قوله: (والمختار، وغيرهما، وإن أفطروا فالقضاء والكفارة، إلا بتأويل فتأويلان) أي هذا يوهم أن اللخمي اختار وجوب رفع غير العدل والمرجو، وليس كذلك، إنما اختار اللخمي استحبابه.
قال ابن عرفة ونقل ابن بشير بدل استحبابه وجوبه لا أعرفه (١) أي اختار اللخمي قول أشهب استحباب الرفع لهما إذ ربما أفاد المجموع الانتشار، والمشهور: ليس ذلك عليهما، إذ فيه حط لقدرهما، وعلى كل من هؤلاء أن يصوم لرؤيته، وإن لم يثبت لرؤيته، فإن أفطر فعليه القضاء للزوم رؤيته، والكفارة لانتهاك الحرمة، إلا أن يكون فطره بسبب تأويل، فيكون في وجوب الكفارة عليه وعدم وجوبها تأويلان سببهما هل تأويله قريب فلا كفارة عليه، أو بعيد فتكون الكفارة عليه، وجزم الشيخ فيما يأتي أن تأويله بعيد في قوله: كراء لم يقبل، ولم يجزم هنا.
قوله: (لا بمنجم) أي لا يثبت الهلال بإخبار منجم على حساب، لقوله ﷺ : «من صدق كاهنا أو عرافا، أو منجما، فقد كفر بما أنزل على قلب محمد ﷺ » (٢)، الكاهن هو الذي يخبر بما يأتي في المستقبل، والعراف هو الذي يخبر بما وقع كاستخراج المخبات، وتعيين من سرق، ومن الكهان من يزعم أن الجن تخبره بذلك، ومنهم من يدعي معرفة ذلك بفهم أعطيه.
وفي إكمال الإكمال: وفي الحديث: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما» (٣).
قال الخطابي وغيره: العراف هو الذي يتعاطى معرفة مكان الشيء المسروق، ومكان الضالة ونحوها (٤).
قال بعضهم: هو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها، وقد يعتضد بعض من يتعاطى ذلك بالزجر والطرق والنجوم، وأسباب معتادة، وهذا
стр. 457
الفن هو العيافة بالياء وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة (١).
وقوله: «لم تقبل صلاته» قال بعضهم: مذهب أهل السنة أن السيئات لا تحبط الحسنات وإنما يحبطها الكفر، فعدم القبول عدم الرضا وتضعيف الأجر لا قبول الأداء وسقوط التكليف. قلت: القبول عبارة عن حصول الثواب على الفعل، والصحة عبارة عن سقوط الأداء. فالقبول أخص من الصحة ولا يلزم من نفى القبول نفي الصحة إذ لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فلذا لم تقبل الصلاة أي لم يثبت ثوابها ويسقط التكليف بها.
قال عياض: وأما تخصيص عدم القبول بالأربعين فمن أسرار الشريعة التي اختص الله سبحانه بعلم حكمتها، وقد جاء مثل هذا العدد في شارب الخمر، وجاء أيضا عدد الأربعين في تنقل أطوار الخلق في الرحم من النطفة والعلقة والمضغة، وجاءت أيضا حدا في قص الأظفار والشارب وحلق العانة، وجاء أيضا فيمن أخلص الله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة في قلبه ولسانه (٢)، فيحمل شارب الخمر على تبديل اللحم الذي نشأ عن شربه، وذكر أهل التجربة أن السمن في الحيوان يظهر في أربعين يوما، وكذلك من أخلص الله أربعين يوما، فإنها التي تتغير فيها طباعه وانتقال صفاته، وكذلك يتغير فيها نبات الأظفار والشعر. انتهى منه (٣).
قوله: (ولا يفطر منفرد بشوال ولو أمن الظهور، إلا بمبيح) أي ولا يجوز لمن انفرد أي لمن انفرد برؤية شوال أن يفطر بأكل أو شرب ولو أمن على نفسه أن يظهر عليه الفطر، ولكن عليه أن يفطر بالنية.
وقيل له أن يفطر بأكل أو شرب إذا أمن على نفسه بالظهور إلا أن يكون متلبسا بما يبيح الفطر كسفر، أو مرض، أو مانع من الصوم كالحيض، وأما من انفرد برؤية ذي الحجة، فإنه يقف بعرفة برؤيته ثم يقف مع الناس. انتهى.
فرع فإن ظهر على من يأكل وقال: رأيت الهلال. قال أشهب: يعاقب إن كان غير مأمون إلا أن يكون ذكر ذلك قبل وأذاعه، وإن كان مأمونا لم يعاقب، وقدم إليه
стр. 458
ألا يعود، فإن فعل عوقب إلا أن يكون من أهل الدين (١).
قوله: (وفي تلفيق شاهد أوله لآخر آخره، ولزومه بحكم المخالف بشاهد تردد) أي واختلف إذا شهد واحد في أول رمضان، وشهد آخر باستهلال شوال بعد ثلاثين من رواية الأول، هل يلفق بين شهادتيهما؟ فيفطر الناس، أو لا يلفق بينهما فلا يفطر الناس. قاله يحيى بن عمر (٢).
واختلف أيضا في لزوم الصوم بحكم مخالف في الفروع، لأن حكمه وافق اجتهادا كالشافعي والمالكي، أو لا يلزمه لأن الصوم عبادة والعبادة لا حكم فيه وهما فرعان في كل فرع منهما تردد.
قال ابن فرحون في تبصرته: وإثبات أسباب الأحكام الشرعية، نحو الزوال ورؤية الهلال في رمضان وشوال وذي الحجة، مما يترتب عليه الصوم ووجوب الفطر أو فعل النسك ونحو ذلك، فجميع إثبات ذلك ليس بحكم، بل هو كإثبات الصفة. وللمالكي أن يصوم في رمضان إذا أثبته الشافعي بواحد لأنه ليس بحكم، إنما هو إثبات سبب، فمن لم يكن ذلك عنده سببا فلا يلزمه أن يرتب عليه حكما. انتهى (٣).
قوله: (ورؤيته نهارا للقابلة) أي ورؤية الهلال نهارا سواء كان قبل الزوال أو بعده لليلة القابلة، خلافا لمن فرق إذا ريء قبل الزوال فهو لليلة المدبرة.
تمهيد: سبب عدم رؤية تحصيله في شعاع الشمس فربما تخلص منه من العصر، وهو الهلال الصغير، وربما تخلص من الظهر أو قبله، وهو الهلال الكبير.
قوله: (وإن ثبت نهارا أمسك) أي وإن ثبت رمضان نهارا أمسك عن الأكل ونحوه وجوبا، وإن كان قد أكل أو شرب. المراد بالنهار في هذا الباب ما بعد الفجر إلى الغروب.
قوله: (وإلا كفر إن انتهك) أي وإن لم يمسك نفسه عما يناقض الصوم كفر إن
стр. 459
انتهك حرمة الشهر. ومفهومه: إن لم ينتهك فلا كفارة عليه، والمفهوم صحيح.
قوله: (وإن غيمت ولم ير فصبيحته يوم الشك، وصيم عادة وتطوعا، وقضاء، وكفارة، ولنذر صادف لا احتياطا) أي وإن غيمت السماء بغيم أو غيره عشية التاسع والعشرين من شعبان ولم ير الهلال فصبيحة تلك الليلة يوم الشك، ويصومه من كان عادته أن يصومه، أو من كان متطوعا بصومه، أو صامه قضاء لرمضان، أو لنذر وافقه كما إذا نذر صوم يوم قدوم فلان، أو نذر صوم كل خميس، لا إن نذر صوم يوم الشك، إذ لا يجوز نذر المعصية، ولا يصام يوم الشك احتياطا، فإن فعل فثبت أمسك وقضاه لعدم الجزم بالنية.
قوله: ولا يصام احتياطا، ظاهره الوجوب، وهو ظاهر الرسالة وظاهر المدونة الكراهة.
قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: الفرق بين قاعدة أن الفعل متى دار بين الوجوب والندب فعل، ومتى دار بين الندب والتحريم ترك، تقديما للراجح على المرجوح، وبين قاعدة يوم الشك، هل هو من رمضان أم لا؟ فإنه يحرم صومه، مع أنه إن كان من شعبان فهو مندوب، وإن كان من رمضان فهو واجب، فكان ينبغي أن يتعين صومه، وبهذه القاعدة تمسك الحنابلة في صومه على وجه الاحتياط، وكان ابن عمر يصومه احتياطا لهذه القاعدة، ثم إنا ناقضنا قاعدتنا، فقلنا: من شك في الفجر لا يأكل ويصوم، مع أنه شاك في طريان الصوم، كما شك أول الشهر في طريان الصوم فيهما سواء، فإن قلنا بالصوم في الثاني دون الأول، فهو إشكال آخر، ويحتاج إلى الفروق القادحة المعتبرة في الموضعين، أما الأول فالجواب عنه وهو الفرق المقصود هاهنا، أن صوم يوم الشك عندنا دائر بين التحريم والندب، فيتعين الترك إجماعا على هذا التقدير، وإنما قلنا إنه دائر بين التحريم والندب؛ لأن النية الجازمة شرط، وهي هاهنا متعذرة، وكل قربة بدون شرطها حرام، فصوم هذا اليوم حرام، فإن كان من رمضان فهو حرام؛ لعدم شرطه، وإن كان من شعبان فهو مندوب، فقد تبين أنه دائر بين التحريم والندب، لا بين الوجوب والندب، وهذا هو الفرق. انتهى (١).
قوله: (وندب إمساكه ليتحقق، لا لتزكية شاهدين أو زوال عذر مباح له الفطر مع العلم
стр. 460
برمضان) أي وندب للمكلف بالصوم إمساكه عن المفطرات يوم الشك إلى أن يتحقق أمر الهلال ويبيت نية الإمساك، ولا يندب له الإمساك إلى تزكية الشاهدين، لأن ذلك يطول ولأن المنقول ليس عليه الإمساك.
وكذلك لا يندب الإمساك لمن كان مفطرا لأجل عذر، وزال عنه ذلك العذر المبيح للفطر، كمسافر قدم أو مريض أفاق، أو حائض طهرت في بقية اليوم، وهذا إذا علم أن اليوم من رمضان، وأما إن لم يعلم أنه من رمضان، فإنه يمسك عن المفطرات، كما إذا ثبت هلال رمضان نهارا فإنه يمسك كغيره.
قوله: (كمضطر)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يندب الإمساك لمضطر للفطر بقية يومه، بل له أن يأكل ويشرب ويجامع.
قوله: (فلقادم وطء زوجة طهرت) أي فسبب ما ذكرناه لقادم من السفر المبيح للفطر، وهو مفطر وطئ زوجة أو أمة طاهرة من الحيض، أو كانت صغيرة، أو كتابية.
وقيل: ليس له أن يطأ الكتابية، لأن فطرها بكفر ليس بحيض.
قوله: (وكف لسان) أي وندب للصائم كف لسانه عن فضول الكلام المباح، وأما الحرام فواجب عليه أن يمسك عنه، قال بعض العارفين (١):
لا تجعلن رمضان شهر فكاهة … تلهيك فيه من الحديث فنونه
واعلم بأنك لا تنال قبوله … حتى تكون تصومه وتصونه
قوله: (وتعجيل فطر وتأخير سحور) أي وندب للصائم تعجيل الفطر ليتقوى على صلاة المغرب.
قال اللخمي: ولا يلزم الإمساك لبقاء ضياء الشمس بعد مغيب جميعها (٢).
ويندب له تأخير السحور، ليتقوى على الصوم، وفي الحديث: «فإن في السحور
стр. 461
بركة" (١).
