغميضه، وشد لحييه إذا قضى، وتليين مفاصله برفق، ورفعه عن الأرض، وستره بثوب، ووضع ثقيل على بطنه) لما فرغ من الكفن وتوابعه، شرع يذكر المندوبات فقال: وندب أي وندب للمحتضر أن يحسن ظنه بالله تعالى ويذكر سعة رحمته التي وسعت كل شيء ويذكر الآية الكريمة: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ [الزمر: ٥٣] ويذكر عفو الله وغفرانه، ويندب له تقبيله أي توجهه حينئذ إلى القبلة عند إحداده أي عند شخوص بصره ويكون على جنبه الأيمن إن أمكن وإلا كيف ما

стр. 371

أمكن ويندب حينئذ تجنب حائض أي إبعاد حائض أو جنب منه إكراما للملائكة الطائفين بالرحمة لأنهم لا يأتون المكان الذي فيه حائض أو جنب أو آلة اللهو أو الكلب وأما الملكان الكاتبان لأعمال العباد فلا يفارقانه إلى أن يموت، ومما يندب تلقين المحتضر الشهادتين، لا إله إلا الله محمد رسول الله من غير إلحاح عليه لئلا يضجر فإن قالها ترك، وإن تكلم بعدها لقن أيضا لأنه ﷺ قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (١). المازري: وتلقين المحتضر يحتمل أنها ساعة يحضرها الشيطان ليفسد العقيدة فيحتاج فيها إلى التنبيه على التوحيد، ويحتمل أنه ليكون آخر كلامه ذلك، لحديث: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» انتهى من إكمال الإكمال (٢). ويندب تغميض بصره، وشد لحيته إذا قضى أي إذا مات. عياض: ندب تغميض بصره لما فيه من تحسين وجه الميت وستر تغير بصره ويشد لحييه الأعلى والأسفل بعصابة فيربط من فوق رأسه لئلا يسترخي لحياة فينفتح فاه وتدخل الهوام وتفتح منظره، ويندب تليين مفاصله برفق ليسهل غسله، ومما يندب رفعه على مرتفع عن الأرض خيفة التغير ويساء به الظن، ويستحب ستره بثوب، ووضع شيء ثقيل على بطنه دفعا للإنتفاخ. قوله: (وإسراع تجهيزه إلا الفرق) أي ويندب الإسراع في تجهيز الميت، بغسله وكفنه والصلاة عليه ودفنه خيفة التغير وللرائحة والإنفجار إلا أن يكون غريقا فإنه لا يسرع به بل يمهل إذ قد يمنع النفس ما يغمر القلب من الماء ثم يزول. ويروى عن علي ﷺ أنه تأذى به يوما وليلة. انتهى. ولا حجة في تأخير غسل النبي ﷺ لأن التغيير مأمون في حقه. قال صاحب إكمال الإكمال واختلف في علة تأخير تجهيز النبي ﷺ فقيل لاختلافهم هل مات؟ وقيل لاشتغالهم بالبيعة، وقيل لاختلافهم في موضع دفنه، وقيل ليتسامع الناس فيأتون للتبرك بالصلاة، وقيل دهشا لعظم المصيبة. انتهى (٣). قوله: (وللغسل سدر، وتجريده، ووضعه على مرتفع، وإيتاره كالكفن لسبع) أي وندب

стр. 372

للغسل أن يجعل في مائه سدر تفاؤلا لسدرة المنتهى، ولأنه ينقي. ويندب تجريده عند اغتساله فيما عدى الساتر للعورة، لأن تجريده أبلغ في إنقائه، وعدم التجريد مختص بالنبي صلى الله عليه، ويندب غسله على مرتفع للصون عن ماء الغسل، ومما يندب إيتار غسله أي كونه وترا، كما يندب إيتار الكفن إلى سبع فيهما. قوله: (ولم يعد كالوضوء لنجاسة وغسلت، وعصر بطنه برفق، وصب الماء في غسل مخرجيه بخرقة، وله الإقضاء إن اضطر، وتوضنته) أي ولم يعد الغسل كما لا يعيد توضئته لأجل خروج نجاسة بعد الغسل، وتغسل النجاسة عنه وتزال إذ المطلوب إزالتها ومن ثم ندب عصر بطنه برفق مخافة خروجها بعد الكفن، ويكون ذلك العصر برفق لئلا يخرج شيء من الأمعاء، ويندب للغاسل صب الماء في غسل مخرج الميت صبا منقيا لئلا يشعر بما يخرج منه من النجاسة فيغسل ذلك المحل بخرقة في يده ملفوف عليها، وله الإفضاء باليد إن اضطر إليه والضرورات تبيح الحظورات، ومما يندب في غسل الميت توضيته وضوء الصلاة وهل ذلك في الغسلة الأولى فقط أو في كل غسلة قولان. وقال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: يعني عن هذا. قوله: (وتعهد أسنانه وأنفه بخرقة، وإمالة رأسه برفق لمضمضة وعدم حضور غير معين، وكافور في الأخيرة) أي ومما يندب في غسل الميت تعهد أسنانه وأنفه بخرقة طاهرة، وندب للغاسل أن يميل رأس الميت لإخراج الماء من فيه لأجل مضمضة، ومما يندب حين الغسل عدم حضور غير معين للغاسل ولو أسقط الشيخ هذا لكان أولى لأنه سيذكره في المكروهات، ويندب جعل كافور في ماء الغسلة الأخيرة لأنه يمنع سرعة التغيير وينقي الجسد ولتطييب رائحة الميت للمصلين والملائكة ﵈، وإن عدم الكافور فغيره من الطيب. قوله: (ونشف) أي ومما يندب تنشيف الميت بعد غسله ندبا، وهل ينجس الثوب الذي نشف فيه أم لا سحنون لا ينجس. ابن عبد الحكم ينجس. قوله: (واغتسال غاسله. وبياض الكفن)، أي وندب اغتسال غاسل الميت. قال مالك في العتبية وعليه أدركت الناس، واستحبه ابن القاسم. ابن حبيب لا غسل عليه. قيل: وجه الإستحباب لئلا يتوقى الغاسل ما يصيبه فلا يبالغ في غسله لتحفظه منه. انتهى.

