← Фикх малики

Фикх малики · id 30174

موهوب الجليل في شرح مختصر خليل

ابن أبي بكر الواداني

Полный текст (1 727 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الزيادة عليها (١) خلاف لظاهر الرسالة، لأنه قال: وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام (٢). وكذلك يندب له أن يكون معتكفه في عجز المسجد أي آخره، لأنه أخفى للعبادة وأبعد من الأصوات. ويندب له أن يوقع اعتكافه في رمضان، ويكون في العشر الأواخر منه، طلبا لليلة القدر الغالبة فيه، سميت ليلة القدر لشرفها، لأن القدر هو الشرف أو للضيق لأن الملائكة يضيقون الطرق بالناس، وقال تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧]، أو لأنه يقدر الله ما يكون في تلك السنة من الأرزاق والآجال وغير ذلك. والمراد بهذا التقدير، إظهاره سبحانه للملائكة ﵈ مما يكون من أفعاله بما سبق به علمه وقضاؤه في الأزل، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح﴾ [القدر: ٤]، وبقوله: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤]. انتهى من إكمال الإكمال (٣). قال الله: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣] إلى آخره. يريد سبحانه: فيما يضاعف فيها من الثواب، فالحسنات تضاعف في غيرها بسبعمائة، وتزيد فيها على أكثر من ألف. قال مالك: «سمعت ممن أثق به يقول: إن رسول الله ﷺ أري أعمار الناس قبله، وما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغه غيرهم من طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر» (٤) فمن أقامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. انتهى من اللخمي (٥). وقال ﷺ : «من صلى من أول شهر رمضان إلى آخره في جماعة، فقد أخذ حظه من ليلة القدر» (٦). قوله: (وفي كونها بالعام أو برمضان خلاف. وانتقلت، والمراد بكسابعة ما بقي أي

стр. 492

وفي كون ليلة القدر في العام كله، أو إنما هي في رمضان فقط وعليه الأكثر في ذلك خلاف، وتنتقل عن ليلة إلى ليلة أخرى، لقول ابن رشد: أصح الأقوال أنها تنتقل، فلا تختص بليلة معينة (١). وفيها قال ابن وهب قال مالك في حديث النبي ﷺ : «التمسوا ليلة القدر في التاسعة والسابعة والخامسة» (٢)، أرى والله أعلم أنه إنما أراد بالتاسعة من العشر الأواخر ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة ثلاث وعشرين، وبالخامسة ليلة خمس وعشرين (٣)، وعليه يكون المراد بكسابعة في الحديث ما بقي أي التمسوها لتاسعة تبقى وخامسة تبقى، ويشهد لذلك ما في مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه لما سئل عن الخامسة، والسابعة والتاسعة؟ فقال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها اثنتان وعشرون، فهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة» (٤). وأخرج البخاري نحوه من حديث ابن عباس (٥)، لكن الحديثين مبنيان على كمال الشهر، وقول مالك مبني على نقصانه، كأنه اعتبر المحقق وألغى المشكوك، فينبغي التماسها في السنة كلها. قوله: (وبنى بزوال إغماء أو جنون) هذا شروع منه تخلله فيما يبني فيه المعتكف أي وإن أغمي عليه في اعتكافه ثم أفاق، فإنه يبني من حيث زال عنه الإغماء، أو أفاق من الجنون، فإن أخر البناء بطل اعتكافه. قوله: (كأن منع من الصوم لمرض، أو حيض، أو عيد) أي كما يبني إذا منع من الصوم في اعتكافه، لأجل مرض لا يقدر معه على الصوم، أو لأجل حيض، أو نفاس طرأ عليها بلا خلاف. وكذلك يبني على ما مضى من اعتكافه إذا خرج لأجل

стр. 493

صلاة العيد. اللخمي: وكذلك إن طرأ المرض والخوف، فإنه يبني، وهو المرجوع إليه، وقال فيمن أخرجه القاضي لدين إن بنى أجزأه. واستحب الابتداء، وقال ابن القاسم: يبتدئ. انتهى من التبصرة (١). قوله: (وخرج وعليه حرمته) أي وإن طرأ العذر المبيح للخروج على معتكف، فإنه يخرج وعليه حرمة الاعتكاف، ويجتنب كل ما يجتنبه. قال القرافي: وجملة ما يخرج إليه خمسة نظمها قوله: (٢) وما له أن يخرجا إذا نوى أن يبرحا … إلا بخمسة قد صرحا منها هدية حاجة الإنسان … والحيض والنفاس للنسوان ونازل من حادث أو من مرض … وسعيه في فوته لا يعترض قوله: (وإن أخره بطل؛ إلا ليلة العيد ويومه) أي وإن زال عذر المعذور، وأخر البناء بطل اعتكافه، إلا أن يكون التأخير لأجل عيد وافقه، فإن ذلك لا يبطل اعتكافه، لأن الليل كالتبع ليومه، ويوم العيد عذره. قوله: (وإن اشترط سقوط القضاء لم يفده) أي وإن اشترط المعتكف في اعتكافه متى عرضت له ضرورة توجب القضاء فلا قضاء، لم يفده ذلك الشرط لقوله: ﴿كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط﴾ (٣). انتهى. وتفسير الشارح في هذا الفصل فيه ما فيه.

стр. 494

باب [في أحكام كتاب الحج والعمرة] قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الحج والعمرة، الحج في اللغة: القصد، والحجيج جمع حاج، وشعائر الحج مناسكه وعلاماته، والشعيرة والشعارة والمشعر معظمها وشعائره معالمه التي ندب الله إليها بالقيام بها. الحج واجب بالكتاب والسنة والإجماع لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] ولحديث النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس (١)، وحديث: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا» (٢)، وهذا الحديث عند أهل السنة محمول على من كذب بوجوبه لأن تركه لغير عذر إنما هو معصية، ونحن لا نكفر بالذنب. انتهى إكمال الإكمال (٣). الحج المبرور من أفضل الأعمال، قال عياض: قال شمر (٤): هو السالم من الإثم، وقال الحربي (٥): هو المتقبل أي المثاب عليه، وقيل هو المبذول فيه النوال لقوله: وقد قيل يا رسول الله ما بر الحج قال: «إطعام الطعام وطيب الكلام» (٦) من

