وترك القيام في هذا الوقت يفضي للمقاطعة والمدابرة، فلو قيل بوجوبه ما كان بعيدا. وهذا نص ما كتب وهو معنى قول عمر بن عبد العزيز (١): تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وهذا بشرط أن لا يستبيح محرما، ولا يترك واجبا، وإنما هذه أمور لولا هذه الأسباب المتجددة كانت مكروهة من غير تحريم، فلما تجددت هذه الأسباب صار تركها يوجب المقاطعة المحرمة، وإذا تعارض المكروه والمحرم قدم المحرم والتزم دفعه وحسم مادة المحرم وإن وقع المكروه. انتهى (٢).
قال البرزلي: وأما الكفار والفساق فلا يقام لأحد منهم لأنا أمرنا بإهانتهم وإلزامهم بإظهار الصغار. وكيف يفعل ذلك بمن يكذب الله ورسوله. فإن خفنا من شرهم ضررا عظيما فلا بأس بذلك، لأن التلفظ بكلمة الكفر جائز عند الإكراه. وأما إكرامهم بالألقاب والكنى فلا يجوز إلا لضرورة أو حاجة ماسة. وينبغي أن يهان الكفرة والفسقة زجرا عن كفرهم وفسقهم غيرة الله تعالى. انتهى منه (٣).
قوله: ﴿وتطبين قبر أو تبييضه، وبناء عليه أو تحوين، وإن بوهي به حرم﴾. وجاز للتمييز، كحجر أو خشبة بلا نقش. ولا يغسل شهيد معترك فقط، ولو ببلد الإسلام أو لم يقاتل، (وإن أجنب على الأحسن) أي ومما يكره تطيين وسط القبر بالطين.
وكذلك يكره تبييضه وبناء عليه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا جصص القبر لم يسمع صاحبه الأذان ولا يدري بمن يزوره»، وقال ﷺ : «إن أهل القبور يرتجون أصحابهم وأهاليهم وزوارهم إلى أربعين سنة، فمن أيسهم أيسه الله يوم القيامة». انتهى من كتاب مناف الكنز والعدة والرفيق في الوحدة.
وكذلك يكره تحويز القبر بالتحويط عليه، وهذا إذا لم يقصد به المباهات، وأما إن قصد به المباهات فحرام.
стр. 387
وجاز البناء على القبر إن قصد به تمييزه لأجل الزيارة. كما يجوز تمييزه بحجر أو خشبة بلا نقش عليهما، واعترض لأن قبور العلماء والصالحين شرقا وغربا عليها نقش، هذا قبر فلان بن فلان ولا تجتمع هذه الأمة المحمدية على الضلال، ووجه من كرهه لعدم خلوه عن المدح غالبا. انتهى.
ابن عرفة في مختصره: وقال الحاكم (١) في مستدركه إثر تصحيحه أحاديث النهي عن البناء والكتب على القبر: ليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين شرقا وغربا مكتوب على قبورهم، وهو عمل أخذه الخلف عن السلف (٢).
وأفتى ابن رشد بوجوب هدم ما بنى في مقابر المسلمين من السقائف والقبب والروضات وألا يبقى من جدرانها شيئا إلا قدر ما يميز به الرجل قبر قريبه لئلا يأتي من يريد الدفن بذلك الموضع. انتهى (٣).
قوله: ولا يغسل شهيد معترك فقط واختصاصه بعدم الغسل لأجل شرفه، ولأنه يأتي يوم القيامة اللون لون الدم والرائحة كرائحة المسك ولأنهم ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩]، كان هذا الشهيد ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا، قاتل أولم يقاتل فر أم لا، ولو قتل في بلد الإسلام، وأحرى بلاد الحرب، وظاهره وإن كان نائما وإن كان هذا الشهيد مات جنبا على القول الأحسن سواء أجنب قبل اللقاء أو بعده.
وقال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله ورعاه كيف يجنب بعده، واحترز بقوله: فقط من الشهيد في غير المعترك كالمبطون والغريق والحريق، ومن مات تحت الهدم، وامرأة ماتت بجمع أي من ولادة وغيرهم، فإنهم يغسلون ويصلى عليهم.
قوله: (لا إن رفع حيا وإن أنفذت مقاتله إلا المغمور، ودفن بثيابه إن سترته، وإلا زيد بخف وقلنسوة ومنطقة قل ثمنها، وخاتم قل فصه أي لا إن رفع هذا الشهيد حيا ثم مات، وإن كان بمعنى الميت، كما لو نفذت مقاتله لصدق الحياة عليه، إلا أن يكون مغمورا لم يفق بعد إنفاذ المقاتل، فيحلق بالمقتول في المعترك لأنه في حكم العدم،
стр. 388
ويدفن شهيد المعترك بثيابه إن سترته وإلا أي وإن لم تستره زيد عليها ما يستره وإن لم يوجد إلا دون ذلك ستر من سرته إلى ركبتيه، ويدفن مع خف عليه وقلنسوة ومنطقة قل ثمنها لا ما كثر ثمنه. وكذلك يدفن مع خاتم سني عليه إذا كان فضة قليلا وإلا فلا يدفن معه، والخاتم السني ما وزنه مع فصه در همان، فلا يدفن بخاتم غير سني.
قوله: (لا درع وسلاح) أي لا يدفن الشهيد مع الدرع ولا مع سلاح مطلقا.
قوله: (ولا دون الجل، ولا محكوم بكفره، وإن صغيرا ارتد، أو نوى به سابيه الإسلام؛ إلا أن يسلم: كأن أسلم ونفر من أبويه) أي ولا يغسل من الميت ما دون الجل منه وإن كان نصفا بل يجمع ويدفن.
وكذلك لا يغسل محكوم بكفره لأجل دنائته، كان كفره أصليا أو تبعا كولده الصغير أو طارئا وإن صغيرا مميزا حكم بإسلامه أو بإسلام أبيه وارتدى أو نوى به سابيه الإسلام إلا أن يسلم بما يعلم به أنه عقل الإسلام فإنه يغسل ويصلى عليه كما إذا أسلم وفر من أبويه فإنه يغسل ويصلى عليه هذا قول ابن القاسم جعل ارتداده هنا ارتداد، وإسلامه إسلاما.
وقد كان اسلام علي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله ابن عباس ﵄ قبل البلوغ.
وكان محلهما عند النبي ﷺ أنهما مسلمين.
قوله: (وإن اختلطوا غسلوا وكفنوا، وميز المسلم بالنية في الصلاة، ولا سقط لم يستهل، ولو تحرك، أو عطس، أو بال، أو رضع: إلا أن تتحقق الحياة، وغسل دمه، ولف بخرقة، وووري) أي وإن اختلط من يغسل ويصلى عليه مع موتى الكفار بحيث لا يعرفون فإنهم يغسلون كلهم، ويكفنون احتياطا وميز المؤمن المسلم بالنية في الصلاة.
قوله: ولا سقط وقد تقدم هذا ولكن كرره ليرتب عليه ما لم يذكر فيه أي ولا يغسل السقط ولا يصلى عليه إن لم يستهل صارخا ولوا استهل لغسل فلا يغسل ولو تحرك أو عطس لأن العطاس ليس بحيات وإنما هو ريح يخرج من الرأس.
وكذلك إن بال لأنه من استرخاء المواسك. وكذلك إن رضع فلا يغسل، إلا أن تحقق الحياة منه، كما إذا بقى زمنا طويلا، ويغسل دم السقط، ويلف بخرقة، ووري أي ستر بالتراب.
قوله: (ولا يصلى على قبر، إلا أن يدفن بغيرها، ولا غائب) أي ولا يصلى على قبر
стр. 389
الميت إلا أن يدفن بغير صلاة فيصلى عليه، إلا أن يطول الزمان، حيث يعلم أنه لم يبق فيه.
وفي إكمال الإكمال: المازري واختلف الناس في الصلاة على القبر، ومشهور قول مالك المنع، والشاذ جوازها فيمن دفن بغير صلاة.
عياض: تحصيل الصلاة على القبر أنه إن دفن الميت بغير صلاة فإنه يخرج ما لم يفت، فإن فات فالمشهور أنه يصلى عليه وهو في القبر.
وقال أشهب وسحنون: أنه لا يصلى على القبر وفيما يفوت به أربعة أقوال.
أشهب: بإهالة التراب.
عس ابن دينار (١): بالفراغ من دفنه.
ابن القاسم: ما لم يخف تغيره. سحنون: أن يطول.
وقال أبو حنيفة بالزيادة على ثلاثة أيام.
أبو عمر: وأجمع من قال بالصلاة على القبر أنه فيما قرب، وأقل ما قيل في القرب أنه شهر. انتهى (٢).
وكذلك لا يصلى على ميت غائب لاحتمال أنه صلى عليه ولا يقال أن النبي ﷺ صلى على غائب إذ يحتمل أنه رفع الحجاب بينه وبينه ويحتمل أنه من خصائصه ﷺ .
قوله: (ولا تكرر. والأولى بالصلاة: وصي رجي خيره، ثم الخليفة، لا فرعه، إلا مع الخطبة، ثم أقرب العصبة) أي ولا تكرر الصلاة على الميت وقد تقدم قوله والأولى أي الأولى بالصلاة على الميت وصي بها رجى خيره لأن ذلك من حق الميت فهو أعلم بمن يستشفع له.
قال مالك في العتبية: إلا أن يعلم أن ذلك من الميت لعداوة كانت بينه وبين وليه وإنما أراد أن يقبضه فلا تجوز وصيته بذلك يريد إذا كان الولي أولى ممن له دين وفضل وإلا كان الوصى إليه أولى لأن الولي إذا لم يكن معروفا بالخير وكانت
стр. 390
العداوة بنيهما اتهم في التقصير له في الدعاء (١).
ثم الخليفة العباسي لا فرعه أي لا نائبه إلا أن يكون صاحب الخطبة في الجامع فيقدم على العصبة وهذا كله إن عدم نقص منع أو كره في الإمامة فإن لم يكن الخليفة ولا نائبه الخطيب فأقرب العصبة.
قوله: (وأفضل ولي، ولو ولي امرأة، وصلى النساء دفعة، وصحح ترتبهن) أي وقدم للصلاة على الميت أفضل ولي من أوليائه أو أفضل ولي من أولياء الأموات ولو كان ولي المرأة هو الأفضل فإنه يقدم وإن كان ميته مؤخر.
وقيل يقدم ولي أفضل الموتى؛ لأنه هو الذي يلي الإمام، ومثله إذا كان رجلا وامرأة، وكان ولي المرأة أفضل، فقول مالك يتقدم ولي المرأة، وقول ابن الماجشون: يتقدم ولي الرجل لأنه يقول هذا وليي، فأنا أقدم على القول الأحسن عليه، وغيره تبع. انتهى من اللخمي (٢).
وهو قول مالك خلافا لعبد الملك. فإن لم يوجد من يصلي على الميت من الرجال المتأهل لذلك، فالنساء يصلين دفعة واحدة وحدانا، وصحح ترتبهن واحدة بعد واحدة، ولا يقال أنه تكرار للصلاة لأجل نقصهن.
قوله: (والقبر حبس: لا يمشى عليه، ولا ينبش؛ ما دام به) أي والقبر حبس على من هو فيه لا يمشى عليه ولا ينبش ما دام به، فإن نقل منه أو ظن عوده ترابا، وفي تقديره بعشرين سنة نظر لاختلاف التراب.
وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ : «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (٣) ولأن للميت حرمة ومن حقه ألا يمتهن بالقعود عليه والإتكاء.
قال ابن عرفة: إن طال فله الانتفاع بظاهر أرضه.
ابن رشد: لو كانت ملكهم كان لهم نبشها وتحويلهم لمقابر المسلمين وفعله معاوية لما أراد إجراء العين التي بحذاء أحد.
قال جابر: لما أراده نادى مناديه بالمدينة، من كان له بها قتيل فليخرجه
стр. 391
وليحوله، فأخرجناهم رطابا. انتهى من مختصره (١).
ابن عبد السلام: ووقع في كتب بعض أهل المذهب عن بعضهم أنه يجوز حرث البقيع بعد عشرة أعوام ووقع أيضا لبعضهم أنه إذا حرثت المقابر أخذ كراؤها ممن حرثها وصرف في جهاز الموتى. انتهى من التوضيح (٢).