عياض: والبركة لغة الزيادة. وقد تكون من قبل أنه وقت ثان أبيح فيه الأكل زيادة على إباحته في وقت الفطر، وأنه من خصائص هذه الأمة، وقد تكون البركة من قبل ما يتفق للمتسحر من التسمية والحمد على الأكل والدعاء والاستغفار، وتجديد نية الصوم، ليخرج من الخلاف في هذا الوقت الذي لولا السحور لم يتفق شيء من ذلك. وقد تكون البركة في نفس التسحر، لأنه طاعة وزيادة في العمل لأنه من حيث إنه امتثال لما ندب إليه الشرع. انتهى من إكمال الإكمال (٢).
قوله: (وصوم بسفر، وإن علم دخوله بعد الفجر) أي وندب لمسافر أن يصوم في رمضان لما فيه من تبرئة الذمة إذا قوى على الصوم من غير مشقة، وإن كان يعلم دخوله بعد الفجر بقريب، وإنما قاله لئلا يتوهم أنه إذا علم ذلك يجب عليه الصوم، لكونه دخل وطنه أول النهار، فرفع ذلك الإيهام ﵀.
تمهيد: القرافي: الواجب على المسافر والمريض أحد الشهرين، شهر الأداء أو شهر القضاء، وهو مخير في خصوصيتهما، كما أوجبته إحدى الخصال في الكفارة، وخير في الخصوصيات، فكما يجزئ كل واحد من الخصال، وتوصف بالوجوب إذا فعلت وتبرأ الذمة بها فكذلك هاهنا (٣).
قوله: (وصوم عرفة إن لم يحج) أي وندب صوم يوم عرفة لمن لم يحج ذلك العام، وأما إن حج فيه فالفطر أولى.
قال سحنون: نذر ابن وهب أن لا يصوم يوم عرفة أبدا. وذلك أنه صامه مرة فاشتد عليه الحر والعطش في الموقف.
قال: فكان الناس ينتظرون الرحمة، وأنا أنتظر الإفطار (٤).
وصوم يوم عرفة يكفر خطايا سنة قبله وسنة بعده، لأنه يوم محمد ﷺ ، وصوم عاشوراء يكفر ذنوب سنة قبلها، لأنه يوم موسى ﵇.
стр. 462
قوله: (وعشر ذي الحجة وعاشوراء، وتاسوعاء، والمحرم، ورجب، وشعبان) أي وهو من باب تسمية البعض باسم الكل، لأن المراد بالعشرة التسعة الأولى من ذي الحجة، لأن العاشر يوم الأضحى، لا يجوز صومه أي وندب صوم أيام التسعة الأولى من ذي الحجة، وكذلك يندب صوم يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم، لأنه يكفر ذنوب سنة قبله، وكذلك يندب صوم يوم التاسع من المحرم، كان ابن عباس يوالي صوم اليومين خوفا أن يفوته يوم عاشوراء، وكان يصومه في السفر (١)، ومما يندب صوم شهر المحرم كله، ورجب وشعبان.
قال صاحب التاج والإكليل: لو قال والمحرم وشعبان لوافق المنصوص.
نقل ابن يونس: خص الله الأشهر الحرم وفضلها وهي: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة.
قال: وقد رغب في صيام شعبان وقيل: فيه ترفع الأعمال. ورغب في صيام يوم نصفه وقيام تلك الليلة.
قيل: ورغب أيضا في صيام يوم سبعة وعشرين من رجب، فيه بعث محمد، ويوم خمسة وعشرين من ذي القعدة فيه أنزلت الكعبة ومعها الرحمة. انتهى (٢).
قال اللخمي: والصحيح أنه لم يثبت على صيام شهر غير رمضان، وأكثر ما كان يصوم في شعبان. انتهى (٣).
وجعل المحرم أول شهور السنة من حيث كان الحج، والموسم غاية العام وثمرته، فبذلك يكمل ثم يستأنف عام آخر، ولذلك والله أعلم دون به عمر بن الخطاب الدواوين انتهى من ابن عطية (٤).
قوله: ﴿وإمساك بقية اليوم لمن أسلم وقضاؤه﴾ أي ويندب لمن أسلم بعد طلوع الفجر أن يمسك نفسه عن المفطرات، ويندب له قضاؤه.
стр. 463
قوله: (وتعجيل القضاء، وتتابعه:) أي وندب لمن عليه أيام من رمضان أن يعجل بقضائها، لما فيه من المبادرة إلى امتثال الطاعة، ويندب له أيضا متابعة القضاء، لأن المبادرة إلى امتثال الطاعات أولى من التراخي عنها، وقياسا على الصلاة يكون وقتها موسعا والإتيان بها أول الوقت أحسن، لأنه أبرأ للذمة من الفرض، وليخرج من الخلاف لقول من يقول: القضاء على الفور، ومن قول من يقول: أنه يقضى متتابعا، ولأن القضاء منفردا خلاف ما ندب الله إليه من المبادرة إلى القضاء. انتهى (١).
قوله: (ككل صوم لم يلزم تتابعه، وبدء بكصوم تمتع إن لم يضق الوقت، وفدية لهرم وعطش، وصوم ثلاثة من كل شهر، وكره كونها البيض) أي كما يندب تتابع كل صوم لم يلزم تتابعه، كصوم جزاء الصيد والمتعة وكفارة اليمين، لا كصوم الظهار، فإنه يجب تتابعه، لأن كل ما ذكر الله تعالى في كتابه من صوم الأشهر متتابع. وكذلك يندب البدء بكصوم تمتع أو هدى عن قضاء ما عليه من رمضان، لأن صوم التمتع على الفور، والقضاء على التراخي، وليتصل أفعال الحج، إنما يبدأ بصوم التمتع إن لم يضق الوقت عن قضاء رمضان، فأما إن ضاق الوقت عن القضاء من رمضان قدم اتفاقا.
انظر أيضا من ترتب عليه قضاء أيام من رمضان الفارط، وأيام أخر من رمضان قبله بأيهما يبدأ قال أشهب يبدأ بقضاء الأول قال: ويجزئه العكس. انتهى من التاج والإكليل (٢).
وكذلك يندب فدية لأجل هرم وعطش، ويفدي بمد النبي ﷺ عن كل يوم أفطره، ويقال: فدية وفداء، بفتح الفاء وبكسرها، ومما يندب صوم ثلاثة أيام من كل شهر بلا تعيين لها خلافا لمن قال: أول يوم، والحادي عشر، والحادي وعشرين، ندب له ذلك ليكون له أجر ثلاثين، الحسنة بعشر أمثالها، وكره كون ذلك الثالث من أيام الليالي البيض، ثالثة عشر ورابعة عشر، وخامسة عشر، كره مالك ذلك فرارا من التحديد الموهم للوجوب.
قوله: (كستة من شوال)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما كره صوم ستة أيام من شوال خوف أن تعتقد العامة وجوبها. انتهى.
стр. 464
قال ابن شاس: وورد في الصحيح: «صيام ستة أيام من شوال» (١)، إلا أن مالكا اتقى أن يلحق الجاهل بالفرائض ما ليس منها، على أصله في كراهية التحديد، واستحب صيامها في غير ذلك الوقت لحصول المقصود به من تضاعف أيامها وأيام رمضان حتى تبلغ عدة العام؛ كما قال النبي ﷺ : «صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام سنة» (٢)، ومحل تعين محلها في شوال عقب الصوم على التخفيف في حق المكلف لاعتياده الصوم لا لتخصيص حكمها بذلك الوقت فلا جرم لو فعلها في عشر ذي الحجة مع ما روي من فضل الصيام فيه لكان أحسن الحصول المقصود مع حيازة فضل الأيام المذكورة، والسلامة مما اتقاه مالك ﵀. انتهى (٣).
قوله: (وذوق ملح وعلك) أي ومما يكره للصائم ذوق ملح الطعام، هل هو معتدل خوف ما يلحق حلقه، وكذلك يكره له مضغ علك، أو ذوقه.
وقوله: (ثم يمجه) راجع إليهما، وأما إن لم يمج فإن تعمده كفر، وإلا قضى إن وصل إلى حلقه شيء من ذلك.
قوله: (ومداواة حفر زمنه) أي ويكره للصائم مداواة الحفر زمن الصوم، فليؤخرها إلى الليل (إلا لخوف ضرر) يلحقه من ذلك، فيجوز تداويه نهارا فليتحفظ. الحفر بالحاء المهملة وفتحها والفاء وفتحها وسكونها معا تزلع اللثاث، وبالجيم مرض الإنسان.
قوله: (ونذر يوم مكرر) أي وكره نذر صوم يوم مكرر كيوم الاثنين من كل أسبوع، أو أول يوم من كل شهر أو عام إذا وجب على نفسه ما لا يقوى عليه، وقد يصومه متثاقلا.
قوله: (ومقدمة جماع كقبلة، وفكر: إن علمت السلامة، وإلا حرمت) أي وكره للصائم فعل مقدمة جماع، وذلك كقبلة أو ملامسة أو فكر، وهو أضعفها إن علم من نفسه السلامة من المذي يفعل مثل ذلك، وأما إن لم يعلم من نفسه السلامة، وذلك يشمل
стр. 465
صورتين بأن يعلم أن ذلك يحصل منه بهذا الفعل الثانية: أن لا يعلم حاله، تارة يجده وتارة لا يجده، فإن ذلك الفعل يحرم عليه، ولم يفرق الشيخ بين الشاب وغيره.
قوله: (وحجامة مريض فقط) أي وكره للصائم المريض حجامة خشية التغرير، وأما الصحيح يجوز له أن يحتجم صائما.
وفي إكمال الإكمال: قال عياض: لم يختلف في جواز الحجامة للضرورة، كانت في الجسد أو في الرأس. وقال الداودي (١): روي أن النبي ﷺ قال: «الحجامة في وسط الرأس شفاء من النعاس والصداع والأضراس» (٢).
قال الليث: ليس في وسطه، ولكن في فاسه، أي مؤخرة، وأما في وسطه فقد يعمى. انتهى (٣).
قوله: (وتطوع قبل نذر أو قضاء) أي وكره للمكلف أن يتطوع بصوم قبل نذر صوم عليه أو قبل قضاء أيام من رمضان عليه، إذ من علامات البطالة الاشتغال بالتطوع قبل النذر، وقبل قضاء رمضان.
قوله: (ومن لا يمكنه رؤية ولا غيرها كأسير - كمل الشهور) أي ومن لا تمكنه رؤية الهلال ولا غيرها كسؤال عنه، وذلك كأسير في يد العدو، ومحبوس وتاجر لبلد العدو أكمل الشهور ثلاثين ثلاثين حتى إذا جاء عليه عدد الشهور صام ثلاثين، ثم قضى يوم العيد إن تبين بعد أنه صامه عن واجب.
قوله: (وإن التبست وظن شهرا صامه) أي وإن التبست الشهور على المكلف. المراد بالالتباس هنا عدم التحقيق والعلم، بل اختلطت عليه، ولم يدر رمضان من غيره، ولكن ظن شهرا أنه رمضان، فإنه يصومه.
قوله: (وإلا تخير وأجزأ ما بعده بالعدد) أي إنما عدل عن قول ابن الحاجب:
стр. 466
يتحرى، لأنه ناقشه في التوضيح بأن فرض المسألة أنه فاقد للظن، فكيف يتحرى؟ قال: وإنما مراده يتخير، فأطلق عليه التحري لعدم اللبس، وإلا أي وإن لم يكن عنده ظن في أحد الشهور تخير شهرا منها ويصومه، ثم إن تبين له بعد ذلك أمره أجزأ صومه عنه، إن صادف ما بعد رمضان بالعدد أي يعتبر عدد أيام رمضان، فلو وافق شوالا لم يحسب يوم العيد، ثم إن كانا كاملين أو ناقصين، قضى يوما واحدا وهو يوم العيد، وإن كان رمضان ناقصا وشوال كاملا لم يقض شيئا، وإن كان العكس قضى يومين، وكذلك إن صادف ذا الحجة لم يعتد بيوم النحر ولا بأيام التشريق، ثم ينظر إلى ما بقي.