стр. 373

ومما يندب بياض الكفن لقوله ﷺ : «أحسن ثيابكم البيض» (١). تمهيد: واختلف في لباس الأحمر، وقد جاء فيه حديثان، وأما لباس الأصفر لم يأت فيه نص، وأما السواد فقد خرج رسول الله ﷺ وعليه ثوب أسود وعلى رأسه يوم فتح مكة عمامة سوداء ورايته راية سوداء. قوله: (وتجميره، وعدم تأخره عن الغسل. والزيادة على الواحد، ولا يقضى بالزائد إن شح الوارث؛ إلا أن يوصي ففي ثلثه) أي ويندب تجمير الميت أي تغطيته وفي بعض النسخ وتجميره بالجمراء أي تبخيره بالبخور. ومما يندب عدم تأخير تكفينه عن الغسل، ولكن إن تأخر فلا يعيد الغسل، وندب الزيادة في الكفن على ثوب واحد لأن ذلك أستر، ولا يقضى بالزائد على الوارث إن شح بها، لأن الزائد على الواحد مستحب، والمستحب لا يقضى به إلا أن يوصي الميت بالزائد فيكون في ثلثه لأنه وصية لجسده. قوله: (وهل الواجب ثوب يستره، أو ستر العورة والباقي سنة؟ خلاف) أي وهل الواجب في الكفن ثوب يستر جميع جسد الميت، أو إنما يجب فيه ستر العورة فقط والباقي سنة فيه خلاف، وعلى القول بالسنية في الباقي فلا يقضى به. وفي إكمال الإكمال عياض: الكفن إذا لم يستر جميعه، فالرأس أولى من الرجلين، يستر تغير الوجه بالموت إكراما للوجه والرأس. وإن ضاق عن الوجه والعورة فالعورة أولى وما أمكن من أعلاه. قلت: قال الإمام في كتابه الكبير: إذا لم يستر ما على الشهيد جميعه ستر باقيه. اللخمي: اتفاقا. انتهى (٢). وقوله: (ووتره، والإثنان على الواحد، والثلاثة على الأربعة، وتقميصه، وتعميمه، وعذبة فيها، وأزرة، ولفافتان، والسبع للمرأة) هذا مستغنى عنه لأنه تقدم إيتار الكفن وهو تكرار، وقال بعضهم: ليس بتكرار وهذا موضع ذكره، وما تقدم إنما جرى على الكلام. ومما يندب كون الكفن اثنان على الواحد لأن الاثنان أستر منه، والثلاثة

стр. 374

على الأربعة لأن الستر والوتر حصلا بالثلاث، والأربعة لم يحصل فيه إلا الستر. ومما يندب في الكفن تقميص الميت وتعميمه كالحي، وتكون عذبة في العمامة مقدار ذراع يرسل على وجهه. العذبة بالذال المعجمة طرف الشيء. والخمار للمرأة كالعمامة للرجل. وندب أن يكون في الكفن إزار ولفافتان وذلك خمسة أثواب، وإن كانت اللفافات أربع فذلك سبع، ولا يزاد على السبع لأنه سرف، والله لا يحب المسرفين. وندب أن يكون كفن المرأة سبعا. قوله: (وحنوط داخل كل لفافة، وعلى قطن يلصق بمنافذه، والكافور فيه وفي مساجده وحواسه ومراقه، وإن محرما ومعتدة، ولا يتولياه) الحنوط بفتح الحاء كل ما يحنط به أي وندب جعل الحنوط في داخل كل لفافة ولا يجعل فوق الكفن وهو قول مالك في المدونة، ويندب أن يجعل الحنوط على قطن يلصق بمنافذه من العينين والمنخرين والأذنين والفم والدبر ولا يدخل ذلك في المنافذ، ويكون الكافور في الحنوط، ويندب أن يجعل الحنوط في مساجده السبعة الجبهة والأنف والركبتين وأطراف الأصابع من الرجلين. قال اللخمي وأراه فعل ذلك إكراما لتلك المواضع لما كان يتقرب بها إلى الله تعالى (١). وقوله: وحواسه مستغنى عنه لأنه يدخل في قوله بمنافذه المنافذ أعم لدخول الدبر فيها. والحواس العينان والأذنان والمنخران. ويندب أن يجعل الحنوط في مراقه وهي مارق من جسده كالإبطين والرفقين، وإن كان محرما أو معتدة لزوال التكليف بالموت، ولا يتولى فعل ذلك الحنوط محرم ولا معتدة وفاء لبقاء التكليف عليهما. قوله: (ومشي مشيع، وإسراعه، وتقدمه وتأخر راكب ومرأة) أي ومما يندب لمشيع جنازة المشي على قدميه وإسراعه في مشيه، ظاهره كان حاملا له أم لا وقيده البساطي بالحامل له. انتهى. وفي إكمال الإكمال ومعنى هذا الإسراع عند بعضهم ترك التراخي والزهد في المشي لا الإسراع الذي يشق على تابعيها ويجرد الميت وربما كان سببا لخروج

стр. 375

شيء منه فإن ذلك مكروه (١). ومما يندب للمشيع الماشي تقدمه عن الجنازة ليصح له أجر التشييع والإسراع والتقدم، وندب تأخير الراكب خلف الجنازة وامرأة مشيعة خلف الركبان. قال صاحب الجواهر: قال ابن حبيب يكره خروج النساء في الجنائز وإن كن غير نوائح ولا بواكي في جنائز أهل الخاصة من ذوي القرابة وغيرهم، وينبغي للإمام أن يمنعهن من ذلك، فقد أمر النبي ﷺ بطرد امرأة رآها في جنازة فطردت حتى لم يرها (٢)، وقال لنساء رآهن في جنازة: «أتحملنه فيمن يحمله قلن: لا. قال: أفتدخلنه قبره فيمن يدخله؟ قلن: لا. قال: أفتحثين عليه التراب فيمن يحثي عليه. قلن: لا. قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات» (٣). وفيه قال: كان مسروق (٤) يحثي في وجوههن التراب ويطردهن فإن رجعن وإلا رجع. وكان الحسن (٥) يطردهن، وإذا لم يرجعن لم يرجع، ويقول: لا ندع حقا لباطل (٦). قوله: (وسترها بقبة) أي وندب ستر جنازة المرأة بقبة لئلا يعلم طولها من قصرها وهزالها من سمنها، أول النساء سترت بقبة زينب زوج النبي ﷺ . وقيل: فاطمة بنت محمد ﷺ .