قوله: (إلا أن يشح رب كفن غصبه، أو قبر بملكه أونسي معه مال، وإن كان بما يملك فيه الدفن بقي وعليهم قيمته) أي ولا ينبش القبر ما دام به الميت إلا أن يشح مالك كفن أو غيره غصبه أو يشح رب قبر غصبه بملكه أو نسي معه مال وإن من تركته فإنه ينبش لهذه الأشياء لحق الغير، وإن كان القبر المغصوب في أرض يملك فيه الميت الدفن كالمقبرة، أو أرض مباح لا ملك لأحد فيه، فإن الميت يبقى فيه للشبهة، وليس على أهله نبشه، ولكن عليهم قيمة الحفر.
قوله: (وأقله ما منع رائحته وحرسه) أي وأقل حفر القبر ما منع رائحة الميت وحرسه من السباع.
قوله: (وبقر عن مال كثر) أي ويبقر الميت عن مال كثير ابتلعه ابتلاعا شرعيا أم لا أو قصد به حرمان الورثة (ولو) كان إثبات ذلك ﴿بشاهد ويمين﴾ وأحرى بشاهدين إذ يقضى بالشاهد واليمين، واختلف في حد الكثير، قال بعضهم: هو نصاب القطع في السرقة، وقال بعضهم: هو نصاب الزكاة.
قوله: (لا عن جنين، وتؤولت أيضا على البقر إن رجي، وإن قدر على إخراجه من محله فعل) أي لا تبقر المرأة عن جنين وإن رجى حياته، وهو قول مالك وتأول عليه المدونة، فقدم مالك ﴿تخلله﴾ حق الأم لأن ذلك مثلة، وتأولت أيضا المدونة على البقر إن رجي حياته، وقدم حق الولد.
اللخمي: وهو أحسن. وإحياء نفس أولى من صيانة الميت لحرمتها، وعلى البقر (٣).
قال سند: من خاصرتها اليسرى لأنها أقرب للولد، ويلي ذلك أخص أقاربها والزوج أحسن (٤)، وهذا الخلاف في الآدمية لحرمتها، فإن فرعنا على عدم البقر فلا
стр. 392
تدفن حتى يموت الجنين.
الحاصل: إن رجي جنين الآدمية ففي البقر عليه تأويلان.
وأما إن لم يرج فلا تبقر بلا خلاف، وأما البهيمة فلا خلاف أنها تبقر عن جنينها.
مسألة: رمكة ماتت وفي بطنها ولدها، فاستخرجه غير مالكها.
قال التونسي: فيمن ماتت له ناقة، أو بقرة، أو دابة في بطنها ولدها، فطرحها فجاء رجل فاستخرج منها الجنين.
قال سحنون مرة: لمستخرجه، ومرة قال: لصاحبها، وأرى أن يكرى عليه من بيت المال حتى يكبر فيباع ويتصدق بثمنه، وإن أخذه صاحب الرمكة، فلابد من التربية لئلا يذهب عمله. انتهى.
قوله: (والنص عدم جواز أكله لمضطر، وصحح أكله أيضا) أي والنص للعلماء عدم أكل ميتة الآدمي لمضطر خاف على نفسه الموت، إذ تحرم لحوم بني آدم إكراما لهم وتشريفا، وحرمته حيا وميتا سواء، وصحح أكله لمضطر لعموم الآية، وعلى القول الصحيح إن لم يجد ميتا فإنه يأكل من حده القتل، وإن لم يوجد فإنه يأكل من نفسه حتى يستغني، إن لم يخف على نفسه.
النص: ما رفع في بيانه إلى غاية.
وقيل: النص ما ليس فيه احتمال أو كان فيه احتمال ضعيف.
قوله: (ودفنت مشركة حملت من مسلم بمقبرتهم) أي ودفنت كافرة ماتت وهي حامل من مسلم في مقبرة الكفار، إذ لا حرمة لجنينها إذ هو كعضو منها، ويلي دفنها أهل دينها.
قال ابن غازي: قال ابن عرفة: ونقل ابن غلاب (١) عن المذهب تدفن بطرف مقبرة المسلمين، وهم (٢).
قوله: (ولا يستقبل بها قبلتنا ولا قبلتهم) قال المواق في التاج والإكليل: ليس هذا موضع هذا الفرع.
стр. 393
قال ابن غازي: فإن قلت إنما يلي دفنها أهل دينها بمقبرتهم، كما صرح به في النوادر (١) وغيرها فما فائدة قول المصنف: لا تستقبل قبلتنا ولا قبلتهم؟ وإنما وقع هذا في المدونة عن ربيعة (٢) في المسلم يواري أباه الكافر (٣).
قلت: كأنه احترز به من قول بعض العلماء: يجعل ظهرها إلى القبلة؛ لأن وجه الجنين إلى ظهرها، على أن في التعبير عن هذا المقصد بهذه العبارة بعد. والله أعلم. انتهى (٤).
قال ابن عرفة: وسئلت عن امرأة ماتت فأراد زوجها دفنها في مقبرته، وأراد عصبتها دفنها في مقبرتهم، فأجبت بأن القول قول عصبتها، أخذا من هذه المسألة لعدم النص فيها.
القلشاني: والمسألة المأخوذة منها، قوله في المدونة: تتنوي البدوية حيث انتوى أهلها، لا حيث انتوى أهل الزوج (٥).
قوله: (ورمي ميت البحر به مكفنا إن لم يرج البر قبل تغيره) أي وإن مات مسلم في بحر، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ثم يرمى في البحر إن لم يرج وصول البر قبل تغيره، ولا يثقل ليهبط إلى قاع البحر، خلافا لمن قال: يثقل ليهبط. وأما إن رجي البر قبل تغيره، فإنه يستأنى به ليدفن فيه.
قوله: (ولا يعذب ببكاء لم يوص به) أي ولا يعذب الميت ببكاء عليه إن لم يوص به وإن بلسان حاله.
وقال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: ورد في الحديث عنه ﷺ : «أن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه» (٦) أخرجه مالك في الموطأ. فأشكل
стр. 394
ظاهر الحديث من جهة أن الإنسان لا يؤاخذ بفعل غيره، وهي قاعدة صحيحة تعارض هذه القاعدة، وحصل الفرق من وجوه أحدها، أنه محمول على ما إذا أوصى بالنياحة كما قال طرفة (١):
فإن مت فانعني بما أنا أهله … وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
وثانيها أنهم كانوا يذكرون في نواحهم مفاخر هي مخاز عند الشرع، كالغصب والفسوق، فيعذب بها، فيكون المعنى أن الميت يعذب بمدلول ما يقع في البكاء من الألفاظ، ولما كان بين البكاء وبين تلك الأمور ملازمة قد حصلت في الواقع، عبر بالبكاء عنها مجازا (٢).
قوله: ﴿ولا يترك مسلم لوليه الكافر ولا يغسل مسلم أبا كافرا ولا يدخله قبره إلا أن يضيع فليواره﴾ أي ولا يترك المسلمون مسلما لوليه الكافر في التمريض والتجهيز، لأن عداوة الدين أشد من محبة القرابة، فإن مات كافر فلا يغسله ابنه المسلم ولا يدخله قبره، إلا أن يخاف أن يضيع فليواريه في الأرض، ولا يستقبل به قبلتنا ولا قبلتهم، لأنه ليس من أهل قبلتنا، ولا نعظم نحن قبلتهم.
قال المواق: وهذا موضع ما تقدم ذكره من قوله: ولا تستقبل قبلتنا ولا قبلتهم، لعل الناسخ وضعه في غير موضعه.
قوله: ﴿والصلاة أحب من النفل إذا قام بها الغير إن كان كجار أو صالحا﴾ أي والصلاة على الميت أحب عند مالك من النفل، ومن الجلوس في المسجد، إذا قام الغير بالصلاة عليه، إن كان الميت كجار أو صديق أو صالح أوشيخ أو معلم وأما إن لم يكن الميت مثل هؤلاء، فالنفل والجلوس في المسجد أحب إليه، وهذا إذا قام الغير بالصلاة عليه، وأما إذا لم يقم به الغير فإنها تتعين عليه.
стр. 395
باب [في أحكام الزكاة]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الزكاة، الزكاة في اللغة: الزيادة، وفي الشرع: عبارة عن مال مخصص يؤخذ من مال مخصوص، إذا بلغ قدرا مخصوصا في زمن مخصوص، يصرف في جهة مخصوصة، وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع ولها أسماء غير الزكاة ومنها حق لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] ومنها صدقة لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومنها نفقة لقوله تعالى: ﴿ولا ينفقونها﴾ [التوبة: ٣٤] أي ولا يزكونها، ومنها العفو لقوله تعالى: ﴿خذ العفو﴾ [الأعراف: ١٩٩] ومنها الماعون لقوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٧]. انتهى.
وفي الشعب لابن غالب تخلله أن الله تعالى جعل الزكاة طهرا للأموال والأبدان، وتنزيها للنفوس والأرواح.
وقال: وذلك أن الله خلق الخلق بحكمته، وأفقر بعضهم لبعض، وجعل منهم الأغنياء والفقراء أي وذوي الحاجات المختلفة، ليستقيم إيجاد الخليفة وقال تعالى: ﴿ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا﴾ [الزخرف: ٣٢] فجعل للفقراء ذوي الحاجات حقوقا في أموال الأغنياء فهي مفروضة لهم، ليس لأصحاب الأموال فيها شيء، ولو كانت لهم، لما وقع الوعيد على من منعها بالويل الذي وقع الوعيد به على من لم يصلي لله تعالى في قوله: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٤ - ٧] وهي الزكاة. فالزكاة مفروضة لأهلها، وهي حق لهم على الأغنياء، كما أن الصلاة مفروضة لله تعالى، وهي حق له على عباده. وكذلك تجدها حيث جاءت في كتاب الله مقرونة مع الصلاة ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [الزمر: ٢٠] فلهم في الأموال حق فرضه الله، لأن المال مال الله، والخلق خلق الله يعطي من يشاء المقدار الذي يشاء، فهذا المقدار الذي هو حقوق الغير، قد علم الله بلطيف علمه وخفي نظره، أن ربع العشر من زكاة الورق والذهب، والعشر أو نصف العشر من الطعام، والشاة من أربعين شاة، وغير ذلك من نصاب الزكاة أنها قائمة بأهل الحاجة الذين فرض لهم، ويبقى النصاب بأيدي مالكيه إلى وقت حاجة أخرى، وعلم سبحانه أن المال لا
стр. 396
يطهر ولا يطيب لما لكه حتى يخرج ذلك القدر، فممسك الزكاة إنما يأكل أو ساخ الفقراء بل دماءهم. وكذلك أخذها بغير حقها، ووضعها في غير حقها لأنه أكل لحقوق الغير، وهم محتاجون إلى حقوقهم. انتهى.
[زكاة الماشية]
قوله: (تجب زكاة نصاب النعم): النصاب من النصب وهو الإنتصاب أو هو من الغاية التي تنتهي إليه أوهو من النصيب، لأنه إذا بلغ هذا القدر يكون للمساكين فيه نصيب. النعم جمع أنعام وهي الماشية الإبل والبقر والغنم. فلا تجب الزكاة فيما دون النصاب منها.
قوله: (بملك، وحول، كملا وإن معلوفة وعاملة ونتاجا) أي تجب زكاة نصاب النعم بسبب ملك تام ومرور حول كامل كان النعم معلوفة أو عاملة أو نتاجا وحده أو مع الأمهات.
وقوله: (لا منها ومن الوحش) أي لا زكاة فيما تولد من النعم، والوحش وإن تأنس، هذا هو المشهور.
وقيل: إن كانت الأم من النعم والأب من الوحش تجب فيه الزكاة. وإن كان الأب من النعم والأم من الوحش فلا زكاة وقيل تجب فيه الزكاة مطلقا.
قوله: (وضمت الفائدة له، وإن قبل حوله بيوم) أي وتضم الفائدة له إلى النصاب في الزكاة وإن قبل حوله بيوم بل ولو بساعة المراد بالفائدة هنا ما تجدد ملكه بهبة أو صدقة أو إرث أو شراء أي الفرق بين نصاب العين والماشية أن نصاب العين لا تضم له الفائدة، ونصاب الماشية تضم إليه الفائدة، ولأن الماشية لها سعات، وفيها أوقاص بخلاف العين.
قوله: (لا لأقل): أي لا تضم الفائدة بأقل من النصاب بل حولهما حول الأخير.
وقوله: (الإبل في كل خمس ضائنة إن لم يكن جل غنم البلد المعز، وإن خالفته) لما ذكر النعم جعل يفصل قدر النصاب من كل جنس فبدأ بالإبل اتباعا لكتاب رسول الله ﷺ الذي كتب فيه الزكاة.