قوله: (لا قبله) أي فإن تخير شهرا وصامه وصادف ما قبل رمضان فلا يجزيه، كان ذلك في سنة واحدة أو أكثر، ولكن متفق عليه في السنة الواحدة، واختلف فيما زاد عليها، فقيل: كالسنة الواحدة في عدم الإجزاء، وعليه درج المصنف حيث أطلق، وقيل: يقع الشهر.
الثاني: قضاء عن رمضان الأول.
والثالث: قضاء عن الثاني، ثم كذلك.
ابن عبد السلام وأجراهما بعضهم على الخلاف في طلب تعيين الأيام في الصلاة، والأقرب عدم الإجزاء قياسا على من بقي أياما يصلي الظهر مثلا قبل الزوال (١).
قوله: (أو بقي على شكه) أي لا يجزيه صوم الشهر الذي تحراه عن رمضان، إن بقي على شكه هل صادف ما قبل رمضان أو بعده، وقيل: يجزيه كمن تحرى وقت الصلاة في الغيم.
قوله: (وفي مصادفته تردد) أي وحيث تخير شهرا وصامه فصادف بصومه ذلك رمضان ففي إجزائه عنه وعدم إجزائه تردد، والقول بالإجزاء أبين، وقطع اللخمي بالإجزاء كأنه المذهب.
وقال ابن رشد: لا يجزيه على مذهب ابن القاسم، ويجزيه على مذهب أشهب،
стр. 467
وسحنون استشكل عدم الإجزاء.
قوله: (وصحته مطلقا بنية مبيتة أو مع الفجر)، هذا شروع منه الله في الشروط التي يصح بها الصوم أي وصحة الصوم مشروطة بنية فرضا كان أو غيره، والنية فيه تكون مبيتة قبل الفجر أو مقارنة معه، والأصل أن تكون مقارنة للفجر، ولكن لما كان في ترقبه المشقة وسع الشرع في ذلك تقديمها أول الليل.
قال اللخمي في تبصرته: ولا يوسع في ذلك بأكثر مما وردت به السنة، وهو تقدتمها من أول الليل، وهذا للضرورة؛ لأن الناس مضطرون إلى النوم، والغالب طلوع الفجر وهم نيام، إلا من كان له حزب، فلو كلف الناس النية عند طلوع الفجر، لتكلفوا الامتناع من النوم؛ لئلا يدركهم الفجر وهم نيام، وفي هذا حرج، وذلك ساقط بقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. انتهى (١).
والصيام قربة تفتقر إلى نية كسائر القربات.
قال ابن شاس: وحكى القاضي أبو محمد عن عبد الملك ابن الماجشون، وصاحبه أحمد بن المعدل (٢) أنهما يقولان: إن أصبح ولم يأكل ولم يشرب، ثم علم أن اليوم من شهر رمضان مضى على إمساكه، وأجزأه من صيامه ولا قضاء عليه. انتهى (٣).
قوله: (وكفت نية لما يجب تتابعه) أي وكفت نية واحدة لكل صوم يجب تتابعه ككفارة الظهار والقتل والنذر المتتابع.
قوله: (لا مسرود ويوم معين) أي لا تجزئ نية واحدة في صوم مسرود أي متتابع لم يلزم تتابعه، وكذلك لا تكفي النية الواحدة في صوم يوم معين، كمن نذر صوم يوم ككل خميس، فلا بد له من عقد النية كل خميس، (ورويت) المدونة (على الاكتفاء) بالنية الواحدة (فيهما) في الصوم المسرود واليوم المعين.
قوله: (لا إن انقطع تتابعه) أي وكفت نية واحدة لما يجب تتابعه إلا أن ينقطع ذلك التتابع (بكمرض) أو حيض (أو سفر)، فإنه لا بد من تجديد نية أخرى، وتكفيه.
стр. 468
فيما بقى.
قوله: (وبنقاء، ووجب إن طهرت قبل الفجر وإن لحظة) أي ولما فرع بالشرط الأول، وما فرع عليه شرع يذكر الشرط الثاني أي وصحة الصوم مشروطة بنقاء من دم حيض، أو نفاس، لأن ذلك مانع من الصوم، ومن ثم وجب الصوم عليها إن رأت الطهر من الحيض أو النفاس قبل الفجر، وإن كان بقدر لحظة، اغتسلت أم لا، لأنها أهل للخطاب، فلا يشترط فيه التطهير بخلاف الصلاة.
قوله: (ومع القضاء إن شكت) أي ووجب عليها الصوم إن شكت هل طهرت قبل الفجر؟ أو بعده، فتصوم لعلها طهرت قبله وتقضيه للشك، واستشكل لأن الأصل عدم الطهر.
قوله: (وبعقل وإن جن ولو سنين كثيرة أو أعمي يوما أو جله أو أقله ولم يسلم أوله فالقضاء، لا إن سلم ولو نصفه) هذا هو الشرط الثالث أي وصحة الصوم مشروطة بوجود العقل، وإن جن ولو في سنين كثيرة، سواء جن قبل البلوغ ثم بلغ في حال الجنون، أو جن وهو بالغ، أو أغمي عليه يوما كاملا وإن سلم أوله، أو أغمي عليه جل يوم وإن سلم أوله، والجل ما هو أكثر من النصف، أو أغمي عليه أقل اليوم ولكن لم يسلم أوله، فالقضاء واجب عليه في هذه الوجوه كلها، وما قاله فتح الجليل هنا ليس بظاهر.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: لا قضاء عليه إن سلم أول اليوم من الإغماء، ولو أغمي عليه بعد ذلك بنصف اليوم على المشهور، وأشار بلو إلى خلاف ابن حبيب، وقول آخر لابن القاسم، أما إن أغمي عليه أقله وقد سلم أوله، فحكى ابن بشير وابن عطاء الله الاتفاق على أنه لا يبطله. وقيل: يبطل قليل الإغماء.
قوله: (وبترك جماع، وإخراج مني، ومذي، وقيء)، لما فرغ من العقل وما فرع عليه، شرع يذكر الشرط الرابع، وهو: ترك جماع وما عطف عليه أي وصحة الصوم مشروطة بترك جماع من قبل أو دبر وإن لم ينزل إجماعا، وبترك إخراج مني أو مذي أي استدعى ذلك، وأما إن خرج بغير استدعاء كمن نام واحتلم ونحو ذلك فلا يبطل الصوم، وعن ابن القاسم، وابن الجلاب: القضاء من المذي مستحب، وكذلك إخراج قيء فإنه يبطل الصوم، وأما إن خرج بنفسه ولم يرجع منه شيء أمكن طرحه
стр. 469
فلا شيء عليه.
قوله: (وإيصال متحلل أو غيره على المختار لمعدة بحقنة بمائع، أو حلق؛ وإن من أنف، وأذن، وعين، وبخور) أي ومن شروط صحة الصوم، ترك إيصال متحلل أو غيره مما لا ينحل كالحصى والدراهم إلى معدته وإن من حقنة على ما اختاره اللخمي.
الباء في قوله: بحقنة بمعنى من بشيء مائع احترازا من غير المائع فإنه لا يضر، أو وصل ذلك إلى حلقه وإن كان الوصول إليه من منفذ واسع كالفم أو من منفذ غير واسع كالأنف والأذن والعين من ككحل فوصل إلى حلقه، وأما من اكتحل في ليل وتمخطه في النهار فلا شيء عليه.
ابن شاس كره ابن القاسم الكحل من غير تفصيل انتهى (١).
وكذلك يبطل صومه ببخور وصل طعمه إلى حلقه.
الشرح الكبير قال في تهذيب الطالب (٢) في السليمانية (٣): من تبخر بالدواء فوجد طعم الدخان في حلقه يقضي الصوم بمنزلة وجدان الدهن في الحلق. انتهى (٤).
وفي التوضيح: قال أبو محمد: أخبرني بعض أصحابنا عن ابن لبابة أنه قال: من استنشق بخورا لم يفطر وأكره ذلك. انتهى (٥).
وفي التلقين: بجب الإمساك عن الشموم ولم يفصل انتهى (٦).
وقد أجازوا المسك والكافور.
قوله: (وقيء، وبلغم أمكن طرحه مطلقا، أو غالب من مضمضة أو سواك) أي ويبطل الصوم بوصول قيء أو بلغم أمكن له طرحه، وهل ذلك عمدا أو نسيانا، استدعاه أم لا، متغير عن حال الطعام أم لا، جاوز طرف اللسان أم لا، وصل إلى حلقه من غالب ماء مضمضة أو استنشاق، أو سواك تغير فيه طعم ريقه فإن ذلك يبطل صومه.
قوله: (وقضى في الفرض مطلقا، وإن بصب في حلقه نائما، كمجامعة نائمة، وكأكله
стр. 470
شائكا في الفجر، أو طرأ الشك)، لما فرغ مما هو شرط صحة الصوم، شرع يذكر ما يقضى في الصوم وما لا.
فقال: وقضى صوم الفرض مطلقا أي كان رمضان أو غيره، أفطر لضرورة أو غيرها عمدا أو نسيانا أو جهلا أو متأولا، كمن قرب عهده بالإسلام، طائعا كان أو مكرها، حرم الفطر أم لا، شعر به أم لا، وإن بسبب صب شيء في حلقه في حال كونه نائما، أو جومعت نائمة أو مكرهة، كما يقضي بسبب أكله أو شربه ونحو ذلك في حال كونه شاكا في الغروب، وفي وجوب الكفارة عليه قولان، لأن الأصل بقاء النهار.
وكذلك يجب عليه القضاء إن أكل أو شرب أو جامع وهو شاك في طلوع الفجر.
وقيل: لا قضاء عليه لأن الأصل بقاء الليل، وكذلك يجب عليه القضاء إن أفطر بعد الغروب ليقينه أو تسحر قبل الفجر في يقينه ثم طرأ عليه الشك في الغروب أو الفجر، لأن ذمته عامرة بالصوم فلا يبريه منه إلا يقين.
نعم إذا طرأ عليه الشك ثم تيقن، فإنه لا قضاء عليه.
وفي إكمال الإكمال: إذا أقبل الليل هاهنا فقد أفطر الصائم.
عياض: إن كان المعنى، فقد صار مفطرا أي في الحكم، وإن لم يفطر حسا فيدل على أنه مستحيل الصوم بالليل شرعا.
وقال بعضهم: لا يحل الإمساك بعد الغروب كما لا يحل يوم الفطر. وأجازه غيره وإن له أجر الصائم. واحتج بأن النهي عن الوصال إنما هو تخفيف ورحمة (١).
قوله: (ومن لم ينظر دليله اقتدى بالمستدل، وإلا أحتاط؛ إلا المعين لمرض، أو حيض أو نسيان) أي ومن لم ينظر دليل وقت الغروب والفجر لكونه أعمى ونحوه، اقتدى بمستدل عارف عادل، وغير العارف العادل كالعدم، وإلا أي وإن لم يجد من يستدل به احتاط لنفسه بترك الفطر في الغروب، والسحور في الفجر.
قوله: إلا المعين، هذا مستثنى من قوله: وقضى في الفرض مطلقا أي إلا الصوم المعين بنذر كيوم معين وبفطره بمرض، أو حيض طرأ عليها فيه، أو فطره ناسيا، فإنه لا قضاء عليه بخلاف فطره لما فعله باختياره من سفر أو غيره، فإنه يقضيه. مشى
стр. 471
الشيخ ﵀ هنا في النسيان على تشهير ابن الحاجب.