стр. 376

وفي المدارك: وقد سئل أبو عمر أحمد بن حسين القاضي (١) عن المرأة الميتة لم خصت بوضع القبة على نعشها، على ما استمر عليه عمل المسلمين من صدر هذه الأمة، إلى الآن وقد كانت تدفن ليلا في عهد رسول الله ﷺ وهي في حياتها لا يلزم إخفاء شخصها بل ستر جسدها. فقال: علة ذلك لما حملت على الأعناق وتعين عينها، زيد في سترها حتى لا يعلم طولها من قصرها، وسمنها من هزالها، وفي حياتها هي مختلطة بغيرها فلم تتعين. وأما أبو عمران فأجاب: أنها لم تملك من أمرها شيئا، فلذلك جعل لها أتم ستر. انتهى (٢). قوله: (ورفع اليدين بأولى التكبير، وابتداء بحمد وصلاة على نبيه ﵊ وإسرار دعاء، ورفع صغير على أكف، ووقوف إمام بالوسط ومنكبي المرأة) أي ومما يندب للمصلي على الميت رفع يديه عند التكبيرة الأولى فقط. وقيل: يرفع يديه عند كل تكبيرة. وقيل: لا يرفع في الجميع، وقيل: يرفع في الأولى ويخير في غيرها، ولم يذكر افتقارها إلى سترة، والأظهر أنها تفتقر ولكن يكفي الستر، وكذلك يندب له ابتداء فيها بحمد الله والصلاة على نبيه ﷺ ، وكان مالك يستحب من الدعاء بعد الحمد والصلاة على نبيه ما رواه أبو هريرة قال: «اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده» (٣)، ويندب له الإسرار بالدعاء عليه. وذكر الشيخ لفظ الحمد لله والصلاة، والدعاء لأجل عدم تعيين ذلك، ومما يندب رفع ميت صغير على أكف، ويندب للإمام الوقوف عند وسط الرجل حين الصلاة عليه وعند منكبي المرأة. قوله: (رأس الميت عن يمينه. ورفع قبر كشبر مسنما وتؤولت أيضا على كراهته، فيسطح) أي والحال أن رأس الميت حين الصلاة عليه على يمين الإمام، وكذلك

стр. 377

يندب رفع القبر رفعا يسيرا كشبر في حال كونه مسنما وهو علو وسطه، وقبره، مسنم، وكذلك قبر أبي بكر وعمر، وتولت المدونة أيضا على كراهة التسنيم، فعليه يسطح ولا يسنم لأن قبور المهاجرين والأنصار في البقيع مسطحات، وأنه لسطح قبر ولده إبراهيم، لما قال الشيخ: أيضا، علمنا أن الأول تأويل. قوله: (وحثو قريب فيه ثلاثا، وتهيئة طعام لأهله، وتعزية، وعدم عمقه، واللحد، وضجع فيه على أيمن مقبلا، وتدورك إن خولف بالحضرة) أي ومما يندب لقريب من القبر عند دفنه أن يحثو عليه ثلاث حثيات، ليكون له أجر الموارات والقرب من على شفير القبر، مشى الشيخ هنا ﵀ على غير ما مشى عليه الإمام مالك لأنه قال: لا أعرفه ولا ينبغي العدول عنه، ومما يندب تهيئة الطعام لأهل الميت إن لم يجتمعوا للبكاء لأنهم مشغولون عن تهيئة الطعام لأنفسهم. قوله: (وتعزية) أي وندب تعزية أهل الميت. التعزية هي التقوية على الصبر بوعد الأجر كأجركم الله في مصيبتكم وأعقبكم خيرا منها ظاهره كان الميت ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا صغيرا أو كبيرا، والأدب أن يمشي إلى داره فيعزيه فيها، وظاهره سواء كان ذلك قبل الصلاة أو بعدها، وعن معاذ بن جبل أنه مات له ابن فكتب إليه رسول الله يعزيه عليه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله الهنية وعواريه المستودعة نتمتع بها إلى أجل معلوم ويقبضها لوقت وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كبير، إن احتسبت فاصبر ولا يحبط جزعك أجرك فتندم وأعلم أن الجزع لا يرد شيئا ولا يدفع حزنا وما هو نازل فكأن قد كان والسلام» (١). وفي العبدري المواق: وقد روي عن مالك أن للرجل أن يعزي جاره الكافر بموت أبيه الكافر لذمام الجوار، فيقول: بلغني الذي كان من مصابك بأبيك، ألحقه الله بكبار أهل دينه وخيار ذوي ملته.