وزكاة الإبل في كل خمس منها شاة ضائنة، إن لم يكن جل غنم البلد المعز، وإن خالفت الجل غنمه، كما إذا كان جل غنم البلد المعز وغنمه هو ضأن. فإن الواجب عليه المعز هو جذع أو جذعة أو ثني أو ثنية، إذ لا فرق على المشهور.
стр. 397
قوله: (والأصح إجزاء بعير) أي والقول الأصح إجزاء إخراج بعير عن الخمس، عوضا من الشاة، لأنه مواساة من جنس المال بما هو أفضل، وهو قول عبد المنعم القروي (١) وصححه ابن عبد السلام (٢).
قال بعضهم: لأنه الأصل، والشاة تخفيف.
وقال القاضيان (٣): لا يجزئ لأنه من باب إخراج القيمة.
البعير يطلق على الذكر والأنثى من الإبل. الأصل أن يخرج من كل جنس زكاته فيه.
قوله: (إلى خمس وعشرين فبنت مخاض، فإن لم تكن له سليمة فابن لبون، وفي ست وثلاثين بنت لبون، وست وأربعين حقة، وإحدى وستين جذعة، وست وسبعين بنتا لبون، وإحدى وتسعين حقتان، ومائة وإحدى وعشرين إلى تسع وعشرين حقتان أو ثلاث بنات لبون: الخيار للساعي، وتعين أحدهما منفردا، ثم في كل عشر يتغير الواجب: في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وبئت المخاض الموفية سنة) أي وتزكى الإبل بشياه في كل خمسة شاة إلى أن تبلغ خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض، وهي الموفية سنة ودخلت في الثانية ولو بيوم، فإن لم تكن له أو كانت له وليست سليمة من العيوب أو الشركة فالواجب عليه ابن لبون إن وجده وإن فقدا معا كلفه الساعي الإتيان ببنت مخاض على المنصوص إلا أن يرى ذلك نظرا للمستحقين.
وعن ابن القاسم: إن أتى بابن اللبون قبل منه. انتهى.
فإذا بلغت الإبل ستا وثلاثين ففيها بنت لبون، وإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة، وهي التي يصلح على ظهرها الحمل، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة، وإذا بلغت ستا وسبعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين إلى تسع وعشرين ففيها حقتان أو ثلاث بنات لبون، الخيار للساعي ينظر المصرف بالتقوى لا بالهوى، وإنما له الخيار إذا وجدامعا أو
стр. 398
فقدا معا، وأما إن لم يوجد إلا أحد النوعين فإنه يتعين أخذه رفقا بأرباب الماشية، ومابين هذه الأقدار المذكورة أوقاص لا زكاة فيها، ثم بعد هذه الأقدار كل عشر يتغير فيه الواجب لا أقل من عشر. ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، ففي مائة وثلاثين بنتا لبون وحقة تصديرا للأربعين وإلا تسقط الثلاثون، وفي المائة والأربعين حقتان وبنت لبون تقديما للخمسين وإلا ألغى عشرة، وفي مائة وخمسين ثلاثة حقائق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون عملا بالأربعين وحفظا على العشرة ثم كذلك في كل عشر ففي مائة وسبعين ثلاث بنات لبون وحقة، وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين ثلاث حقائق وبنت لبون، وفي مائتين أربع حقائق أو خمس بنات لبون، وبنت مخاض المذكورة هي الموفية سنة ودخلت في الثانية ولو بيوم واحد، ثم كذلك بنت لبون هي الموفية سنتين ودخلت في الثالثة ولو بيوم، والحقة هي الموفية ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، والجذعة هي الموفية أربع سنين ودخلت في الخامسة ولو بيوم. انتهى.
ولما فرغ من زكاة الإبل جعل يذكر زكاة البقر.
قوله: (ثم كذلك البقر في كل ثلاثين: تبيع ذو سنتين وفي أربعين مسنة ذات ثلاث، ومائة وعشرين كمائتي الإبل) أي وفي كل ثلاثين من البقر تبيع ذكر، وسنه ذو سنتين كاملتين على المشهور، وقيل: ذو سنة كاملة ودخل في الثانية، سمي تبيعا لأنه يتبع أمه إلى المرعى، وقيل: لأن قرنه تابع لأذنه. ويجب في أربعين منها مسنة، وهي ذات ثلاث سنين ودخلت في الرابعة ولو بيوم، إلا أن يتطوع ربها بأفضل، وفي مائة وعشرين منها ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة، الخيار للساعي ينظر فيما هو أفضل للمصرف بالتقوى لا بالهوى، كما يخير في زكاة مائتين من الإبل بين أربع حقائق أو خمس بنات لبون.
تنبيه: لم يذكر الشيخ زكاة مائتي البقر ولكن يفهم فيما تقدم. انتهى.
قوله: (الغنم في أربعين شاة جذع أو جذعة ذو سنة ولو معزا) لما فرغ من زكاة البقر، شرع يذكر الواجب في الغنم. يجب في أربعين شاة جذع ذكر أو جذعة، وهو ذو سنة كاملة، ولو كان الجذع أو الجذعة ماعزا.
ولم يذكر الشيخ ﵀ ونور الله ضريحه - في زكاة الإبل بالغنم جذعا ولا جذعة اكتفاء بما هنا.
стр. 399
لو قال الشيخ: في كل أربعين لكان في مائة وعشرين شاة ثلاث شياه وليس كذلك، ففي كل نسخة فيها لفظ كل فهو خطأ. انتهى.
قوله: (وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان وفي مائتين وشاة ثلاث، وفي أربعمائة أربع؛ ثم لكل مائة شاة) أي ويجب في مائة وإحدى وعشرين شاتان إلى مائتين، ويجب في مائتين وشاة إلى ثلاث مائة وتسعة وتسعين ثلاث شياه، ويجب في أربع مائة أربع شياه، ثم بعد ذلك لكل مائة شاة، وما نقص عن مائة فلا شيء فيه.
قوله: (ولزم الوسط، ولو انفرد الخيار أو الشرار، إلا أن يرى الساعي أخذ المعيبة لا الصغيرة) أي ويلزم في كل ما وجب من كل النعم الوسط، ولو انفرد الخيار أو الشرار، فلا يأخذ كرائم الأموال، إلا أن يتطوع ربها بأفضل، فلا يأخذ الساعي من شرار الماشية، إذ ليس له المسامحة لأنه وكيل، إلا أن يرى أخذ المعينة نظرا لمصرف الزكاة لكثرة لحمها أو ثمنها، فليس له أخذ الصغيرة القاصرة عن السن الواجب.
مسألة: وفي البيان (١): قال عيسى: قال ابن القاسم: إذا كان لرجل إبل، فسيرها في سفر، فحال الحول عليها وهي في سفرها، فليس عليه صدقتها حتى تقدم، فإن ماتت فلا صدقة عليه فيها.
قال محمد بن رشد: إنما لم تجب عليه صدقتها من أجل أنه لا يدري ما حدث عليها من تلف أو عطب، ولا يلزمه أيضا أن يخرج زكاتها إلا منها، وهو لا يقدر على ذلك مع مغيبها عنه.
وقوله: فإن ماتت فلا صدقة عليه فيها، يريد وإن علم أنها ماتت بعد حلول الحول عليها، إذ لم يفرط في ذلك، وليس عليه أن يخرج زكاتها إلا منها، وإن كانت زكاتها من غيرها. انتهى (٢).
وجدته بخط شيخنا محمود بن عمر حفظه الله آمين.
قوله: (وضم بخت لعراب، وجاموس لبقر، وضأن لمعز، وخير الساعي إن وجبت واحدة وتساويا) لما فرغ من ذكر النصاب، وقدر ما يؤخذ، شرع يذكر ما يضم في الزكاة أي
стр. 400
يضم بخت وهي إبل خراسان ذات سنامين، إلى عراب وهي غير ذات سنامين.
وكذلك يضم جاموس لبقر، فتكون كنوع واحد. وكذلك ضأن لمعز، فإن وجبت واحدة والحال أنهما تساويا، كثمانية عشر بخت، وثمانية عشر عراب، فالواجب فيها بنت لبون، أو خمسة عشر جاموسا وخمسة عشر بقرا، أو عشرين ضائنة وعشرين معزا، فإن الساعي مخير في أخذ ذلك الواجب في أي النوعين، بمعنى لا يتعين عليه ما يأخذ من ذلك، بل ينظر بالأصلح للمساكين.
قوله: (وإلا) أي وإن لم يتساويا بل تفاوتا (ف) إنه يأخذ (من الأكثر) منهما.
قوله: (وثنتان من كل إن تساويا أو الأقل نصاب غير وقص، وإلا فالأكثر) أي وإن وجب أخذ اثنتين أخذ من كل واحدة، إن تساويا أو كان الأقل نصابا، كمائة وعشرين ضائنة وأربعين معزا والأربعين غير وقص وإلا فالأكثر أي وإن لم يكن الأقل نصابا أو كان نصابا ولكنه وقص كمائة وشاة مع أربعين، الوقص بفتح القاف أفصح من سكونها.
قوله: (وثلاث وتساويا فمنهما) أي وإن وجبت ثلاث، والحال أنها متساوية، كمائة وعشرين مع مثلها، فإنه يأخذ اثنتين منهما في النوعين (وخير في الثالثة).
قوله: (وإلا فكذلك) أي وإن لم يتساويا فكالتفصيل المتقدم يأخذ من الأكثر منهما.
قوله: (واعتبر في الرابعة فأكثر كل مائة، وفي أربعين جاموسا وعشرين بقرة منهما) أي فإن وجبت أربع شياه فأكثر، يعتبر كل مائة، ففي مائتين وستين مع مائة وأربعين شاة من الأقل وثلاث من الأكثر، وفي مائتين وخمسين مع مثلها اثنتين من كل، وخير في الخامسة، وإن كان أربعين جاموسا وعشرين بقرة، فإنه يأخذ من كل نوع تبيعا، لأنه يأخذ تبيعا عن ثلاثين من الجاموس، يصير أكثر الباقي بقرا لأنها عشرون، والجاموس عشرة.
قوله: (ومن هرب بإبدال ماشية أخذ بزكاتها ولو قبل الحول على الأرجح) أي ومن هرب من الزكاة بإبدل ماشيته بماشية أخرى أو عرض أو عين أخذ بزكاة تلك الماشية المبدلة، خلافا لمن قال: إنما يؤخذ بزكاة الثمن، معاملة بنقيض مقصوده، ولو كان إنما باعها قبل الحول على ما اختاره ابن يونس، خلافا لمن قال: إذا باعها قبل الحول، فلا يؤخذ بزكاتها، إذ ليس بهارب من الزكاة.
стр. 401
قوله: (وبنى في راجعة بعيب أو فلس) هذا شروع منه الله حيث يبني على ما مضى من الحول، وحيث لا يبني أي وإن باع ماشية فرجعت إليه لأجل عيب ظهر فيها، فإنه يبني فيها على ما مضى من حولها وهي في يده، بناء على أن الرد بالعيب نقض بيع، وأما على القول أنه ليس بنقص، فإنه يستقبل بها حولا. وكذلك إذا باع ماشية ثم فلس المبتاع فوجد ماشية في يده لم تفت فرجع فيها، فإنه يبني فيها على حولها الأصلي لأنه نقض بيع.
قوله: (كمبدل ماشية تجارة) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يبني على الحول الأصلي مبدل ماشية تجارة (وإن) كانت (دون نصاب بعين) فيها نصاب، إنما يبني لأنه انتقل من ظاهر إلى خفي.
قوله: (أو نوعها) أي أو أبدل ماشية تجارة بنوعها، كبخت لعراب، أو جاموس لبقر، أو ضأن لمعز أو العكس، فإنه في ذلك كله يبني على حول الأصل، كانت الأولى نصابا أم لا على المشهور.
قوله: (ولو لاستهلاك) أي من كانت له ماشية فاستهلكها إنسان، فأخذ منه في القيمة ماشية من نوعها، فإنه يبني على حول الأصل، لأن أخذ الماشية في الاستهلاك كالمبادلة.
قوله: (كنصاب قنية) تشبيه أي كما يبني على حول الأصل، إذا أبدل نصاب ماشية قنية بعين النصاب شرط في إبدالها بعين، وأما إذا أبدلها بنوعها، فإنه يبني على حول الأصل، وإن كانت الأولى دون نصاب.
