قوله: (ولو بهبة، أو إحالة كمل بنفسه، ولو تلف المتم) أي ولو كان القبض بسبب هبة الدين لغير من عليه، لأن قبض الموهوب كقبض الواهب، وأما إذا وهب الدين لمن عليه، فلا زكاة عليه لعدم القبض.
قوله: أو إحالة أي ولو كان القبض بسبب إحالة، لأن قبض المحال كقبض المحيل، ويلغز بهذه المسألة مال يزكى ثلاث مرات في عام واحد، لأن المحيل يزكيه بقبض المحال، لأن قبضه كقبضه، والمحال يزكيه لأنه قبضه لأنه دينه. والمحال عليه يزكيه لأنه مال حال عليه الحول عنده، وعنده عوض لدينه.
الشرط الرابع: أن يكون الاقتضاء كمل فيه النصاب بنفسه مرة أو مرات، ولو تلف المتم منه بإنفاق أو غيره خلافا لمن قال: إذا أتلف المتم قبل التمام فلا زكاة.
قوله: (أو بفائدة جمعهما ملك وحول، أو بمعدن على المقول) أي أو كمل الاقتضاء، بفائدة جمعها ملك وحول كامل. كما إذا أفاد عشرة، فأقامت عنده سنة، ثم اقتضى من دينه عشرة بعد عام، فإنه يزكي العشرتين. وكذلك إن كمل نصاب الاقتضاء بما وجده من معدن، فإنه يزكيه حينئذ، إذ لا يشترط الحول في المعدن على المقول أي على ما اختاره المازري من الخلاف.
انظر حكى الشيخ هنا الخلاف مع أنه قال في توضيحه: لم أر فيه خلافا، لعله رآه بعد ذلك.
قوله: (لسنة من أصله، ولو فر بتأخيره) أي إنما يزكى الدين المذكور لسنة واحدة من أصله، لا أكثر من سنة واحدة، ولو فر بتأخيره قبضه عن الزكاة، إذ لا يتهم عاقل بمثل هذا، لأنه لو قبضه واتجر به لربح فيه أكثر من الزكاة، وقيل يزكيه لكل عام.
قوله: (إن كان عن كهبة أو أرش) لعل الناسخ أسقط شيئا، أو غفلة من الشيخ.
قال المواق: لا يشك منصف أن مأخذ المقدمات هو الذي أخذ. فلو قال: وإنما يزكي دين إن كان أصله عينا أو كذا وكذا لسنة من أصله وإلا فلا. ولو فر بتأخيره، كما لو كان عن كهبة أو أرش لتنزل على ما تقدم لابن رشد. انتهى ﴿١﴾.
قوله: (لا عن مشترى للقنية، وباعه لأجل، فلكل) أي لا إن كان أصل الدين عن
стр. 422
ثمن مشترى للقنية بناض عنده، وباعه بأجل وفر بتأخيره من الزكاة، فإنه يزكيه لما مضى من الأعوام.
قال في المقدمات: ولا خلاف في وجه من هذه الوجوه (١).
إلا أنه زاد في المقدمات قيدا لابد منه، وهو أن يكون اشتراه بناض عنده (٢)، فإن كلامه هنا يوهم أنه لو ملك عرضا من ميراث، أو هبة، أو غيرها، فاشترى به عرضا للغنية ثم باع ذلك العرض بدين مؤجل، وأخر قبضه فرارا أن الحكم سواء وليس كذلك.
قوله: (وعن إجارة أو عرض مفاد قولان) أي وإن كان أصل الدين عن إجارة، أو ترتب من ثمن عرض من عروض الفائدة، فأخر قبضه فرارا من الزكاة، هل عليه زكاته لكل عام مضى، أو لعام واحد فيه قولان من غير ترجيح.
وقيل: يستقبل به حولا.
قوله: (وحول المتم من التمام، لا إن نقص بعد الوجوب) أي وحول المقتضى الناقص عن النصاب من يوم اقتضى تمام النصاب، لا إن نقص عن النصاب بعد وجوب الزكاة فيه، فإنه يبقى على حوله فلا ينتقل إلى حول اقتضى آخره.
قوله: (ثم زكى المقبوض وإن قل) أي فإن كمل الاقتضاء بنفسه أو بفائدة أو بمعدن زكاة ثم يزكي المقبوض بعد ذلك وإن قل ولو درهما واحدا فيكون حول كل من يوم زكاته.
قوله: (وإن اقتضى دينارا فآخر، فاشترى بكل سلعة: باعها بعشرين، فإن باعهما معا أو إحداهما بعد شراء الأخرى؛ زكى الأربعين، وإلا أحدا وعشرين) أي وإن اقتضى دينارا واحدا، فاقتضى دينارا آخر بعده، واشترى بكل من الدينارين سلعة، وباعها بعشرين، فإن باع السلعتين معا، أو باع إحداهما بعد شراء الأخرى، زكي الأربعين لأن الربح كائن في السلعة.
قوله: وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك، بل باع إحداهما قبل شراء الأخرى، زكى إحدى وعشرين.
قوله: (وضم لاختلاط أحواله آخر لأول: عكس الفوائد) أي ويضم الاقتضاء لأجل
стр. 423
اختلاط أحواله آخر الأول منهما احتياطا للفقراء عكس الفوائد، فإن الأولى تضم إلى الثانية، الفرق أن الأصل في الدين وجوب الزكاة، بخلاف الفوائد، لئلا تزكى قبل حولها إذا اختلط عليه أحوالها.
قوله: (والاقتضاء لمثله مطلقا) أي ويضم الاقتضاء لمثله، سواء تخلل بينهما الفائدة أم لا، وإليه أشار بالإطلاق. غفل فيه الشارح ﵀.
قوله: (والفائدة للمتأخر منه، فإن اقتضى خمسة بعد حول، ثم استفاد عشرة وأنفقها بعد حولها، ثم اقتضى عشرة زكى العشرتين، والأولى إن اقتضى خمسة) أي وتضم الفائدة للمتأخر من الاقتضاء، فمثال ذلك هو إن اقتضى خمسة بعد حول أنفقها أم لا، ثم استفاد عشرة وأنفهقا بعد حولها، وأحرى إن بقيت عنده، ثم اقتضى عشرة أخرى من دينه، زكى العشرتين ويزكي الخمسة الأولى، إذا اقتضى أيضا خمسة لأن
الاقتضاءات حصل من مجموعها نصاب.
هنا انتهى الكلام في زكاة الدين.
[زكاة العروض]
قوله: (وإنما يزكى: عرض لا زكاة في عينه. ملك بمعاوضة بنية تجر أو مع نية غلة أو قنية على المختار، والمرجح) المراد بالعرض ما سوى العين أي وإنما يزكى عرض بشروط، فإن انخرم منها واحد فلا يزكي.
الأول: أن يكون ذلك العرض مما لا زكاة في عينه، كالبز والخيل والبغال والحمير وغير ذلك، كأقل من النصاب في الحرث والماشية، وأما ما في عينه الزكاة، كنصاب الماشية، أو الحرث، فإنه يزكي بعينه.
الشرط الثاني: أن يكون ملكا بمعاوضة، وأما إذا ملك بغير معاوضة كهبة، أو صدقة، أو ميراث، فلا زكاة، وأن يكون ملك بمعاوضة بنية تجر، أو نية غلة مع تجر، كما إذا اشترى دارا للتجارة، ونوى أن يكريها حتى تجد من يشتريها منه، أو بنية تجر مع نية قنية، كما إذا اشترى خادمة يستخدمها، فنوى مع ذلك إن وجد الربح باعها، على ما اختاره اللخمي، ورجحه ابن يونس ولكن صرح اللخمي بهما. وأما ابن يونس إنما صرح بنية التجر والقنية، ولم يصرح بنية الغلة، ولكنه من باب أحرى، ومقابل المختار والأرجح فلا زكاة عليه، ترجيحا لجانب المسقط.
قوله: (لا بلا نية، أونية قنية أو غلة أو هما) أي فلا زكاة إن ملكها بعوض، ولم
стр. 424
ينو به التجر لأن الأصل القنية. وكذلك إن نوى به القنية، أو الغلة.
وقوله: أو هما مستغنى عنه.
قوله: (وكان كأصله) هذا عكس التشبيه صوابه وكان أصله كهو أي كعرض التجارة ملك بمعاوضة.
قوله: (أو عينا وإن قل) أي أو كان أصل هذا العرض عينا بيده.
قوله: (وبيع بعين، وإن لاستهلاك) وهذا شرط خامس، وإن كان هذا العين قبض لأجل قيمة عرض استهلك فأخذ قيمته.
قوله: (فكالدين) أي فإنه يزكيه لسنة من أصله.
وقوله: (إن رصد به السوق) راجع لقوله وبيع بعين أي وبيع بعين إن رصد به السوق، فالمراد برصد السوق هو ألا يبيعه، إلا إذا وجد ربحا معتبرا. غفل الشارح هنا نحمد الله.
قوله: (وإلا زكى عينه ودينه النقد الحال المرجو، وإلا قومه) أي وإن لم يرصد به السوق هو ألا يبيعه، إلا إذا وجد ربحا معتبرا، بل بأقل الربح، وقد يبيعه بلا ربح، زكى عينه الذي هو بيده، وإن لم يكن في يديه عين، فلا زكاة حتى يجدها وإن قل، فينتقل إليه الحول ويزكي دينه النقد الحال المرجو المراد بالنقد العين.
قوله: (وإلا قومه، ولو طعام سلم، كسلعه ولو بارت، لا إن لم يرجه، أو كان قرضا، وتؤولت أيضا بتقويم القرض وهل حوله للأصل، أو وسط منه ومن الإدارة؟ تأويلان) أي وإن لم يكن دينه عينا بل هو عرض، أو كان عينا مؤجلا قومه، فيقوم العين بالعروض، ثم يقوم العروض بالعين، فإن كان الدين عرضا قومه بالعين فيزكي القيمة، ولو كان العرض طعام سلم قومه كما يقوم سلعة ولو بارت، ظاهره بارت كلها، أو جلها، أو نصفها، أو أقلها.
وقال بعضهم: إنما يقومها إذا كان الأقل البارة وأما إن بار منها الأكثر، فلا تقوم لبطلان حكم الإدارة عنها واختلف في الحد الذي تعد فيه بارة. قال بعضهم: سنتين.
قوله: لا إن لم يرجه ولو قدم هذا عقب قوله: الحال المرجو أي لا الدين غير المرجو، كما إذا كان على عديم أو على ظالم لأن غير المرجو كالعدم، فإنه لا يقومه.
وكذلك إذا كان الدين دين قرض، فإنه لا يقومه لأنه لم يرد فيه النماء.
стр. 425
وتأولت المدونة أيضا على تقويم القرض، لقول عياض: ظاهرها أنه يزكي جميع ديونه من قرض أو غيره. انتهى.
وهل حول المدير للأصل، وهو الموضع الذي كان يزكي فيه، أو أفاد منه المال، أو من وسط من الأصل ومن الإدارة عدلا بينه وبين مصرف الزكاة. كما إذا كان أصل حوله من المحرم، والإدارة من رجب، الوسط من ذلك هو انسلاخ ربيع الأول.
قوله: (ثم زيادته ملغاة) فإذا قوم عرض الإدارة، ثم باعه بأزيد من القيمة، فإن الزيادة ملغاة لا زكاة فيها، لاحتمال ارتفاع الأسواق، (بخلاف حلي التحري)، إذا تحراه حيث رصع بجوهر، وفي نزعه ضرر، وتحرى مافيه من العين وزكاة، فإن نزعه بعد الزكاة بالتحري، فوجده أكثر وزنا مما تحراه به، فإنه يزكي الزائد لتحققه.
قوله: (والقمح والمرتجع من مفلس، والمكاتب يعجز كغيره) أي والقمح كالعرض. القمح ليس بشرط، وإنما هو تمثيل، وكذلك كل حب وثمر ونحو ذلك.
وفي بعض النسخ: والفسخ أي وفسخ البيع، وكذلك المرتجع من يد المفلس، فإنه يقومه.
وكذلك المكاتب يعجز فإنه يقومه في عروضه، جعل عجز المكاتب هنا ليس ابتداء ملك واختلف فيه، هل هو ابتداء ملك؟ أم لا.