стр. 495

البر الذي هو فعل الجميل، وقد يكون من البر بمعنى الصدق فيكون الحج المبرور الصادق الخالص فيه. قال النووي: في تفسيره بالمتقبل مشكل لأنه لا يعلم المتقبل منه إلا أن يقال: يعلم بالأمارات كما يقال: من علاماته زيادة الخير. انتهى من إكمال الإكمال (١). وفي إكمال الإكمال عند قوله في الحديث: «فلم يرفث ولم يفسق» (٢)، المازري هو من قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ الآية [البقرة: ١٩٧]، يقال: رفث، وفي الفاء من مضارعه الحركات الثلاث. ويقال أيضا: أرفث رباعيا والرفث. قيل: هو كناية عن الجماع. وقيل: التصريح بذكر الجماع. وقيل: هي كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عباس يخصه بما خوطب به النساء، والفسوق السيئات. وقيل: قول الزور. وقيل: الذبح للأصنام. وقيل: ما أصاب من محارم الله تعالى من الصيد. ولم يذكر الجدال المذكور في الآية، لأنه ارتفع، لأنه كان بين العرب وسائر قريش في مواضع الوقوف بعرفة والمزدلفة. القرطبي والمجادلة المخاصمة فيما لا يليق. وقوله: كيوم ولدته أمه، القرطبي: أي: بلا ذنب، وهو يتضمن الصغائر والكبائر. قلت: قال ابن العربي: هذه الطاعة لا تكفر الكبائر، وإنما يكفرها الموازنة والتوبة، والصلاة لا تكفرها، فكيف تكفرها العمرة والحج؟ ولكن هذه الطاعات ربما أثرت في القلب فحملته على التوبة، واختار ابن بزيزة (٣) أن هذه الطاعات تكفر

стр. 496

الكبائر، قال: ويدل على ذلك حديث مباهاة الملائكة ﵈ بالحاج، لأن الملائكة ﵈ مطهرون مطلقا، ولا يباهى المطهر مطلقا إلا بمطهر مطلقا، فالقاتل يعفى عنه بحجه، وكذلك غير القتل من الكبائر. قال: وهذا مقتضى خبره ﷺ عن ربه تعالى، ولا حكم لسواه (١). قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: ومصالح الحج تأديب النفوس بمفارقة الأوطان، وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من المخيط وغيره؛ لتذكر المعاد، والاندراج في الأكفان، وتعظيم شعائر الله تعالى في تلك البقاع، وإظهار الانقياد من العبد لما لم يعلم حقيقته، كرمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف على بقعة خاصة دون سائر البقاع، وهذه المصالح لا تحصى، ولا تحصل إلا للمباشر، كالصلاة في حكمها ومصالحها، فمن لاحظ هذا المعنى، وهو مالك ﵀ ومن وافقه، قالوا: لا تجوز النيابة في الحج. ومن لاحظ الفرق بين الحج والصلاة ومشابهة النسك في المالية، فإن الحج لا يعرى عن القربة المالية غالبا في الإنفاق في الأسفار، قال: تجوز النيابة في الحج. والشائبة الأولى أقوى وأظهر، وهي التي تحصل في الحج بالذات، والمالية إنما حصلت بطريق العرض. انتهى (٢). وقال في الذخيرة تنبيه: قال الله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولم يقل في الصلاة وغيرها لله، لأنهما مما يكثر الرياء فيهما جدا، ويدل على ذلك الاستقراء، حتى إن كثيرا من الحجاج لا يكاد يسمع حديثا في شيء من ذلك، إلا ذكر ما اتفق له أو لغيره في حجه، فلما كانا مظنة الرياء قيل فيهما: لله اعتناء بالإخلاص. انتهى (٣). الحج بفتح الحاء وكسرها بمعنى قوي عليه. قال السهيلي (٤): بنيت الكعبة في الدهر خمس مرات:

стр. 497

الأولى: حين بناها شيث بن آدم، وكانت في حياة آدم العلي خيمة من لؤلؤ حمراء يطوف بها ويأنس، لأنها من الجنة. الثانية: حين بناها إبراهيم العلي. الثالثة: حين بنتها قريش قبل الإسلام بخمسة أعوام، وهي التي في الحديث. والرابعة: حين احترقت أيام ابن الزبير (١) بشرارة طارت إليها من أبي قبيس، فاحترقت الأستار فاحترق البيت، فهدمها ابن الزبير وبناها على خلاف ما كانت عليه. الخامسة: لما قدم عبد الملك (٢) مكة قال: لسنا بتخليط أبي خبيب في شيء - يعني ابن الزبير فهدمها وردها على ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ ، ثم ندم عبد الملك على ذلك، وقال: ليتني تركت أبا خبيب وما تحمل، فلما قدم أبو جعفر المنصور (٣)، وأراد ردها على ما بناها ابن الزبير، وشاور في ذلك، فقال له مالك له: أنشدك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت لعبة الملوك بعدك، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره، فتذهب هيبته من قلوب الناس فصرفه عن رأيه. وقيل: إن آدم العلي بناها قبل شيث، وبناء جرهم لها إنما كان إصلاحا. انتهى من إكمال الإكمال (٤). فقال البرزلي: يقال اختصم شياطين المشرق وشياطين المغرب أيهم أشد

стр. 498

غواية؟ فقال شياطين المشرق لشياطين المغرب: نحن أشد منكم غواية، لأنا نحمل المرء على المعاصي، وارتكاب المحظورات في مقامات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال شياطين المغرب: نحن أشد منكم غواية، لأنا نجد الرجل في أهله وولده يؤدي الفرائض من الصلاة والزكاة وغير ذلك، وهو في راحة، وملائكته معه كذلك من قلة التباعات، فإذا قال القوال في التشوق إلى أرض الحجاز ننخسه بالسكين، ونحمله على الخروج فيخرج، فمن يوم يخروجه نحمله على ترك الفرائض، وارتكاب المحظورات من يوم خروجه إلى يوم دخوله إلى أهله، يخسر نفسه وماله ودينه في شرق الأرض وغربها، فسلم لهم شياطين المشرق شدة الغواية. انتهى (١). قوله: (فرض الحج، وسنت العمرة مرة): أي مرة واحدة في كل منهما، وقيل: العمرة واجبة كالحج، العمرة الزيارة، واعتمر البيت زاره، وقيل: هي القصد، هذا معناها لغة، وهي في الشرع: قصد البيت على كيفية خاصة، وفروض الحج أربعة: الإحرام، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، والطواف بالبيت، كما سنذكرها، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما هذه الخطايا المكفرات، هي الصغائر والطاعات تؤثر في القلب فتورث توبة تكفير الخطايا. قوله: (وفي فوريته وتراخيه لخوف الفوات خلاف): أي وفي فورية وجوب الحج فيعصي بتأخيره مع القدرة عليه. ابن القصار: وهو المشهور، وهو قول العراقيين، أو هو على التراخي إلى خوف الفوات وهو قول اللخمي والباجي وهو قول المغاربة خلاف، ومنتهى الخلاف خوف الفوات، وحده سحنون ستين سنة، ولم يحدها بعضهم بل بحسب كل شخص وبلد. قال عياض في إكمال الإكمال: ويحتج به من لا يرى الحج على الفور لأن فرض الحج كان سنة تسع. وقيل: سنة خمس. والأول أصح. ويجيب من يراه على الفور بأنه إنما أخره حتى لا يرى منكر المشركين في تلبيتهم وطوافهم عراة، والنبي ﷺ أذن في الناس في العاشرة أي أعلمهم أنه يحج العام ليتأهبوا للحج معه،