قوله: (لا بمخالفها، أو راجعة بإقالة) أي هذا راجع إلى قوله: أو نوعها أي لا إن أبدلها بمخالف لنوعها، كما إذا أبدل بقرا بغنم أو إبل أو العكس، فإنه يستقبل بها حولا، وكذلك يستقبل الحول بها، إذا رجعت إليه بالإقالة، لأن الإقالة ابتداء بيع، إلا في المسائل المعدودة فيما يأتي إن شاء الله.
تنبيه: ذكر الشيخ نور الله ضريحه الراجعة بالعيب وبالفلس وبالإقالة، وسكت عن الراجعة لفساد البيع، والحكم سواء، والأولى أن يذكرها.
قوله: (أو عينا بماشية) أي وإن أبدل عينا بماشية فإنه يستقبل بها حولا إذ لا تهمة، لأنه مال باطن باعه بظاهر، وأما الماشية بعين، فإنه مال ظاهر بيع بمال خفي وهناك تهمة.
стр. 402
قوله: (وخلطاء الماشية كمالك، فيما وجب من قدر وسن وصنف) أي وإذا توفرت شروط الخلطة في الماشية، فإن الخلطاء كمالك واحد فيما يجب فيها من قدر وسن وصنف.
الخليط: هو الذي يميز.
والشريك: هو الذي لا يميز ماله، وكل شريك خليط، وليس كل خليط شريك. مثال القدر ثلاثة لكل واحد أربعون شاة، فالواجب شاة على كل واحد ثلثها، ومثال السن كاثنين لكل واحد منهما ست وثلاثون من الإبل، فإن الواجب عليهما جذعة على كل واحد نصفها. ومثال الصنف كاثنين لواحد ثمانون من الضأن، وللآخر أربعون معزا، فإن الواجب شاة من الضأن لأنها الأكثر، وعلى صاحب المعز ثلثها.
قوله: (إن نويت، وكل حر مسلم ملك نصابا بحول) شروع منه الله في ذكر شروط الخلطة وهي: أن تكون الخلطة منوية لأرباب الماشية، وأما إن لم ينووها فلا عبرة بها، وأن يكون كل من الخلطاء حرا، فإن كان أحدهما عبدا، فإن الحر يستقبل بما عنده، ولا شيء على العبد، وأن يكون كل منهم مسلما، وإن كان أحدهم كافرا لا عبرة به، وأن يكون كل من الخلطاء ملك نصابا وحده حال عليه الحول، وإن كان لأحدهما نصاب دون الآخر، فإن مالك النصاب يزكي ما عنده إن حال عليه الحول، ولا شيء على الآخر، وإن كان لكل منهما نصاب، ولم يحل حول واحد منهما، فإن كلا منهما يزكي على حوله.
قوله: (واجتمعا بملك، أو منفعة في الأكثر من ماء، ومراح، ومبيت، وراع بإذنهما، وفحل) غفل البساطي هنا تعالله لأنه جعل الضمير في اجتمعا للغنمين أي واجتمع الخليطان في ملك رقبة أو منفعة في الأكثر من هذه الخمسة وهي مراح وهو الموضع الذي تقيل فيه. وماء ومبيت وراع وفحل.
هذا كله إذا كان بإذن المالكين، وأما إن تعاون الرعات بغير إذن فليس ذلك بخلطة.
قوله: (برفق) أي إنما تعتبر الخلطة إذا كانت برفق، لا لأجل الفرار من الزكاة.
فرع ولا تشترط الخلطة في جميع الحول، بل يكفي اختلاطها في آخره. واختلف في تقدير ذلك بمدة، وفي قدرها على القول بها.
فقال القاضي ابو محمد: إذا لم يقصد الفرار زكاها الساعي على ما يجدها عليه
стр. 403
من اجتماع أو افتراق، ويقبل قول أربابها؛ لأن الظاهر أنهم يفعلون ذلك للإرتفاق بالفرقة والإجتماع، فيجب ألا يخالف ما ظهر، ويصار إلى خلافه، إلا بأمارة تقوي التهمة.
وروى ابن القاسم في الكتاب: إذا كان ذلك قبل الحول بشهرين وأقل فهم خلطاء، وذكر أنه لم يسأل عن أقل من ذلك.
ثم قال: وأنا أرى أنهم خلطاء في أقل من الشهرين، ما لم يتقارب الحول ويهربا فيه، إلا أن يكونا خليطين فرارا من الزكاة. وما يرى أنه نهي عن مثله في حديث عمر بن الخطاب.
وقال ابن حبيب: أدنى ذلك الشهر، وما كان دون الشهر لم يجز لهما اجتماع ولا افتراق.
وقال محمد بن المواز: إن اجتمعا أو افترقا فيما دون الشهر فجائز ما لم يقرب جدا، ويكن الساعي قد أظلهما. هذا كله إن كان ما وجدا عليه من اجتماع أو افتراق منقصا من الزكاة، فإن لم يكن منقصا، فلا يتهمان عليه. انتهى من ابن شاس (١).
قوله: (وراجع المأخوذ منه شريكه بنسبة عدديهما، ولو انفرد وقص لأحدهما) أي فإن أخذ الساعي الواجب من أحد الخليطين، فإنه يرجع على شريكه في الخلطة، بنسبة عدد ما لكل واحد منهما، ولو انفرد وقص، لأحدهما أربعون شاة، ولصاحبه ثمانون، وأحرى إذا كان لهما وقص، فإنهما يتراجعان بنسبة عدديهما.
قوله: (في القيمة) أي وراجع المأخوذ منه شريكة في القيمة لا في الأجزاء، لضرورة الشركة.
ولم يذكر الشيخ وقت القيمة، هل هو يوم الأخذ؟ لأن الشريك كالمتلف، فتكون عليه القيمة يوم التلف، أو القيمة يوم التراجع، لأنه كالمسلف فيه قولان.
قوله: (كتأول الساعي الأخذ من نصاب لهما، أو لأحدهما، وزاد للخلطة، لا غصبا، أو لم يكمل لهما نصاب) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يتراجعان إذا تأول الساعي الأخذ من نصاب واحد لهما متبعا لقول من قال به أو وافقه اجتهاده إن كان مجتهدا. وكذلك إن كان لأحدهما نصاب، ومال الآخر ليس فيه نصاب، ولكن زاد المأخوذ للخلطة، كما إذا كان لأحدهما مائة شاة وللآخر إحدى وعشرين، فأخذ شاتان فإنهما
стр. 404
يتراجعان بالنسبة، لأن تأويل الساعي كحكم حاكم، فلا يتراجعان إن أخذ ذلك غصبا، بل هو مصيبة لمن نزل به.
وكذلك لا يتراجعان إن أخذ شاة في غنم لهما لم يكمل نصابا لأنه ظلم أخرق الإجماع فهو مصيبة لمن أخذه منه.
قوله: (وذو ثمانين خالط بنصفيها ذوي ثمانين) أي وصاحب ثمانين شاة خالط بنصفيها ذوي أربعين كل منهما خالطه بأربعين فإنهم كالخليط الواحد عليه شاة وعلى صاحبه شاة وعلى كل واحد منهما نصفها.
قوله: (أو بنصف فقط ذا أربعين، كالخليط الواحد عليه شاة، وعلى غيره نصف بالقيمة) أي فإن خالط ذو ثمانين بأربعين منها ذا أربعين، فالواجب عليهما شاة، وعلى صاحب الثمانين ثلثاها، وعلى صاحب الأربعين ثلثها، ولم يذكر الشيخ الواجب عنه لوضوحه.
قال صاحب التاج والإكليل: وأما مسألة ذى ثمانين خالط أربعين منها بأربعين لغيره، وبقيت الأربعين بغير خليط.
فقال ابن شاس: حكى الشيخ أبو الوليد عن عبد الملك وسحنون: أن على صاحب الأربعين نصف شاة، وعلى صاحب ثمانين شاة كاملة. انتهى (١).
وهذ النقل موافق لما اختصر عليه خليل، إلا أنه ليس بمشهور، ولا اتفق النقل به عن سحنون وعبد الملك، وإنما المشهور الذي ينبغي أن تكون به الفتوى ما في المدونة. انتهى (٢).
قال صاحب الجواهر: حيث ثبة للساعي على أحد الخلطاء حصة من شاة أو غيرها من ماشية الزكاة، أخذ منه قيمة ذلك ذهبا أو ورقا.
وقيل: إنه يأتي بها، فيكون شريكا معه فيها. انتهى (٣).
قوله: (وخرج الساعي ولو بجدب طلوع الثريا بالفجر) لفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر أي يخرج الساعي ولو في سنة الجدب، خلافا لمن قال: لا يخرج سنة الجدب، وعلى خروجه على المشهور فهل يكلف رب الماشية الإتيان بالوسط
стр. 405
اللازم؟ أو لا يكلفه بل يأخذ من الماشية على ما كانت عليه من الهزال فيه قولان.
وإذا فرعنا على القول أنه لا يخرج سنة الجدب، وخرج في السنة التي تليها، هل يأخذ ما كان في السنة الماضية؟ أم لا قولان.
ووقت خروجه طلوع الثريا مع الفجر، وهو أول الصيف رفقا بالساعي لأنه يجد الناس مجتمعين على المياه، ورفقا لأرباب الماشية من ليس عنده السن الواجب يجده عند الناس هناك، ولا مشقة على الفريقين.
الجدب بدال مهملة ضد الخصب، ويختص بجدب الزرع، ولا يستعمل لفظ الجدب إلا في احتياج النبات إلى المطر.
الثريا مثلثة الثاء، وهو النجم المعروف، وهو من الثروة، وهو كثرة العدد.
قوله: (وهو) أي الساعي (شرط وجوب؛ إن كان، وبلغ) أي ووصل وإن لم يكن أو كان ولم يصل فكالعين يزكيها ربها، وقيل: الساعي شرط أداء وهو الظاهر، والأول هو المشهور. انتهى.
فإن قلت: لنا زكاة حولها بالسنة القمرية، ولنا زكاة حولها بالسنة الشمسية؟.
قلت: أما الأولى فهي زكاة العين، وأما الثانية فهي زكاة الماشية، فإن حولها أول فصل الصيف عند طلوع الثريا، وهو وقت خروج الساعي، وتدور مع الفصول ولا تدور مع الأشهر القمرية، قاله ابن الفخار (١) في تعقبه على الرسالة لأبي محمد بن أبي زيد. انتهى من درة الغواص لابن فرحون (٢).
قوله: (وقبله: يستقبل الوارث) حولا أي وإن مات رب الماشية قبل مجيء الساعي، فإن الوارث يستقبل بالماشية حولا لأنها فائدة. وكذلك إن مات الوارث قبل مجيء الساعي إليها، فإن وارثه يستقبل بها حولا.
قوله: (ولا تبدأ إن أوصى بها ولا تجزئ) أي وإن أوصى الميت بإخراج الزكاة لا تبدء على الوصايا، ولا يأخذها الساعي، ولا تجزء الزكاة إن أخرجها قبل مجيء الساعي، وإن بعد مضي حولها، ولا ينبغي لرب الماشية أن يضيف الساعي ولا أن
стр. 406
يعيره دابة، خيفة أن يرفق به، لأن الهدية إذا دخلت دارا تتطاير الأمانة من كواها.
قوله: (كمروره بها ناقصة، ثم رجع وقد كملت) إلى آخره تشبيه لإفادة الحكم أي كما يستقبل بها حولا إذا مر بها الساعي، وهي ناقصة عن النصاب بعد حولها، ثم رجع وقد كملت بولادة، أو وجود ضالة، أو إبدال قليل بأكثر، لأن المعتبر المرور الأول، إذ به حكم الحول.
قوله: (فإن تخلف وأخرجت أجزأ على المختار، وإلا عمل على الزيد والنقص للماضي بتبدئة العام الأول، إلا أن ينقص الأخذ النصاب أو الصفة فيعتبر) أي فإن تخلف الساعي لعذر وأخرجت الزكاة، أجزء على ما اختاره اللخمي، ومقابله: لا تجزء. وإلا أي وإن لم تخرج حيث تخلف الساعي ثم جاء، فإنه يعمل على ما كانت عليه الماشية من الزائد والناقص في السنين الماضية، فيبدأ بالعام الأول ثم بالذي يليه على الترتيب إلا أن ينقص الأخذ النصاب، كما إذا تخلف عنها أربع سنين وهي اثنان وأربعون شاة فإنه يأخذ للعام الأول شاة وللثاني شاة وللثالث شاة وبقيت الغنم تسعا وثلاثين ليست بنصاب. وكذلك إن نقص الأخذ الصفة، كما إذا تخلف عنها وهي خمسون من الإبل فوجدها خمسا وعشرين فإنه يأخذ للسنة الأولى بنت مخاض وللسنين الباقية شياه.