قوله: (وانتقل المدار للاحتكار) أي وينتقل العرض المدار للاحتكار بالنية، أو بالفعل لأن الاحتكار هو الأصل، وينتقل إليه بأقل الأشياء.
قوله: (وهما للقنية بالنية) أي والعرض المدار، وعرض الاحتكار، ينتقلان إلى القنية بالنية، لأن القنية هي الأصل.
قوله: (لا العكس) أي فلا ينتقل الاحتكار إلى الإدارة بالنية، ولا تنتقل القنية إلى الإدارة والاحتكار بالنية إذا القنية هي الأصل فلا ينتقل من الأصل إلا بأمر بين.
قوله: (ولو كان أولا للتجارة) أي فلا ينتقل عرض القنية إلى الاحتكار ولو كان أول الأمر عرضا للتجارة كما إذا اشتراه للتجارة ثم نوى به القنية فلا ينتقل عن القنية بالنية خلافا لأشهب.
قوله: (وإن اجتمع إدارة واحتكار وتساويا، أو احتكر الأكثر؛ فكل على حكمه، وإلا فالجميع للإدارة) أي وإن اجتمع له عروض إدارة، وعروض احتكار، وتساويا في
стр. 426
القدر، أو كان عرض الاحتكار أكثر فإن كلا من العرضين يزكى على حكمه، ولم يجعل الأقل هنا تبعا للأكثر تغليبا لحق مصرف الزكاة.
قوله: وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك بل المدار هو الأكثر، فالحكم للإدارة جعل الأقل هنا تبعا للأكثر تغليبا لحق الفقراء.
قوله: (ولا تقوم الأواني) أي ولا يقوم المدير الأواني التي يستعين بها على الإدارة، كآلة العطار.
قوله: (وفي تقويم الكافر لحول من إسلامه) أي وإذا أسلم الكافر المدير، هل يزكي لحول من إسلامه؟ حكاه ابن حارث (١) عن محمد بن عبد الحكم (أو استقباله بالثمن قولان).
وسكت الشيخ عما إذا أسلم وهو محتكر ولم يذكره، وحكمه أنه يستقبل بالثمن حولا.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله ورعاه: ما الفرق هنا انتهى الكلام في زكاة العروض.
ويليه:
زكاة القراض
قوله: (والقراض الحاضر يزكيه ربه، إن أدارا أو العامل من غيره، وصبر إن غاب فيزكى والقراض الحاضر يزكيه ربه، إن أدارا أو العامل من غيره، وصبر إن غاب فيزكي لسنة الفصل ما فيها، وسقط ما زاد قبلها) أي والقراض الحاضر إن تم حوله بيد العامل قبل أن يشغله، زكاه مكانه على ما كان عليه، وإلا اعتبر فيه حكم العامل وربه، ويزكيه ربه إن أدار أي رب المال والعامل، أو كان العامل وحده مديرا، فيزكيه ربه في غير مال القراض، بل من مال نفسه، وإن كان القراض غائبا عن ربه، فلا زكاة عليه حتى يحضر، أو يعلم حاله، وإليه أشار بقوله: وصبر إن غاب، فإن حضر زكي لسنة الفصل ما فيها، وسقط ما زاد قبل سنة الفصل، فلا يعتبر الزائد قبلها، لأنه لما لم
стр. 427
يصل إليه كأنه لم يكن، مثال ذلك: كان في العام الأول أربع مائة، وفي الثاني ثلاث مائة، وفي الثالث مائتين وخمسين، فإنه يزكيه لسنة الفصل مائتين وخمسين، ثم كذلك السنتين الأوليين، إلا ما نقصها جزء الزكاة، وألغى الزائد لكونه لم يصل إلى ربه، ولم ينتفع به.
قوله: (وإن نقص فلكل ما فيها): أي وإن نقص ما قبل سنة الفصل، عن ما في سنة الفصل، فإنه يزكي لكل عام ما فيها، مثاله لو كان في العام الأول مائتين، وفي الثاني ثلاث مائة، وفي الثالث أربع مائة.
قوله: (وأزيد وأنقص) أي فإن حصل زيد أو نقص (قضي بالنقص على ما قبله) من الأعوام، مثاله أن يكون في العام الأول خمس مائة، وفي الثاني مائتان، وفي الثالث أربع مائة، فإنه يزكي لعام الإنفصال أربع مائة، ثم مائتين للعامين الأولين.
قوله: (وإن احتكرا، أو العامل فكالدين) أي وإن كان رب المال والعامل محتكرين، أو العامل وحده هو المحتكر، فإن زكاة ذلك القراض كزكاة الدين.
هذا التشبيه أفاد فائدتين:
إحداهما: أنه لا يزكيه إلا بعد قبضه.
الثانية: إنما يزكيه لسنة واحدة من أصله.
قوله: (وعجلت زكاة ماشية القراض مطلقا، وحسبت على ربه وهل عبيده كذلك أو تلغى كالنفقة؟ تأويلان) أي فإذا أخذ عينا قراضا، فاشترى بها ماشية، وحال عليها الحول، وفيها نصاب، فإنه يزكى مكانه، سواء كان ربه حاضرا أم لا، كان المتقارضان محتكرين أم لا، أو أحدهما وإلى هذا أشار بالإطلاق، وتزكى من مال ربها إن أمكن وإلا فمنها، وحسبت على ربه بأن تسقط من رأس ماله بناء على أن العامل أجير، وهل زكاة الفطر عن عبيد القراض كذلك، تحسب على ربه من رأس ماله، أو تلغى فلا تحسب عليه، كما تلغى النفقة عليهم فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (وزكي ربح العامل، وإن قل مبني للمفعول والمزكى له هو العامل بناء على أنه شريك، وعلى أنه أجير فالمزكي هو رب المال.
وسبب الخلاف أن الفرع إذا كان يختص بأصل واحد جرى عليه من غير خلاف، ومتى دار بين أصلين أو أصول يقع الخلاف فيه، لتغليب بعض العلماء بعض تلك الأصول، وتغليب غيره أصلا آخر، وعامل القراض دائر بين أن يكون
стр. 428
شريكا بعمله، ورب المال بماله، لتساويهما في زيادة الربح، ونقصه كالشريكين، ولعدم تعلق ما يستحقه العامل بالذمة، وبين أن يكون أجيرا، لاختصاص رب المال بغرم رأس المال، ولأنه معاوضة على عمل، وهو شأن الإجارة.
ومتقضى الشركة أن يملك بالظهور، ومقتضى الإجارة ألا يملك إلا بالقسمة فاجتماع هذه الشوائب، سبب الخلاف فمن غلب الشركة كمل الشروط في حق كل واحد منهما، ومن غلب الإجارة جعل المال وربحه لربه، فلا يعتبر العامل أصلا وابن القاسم صعب عليه إطراح أحدهما، فاعتبر وجها فمن هذه ووجها من هذا. انتهى من الذخيرة (١).
قوله: وزكى ربح العامل وإن قل قيده بعضهم بما إذا لم يكن في ربح العامل نصاب وإلا فزكاته على رب العامل بناء على أنه شريك وإن كان أقل من النصاب فزكاته على رب المال بناء على أنه أجير.
قوله: ﴿إن أقام بيده حولا وكانا حرين مسلمين بلا دين، وحصة ربه بربحه نصاب، وفي كونه شريكا أو أجيرا خلاف﴾ أي إنما يزكى ربح العامل بخمسة شروط، فإن انخرم منها واحد فلا يزكي.
الأول: أن يكون مال القراض أقام بيده حولا كاملا.
الثاني: أن يكون هو ورب المال حرين، وإن كان أحدهما عبدا فلا زكاة.
الثالث: أن يكونا مسلمين، فإن كان أحدهما كافرا فلا زكاة.
الرابع: أن يكونا لا دين عليهما مسقط للزكاة، فإن كان على أحدهما دين فلا زكاة.
قال سند قال المازري: الشرط الخامس: أن يكون في حصة رب المال، وهو رأس المال مع ربحه نصاب وإلا فلا زكاة، وفي كون العامل شريكا، فتكون زكاة حصته من الربح عليه، أو أجيرا، فتكون زكاة نصيبه على رب المال فيه خلاف.
قوله: ﴿ولا تسقط زكاة حرث ومعدن وماشية بدين، أو فقد، أو أسر﴾ هذا شروع منه عمل لله فيما لا يسقط الدين فيه الزكاة، وما يسقطها أي ولا تسقط زكاة حرث، ولا معدن، ولا ماشية، بسبب وجود دين على المالك، أو فقده، أو أسره في يد العدو. وذكر الشيخ هذه الثلاثة، وترك اثنين مما لا يسقط زكاته بسبب الدين، أو الفقد، أو
стр. 429
الأسر، وهما زكاة الفطر، وخمس الركاز.
قوله: (وإن ساوى ما بيده) أي ولا تسقط زكاة حرث وماشية، ومعدن بدين، وإن ساوى الدين ما حصل بيده، كما إذا كان عليه خمسة أو سق، وحصل له في حرثه خمسة أو سق، فإنه يزكيها، أو كان عليه دين خمسة من الإبل، وفي يده خمسة من الإبل، فإنه يزكي الخمسة التي بيده، (إلا زكاة فطر عن عبد عليه مثله) دينا، فإنها ليست عليه، وهو مذهب المدونة.
قوله: (بخلاف العين، ولو دين زكاة، أو مؤجلا، أو كمهر أو نفقة زوجة مطلقا، أو ولد إن حكم بها) هذا شروع منه ﵀ فيما يسقط الدين الزكاة فيه أي فالدين يسقط زكاة العين الذهب والفضة، ولو كان ذلك الدين دين زكاة، لأن طالبه معين، وهو الإمام، وإن كان مستحقه غير معين، وكذلك لو كان الدين الذي عليه مؤجلا، فإنه يسقط زكاة العين التي في يده، لتعلق الدين بذمته.
وكذلك إذا كان الدين الذي عليه، مهر الزوجة ونحوه.
ذلك لأنه أدخل بالكاف في كمهر من دين الأب على ولده، أو دين الزوج أو الزوجة، إذ لا يطلب عادة، إلا عند الفراق أو الموت أو المشاورة، فإن ذلك يسقط زكاة العين على المشهور، وكذلك نفقة الزوجة مطلقا، مما يسقط زكاة العين مطلقا أي حكم بها الحاكم أم لا، وكذلك نفقة ولد، بشرط أن يحكم به الحاكم، لا إن لم يحكم به خلافا لأشهب أنه مطلقا لا يسقط. وحمل بعضهم كلام كل واحد منهما على ظاهره وبعضهم ليسا مختلفين، وحمل كلام ابن القاسم بما إذا تقدم يسر ثم افتقر، فلابد من الحكم به على الأب، وحمل كلام أشهب، بما إذا لم يتقدم يسر، وأما إن تقدم فيتفقان، وإلى هذا أشار بقوله: (وهل إن تقدم يسر؟) أي وهل خلاف أشهب لابن القاسم في ذلك إن لم يتقدم للولد يسر، أو مطلقا فيه (تأويلان).
قوله: (أو والد بحكم إن تسلف) أي ومما يسقط زكاة العين، نفقة ولد بشرطين: إن حكم بها، وتسلف لأجل النفقة، لا إن لم يحكم بها، أو أنفق على نفسه بكسؤال.
قوله: (لا بدين كفارة أو هدي)، شروع منه ﵀ في الدين الذي لا يسقط الزكاة، وذلك دين لا يحبس فيه كدين كفارة، أو هدي فرط فيه، إذ ليس لهما طالب معين، والفرق بينه وبين دين زكاة العين أنه مسقط، وإن لم يتعين مستحقه، لأن له طالب معين، وهو الإمام بخلاف الكفارة والهدي.
стр. 430
قوله: (إلا أن يكون عنده معشر زكي، أو معدن، أو قيمة كتابة، أو رقبة مدبر، أو خدمة معتق لأجل، أو مخدم، أو رقبته لمن مرجعها له، أو عدد دين حل، أو قيمة مرجو، أو عرض حل حوله) إلى آخر ما ذكر، هذا راجع إلى قوله: بخلاف العين.