стр. 499

فيتعلموا المناسك (١). ويحتج به من لا يرى الحج على الفور، وهذا مقدم على قوله الأول انظره. قوله: (وصحتهما بالإسلام فيحرم ولي عن رضيع، وجرد قرب الحرم، ومطبق) أي وصحة الحج والعمرة مشروطة بإسلام، فلا يصحان من كافر، ووجبتا عليه لأنه مخاطب بفروع الشريعة، وقيل لا يجبان عليه. قوله: فيحرم ولي عن رضيع والمراد بإحرامه عنه أن يجرده من مخيط الثياب، وينوي إدخاله في الحج أي فبسبب ما ذكرنا يحرم الولي عن رضيع، وأحرى من هو أكبر من الميقات، ويجرده قرب الحرم من المخيط، لا عند الميقات، وأما المراهق يجرد عند الميقات كالبالغ المطبق، وكذلك يحرم الولي عن المطبق الذي لا يميز بين السماء والأرض، ولا بين الطول والعرض. والولي هو الأب أو وصيه، أو الحاكم أو مقدمه. قوله: (لا مغمى) أي فلا يحرم الولي عن مغمى عليه، لأنه ترجى إفاقته عن قرب. قوله: (والمميز بإذنه، وإلا فله تحليله، ولا قضاء بخلاف العبد، وأمره مقدوره، وإلا ناب عنه إن قبلها كطواف، لا كتلبية، وركوع، وأحضرهم المواقف) أي وأما الصغير المميز يحرم بإذن وليه وإلا أي وإن أحرم بغير إذنه فله تحليله، وله إبقاؤه على إحرامه، فإن أحله فلا قضاء عليه إن بلغ لأنه ليس بمكلف حين التحليل، وهو بخلاف العبد إذ لا يحرم بغير إذن سيده، فحلله فإن القضاء عليه لأنه مكلف، ويقدم القضاء على فرضه إذا عتق، أو أذن له السيد، ويأمر الولي الصغير بفعل مقدوره، وإن لم يقدر ناب عنه الولي في الفعل إن كان قابلا للنيابة، كطواف أو سعي، أو رمي، وأما إن لم يقبل النيابة فلا ينوب عنه كتلبية وركوع، بل يسقط سواء في ذلك الصغير والمميز، والبالغ المطبق، ويحضرهم المواقف الستة: الميقات، والطواف، والسعي، وعرفة، والمزدلفة، والرمي. قوله: (وزيادة النفقة عليه إن خيف ضيعة، وإلا فوليه) أي وزيادة النفقة بسبب سفر على المولى عليه في حج أو عمرة في ماله إن خيف عليه ضيعة بتركه وإلا أي وإن لم يخف عليه ضيعة إذا تركه، فالزيادة على الولي لأنه المتسبب فيها، لأنه تعدى

стр. 500

حيث أخرجه. قوله: (كجزاء صيد، وفدية بلا ضرورة) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن على وليه جزاء صيد أتلفه، أو فدية ترتب عليه لأجل إحرامه، لأن الولي هو الذي ورطه في ذلك بحمله بلا ضرورة، وأما إن كان حمل الولي له بسبب ضرورة كخوف الضيعة عليه، فإن جزاء الصيد والفدية إذا ترتبا عليه فإنه عليه لا على الولي. قوله: (وشرط وجوبه - كوقوعه فرضا - حرية وتكليف وقت إحرامه) أي وشرط وجوب الحج كشرط وقوعه في حال كونه فرضا: حرية، فلا يقع حج العبد فرضا، لأن العبد غير مستطيع لشغله بحق سيده، وقيل إنما سقط عن العبد لأنه غير داخل في خطاب الأحرار، وقد اختلف الأصوليون في دخوله في ذلك. إكمال الإكمال (١). الشرط الثاني هو التكليف، فلا يقع الحج من غير مكلف فرضا، فالمعتبر الحرية والتكليف وقت التلبس بالإحرام لا بعده، ولو عتق العبد وبلغ الصبي عقب الإحرام فلا عبرة به بل يبقى على إحرامه بالنفل. وقوله: (بلا نية نفل) أي إلا أن ينوي الحر المكلف به نفلا فيكون نفلا. قوله: (ووجب باستطاعة بإمكان الوصول بلا مشقة عظمت، وأمن على نفس ومال؛ إلا لأخذ ظالم ما قل لا ينكث على الأظهر، ولو بلا زاد وراحلة لذي صنعة تقوم به، وقدر على المشي) إلى آخره أي ووجب الحج على المكلف بسبب استطاعته عليه لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [سورة آل عمران: ٩٧]. قوله: بإمكان الوصول وهو تفسير للاستطاعة أي وتحصل الإستطاعة بإمكان الوصول لإتمام أفعال الحج بلا مشقة عظيمة تلحقه، وأما المشقة اليسيرة فلا تعتبر إذ لابد منها، وأما المشقة العظيمة فإنها مسقطة، وأن يكون آمنا على نفسه وماله، إلا لأجل أخذ ظالم بمكس أو غيره مالا قليلا والحال أن الظالم لا ينكث أي لا ينقض عهده، فلا تقسط الاستطاعة عنه بسبب ذلك على الأظهر عند ابن رشد، مقابل الأظهر يسقط ما قل ظلما. انظر قوله: على الأظهر. قال ابن غازي: ما وجدته لابن رشد في المقدمات ولا في البيان، ولا في الأجوبة، ولم يذكره له ابن عرفة، ولا المصنف في مناسكه ولا في توضيحه (٢)،

стр. 501

ولعله أطلع عليه في غير هذه المواضع. قوله: (ولو بلا زاد وراحلة لذي صنعة تقوم به، وقدر على المشي) أي ووجب الحج بإمكان الوصول لإتمامه، ولو كان قاصده بلا زاد ولا راحلة، كما إذا كانت له صنعة تقوم به وهو قادر على المشي لأن الصنعة تقوم له مقام الزاد، والقدرة على المشي تقوم له مقام الراحلة. وسئل المازري عن سقوط فرض الحج في هذا الزمان فأجاب: هذا سؤال لا يخفى جوابه، ولا يمكن للمحصل أن يطلق القول في هذا، ولكن الذي لا يخفى أن الحج متى وجد إليه سبيلا ولم يخف على نفسه وماله أو أن يفتن في دينه أو أن يقع في منكرات أو إسقاط واجبات من صلوات أو غيرها، فإنه لا يسقط عنه وجوبه. وإن كان يخاف على نفسه الهلاك أو لا يصل إلى ذلك إلا ببذل الكثير من ماله للظلمة في الطريق، والغرامة تجحف به وتضر به ضررا شديدا فإن الحج ساقط في هذه الحال على ما نص عليه أصحابنا. وإن كان أيضا يقع في ترك الصلاة حتى يخرج وقتها أو يأتي ببدل منها في وقتها، ولم يوقعه في ذلك إلا السفر في الحج، فإن هذا السفر لا يجوز، وقد سقط عنه فرض الحج، انتهى من البرزلي (١). ولو ضيع صلاة واحدة وإن بترك شرطها لكان ما عليه من الذنوب أكثر من ثواب حجه ذلك قوله: (كأعمى بقائد) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يجب الحج على أعمى إن وجد قائدا يوصله إلى مراده منه، لأن القائد يقوم له مقام البصر. قوله: (وإلا اعتبر المعجوز عنه منهما) أي وإن كانت له صنعة تقوم به ولكن لم يقدر على المشي، أو قادر على المشي ولا صنعة له تقوم به فإن المعجوز عنه منهما معتبر في جانب السقوط. قوله: (وإن بثمن ولد زنا، أو ما يباع على المفلس، أو بافتقاره، أو ترك ولده للصدقة، إن لم يخش هلاكا) أي الإستطاعة هي إمكان الوصول إلى الحج، وإن كان بثمن ولد زنا لأنه ملكه أليست أمته ولدته؟ أو كان من ثمن ما يباع على المفلس، وسيأتي ما يباع على المفلس في بابه، أو كان ذلك يؤدي إلى افتقاره، ويبقى من فقراء المسلمين.