قال ابن عرفة: المشهور القضاء عليه.
قوله: (وفي النفل بالعمد الحرام ولو بطلاق بت؛ إلا لوجه) أي معطوف على قوله: وقضى في الفرض أي وكذلك يقضي في النفل بالعمد الحرام، ولو حلف عليه رجل بطلاق بت ليفطرن فلا يحل له الفطر بسبب يمينه، إلا أن يكون له وجه، كأن يخاف أن يقيم الحالف مع زوجته بعد أن حنث فلا قضاء عليه.
وقوله: ولو بطلاق بت مبالغة في القضاء. ابن غازي: مبالغة في القضاء الحرام، الإشارة بلو هنا ليس بصحيح إذ لا يوجد مخالف، وكذلك إن حلف بطلاق أو عتق أو مشي فإن أفطر عصى وقضى.
قوله: (كوالد، وشيخ وإن لم يحلفا) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا قضاء عليه في النفل إذا عزم عليه والده في الفطر، أو شيخه رأفة منهما عليه، فإنه يفطر ولا قضاء عليه، وإن لم يحلفا عليه وأحرى إن حلفا.
الشيخ: هو المعلم وإن كان أصغر منه سنا.
قال الشاطبي في موافقاته: ترك الاعتراض على الكبار مطلوب، وأنه مبعد بين الشيخ والتلميذ، حتى قالوا من قال لشيخه: لم، بأنه لا يفلح (١).
قوله: (وكفر إن تعمد بلا تأويل قريب. وجهل في رمضان فقط: جماعا، أو رفع نية نهارا أو أكلا أو شربا) لما فرغ من القضاء، شرع يذكر الكفارة أي وكفر إن تعمد بلا تأويل قريب، وبلا جهل في رمضان فقط أي ولا تجب الكفارة إلا في رمضان دون غيره من أنواع الصوم، وتجب بخروجه عن صومه على وجه الشك من غير اعتبار بالأنواع التي يخرج عن الصوم بها من جماع أو غيره، أو تعمد رفع نية صومه نهارا، أو تعمد أكلا أو شربا بفم فقط.
قوله: (بفم فقط وإن باستياك بجوزاء) أي ولا كفارة في إيصال شيء من غير فم من أذن أو عين أو بسبب دهن رأس بل بفم فقط وإن باستياك يجوز نهارا، وإن استاك به في ليل فأصبح في فمه فالقضاء، وأما إن تعمد الفطر بتأويل قريب أو جهل، فإنه لا كفارة عليه، الفرق بين المتأول والجاهل وإن كانا جاهلين أن المتأول من استند إلى شبهة والجاهل من لم يستند إلى شبهة، فالتأويل القريب ما استند
стр. 472
بسبب موجود، والبعيد ما ستند إلى سبب غير موجود.
قوله: (أو منيا وإن بإدامة فكر، إلا أن يخالف عادته على المختار) أي وتعمد إخراج مني من نفسه، وإن بإدامة فكر ونظر وأحرى اللمس والمباشرة، إلا أن يخالف عادته من عدم الإنزال بمثل هذا الفعل، فإنه لا كفارة عليه على ما اختاره اللخمي من الخلاف.
قوله: (وإن أمنى بتعمد نظرة فتأويلان: بإطعام ستين مسكينا لكل مد، وهو الأفضل) أي وإن خرج مني بسبب تعمد نظرة من غير إدامة ففي وجوب الكفارة عليه وعدمه تأويلان، الوجوب للقابسي، وعدمه لسحنون.
قوله: بإطعام ستين مسكينا متعلق بقوله: وكفر أي وكفر بإطعام ستين مسكينا لا أقل من الستين، ولا يفرق الستين مدا على أكثر من ستين مسكينا، بل يعطي لكل مسكين مد بمد النبي ﷺ ، من جل عيش أهل البلد، وهذا الإطعام أفضل من عتق رقبة، ومن صيام شهرين، لأن الإطعام أعم نفعا، والصيام لا يتعدى بنفعه المكفر والإعتاق وإن تجاوز نفعه المكفر فلا يتجاوز الرقبة المعتقة، ويتعدى نفع الطعام إلى ستين مسكينا، فينجي به مثل هذا العدد لا سيما في أوقات الشدائد، وقيل العتق أفضل.
وقال المتأخرون: ويختلف ذلك بالأوقات والبلاد، فالأول بارتفاع الأسعار، والثاني في انخفاضها، وتستقر الكفارة في الذمة عند العجز عن الخصال الثلاث. انتهى.
قوله: (أوصيام شهرين، أو عتق رقبة كالظهار)، هذا هو النوع الثاني والثالث عتق رقبة، والله سبحانه أعلم بحكمة تقديرات الكفارة وهذا مستغني عنه، لأنه مستفاد من قوله: كالظهار، وكذلك تتابع الشهرين، وكون الرقبة مؤمنة سليمة من شوائب العتق.
قوله: (وعن أمة وطئها، أو زوجة أكرهها نيابة، فلا يصوم ولا يعتق عن أمته) ظاهره وإن كان سفيها وهو كذلك يخرج عنه وليه. فإن قلنا بالتخيير. قال ابن عبد السلام: على التخيير فيأمره بالصوم، لأنه أحفظ لماله، فإن لم يقدر أو أبى كفر عنه بأقل الكفارتين قيمة العتق والإطعام، واقتصر على الزوجة والأمة لأنه الغالب وإلا فإكراه غيرهما كذلك.
وقوله: (وإن أعسر كفرت) ربما يشعر بأنها إنما تكفر إذا أعسر ليس كذلك بل لو كفرت وهو ملي رجعت بل هو أولى.
стр. 473
قال ابن شعبان: إن كان معسرا فمتى أيسر رجعت. فتح الجليل (١).
قوله: وعن أمة وطئها أو زوجة أكرهها هذا معطوف على مقدر أي وكفر عن نفسه وعن أمة وطئها وإن طاوعته، لأن طوعها كالإكراه للرق، نعم إلا إذا طالبته أو تزينت، فإنها حينئذ تكفر عن نفسها، وأمر من تخشى مخالفة أمره إكراها لمأموره، فلا عبرة بطوعه، وكذلك يكفر عن زوجة أكرهها أمة كانت أو حرة في حال كونها نيابة عنها.
مسألة: قال ابن فرحون: وإذا وطئ العبد من تلزمه الكفارة عنها، فهي جناية في رقبته، فإما أسلمه سيده وإلا فداه بالأقل من ذلك، أو قيمته. انتهى (٢).
ابن محرز يريد الرقبة التي يكفر بها لا قيمة رقبة الجاني. انتهى من فتح الجليل (٣).
قال صاحب مغني النبيل: ولرقيق أكره حرة أن يكفر عنها بالعتق، إن أذن سيده، لأن الولاء للمعتق عنه، ولا يعتق المكره في كفارة لزمته عن أمة مطلقا. انتهى.
قوله: (وإن أعسر كفرت ورجعت إن لم تصم بالأقل من الرقبة وكيل الطعام) أي فإن أعسر الزوج عن الكفارة عنها كفرت هي عن نفسها لوجوبها عليها أصلا، كإعسار المصالحة عن نفقة ولدها، فإن كفرت عن نفسها رجعت عليه بها، لأنها في الحقيقة عنه إذا كان ما كفرت به إطعاما أو عتقا، وأما إن كفرت بالصوم فلا ترجع به عليه، فإن رجعت إنما ترجع عليه بالأقل من قيمة الرقبة، أو كيل الطعام، كان حقه أن يزيد أو ثمنه كما قال عبد الحق في نكته (٤)، وابن محرز: المراد بالرقبة هنا ما يجزئ في الكفارات لا ما أعتقه.
قوله: (وفي تكفيره عنها) أي وفي تكفير مكره عن زوجته أو أمته، وعدم تكفيره عنها (إن أكرهها على القبلة حتى أنزلا تأويلان) على المدونة.
قال القاضي تحلله: إذا أكرهها على ذلك لم يلزمها كفارة، ولزمت إياه على طريق التغليظ أدبا له، وأما على ما تقتضيه الأصول لا يلزمه عنها شيء
стр. 474
بخلاف الوطء.
قال في الكتاب: ومن قبل زوجته قبلة واحدة في رمضان، فأنزل فإنه يقضي، ويكفر إن كان مثل ذلك من المرأة طوعا منها فعليها القضاء والكفارة، وإن أكرهها فإنه يكفر عنها والقضاء عليها (١).
قوله: (وفي تكفير مكره رجل ليجامع قولان) أي وفي تكفير مكره رجل عنه وعدم تكفيره عنه لدلالة الانتشار على الاختيار قولان كالمكره على الزنا بخلاف المكرهة لعدم الترسيخ. انتهى.
قوله: (لا إن أفطر ناسيا، أو لم يغتسل إلا بعد الفجر، أو تسحر قربه، أو قدم ليلا، أو سافر دون القصر، أو رأى شوالا نهارا فظنوا الإباحة)، هذا راجع إلى قوله: وكفر إن تعمد بلا تأويل قريب أي لا كفارة عليه إن أفطر ناسيا ثم تمادى على فطره متأولا عدم تحريم التمادي. وكذلك من لم يغتسل من جنابته أو من حيض أو نفاس، ظانا أن من لم يغتسل قبل الفجر أن صومه لا يجزيه، وكذلك من تسحر قرب الفجر، فظن بطلان صومه لذلك، وكذلك من قدم من سفره ليلا فأفطر في نهاره متأولا مسامحة صبيحة يوم قدومه، أو سافر مسافة دون مسافة القصر، فأفطر متأولا إباحة الفطر في مطلق السفر، وكذلك من رأى شوالا نهارا فأفطر متأولا أن الرؤية لليلة المدبرة.
قوله: فظنوا الإباحة، راجع إلى الكل.
وقال التادلي: عبادتان يجب التمادي في فسادهما، كما يجب في صحيحهما، وهما الصوم والنسك، بخلاف الصلاة وغيرها من العبادات، والفرق أن غالب فساد الصوم بإحدى شهوتي الفرج والفم والحج لشهوة الفرج لقلة من يملك إربه فيهما، وشدة ميل النفوس إليهما لموافقتهما الطباع، بخلاف الصلاة وغيرها، فإن غالب فسادها لترك ركن أو شرط، وليس مما تميل النفوس إليه، فأراد الشارع في الأوليين الزجر فغلظ في إيجاب التمادي والقضاء والكفارة، وفرق ثان وهو أن الصوم والنسك لا يوجدان إلا مرة في السنة، فلا مشقة فيهما بخلاف الصلاة فإنها تتكرر، ولو أمر بالتمادي لإفسادها لشق ذلك. ابن ناجي (٢).
قوله: (بخلاف بعيد التأويل، كراء، ولم يقبل، أو أفطر لحمى ثم حم، أو لحيض ثم
стр. 475
حصل، أو حجامة، أو غيبة) أي فإنه يكفر، فذكر لذلك أمثلة فقال: كراء ولم يقبل أي كراء رمضان ولم تقبل شهادته، فأفطر متوهما إلغاء رؤيته لعدم القبول، أو من كانت تأخذه الحمى في يوم معتاد، فأصبح مفطرا ثم حم في ذلك اليوم فوافق ظنه الواقع، قصد الشيخ الوجه المشكل، والأحرى إن لم يحم في ذلك اليوم، وكذلك امرأة اعتادت حيضتها في يوم، فأصبحت مفطرة فيه ثم حصل فيه الحيض، وأحرى إن لم يحصل فيه، وكذلك حجام أفطر ظنا منه أن الفاعل للحجامة يتاح له الفطر، وأما المحتجم إذا أفطر فلا كفارة عليه عند ابن القاسم، فليس عليه إلا القضاء. أصبغ: هو تأويل بعيد.