قوله: (كتخلفه عن أقل فكمل، وصدق، لا إن نقصت هاربا، وإن زادت له فلكل ما فيه بتبدئة الأول، وهل يصدق؟ قولان) تشبيه أي كما يعمل على الزيد والنقص إذا تخلف عنها وهي أقل من النصاب، فكملت بعد ذلك في غيبته، فلا يأخذ إلا عن الأعوام التي كملت فيه النصاب وهو قول مالك وابن القاسم. ويصدق رب الماشية فيها في كل عام لأنه ليس بهارب.
قوله: لا إن نقصت هاربا راجع لقوله: عمل على الزيد والنقص أي لا إن نقصت هاربا، فإنه لا يعمل على النقص، بل يعمل على ما علم حتى يثبت خلافه، وإن زادت الماشية في حال هروبه، فإن الساعي يأخذ لكل سنة ما فيه إن صدقه، فيبدء بالعام الأول. وأما إن لم يصدقه فإنه يأخذ لكل سنة على الزيد.
واختلف هل يصدق في دعوى نقصها؟ لأنه الأصل وهو قول سحنون، أو لا يصدق لأنه الهارب، وهو قول عبد الملك.
قوله: (وإن سأل فنقصت أو زادت، فالموجود إن لم يصدق) أي وإن سأل الساعي رب
стр. 407
الماشية عن قدرها، فأخبره به وغاب عنها، ثم نقصت قبل عدها بموت أو ضالة، أو زادت بولادة أو فائدة، أو إبدال قليل بكثير، فإن المعتبر في ذلك هو الموجود الآن، لا إن لم يصدقه في إخباره بقدرها، لأنه لما لم يصدقه كان كلامه بالإخبار لغو.
قوله: (أو صدق ونقصت وفي الزيد تردد) أي وكذلك إن سأله عن قدرها، فأخبره به وصدقه، ونقصت بعد ذلك وقبل العد، فالمعتبر الموجود الآن، فإن أخبره بعددها وصدقه، وزادت قبل العد فيه طريقان الأول المعتبر ما صدقه فيه. والطريق الآخر في ذلك قولين: أحدهما أن المعتبر ما صدقه فيه.
والثاني: أن المعتبر ما وجد، تردد فيه الأشياخ في فهم النقل. قال بعضهم: المذهب كله على طريق واحد. وقال بعضهم: المذهب على قولين.
قوله: (وأخذ الخوارج بالماضي، إن لم يزعموا الأداء، إلا أن يخرجوا لمنعها) أي وأخذ الخوارج عن الإمام العدل بزكاة الماضي من السنين، إلا أن يزعموا أداءها للفقراء، فإنهم يصدقون في ذلك لأنهم متأولون، إلا أن يكون خروجهم لأجل منع الزكاة، فلا يصدقون في إخراجها بل تؤخذ منهم.
وفي إكمال الإكمال: قال عياض: وتعليق الزكاة بالنصاب المذكور يدل على أن لا زكاة في أقل منها عددا ولا خلاف في شيء منها إلا ما في الحب، فإن أبا حنيفة وبعض السلف، قالوا: يزكي قليل الحب وكثيره، لقوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٦/ ٢٦٧] وحديث: «في ما سقت السماء العشر» (١).
ولنا عليهم الأحاديث المقيدة بالنصب، والمطلق يرد إلى المقيد. انتهى منه (٢).
[زكاة الحرث]
قوله: (وفي خمسة أوسق فأكثر، وإن بأرض خراجية، ألف وستمائة رطل: مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا، كل: خمسون وخمسا حبة، من مطلق الشعير) أي الواجب في خمسة أو سق فأكثر لا أقل خلافا لأبي حنيفة، وإن كان الحرث في أرض خراجية، شرعية
стр. 408
كانت أو ظلما.
وفي إكمال الإكمال: الله أعلم هذا موضعه.
قوله: ألف وست مائة رطل، يصح أن يكون بدلا من خمسة أوسق ويكون بالعكس، ويصح أن يكون خبرا لمبتدء محذوف أي وهي الخمسة الأوسق ألف رطل وست مائة رطل.
الرطل بفتح الراء وكسره، والرطل وزنه مائة وثمانية وعشرون درهما بالدرهم المكي، وهو الدرهم الشرعي، ووزن كل درهم خمسون حبة وخمسا حبة من مطلق الشعير أي وسطها لا يوصف بالصغير ولا بالكبير ولا بالممتلئ ولا بالضامر.
قوله: (من حب وتمر فقط) أي والخمسة الأوسق من حب أو ثمر فقط احترازا من قول عبد الملك تتعلق الزكاة لكل ذي أصل ثابت كالرمان والخوخ وغير ذلك. قال ابن غازي: كأنه أدرج الزبيب في التمر فإنهما متفق عليهما (١).
قوله: (منقى مقدر الجفاف، وإن لم يجف) أي في حال كونه منقى من التبن ومن الصوان، يريد إلا قشر ما يخزن بقشره من أرز وعلس، يدل عليه ما يأتي مقدر الجفاف فيه وإن لم يجف، يقال: لو جف هذا يكون فيه خمسة أوسق. قوله: (نصف عشره:) هو خبر مبتدء محذوف أي الواجب في خمسة أوسق نصف عشره، ويصح أن يكون فاعلا أي يجب في خمسة أوسق نصف عشره، الوسق ما وسق أي جمع ومنه قوله تعالى: ﴿واليل وما وسق﴾ [الانشقاق: ١٧] أي وما جمع.
فائدة مكائل المدينة تسعة أعلاها الكز وهو إثني عشر وسقا، ثم يليه الوسق وهو ستون صاعا، ثم يليه القفيز وهو ثمانية وأربعون صاعا، ثم يليه الإردب وهو ثلاثون صاعا، ثم يليه الوبية وهو خمسة أصع، ثم يليه الفرق وهو ثلاثة أصع، ثم يليه الصاع وهو أربعة أمداد، ثم يليه القسط وهو نصف صاع، ثم يليه المد وهو وزن رطل وثلث. والرطل إثنى عشر أوقية، والأوقية أربعون درهما، والدرهم خمسون حبة وخمسا حبة. انتهى.
قوله: (كزيت ما له زيت، وثمن غير ذي الزيت، وما لا يجف، وقول أخضر) تشبيه لإفادة الحكم في وجوب الزكاة، وفي الإخراج من زيتها أي كما يخرج من زيت ما له
стр. 409
زيت، كالزيتون والجلجلان وحب الفجل إذا بلغ ذلك خمسة أوسق وعصر الزيت، وحصاد الزرع ودرسه على المالك، لا على الفقراء.
وكذلك يخرج من ثمن غير ذي الزيت، ومن ثمن ما لا يجف، كرطب مصر، ومن ثمن فول أخضر إذا باعه أخضر.
وكذلك إذا أكله فيقومه ويزكي من الثمن، وإن كان أقل من دينار.
قوله: (إن سقي بآلة وإلا فالعشر، ولو اشتري السيح أو أنفق عليه) أي وإنما يجزئ نصف العشر في ذلك إن سقي ذلك بآلة كالدلو وغيره وإلا أي وإن سقي بغير آلة كالسيح أو المطر فالواجب فيه العشر ولو اشترى السيح أو أنفق عليه أي على جريانه إليها. والسيح الماء الجاري كالنهر.
قال المواق: قال ابن بشير: إن كان يشرب بالسيح لكن رب الأرض لا يملك ماء وإنما يشتريه بالثمن ففيه قولان المشهور وهو الصحيح أنه يزكي بالعشر إذ فيه نص الحديث، وقال اللخمي في ما اشتري أصل مائه العشرون السقي منه علة، وفيما سقي بواد أجرى إليه النفقة نصف عشر أول عام وعشر ما بعده (١)، ورد ابن بشير هذا قال: والعلة التي تعود على النص بالإبطال باطلة.
وقال ابن يونس: سئل ابن حبيب عن الزرع يعجزه الماء فيشتري صاحبه ما يسقيه به، كيف يزكيه؟ قال: يخرج عشره، وسئل عنها ابن الحسن (٢) فقال: يخرج نصف العشر.
ابن يونس: قال بعض فقهائنا وهذا أعدل، لأن الحديث إنما فرق بين النضح والسواني من أجل إخراج الثمن للأجراء ومن يتولى له ذلك فلا فرق.
ابن يونس: وينبغي على هذا القياس في عمل الكروم ومشقتها أن يخرج فيها نصف العشر لأن ذلك أشد من السقي وأكثر تعبا ونفقة، ولو قاله قائل كان صوابا (٣). انتهى من التاج والإكليل (٤).
قوله: (وإن سقي بهما فعلى حكميهما، وهل يغلب الأكثر خلاف) أي وإن سقي الزرع
стр. 410
بالآلة والسيح أو السماء فإنه يزكيه على حكميهما إن تساويا أو تقاربا، وإن لم يتساويا فهل يغلب الأكثر منهما؟ فيزكى على حكمه من عشر أونصفه ولا يغلب الأكثر بل كل على حكمه وهو قول ابن القاسم أيضا، ورواه عن مالك والأول قول مالك وابن القاسم. انتهى.
نظائر
قال صاحب الذخيرة: قال العبادي (١): إلحاق الأقل بالأكثر إثنا عشرة مسألة في المذهب: السيح والنضح، والمعز والضأن، يؤخذ من أكثرهما.
والمأخوذ في زكاة الإبل من غالب غنم البلد، ضأنا أو ماعزا، وإذا أدار بعض ماله دون بعض زكي بحكم غالبه.
وزكاة الفطر من غالب عيش البلد. وبياض المساقاة مع السواد يتبعه إذا كان أقل، وإذا نبة أكثر الغرس فللغارس الجميع، وإن نبة الأقل فلا شيء له فيها، وقيل له الأقل، وإذا أطعم أكثر الغرس سقط عنه العمل.
وإذا حد المساقي أكثر الحائط سقط عنه السقي وإذا أبر أكثر الحائط فجميعه للبائع وإذا حبس على أولاده الصغار أو وهب وحاز الأكثر صح الحوز في الجميع. وإذا استحق الأقل من البيع أو وجد به عيبا فليس له الرد، ويرجع بقدره. انتهى من الذخيرة (٢).
قوله: (وتضم القطاني: كقمح، وشعير، وسلت، وإن ببلدان؛ إن زرع أحدهما قبل حصاد الآخر، فيضم الوسط لهما، لا أول لثالث) لما فرغ الشيخ رحمه اللاه من ذكر ما تجب فيه الزكاة، ومن ذكر ما يخرج منها، ومن ذكر قدر المخرج شرع يذكر ما يضم في ذلك وما لا يضم، وتضم القطاني بعضها لبعض في الزكاة وهي: الفول والعدس والحمص والجلبان واللوبيا وغير ذلك، فتجمع في النصاب، كما يجمع قمح وشعير وسلت وإن زرعها في بلدان وأحرى بلد واحد، إذا زرع أحدهما قبل حصاد الآخر،
стр. 411
كما إذا زرع وقبل حصاده زرع آخر، ثم حصد الأول، ثم زرع ثالثا قبل حصاد الثاني، فبسبب ذلك يضم الوسط لهما على البدلية لا على المعية، فإن كان في الأول ثلاثة أوسق، وفي الثاني وسقين، فإنه يزكيه. وكذلك إن كان في الثاني وسقين، وفي الثالث ثلاثة، ولا يضم أول الثالث بناء على أن خليط الخليط ليس بخليط.
قوله: (لا لعلس) أي لا يضم القمح أو الشعير أو السلت إلى علس (ودخن وذرة وأرز، وهي أجناس) أي وهذه الأربعة أجناس لا يضم بعضها لبعض.
قوله: (والسمسم هو حب الجلجلان (وبزر الفجل) البزر بفتح الباء وكسرها، (والقرطم) وهو حب العصفور، وهذه الثلاث (كالزيتون) في وجوب الزكاة، وفي الإخراج أخرج من زيتها، وحقه أن يذكر هذا قبل قوله: وتضم القطاني لأنه أولى به.
قوله: (لا الكتان) أي فلا زكاة في بزر الكتان.
قوله: (وحسب قشر الأرز والعلس) أي وحسب قشر الأرز في الخمسة الأوسق فلا تلغى قياسا على نوى التمر، من وجد في حرثه خمسة أوسق من أرز وعلس بقشره فعليه زكاته خلافا للشافعية، ولا حجة لمن قال: ولا ينتفع به إلا إذا أزيل قشره، ومن فسره بغير هذا فقد أخطأ في اللفظ والنقل.