لو قال الشيخ: إلا أن يكون عنده نعم، أو معشر مزكى، لكان أشمل وأبين للمعنى أي أن الدين مسقط لزكاة العين، إلا أن يكون عنده معشر زكى، أو لم يزكي، لكونه دون النصاب لأنه يصير كالعروض، أو كان عنده معدن، أو قيمة كتابة كائنة قبل الدين، أو بعده، أو كان عنده رقبة مدبر، مراعاة للخلاف أنه يجوز بيعه، أو خدمة معتق لأجل أو خدمة مخدم على غررها، أو رقبة المخدم لمن مرجعه إليه، على تقدير وجوده، أو عدد دين له مرجو حل، كما إذا كان في يده عشرون، وعليه عشرين، وله عشرون دينا حل أجلها، فإنه يزكي العشرين التي في يده، ويقابل الدين الذي عليه بالدين الذي له بال، أو قيمته إن لم يحل أجله، أو كان عنده عرض حل حوله على المشهور، فإنه يقابل دينه بقيمة العرض.
قال في الجواهر: ففي شرط ملك العرض الذي يجعل فيه الدين من أول الحول خلاف.
رو محمد عن ابن القاسم: أنه لا يزكي حتى يكون العرض عنده من أول الحول.
وروى عيسى عنه أيضا: أنه لو أفاده عند الحول جعل دينه فيه وزكي.
وقال أشهب: يزكي سواء أفاد العرض عند الحول أو قبله بيسير، وإن أفاده بعد الحول، زكى حينئذ، قال محمد وبه أقول، وبه قال أصحاب ابن القاسم (١).
قوله: (إن بيع، وقوم وقت الوجوب على مفلس) أي وإنما يجعل الدين في العرض على الذي يباع على المفلس. غفل فيه الشارح ﵀.
وقوله: وقوم وقت الوجوب، مقحم في أثناء المسألة، ووقت تقويم العرض الذي يجعل فيه الدين، هو وقت وجوب الزكاة، لا قبله ولا بعده.
قوله: (لا آبق وإن رجي، أو دين لم يرج) أي لا يجعل الدين في آبق وإن رجي وأحرى إن لم يرج إذ لا يجوز بيع الآبق. لو قال الشيخ: ولو رجي ليشير إلى الخلاف لكان أولى.
стр. 431
قوله: (وإن وهب الدين أو ما يجعل فيه، ولم يحل حوله أو مر لكمؤجر نفسه بستين دينارا ثلاث سنين حول) أي وإن وهب الدين لمن هو عليه عند الحلول، وليس له غيره فروى ابن القاسم: لا يزكيه حتى يحول الحول بعد الهبة، خلافا لأشهب أنه يزكيه حين وهب له، ولو لم يكن له مال غيره.
وكذلك لا زكاة على من وهب له شيء يجعله في دينه، ولم يحل حوله في ملكه، وجعله لم يحل حوله راجع إلى الفرعين.
وكذلك لا زكاة على مؤجر نفسه ثلاث سنين ومر منها حول، وقبض الستين دينار، لأن العشرين الأولى لم يتحقق ملكها إلا الآن، والأربعين الباقية دين عليه، وليس عنده مال يقابله به.
وقوله: (فلا زكاة) جواب عن المسائل الثلاث.
قوله: (أومدين مائة، له مائة محرمية، ومائة رجبية يزكي الأولى) أي ومن عليه دين مائة، وله هو على الناس مائتان مائة محرمية ومائة رجبية، فإنه يزكي المائة الأولى منها، ويجعل دينه الذي عليه في المائة الثانية فلا يزكيها.
قوله: (وزكيت عين وقفت للسلف: كنبات وحيوان، أو نسله على مساجد، أو غير معينين). شروع منه تعلله في زكاة الأحباس نباتا كان أو عينا أو حيوانا أي وزكى الذهب والفضة إذا وقفت للسلف لمن احتاج، وإن استغنى رد تغليبا لحق الفقراء، كما يزكى النبات من الزرع، وثمر النخل والأعناب. وكذلك الحيوان المحبس، أو نسله.
وقال في المدونة: وتؤدى الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله (١)، فيزكى ذلك على ملك ربه، إن حبسه على مسجد، أو مساجد، أو على غير معينين، كالفقراء، أو طلبة العلم، أو بني تميم سواء تولى المالك تفرقته أم لا، حصل لكل مسجد، أو لكل شخص نصاب أم لا، إذا كان المجموع نصابا.
قوله: (كعليهم، إن تولى المالك تفرقته، وإلا إن حصل لكل نصاب، وفي الحاق ولد فلان بالمعينين أو غيرهم قولان) أي كما يزكي على ملك ربه إذا حبسها على المعينين، بشرط أن المالك هو المتولي للتفرقة والسقي، وإلا أي وإن لم يكن المالك متولي للتفرقة، بل تولاه غيره، والوقف على معينين، فإن المعتبر ما ينوب كل شخص
стр. 432
منهم، فإن حصل له نصاب زكى وإلا فلا.
قوله: وفي إلحاق ولد فلان بالمعينين نظر إلى فلان، وعدم إلحاقهم بل بغير معينين نظر إليهم، إذ لا يعلم قدر منتهاهم في ذلك قولان من غير ترجيح، قائمان من المدونة.
[زكاة المعادن]
قوله: (وإنما يزكى معدن عين، وحكمه للإمام، ولو بأرض معين) هذا شروع منه تعلته في زكاة المعدن وحكمها.
إنما للحصر أي لا يزكى من المعادن إلا معدن العين أي الذهب والفضة. وأما معدن النحاس، والرصاص، والزرنيخ، والشب وشبه ذلك، فلا زكاة فيه حتى يباع، ويستقبل بالثمن حولا.
وحكم المعدن للإمام، كان عينا، أو غيره، يجتهد فيه بالتقوى لا بالهوى، والمعتبر الإمام العدل، فأما غير العدل فكالعدم، وإن لم يكن الإمام العدل، فجماعة المسلمين، وحكم المعدن للإمام العدل، ولو كان المعدن ظهر في أرض معين، وأحرى إذا كان في أرض غير معين، وأحرى في أرض لا ملك لأحد فيه.
وقيل: إذا كان في أرض معين، فحكمه إليه، بناء على أن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها.
قوله: (إلا مملوكة لمصالح فله)، هذا مستثنى من قوله: وحكمه للإمام أي وحكم المعدن للإمام، إلا إذا كان في أرض مملوكة لمصالح، فإن حكمه حينئذ للمصالح لا للإمام، إلا أن يسلم المصالح، فينتقل حكم ذلك المعدن إلى الإمام العدل.
قوله: (وضم بقية عرقه) لما ذكر أن في المعدن زكاة، وذكر حكمه، شرع يذكر ما يضم منه وما لا يضم، فقال: وضم بقية عرقه أي عرق المعدن إلى ما قبله منه، (وإن تراحى العمل) في أثناء ذلك، سواء كان التراخي اختيارا، أو اضطرارا، وفهمنا من قوله: وضم أن العرق الأول بعضه باق، إذ لو انقطع لا يضم لآخر كما سيذكره.
قوله: (لا معادن) أي لا يضم معادن بعضها ببعض، وإن اتحد مكانها وزمان وجودها.
وكذلك لا يضم معدن الذهب لمعدن الفضة، ولا معدن الفضة لمعدن الذهب. سمي المعدن معدنا من عدن أي أقام، لإقامة الناس فيه، أو لإقامة الذهب
стр. 433
والفضة فيه.
قوله: (ولا عرق آخر) أي لا يضم عرق إلى عرق آخر، وإن اتصل العمل، لأنهما لم يجتمعا في ملك، وسمى الرسالة العرق نيلا.
قوله: (وفي ضم فائدة حال حولها) أي وفي ضم فائدة حال عليها الحول إلى ما حصل من معدن، كما إذا أفاد عشرة، فحال عليها الحول، ثم أصاب عشرة من الذهب، فهل يضم لأن الفائدة حال حولها، وما خرج من المعدن لا يحتاج إلى مرور الحول، إذ كأنهما اجتمعا في ملك وحول، أو لا تضم إليه، فيه تردد الأشياخ في الفهم.
قوله: (وتعلق الوجوب بإخراجه أو تصفيته تردد) أي وفي تعلق الوجوب بإخراج العين من المعدن، فيجب عليه زكاتها، تصدق أو وهب قبل التصفية، أو تعلق الوجوب بالتصفية، فيه تردد الأشياخ المتأخرون في فهم النقل فيه. قوله: (وجاز دفعه بأجرة غير نقد على أن المخرج للمدفوع له) أي وجاز للإمام دفع المعدن بأجرة يأخذها غير نقد، على أن المخرج من المعدن للمدفوع له وحده، وهذه التصفية على أنها مسألة واحدة.
وفي بعض النسخ: وعلى أن المخرج بزيادة الواو، وعليه فمسألتان أي وجاز للإمام دفعه بأجرة، ويجوز له دفعه على أن المخرج منه للمدفوع له مجانا.
قوله: (واعتبر ملك كل) أي وإذا دفع الإمام المعدن لجماعة على كل وجه، اعتبر حصة كل من بلغ حصته النصاب زكاه، ومن لا فلا كان حرا، أو عبدا، مسلما كان، أو كافرا.
قوله: (وفي بجزء - كالقراض) أي وفي جواز دفع المعدن بجزئ شائع، كالقراض، وعدم جوازه، (قولان) من غير ترجيح، القول بالجواز لمالك وابن القاسم، واختاره فضل بن مسلمة (١)، والقول بالمنع لأصبغ، واختاره ابن المواز.
قوله: (وفي ندرته الخمس) أي وفي ندرة المعدن الخمس. الندرة بفتح النون: ما
стр. 434
وجد مجتمعا لا يحتاج إلى تصفية، ولم يذكر الشيخ مصرف هذا الخمس.
قال المواق: لم أر فيه نصا، ومقتضى روايات ابن القاسم أن مصرفه مصرف الفيء.
وفي كتاب معرفة المعبود والرسول المحمود: قال ابن بشير: الأموال التي ينظر فيها الإمام على ثلاثة أقسام قسم يحل للأغنياء والفقراء بلا خلاف، وهو المأخوذ من الكفار والحربيين، والمعاهدين، والخمس من الغنيمة، وما انجلى عنه أهله، وخمس الركاز والجزية، وما يؤخذ من تجارهم، وما يؤخذ من أرض العنوه، وأرض الصلح، وقسم لا يحل إلا للفقراء بلا خلاف، إلا من ذكر معهم في آية الزكاة، وهذا هو الزكاة.
وقسم اختلف فيه المذهب على قولين، هل هو كالثاني؟ لأنه مال أصله للمسلمين، فأشبه الزكاة، أو هو كالأول، لأنه لم يؤخذ من مالكه بالطوع، ولا يعرف مالكه بعينه فأشبه الفيء، وهذا كأموال مستغرق الذمم بالحرام، واللقطة إذا لم يعرف ربها. انتهى.
قوله: (كالركان، وهو دقن جاهلي - وإن بشك) - التشبيه أفاد فائدتين: الندرة مقيس على الركاز، وأن فيه الخمس.
قوله: (كالركان) أي كما أن في الركاز الخمس، لقوله ﷺ : «وفي الركاز الخمس» (١) ومصرفه مصرف الفيء.
والركاز دفن جاهلي، وإن كان شك فيه، كما إذا لم تظهر عليه علامة الجاهلي. الجاهلية ما قبل الإسلام.
قوله: (أو قل، أو عرضا، أو وجده عبد أو كافر، إلا لكبير نفقة أو عمل في تخليصه فقط فالزكاة) أي وفي الركاز الخمس، وإن كان قليلا، أو كان عرضا، أو وجده عبد، أو كافرا، وأحرى حر مسلم، لأنه كالغنيمة، إلا أن يكون إنما ناله بكثير نفقة على إخراجه أو كثير عمل على استخلاصه فقط، فالواجب فيه الزكاة.
قوله: (وكره حفر قبره، والطلب فيه) فاعل كره الإمام مالك: أي وكره مالك حفر قبر جاهلي، والطلب في القبر، لقوله ﷺ : «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا
стр. 435
وأنتم باكون (١).