стр. 502

قال ابن القاسم: ومن لم تكن له إلا قرية باعها في حجة الإسلام ويترك ولده في الصدقة (١). ابن رشد: وهذا على القول بفوريته وهو كما قال، إن لم يخش عليه هلاكا على القول بالتراخي والفورية. ابن عرفة عنه: إن أمن ضيعتهم، ثم قال: ونقل بن الحاجب: لا يعتبر ضياعه أو ضياع من يقوته لا أعرفه (٢). قوله: (لا بدين أو عطية أو سؤال مطلقا) أي لا يجب عليه الحج بما لم يتقرر في ملكه كالتداين لأجله، أو قبول عطية لما فيه من المنة، وليس عليه أن يحج بدين ثبت عليه أذن له ربه في الحج به. وكذلك لا يجب عليه أن يسأل ما يوصله إلى الحج مطلقا كان عادته السؤال أم لا. عادة الناس إعطاؤه أم لا. قوله: (واعتبر ما يرد به؛ إن خشي ضياعا) أي واعتبر في الإستطاعة ما يرد به إلى أقرب موضع يعيش فيه، وإن غير بلده إن خشي ضياعا بإقامته في البلد الحرام. قال اللخمي وإن لم يخش الضياع فلا يعتبر إلا ما يوصله فقط (٣). قوله: (والبحر كالبر) أي والبحر كالبر في جميع ما تقدم. وقوله: (إلا أن يغلب عطبه) مستغنى عنه لأن البر إذا غلب عطبه فإنه مسقط للحج. قال ابن المعلى السبتي (٤) في مناسكه تنبيه: يجب على من أراد السفر للحج في البحر ألا يركب الغرر المتفق على تحريمه، وهو ركوب البحر في غير إبانه ووقت هيجانه، حكى الإتفاق على تحريم ذلك القاضي عياض ﵀ في إكماله. فإن قلت: فعين لنا هذا الوقت حتى نجتنبه. قلت: قد نص بعض العلماء على أنه يرجع في ذلك لأهل الخبرة بهذ الشأن، فإن قالوا: إن الغالب فيه العطب امتنع ركوبه، وقد رأيت أحمد بن نصر الداودي ﵀ نص

стр. 503

في كتابه على أن من ركب البحر عند سقوط الثريا فقد برئ من الله تعالى (١). قوله: (أو يضيع ركن صلاة لكميد) أي وكذلك لا يجوز السفر للحج إذا خاف أن يضيع ركنا من أركان الصلاة لكميد أي لأجل ميد أو ضيق ونحو ذلك، وأحرى الصلاة كلها. قال الإمام مالك رحلة: لا يركبه أيركب حيث لا يصلي؟ ويل لمن ترك الصلاة، لأن مفسدة ترك صلاة واحدة أكبر من ثواب حجة. قوله: (والمرأة كالرجل: إلا في بعيد مشي، وركوب بحر إلا أن تختص بمكان) أي والمرأة كالرجل في الاستطاعة إلا في مشي بعيد فيسقط عنها لأن طول المشي يكشف عورتها، وكذلك ركوب البحر، إلا أن تخص في السفينة بمكان يسترها. قوله: (وزيادة محرم أو زوج لها)، لو قال تحلله: وصحبة محرم أو زوج لكان أولى، مراده بالزيادة، أنه زاد على ما ذكر في الرجل المحرم ليشمل: النسب والصهر والرضاع، لكن كره مالك سفرها مع ربيبها إما لفساد الزمان أو لضعف مدرك التحريم عند بعضهم، وعلى هذا فيلحق به سائر محارم الصهر ومحارم الرضاع، وأما ما بينهما من العداوة فسفرها معه تعريض لضيعتها وهذا هو الظاهر. وقد صرح ابن الجلاب وصاحب التلقين بجواز سفر المرأة مع محرمها من الرضاع في باب الرضاع. قوله: (كرفقة أمنت بفرض، وفي الاكتفاء بنساء أو رجال، أو بالمجموع تردد) تشبيه لإفادة الحكم أي كما عليها أن تخرج إلى حجة الفرض، إذا وجدت رفقة مأمونة، وإن لم يكن معها محرم ولا زوج لا في نفل، وفي الإكتفاء في الرفقة المذكورة بنساء فقط أو رجال فقط، أو لا بد فيه من المجموع فيه تردد الأشياخ في فهم قول مالك فيها من ليس لها ولي تخرج مع من تثق به من الرجال والنساء. قوله: (وصح بالحرام وعصى) أي ومن حج بمال حرام من غصب أو حرابة أو سرقة أو نهب أو غش أو غير ذلك من وجوه الحرام فإن حجه صحيح، ولكن عصى الله بفعله ذلك. قال ابن معلى السبتي المالكي في مناسكه تنبيه قال بعض الفضلاء ﵀: المنفق من غير حل في حجه جدير بعدم القبول وإن سقط الفرض عنه كما قاله

стр. 504

الأئمة الثلاثة ﵃ قال بعض المحققين من العلماء المتقين: أما عدم القبول فلاقتران السفر بالمعصية وفقدان الشرط وهو التقوى، قال الله تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: ٢٧] وأما صحة العبادة في نفسها فلوجود شروطها وأركانها، قال: ولا تناقض في ذلك، لأن أثر عدم القبول يظهر في سقوط الثواب - والعياذ بالله - وأثر الصحة يظهر في سقوط الفرض عنه وإبراء الذمة منه. قلت: وقد أشار جماعة من العلماء إلى عدم القبول منهم الإمام القشيري والغزالي وابن عبدوس (١) والقرافي والقرطبي والنووي، ونقله الغزالي ﵀ عن ابن عباس ﵃ وكفى به حجة، وقال في آخر كلامه: أكل الحرام والشبهة مطرود محروم لا يوفق لعبادة الله وإن اتفق له فعل خير فهو مردود عليه غير مقبول منه. وذكر الشيخ أبو العباس القرطبي (٢) ﵀ في كتابه المفهم على صحيح مسلم: أن أبا بكر الصديق ﵁ شرب جرعة من لبن فيه شبهة وهو لا يعلم ثم لما علم بذلك استقاءها فأجهده ذلك حتى تقيأها، فقيل له: أكل هذا في شربة لبن. فقال: والله لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به» (٣). قلت: وإذا كانت الحال هذه فسبيل المرء أن يتقي الله في سره وعلانيته ويحافظ على شروط قبول عبادته، وقد قال بعض العلماء المحققين: إن إعمال الجوارح في الطاعات مع إهمال شروطها ضحك للشيطان لكثرة التعب وعدم النفع، وقد روي: «من حج من غير حل فقال: لبيك، قال الله تعالى له: لا لبيك ولا سعديك» (٤).