стр. 378

قال سحنون: يقول له: أخلف الله لك المصيبة (١)، وجزاك أفضل ما جزا به أحدا من أهل دينه. وفي طرر ابن عات (٢): لا بأس أن يحضر وليمة الذمي ويأكل منها. انتهى. وكذلك يندب عدم عمق الميت في القبر، لأن الرحمة على أعلا الأرض لا في أسفلها إلا لضرورة كأرض فيها سباع فيعمق القبر إلى حيث يؤمن عليه من نبش السباع. ومما يندب أن يكون القبر لحدا لأنه قبر رسول الله ﷺ ، لما مات العلاء، أرسل إلى حفرة القبور وحفرة اللحد من سبق فهو، فسبق حافر اللحد، وعلموا حينئذ أنه أفضل من غيره، وندب أن يضطجع الميت في لحده أو قبره على جنبه الأيمن مستقبلا للقبلة فإن خولف ووضع على أيسر أو غيره ووجه للقبلة تدورك إذا كان بالحضرة ولم يخف تغيره. وقوله: (كتنكيس رجليه، وكترك الغسل، ودفن من أسلم بمقبرة الكفار إن لم يخف التغير، وسده بلبن، ثم لوح، ثم قرمود، ثم آجر، ثم قصب). مثال: قال بعض الشراح: هو تشبيه لإفادة الحكم. وقال شيخنا محمود حفظه الله ورعاه: فإذا لم يكن مثال فما معناه إذ المخالفة هو التنكيس لعدم التوجه أو الضجع على الأيسر، وكذلك تدورك بالحضرة إذا دفن قبل الغسل، أو دفن من أسلم في مقبرة الكفار. وقوله: إن لم يخف التغير يحتمل إن يرجع إلى الجميع، ويحتمل أن يرجع إلى الأخيرين، ويحتمل أن يرجع إلى الأخير فقط، وكذلك يندب سد القبر بلبن أي طوب ثم يليه في الفضل بلوح ثم قرمود ثم آجر ثم حجر ثم قصب ثم ما أمكن. قوله: (وسن التراب أولى من التابوت) من التابوت السن والشن بفتح السين المهملة والمعجمة الصب أي وصب التراب على الميت أولى من جعله في التابوت لأن جعله في التابوت مكروه.

стр. 379

قوله: (وجاز غسل امرأة ابن كسبع ورجل كرضيعة) لما فرغ من ذكر المندوبات شرع في الجائزات وبعدها في المكروهات، وهو ترتيب حسن أي وجاز غسل المرأة صبيا سنه سبع سنين أو ثمانية، وروي ابن تسع ولا تغسل مراهقا، ويجوز لرجل غسل صبية صغيرة جدا كرضيعة، وهو خلاف ظاهر الرسالة لأنه قال: ولا يغسل الرجال الصبية (١)، ظاهره وإن كانت في المهد وهو موافق لقول. قوله: (والماء المسخن، وعدم الدلك لكثرة الموتى، وتكفين بملبوس أو مزعفر، أو مورس) أي ويجوز تغسيل الميت بالماء المسخن خلافا للشافعية، وكذلك يجوز عدم دلك الميت في غسله لأجل كثرة الموتى، وكذلك يجوز تكفين الميت بثوب ملبوس، وكذلك يجوز تكفين الميت بثوب مصبوغ بزعفران أو مورس لأنهما من الطيب. قوله: (وحمل غير أربعة، وبدء بأي ناحية، والمعين مبتدع) أي ويجوز أن يحمل الميت غير أربعة رجال ولا حد فيمن يحمله، وكذلك يجوز ابتداء في حمله بأي ناحية والمعين للإبتداء باليمين مبتدع. قوله: (وخروج متجالة، أو إن لم يخش منها الفتنة في كأب، وزوج، وابن، وأخ) أي وجاز خروج متجالة لكل جنازة قريبا كان أو أجنبيا، وكذلك يجوز خروج شابة لم يخش منها الفتنة في جنازة أب أو إبن أو أخ أو زوج أو ابن أخ لا غير هولاء، وأما إن كانت ممن يخشى منها الفتنة فلا تخرج أصلا. قوله: (وسبقها. وجلوس قبل وضعها) أي ويجوز سبق الجنازة لمكان دفنها ويجوز لمشيعها جلوس قبل وضعها. قوله: (ونقل وإن من بدو) أي وجاز نقل الميت من مكان إلى مكان وإن من بدو إلى حضر، لو عكس الشيخ في هذا الإغياء ويقول: وإن من حضر لبدو لكان أولى. انتهى. مات سعيد بن زيد (٢) ...........................

стр. 380

وسعد بن أبي وقاص (١) بالعقيق (٢) فحملا إلى المدينة رواه ابن وهب. قوله: (وبكى عند موته وبعده، بلا رفع صوت وقول قبيح) أي وجاز بكاء بالدموع عند الموت وبعده بلا رفع صوت وبلا قول قبيح. قال النبي ﷺ : «ليس منا من حلق ولا من خرق ولا من دلق ولا سلق» (٣)، والحلق حلق الشعر، والخرق خرق الجيوب، والدلق ضرب الخدود، والصلق الصياح في البكاء، وقبيح القول. ابن عرفة: قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٤) رحمة الله يقول: إن بعض المراثي حرام كالنواح، وتحرير القول فيهما وضبطهما، أن النوح إنما حرم؛ لأنه يقتضي نسبة الرب إلى الجور في قضائه والتبرم بقدره، وأن الواقع من موت هذا الميت لم يكن مصلحة بل مفسدة عظيمة، وتكون النائحة تذكر كلاما يقرر ذلك في النفوس، وتوضحه للأفهام، وتحمل السامعين على اعتقاد ذلك، فكل لفظ تضمن ذلك كان حراما، نظما كان أو نثرا، مرثية أو نواحا، وقد جاء في الحديث الصحيح عنه ﵊ التصريح بتحريم النواح، وورد في الحديث «أن النائحة تكسى يوم القايمة قميصين، قميص من جرب وقميص من قطران» (٥)، وسره أن الأجرب سريع الألم؛ لتقرح