وقيل: لئلا يصدف قبر نبي، أو صالح، والأول أظهر.
قوله: (وباقيه لمالك الأرض) لما ذكر حكم خمس الركاز، شرع يذكر باقي الركاز بعد الخمس، وهو لمالك الأرض، بناء على أن من ملك ظاهر الأرض، ملك باطنها، (ولو) كان المالك (جيشا).
قوله: (وإلا فلواجده، وإلا دفن المصالحين فلهم، إلا أن يجده رب دار بها فله) أي وإن لم يكن للأرض مالك، بل هو في موات الأرض، فالباقي لواجده، إلا أن يكون الركاز دفن المصالحين، فالباقي لهم، لا لواجده، إلا أن يكون الواجد وجده في داره له دونهم، وقيل أن سحنون شك في أرض إفريقية، هل بأرض الصلح، فيكون شك في أرض إفريقية، هل هي أرض صلح؟ أو عنوة، ولذلك يأكل بالورع، ويملك بالشرع، ويجعل نفسه مساقا فيما يملكه من الأشجار.
ومنهم من عكس فقال: إن الأكل لا بد منه، وهو بالشرع، والملك بالورع.
قوله: (ودفن مسلم أو ذمي لقطة) لفظة الذي تقدم دفن جاهلي، وأما دفن مسلم بعلامة ظهرت عليه، أو دفن ذمي، فحكمه حكم اللقطة، يعرف بها سنة.
قوله: (وما لفظه البحر - كعنبر - فلواجده بلا تخميس) أي وما رماه البحر، كعنبر ونحوه، هو لواجده بلا تخميس، فإن رأى ذلك شخص، فابتدره آخر، فهو لأخذه، لأن الرؤية لا أثر لها في باب الاستحقاق، وهذا حكم ما لم يتقدم عليه ملك لأحد، وأما إن تقدم عليه ملك قيل: هو لمالكه، إذا لم يتركه اختيارا.
وقيل: لواجده لأنه مستهلك، والخلاف كذلك فيما تركه ربه في بر، أو بحر، عاجزا عنه في محل ضيعة. انتهى.
الدابة إذا تركها صاحبها، فأعلفها غيره، ثم وجدها.
قال مالك: هو أحق بها، لأنه مكره على تركها، ويدفع ما أنفق عليها، وقيل: هي لعالفها لإعراض المالك عنها. انتهى (٢).
стр. 436
فصل [في مصرف الزكاة]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه المحل الذي تصرف فيه الزكاة، ليس مما تقدم فناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: ﴿ومصرفها: فقير، ومسكين، وهو أحوج﴾ أي ومصرف الزكاة ثمانية أصناف، رتبها كما رتبتها الآية الكريمة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] إلى آخر الآية.
الفقير: هو الذي له بلغة لا تقوم به.
والمسكين هو الذي لا شيء له. ولذلك قال: وهو أحوج أي والمسكين أحوج من الفقير.
قوله: (وصدقا إلا لريبة) أي ويصدق الفقير والمسكين في ادعائهما الفقر والمسكنة. وكذلك يصدقان في وجود العيال لهما، إلا لأجل ريبة فلا يصدقان، كما إذا كانا يظهر عليهما علامة الغنى، إلا أن يأتيا بما يزيل الريبة عنهما.
قوله: (إن أسلم وتحرر، وعدم كفاية بقليل أو إنفاق أو صنعة وعدم بنوة لهاشم) شروع منه الله في شروط المستحق للزكاة، وهي أن يكون مسلما فلا تعطى لكافر.
وسمع ابن القاسم: ويعطى أهل الأهواء إن احتاجوا هم من المسلمين.
ابن رشد: إن خف هواهم، كتفضيل علي. انتهى (١).
ابن أبي زيد والمصلي أولى من غيره، ويعطى غير المصلي، إذا كان ذا حاجة بينة.
ابن العربي: قال رسول الله ﷺ : «لا يأكل طعامك إلا تقي (٢) فمن الحق الأفضل أن تعتمد بمعروفك أهل التقى. انتهى من التاج والإكليل (٣).
وفي إكمال الإكمال عياض: الصدقة، وأن يكون حرا، فلا تعطى لعبد لأنه غني
стр. 437
بسيده، ولو كان مدبرا، فإن عجز سيده عن النفقة عليه، بيع القن، وعتق عليه المدبر، وأن يكون عدم كفاية بما عنده لقلته، أو عدم كفاية مع إنفاق عليه، سواء كان الإنفاق شرعا أم لا، كان بالنص من المنفق أم لا، أو عدم كفاية بصنعة وأن يكون عدم بنوة لهاشم لا المطلب، وأما بنو هاشم استثنى أبو حنيفة منهم آل أبي لهب. وبنوا المطلب لا تعطى لهم لحرمة الصدقة عليه صلى الله عليه وعلى آله (١).
قوله: (لا المطلب) خلاف المشهور لأن المشهور تعطى الزكاة لبني المطلب، والمطلب أخو هاشم. غفل الشارح هنا تخلله، لو قال الشيخ: لا المطلب لوافق المشهور.
قوله: (كحسب على عديم)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يجوز حسب الزكاة على عديم، كما إذا كان له على إنسان عديم دين، فيقول له: لي عليك دين، ولك علي كذا من الزكاة، فإنه لا يجزيه، لأن ذلك الدين تاو أي هالك.
قوله: (وجاز لمولاهم وقادر على الكسب، ومالك نصاب. ودفع أكثر منه وكفاية سنة) أي وجاز دفع الزكاة لمولى بني هاشم والمطلب، وقيل لا يجوز لأن مولى القوم منهم (٢).
وكذلك يجوز دفع الزكاة لقادر على الكسب. وقيل: لا يجوز، لأن قدرته على الكسب تقوم مقام الغنى، وكذلك يجوز دفع الزكاة لمالك نصاب لا يقوم به. وكذلك يجوز دفع أكثر من النصاب لمستحقها.
وكذلك يجوز أن يعطى كفاية سنة، إن لم يدخل عليه يسر فيها.
قوله: (وفي جواز دفعها لمدين ثم أخذها تردد): أي وفي جواز دفع الزكاة لمدينه ثم أخذه وعدم جوازه تردد للمتأخرين لعدم النص، هذا كله إذا لم يكن في ذلك شرط ولا واى ولا عادة، وأما إن كان فيه ذلك، فلا يجوز بغير تردد.
قوله: (وجاب، ومفرق حر عدل عالم بحكمها. غير هاشي) هذا هو المصرف الثالث هو العاملين عليها، والجابي هو الجامع.
ابن شاس وكذلك الحاسب والكاتب لا ساق وراع على المشهور، مقابله
стр. 438
تعطى للساقي والراعي، لأنهما من العاملين عليها، وهو ظاهر، وشرط المفرق أن يكون عدلا في الفرق، وأن يكون عالما بحكم الزكاة فيما يأخذ وفي المصرف، وأن يكون غير هاشمي، لحرمتها عليه، وغير كافر.
وقوله: (وكافر) مستغنى عنه بقوله: عدل، لأن العدل لا يكون كافرا.
قوله: (وإن غنيا وبدئ به) أي وتعطى الزكاة للعامل عليها، وإن كان غنيا، ويبدأ به عن غيره من الأصناف.
قوله: (وأخذ الفقير بوصفيه) أي وإن كان العامل عليها فقيرا، فإنه يأخذ من الزكاة بوصفيه الفقر والعمل، إلا أن يستغني بما يأخذ من عمله، فلا يأخذ حينئذ إلا بوصف العمل.
قوله: (ولا يعطى حارس الفطرة منها) أي ولا يعطى حارس زكاة الفطرة منها أي ولا يعطى حارس زكاة الفطرة من الزكاة، كانت زكاة فطرة، أو غيرها، بل أجرته من الفيء.
قوله: (ومؤلف كافر ليسلم وحكمه باق) أي هذا هو الصنف الرابع من الثمانية الأصناف، وتعطى الزكاة لكافر ليسلم لقوله تعالى: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ [التوبة: ٦٠]، وحكم المؤلف باق ولم ينسخ بمضي صدر الإسلام.
قوله: (ورقيق مؤمن ولو بعيب يعتق منها) هذا هو الصنف الخامس من المصرف وهو كقوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ [البقرة: ١٧٧]: أي يعتق رقبة مؤمنة من الزكاة، يعتقه ربه أو الإمام، ولو كان الرقيق معيبا، خلافا لمن قال: لا يعتق من الزكاة، إلا رقبة سالمة من العيوب، والمعيب أحق بالإعانة.
قوله: (- لا عقد حرية فيه - وولاؤه للمسلمين) أي إنما يعتق الرقبة من الزكاة، رقيق قن، لا مكاتب ومعتق إلى أجل، ومعتق بعضه، أو مدبر، وولاء الرقبة المعتقة من الزكاة، لجميع المسلمين، بخلاف المعتق من الكفارات، فإن ولاءه لمعتقه.
قوله: (وإن اشترطه له) أي لنفسه أي وإن اشترط معتق الرقبة من زكاته الولاء لنفسه، (أو فك أسيرا) من يد العدو بزكاته، (لم يجزه) عن الزكاة، بل يخرجها ثانيا، وعتق العبد. انتهى.
أجاز ابن حبيب فك الأسير من الزكاة قائلا: هو أحق وأولى من فك الرقاب
стр. 439
التي بأيدينا (١).
موهوب الجليل في شرح مختصر خليل
ابن عبد الحكم لو أخرجها فأسر قبل صرفها جاز فداؤه بها (٢)، ولو افتقر بعد إخراجها لم يعطها، وفرق بينهما بعوده له في الفقر دون الفداء.
ابن حارث لو أطلق أسيرا بفداء دين عليه، أعطى منها اتفاقا (٣).
قوله: (ومدين ولو مات يحبس فيه، لا في فساد) هذا هو الصنف السادس أي ومن الأصناف التي هي مصرف الزكاة المدين فيعطى منها ليقضى دينه، ولو كان ميتا، لأن الميت أولى بقضاء الدين عنه، خلافا لمن قال: لا يقضى منها دين الميت إنما يعطى المدين من الزكاة، إذا كان ذلك الدين مما يحبس فيه، وأما الدين الذي لا يحبس فيه كالكفارات فلا يعطى لأجله، ومن شرط الدين الذي يقضى من الزكاة، أن يكون ترتب عليه في إصلاح كنفقة وضمان، لا إن ترتب عليه في فساد، كخمر، أو قمار وغير ذلك من وجوه الفساد.
ابن رشد في أسولته إن أجحف به قضاء الدين بأن يبيع ذمته، أو يبيع نفقته، ونفقة عياله، فإنه يعطى ما يغرم به من الزكاة. قاله ابن بشير (٤). انتهى من تقريب الفلاح.
قوله: ﴿ولا لأخذها إلا أن يتوب على الأحسن﴾ أي ولا تعطى الزكاة لمن تداين لأجل أن يأخذها، كما إذا وسع على نفسه، وسعا غير معتاد في مثله، إلا أن يتوب من تداين لأجل الفساد، فإنه يعطى منها على القول الأحسن.
فرع قال البرزلي وكثيرا ما يفعل اليوم، يأخذها المرابطون ويجرونها على من يرد عليهم من الأضياف والأعراب وغيرهم من أبناء السبيل. وكان شيخنا أبو محمد الشبيبي ينكر هذا ويقول: لا يجوز ذلك ولا يجزي لأنهم صانوا بها أموالهم، ويؤخرونها عن مستحقها، فلم يخرجوها في محلها. انتهى منه (٥).
قوله: (إن أعطى ما بيده من عين، وفضل غيرها، ومجاهد وآلته، ولو غنيا، كجاسوس)
стр. 440
أي إنما تعطى الزكاة لمدين بشرط أن يدفع ما بيده من العين لأرباب الديون وفضل غير العين، كما إذا كان له دار أو خادم يسوا مائة ويجد دارا أو خادما دون ذلك، فإنه لا يعطى الزكاة، حتى يدفع ذلك الفضل لأرباب الديون، لأن الزكاة لا تكون كنزا ولا حافظة للكنز.