стр. 505

انتهى (١). وفي إكمال الإكمال: «ولا يقبل الله إلا الطيب» (٢). المازري: الطيب الحلال من قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧] إلى قوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قلت: القبول حصول الثواب على الفعل فالمعنى: ولا يثيب الله من تصدق بالحرام. فإن قلت: الحج بالمال حرام صحيح، فما الجمع بين ذلك وبين ما فسرت به الحديث؟. قلت: المنفي في الحديث القبول، وهو أخص من الصحة التي هي عبارة عن كون الفعل مسقطا للقضاء، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم بالمال، فالحج بالمال الحرام صحيح، أي يسقط به الفرض، وهو غير متقبل أي لا ثواب فيه. ولا يستبعد هذا بأن يقال لا واجب إلا وفي فعله ثواب، لأنا نقول رد الشيء المذكور واجب ولا ثواب فيه، ولا يستشكل صحة الحج بالمال الحرام، بقول مالك في النكاح بالمال الحرام: أخاف أن يضارع الزنا. لأنه إنما قال ذلك مبالغة في التنفير عنه، وإلا فالنكاح صحيح. انتهى منه (٣). وفيه: قلت: القبول أخص من الإجزاء، لأن القبول عبارة عن ترتيب الثواب على الفعل، والإجزاء عبارة عن سقوط القضاء، فلذلك قال: يجزئ وهو آثم. انتهى (٤). قوله: (وفضل حج على غزو) أي وفضل حج على جهاد، (إلا ل) أجل (خوف) من العدو، فيكون الجهاد حينئذ أفضل، قال بعض الشراح: فيجب الجهاد. وأما الشيخ لم يبين، ويحتمل كلامه التفسيرين، ويحتمل أن يستويا عند الخوف.

стр. 506

انتهى. القرافي في أنواء البروق في أنواع الفروق قاعدة: التفضيل باختيار الرب تعالى لمن يشاء على من يشاء، ولما يشاء على ما يشاء، فتفضيل أحد المتساويين من كل وجه على الآخر، كتفضيل شاة الزكاة على شاة التطوع، وكتفضيل فاتحة الكتاب داخل صلاة الفرض على الفاتحة خارج الصلاة، إذا تقرر هذا فإن الواجب أفضل مما ليس بواجب، وكذلك تفضيل حج الفرض على تطوعه، والأذكار في الصلاة على مثلها خارج الصلاة. إذا تقررت هذه القواعد في أسباب التفضيل. فاعلم أن هذه الأسباب الموجبة للتفضيل قد تتعارض فيكون الأفضل من حاز أكثرها وأفضلها، والتفضيل إنما يقع بين المجموعات، وقد يختص المفضول ببعض الصفات الفاضلة ولا يقدح ذلك في التفضيل عليه لقوله ﷺ : «أقضاكم علي وأفرضكم زيد ابن ثابت وأقرؤكم أبي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» (١) مع أن أبا بكر الصديق ﵃ أجمعين - أفضل الجميع، وكاختصاص سليمان ﷺ بالملك العظيم، ونوح ﷺ بإنذار المئين من السنين وآدم ﷺ بكونه أبا البشر، مع تفضيل النبي ﷺ على الجميع، فلولا هذه القاعدة وهي تجويز اختصاص المفضول بما ليس للفاضل للزم التناقض فقد يختص المفضول بما ليس في الفاضل، كاختصاص الجهاد بثواب الشهادة والصلاة أفضل منه، وليس فيها ذلك، بل الحج أفضل من الغزو، وكذلك الحج فيه تكفير الذنوب كبيرها وصغيرها، وجاء في الحديث: «من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (٢)، وهو يقتضي الذنوب كلها والتبعات، لأنه يوم الولادة كان كذلك. وقد ورد في بعض الأحاديث: «إن الله تعالى تجاوز لهم عن الخطيئات وضمن عنهم التبعات». والصلاة ليس فيها ذلك مع أنها أفضل من الحج. انتهى (٣). وفي إكمال الإكمال: قال ابن العربي: هذه الطاعات لا تكفر الكبائر وإنما

стр. 507

يكفرها الموازنة والتوبة، والصلاة لا تكفرها، فكيف يكفرها الحج والعمرة ولكن هذه الطاعات ربما أثرت في القلب، فحملت على التوبة (١). قوله: (وركوب، ومقتب) أي والركوب في الحج أفضل من المشي، وإن كان قد جاء منصوصا من طريق ابن عباس عن رسول الله ﷺ : «من حج ماشيا كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم»، قال: وما من حسنات الحرم؟ قال: «الحسنة فيه بمائة ألف حسنة» (٢). وهذا الحديث أسنده البزار. انتهى من شرح غريب الموطا. والركوب على القتب أفضل من الركوب على السرج، أو الرحل أو الهودج أو المحمل أو المحارة اقتداء برسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، ولما في ذلك من كثرة النفقة في شراء المركوب، وفيه تعظيم شعائر الحج وحفظ القوة لأجل الاستعانة على مناسك الحج، ولبعد الصحر فكره العلماء ﵃ الركوب في سفر الحج على المحامل والهوادج. انتهى. فلو كان يشق على أحد الركوب على الرحل من ضعف أو علة في بدنه فلا بأس بالمحمل، بل هو في هذا الحال مستحب لراحة البدن. انتهى من مناسك بن المعلى السبتي. قوله: (وتطوع وليه عنه بغيره: كصدقة ودعاء) أي وفضل تطوع ولي الميت عنه بغير الحج، وذكر لذلك أمثلة أي وذلك كصدقة أو هدي أو دعاء، لأن الصدقة والدعاء يصلان الميت بلا خلاف، وإنما الخلاف في الحج والصوم هل يصلانه أم لا؟ ويفهم من قوله وتطوع وليه، أن الميت لم يوص به. قوله: (وإجارة ضمان على بلاغ) أي وفضل إجارة مضمونة على إجارة على بلاغ، وقال مالك: سوق الإبل أحب إلي من أن يعمل عملا لله بأجر (٣)، قيل: إن رجلا أتى إلى ابن المنكدر (٤) يسأله في أخذ حجة، فقال له: أما تستحي من الله أن يبيع الناس أمتعتهم، وتبيع أنت لبيك اللهم لبيك.