стр. 381

جلده، والقطران يقوي شعلة النار. انتهى (١). وقوله: وبعده خلاف لظاهر الرسالة، لأنه قال: ولا بأس بالبكاء بالدموع حينئذ (٢) أي حين الموت ظاهره لا يجوز بعده. قوله: (وجمع أموات بقبر لضرورة، وولي القبلة الأفضل) أي ويجوز جمع أموات في قبر واحد لأجل الضرورة كضيق المكان أو عدم الحفار، وأما لغير الضرورة فلا يجوز، وحيث يجوز الجمع هل يجعل بينهم حاجز؟ أو الأكفان كافية، فإن جمعوا جعل الأفضل منهم مما يلي القبلة، إنما يكون أفضل بالعلم أو العبادة وإن اجتمع العلم مع العبادة في واحد هو أفضل من العابد وإن تشاحوا فالقرعة. قوله: (أو بصلاة يلي الإمام رجل، فطفل، فعبد، فخصي، فخنثى كذلك) أي ويجوز جمع الأموات في صلاة واحدة، ويلي الإمام فيها رجل حر ثم طفل حر ثم رجل عبد ثم طفل عبد ثم خصي حر ثم طفل حر خصي ثم رجل عبد خصي ثم طفل عبد خصي ثم خنثى حر جل ثم خنثى طفل حر ثم رجل عبد خنثى ثم طفل عبد خنثى المراد بالخثنى هنا المشكل، وإلى هذا الترتيب أشار بقوله: فطفل فعبد فخصي فخنثى كذلك. قوله: (وفي الصنف أيضا الصف) أي وتجوز الصفة المتقدمة في الصنف الواحد، ويجوز فيه أيضا الصف أي كونهم صفا واحدا. قوله: (وزيارة القبور بلا حد) أي وتجوز زيارة القبور بلاحد في القلة والكثرة ولا في يوم معين، وينوي الزائر أن ينتفع الميت بزيارته لا أن ينتفع هو به، وإن كان قد قيل: يتوسل به إلى الله تعالى. انتهى. قوله: (وكره: حلق شعره، وقلم ظفره، وهو بدعة) لما فرغ من الجائزات شرع يذكر المكروهات، وهو ترتيب حسن أي وكره حلق شعر الميت من شعر رأس أو عانة أو إبط، وكذلك يكره قلم ظفره وهو بدعة والبدعة ما خالف ما عليه السلف الصالح والبدعة تعود إلى الضلال والضلال يعود إلى النار، وكذلك يكره له بنفسه حلق

стр. 382

شعره وقلم ظفره واستعداد للموت وأما من الراحة بإزالته فلابأس. قوله: ﴿وضم معه إن فعل﴾ أي وإن وقع ونزل فحلق شعر الميت أو قلم ظفره ضم معه في الدفن، لئلا يدفن بعض الميت ويترك بعضه بلا دفن. قوله: ﴿ولا تنكأ قروحه﴾ أي ولا تعصر قروح الميت عند الغسل ﴿ويؤخذ عفوها﴾ لكن ﴿وقراءة عند موته﴾ أي يغسل ما سال منها ويزال عنه. قوله: ﴿وقراءة عند موته﴾ أي وتكره القراءة عند موته لأن القارئ يتدبر قراءته، وذلك يشغله عن غيره. قوله: ﴿كتجمير الدار﴾ تشبيه لإفادة الحكم أي كما كره تجمير الدار عند الموت، كره ذلك السماع ابن القاسم وأشهب قول مالك: ليست القراءة أو البخور من العمل انتهى. أي ليس من عمل السلف الصالح، وما تركه السلف الصالح تركناه. انتهى. قال ابن حبيب: لا بأس عند رأسه بقراءة القرآن يس أو غيرها، إنما كرهه استنانا. قوله: ﴿وبعده، وعلى قبره﴾ أي وكرهت القراءة بعد الموت أو على القبر، وحقه أن يقدم هذان عن قوله: كتجمير الدار. انتهى. ابن عرفة: قبل عياض استحباب بعض العلماء القراءة على القبر لحديث الجريدتين، وقاله الشافعي. انتهى (١). وفي الإحياء: لا بأس بالقراءة على القبور (٢). وفيه: وفي مسالك ابن العربي يستحب تلقينه بعد الدفن. انتهى (٣). وتلقينه أن يقول الملقن: يا عبد الله اذكر ما كنت عليه في دار الدنيا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. قوله: ﴿وصياح خلفها، وقول استغفروا لها، وانصراف عنها بلا صلاة، أو بلا إذن، إن لم يطولوا، وحملها بلا وضوء، وإدخاله بمسجد، والصلاة عليه فيه﴾ أي وكره صياح خلفها أي الجنازة بتعريف أو غيره.

стр. 383

وكذلك يكره الصياح بالقول استغفروا لها، ومما يكره انصراف عن الميت قبل الصلاة عليه، لأن ذلك مما يسيئ الظن بالميت، وكذلك يكره انصراف عن الميت بلا إذن من أهله، إن لم يطولوا المقام عنده لخوف إذاية نفوسهم، ومما يكره حمل الجنازة بلا وضوء. ابن رشد: إنما كرهه لأنه يحمل ولا يصلي، ولو علم أنه يجد من الماء في موضع الجنازة ما يتوضأ به، لم يكره حمله على غير وضوء. انتهى (١). ومما يكره إدخال الميت في مسجد، هذا على القول بأنه طاهر، وأما على القول بأنه نجس فممنوع. وقد قال في أول مختصره: ولو قملة وآدميا. ومما يكره أيضا الصلاة على الميت في المسجد، ظاهره وإن كان الميت خارج المسجد. قال بعضهم: يريد إن لم يضق خارج المسجد. قال في المدونة: ولا يصلى عليها في المسجد إلا أن توضع بقربه فيصلي عليها من في المسجد بصلاة الإمام، إذا ضاق خارجه بأهله (٢). ابن ناجي: ضيق المسجد ليس بشرط، وكذلك إن لم يضق. انتهى. قوله: (وتكرارها) أي وكره تكرار الصلاة على الميت وإن كان من صلى عليه فذا، وقيده بعضهم بما إذا كانت الأولى جماعة، سؤال يشكل بالصلاة على الجنازة، فإن مصلحتها إعفاء الميت من العقوبة بقبول الشفاعة وهذا غير معلوم، فينبغي أن تكرر وأن يجيب على الأعيان. جوابه أن المطلوب من العباد إنما هو فعل صورة الشفاعة وهذا علم حصوله، وأما المغفرة فأمر مغيب. انتهى من الذخيرة للقرافي (٣). قوله: (وتفسيل جنب) هذا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل أي ويكره للجنب أن يغسل الميت إذا وجد غيره. قوله: (كسقط وتحنيطه، وتسميته، وصلاة عليه، ودفنه بدار، وليس عيبا بخلاف