غفل فيه الشارح ﵀.
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
قوله: (وما تصدق به): أي ويحسب في الأوسق ما تصدق به إن لم ينو به الزكاة فإن نواه به يجزيه، ولا يحسب ما التقطه اللاقطون، وكذلك لا يحسب ما أعطاه لخدمة السلاطين لأنه كالجائحة. انتهى.
قال البرزلي: وسئل السيوري عما يأخذه الأعراب قطيعة عن الزرع وحب الزيتون من العين، هل يسقط زكاة ما يقابله أم لا؟ وبعض الأعراب يزكي، هل يشتري من الفقراء الشاة المأخوذة عن الزكاة منهم أو لا؟.
فأجاب: يؤمرون بالزكاة المذكورة ويسقط من الزكاة قدر ما ذكر مما يؤدونه.
وسئل في موضع آخر عن أهل الزرع والزيتون يجور عليهم الأعراب أو السلطان الزرع والزيتون قبل حصاده أو قطافه وعصره ويجعلون عليهم مالا كثيرا عينا ويؤخرون قبضه بعد حصاده شهرا أو شهرين هل تسقط عنهم من الزرع بقدر ما ألزموا من المغارم ويزكى ما بقي أو يزكي ذلك كله؟.
стр. 412
فأجاب: يسقط من الزكاة بقدر ما أخذ منهم إن لم يؤخذ من عينه. انتهى (١).
قوله: (واستأجر فتا) أي ويحسب في الأوسق ما استأجر به قتا أي حزما وإن قبل حصاده.
قوله: (لا أكل دابة في درسها) أي فإنه لا يحسب ما أكلت الدواب في درسها هذا إن لم يتعمده وإن بترك علفها، وأما إن تعمد ذلك فإنه يحسبه.
قوله: (والوجوب بإفراك الحب) أي والوجوب في زكاة الحرث إنما يكون بإفراك الحب (وطيب الثمر) فبسبب ذلك (فلا شيء على وارث قبلهما) إن (لم يصر له نصاب) في حصته. وأما إن مات بعد الإفراك والطيب فإن الزكاة على الميت.
قوله: (والزكاة على البائع بعدهما إلا أن يعدم فعلى المشتري) أي وإن باع حرثه بعد الإفراك والطيب، فإن زكاته عليه لأنها قد وجبت عليه لا على المشتري، إلا أن يعدم البائع، فتؤخذ من المشتري إن وجد ذلك قائما في يده، وإن فاته فلا شيء عليه.
قال صاحب الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة فلو فلس البائع والثمرة بيد المبتاع أخذ منه حق المساكين، ويرجع هو على البائع بما يخص ذلك من الثمن.
وقيل لا يؤخذ من المشتري شيء، ومنشأ الخلاف: هل المساكين كالشركاء يرجعون في عين شيئهم أم لا؟. انتهى (٢).
قوله: (والنفقة على الموصى له المعين بجزء لا للمساكين، أو كيل فعلى الميت)، المراد بالنفقة هنا المؤنة من السقي والعلاج أي والمؤنة على الموصى له المعين بجزء شائع كالربع مثلا، لأنه بمجرد الإيصاء والفوات يستحقه وله فيه التصرف التام، واحترز بالمعين من المساكين كما ذكر هنا إذ لا مؤنة، ذلك على المساكين لعدم التعيين، إذ لا يملك إلا بالقبض، واحترز بالجزء من الكيل المعين أم لا كعشرة أردب لأحمد أو للمساكين فإن المؤنة في ذلك على الميت.
قوله: (وإنما يخرض التمر والعنب)، الخرص واجب بالسنة، فلا يخرص غير الثمر والعنب بل يصدق أربابه، فإن خانوا فالله حسيبهم، ووقت الخرص (إذا حل بيعهما) بالزهو لا قبل ذلك.
قوله: (واختلفت حاجة أهلهما نخلة نخلة، بإسقاط نقصها) صوابه لاختلاف حاجة
стр. 413
أهلها، وقد يريد صاحبها بيعها أو أكلها، وكيفية الخرص أن يخرصها الخارص نخلة نخلة وذلك أحفظ، ويسقط ما نقصه الجفاف، لا ما يسقطه الهواء ولا ما يأكله الطير وإليه أشار بقوله: (لا سقطها). ولا يترك شيئا لهم للأكل ولا لأجل الفساد، نص عليه الباجي وابن رشد. انتهى.
وحكى في الجلاب أنه يترك لهم ما يأكلون. انتهى من الكبير (١).
قوله: (وكفى الواحد) أي وكفى الخارص الواحد لأنه كحاكم وله نظائر القائف والمقوم والمرأة التي تخبر باستبراء الأمة، والمحلف وفيهم الخلاف هل من باب الخبر؟ فيكتفي بواحد أو من باب الشهادة فلابد من اثنين.
فائدة: في القضاء بالشهادة التي مستندها الحزر والتقريب، والتخمين من ذلك قول الخارص في الثمار الواجبة فيها الزكاة، ومن ذلك الشهادة في قيم المتلفات، إذا لم تكن عينها حاضرة، ومن ذلك قول الحكمين في جزاء الصيد، ومن ذلك شهادة القائف، ومن ذلك قول المؤمنين في تحرير جهة الكعبة فقطعهم بذلك من باب التقريب والتخمين، وقد ذكره القرافي في القواعد.
قوله: (وإن اختلفوا فالأعرف، وإلا فمن كل جزء، وإن أصابته جائحة اعتبرت) أي وإن تعدد الخراص وتساووا في معرفة الخرص فلا كلام، وإن اختلفوا فالحكم على قول الأعرف منهم، وإلا: أي وإن لم يكن أعرف بل تساووا في المعرفة، اعتبر قول كل منهم، فيؤخذ من كل خرص جزء على عدد الخراص، فإن أصابت المخروص جائحة بعد الخرص فإنها تعتبر.
قال ابن غازي: ابن عرفة: روى أشهب في «المجموعة» إن فسد كرمه بعد خرصه فلا شيء عليه. ابن القاسم: ولو بقي منه دون نصاب. وعلى قول ابن الجهم (٢): يزكي ما بقي.
الباجي: ويصدق في الجائحة. أبو عمر: ما لم يتبين كذبه، وإن اتهم حلف: ابن القاسم: وجائحة ما بيع إن لم توجب رجوعا ملغاة، وإلا أسقطت زكاة ما أسقطته
стр. 414
واعتبر ما بقي. انتهى (١).
قوله: (وإن زادت على تخريص عارف فالأحب الإخراج، وهل على ظاهره أو الوجوب؟ تأويلان) أي وإن زادت الثمرة المخروصة على تخريص عارف بالخرص، فالأحب عند الإمام مالك الإخراج، وهل قوله: أحب إلي؟ على بابه فيكون الإخراج مستحبا لقوله لقلة إصابة الخراص اليوم، أو هو على الوجوب لأنه كحكم حاكم تبين خطوه فينتقض، وهذا كله في خرص العارف، وأما غير العارف فكالعدم.
سكت الشيخ عن ما إذا نقصت، كما سكت عنه غيره.
وقال ابن الحاجب: ولو تبين خطأ العارف ففي الرجوع إلى ما تبين قولان. انتهى (٢).
وذكر ابن الجلاب الخلاف في الزيادة ثم قال: وإن نقص الخرص لم تنقص الزكاة. انتهى (٣).
قوله: (وأخذ من الحب كيف كان كالتمر نوعا أو نوعين، وإلا فمن أوسطها) أي وأخذ الزكاة من الحب كيف كان، فإن اختلف بنوعيه كقمح وشعير أو جودة كسمراء أو محمولة، أخذ من كل نوع بحسبه. وكذلك التمر إن كان نوعا أو نوعين وإلا أي وإن كانت أنواعا فتؤخذ الزكاة من أوسطها، وأنواع تمر المدينة مائة وعشرون نوعا. وقوله: كيف كان خلاف زكاة الماشية، لأن ربها يكلف بالوسط. هنا انتهى الكلام في زكاة الحرث ويليه: «زكاة العين».
[زكاة النقود وما يتعلق بها]
قوله: (وفي مائتي درهم شرعي) أي والواجب في مائتي درهم شرعي (أو عشرين دينارا فأكثر) وإن قل ما زاد عليها إذ لا وقص فيها، حمله بعضهم على ظاهره أنه يزكي الزيادة القليلة، وإن لم يمكن الإخراج منها، وحمله بعضهم على ما إذا أمكن، وإلا فلا.
ولم يذكر الشيخ قدر الدينار، وذكر قدر الدرهم. والدينار الشرعي اثنان وسبعون
стр. 415
حبة من وسط الشعير، فجملة نصاب الذهب، ألف حبة وأربع مائة وأربعون حبة، وجملة نصاب الفضة عشرة آلاف حبة وثمانون حبة من مطلق الشعير.
قوله: (أو مجمع منهما) صوابه ومجمع منهما أي من الذهب والفضة صرفا (بالجزء)، لجعل كل دينار في مقابلة عشرة دراهم، فإذا كان عنده مائة وثمانون درهما وديناران زكى الجميع.
قوله: (ربع العشر) أي الواجب في نصاب العين ربع العشر (وإن) كانت العين (لطفل) يتيما كان أو غيره، (أو) كانت ل (مجنون) لأنه من باب المواسات وخطاب الوضع، لا من باب خطاب التكليف، إنما المخاطب بإخراج ذلك عنه وليه ويصدق في الإخراج.
المازري: شرعت الزكاة للمواساة.
ولما كانت المواساة إنما تكون بما له بال من الأموال، وضعها الشرع في الأموال النامية، وهي: العين والحرث والماشية.
واختلف في ما سوى ذلك من العروض فأوجبها فيها أبو حنيفة لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] وأسقطها منها داود لقوله: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (١).
وأوجبها مالك على المدبر على شروط وحمل الآية على ما كان للتجارة والحديث على ما كان للقنية. انتهى من إكمال الإكمال (٢).
قوله: (أو نقصت، أو برداءة أصل، أو إضافة، وراجت: ككاملة) أي أو نقضت العين وزنا نقصانا لا يحطها عن الكاملة، لأن المعتبر العدد لا الوزن فيها.
وكذلك إذا كانت العين رديئة الأصل والمعتبر القدر لا الجودة. وكذلك إذا كانت الدراهم أو الدنانير مضافة بغيرها من النحاس ونحوه والحال أنها راجت أي راجت كالكاملة، المراد بالكاملة كاملة الوزن، الخالصة من الغش.
غفل الشارح هنا غفله الله.
قوله: (وإلا حسب الخالص) أي وإن لم تجز جواز الكاملة حسب ما فيها من
стр. 416
العين أو عرض تجارة.
قوله: (إن تم الملك، وحول غير المعدن) أي وإنما تجب زكاة نصاب العين، إن تم فيه الملك، وحال عليه الحول، والحول شرط في زكاة العين والماشية، وجعل شرطا لأنه عدل بين أرباب الأموال والمساكين، لأن الأموال تنموا فيه وليس على المساكين إجحاف في الصبر إليه، ولهذ المعنى لم يجعل شرطا في الحرث، لأن النماء يحصل فيه قبل الحول. انتهى من إكمال الإكمال (١).
واحترز بتمام الملك من ملك العبد فلا زكاة عليه فيه ولا على سيده، وبالمدين المحاط فلا زكاة عليه لأن المال للغرماء، إنما يشترط الحول في غير المعدن، وأما المعدن فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
قوله: (وتعددت بتعدده في مودعة ومتجر فيها بأجر) أي هذا شروع منه كله حيث تتعدد الزكاة، وحيث لا تتعدد فيه أي وتعددت الزكاة بتعدد الحول في عين مودعة، لأنه يقدر على قبضها والتنمية فيها. وكذلك تتعدد بتعدد الحول في عين مدفوعة بأجر لمن يتجر فيها، وأخرى المدفوعة بغير أجر.
قصد الشيخ الوجه المشكل، لأنه لا يقدر على أخذه.
قوله: (لا مغصوبة، ومدفونة، وضائعة، ومدفوعة على أن الربح للعامل) أي لا تتعدد الزكاة في عين مغصوبة بل إن ردت إليه يزكيها لعام واحد. وللبساطي هنا كلام بعيد. وكذلك لا تتعدد الزكاة في عين مدفونة، ونسي موضعها في فلاة، أو غيرها، ثم وجدها بعد ذلك. وكذلك لا تتعدد في عين ضائعة ثم التقطت، بل يزكيها لعام واحد. وكذلك لا تتعدد الزكاة في عين مدفوعة للتجر بها على أن الربح كله للعامل، وإن بلا ضمان عليه، وهذا لا يفعله إلا الأخيار، ولم يفرق الشيخ بين دفعها لأجل أو غيره.