стр. 508

قوله: (فالمضمونة كغيره، وتعينت في الإطلاق، كميقات الميت، وله بالحساب إن مات ولو بمكة، أو صد والبقاء لقابل، واستوجر من الانتهاء) أي فالإجارة المضمونة في الجج كالإجارة المضمونة في غير الحج صفة وحكما، وتتعين المضمونة في الإطلاق أي وإن لم يقيد بمضمون ولا بلاغ لأن ذلك أحوط. وقيل: إن أطلق حمل على عادة البلد. وكذلك يتعين ميقات الميت إذا أطلق ولم يقيد الإحرام في غيره، لأن الوصية لا تحمل على ظاهر لفظها، وإنما تحمل على ما ظهر أنه مراد الموصي بها، وأجير المضمونة يملك بالعقد الأجرة كلها، فإن بقي منها شيء بعد تمام العمل فله، فإن نقص فعليه تمام العمل، وله بالحساب إن مات قبل تمام العمل، ولو مات في مكة خلافا لابن حبيب، لأنه قال: إن مات في مكة استحق جميع الأجر، وهو موافق لظاهر الرسالة، والحساب يكون على قدر صعوبة الطريق وسهولتها وأمنها وخوفها، لا بمجرد قطع المسافة. وكذلك إن صد، أي منع قبل تمام العمل لأجل عدو أو مرض، فله الحساب فيما سار كالميت، وله البقاء على عمله إلى قابل محرما أو حالا، فإن مات أو اختار المصدود أخذ محسوبته، واستؤجر لما بقي من العمل حيث. انتهى. قوله: (ولا يجوز اشتراط كهدي تمتع عليه)، أتى بالكاف ليدخل هدي القران أي ولا يجوز اشتراط هدي تمتع أو قران على الأجير، هكذا فسره الشارح في شروحه الثلاثة، ورد الضمير في عليه على الأجير، ورده فتح الجليل والبساطي على المستأجر. الحاصل: كل من عليه ذلك لا يجوز شرطه على الآخر، لأن جنس الهدي وصفته مجهولة. قوله: (وصح إن لم يعين العام. وتعين الأول) أي وصح الاستئجار إن لم يعين العام، وأحرى إن عين أي وإن لم يعين الأجير العام الذي يحج فيه، فإن سائر عقود الإجارة إذا وقعت مطلقة صحت ويحمل على أقرب زمان يمكن وقوع الفعل فيه، ويتعين العام الأول، فإن فات لزمه الحج فيما بعده. قوله: (وعلى عام مطلق) أي وصح الاستئجار على عام مطلق كما إذا قال للأجير: حج عني متى شئت في هذا العشر فلا يتعين الأول ويحتمل وفضل عام معين على عام مطلق، (وعلى الجعالة) كذلك يصح العقد في الحج (وحج على ما فهم)

стр. 509

هو أن يؤجر نفسه على أنه إن وفى بالحج كان له جميع الأجر وإلا فلا شيء له. قوله: (وحج على ما فهم) أي وحج الأجير على ما فهم من حال الميت من ركوب وغيره، وجنى الأجير إن وفى أي قضى دينه بمال الموصي، ومشى لتمام الحج، لأنه فعل ما لا يحل له. قال صاحب فتح الجليل: والعادة اليوم بخلاف ذلك، وأنه يصنع به ما يشاء ويحج ما يشاء، وكيف تيسر (١). قوله: (وجنى إن وفى دينه ومشى)، يحتمل أنها مسألة واحدة، ويحتمل أنهما مسألتان أي فإن وقع ونزل مشى. قوله: (والبلاغ: إعطاء ما ينفقه بدءا وعودا بالعرف، وفي هدي وفدية لم يتعمد موجبهما، ورجع عليه بالسرف)، هذا تعريف لأجرة البلاغ، وهو إعطاء الأجير ما ينفقه في ذهابه ورجوعه بالعادة، وما ينفقه في هدي وفدية لم يتعمد موجبها، وأما إن تعمد فذلك عليه في ماله، لا على المستأجر، فإن خالف العادة، وأنفق سرفا رجع عليه بالسرف. قوله: (واستمر إن فرغ، أو أحرم ومرض، وإن ضاعت قبله رجع، وإلا فنفقته على آجره، إلا أن يوصي بالبلاغ؛ ففي بقية ثلثه ولو قسم) أي واستمر العمل، إن فرغ المال قبل تمام الحج وكذلك يستمر إن أحرم ومرض بعد الإحرام، ويرجع بما أنفق لأنه لم يفرط، وأما إن ضاعت النفقة التي دفعت إليه قبل الإحرام، فإن الأجير يرجع من حيث ضاعت، وله على آجره ما ينفق في رجوعه، فإن تمادى ولم يرجع حتى أتم لم يكن له شيء مما أنفقه في ذهابه ذلك وإيابه إلى حيث ضاعت النفقة، فيكون له ما أنفق بعد ذلك. قوله: وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك بل ضاعت بعد الإحرام، فإنه يتمادى على عمله إلى تمامه، فتكون نفقته حينئذ على آجره، لعدم إمكان رفض الإحرام، لأن الآجر مفرط حيث لم يؤاجر على البلاغ وعدل عن المضمونة، هذا كله إذا لم يوص الميت بالبلاغ، وأما إن أوصى بإجارة البلاغ، فيكون ذلك في بقية ثلثه، ولو قسم المال. قوله: (وأجزأ إن قدم على عام الشرط أو ترك الزيارة، ورجع بقسطها، أو خالف إفرادا

стр. 510

لغيره إن لم يشترطه الميت، وإلا فلا، كتمتع بقران أو عكسه، أو هما بإفراد، أو ميقاتا شرط)، هذا شروع منه ﵀ فيما يجزئ من أعمال الأجير في الحج وما لا يجزئ، فينبغي للأجير في الحج ألا يخالف ما شرط عليه، فإن خالف ما شرط عليه، وقدم الحج على عام الشرط، فإنه يجزيه لأنه كمن قضى دينه قبل أجله، كما إذا شرط عليه أن يحج في العام الثالث، وحج في العام الثاني، وكذلك يجزيه الحج إن أتى بأركانه كله، ولكن ترك الزيارة القبر النبي ﷺ ، فإن أجره عليها فإنه يرجع عليه بقسطها من الأجرة وبقدر مسافة الزيارة، وقيل: يرجع حتى يزور. قاله ابن أبي زيد (١). وتعقب عليه البساطي قائلا: ظاهر كلامه ولو تركها عمدا أو جهلا، وكلامهم أنه منع. انتهى بمعناه من فتح الجليل. أطلق الشيخ هنا ﵀ الزيارة سواء ترك الزيارة لعذر أم لا، والمنصوص إذا ترك ذلك لعذر، وكذلك يجزئ إذا خالف إفرادا لغيره من تمتع أو قران إن لم يشترط الميت الإفراد، بل إنما شرطه الوصي. قوله: وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك، بل إنما اشترطه الميت فلا يجزئ كما لا يجزئ في تمتع شرط عليه، فخالفه لقران أو عكسه، وهو قرآن شرطه عليه فخالفه لتمتع أو خالف أحدهما لإفراد أو خالف ميقاتا شرط عليه فإنه لا يجزئه. وفي بعض النسخ أو ميقات بالخفض عطفا على كتمتع، وأما الشارح ﵀ فقد غفل بعطف ميقات على إفراد، لأن عطف ما لا يجزئ على ما لا يجزئ لا يستقيم. قوله: (وفسخت إن عين العام، أو عدم، كغيره، وقرن، أو صرفه لنفسه)، شروع منه ﵀ فيما تفسخ فيه الإجارة في الحج وما لا أي وفسخت الإجارة في الحج مضمونة كانت أو غيرها، إن عين العام الذي يحج فيه وعدم فيه الحج بموت الأجير أو تنصره أو غير ذلك من فساد الحج أو فوته، كما تنفسخ إذا تولى العمل غير الأجير يحتمل الأجير الذي عينه الميت، ويحتمل نائب الأجير. وكذلك ينفسخ إن قرن مخالفا لما لا يجزئ القرآن عنه، وفي بعض النسخ: كغيره وقرن أي كغير المعين والحال أنه قرن. وكذلك ينفسخ إن صرفه لنفسه بعد أن