قوله: ومجاهد وآلته، هذا هو الصنف السابع وهو قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ [التوبة: ٦٠] أي ومما تعطى له الزكاة مجاهد في سبيل الله، وتجعل في آلة المجاهد، كفرس، ورمح، ونبل، ومدفع، ونحو ذلك، ولو كان ذلك المجاهد غنيا، كما تجعل الزكاة في أجرة الجاسوس ونفقته، وإن كان كافرا، لأنه يذب عن مسلمين. وكذلك تدفع لذي معونة برأي.
قوله: (لا سور ومركب) أي لا يعمر سور محيط بالبلد، ولا مركب بالزكاة، وكذلك لا يعمر بها القنطرة.
قوله: (وغريب محتاج لما يوصله في غير معصية ولم يجد مسلفا وهو ملي ببلده، وصدق، وإن جلس نزعت منه، كغار وفي غارم يستغني تردد) هذا هو الصنف الثامن، وبه تمم أصناف المصرف، أي ومن مستحق الزكاة غريب محتاج لما يوصله إلى بلده، أو ينتفع به في إقامته، إن لم تكن معصية، كطلب العلم، أو جالس لعذر، وأما إن جلس لغير عذر أو عبادة، فإنه تنزع منه، كما ذكر الشيخ، وكذلك لا يعطى إذا كان يستعين بها في إدامة سفره. وهذا كله إذا لم يجد مسلفا، والحال أنه ملي ببلده، وأحرى إن كان فقيرا، ويصدق أنه محتاج لما يوصله وإن جلس لغير عذر أو عبادة، نزعت منه. تلك الزكاة التي دفعت له كما تنزع من يد غاز دفعت له على أن يجاهد، ولم يجاهد، وهل تنزع الزكاة من يد مدين دفعت إليه؟ ليقضي بها دينه، ويستغني قبل دفعها في الدين لانتفاء الوصف الذي دفعت لأجله، أو لا تنزع منه لأنه أخذها بالوصف الثابت، فيه تردد لعدم النص، والمتردد هنا عالم واحد وهو اللخمي قال: وفيه إشكال. ولو رده لكان أولى.
قوله: (وندب إيثار المضطر دون عموم الأصناف، والاستنابة، وقد تجب) أي وندب للمتولي تفرقة الزكاة إيثار المضطر والأصلح، دون عموم الأصناف، إذ لا يندب تعميمها. ويندب لمخرج الزكاة أن يستنيب في تفريقها، لأن ذلك أسلم له من خوف الرياء والمحمدة، وقد تجب عليه الاستنابة لجهل مصرفها، أو خوف الرياء.
стр. 441
قوله: (وكره له حينئذ تخصيص قريبه) أي وكره للنائب حين الإستنابة، تخصيص أقارب المالك.
وهذه التسمية أحسن مما قال بعضهم: وكره للمالك حين الاستنابة، تخصيص أقاربه بالإيصاء على إعطائه لهم، وأحسن مما قال: يكره للمالك أن يلي إعطاءها لهم، إن فرقها بنفسه من المدونة.
قال مالك: أما من لا تلزمه نفقته من قرابته، فلا يعجبني أن يلي هو إعطاءهم، ولا بأس أن يعطيهم من يلي تفرقتها بغير أمره، كما يعطي غيرهم إن كانوا لها أهلا.
قال اللخمي: كره مالك ذلك خوف أن يحمدوه عليها.
ابن حبيب: لا بأس بذلك. قال مطرف: وحضرت مالكا يعطي زكاته قرابته.
ونقل الواقدي (١) عن مالك أنه قال: أفضل من وضعت فيه زكاتك، قرابتك الذين لا تعول (٢).
قال اللخمي: وهذا أحسن (٣).
قال ابن العربي: الصدقة على الأهل أفضل من الصدقة على الأجانب، كانت فرضا أو تطوعا.
فإن قيل: يخاف المحمدة؟ قلنا: لا بد أن يحمد الرجل على ما فعل من الخير، وإنما المذموم أن يحب أن يحمد بما لم يفعل، وإذا خرج الرجل بصدقته إلى ذوي رحمه الذين لا تلزمهم النفقة عليهم، فقد فعل خصلتين عظيمتين: أدى الزكاة ووصل رحمه. انتهى من التاج والإكليل (٤).
قال ابن شاس: فإن كانوا ممن لا تلزمه نفقتهم، لكنهم في عياله، فقد روى مطرف: لا ينبغي أن يفعل ذلك، فإن فعل فقد أساء، ولا يضمن إن لم يقطع عن
стр. 442
نفسه بذلك الإنفاق عليهم.
قال ابن حبيب: فإن قطع بذلك الإنفاق عليهم عن نفسه فلا تجزيه، لأنه انتفع بزكاة ماله حيث قطع بها نفقة من كان التزم الإنفاق عليه والقيام به. انتهى (١).
عياض في إكمال الإكمال واختلف في دفعها للمحتاجين من القرابة. واختلف فيه قول مالك بالجواز والكراهة.
ووجه الكراهة أنها خوف أن تكون سببا لقطع صلة أرحامهم من غيرها، وضياع من عداهم لميل النفس إلى القرابة دونهم (٢).
قوله: (وهل يمنع إعطاء زوجة زوجا، أو يكره؟ تأويلان).
قال في المدونة: قال ابن القاسم: لا تعطي المرأة زوجها من زكاتها، حملها ابن زرقون (٣) وغيره على عدم الإجزاء، وروى ذلك ابن حبيب عن مالك، وحملها ابن القصار على الكراهة، وأنها إن فعلت أجزأت.
قال اللخمي: وإن أعطى أحد الزوجين الآخر ما يقضي به دينه من الزكاة جاز (٤).
قوله: (وجاز إخراج ذهب عن ورق، وعكسه): أي وجاز إخراج ذهب عن واجب في ورق، وإخراج ورق عن واجب في ذهب، وهو المراد بالعكس، هذا هو المشهور.
وقيل: ليس له ذلك لأنه كلف الفقير صرف ما كان فيه في مندوحة. قاله اللخمي (٥).
قوله: (بصرف وقته مطلقا) أي إنما يعتبر في إخراج الذهب عن الفضة، وعكسه صرف وقت الإخراج مطلقا، صادف الصرف عشرة بدينار، أو أقل، أو أكثر، هذا هو
стр. 443
وقيل: لا يجوز إن كان أقل.
قوله: (بقيمة السكة، ولو في نوع) أي فيعتبر مع ذلك قيمة السكة وقت الإخراج، ولو كان ذلك في نوع واحد، مثل أن يخرج التبر عن الدنانير وعن الدراهم، لأن الفقراء لهم حق في السكة، وأحرى أن تعتبر السكة في نوعين.
قوله: (لا صياغة فيه، وفي غيره تردد) أي لا تعتبر قيمة الصياغة في النوع الواحد، كما إذا أخرج ذهبا تبرا عن ذهب مصوغ، فلا تعتبر قيمة الصياغة، بل الوزن فقط، وهل تعتبر فيه الصياغة في إخراج نوع عن نوع آخر، كذهب غير مصوغ عن فضة مصوغة تردد.
قوله: (لا كسر مسكوك، إلا لسبك) أي وإنما كان تعلق حق الفقراء بالصياغة أشد من تعلقه بالسكة، لأنه جاز كسر المصوغ، وإن لغير سبك، لا كسر مسكوك إلا لأجل سبك، فكان له أن يكسر المصوغ ليعطيهم منه، بخلاف المسكوك. انتهى. وسئل ابن رشد عمن وجبت عليه زكاة، فاشترى بها ثيابا أو طعاما، وتصدق به. فقال: يقول ابن القاسم: لا يجزيه. وأشهب يقول: يجزيه.
قلت: أجراها على ما لو أخرج ذلك من عنده، واختيار اللخمي فيها إن كان خيرا للفقراء جوازه، بل هو محسن، واحتج بحديث معاذ: «ائتوني بخبيص أو لبيس، هو أيسر عليكم، وأنفع بأصحاب رسول الله ﷺ » (١). انتهى من البرزلي (٢).
قوله: (ووجب نيتها، وتفرقتها بموضع الوجوب أو قربه) أي نية الزكاة، لأنها عبادة، وإن اشتملت على سد الخلة. وكذلك يجب على المزكي تفرقة الزكاة في موضع الوجوب، أو قربه فيما دون مسافة القصر قاله سحنون (٣).
واختلف هل تعطى لفقير حاضر، وهو من غير أهل موضع الوجوب على ثلاثة أقوال: قيل: لا يعطى منها لأنه نقل للزكاة، لقوله ﷺ لمعاذ: «فترد على فقرائهم» (٤).
стр. 444
وقيل: تعطى له لفقره، لأن عموم الآية في الفقراء.
وقيل: بالتفرقة، إن أقام أربعة أيام صحاح أعطي لأنه مقيم.
قوله: (إلا لأعدم فأكثرها له بأجرة من الفيء) أي ووجب تفرقتها بموضع الوجوب، إلا لبلد أحوج من أهل موضع الوجوب، فإنها تنقل إليهم أكثر الزكاة، فتكون أجرة وصلها إليهم من بيت المال لا من الزكاة. انتهى.
ابن ناجي أفتى شيخنا أبو محمد عبد الله الشبيبي الله في الفقير إذا قدر أن يأخذ من مال من يعلم أنه لا يزكي قطعا، قدر ما عليه من الزكاة، أنه لا يجوز، إذ لا شعور لصاحبه بخلاف المكره. انتهى (١).
قال المواق: وانظر رسم البز من سماع ابن القاسم من البضائع: أجاز مالك لمن بعث معه بمال للمنقطعين أن يأخذ منه إذا احتاج. انتهى (٢).
وكذلك من وكل على تفرقة مال على الفقراء، فإنه يأخذ منه إن احتاج، ولا يقال أنه وكيل، والوكيل منعزل عن نفسه.
قوله: (وإلا بيعت) أي وإن لم يكن الفيء، أو كان ولم يمكن الوصول إليه، فإن الزكاة تباع، (واشتري مثلها)، في الموضع المنقولة إليه، وإن كان المشترى أقل مما نقل.
قوله: (كعدم مستحق)، تشبيه لإفادة الحكم حرفا بحرف أي كما تنقل الزكاة إذا عدم المستحق بموضع الوجوب إلى أقرب البلاد إليها بأجرة من الفيء، وإن لم يوجد الفيء، بيعت واشترى مثلها في الموضع المنقولة إليه، ولا يتعدى البلد إلى بلد إلا أن يكون أهله أحوج.
قوله: (وقدم) أي وقدم المزكي المنقول (ليصل) إلى المنقول إليه (عند الحول).
قوله: (وإن قدم معشرا أو دينا أو عرضا قبل قبضه، أو نقلت لدونهم، أو دفعت باجتهاد لغير مستحق، وتعذر ردها إلا الإمام، أو طاع بدفعها لجائر في صرفها أو بقيمة لم تجن إلى آخره أي وإن قدم المزكي زكاة حرث، أو قدم زكاة دين له على الناس قبل قبضه، أو زكاة عرض قبل بيعه، أو قبل قبض ثمنه.
стр. 445
وقوله: قبل القبض عائد عليهما، أو نقلت الزكاة لدون أهل موضع الوجوب في الحاجة، إذا كان البلد الذي نقلت إليه مسافة القصر، وأما ما دونه فجائز، أو دفعت باجتهاد لغير مستحق، وأخطأ اجتهاده، وتعذر ردها إلى المالك، وأما إن لم يتعذر ردها فإنه يأخذها ويصرفها في مصارفها إلا أن يكون المجتهد المخطئ لدفعها الإمام، فإنها تجزيه وغير المستحق: العبد، والكافر، والغني، وقيل: تجزئ، بناء على أن الواجب عليه الاجتهاد وقد حصل، والإصابة ولم تحصل.
وقيل: لا تجزئ في العبد والكافر، وتجزئ في الغني، لأن حاله يخفى غالبا. وقوله: لم تجز، جواب عن المسائل السبع.
قوله: (لا إن أكره أو نقلت لمثلهم أو قدمت بكشهر في عين وماشية) أي لا إن أكرهه الجائر في صرفها، وأما إن طاع بدفعها لجائر في صرفها، فلا تجزيه، وإن كان جائرا، ولكن يصرفها في مصارفها، فإنها تجزيه، أو أكرهه على دفع قيمة عن الواجب، أو نقلت الزكاة، لمثل أهل موضع الوجوب في الحاجة، أو قدمت الزكاة في عين وماشية بكشهر، فإنها تجزئ في المسائل الأربع.