وكذلك من اغتاب مسلما فأفطر ظنا منه أنه أفطر لأجل الغيبة، قال تعالى: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا﴾ [الحجرات: ١٢].
مسألة: الحجامة والغيبة ليستا في الكتاب.
الفرق بين من أفطر بالتأويل القريب وبين من أفطر بالتأويل البعيد، أن من أفطر بالتأويل القريب اعتقد اقتران السبب المبيح، والذي أفطر متأولا تأويلا بعيدا اعتقد أنه سيقع، فأوقع الإباحة قبل سببها، فذو التأويل البعيد مخطئ في التقديم للحكم على سببه، وذو التأويل القريب مخطئ في حصول السبب مصيب في اعتقاد المقارنة، ولم يقصدوا تقديم الحكم على سببه، فعذروا بالتأويل الفاسد ولم يعذر ذو التأويل بالتأويل الفاسد.
وسر الفرق في ذلك أن تقدم الحكم على سببه بطلانه مشهور غير ملتبس في الشريعة، فلا صلاة قبل الزوال ولا صوم قبل الهلال، ولا عقوبة قبل الجناية. انتهى من كتاب أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي نخلته (١).
قوله: (ولزم معها القضاء) أي ولزم مع الكفارة القضاء (إن كانت) الكفارة (له) أي للمكفر عن نفسه، لا كفارته عن زوجة أكرهها أو أمة وطئها، فإنه لا يلزمه قضاء اليوم عنها، بل القضاء عليها غفل الشارح هنا غفلة عظيمة اللام في له بمعنى عن.
قوله: (والقضاء في التطوع بموجبها) أي ولزم القضاء في التطوع لأجل موجب الكفارة أي وكلما يوجب الكفارة في رمضان، يوجب القضاء في صوم التطوع.
قوله: (ولا قضاء في غالب فيء أو ذباب أو غبار طريق، أو كحل، أو جبس
стр. 476
لصانعه، وحقنة من إحليل، أو دهن جائفة، ومني مستنكح، أو مذي أي ولا قضاء في صوم بسبب قيء غالب، احترازا مما إذا طلبه كما تقدم سواء في الغالب تغير عن حال الطعام أولا. وكذلك لا قضاء في غالب ذباب وصل إلى حلقه، أو غبار طريق لا غيره، أو غبار دقيق، أو غبار كيل، أو جبس لصانع ذلك لا لغيره.
قوله: لصانعه راجع للثلاثة، وكذلك لا قضاء على من أقطر دهنا في إحليله. الإحليل: ثقب الذكر.
قال في التوضيح: قال ابن حبيب: كان علي وابن عباس ومجاهد والشعبي (١) يكرهون الحقنة إلا من ضرورة غالبة، وكانوا يقولون لا تعرفها العرب، وهي من فعل العجم، وهي ضرب من عمل قوم لوط. انتهى (٢).
وكذلك لا قضاء على من دهن جائفته، لأنه لو وصل إلى موضع الطعام لمات. وكذلك لا قضاء على من استنكحه خروج المني والمذي.
قوله: (ونزع مأكول أو مشروب أو فرج طلوع الفجر) أي لا قضاء على من رأى أول طلوع الفجر فنزع المأكول أو المشروب من فمه، أو نزع فرجه من فرجها بناء على أن النزع ليس بوطء، لأن النية إنما تجب عند التلبس بالطاعة، وهو وقت الإمساك، والإمساك لا يجب عند عدم رؤية الفجر. انتهى.
فالأصل في الليل الصوم، وكذلك كان في صدر الإسلام ثم رخص فيه، فكان كل من نام لا يحل له بعد ذلك وطء امرأته حتى نزل قوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالان بشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧] فأباح الله تعالى المفطرات إلى هذه الغاية رخصة، وإذا كان الأصل في الليل الصوم، ثم استثنى منه الليل المتيقن بقي المشكوك فيه على وقت الأصل. انتهى من أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي ﵀ (٣).
стр. 477
قال ابن غازي: وقوله: ونزع مأكول أو مشروب، ظاهره كظاهر كلام غيره أنه لا يحتاج إلى المضمضة، ورأيت في النسخة الكبرى من نوازل ابن الحاج أنه يلقي ما في فمه ويتمضمض، وظاهر سياقه أنه لابن القاسم.
وفي نوازل البرزلي: من نام قبل أن يتمضمض حتى طلع الفجر وقد بيت الصيام فلا شيء عليه (١).
قوله: (وجاز سواك كل النهار، ومضمضة لعطش، وإصباح بجنابة، وصوم دهر وجمعة فقط)، هذا شروع منه ل في الجائزات أي وجاز للصائم السواك في جميع النهار خلافا لمن قال: لا يجوز آخر النهار لقوله ل: «ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (٢)، ذكر الشيخ حكم السواك ولم يذكر ما يستاك به، وفيه ما يحرم الاستياك به للصائم كالجوزاء، وفيه ما يكره الاستياك به، وهو عود رطب ويجوز باليابس وإن بله بالماء، فإن استاك بالجائز فلا يبلع ريقه حتى يزول من فمه طعم السواك، وكذلك يجوز للصائم المضمضة لأجل عطش، ولكن لا يبتلع ريقه إلا بعد زوال طعم الماء من فمه، خصه بالذكر لئلا يتوهم عدم جوازه، وبهذا يرد قول الشارح ولا وجه بتخصيصها به انتهى من فتح الجليل (٣).
وكذلك يجوز للصائم أن يصبح وهو جنب، إذ لا تشترط الطهارة في الصوم، وقد أصبح ل وهو جنب، وجنابته إنما تكون عن وطء، لأن النبي ل لا يحتلم، فكذلك يجوز صوم دهر ما عدا المحرم كالعيدين وأيام التشريق، وكذلك يجوز صيام يوم جمعة فقط، فلا يصوم قبله ولا بعده، خلافا لمن قال: لا يصومه وحده.
قوله: (وفطر بسفر قصر شرع فيه قبل الفجر ولم ينوه فيه) أي ومما يجوز الفطر في رمضان بسبب سفر قصر لا في غير القصر، بشرط أن يشرع في السفر قبل الفجر، وبشرط إن لم ينوي الصوم فيه، المراد بالسفر المباح لا سفر عاص به ولا لاه به بينه ما تقدم من باب القصر في السفر.
قوله: (وإلا قضى ولو تطوعا، ولا كفارة؛ إلا أن ينويه بسفر) أي وإن شرع فيه بعد
стр. 478
الفجر قضى ذلك اليوم، ولو كان الصوم صوم تطوع، ولا كفارة عليه بسبب فطره، إلا أن ينوي الصوم في سفر ثم أفطر لغير ضرورة.
وقوله: (كفطره بعد دخوله) تشبيه لإفادة الحكم، ولكن شبه الأضعف بالأقوى الذي يخالفه فيه أشهب بالأقوى الذي يوافق فيه واستوفى مع ذلك ذكر الفرعين المنصوصين، فلهذا لم يستغن عن ذكر الأخرى.
الحاصل: أنه إذا نوى الصوم في السفر ثم أفطر فيه أنه يكفر كما يكفر إذا أفطر بعد دخوله منزله نوى الفطر أم لا.
وقوله: (وبمرض خاف زيادته) أي وجاز الفطر لصائم مريض خاف بصومه زيادة المرض، أو حدوث مرض آخر، أو خاف تمادي ذلك المرض عليه.
وقوله: (أو تماديه) مستغنى عنه لأنه يدخل في زيادته، فإذا كان يجوز له الفطر للخوف من ذلك، وأحرى إن علم ذلك.
وقوله: (ووجب إن خاف هلاكا، أو شديد أذى)؛ أي ووجب الفطر على صائم خاف هلاكا على نفسه أو أذى شديد، ولكن إن صام يصح صومه وعصى ربه.
وقوله: أو شديد أذى، يغني عن قوله: هلاكا، لأن الهلاك من باب أحرى، قال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] الآية.
البرزلي: وحكى ابن محرز عن مالك: لا يفطر من عطش في رمضان من علاج صنعته، والتشديد في منع ما يمنعه الفرض والوقف عن الكفارة إن أفطر بسبب ذلك.
قال: والقياس الجواز في سفر التجر ينتقل معه للتيمم. ويقع السؤال في زمننا إذا جاء الجهاد وقت الصيف، فهل يجوز للأجير الخروج مع ضرورة الفطر أولا؟ وكانت الفتوى عندنا إن كان محتاجا لصنعته لمعاشه ما له منها بد، فله ذلك وإلا كره. وأما مالك الزرع فلا خلاف في جواز جمعه، وإن أدى إلى فطره، وإلا دخل في النهي عن إضاعة المال. انتهى (١).
قوله: (كحامل، ومرضع لم يمكنها استنجار أو غيره خافتا على ولديهما) تشبيه لإفادة الحكم في الجواز والوجوب أي وكما يجوز للحامل والمرضع، إذا لم يمكن لها استئجار الظئر بأن لا مال لها، أو لها ولم تجد من تستأجر، أو من ترضعه مجانا، أو لم يقبل الولد غيرها إذا خافتا على ولديهما، وأحرى على أنفسهما، ويجب عليهما
стр. 479
إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما هلاكا أو شديد أذى.
قوله: (والأجرة في مال الولد، ثم هل في مال الأب، أو مالها تأويلان) أي وحيث يمكن الاستئجار على المرضع، والأجرة في إرضاعه في ماله، لأنه بمعنى النفقة وهي في ماله، فإن لم يمكن للولد مال هل الأجرة في مال الأب؟ لأنه المنفق عليه أو في مال الأم، لأن رضاع الولد يلزمها فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (والقضاء بالعدد، بزمن أبيح صومه غير رمضان) أي ووجب القضاء على من أفطر في رمضان أو غيره بالعدد في زمن أبيح صومه، لا في زمن حرم صومه كيوم العيد، ويكون القضاء في غير زمان رمضان، وإن أفطر في سفره بل إما أن يصومه في فرضه أو يفطر، فلا يقضي فيه صوما كان عليه.
قوله: (وإثمامه إن ذكر قضاءه) أي ووجب أي فإن أصبح صائما في قضاء صوم وجب عليه، ثم ذكر أنه قد قضاه فإنه يجب عليه تمام صوم يومه ذلك، فإن أفطر ففي وجوب قضائه قولان لابن شبلون وأشهب.
قوله: (وفي وجوب قضاء القضاء خلاف) أي ومن أصبح صائما في قضاء رمضان فأفطر فيه متعمدا، ففي وجوب قضاء يوم القضاء، وهو رواية سحنون عن ابن القاسم، أو إنما يجب عليه يوم واحد لأنه الأصل، وهو رواية يحيى عن ابن القاسم. قوله: (وأدب المفطر عمدا إلا أن يأتي تائبا) أي ووجب أدب المفطر عمدا إلا أن يجيء تائبا، فيسقط عنه الأدب كالزنديق إذا جاء تائبا فلا يقتل، إذ لو أدب التائب منهما لتعذرت المصلحة بخلاف شاهد الزور، فإنه يؤدب وإن جاء تائبا.
قوله: (وإطعام مده ﵊ لمفرط في قضاء رمضان لمثله عن كل يوم لمسكين، ولا يعتد بالزائد) أي وجب إطعام مده ﷺ على مفرط في قضاء رمضان لمثله. اللام في المفرط بمعنى على. يطعم عن كل يوم مدا لمسكين، فإن زاد على المد لا يعتد به بل بالمد فقط.
قوله: (إن أمكن قضاؤه بشعبان) أي إنما يكون مفرطا إن أمكن قضاء ما عليه في شعبان، لأنه محل التضييف.