стр. 511

أحرم عن الميت لأنه تبينت خيانته، ولا يؤمن بعد ذلك وإن لم يعين العام. قوله: (وأعاد؛ إن تمتع) أي وإن اشترط الإفراد والقرآن فتمتع لم تنفسخ الإجارة، فيعيد في العام القابل كما شرط عليه. قوله: (وهل تنفسخ إن اعتمر عن نفسه في المعين، أو إلا أن يرجع للميقات فيحرم عن الميت فيجزيه؟ تأويلان) أي وهل يفسخ عقد الإجارة مطلقا إن اعتمر الأجير عن نفسه في العام المعين أو لا تنفسخ إلا أن يرجع للميقات الذي تعداه فيحرم فيه عن الميت فيجزئه فيه تأويلان. قوله: (ومنع استنابة صحيح في فرض؛ وإلا كره كبدء مستطيع به عن غيره) أي ومنع لمكلف صحيح استنابة في فرض حج وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك بل هو غير صحيح، أو الحج غير فرض بل هو نفل، كره الاستنابة فيه كما كره بدء مستطيع بالحج عن غيره وإن تطوعا عن كأبيه. قوله: (وإجارة نفسه) أي وكره لإمرئ إجارة نفسه في حج، لأنه من باب طلب الدنيا بعمل الآخرة، والأجرة من سوق الإبل وضرب اللبن خير له من الإجارة على الحج. قال سحنون: لأن أطلب الدنيا بالدف والمزمار خير من أن أطلبها بالدين (١). قوله: (ونفذت الوصية به من الثلث) أي وإن أوصى الميت بالحج عنه، فإن وصيته تنفذ من ثلثه لأن الوصايا كلها خارجة من الثلث. قال القلشاني: إنما نفذت الوصية عندنا بحج، لأن من الناس من يقول: إن من لم يحج في حياته، يجب أن يخرج من ماله ما يحج به عنه وجوبا. قال الشافعي: وينفذ من رأس المال. ومذهبنا أنه من الثلث، وإنما كانت الوصية بالصدقة أحب إليه، لأن انتفاع الميت بالصدقة متفق عليه. قال ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله من الدنيا إلا من ثلاث» (٢)، فذكر الصدقة الجارية، وأما الحج فمختلف في صحة النيابة فيه، لأنه من باب أفعال البدن، وإن كان يشوبه مال فأشبه الصلاة والصيام،

стр. 512

وأفعال الطاعات بالنسبة إلى ما تصح فيه النيابة، وما لا تصح على ثلاثة أقسام: قسم تصح فيه النيابة اتفاقا وهو العمل المالي، كالصدقة والعتق وشبه ذلك. وقسم مقابله لا تصح فيه النيابة اتفاقا في المذهب، وهو العمل البدني كالصلاة والصيام والأيمان. قال الباجي: لا خلاف بين الأمة في عدم النيابة في الأيمان. وكذلك الصلاة، إلا قولة شاذة رويت عن ابن عباس أنه قال: جاز أن تقضى الصلاة عن الميت، وأما الصيام فقال مالك: لا تصح فيه النيابة. وقال الشافعي: تصح فيه النيابة، تغليبا لما ينفق فيه من المال في الكفارات. والقسم الثالث: المركب من مال وعمل كالحج والعمرة والجهاد في صحة النيابة فيه خلاف، بناء على تغليب إحدى الثنائيتن: المال والعمل. انتهى (١). قوله: (وحج عنه حجج إن وسع وقال يحج به لا منه) أي وإن أوصى بأن يحج عنه فإنه يحج عنه من ثلثه حجج إن وسع الثلث، والحال أنه قال: يحج به أي بمجموعه إلا إن قال: يحج منه، فإنه يحج منه مرة واحدة. قوله: (وإلا فميرات أي وإن لم يسع الثلث أو لم يبلغ ما يحج به، أو يبقى بعد الحج في قوله: منه فإنه ميراث. قوله: (كوجوده بأقل، أو تطوع غير)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن الباقي يكون ميراثا إذا وجد من يحج عنه بأقل مما سمى، أو تطوع بالحج عنه متطوع، فإن المال يكون ميراثا. قوله: (وهل إلا أن يقول يحج عني بكذا فحجة؟ تأويلان)، مخرج من قوله: كوجوده بأقل أي وإذا وجد من يحج عنه بأقل أي فيرجع الباقي ميراثا، وهل مطلقا سواء قال: يحج عني فلان أو رجل أو لم يقل أو يرجع إلا أن يقول: يحج عني بكذا فيحج عنه حجج فيه تأويلان. قوله: (ودفع المسمى - وإن زاد على أجرته - لمعين لا يرث فهم إعطاؤه له) أي ودفع المسمى لمعين لا يرث، فهم إعطاء ذلك المسمى له وإن زاد على أجرة مثله، وأما إن كان المعين وارثا، أو فهم من حال الميت عدم إعطائه له، فلا يزاد على أجرة المثل لهما.

стр. 513

قوله: (وإن عين غير وارث ولم يسم زيد - إن لم يرض بأجرة مثله تلتها، ثم تربص، ثم أوجر - للصرورة فقط - غير عبد وصبي، وإن امرأة) أي وإن عين الموصي غير وارث، ولم يسم ما يدفع له، زيد له إن لم يرض بأجرة مثله ثلثها أي ثلث الأجرة، وأما الوارث فلا يراد له، فإن لم يرض غير الوارث بها زيد له بعد تربص لعله يرضى، فإن لم يرضى أوجر للضرورة فقط، وأما غير الضرورة فلا يؤجر له بعد التربص، بل يكون المال ميرانا. غفل الشارح هنا تعلله إنما يؤجر للضرورة حر مكلف وإن امرأة خلافا لمن قال: لا تحج المرأة عن الرجل، وأما العبد والصبي فلا يؤاجران للضرورة. قوله: (ولم يضمن وصي دفع لهما مجتهدا) أي ولم يضمن وصي دفع للعبد أو الصبي ما يحج به عن الموصي لأنه اجتهد وأخطأ، وأما إن دفع لهما تعديا فإنه يضمن. قوله: (وإن لم يوجد بما سمى من مكانه حج من الممكن ولو سمى؛ إلا أن يمنع فميراث) أي وإن لم يوجد من يستأجر بما سمى الموصي من مكانه، حج بالمال المسمى من الممكن ولو في مكة، ولو سمى الميت المكان، فلا يكون عدم إمكان مكانه مسقط لوصيته، إلا أن يمنع فيقول: لا يحج عني إلا من موضع كذا، فيكون المال حينئذ ميراثا. قوله: (ولزمه الحج بنفسه) أي ولزم الأجير الحج عن الموصي بنفسه سواء عينه بنص أو قرينة صلاح أو لم يعينه هذا هو الذي استظهره في مناسكه. قوله: (لا الإشهاد، إلا أن يعرف) أي لا يلزمه الإشهاد أنه أحرم عن الميت، إلا أن يكون الإشهاد عرفا، فيلزمه حينئذ الإشهاد. قوله: (وقام وارثه مقامه في: من يأخذه في حجة) أي وقام وارث الأجير مقام موروثه في قول الموصي من يأخذ هذا المال في حجة واحدة؟ فأخذه رجل ثم مات، فإن وارثه يقوم مقامه، فإن كان موته قبل الإحرام فلا كلام، وإن كان بعد الإحرام فإنه يستأنف الإحرام عن الميت الموصي، (ولا يسقط فرض من حج عنه) بأجرة أو تطوع، (و) لكن له أجر النفقة) إذا أوجر (و) له أجر (الدعاء) إذا تطوع عنه. انتهى. قوله: (وركنهما الإحرام)، ركن الشيء جزؤه، وأركانه أجزاؤه. لما ذكر حكم