стр. 384

الكبير أي هو من باب إضافة المصدر إلى المفعول أي وكره غسل السقط وتحنيطه وتسميته وصلاة عليه ودفنه في دار، ولكن إن دفن فيها ليس بعيب ترد به، بخلاف دفن الكبير فإنه عيب، واعترض بأنه عيب يسير، وأجيب بأنه إن كان يسيرا لا يمكن إزالته فأشبه الكثير. قوله: (لا حائض) أي فلا يكره تغسيل الحائض ميتا الفرق بينها وبين الجنب أن الجنب قادر على إزالة حدث الجنابة عن نفسه بخلاف الحائض. قوله: (وصلاة فاضل على بدعي أو مظهر كبيرة، والإمام على من حده القتل بحد أو قود، ولو تولاه الناس دونه) أي ومما يكره صلاة إنسان فاضل بالعلم أو بالعبادة على مبتدع، هذا بناء على فسقهم وأما على القول بكفرهم فممنوع، وكذلك يكره لفاضل صلاة على مظهر كبيرة ردعا وزجرا لأمثالهم. وكذلك صلاة الإمام على من حده القتل بقود أو حد كزان محصن قتل أو أبا أن يصلي في آخر الوقت أو سب نبيا من الأنبياء، وإن تولى الناس قتله دون الإمام، وأحرى إن تولاه بنفسه، لأن الإمام ينتقم لله فلا يكون شافعا فينتقم ويشفع غيره. انتهى. وأما من ضربه الإمام فمات من ذلك الضرب، فإن الإمام يصلي عليه لأن حده الجلد ولم يكن القتل. قوله: (وإن مات قبله فتردد) أي وإن مات من حده القتل قبل إقامة الحد عليه ففي صلاة الإمام عليه وعدمها تردد في الفهم لأبي عمران واللخمي. قوله: (وتكفين بحرير، أو نجس، وكأخضر، ومعصفر أمكن غيره) أي وكره تكفين بحرير لأنه سرف، وقيل: يجوز للنساء، وقيل: يجوز مطلقا. وكذلك يكره تكفين بشيء نجس وبأخضر وشبهه كأزرق أو مصبوغ بكعصفور، إنما يكره التكفين بهذه الأصناف إذا أمكن غيره وأما إن لم يمكن فيجوز بلا كراهة. قوله: (وزيادة رجل على خمسة واجتماع نساء لبكى وإن سرا، وتكبير نعش، وفرشه بحرير، وإتباعه بنار، ونداء به بمسجد أو بابه، لا بكحلق بصوت خفي) أي ومما يكره في كفن الرجل الزيادة على خمسة أثواب قميص وميزر وعمامة ولفافتان. قال ابن غازي: لم أر من صرح بكراهته، وأخذ من قول ابن حبيب: أحب إلى مالك خمسة أثواب لا يلزم. انتهى (١).

стр. 385

وكذلك يكره اجتماع نساء لبكاء، وإن كن إنما يبكين سرا، ومما يكره تكبير النعش وفرشه بحرير، ومما يكره اتباع نعش الميت بنار تفاؤلا للبعد منها. ومما يكره نداء بالميت في مسجد أو بابه لأنه رآه من النهي، وكانت الجاهلية إذا مات فيهم شريف بعثوا راكبا ينعاه في القبائل فنهى الشرع عن ذلك. انتهى من إكمال الإكمال (١). ولا يكره النداء به في كحلق أي جماعة بصوت خفي. قوله: (وقيام لها) أي ومما يكره القيام للجنازة حين المرور بها، وجوز ذلك ابن الماجشون وجعل القائم للجنازة حين المرور بها مأجورا، ولا شيء عليه إن ترك. ابن حبيب وإن مرت به الجنازة فلا يعرض عنها لأن ذلك من الجفاء انتهى (٢). وأما القيام للأحياء فعلى خمسة أقسام الشرع. قال شهاب الدين القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق في الفرق التاسع والستين والمائتين يباح من إكرام الناس قسمان الأول ما وردت به نصوص الشريعة كإفشاء السلام، والثاني ما لم يرد في النصوص ولا كان في السلف، لأنه إذا لم تكن أسباب اعتباره موجودة حينئذ، وتجددت في عصرنا فتعين فعله لتجدد أسبابه؛ كأنواع المخاطبات للملوك، وأولي الرفعة من الولاة والعظماء، والقيام للكرام، فهذا كله ونحوه من الأمور العادية ولم تكن في السلف، ونحن اليوم نفعله في المكارمات والموالاة، وهو جائز مأمور به وإن كان بدعة، ولقد حضرت يوما عند الشيخ عز الدين ابن عبد السلام وكان من أعيان العلماء، وأولي الجد في الدين، والثبات على الكتاب والسنة، غير مكترث بالملوك فضلا عن غيرهم، لا تأخذه في الله لومة لائم، فقدمت إليه فتيا فيها ما تقول أئمة الدين في القيام الذي أحدث أهل زماننا، مع أنه لم يكن في السلف، هل يجوز أم لا يجوز ويحرم؟، فقال: قال رسول الله ﷺ : «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» (٣).