قوله: (لا إن اتصل مرضه) أي لا إطعام عليه إن اتصل مرضه.
لو قال الشيخ: لا إن اتصل عذره لأشمل.
قوله: (مع القضاء أو بعده) أي ووقت الإطعام أن يكون مع القضاء في وقت
стр. 480
ليتفق الجائز السكني والجائز المالي، ويجوز أن يكون ذلك الإطعام بعد القضاء، أو قبله بعد وجوبه.
وقال المواق: ولو قال: مع القضاء أو بعده أو قبله بعد الوجوب لتنزل على ما يتقرر (١).
قوله: (ومنذوره) أي ووجب صوم منذوره، والوفاء به معينا كان أو مضمونا في الذمة قل أو كثر لقوله ﷺ : ﴿من نذر أن يطيع الله فليطعه﴾ (٢)، ولقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١].
قوله: (والأكثر إن احتمله لفظه بلا نية، كشهر: فثلاثين) أي ووجوب صوم الأكثر إن احتمله لفظه ولم تكن له نية، كنذر صوم شهر عربي، فإنه يصوم ثلاثين، لأنه الأحوط.
وقيل: إنما يصوم تسعا وعشرين، لأن الأصل براءة الذمة، وهذا كله (إن لم يبدأ) في صومه (بالهلال)، وأما إن بدأه فيه فإن الناقص يكفيه.
قوله: (وابتداء سنة، وقضى ما لا يصح صومه في سنة؛ إلا أن يسميها، أو يقول هذه وينوي باقيها فهو، ولا يلزم القضاء، بخلاف فطره لسفر) أي ووجب ابتداء سنة نذر صومها، أو حلف به من حين نذره، أو حنث إلا لنية تخص زمنا فمنه يبتدئ، ويجب عليه قضاء ما لا يصح صومه، كالعيد وأيام التشريق في نذره صوم سنة، إلا أن يسمي السنة فيقول: سنة كذا أو يقول: هذه ولم ينو باقيها، أو يقول: هذه وينوي باقيها، جعلها فتح الجليل ثلاثة مسائل، والشارح مسألتين، والأول أولى. انتهى.
والأول وغيره كالكفارات، أو يقول: هذه وينوي باقيها، فهو أي فالباقي هو اللازم في المسائل الثلاث، فيصوم رمضان عن فرضه، ويفطر العيدين وأيام النحر، ولا يلزمه القضاء عن شيء من ذلك بخلاف فطره لسفر، فإنه يقضي ما أفطر فيه.
قوله: (وصبيحة القدوم في يوم قدومه: إن قدم ليلة غير عيد، وإلا فلا) أي ووجب صوم صبيحة يوم القدوم، في نذره صوم يوم القدوم، سواء نذر يوم قدومه هو أو يوم
стр. 481
قدوم فلان، وإن قدم في ليلة غير ليلة عيد، لو أدخل الكاف على عيد لكان أعم وإلا فلا أي وإن قدم ليلة عيد، أو قدم نهارا فلا شيء عليه، إذ لا يصام يوم العيد، والنهار قد فات محل النية فيه.
قوله: (وصيام الجمعة إن نسي اليوم على المختار) أي ووجب صيام أيام الجمعة السبعة، إن نسي اليوم المنذور ولم يدر ما هو، وهو قول سحنون واختاره اللخمي لأنه أبرء، وأما ابن القاسم قال: لا يلزمه إلا صوم يوم الجمعة، لأنه إن كان هو المنذور فلا كلام، وإلا فهذا قضاء عنه لأنه آخر يوم من أيام الجمعة، لأن أول الجمعة السبت. انتهى.
قوله: (ورابع النحر لناذره وإن تعيينا) أي ووجب صوم رابع يوم النحر لمن نذره وإن بالتعيين له، أو نذر صوم شهر الأضحى، لو قال الشيخ: وإن لم يعينه، وأحرى إن عينه.
قوله: (لا سابقيه: إلا لمتمتع) أي لا يصام سابقيه، وهما الثاني من أيام النحر وثالثها، إلا المتمتع لم يجد هديا، فيجوز له صيامهما، وكذلك من وجب عليه الهدي قبل الوقوف بعرفة، وكذلك من لم يجد هدي القران، وكذلك من وجب عليه الدم لنقص شعائر الحج.
قوله: (لا تتابع سنة) أي فلا يجب على من نذر صوم سنة (أو شهر أو أيام) تتابع الصوم فيه بل هو مستحب.
قوله: (وإن نوى برمضان في سفره غيره، أو قضاء الخارج أو نواه، وندرا لم يجز عن واحد منهما) إلى قوله: (لم يجز عن واحد منهما) أي وإن نوى بصوم رمضان في سفره غيره من تطوع أو نذر أو غيره كالكفارة أو قضاء رمضان الخارج، ولكن هذا خلاف المدونة، لأنه فيها يجزيه عن واحد منهما، وكذلك إن نوى بصومه رمضان، وصوم نذر كان عليه، لم يجز صومه عن واحد منهما في الصور كلها.
قال ابن غازي: اشتمل كلامه بالنص ومفهوم الموافقة على عشر صور خمس في السفر النذر، والكفارة، والتطوع، وقضاء الخارج، والتشريك، ومثلها في الحضر، هذا ظاهر لفظه، وعهدة نصوصها عليه. انتهى (١).
خص الشيخ السفر بالذكر لأن الحضر أحرى، فإن قلنا: لا يجزيه عن رمضان
стр. 482
هل يكفر؟ لأنه كمن أفطر في رمضان أم لا؟ لأنه لم يفطر قولان والصواب: لا كفارة عليه.
قال ابن غازي فرع إذا بنينا على هذا القول فقال ابن المواز: أن يكفر عن الأول مدا لكل يوم، ويكفر عن الثاني كفارة الصوم في كل يوم.
أبو محمد إلا أن يعذر بجهل أو تأويل.
وقال أشهب لا كفارة عليه؛ لأنه صامه ولم يفطره أبو محمد: هو الصواب. انتهى (١).
قوله: (وليس لمرأة يحتاج لها زوج تطوع بلا إذن) أي ولا يجوز لامرأة يحتاج لها زوج أو سيد تطوع بصوم أو غيره بلا إذن منه، فإن فعلت ذلك بلا إذن منه فله أن يبطله عليها، وتختص بالإثم دونه.
عياض: لأن حق الزوج واجب لا يقدم عليه النفل
النووي: نص أصحابنا على أن النهي على التحريم لأن حق الزوج في الاستمتاع واجب على الفور، فلا يقدم عليه النفل
قلت: ويلحق بصوم التطوع ما لا يتعين زمانه من الصوم الواجب، كقضاء رمضان والكفارات والنذر غير المعين. انتهى من إكمال الإكمال (٢).
قلت: وتعليل المنع الحاجة الزوج إلى الاستمتاع، يقتضي بأنه لو كان مريضا أو شيخا كبيرا لا يقدر على الوطء جاز لها الصوم انتهى منه مقدم على قوله: ويلحق بصوم التطوع. انتهي (٣).
قال ﷺ : «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (٤)، وقيام رمضان فيه الأجر ابتداء لكن لما أن زاد هذا في نيته إحضار الإيمان والاحتساب زيد له في مقابلته مغفرة ما تقدم من ذنبه. وإحضار ذلك هو أنه إذا فعل الفعل يستحضر الإيمان لذلك، وأنه ممتثل أمر الله ﷺ على ما أمر به صاحب الشريعة منقادا
стр. 483
مطيعا من قبل نفسه، لا مجبرا ولا مستحييا، بل ممتثلا للأمر ليس إلا، والاحتساب أن يحتسب تعب الفعل الذي يفعله ومشقته على الله تعالى، لا على غيره من عرض يأخذه، أو نماء أو مدحة أو مظلمة ترتفع عنه، بل يكون ذلك خالصا لربه ﷺ ولا يريد به بدلا، فإذا فعل الفعل الذي يفعله على هذه الصفة وهذا التقدير، فقد أتى بالمقصود والمراد، فيرجى له أن يحصل له ما وعده صاحب الشريعة ﷺ على ذلك الفعل إن شاء الله، ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾ [النساء: ١٢٢] أي ﴿ومن أصدق من الله حديثا﴾ [النساء: ٨٧]، وهذه القاعدة مطردة في جميع الأعمال كلها دقيقها وجليلها، واجبها ومندوبها لأن من إحضار نية الإيمان والاحتساب إذ ذاك كان أعظم أجرا مما كان غافلا عنه أو ساهيا. انتهى. من العبدري (١).
وقال ﷺ : «من صلى من أول شهر رمضان إلى آخره في جماعة، فقد أخذ بحظه من ليلة القدر» (٢).
стр. 484
باب [فصل في حكم الاعتكاف]
قوله: (باب) هذا باب يذكر فيه مسائل الاعتكاف، وحقيقته في اللغة: اللبث في المكان، وفي الشريعة: اللبث في المسجد للعبادة، وهو قربة ومن نوافل الخير لاسيما في العشر الأواخر من رمضان لطلب ليلة القدر، وحكم مشروعيته التشبه بالملائكة الكرام في استغراق الأوقات بالعبادة، وحبس النفس عن شهواتها، وكف اللسان عن الخوض فيما لا ينبغي. ومما يدل على أنه قربة ما وقع لمالك في العتبية من رواية ابن القاسم لما قيل له: من كان منزله من الفسطاط على ثلاثة أميال، أيعتكف في مسجد قريته؟ أم يسير إلى الجمعة؟ لأن قريته لا تجمع فيها الجمعة؟ قال: اعتكافه أولى من مسيره إلى الجمعة. انتهى من التوضيح (١).
قوله: (الاعتكاف نافلة. وصحته لمسلم مميز) أي من نوافل الخير. أجمل الشيخ ﵀ لأن النفل يشمل السنن وغيرها، لأن النفل ما سوى الفرض، وصحة الاعتكاف إنما تكون لمسلم لا لكافر، لأن الإيمان شرط الطاعة، ويكون ذلك المسلم مميزا لا يصح لبالغ غير عاقل، ولا لصبي غير مميز، سواء كان المسلم حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى.
قوله: (بمطلق صوم، ولو ندرا) متعلق بقوله: (وصحته) أي وصحة الاعتكاف بصوم مطلق أي سواء كان فرضا كرمضان أو قضاؤه، أو تطوعا أو غيره قصد له أم لا، ولو كان ذلك الاعتكاف نذرا خلافا لعبد الملك أنه قال: لا بد من صوم يخصه به، غفل الشارح هنا ﵀؛ لأنه قال: ولو كان الصوم قد نذر (٢).
وقوله: نذر ضبطه المؤلف بضم النون وكسر الذال.
عياض: وشرط صحته الصوم وإن لم ينطق به، لأنه ﷺ لم يعتكف إلا وهو صائم، ولأن الله تعالى إنما ذكر الاعتكاف للصائم، فقال: ﴿ولا تباشروهن﴾ [البقرة الآية: ١٧٨]. ولأنه عمل أهل المدينة. وأسقط شرطيته الشافعية، وابن لبابة من أصحابنا، محتجين بأنه ﷺ اعتكف في رمضان (٣).
стр. 485
قوله: (ومسجد) أي وصحته كونه في مسجد مطلقا جامعا كان أو غيره بدليل الاستثناء، وغفل فيه الشارح أيضا لأنه عطفه على مطلق صوم بقوله: ﴿إلا لمن فرضه الجمعة، وتجب به، فالجامع مما تصح فيه الجمعة﴾ أي وصحته أن يكون في مسجد مطلقا، إلا أن يكون المعتكف ممن تلزمه الجمعة، وهو حر ذكر بالغ متوطن، والحالة أن الجمعة تجب في زمن الاعتكاف، فإن الجامع حينئذ متعين بحيث تصح فيه الجمعة لا سطحه، وبيت القناديل لاستلزام الخروج إلى الجمعة بطلان الاعتكاف، وإليه أشار بقوله: (وإلا خرج وبطل) أي وإن اعتكف في غير الجامع زمنا تجب فيه الجمعة، فإنه يخرج إلى الجامع ويبطل اعتكافه.