قوله: (فإن ضاع المقدم فعن الباقي) أي وإن ضاع المقدم الذي أجيز تقديمه في الزكاة من العين والماشية، فإنه يزكي الباقي إذا كان ذلك التقديم بالأمد الكثير، وأما لو قدمها باليوم أو اليومين، فإنها تجزيه عن الباقي، وأما زكاة الزرع فلا يجوز تقديمها لأنه لم يملكه بعد. انتهى.
قوله: (وإن تلف جزء نصاب ولم يمكن الأداء سقطت) أي وإن تلف جزء نصاب عنده عند الحول، والحال أنه لم يمكن له الأداء، لعدم مستحق وشبهه، سقط عنه التكليف بها، مفهومه أنه لو أمكن له الأداء لم تسقط عنه، والمفهوم صحيح.
قوله: (كعزلها فضاعت)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما تسقط الزكاة إذا عزلها، فضاعت بلا تفريط منه، (لا إن ضاع أصلها)، بعد أن عزلها، فإنه يفرق ما أخرج ولا يأخذه هو، وإن كان فقيرا، إذ لا ينتفع بزكاة نفسه.
قوله: (وضمن إن أخرها عن الحول، أو أدخل عشره مفرطا، لا محصنا، وإلا فتردد) أي وضمن الزكاة في ذمته، إن أخرها مفرطا عن محلها.
وكذلك إن أدخل عشره بيته مفرطا في دفعها لمستحقها، ولا يضمن إن أدخلها في حال كونه محصنا لها عن الضياع.
стр. 446
قوله: وإلا أي وإن لم يعلم حاله هل مفرط؟ أو محصن. فتردد في تصديقه الشيوخ في فهم النقل.
قوله: (وأخذت من تركة الميت) أي وأخذت الزكاة من تركة الميت من رأس المال، إن أقر بحلولها، وأوصى بها.
قوله: (وكرها وإن بقتال وأدب) أي تؤخذ الزكاة ممن منع من أدائها كرها، وإن أدى ذلك إلى قتاله، وأدب بعد أخذها منه.
قوله: (ودفعت للإمام العدل، وإن عينا) أي ودفعت الزكاة للإمام العدل، وإن كان زكاة عين على الخلاف فيها.
قوله: (وإن غر عبد بحرية فجناية على الأرجح) أي وإن غر عبد بحرية فأخذ الزكاة، فذلك جناية في رقبته، إن شاء سيده فداه بما أخذ، أو أسلمه للمساكين على ما رجحه ابن يونس، ومقابله يصح تعلقه بذمته، لأن الدافع متطوع به.
قوله: (وزكى مسافر ما معه. وما غاب) أي وزكى المالك ما معه من ماله اتفاقا، وما غاب عنه على القول (إن لم يكن) للغائب (مخرج ولا ضرورة) عليه بإخراجه عنه، وأما إذا كان عليه في الإخراج ضرورة بموضعه، لكونه محتاجا لما يوصله، فإنه لا يجب عليه الإخراج حينئذ عن الغائب، واختلف هل المعتبر مكان المال؟ وقت تمام الحول، إذ هو سبب الوجوب، أو مكان المالك، إذ هو المخاطب بها في ذلك قولان. انتهى.
فصل [في زكاة الفطر]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه زكاة الفطر، ليس مما تقدم فناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب «زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (١) انتهى.
стр. 447
قوله: (يجب بالسنة صاع أو جزؤه عنه) أي يجب بالسنة صاع أو جزؤه، لمن لم يجده، صغيرا كان أو كبيرا، حرا أو عبدا، ولكن يخرجه عنه سيده، ذكرا أو أنثى، لأن حكمتها التطهير، وعدم وجوده في الصبي لا يضر، لأنها زكاة بدن لا مال، وتجب على الحضري والبدوي والغني والفقير.
وقصر الليث (١) والزهري (٢) وجوبها على أهل الحضر والقرى، وأسقطها عن أهل العمود والخصوص. انتهى من إكمال الإكمال (٣). مع تقديم وتأخير.
وفي الحديث: «اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا» (٤).
القرطبي في إكمال الإكمال أي في المكيل بهما.
قلت: الأظهر في البركة في المكيل، وقت الاقتيات بهما في الحال، فلا يتناول غير الطعام، ولا الطعام المقتنى، وكذلك يتناول الأدام المأكول في الحال الموزون، لأن الحديث خرج مخرج الغالب في المعيار (٥).
السنة النبوية ما رسم ليحتذوا به، هذا أصل موضع هذا اللفظ، ولذلك يقال: سنة النبي ﷺ بمعنى أنه ما رسمه بقول، أو فعل لتقتدي به فيه أمته، ويحتذا في ما رسمه. وقوله: يجب خلافا لمن قال: لا يجب.
وقوله: بالسنة خلافا لمن قال: إنما يجب بالقرآن.
وقوله: صاع خلافا لمن قال: يجب نصف صاع من القمح، وصاع من غيره، وإذا قلنا بالقرآن هل له آية؟ أم لا، قيل: يدخل في قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا
стр. 448
﴿الزكوة [البقرة: ١١٠]﴾ قيل: له آية قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى: ١٤] انتهى.
الشرع هو الأحكام لنا أو علينا أي يجب بالسنة إخراج صاع، أو جزؤه وإن لم يكن عنده صاع كامل على نفسه، ذكرا كان أو أنثى، حرا أو عبدا، صغيرا أو كبيرا، غنيا أو فقيرا، أخرج الصغير الطارئ بعد ذلك بطلوع الفجر من شوال، وغفل ابن غازي هنا ﵀.
الجواد قد يكبو، والصارم قد ينبو، وأن النار قد تخبو، وأن الإنسان محل النسيان، وأن الحسنات يذهبن السيئات (١).
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
قوله: (فضل عن قوته وقوت عياله) أي إنما يجب عليه ذلك، إذا كان يفضل عن قوت نفسه إن لم يكن له عيال، أو قوت عياله إن كان له عيال، والمراد بالقوت قوت يومه لا ما بعده، وإن خاف جوعا بعده، (وإن) كان وجود ذلك (بتسلف)، يعني إذا رجى قضاءه، وإلا فلا يجب عليه، لأن قاعدة الشيخ في إن وقد يشير به إلى خلاف مذهبي، وقد يشير به إلى خلاف خارج المذهب، وقد لا يشير به بل بالتأكيد.
قوله: (وهل بأول ليلة العيد أو بفجره؟ خلاف) أي وهل وجوب إخراج الصاع، أو جزئه بأول ليلة العيد، لأن المراد بالفطر فطر الغروب وهو المشهور عند ابن الحاجب، أو إنما يجب بفجره وهو المشهور عند الأبهري فيه خلاف.
وفي إكمال الإكمال والخلاف في ذلك مبني على الخلاف في قوله: «الفطر من رمضان» (٢)، هل المراد الفطر المعتاد في سائر الشهر، فتجب بغروب الشمس؟ أو المراد الفطر الطارئ بعد ذلك بطلوع الفجر من شوال، فيكون الوجوب من حينئذ؟. انتهى (٣).
стр. 449
وتظهر فائدة الخلاف في وجوبها، وسقوطها في حق المولود، والميت، والناكح والمطلق، والمشتري رقيقا، والمعتق، ومن أسلم.
قوله: (من أغلب القوت) متعلق بقوله: صاع أي يجب بالسنة صاع، من أغلب قوت البلد، فيبينه ما يأتي إن شاء الله، غفل الشارح هنا نحلله وكم أجاد وأصلح.
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
قوله: (من معشر) من هنا للبيان أي من أغلب قوت البلد، من معشر، المراد بالمعشر، ما تجب فيه الزكاة من الحبوب، معشر كان أو نصف عشر، (أو أقط). الأقط: لبن حامض أخرج زبده ثم يجفف، وفيه ثلاث لغات، أقط بفتح الهمزة، وسكون القاف، وكسر الهمزة، وسكون القاف، وفتح الهمزة، وكسر القاف.
قوله: (غير علس) أي معشر غير علس، العلس فيه حبتان في قشر واحد.
قوله: ﴿إلا أن يقتات غيره﴾، وعن كل مسلم يمونه بقرابة أو زوجية، وإن لأب. وخادمها أو رق ولو مكاتبا وآبقا رجي، ومبيعا بمواضعة أوخيار ومخدما، إلا لحرية فعلى مخدمه أي صاع من معشر إلا أن يقتات غيره، فيخرجه منه كاللبن واللحم وورق الشجر وعروقه، لأن المراد تسوية الفقراء مع الأغنياء في ذلك اليوم.
قال ابن ناجي في شرحه الصغير: وإذا فرعنا على المشهور فكان شيخنا أبو محمد الشبيبي يفتي بأنه يخرج من اللحم واللبن وشبههما مقدار عيش الصاع، وكان شيخنا حفظه الله لا يرتضيه، إذا نقلته له ويقول: الصواب أن يكال كالقمح، وهو بعيد لأن اللحم وشبهه لا يعرف فيه الكيل. انتهى (١).
قال: قال بعض شيوخنا والمعتبر بالغالب ما يأكلونه في شهر رمضان لا ما قبله.
وكان شيخنا - حفظه الله تعالى - يعجبه ذلك، لأن زكاة الفطر طهرة للصائم، فيعتبر ما يؤكل فيه، لأنه سبب ولأنه بفراغه تجب - والله أعلم - وعارضني بعض أصحابنا بأن ما ذكرته ينتقض بما ذكروه في فصل الخليطين من أنه لا يعتبر إجماعهما، أو افتراقهما عند قرب الحول، وإنما المعتبر ما قبله، وأو جبته بأن ذلك معلل باتهامهما، واتهامهما أقرب من اتهام أهل البلد، وبأن رمضان هو السبب بذاته في زكاة الفطر لا جميع العام، وفي مسألة الخليطين السبب هو جميع العام لا الشهر.
стр. 450
الذي وقعت فيه الخلطة خاصة. انتهى منه (١).
قوله: وعن كل مسلم يمونه معطوف على قوله: عنه أي يجب إخراج صاع عن نفسه، وعن كل مسلم ينفق عليه وجوبا بالقرابة كالآباء والأولاد أو كان يمونه بسبب زوجية، وإن كانت الزوجة لأب وخادمها أي زوجته هو أو زوجة أبيه التي عليه مؤونتها أي وتجب عليه نفقة بسبب ملك إلا أن يكون العبد كافرا، ولو كان ذلك المملوك مكاتبا، لوجوب نفقته عليه، وإنما هي مندرجة في الكتابة على المشهور، لأنه عبد ما بقي عليه درهم.
وكذلك يجب عليه الإخراج عن عبد آبق رجي رده استصحابا للسلامة، وكذلك يجب عليه الإخراج عن أمة مواضعة لأن الضمان منه، وكذلك على عبد أو أمة مبيع بالخيار بناء على أنهما ملك البائع، وكذلك يجب عليه الإخراج عن عبد مخدم لأنه يرجع إليه، إلا أن يكون بعد تمام الخدمة حرا، فزكاته حينئذ على المخدم لأجل ملك لا على المالك.
قوله: (والمشترك والمبعض بقدر الملك، ولا شيء على العبد) أي وزكاة الفطر عن الرقيق المشترك بين اثنين أو أكثر بقدر ملك كل فيه، وكذلك بقدر الملك في عبد بعضه حر وبعضه عبد، ولا شيء على العبد في حصة الحرية فيه.
قوله: (والمشترى فاسدا على مشتريه) أي والعبد المشترى شراء فاسدا، فدخل موجب الزكاة قبل رده فإن زكاته على مشتريه لأن ضمانه منه إن قبضه، وإن لم يقبضه فعلى بائعه لأن ضمانه منه، وكذلك يجب عليه الإخراج عن عبده المجنون، أو الموقوف للقتل أو غائبا لم ييأس منه.