стр. 386

وترك القيام في هذا الوقت يفضي للمقاطعة والمدابرة، فلو قيل بوجوبه ما كان بعيدا. وهذا نص ما كتب وهو معنى قول عمر بن عبد العزيز (١): تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وهذا بشرط أن لا يستبيح محرما، ولا يترك واجبا، وإنما هذه أمور لولا هذه الأسباب المتجددة كانت مكروهة من غير تحريم، فلما تجددت هذه الأسباب صار تركها يوجب المقاطعة المحرمة، وإذا تعارض المكروه والمحرم قدم المحرم والتزم دفعه وحسم مادة المحرم وإن وقع المكروه. انتهى (٢). قال البرزلي: وأما الكفار والفساق فلا يقام لأحد منهم لأنا أمرنا بإهانتهم وإلزامهم بإظهار الصغار. وكيف يفعل ذلك بمن يكذب الله ورسوله. فإن خفنا من شرهم ضررا عظيما فلا بأس بذلك، لأن التلفظ بكلمة الكفر جائز عند الإكراه. وأما إكرامهم بالألقاب والكنى فلا يجوز إلا لضرورة أو حاجة ماسة. وينبغي أن يهان الكفرة والفسقة زجرا عن كفرهم وفسقهم غيرة الله تعالى. انتهى منه (٣). قوله: ﴿وتطبين قبر أو تبييضه، وبناء عليه أو تحوين، وإن بوهي به حرم﴾. وجاز للتمييز، كحجر أو خشبة بلا نقش. ولا يغسل شهيد معترك فقط، ولو ببلد الإسلام أو لم يقاتل، (وإن أجنب على الأحسن) أي ومما يكره تطيين وسط القبر بالطين. وكذلك يكره تبييضه وبناء عليه. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا جصص القبر لم يسمع صاحبه الأذان ولا يدري بمن يزوره»، وقال ﷺ : «إن أهل القبور يرتجون أصحابهم وأهاليهم وزوارهم إلى أربعين سنة، فمن أيسهم أيسه الله يوم القيامة». انتهى من كتاب مناف الكنز والعدة والرفيق في الوحدة. وكذلك يكره تحويز القبر بالتحويط عليه، وهذا إذا لم يقصد به المباهات، وأما إن قصد به المباهات فحرام.

стр. 387

وجاز البناء على القبر إن قصد به تمييزه لأجل الزيارة. كما يجوز تمييزه بحجر أو خشبة بلا نقش عليهما، واعترض لأن قبور العلماء والصالحين شرقا وغربا عليها نقش، هذا قبر فلان بن فلان ولا تجتمع هذه الأمة المحمدية على الضلال، ووجه من كرهه لعدم خلوه عن المدح غالبا. انتهى. ابن عرفة في مختصره: وقال الحاكم (١) في مستدركه إثر تصحيحه أحاديث النهي عن البناء والكتب على القبر: ليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين شرقا وغربا مكتوب على قبورهم، وهو عمل أخذه الخلف عن السلف (٢). وأفتى ابن رشد بوجوب هدم ما بنى في مقابر المسلمين من السقائف والقبب والروضات وألا يبقى من جدرانها شيئا إلا قدر ما يميز به الرجل قبر قريبه لئلا يأتي من يريد الدفن بذلك الموضع. انتهى (٣). قوله: ولا يغسل شهيد معترك فقط واختصاصه بعدم الغسل لأجل شرفه، ولأنه يأتي يوم القيامة اللون لون الدم والرائحة كرائحة المسك ولأنهم ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩]، كان هذا الشهيد ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا، قاتل أولم يقاتل فر أم لا، ولو قتل في بلد الإسلام، وأحرى بلاد الحرب، وظاهره وإن كان نائما وإن كان هذا الشهيد مات جنبا على القول الأحسن سواء أجنب قبل اللقاء أو بعده. وقال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله ورعاه كيف يجنب بعده، واحترز بقوله: فقط من الشهيد في غير المعترك كالمبطون والغريق والحريق، ومن مات تحت الهدم، وامرأة ماتت بجمع أي من ولادة وغيرهم، فإنهم يغسلون ويصلى عليهم. قوله: (لا إن رفع حيا وإن أنفذت مقاتله إلا المغمور، ودفن بثيابه إن سترته، وإلا زيد بخف وقلنسوة ومنطقة قل ثمنها، وخاتم قل فصه أي لا إن رفع هذا الشهيد حيا ثم مات، وإن كان بمعنى الميت، كما لو نفذت مقاتله لصدق الحياة عليه، إلا أن يكون مغمورا لم يفق بعد إنفاذ المقاتل، فيحلق بالمقتول في المعترك لأنه في حكم العدم،