وقوله: (بلا ضمان) والضمان أحرى لا تتعدد فيه الزكاة.
قوله: (ولا زكاة في عين فقط ورثت، إن لم يعلم بها أو لم توقف) أي ولا زكاة في عين فقط ورثت. وفي لفظة قط خمسة لغات: فتح القاف وضمها مع شد الطاء المضمومة، وفتح القاف مع سكون الطاء وكسرها مشددة ومخففة، وهي لتوكيد
стр. 417
معنى المضي أي ولا زكاة في عين فقط، احترازا من الحرث والماشية، فإنهما يزكيان علم بهما الوارث أم لا، وقفت له أم لا، وأما العين لا زكاة فيها إن لم يعلم بها الوارث، أو لم توقف له، هذا قول مالك، مفهومه إن علم بها، أو وقفت له، فإن فيها الزكاة، وهو خلاف قول ابن القاسم، وهو المشهور هنا، وهو مذهب المدونة.
قوله: (إلا بعد حول بعد قسمها أو قبضها، ولا موصى بتفرقتها، ولا مال رقيق، ومدين، وسعة، وصياغة، وجودة) أي ولا زكاة في عين فقط إلا بعد حول من قسمها وقبضها. وكذلك لا زكاة في عين موصى بتفرقتها، وبقيت في يد مفرق عاما، أو أكثر لأنه خرج من ملك ربه. وكذلك لا زكاة في مال رقيق، وإن قل المرقوق منه. وكذلك لا زكاة في العين على المدين المحاط. وكذلك لا زكاة في سكة، كما إذا كان في يده ثمانية عشر دينارا مسكوكة سكة يكمل بها النصاب.
وكذلك الجودة والصياغة، لأن المعتبر العدد، لا السكة والجودة والصياغة.
قوله: (وحلي وإن تكسر، إن لم يتهشم، ولم ينو عدم إصلاحه، أو كان لرجل، أو كراء) أي ولا زكاة في حلي مباح لرجل أو امرأة، وقد تقدم أول الكتاب ما هو مباح للرجل وما هو مباح للمرأة، وإن تكسر ذلك الحلي، إلا أن يتهشم حتى لا يستطاع إصلاحه إلا بعد سبك، أو لم ينوي عدم إصلاحه، وأما إذا انكسر ونوى عدم إصلاحه، أو لم ينوه، فإنه يزكيه إذا حال عليه الحول بعد التهشم، لأنه صار كالتبر. وكذلك لا زكاة في الحلي لرجل كخاتمه السني، وحلي مصحفه، أو سيفه.
وكذلك إن كان الحلي مشدودا لأجل الكراء وإن كان لرجل.
قوله: (إلا محرما) أي محرم اللبس أو معدى لعاقبة، أو صداق، أو منويا به التجارة، وإن رصع بجوهر) أي فإنه يزكيه.
لو قال الشيخ: إلا محرما بإسقاط اللبس لأشتمل اللبس وغيره مما يحرم استعمال الذهب والفضة فيه. وكذلك تجب الزكاة في الحلي المعد للعاقبة كالاحتياج، أو معدا للصداق، أو كان منويا به التجارة، وإن رصع الحلي المزكى بجوهر، إغياء في الزكاة.
قوله: (وزكى الزنة إن نزع بلا ضرر، وإلا تحرى)، هذا كيفية إخراج الزكاة عن الحلي. المرصع أي الملصق بجوهر أي فإنه يزكي زنة الحلي، لأن نزع الترصيع بلا
стр. 418
ضرر، وإلا أي وإن لم ينزع إلا بضرر، تحرى ما فيه من العين فيزكيه كل سنة.
قوله: (وضم الربح لأصله، كغلة مكترى للتجارة: ولو ربح دين لا عوض له عنده)، نماء المال ثلاثة: الربح وبه بدأ، والفائدة وبها ثنى، والغلة وبها ثلث: أي وضم الربح لأصله كان الأصل نصابا أم لا، ولو كان الربح عن سلعة اشتراها بدين، لا عوض عنده لوفائه، وأحرى إذا كان عنده وفاء لدينه، كما إذا اشترى سلعة بخمسين دينارا، ثم باعها بثمانين بعد عام، فإنه يزكي الثلاثين ولا يستقبل بها حولا، وقيل يستقبل بها حولا.
وقوله: كغلة مكترى للتجارة مقحمة في وسط المسألة: أي كما يضم غلة مكترى للتجارة لأصله، المكترى شرط، والتجارة شرط ثان، والمشترى للتجارة فسيأتي إن شاء الله. وكذلك غلة مكترى للسكنى، فإنه يستقبل بذلك حولا.
قال مالك في الموازية: من اكترى دارا ليكريها، فما غل منها مما فيه الزكاة فليزكيه لحول من يوم زكى ما نقد من كرائها لا من يوم اكتراها. انتهى (١).
الربح بسكون الباء وكسر الراء وفتح الراء والباء اسم لما يربح.
قوله: (ولمنفق بعد حوله مع أصله وقت الشراء) أي وكذلك يضم الربح إلى مال منفق بعد حوله، كائن مع أصله في ملكه وقت الشراء، كما لو كانت عنده عشرة حال عليها الحول، فاشترى بخمسة منها سلعة، ثم أنفق الخمسة الأخرى، ثم باع السلعة بخمسة عشر فإنه يزكي العشرين مكانه، لأن الربح كائن في السلعة، لأن الربح كأصله، يعد موجودا معه في المشترى به، كان الأصل نصابا أم لا.
هنا انتهى الكلام على الربح.
قوله: (واستقبل بفائدة) أي ومن أفاد فائدة فإنه يستقبل بها حولا.
قوله: (تجددت، لا عن مال، كعطية أو غير مزكى، كثمن مقتنى) أي والفائدة في العرف الفقهي: مالية تجددت لا عن مال، وذلك كعطية، أو صدقة، أو إرث، أو صداق، أو عن خلع، أو دية، أو كانت عن مال غير مزكى، وذلك كثمن مقتني.
وقوله: تجددت تفسير للفائدة.
قوله: (وتضم ناقصة - وإن بعد تمام - لثانية أو ثالثة، إلا بعد حولها كاملة. فعلى حولها كالكاملة أولا)، لما ذكر الفائدة وفسرها، شرع يذكر ما يضم منها، وما لا يضم
стр. 419
أي وتضم الفائدة في حال كونها ناقصة في الأصل عن النصاب، أو كانت تامة ونقصت قبل الحول إلى فائدة ثانية أو ثالثة، أو رابعة مثلا، فيكون حولها حول الثانية، إذا كمل فيهما النصاب وكذلك إلى الثالثة، أو إلى الرابعة، فيكون حولها حين تمام النصاب، إلا أن تنقص الأولى عن النصاب بعد حولها كاملة، فإنها تبقى على حولها.
وقوله: كالكاملة أولا مستغنى عنه، لقوله: إلا بعد حولها كاملة.
قوله: (وإن نقصتا فربح فيهما أو في إحداهما تمام نصاب عند حول الأولى، أو قبله؛ فعلى حوليهما، وقض ربعهما) أي وما تقدم هو ما إذا كانتا فيهما النصاب، وأما إن نقصتا عن النصاب فاتجر فيهما، فربح فيهما خلطهما أم لا، أو اتجر بإحداهما فربح فيها تمام النصاب عند حول الأولى أو قبله فإنهما تبقيان على حوليهما أي فكل واحدة على حولها وفض ربحهما عليهما بالنسبة، فيزكي كل ربح مع أصله.
قوله: أو قبله مستغنى عنه، ولكن عادة الشيوخ يذكرون أقسام المسألة، وإن كان بعضها مستغنى عنه.
قوله: (وبعد شهر فمنه) أي وإن حصل الربح بعد حول الأولى بشهر، فمن ذلك الشهر. الشهر ليس بشرط المراد به مابين حول الأولى والثانية.
قوله: (والثانية على حولها) أي وتبقى الفائدة الثانية على حولها.
قوله: (وعند حول الثانية، أو شك فيه لأيهما، فمنه) أي وإن حصل الربح عند حول الثانية، أو شك فيه لأيهما هو، فمن حول الثانية حول كل واحد منهما.
قوله: (كبعده) أي كما يصير حولهما معا حول الثانية إن ربح فيهما، أو في إحداهما بعده.
قوله: (وإن حال حولها فأنفقها، ثم حال حول الثانية ناقصة، فلا زكاة) أي وإن حال حول الفائدة الأولى، كان فيها نصابا أم لا، فأنفقها، أو تلفت، ثم حال حول الثانية في حال كونها ناقصة عن النصاب، فلا زكاة عليه في الثانية لأنهما لم يجتمعا في ملك وحول.
هنا انتهى الكلام على الفائدة.
قوله: (وبالمتجدد عن سلع التجارة بلا بيع كفلة عبد وكتابة وثمرة مشترى، إلا المؤبرة، والصوف التام) أي وكذلك يستقبل الحول بفائدة تجددت عن سلع التجارة
стр. 420
بلا بيع في رقابها، وذلك كغلة عبد مشترى للتجارة.
لو قال الشيخ: غلة كعبد ليشمل لكان أولى.
وكذلك يستقبل الحول، بكتابة العبد المشترى للتجارة، بناء على أن الكتابة ليست ببيع.
وكذلك يستقبل الحول بثمن ثمرة شجر مشترى للتجارة، إلا أن تكون مؤبرة حين الشراء، أو كانت الغلة صوفا تاما حين الشراء، فإنه يزكي ذلك لحول الأصل لأن لكل منهما حصة في الثمن ألا ترى أنه لا يأخذه المشتري إلا أن يشترطه.
قوله: (وإن اكترى وزرع للتجارة زكى) أي وإن اكترى أرضا للتجارة وزرعها للتجارة، زكى الثمن إذا باع الزرع لحول الأصل، إذا كان الزرع دون النصاب، يدل عليه قوله بعد وإن وجبت في عينها زكى.
قوله: (وهل يشترط كون البدر لها؟ تردد) أي وهل يشترط في ذلك كون البذر للتجارة، وعليه حمل ابن يونس المدونة، أو لا يشترط ذلك، وإليه ذهب أبو عمران تردد فيه الأشياخ للفهم.
قوله: (لا إن لم يكن أحدهما للتجارة) أي لا زكاة في الثمن إن لم يكن أحدهما للتجارة، كما إذا كان الزرع لقوته والأرض للتجارة، أو كان الزرع للتجارة دون الأرض، فإنه يستقبل بثمن الزرع حولا، وهذا هو المشهور، ترجيحا لجانب المسقط على جانب الموجب، إذ الأصل عدم الزكاة. انتهى.
قوله: (وإن وجبت زكاة في عينها زكى ثم زكى الثمن لحول التزكية) أي وإن وجبت زكاة في عين الحرث بأن بلغ نصابا زكى عند الحصاد ما خرج منها، ثم زكى الثمن لحول التزكية.
هنا انتهى الكلام على الفائدة المتجددة عن سلع التجارة.
[زكاة الدين]
قوله: (وإنما يزكى دين إن كان أصله عينا بيده أو عرض تجارة وقبض عينا) هذا شروع منه ﷺ في زكاة الدين، ولها شروط فإن توفرت زكي، وإن انخرم شرط واحد، فلا زكاة، وهي: أن يكون أصل الدين عينا في يده فأسلفه، أو كان أصله عرض تجارة، وأن يقبض في حال كونه عينا، وجعل البساطي القبض شرطا، وكونه عينا شرط آخر.
стр. 421
قوله: (ولو بهبة، أو إحالة كمل بنفسه، ولو تلف المتم) أي ولو كان القبض بسبب هبة الدين لغير من عليه، لأن قبض الموهوب كقبض الواهب، وأما إذا وهب الدين لمن عليه، فلا زكاة عليه لعدم القبض.
قوله: أو إحالة أي ولو كان القبض بسبب إحالة، لأن قبض المحال كقبض المحيل، ويلغز بهذه المسألة مال يزكى ثلاث مرات في عام واحد، لأن المحيل يزكيه بقبض المحال، لأن قبضه كقبضه، والمحال يزكيه لأنه قبضه لأنه دينه. والمحال عليه يزكيه لأنه مال حال عليه الحول عنده، وعنده عوض لدينه.
الشرط الرابع: أن يكون الاقتضاء كمل فيه النصاب بنفسه مرة أو مرات، ولو تلف المتم منه بإنفاق أو غيره خلافا لمن قال: إذا أتلف المتم قبل التمام فلا زكاة.