قوله: (وندب إخراجها بعد الفجر قبل الصلاة) هذا شروع منه في مندوبات زكاة الفطر أي ويستحب إخراج زكاة الفطر بعد طلوع الفجر من يوم العيد قبل صلاة العيد، ولذلك استحب بعضهم تأخير الصلاة في عيد الأضحى، لتوسع وقت المندوب لزكاة الفطر، واستحب تعجيل الصلاة في عيد الأضحى، ليعجل الناس لأضاحيهم.
قوله: (ومن قوته الأحسن وغربلة القمح) أي وندب للمزكي أن يخرجها من قوته، الأحسن من قوت أهل البلد. وكذلك يندب له إذا كان له قوتان أن يخرجها
стр. 451
من أحسنهما.
ومما يندب غربلة القمح المخرج، القمح ليس بشرط، وكذلك إن أخرجها في غير القمح، لعله ذكره لأنه الغالب عندهم.
قوله: (إلا الغلث) أي إلا أن يكون المخرج منه مغلوثا بتبن ونحوه، فإنه يجب غربلته حينئذ.
قوله: (ودفعها لزوال فقر، ورق يومه، وللإمام العدل) أي وندب لمن زال فقره بعد طلوع الفجر، أو زال عنه الرق، دفع زكاة الفطر عن نفسه لمستحقها، ولا يجب عليه ذلك، وندب أن تدفع زكاة الفطر إلى الإمام العدل في صرفها ليفرقها، وأما غير العدل فلا.
قوله: (وعدم زيادة وإخراج المسافر) أي ومما يندب عدم زيادة في زكاة الفطر عن الصاع النبوي.
وروى أشهب: قيل لمالك أيؤدي الرجل الفطر بالمد الأكبر. قال: لا بل بمد النبي ﷺ (١)، ثم إن أراد أن يفعل خيرا فليفعله على حدته، وهذ التفسير أولى مما قال الشارح.
وكذلك يندب للمسافر أن يخرج عن نفسه زكاة الفطر حيث هو.
قوله: (وجاز إخراج أهله عنه، ودفع صاع لمساكين واصع لواحد)، لما فرغ من المندوبات شرع يذكر الجائزات أي وجاز إخراج أهل المسافر عنه إذا أوصاهم بذلك، أو كان ذلك عادتهم، وإلا فالأظهر عدم الأجزاء لفقد النية.
ومما يجوز دفع صاع لمساكين، ودفع أصع عدة لمسكين واحد. ينظر المفرق بالعلم والتقوى، لا بالجهل والهوى.
قوله: (ومن قوته الأدون إلا لشح) أي ويجوز إخراجها من قوته الأدون من قوت البلد، لأجل فقره، أو كان ذلك قوته عادة، إلا أن يقتات الأدون لأجل بخل عن نفسه، فإنه يجب عليه الإخراج من أغلب قوت البلد.
ابن حبيب: مد النبي ﷺ حفنة باليدين جميعا، من رجل وسط، والصاع أربع حفنات، كذلك بكف الرجل الذي ليس بعظيم الكفين (٢).
стр. 452
قوله: (وإخراجه قبله بكاليومين، وهل مطلقا أو لمفرق تأويلان) أي وجاز له إخراج زكاة الفطر قبل يوم الفطر بيومين أو ثلاث، وهل الجواز مطلقا سواء فرقها هو بنفسه أو دفعها لمفرق، أو إنما يجوز إذا أخرجها ودفعها لمفرق، وإلا فلا فيه تأويلان وخلاف، فإن قلت: فهذا واجب تقدم على سببه، فإن سبب وجوب زكاة الفطر، غروب الشمس من آخر أيام رمضان، أو طلوع الفجر على الخلاف في ذلك، فالإخراج قبل ذلك إخراج قبل السبب، وهو كالإخراج قبل ملك النصاب والإخراج قبل ملكه النصاب لا يجزئ، فيلزم ألا تجزئ الزكاة المخرجة هاهنا.
قلت: سؤال حسن، غير أن زكاة الفطر لها تعلق بصوم رمضان، فهي جابرة لما عساه اختل عنه بالرفث وغيره من أسباب النقص، ولذلك ورد في الحديث: أنها طهرة للصائم، وقد تقدم الصوم، فيكون إخراجها بعد أحد سببيها الذي هو: الخلل الواقع في الصوم، والحكم إذا توسط بين سببيه، أو سببه وشرطه، جرى فيه الخلاف بين العلماء، بخلاف تقدمه عليهما، وفي الإخراج قبل سبب ملك النصاب تقدم عليهما فلا جرم لم يجزئ وهاهنا توسط وهو سبب الإجزاء. انتهى من أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي ﵀ (١).
قوله: (ولا تسقط بمضي زمنها) أي ولا تسقط زكاة الفطر على قادر عليها بمضي زمنها، لترتبها في ذمته للمساكين، فلا تبطل بزوال وقتها، وإن بسنين، وغير القادر عليها لا قضاء عليه. وزكاة الفطر لا تسقط بمضي زمانها، بخلاف الضحية، لأن الزكاة واجبة، وتعلق بها حق المساكين، والضحية سنة، ولم يتعلق بها حق المساكين. انتهى.
قوله: (وإنما تدفع لحر مسلم فقير) هذا بيان مصرف زكاة الفطر أي ولا تدفع إلا لحر، لا لعبد قنا أو فيه بقية رق، ولا تدفع لكافر لأنها قربة، والكافر ليس من أهل القربة، وإن كان جاسوسا أو مؤلفا، ولا تدفع لغني وإن مجاهدا أو مفرقا، ولا تعمل في عتق الرقاب، ولا تدفع لمدين لقضاء دينه.
стр. 453
باب [في أحكام الصيام]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الصيام. الصوم في اللغة: الإمساك، ومنه قوله سبحانه: ﴿إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ [مريم: ٢٦].
وفي الشرع: إمساك عن الطعام والشراب والجماع ونحوه، مقترنة به قرائن من مراعاة أو قات وغير ذلك، تقربا لله تعالى.
فائدة: شرع الصوم الله تعالى لخمسة أشياء لمخالفة الهوى، لأن الهوى يميل إلى شهوة البطن والفرج، ولكسر النفس، والإتصاف بالملائكة، وتصفية مرآة القلب، وتنبيه العبد على مواساة الجائع، الصيام يجب بأربعة شروط، البلوغ، والعقل، والإقامة، والقدرة عليه من غير حرج ولا ضرر يدرك الصائم.
فائدة: الشهور كلها مذكرة إلا شهران: جمادى الأولى، وجماد الآخرة، ولا يقال شهر كذا، إلا في شهر الربيع الأول والثاني، فإنه لا بد أن يقال فيهما شهر الربيع ورمضان يجوز فيه الوجهان، يقال شهر رمضان ويقال رمضان.
قوله: (يثبت رمضان) رمضان مأخوذ من الرمضاء، وهي الحجارة الحارة، لأنه فرض في زمان الحر في السنة الثانية من الهجرة، وقبله فرضت زكاة الفطر، وحولت القبلة، وكانت غزوة بدر، وبنى بعائشة، وتزوج علي بفاطمة، ذكر ذلك الخوارزي (١) وغيره. انتهى من البرزلي (٢).
وقيل: سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها. و (يثبت) هلال (رمضان بكمال شعبان) ثلاثين يوما، (أو برؤية عدلين، ولو بصحو بمصر، فإن لم ير بعد ثلاثين صحوا) مفهوم العدد لا يثبت بواحد، ومفهوم الصفة لا يثبت بمجهولين، وأحرى المسخوطين، أي إنما يثبت بعدلين، ولو كانت السماء مصحية لا غيم عليها، وأحرى إذا كانت السماء مغيمة، وهما في مصر من الأمصار، وأحرى إذا كان في
стр. 454
قرية، وأشار بلو إلى رواية ابن وضاح عن سحنون المنع، وقال: وأي ريبة أكبر من هذا (١).
وعلى المشهور يصوم الناس. وينظر هلال شوال فإن لم ير الهلال بعد ثلاثين يوما، كذب ذلك العدلان إن كانت السماء مصحية.
وقوله: (كذبا) أي لم يعمل بها، ولم يصم الناس إن شهدا على هلال شعبان، وإن شهدا على هلال رمضان.
قال مالك: هؤلاء شهود سوء، يريد أنه قد تبين كذبهم، لأن الهلال لا يخفى مع كمال العدة، إذ لا يزيد على الثلاثين، لأنها إحدى وثلاثين، وإنما يخفى الهلال ويدركه بعض الناس مع نقص الأول. وصحوا منصوب بإسقاط الخافض أو الحال.
قوله: (أو مستفيضة) أي ومما يثبت به الشهر إخبار مستفيضة أي منتشرة. الاستفاضة خبر قوم بلغوا في الكثرة إلى حيث يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، وإن كان فيهم نساء وعبيد وصبيان، وكفار.
المازري: يثبت الهلال برؤية المستفيضة، وكذلك بالبينة في المصر الصغير مطلقا، وفي الكبير في الغيم. واختلف في قبولهما فيه في الصحو، وسبب الخلاف هل في ذلك تهمة؟ أم لا.
قلت: فسر ابن عبد السلام الاستفاضة بأنها: خبر جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، وهذا الذي فسرها به إنما هو في الحقيقة التواتر. وفسر الأصوليون الاستفاضة بأنها ما زاد نقلته على ثلاث. وهي بهذا التفسير أعم مما فسرها به. انتهى من إكمال الإكمال للأبي تحلله (٢).
قوله: (وعم إن نقل بهما عنهما) أي فإن ثبت الهلال برؤية عدلين، أو بالاستفاضة، فإن الثبوت والخطاب يعم، إن نقل الثبوت بالعدلين، أو بالاستفاضة عن العدلين، أو الاستفاضة الوجوه أربعة ثبت بعدلين، ونقل الثبوت بهما عدلان، أو ثبت بالاستفاضة، وثبت الثبوت بالاستفاضة، أو ثبت بعدلين وثبت الثبوت بالاستفاضة، أو ثبت بالاستفاضة، وثبت الثبوت بالعدلين.
قوله: (لا بمنفرد إلا كأهله ومن لا اعتناء لهم بأمره) أي لا يثبت الهلال بشهادة
стр. 455
منفرد، على المنصوص في المذهب، إلا أنه بعيد من لفظه.
ومن المدونة: قال مالك في الذين قالوا: يصام بشهادة رجل واحد: أرأيت إن أغمي عليهم هلال شوال، كيف يصنعون؟ أيفطرون أم يصومون واحدا وثلاثين، فإن أفطروا خافوا أن يكون ذلك اليوم من رمضان (١)، وذلك أن مخالفنا يقول: يصام بشهادة رجل واحد، ولا يفطر إلا بشهادة رجلين، فإذا صاموا بشهادة واحد، وأغمي بآخر الشهر، فإن أكملوا بشهادته وأفطروا بشهادة واحد ونقضوا قولهم، وإن صاموا فقد صاموا إحدى وثلاثين، فقد خالفوا الأمة وكذبوا شاهدهم، ولا ينظر في هذا إلى قول منجم، ولأن صاحب الشرع قصر ذلك على الرؤية والشهادة، وإكمال العدة، فلم يجز إثبات زيادته عليه. انتهى.
ولا ينقله عن شهادة أو استفاضة، وهذا هو الظاهر من لفظه إلا أنه جاز على غير المشهور، ولا يعم به الخطاب، إلا من كان في عياله، كزوجته وأمته، وابنته، وأجيره، أو من كان ممن لا اعتناء لهم بأمر الهلال، إما بأن لا يكون لهم قاض أو فيهم، إلا أن يضيع أمر الهلال، لأنه من كان كذلك، إذا تعذر ثبوته عند الحاكم عاد إلى أصله في ثبوته بالخبر.
ومن المدونة: قال مالك: ومن رأى هلال رمضان وحده فليعلم الإمام، لعل غيره رآه معه فتجوز شهادتهما، فإن لم يره غيره رد الإمام شهادته ولزمه الصوم في خاصة نفسه، فإن أفطر لزمه القضاء والكفارة (٢). قال أشهب: إلا أن يفطر متأولا.
وإنما أوجب عليه مالك القضاء والكفارة، لأنه لما لزمه الصوم فإخباره غيره عن رؤيته وهي مظنونة فرؤية نفسه أولى.