стр. 388

ويدفن شهيد المعترك بثيابه إن سترته وإلا أي وإن لم تستره زيد عليها ما يستره وإن لم يوجد إلا دون ذلك ستر من سرته إلى ركبتيه، ويدفن مع خف عليه وقلنسوة ومنطقة قل ثمنها لا ما كثر ثمنه. وكذلك يدفن مع خاتم سني عليه إذا كان فضة قليلا وإلا فلا يدفن معه، والخاتم السني ما وزنه مع فصه در همان، فلا يدفن بخاتم غير سني. قوله: (لا درع وسلاح) أي لا يدفن الشهيد مع الدرع ولا مع سلاح مطلقا. قوله: (ولا دون الجل، ولا محكوم بكفره، وإن صغيرا ارتد، أو نوى به سابيه الإسلام؛ إلا أن يسلم: كأن أسلم ونفر من أبويه) أي ولا يغسل من الميت ما دون الجل منه وإن كان نصفا بل يجمع ويدفن. وكذلك لا يغسل محكوم بكفره لأجل دنائته، كان كفره أصليا أو تبعا كولده الصغير أو طارئا وإن صغيرا مميزا حكم بإسلامه أو بإسلام أبيه وارتدى أو نوى به سابيه الإسلام إلا أن يسلم بما يعلم به أنه عقل الإسلام فإنه يغسل ويصلى عليه كما إذا أسلم وفر من أبويه فإنه يغسل ويصلى عليه هذا قول ابن القاسم جعل ارتداده هنا ارتداد، وإسلامه إسلاما. وقد كان اسلام علي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله ابن عباس ﵄ قبل البلوغ. وكان محلهما عند النبي ﷺ أنهما مسلمين. قوله: (وإن اختلطوا غسلوا وكفنوا، وميز المسلم بالنية في الصلاة، ولا سقط لم يستهل، ولو تحرك، أو عطس، أو بال، أو رضع: إلا أن تتحقق الحياة، وغسل دمه، ولف بخرقة، وووري) أي وإن اختلط من يغسل ويصلى عليه مع موتى الكفار بحيث لا يعرفون فإنهم يغسلون كلهم، ويكفنون احتياطا وميز المؤمن المسلم بالنية في الصلاة. قوله: ولا سقط وقد تقدم هذا ولكن كرره ليرتب عليه ما لم يذكر فيه أي ولا يغسل السقط ولا يصلى عليه إن لم يستهل صارخا ولوا استهل لغسل فلا يغسل ولو تحرك أو عطس لأن العطاس ليس بحيات وإنما هو ريح يخرج من الرأس. وكذلك إن بال لأنه من استرخاء المواسك. وكذلك إن رضع فلا يغسل، إلا أن تحقق الحياة منه، كما إذا بقى زمنا طويلا، ويغسل دم السقط، ويلف بخرقة، ووري أي ستر بالتراب. قوله: (ولا يصلى على قبر، إلا أن يدفن بغيرها، ولا غائب) أي ولا يصلى على قبر

стр. 389

الميت إلا أن يدفن بغير صلاة فيصلى عليه، إلا أن يطول الزمان، حيث يعلم أنه لم يبق فيه. وفي إكمال الإكمال: المازري واختلف الناس في الصلاة على القبر، ومشهور قول مالك المنع، والشاذ جوازها فيمن دفن بغير صلاة. عياض: تحصيل الصلاة على القبر أنه إن دفن الميت بغير صلاة فإنه يخرج ما لم يفت، فإن فات فالمشهور أنه يصلى عليه وهو في القبر. وقال أشهب وسحنون: أنه لا يصلى على القبر وفيما يفوت به أربعة أقوال. أشهب: بإهالة التراب. عس ابن دينار (١): بالفراغ من دفنه. ابن القاسم: ما لم يخف تغيره. سحنون: أن يطول. وقال أبو حنيفة بالزيادة على ثلاثة أيام. أبو عمر: وأجمع من قال بالصلاة على القبر أنه فيما قرب، وأقل ما قيل في القرب أنه شهر. انتهى (٢). وكذلك لا يصلى على ميت غائب لاحتمال أنه صلى عليه ولا يقال أن النبي ﷺ صلى على غائب إذ يحتمل أنه رفع الحجاب بينه وبينه ويحتمل أنه من خصائصه ﷺ . قوله: (ولا تكرر. والأولى بالصلاة: وصي رجي خيره، ثم الخليفة، لا فرعه، إلا مع الخطبة، ثم أقرب العصبة) أي ولا تكرر الصلاة على الميت وقد تقدم قوله والأولى أي الأولى بالصلاة على الميت وصي بها رجى خيره لأن ذلك من حق الميت فهو أعلم بمن يستشفع له. قال مالك في العتبية: إلا أن يعلم أن ذلك من الميت لعداوة كانت بينه وبين وليه وإنما أراد أن يقبضه فلا تجوز وصيته بذلك يريد إذا كان الولي أولى ممن له دين وفضل وإلا كان الوصى إليه أولى لأن الولي إذا لم يكن معروفا بالخير وكانت

стр. 390

العداوة بنيهما اتهم في التقصير له في الدعاء (١). ثم الخليفة العباسي لا فرعه أي لا نائبه إلا أن يكون صاحب الخطبة في الجامع فيقدم على العصبة وهذا كله إن عدم نقص منع أو كره في الإمامة فإن لم يكن الخليفة ولا نائبه الخطيب فأقرب العصبة. قوله: (وأفضل ولي، ولو ولي امرأة، وصلى النساء دفعة، وصحح ترتبهن) أي وقدم للصلاة على الميت أفضل ولي من أوليائه أو أفضل ولي من أولياء الأموات ولو كان ولي المرأة هو الأفضل فإنه يقدم وإن كان ميته مؤخر. وقيل يقدم ولي أفضل الموتى؛ لأنه هو الذي يلي الإمام، ومثله إذا كان رجلا وامرأة، وكان ولي المرأة أفضل، فقول مالك يتقدم ولي المرأة، وقول ابن الماجشون: يتقدم ولي الرجل لأنه يقول هذا وليي، فأنا أقدم على القول الأحسن عليه، وغيره تبع. انتهى من اللخمي (٢). وهو قول مالك خلافا لعبد الملك. فإن لم يوجد من يصلي على الميت من الرجال المتأهل لذلك، فالنساء يصلين دفعة واحدة وحدانا، وصحح ترتبهن واحدة بعد واحدة، ولا يقال أنه تكرار للصلاة لأجل نقصهن. قوله: (والقبر حبس: لا يمشى عليه، ولا ينبش؛ ما دام به) أي والقبر حبس على من هو فيه لا يمشى عليه ولا ينبش ما دام به، فإن نقل منه أو ظن عوده ترابا، وفي تقديره بعشرين سنة نظر لاختلاف التراب. وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ : «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (٣) ولأن للميت حرمة ومن حقه ألا يمتهن بالقعود عليه والإتكاء. قال ابن عرفة: إن طال فله الانتفاع بظاهر أرضه. ابن رشد: لو كانت ملكهم كان لهم نبشها وتحويلهم لمقابر المسلمين وفعله معاوية لما أراد إجراء العين التي بحذاء أحد. قال جابر: لما أراده نادى مناديه بالمدينة، من كان له بها قتيل فليخرجه
следующие страницы →