وقيل: لا يبطل وعليه هل يتمه في الجامع؟ أو يرجع إلى معتكفه؟ فيه قولان.
قوله: (كمرض أبويه) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يخرج لأجل مرض أبويه، أو أحدهما ليعودهما.
قوله: (لا جنازتهما معا) أي لا يخرج لجنازة أبويه إن ماتا معا. ابن القاسم: يخرج لمرض أحد أبويه، وفي الموطأ: لا يخرج لجنازتهما (١).
وفرق الباجي بأنهما إذا كانا حيين لزمه طلب مرضاتهما، واجتناب ما يسخطهما (٢)، فيجمع بين الأمرين: بر الأبوين بالخروج إليهما، والإتيان باعتكافه بأن يبديه، ولا يلزم على ذلك حضور جنازتهما إذ لا يعرفان حضوره فيرضيهما ذلك، ولا يعلمان بتخلفه، فيسخطهما ذلك، فاعترض بأن ذلك من حقوقهما، وألزم عليه الخروج إذا مات أحدهما فإن عدم خروجه يسخط الآخر كذا في التوضيح (٣).
وغايته أنه إلزام لما قص لا نص، فلتزم هنا ذلك.
فقال: لا جنازتهما معا، ولم يقل ذلك في مرضهما إذ لا فرق بين مرضهما معا ومرض أحدهما.
قوله: (وكشهادة وإن وجبت، ولتؤد بالمسجد، أو تنقل عنه) أي الواجب إسقاط الواو إذ هو تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يخرج لأجل شهادة يؤديها إن وجبت عليه، وليؤدها في المسجد إن كان به حاكم أو تنقل عنه الشهادة.
стр. 486
قوله: (وكردة)، يعني عنه: (وكمبطل صومه وكسكره ليلا)، لأن الردة والعياذ بالله منها مبطلة للصوم أي ويبطل الاعتكاف بمبطل الصوم، وكذا يبطل بسكره ليلا، ظاهره وإن صحا قبل الفجر، وهو كذلك لم يفرق الشيخ بين السكر بالحرام والحلال، وقال بعضهم: معناه إذا أسكر بالحرام، وأما إن سكر نهارا يدخل في مبطلات الصوم.
قوله: (وفي إلحاق الكبائر به) أي وفي إلحاق الذنوب الكبائر كالكذب والنميمة والغيبة بالسكر، وعدم لحوقها به (تأويلان).
قوله: (وبعدم وطء، وقبلة شهوة، ولمس، ومباشرة) أي وصحة الاعتكاف مشروطة بعدم وطء ليلا أو نهارا، أو بعدم قبلة شهوة أو لمس أو مباشرة بها، لا إن قبلها لوداع أو رحمة.
قوله: (وإن لحائض ناسية) أي وإن كانت القبلة أو اللمس أو المباشرة حاصل من حائض أو نفساء في حال كونها ناسية لحرمة الاعتكاف التي عليها، فإن اعتكافها يبطل.
قوله: (وإن أذن لعبد أو امرأة) أي وإن أذن السيد لعبد ذكر أو أنثى، أو أمر الزوج الزوجة (في ندر) الاعتكاف فنذرته، (فلا منع) له بعد ذلك، سواء دخل في المنذور أم لا للزومه بالنذر، وكذلك إذا أذن له في تنفيذ النذر.
قوله: (كغيره: إن دخلا) أي كما لا يمنع له إذا أذن له في غير النذر بشرط أن يدخلا فيه، وأما قبل الدخول فله المنع.
قوله: (وأتمت ما سبق منه أو عدة) أي وأتمت المرأة ما سبق من الاعتكاف، أو من العدة أي فإذا طلقت امرأة، أو توفي عنها زوجها وهي معتكفة، فإنها تمكث إلى أن ينقضي اعتكافها، فتخرج فتتم ما بقي من عدتها، فإن طلقت أو توفي عنها قبل الاعتكاف، فإنها تتمادى على عدتها، وليس لها أن تعتكف حتى تنقضي العدة. الحاصل أنها تنظر إلى السابق منهما.
قوله: (إلا أن تحرم، وإن بعدة موت فينفذ، وتبطل) أي إلا أن تحرم المعتدة وإن في عدة وفاة، وأحرى عدة طلاق، فإن الإحرام ينفذ ويبطل المبيت في العدة، ولكن هي عاصية بالإحرام وهي معتدة، وإنما غياها بعدة الموت لأنه أشد من عدة الطلاق لما يلزم فيها من الإحداد.
стр. 487
قوله: (وإن منع عبده نذرا فعليه إن عتق ولا يمنع مكاتب يسيره) أي وإن منع السيد عبده من وفاء نذر نذره، وأوجبه على نفسه من اعتكاف أو غيره فعليه الوفاء به إن عتق يوما ما، يريد إذا كان مضمونا وإلا فلا، ولا يمنع السيد مكاتبه من يسير النذر، وحد اليسير ما لا يضر بسيده ولا بوفاء كتابته.
قوله: (ولزم يوم إن نذر ليلة، لا بعض يوم) أي ولزم اعتكاف يوم إن نذر اعتكاف ليلة أو العكس، لأن الاعتكاف لا يكون إلا بصيام ولا صوم في ليل، لا إن نذر اعتكاف بعض يوم فإنه لا يلزمه شيء، كمن نذر صلاة ركعة واحدة.
قوله: (وتتابعه في مطلقه) أي ويلزم تتابع الاعتكاف إذا أطلقه ولم يقيده بتتابع ولا غيره.
ومذهب الشافعي: لا يلزمه التتابع.
وحجتنا أن الإعتكاف متصل بعضه ببعض، وأما إن قيده بالتتابع فإنه يلزمه بلا خلاف.
قوله: (ومنويه حين دخوله) أي ولزم المعتكف منويه حين دخوله في الاعتكاف وإن خالف منويه قبل ذلك، وأما بمجرد النية فلا يلزم، لأن الاعتكاف لا يلزم إلا أن ينذره بلفظ أو نية مع دخول.
قوله: (كمطلق الجوار) أي كما يلزم منويه حين دخوله في الجوار المطلق، والمطلق هو غير المقيد بنهار، ويلزم بالنذر باللفظ وبالدخول مع النية، وفيه الصيام؛ لأنه كالاعتكاف، ويلزم التتابع في مطلقه.
الجوار بضم الجيم، وكسرها من المجاورة الجوار سواء في مسجد مكة أو المدينة أو غيرهما من المساجد.
قال الأبي في كتابه إكمال الإكمال: الجوار عرفا كالاعتكاف في أنه ملازمة المسجد للعبادة غير أنه لا يشترط فيه الصوم، ولا يلزمه بالدخول فيه، ولا يقتصر فيه على عبادة معينة، ولا يلزم فيه الجمع بين الليل والنهار، بل يجوز أن يجاور أحدهما فقط، ومن نذره في مسجد بلده لزمه، وفي غيره لا يلزمه إلا أن يكون أحد المساجد الثلاث. انتهى (١).
الاعتكاف مرغب فيه ليس بواجب إجماعا. انتهى.
стр. 488
قوله: (لا النهار فقط فباللفظ، ولا يلزم فيه حينئذ صوم) أي لا يلزمه إن قيده بالنهار إلا أن يلفظ به فيلزمه به، وحيث لزمه باللفظ فلا يلزمه فيه حينئذ الصوم الذي هو من لوازم الاعتكاف.
قوله: (وفي يوم دخوله)، ضبط الشيخ يوم بالتنوين أي وإن قيده بالنهار فهل يلزمه يوم دخوله فيه؟ أولا يلزمه فيه (تأويلان)، وأما ما بعد ذلك فلا خلاف أنه لا يلزمه.
قوله: (وإتيان ساحل لناذر صوم به مطلقا، والمساجد الثلاثة فقط لناذر عكوف بها) أي ولزمه إتيان الساحل من نذر صوم يوم فيه مطلقا أي سواء كان موضع نذره أفضل كمكة والمدينة - زادهم الله شرفا - من موضع المنذور فيه الصوم - لما فيه من الرباط وسد الثغور.
الساحل: شاطئ البحر.
وكذلك يلزم إتيان المساجد الثلاث: مسجد النبي ﷺ ، ومسجد مكة ومسجد بيت المقدس لمن نذر العكوف بها أي فيها، ولا يلزمه الإتيان في غير الثلاث، ولو كان مسجد قباء الذي أسس على التقوى.
عياض في إكمال الإكمال: أجمعوا على أن موضع قبره ﷺ أفضل بقاع الأرض، وأن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، ثم اختلفوا فيما عدا موضع قبره ﷺ من المدينة ومكة أيهما أفضل فمذهب بعض الصحابة، ومالك أن المدينة أفضل، وقالوا معنى الاستثناء إلا المسجد الحرام، فإنها في مسجده ﷺ أفضل منها فيه بأقل من ألف وذهب ابن وهب وابن حبيب والشافعي والمكيون والكوفيون إلى أن مكة أفضل (١).
قوله: (وإلا فبموضعه) أي وإن نذر الاعتكاف في غير أحد المساجد الثلاث، فإنه يعتكف في مسجد موضعه.
قوله: (وكره أكله خارج المسجد، واعتكافه غير مكفي، ودخوله منزله وإن لغائط، واشتغاله بعلم وكتابته وإن مصحفا إن كثر) أي خارج المسجد، هذا شروع منه ﵀ فيما يكره فعله للمعتكف أي وكره للمعتكف أن يخرج من المسجد للأكل، بل يأكل في المسجد. وكذلك يكره له أن يدخل في الاعتكاف وهو غير مكفي لصلاح شأنه،
стр. 489
وينبغي له أن لا يبتدئ الاعتكاف حتى يعد جميع ما يحتاج إليه، وكذلك يكره له الدخول في منزله وإن لغائط وغيره، أحرى إذا كان فيه أهله، لئلا يرى شيئا في منزله، فيأمر بإصلاحه، فيكون في غير عمل الاعتكاف، وأما إذا كان منزله خاليا فلا يكره له دخوله. وكذلك يكره له الاشتغال بكتب العلم المتقدم، وإن كان الاشتغال بالعلم أفضل الأعمال، ولكن ليس من عمل الاعتكاف، وكذلك يكره الاشتغال بكتب العلم، وإن كان كتب المصحف إن كثر، ذكر هذا لئلا يتوهم أن كتابة القرآن كقراءته، وذلك كله إن كثر الاشتغال بالكتابة، وأما إن خف فلا يكره.
قوله: (وفعل غير ذكر وصلاة وتلاوة، كعيادة وجنازة، ولو لاصقت، وصعوده لتأذين بمنار أو سطح، وترتبه للإمامة، وإخراجه لحكومة إن لم يلد به) أي ومما يكره للمعتكف أن يعمل عملا من الطاعات غير ذكر وصلاة وتلاوة قرآن، فلا ينبغي له أن يفعل غير هذه الثلاثة، وكره له عيادة مريض إلا أن يصل بجنبه، فلا بأس أن يسلم عليه، ولا يقوم لتعزية ولا لتهنئة.
وكذلك يكره له الصلاة على الجنازة، ولو لاصقت به الصفوف، وكذلك يكره للمعتكف صعود المنار أو السطح لأجل التأذين، ويفهم منه أنه يجوز له التأذين في موضعه. وكذلك يكره له الترتب في الإمامة إذ ربما يشغله عن بعض وظائف الإعتكاف، لا مطلق الإمامة.