أبو حنيفة: لا تلزمه كفارة إذا لم يحكم الإمام بصومه، ودليلنا أنه هتك حرمة يوم، وهو عنده من رمضان يقينا، ولأنه لما لزمته الكفارة مع حكم الحاكم بوجوبه، كان برؤية نفسه أولى. انتهى.
قوله: (وعلى عدل أو مرجو رفع رؤيته) أي ويجب على رجل عدل، أو من كان مرجو القبول عند الحاكم رفع رؤية الهلال إلى الحاكم، ولو علم جرحة من نفسه، وهو في النوادر عن أشهب.
стр. 456
قوله: (والمختار، وغيرهما، وإن أفطروا فالقضاء والكفارة، إلا بتأويل فتأويلان) أي هذا يوهم أن اللخمي اختار وجوب رفع غير العدل والمرجو، وليس كذلك، إنما اختار اللخمي استحبابه.
قال ابن عرفة ونقل ابن بشير بدل استحبابه وجوبه لا أعرفه (١) أي اختار اللخمي قول أشهب استحباب الرفع لهما إذ ربما أفاد المجموع الانتشار، والمشهور: ليس ذلك عليهما، إذ فيه حط لقدرهما، وعلى كل من هؤلاء أن يصوم لرؤيته، وإن لم يثبت لرؤيته، فإن أفطر فعليه القضاء للزوم رؤيته، والكفارة لانتهاك الحرمة، إلا أن يكون فطره بسبب تأويل، فيكون في وجوب الكفارة عليه وعدم وجوبها تأويلان سببهما هل تأويله قريب فلا كفارة عليه، أو بعيد فتكون الكفارة عليه، وجزم الشيخ فيما يأتي أن تأويله بعيد في قوله: كراء لم يقبل، ولم يجزم هنا.
قوله: (لا بمنجم) أي لا يثبت الهلال بإخبار منجم على حساب، لقوله ﷺ : «من صدق كاهنا أو عرافا، أو منجما، فقد كفر بما أنزل على قلب محمد ﷺ » (٢)، الكاهن هو الذي يخبر بما يأتي في المستقبل، والعراف هو الذي يخبر بما وقع كاستخراج المخبات، وتعيين من سرق، ومن الكهان من يزعم أن الجن تخبره بذلك، ومنهم من يدعي معرفة ذلك بفهم أعطيه.
وفي إكمال الإكمال: وفي الحديث: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما» (٣).
قال الخطابي وغيره: العراف هو الذي يتعاطى معرفة مكان الشيء المسروق، ومكان الضالة ونحوها (٤).
قال بعضهم: هو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها، وقد يعتضد بعض من يتعاطى ذلك بالزجر والطرق والنجوم، وأسباب معتادة، وهذا
стр. 457
الفن هو العيافة بالياء وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة (١).
وقوله: «لم تقبل صلاته» قال بعضهم: مذهب أهل السنة أن السيئات لا تحبط الحسنات وإنما يحبطها الكفر، فعدم القبول عدم الرضا وتضعيف الأجر لا قبول الأداء وسقوط التكليف. قلت: القبول عبارة عن حصول الثواب على الفعل، والصحة عبارة عن سقوط الأداء. فالقبول أخص من الصحة ولا يلزم من نفى القبول نفي الصحة إذ لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فلذا لم تقبل الصلاة أي لم يثبت ثوابها ويسقط التكليف بها.
قال عياض: وأما تخصيص عدم القبول بالأربعين فمن أسرار الشريعة التي اختص الله سبحانه بعلم حكمتها، وقد جاء مثل هذا العدد في شارب الخمر، وجاء أيضا عدد الأربعين في تنقل أطوار الخلق في الرحم من النطفة والعلقة والمضغة، وجاءت أيضا حدا في قص الأظفار والشارب وحلق العانة، وجاء أيضا فيمن أخلص الله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة في قلبه ولسانه (٢)، فيحمل شارب الخمر على تبديل اللحم الذي نشأ عن شربه، وذكر أهل التجربة أن السمن في الحيوان يظهر في أربعين يوما، وكذلك من أخلص الله أربعين يوما، فإنها التي تتغير فيها طباعه وانتقال صفاته، وكذلك يتغير فيها نبات الأظفار والشعر. انتهى منه (٣).
قوله: (ولا يفطر منفرد بشوال ولو أمن الظهور، إلا بمبيح) أي ولا يجوز لمن انفرد أي لمن انفرد برؤية شوال أن يفطر بأكل أو شرب ولو أمن على نفسه أن يظهر عليه الفطر، ولكن عليه أن يفطر بالنية.
وقيل له أن يفطر بأكل أو شرب إذا أمن على نفسه بالظهور إلا أن يكون متلبسا بما يبيح الفطر كسفر، أو مرض، أو مانع من الصوم كالحيض، وأما من انفرد برؤية ذي الحجة، فإنه يقف بعرفة برؤيته ثم يقف مع الناس. انتهى.
فرع فإن ظهر على من يأكل وقال: رأيت الهلال. قال أشهب: يعاقب إن كان غير مأمون إلا أن يكون ذكر ذلك قبل وأذاعه، وإن كان مأمونا لم يعاقب، وقدم إليه
стр. 458
ألا يعود، فإن فعل عوقب إلا أن يكون من أهل الدين (١).
قوله: (وفي تلفيق شاهد أوله لآخر آخره، ولزومه بحكم المخالف بشاهد تردد) أي واختلف إذا شهد واحد في أول رمضان، وشهد آخر باستهلال شوال بعد ثلاثين من رواية الأول، هل يلفق بين شهادتيهما؟ فيفطر الناس، أو لا يلفق بينهما فلا يفطر الناس. قاله يحيى بن عمر (٢).
واختلف أيضا في لزوم الصوم بحكم مخالف في الفروع، لأن حكمه وافق اجتهادا كالشافعي والمالكي، أو لا يلزمه لأن الصوم عبادة والعبادة لا حكم فيه وهما فرعان في كل فرع منهما تردد.
قال ابن فرحون في تبصرته: وإثبات أسباب الأحكام الشرعية، نحو الزوال ورؤية الهلال في رمضان وشوال وذي الحجة، مما يترتب عليه الصوم ووجوب الفطر أو فعل النسك ونحو ذلك، فجميع إثبات ذلك ليس بحكم، بل هو كإثبات الصفة. وللمالكي أن يصوم في رمضان إذا أثبته الشافعي بواحد لأنه ليس بحكم، إنما هو إثبات سبب، فمن لم يكن ذلك عنده سببا فلا يلزمه أن يرتب عليه حكما. انتهى (٣).
قوله: (ورؤيته نهارا للقابلة) أي ورؤية الهلال نهارا سواء كان قبل الزوال أو بعده لليلة القابلة، خلافا لمن فرق إذا ريء قبل الزوال فهو لليلة المدبرة.
تمهيد: سبب عدم رؤية تحصيله في شعاع الشمس فربما تخلص منه من العصر، وهو الهلال الصغير، وربما تخلص من الظهر أو قبله، وهو الهلال الكبير.
قوله: (وإن ثبت نهارا أمسك) أي وإن ثبت رمضان نهارا أمسك عن الأكل ونحوه وجوبا، وإن كان قد أكل أو شرب. المراد بالنهار في هذا الباب ما بعد الفجر إلى الغروب.
قوله: (وإلا كفر إن انتهك) أي وإن لم يمسك نفسه عما يناقض الصوم كفر إن
стр. 459
انتهك حرمة الشهر. ومفهومه: إن لم ينتهك فلا كفارة عليه، والمفهوم صحيح.
قوله: (وإن غيمت ولم ير فصبيحته يوم الشك، وصيم عادة وتطوعا، وقضاء، وكفارة، ولنذر صادف لا احتياطا) أي وإن غيمت السماء بغيم أو غيره عشية التاسع والعشرين من شعبان ولم ير الهلال فصبيحة تلك الليلة يوم الشك، ويصومه من كان عادته أن يصومه، أو من كان متطوعا بصومه، أو صامه قضاء لرمضان، أو لنذر وافقه كما إذا نذر صوم يوم قدوم فلان، أو نذر صوم كل خميس، لا إن نذر صوم يوم الشك، إذ لا يجوز نذر المعصية، ولا يصام يوم الشك احتياطا، فإن فعل فثبت أمسك وقضاه لعدم الجزم بالنية.
قوله: ولا يصام احتياطا، ظاهره الوجوب، وهو ظاهر الرسالة وظاهر المدونة الكراهة.
قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: الفرق بين قاعدة أن الفعل متى دار بين الوجوب والندب فعل، ومتى دار بين الندب والتحريم ترك، تقديما للراجح على المرجوح، وبين قاعدة يوم الشك، هل هو من رمضان أم لا؟ فإنه يحرم صومه، مع أنه إن كان من شعبان فهو مندوب، وإن كان من رمضان فهو واجب، فكان ينبغي أن يتعين صومه، وبهذه القاعدة تمسك الحنابلة في صومه على وجه الاحتياط، وكان ابن عمر يصومه احتياطا لهذه القاعدة، ثم إنا ناقضنا قاعدتنا، فقلنا: من شك في الفجر لا يأكل ويصوم، مع أنه شاك في طريان الصوم، كما شك أول الشهر في طريان الصوم فيهما سواء، فإن قلنا بالصوم في الثاني دون الأول، فهو إشكال آخر، ويحتاج إلى الفروق القادحة المعتبرة في الموضعين، أما الأول فالجواب عنه وهو الفرق المقصود هاهنا، أن صوم يوم الشك عندنا دائر بين التحريم والندب، فيتعين الترك إجماعا على هذا التقدير، وإنما قلنا إنه دائر بين التحريم والندب؛ لأن النية الجازمة شرط، وهي هاهنا متعذرة، وكل قربة بدون شرطها حرام، فصوم هذا اليوم حرام، فإن كان من رمضان فهو حرام؛ لعدم شرطه، وإن كان من شعبان فهو مندوب، فقد تبين أنه دائر بين التحريم والندب، لا بين الوجوب والندب، وهذا هو الفرق. انتهى (١).
قوله: (وندب إمساكه ليتحقق، لا لتزكية شاهدين أو زوال عذر مباح له الفطر مع العلم
стр. 460
برمضان) أي وندب للمكلف بالصوم إمساكه عن المفطرات يوم الشك إلى أن يتحقق أمر الهلال ويبيت نية الإمساك، ولا يندب له الإمساك إلى تزكية الشاهدين، لأن ذلك يطول ولأن المنقول ليس عليه الإمساك.
وكذلك لا يندب الإمساك لمن كان مفطرا لأجل عذر، وزال عنه ذلك العذر المبيح للفطر، كمسافر قدم أو مريض أفاق، أو حائض طهرت في بقية اليوم، وهذا إذا علم أن اليوم من رمضان، وأما إن لم يعلم أنه من رمضان، فإنه يمسك عن المفطرات، كما إذا ثبت هلال رمضان نهارا فإنه يمسك كغيره.
قوله: (كمضطر)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يندب الإمساك لمضطر للفطر بقية يومه، بل له أن يأكل ويشرب ويجامع.
قوله: (فلقادم وطء زوجة طهرت) أي فسبب ما ذكرناه لقادم من السفر المبيح للفطر، وهو مفطر وطئ زوجة أو أمة طاهرة من الحيض، أو كانت صغيرة، أو كتابية.
وقيل: ليس له أن يطأ الكتابية، لأن فطرها بكفر ليس بحيض.
قوله: (وكف لسان) أي وندب للصائم كف لسانه عن فضول الكلام المباح، وأما الحرام فواجب عليه أن يمسك عنه، قال بعض العارفين (١):
لا تجعلن رمضان شهر فكاهة … تلهيك فيه من الحديث فنونه
واعلم بأنك لا تنال قبوله … حتى تكون تصومه وتصونه
قوله: (وتعجيل فطر وتأخير سحور) أي وندب للصائم تعجيل الفطر ليتقوى على صلاة المغرب.
قال اللخمي: ولا يلزم الإمساك لبقاء ضياء الشمس بعد مغيب جميعها (٢).
ويندب له تأخير السحور، ليتقوى على الصوم، وفي الحديث: «فإن في السحور