قوله: (أو بفائدة جمعهما ملك وحول، أو بمعدن على المقول) أي أو كمل الاقتضاء، بفائدة جمعها ملك وحول كامل. كما إذا أفاد عشرة، فأقامت عنده سنة، ثم اقتضى من دينه عشرة بعد عام، فإنه يزكي العشرتين. وكذلك إن كمل نصاب الاقتضاء بما وجده من معدن، فإنه يزكيه حينئذ، إذ لا يشترط الحول في المعدن على المقول أي على ما اختاره المازري من الخلاف.
انظر حكى الشيخ هنا الخلاف مع أنه قال في توضيحه: لم أر فيه خلافا، لعله رآه بعد ذلك.
قوله: (لسنة من أصله، ولو فر بتأخيره) أي إنما يزكى الدين المذكور لسنة واحدة من أصله، لا أكثر من سنة واحدة، ولو فر بتأخيره قبضه عن الزكاة، إذ لا يتهم عاقل بمثل هذا، لأنه لو قبضه واتجر به لربح فيه أكثر من الزكاة، وقيل يزكيه لكل عام.
قوله: (إن كان عن كهبة أو أرش) لعل الناسخ أسقط شيئا، أو غفلة من الشيخ.
قال المواق: لا يشك منصف أن مأخذ المقدمات هو الذي أخذ. فلو قال: وإنما يزكي دين إن كان أصله عينا أو كذا وكذا لسنة من أصله وإلا فلا. ولو فر بتأخيره، كما لو كان عن كهبة أو أرش لتنزل على ما تقدم لابن رشد. انتهى ﴿١﴾.
قوله: (لا عن مشترى للقنية، وباعه لأجل، فلكل) أي لا إن كان أصل الدين عن
стр. 422
ثمن مشترى للقنية بناض عنده، وباعه بأجل وفر بتأخيره من الزكاة، فإنه يزكيه لما مضى من الأعوام.
قال في المقدمات: ولا خلاف في وجه من هذه الوجوه (١).
إلا أنه زاد في المقدمات قيدا لابد منه، وهو أن يكون اشتراه بناض عنده (٢)، فإن كلامه هنا يوهم أنه لو ملك عرضا من ميراث، أو هبة، أو غيرها، فاشترى به عرضا للغنية ثم باع ذلك العرض بدين مؤجل، وأخر قبضه فرارا أن الحكم سواء وليس كذلك.
قوله: (وعن إجارة أو عرض مفاد قولان) أي وإن كان أصل الدين عن إجارة، أو ترتب من ثمن عرض من عروض الفائدة، فأخر قبضه فرارا من الزكاة، هل عليه زكاته لكل عام مضى، أو لعام واحد فيه قولان من غير ترجيح.
وقيل: يستقبل به حولا.
قوله: (وحول المتم من التمام، لا إن نقص بعد الوجوب) أي وحول المقتضى الناقص عن النصاب من يوم اقتضى تمام النصاب، لا إن نقص عن النصاب بعد وجوب الزكاة فيه، فإنه يبقى على حوله فلا ينتقل إلى حول اقتضى آخره.
قوله: (ثم زكى المقبوض وإن قل) أي فإن كمل الاقتضاء بنفسه أو بفائدة أو بمعدن زكاة ثم يزكي المقبوض بعد ذلك وإن قل ولو درهما واحدا فيكون حول كل من يوم زكاته.
قوله: (وإن اقتضى دينارا فآخر، فاشترى بكل سلعة: باعها بعشرين، فإن باعهما معا أو إحداهما بعد شراء الأخرى؛ زكى الأربعين، وإلا أحدا وعشرين) أي وإن اقتضى دينارا واحدا، فاقتضى دينارا آخر بعده، واشترى بكل من الدينارين سلعة، وباعها بعشرين، فإن باع السلعتين معا، أو باع إحداهما بعد شراء الأخرى، زكي الأربعين لأن الربح كائن في السلعة.
قوله: وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك، بل باع إحداهما قبل شراء الأخرى، زكى إحدى وعشرين.
قوله: (وضم لاختلاط أحواله آخر لأول: عكس الفوائد) أي ويضم الاقتضاء لأجل
стр. 423
اختلاط أحواله آخر الأول منهما احتياطا للفقراء عكس الفوائد، فإن الأولى تضم إلى الثانية، الفرق أن الأصل في الدين وجوب الزكاة، بخلاف الفوائد، لئلا تزكى قبل حولها إذا اختلط عليه أحوالها.
قوله: (والاقتضاء لمثله مطلقا) أي ويضم الاقتضاء لمثله، سواء تخلل بينهما الفائدة أم لا، وإليه أشار بالإطلاق. غفل فيه الشارح ﵀.
قوله: (والفائدة للمتأخر منه، فإن اقتضى خمسة بعد حول، ثم استفاد عشرة وأنفقها بعد حولها، ثم اقتضى عشرة زكى العشرتين، والأولى إن اقتضى خمسة) أي وتضم الفائدة للمتأخر من الاقتضاء، فمثال ذلك هو إن اقتضى خمسة بعد حول أنفقها أم لا، ثم استفاد عشرة وأنفهقا بعد حولها، وأحرى إن بقيت عنده، ثم اقتضى عشرة أخرى من دينه، زكى العشرتين ويزكي الخمسة الأولى، إذا اقتضى أيضا خمسة لأن
الاقتضاءات حصل من مجموعها نصاب.
هنا انتهى الكلام في زكاة الدين.
[زكاة العروض]
قوله: (وإنما يزكى: عرض لا زكاة في عينه. ملك بمعاوضة بنية تجر أو مع نية غلة أو قنية على المختار، والمرجح) المراد بالعرض ما سوى العين أي وإنما يزكى عرض بشروط، فإن انخرم منها واحد فلا يزكي.
الأول: أن يكون ذلك العرض مما لا زكاة في عينه، كالبز والخيل والبغال والحمير وغير ذلك، كأقل من النصاب في الحرث والماشية، وأما ما في عينه الزكاة، كنصاب الماشية، أو الحرث، فإنه يزكي بعينه.
الشرط الثاني: أن يكون ملكا بمعاوضة، وأما إذا ملك بغير معاوضة كهبة، أو صدقة، أو ميراث، فلا زكاة، وأن يكون ملك بمعاوضة بنية تجر، أو نية غلة مع تجر، كما إذا اشترى دارا للتجارة، ونوى أن يكريها حتى تجد من يشتريها منه، أو بنية تجر مع نية قنية، كما إذا اشترى خادمة يستخدمها، فنوى مع ذلك إن وجد الربح باعها، على ما اختاره اللخمي، ورجحه ابن يونس ولكن صرح اللخمي بهما. وأما ابن يونس إنما صرح بنية التجر والقنية، ولم يصرح بنية الغلة، ولكنه من باب أحرى، ومقابل المختار والأرجح فلا زكاة عليه، ترجيحا لجانب المسقط.
قوله: (لا بلا نية، أونية قنية أو غلة أو هما) أي فلا زكاة إن ملكها بعوض، ولم
стр. 424
ينو به التجر لأن الأصل القنية. وكذلك إن نوى به القنية، أو الغلة.
وقوله: أو هما مستغنى عنه.
قوله: (وكان كأصله) هذا عكس التشبيه صوابه وكان أصله كهو أي كعرض التجارة ملك بمعاوضة.
قوله: (أو عينا وإن قل) أي أو كان أصل هذا العرض عينا بيده.
قوله: (وبيع بعين، وإن لاستهلاك) وهذا شرط خامس، وإن كان هذا العين قبض لأجل قيمة عرض استهلك فأخذ قيمته.
قوله: (فكالدين) أي فإنه يزكيه لسنة من أصله.
وقوله: (إن رصد به السوق) راجع لقوله وبيع بعين أي وبيع بعين إن رصد به السوق، فالمراد برصد السوق هو ألا يبيعه، إلا إذا وجد ربحا معتبرا. غفل الشارح هنا نحمد الله.
قوله: (وإلا زكى عينه ودينه النقد الحال المرجو، وإلا قومه) أي وإن لم يرصد به السوق هو ألا يبيعه، إلا إذا وجد ربحا معتبرا، بل بأقل الربح، وقد يبيعه بلا ربح، زكى عينه الذي هو بيده، وإن لم يكن في يديه عين، فلا زكاة حتى يجدها وإن قل، فينتقل إليه الحول ويزكي دينه النقد الحال المرجو المراد بالنقد العين.
قوله: (وإلا قومه، ولو طعام سلم، كسلعه ولو بارت، لا إن لم يرجه، أو كان قرضا، وتؤولت أيضا بتقويم القرض وهل حوله للأصل، أو وسط منه ومن الإدارة؟ تأويلان) أي وإن لم يكن دينه عينا بل هو عرض، أو كان عينا مؤجلا قومه، فيقوم العين بالعروض، ثم يقوم العروض بالعين، فإن كان الدين عرضا قومه بالعين فيزكي القيمة، ولو كان العرض طعام سلم قومه كما يقوم سلعة ولو بارت، ظاهره بارت كلها، أو جلها، أو نصفها، أو أقلها.
وقال بعضهم: إنما يقومها إذا كان الأقل البارة وأما إن بار منها الأكثر، فلا تقوم لبطلان حكم الإدارة عنها واختلف في الحد الذي تعد فيه بارة. قال بعضهم: سنتين.
قوله: لا إن لم يرجه ولو قدم هذا عقب قوله: الحال المرجو أي لا الدين غير المرجو، كما إذا كان على عديم أو على ظالم لأن غير المرجو كالعدم، فإنه لا يقومه.
وكذلك إذا كان الدين دين قرض، فإنه لا يقومه لأنه لم يرد فيه النماء.
стр. 425
وتأولت المدونة أيضا على تقويم القرض، لقول عياض: ظاهرها أنه يزكي جميع ديونه من قرض أو غيره. انتهى.
وهل حول المدير للأصل، وهو الموضع الذي كان يزكي فيه، أو أفاد منه المال، أو من وسط من الأصل ومن الإدارة عدلا بينه وبين مصرف الزكاة. كما إذا كان أصل حوله من المحرم، والإدارة من رجب، الوسط من ذلك هو انسلاخ ربيع الأول.
قوله: (ثم زيادته ملغاة) فإذا قوم عرض الإدارة، ثم باعه بأزيد من القيمة، فإن الزيادة ملغاة لا زكاة فيها، لاحتمال ارتفاع الأسواق، (بخلاف حلي التحري)، إذا تحراه حيث رصع بجوهر، وفي نزعه ضرر، وتحرى مافيه من العين وزكاة، فإن نزعه بعد الزكاة بالتحري، فوجده أكثر وزنا مما تحراه به، فإنه يزكي الزائد لتحققه.
قوله: (والقمح والمرتجع من مفلس، والمكاتب يعجز كغيره) أي والقمح كالعرض. القمح ليس بشرط، وإنما هو تمثيل، وكذلك كل حب وثمر ونحو ذلك.
وفي بعض النسخ: والفسخ أي وفسخ البيع، وكذلك المرتجع من يد المفلس، فإنه يقومه.
وكذلك المكاتب يعجز فإنه يقومه في عروضه، جعل عجز المكاتب هنا ليس ابتداء ملك واختلف فيه، هل هو ابتداء ملك؟ أم لا.
قوله: (وانتقل المدار للاحتكار) أي وينتقل العرض المدار للاحتكار بالنية، أو بالفعل لأن الاحتكار هو الأصل، وينتقل إليه بأقل الأشياء.
قوله: (وهما للقنية بالنية) أي والعرض المدار، وعرض الاحتكار، ينتقلان إلى القنية بالنية، لأن القنية هي الأصل.
قوله: (لا العكس) أي فلا ينتقل الاحتكار إلى الإدارة بالنية، ولا تنتقل القنية إلى الإدارة والاحتكار بالنية إذا القنية هي الأصل فلا ينتقل من الأصل إلا بأمر بين.
قوله: (ولو كان أولا للتجارة) أي فلا ينتقل عرض القنية إلى الاحتكار ولو كان أول الأمر عرضا للتجارة كما إذا اشتراه للتجارة ثم نوى به القنية فلا ينتقل عن القنية بالنية خلافا لأشهب.
قوله: (وإن اجتمع إدارة واحتكار وتساويا، أو احتكر الأكثر؛ فكل على حكمه، وإلا فالجميع للإدارة) أي وإن اجتمع له عروض إدارة، وعروض احتكار، وتساويا في