ويكره للحاكم إخراج المعتكف لخصومة، إن لم يظهر أنه قصد بالاعتكاف اللدد، وأما إن قصد به اللدد، فإنه يخرجه.
قوله: (وجاز إقراء قرآن، وسلامه على من بقربه، وتطيبه، وأن ينكح وينكح بمجلسه، وأخذه إذا خرج لكغسل جمعة ظفرا، أو شاربا، وانتظار غسل ثوبه أو تجفيفه)، لما فرغ من المكروهات شرع في الجائزات أي وجاز لمعتكف إقراء قرآن أي تعليمه. وكذلك يجوز له أن يسلم على من في قربه من المسجد، ولا يقوم إليه ليعزيه ولا ليهنئه.
قال اللخمي: وأجاز مالك أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يكثر، وأن يجلس للعلم، ويكتبه إذا لم يكثر أيضا، وترك ذلك أحب إليه (١).
وكذلك يجوز له أن يتطيب (٢) ذكرا كان أو أنثى، ويجوز له أن يتزوج، وأن يعقد
стр. 490
نكاح غيره في مجلسه من المسجد لا غيره، بخلاف المحرم، وفرق بينهما بأن المحرم يخالط النساء بخلاف المعتكف، لأن له زاجر وهو المسجد، وبأن الأصل فيهما الجواز، وبقي المعتكف على الأصل، وخرج المحرم عن الأصل، وبأن الاعتكاف إذا بطل أمره. خفيف بخلاف الحج، وكذلك يجوز له أخذ ظفره أي قلمه، أو قص شاربه لا حلق رأسه إذا خرج لغسل جمعته، أو جنابته، أو حاجة الإنسان، أو لشراء طعامه، ولا يأخذ من شعره وأظفاره في المسجد وإن جمعه وألقاه، ويجوز له انتظار غسل ثوبه وتجفيفه للضرورة والضرورة إذا لم يكن عنده غيره، أو لم يجد من يحفظ ثوبه.
قال في المدونة: ولا ينتظر غسل ثوبه وتجفيفه (١) يحتمل أن لا ينتظرهما جميعا، وأما أحدهما فينتظره فيكون وفاقا لما هنا، ويحتمل أن لا ينتظرهما، ولا أحدهما، وظاهر كلام الشيخ أن المنع في انتظارهما معا كنص ابن الحاجب. انتهى.
قال اللخمي: ويستحب أن يكون اغتساله وقضاء حاجته في أقرب المواضع إليه. وقال في المجموعة: بموضع غير مسكون (٢).
قوله: (وندب إعداد ثوب، ومكثه ليلة العيد)، هذا شروع منه ﵀ في مندوبات المعتكف أي وندب له أن يعد أي يحضر ثوبا يلبسه، إذا تنجس ثوبه من جنابة أو غيرها. وكذلك يندب له أن يمكث في المسجد في معتكفه ليلة العيد إن وافق آخر اعتكافه، لتتصل العبادة بالعبادة.
وقيل: يجب المكث اقتداء بالنبي ﷺ وأفعاله ﷺ هي على الوجوب، أو على الندب.
قوله: (ودخوله قبل الغروب. وصح إن دخل قبل الفجر، واعتكاف عشرة، وبآخر المسجد وبرمضان، وبالعشر الأخير لليلة القدر الغالبة به) أي ومما يندب للمعتكف دخوله في اعتكافه قبل الغروب من أول ليلة أراد أن يعتكف فيها، ويصح اعتكافه إن دخل فيه قبل الفجر، ولكن ترك المندوب، وإن لم يدخل إلا بعد الفجر فلا يعتد بذلك اليوم، وكذلك يندب له أن يكون اعتكافه إن دخل فيه قبل الفجر عشر ليال لا أقل، لأن في المدونة: قال ابن القاسم: لا أرى الاعتكاف دون عشرة أيام (٣). وقول اللخمي: تكره
стр. 491
الزيادة عليها (١) خلاف لظاهر الرسالة، لأنه قال: وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام (٢).
وكذلك يندب له أن يكون معتكفه في عجز المسجد أي آخره، لأنه أخفى للعبادة وأبعد من الأصوات.
ويندب له أن يوقع اعتكافه في رمضان، ويكون في العشر الأواخر منه، طلبا لليلة القدر الغالبة فيه، سميت ليلة القدر لشرفها، لأن القدر هو الشرف أو للضيق لأن الملائكة يضيقون الطرق بالناس، وقال تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧]، أو لأنه يقدر الله ما يكون في تلك السنة من الأرزاق والآجال وغير ذلك.
والمراد بهذا التقدير، إظهاره سبحانه للملائكة ﵈ مما يكون من أفعاله بما سبق به علمه وقضاؤه في الأزل، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح﴾ [القدر: ٤]، وبقوله: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤]. انتهى من إكمال الإكمال (٣).
قال الله: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣] إلى آخره. يريد سبحانه: فيما يضاعف فيها من الثواب، فالحسنات تضاعف في غيرها بسبعمائة، وتزيد فيها على أكثر من ألف.
قال مالك: «سمعت ممن أثق به يقول: إن رسول الله ﷺ أري أعمار الناس قبله، وما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغه غيرهم من طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر» (٤) فمن أقامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. انتهى من اللخمي (٥).
وقال ﷺ : «من صلى من أول شهر رمضان إلى آخره في جماعة، فقد أخذ حظه من ليلة القدر» (٦).
قوله: (وفي كونها بالعام أو برمضان خلاف. وانتقلت، والمراد بكسابعة ما بقي أي
стр. 492
وفي كون ليلة القدر في العام كله، أو إنما هي في رمضان فقط وعليه الأكثر في ذلك خلاف، وتنتقل عن ليلة إلى ليلة أخرى، لقول ابن رشد: أصح الأقوال أنها تنتقل، فلا تختص بليلة معينة (١).
وفيها قال ابن وهب قال مالك في حديث النبي ﷺ : «التمسوا ليلة القدر في التاسعة والسابعة والخامسة» (٢)، أرى والله أعلم أنه إنما أراد بالتاسعة من العشر الأواخر ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة ثلاث وعشرين، وبالخامسة ليلة خمس وعشرين (٣)، وعليه يكون المراد بكسابعة في الحديث ما بقي أي التمسوها لتاسعة تبقى وخامسة تبقى، ويشهد لذلك ما في مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه لما سئل عن الخامسة، والسابعة والتاسعة؟ فقال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها اثنتان وعشرون، فهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة» (٤).
وأخرج البخاري نحوه من حديث ابن عباس (٥)، لكن الحديثين مبنيان على كمال الشهر، وقول مالك مبني على نقصانه، كأنه اعتبر المحقق وألغى المشكوك، فينبغي التماسها في السنة كلها.
قوله: (وبنى بزوال إغماء أو جنون) هذا شروع منه تخلله فيما يبني فيه المعتكف أي وإن أغمي عليه في اعتكافه ثم أفاق، فإنه يبني من حيث زال عنه الإغماء، أو أفاق من الجنون، فإن أخر البناء بطل اعتكافه.
قوله: (كأن منع من الصوم لمرض، أو حيض، أو عيد) أي كما يبني إذا منع من الصوم في اعتكافه، لأجل مرض لا يقدر معه على الصوم، أو لأجل حيض، أو نفاس طرأ عليها بلا خلاف. وكذلك يبني على ما مضى من اعتكافه إذا خرج لأجل
стр. 493
صلاة العيد.
اللخمي: وكذلك إن طرأ المرض والخوف، فإنه يبني، وهو المرجوع إليه، وقال فيمن أخرجه القاضي لدين إن بنى أجزأه. واستحب الابتداء، وقال ابن القاسم: يبتدئ. انتهى من التبصرة (١).
قوله: (وخرج وعليه حرمته) أي وإن طرأ العذر المبيح للخروج على معتكف، فإنه يخرج وعليه حرمة الاعتكاف، ويجتنب كل ما يجتنبه.
قال القرافي: وجملة ما يخرج إليه خمسة نظمها قوله: (٢)
وما له أن يخرجا إذا نوى أن يبرحا … إلا بخمسة قد صرحا
منها هدية حاجة الإنسان … والحيض والنفاس للنسوان
ونازل من حادث أو من مرض … وسعيه في فوته لا يعترض
قوله: (وإن أخره بطل؛ إلا ليلة العيد ويومه) أي وإن زال عذر المعذور، وأخر البناء بطل اعتكافه، إلا أن يكون التأخير لأجل عيد وافقه، فإن ذلك لا يبطل اعتكافه، لأن الليل كالتبع ليومه، ويوم العيد عذره.
قوله: (وإن اشترط سقوط القضاء لم يفده) أي وإن اشترط المعتكف في اعتكافه متى عرضت له ضرورة توجب القضاء فلا قضاء، لم يفده ذلك الشرط لقوله: ﴿كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط﴾ (٣). انتهى.
وتفسير الشارح في هذا الفصل فيه ما فيه.
стр. 494
باب [في أحكام كتاب الحج والعمرة]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الحج والعمرة، الحج في اللغة: القصد، والحجيج جمع حاج، وشعائر الحج مناسكه وعلاماته، والشعيرة والشعارة والمشعر معظمها وشعائره معالمه التي ندب الله إليها بالقيام بها. الحج واجب بالكتاب والسنة والإجماع لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] ولحديث النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس (١)، وحديث: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا» (٢)، وهذا الحديث عند أهل السنة محمول على من كذب بوجوبه لأن تركه لغير عذر إنما هو معصية، ونحن لا نكفر بالذنب. انتهى إكمال الإكمال (٣).
الحج المبرور من أفضل الأعمال، قال عياض: قال شمر (٤): هو السالم من الإثم، وقال الحربي (٥): هو المتقبل أي المثاب عليه، وقيل هو المبذول فيه النوال لقوله: وقد قيل يا رسول الله ما بر الحج قال: «إطعام الطعام وطيب الكلام» (٦) من
стр. 495
البر الذي هو فعل الجميل، وقد يكون من البر بمعنى الصدق فيكون الحج المبرور الصادق الخالص فيه.
قال النووي: في تفسيره بالمتقبل مشكل لأنه لا يعلم المتقبل منه إلا أن يقال: يعلم بالأمارات كما يقال: من علاماته زيادة الخير. انتهى من إكمال الإكمال (١).
وفي إكمال الإكمال عند قوله في الحديث: «فلم يرفث ولم يفسق» (٢)، المازري هو من قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ الآية [البقرة: ١٩٧]، يقال: رفث، وفي الفاء من مضارعه الحركات الثلاث. ويقال أيضا: أرفث رباعيا والرفث. قيل: هو كناية عن الجماع.
وقيل: التصريح بذكر الجماع.
وقيل: هي كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عباس يخصه بما خوطب به النساء، والفسوق السيئات.
وقيل: قول الزور.
وقيل: الذبح للأصنام.
وقيل: ما أصاب من محارم الله تعالى من الصيد.
ولم يذكر الجدال المذكور في الآية، لأنه ارتفع، لأنه كان بين العرب وسائر قريش في مواضع الوقوف بعرفة والمزدلفة.
القرطبي والمجادلة المخاصمة فيما لا يليق. وقوله: كيوم ولدته أمه، القرطبي: أي: بلا ذنب، وهو يتضمن الصغائر والكبائر.
قلت: قال ابن العربي: هذه الطاعة لا تكفر الكبائر، وإنما يكفرها الموازنة والتوبة، والصلاة لا تكفرها، فكيف تكفرها العمرة والحج؟ ولكن هذه الطاعات ربما أثرت في القلب فحملته على التوبة، واختار ابن بزيزة (٣) أن هذه الطاعات تكفر