стр. 514

الحج أنه فرض والعمرة أنها سنة، شرع يذكر أركانهما أي وركن الحج والعمرة الذي لا يصحان إلا به الإحرام، وجعل يبين وقت الإحرام بهما، فقال: ﴿ووقته للحج شوال لآخر ذي الحجة﴾ أي ثلاثة أشهر: شوال وذو القعدة وذو الحجة، لقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقيل: إلى العشر من ذي الحجة، وفائدة الخلاف تظهر بتأخير طواف الإفاضة إلى آخر يوم من ذي الحجة، من قال: وقته ذو الحجة كله فلا دم، ومن قال: وقته ذو الحجة إلى العشر منه فعليه الدم. قوله: (وكره قبله كمكانه) أي وكره الإحرام قبل ميقاته الزماني الذي هو أشهر الحج كما يكره الإحرام قبل ميقاته المكاني، و (في) كراهة الإحرام (في رابغ) وعدم كراهته (تردد) للأشياخ لعدم النص ومن قال بكراهته لأنه قبل الجحفة، ومن قال: لا يكره لأنه من عمل الجحفة. وسميت مكة أم القرى لأنها أول الأرض وأصلها، ومنها دحيت. وفي الحديث: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» (١) أي لما يقع بينهما من السيئات. عياض واحتج به الجمهور، وكثير من أصحاب مالك على جواز تكرير العمرة في السنة الواحدة، وكرهه مالك لأنه ﷺ اعتمر خمس عمر كل واحدة في سنة مع تمكنه منه، من التكرار. قال: إلا أن يشرع في المكروه فيلزمه إتمامها، وقيل لا يعتمر في شهر أكثر من مرة واحدة. عياض: ووقت العمرة لغير الحاج أبدا ولو في أيام الرمي وللحاج إلا في أيام الرمي. إكمال الإكمال (٢). قوله: (وصح) أي وصح الإحرام قبل ميقاته الزماني والمكاني وإن كره. قوله: (وللعمرة أبدا إلا لمحرم بحج فلتحلله) أي ووقته الإحرام للعمرة أبدا، والأبد ظرف لما يأتي من الزمان إلا المحرم بحج فلا يحرم بعمرة، إلا أن يحل بتحليلة

стр. 515

الصغرى وهي رمي جمرة العقبة، والكبرى وهو تحلله بطواف الإفاضة. وكذلك لا يحرم بعمرة وهو محرم بعمرة حتى يحل منها، والعمرة هي الإحرام والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والحلاق. قوله: (وكره بعدهما وقبل غروب الرابع) أي وكره لمريد عمرة أن يحرم بها بعد تحليله وقبل الغروب، في اليوم الرابع من أيام منى. قوله: (ومكانه له للمقيم بمكة، وندب المسجد، كخروج ذي النفس لميقاته) أي ومكان الإحرام للحاج المقيم مكيا كان أو غيره مكة حيث شاء منها، ولكن ندب له أن يحرم من المسجد الحرام، كما يندب خروج ذي النفس من أهل الآفاق، إذا كان بمكة إلى ميقاته فيحرم منه، وذو النفس من اتسع له الوقت، يقال: دار فلان أنفس من دار فلان أي أوسع. قوله: (ولها وللقران الحل والجعرانة أولى، ثم التنعيم) أي ومكان الإحرام للعمرة والقرآن الحل، إذ لا بد لكل إحرام بحج أو عمرة أو هما من الجمع بين الحل والحرم، لفعله ﷺ ، فلذلك لا يجوز للمكي أن يحرم بالعمرة من مكة، لأنه لو أحرم بها منها فهي تنقضي بالحرم. وأما الحج إن أحرم به من مكة فإنه يجمع بين الحل والحرم لوقوفه بعرفة، ولما كان مكان الإحرام بالعمرة أو القران الحل، فالجعرانة أولى ما يحرم منه لفعله ﷺ . ويليه في الفضل بالإحرام به التنعيم، لأمره ﷺ لعبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق (١) ﵁ أن يخرج بأخته عائشة أم المؤمنين إلى التنعيم. يقال للتنعيم اليوم مسجد عائشة. قوله: (وإن لم يخرج أعاد طوافه وسعيه بعده، وأهدى إن حلق؛ وإلا فلهما ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وقرن، وذات عرق) أي وإن لم يخرج من أراد العمرة أو القران إلى الحل، أعاد طوافه وسعيه بعد أن خرج للحل. ويروى أن الحجر الأسود في أول أمره كان له نور يصل آخره إلى هذه الحدود،

стр. 516

فلذلك منع الشرع مجاوزتها لمن أراد الحج تعظيما لتلك الآثار. الذخيرة (١). لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، لأنه أوقع ذلك بغير شرطها، وعليه الهدي إن حلق رأسه، لأنه حلق وهو محرم، لأن إحرامه صحيح، ولكن لا يعتد بشيء من فعله قبل خروجه للحل. قوله: وإلا أي وإن لم يكن مريد الحج أو العمرة مقيما بمكة فمكان الإحرام لهما ذو الحليفة، وهو أبعد المواقيت، وهو من المدينة على أميال ستة أو سبعة، وهي ميقات أهل المدينة. يقال لذي الحليفة اليوم بئر علي، والجحفة يقال لها مهيعة، ويلملم جبل من جبال تهامة، على ليلتين عن مكة وهو ميقات أهل اليمن، وقرن ميقات أهل نجد، وذات عرق ميقات أهل العراق، والجحفة سميت جحفة لأن السيول أجحفتها وقيل لأن السيل ذهب بها وبأهلها، وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب وهي ثلاثة مراحل من مكة. المازري: للإحرام ميقاتان: مكاني وزماني: فالمكاني هذه الأماكن، وفائدة نصبها تعيين الإحرام عندها فإن أحرم قبلها بيسير كره لما فيه من التلبيس في المواقيت، وإن أحرم قبلها بكثير، بحيث لا تلتبس المواقيت، فظاهر المدونة الكراهة، وظاهر المختصر الجواز. قلت ونقل اللخمي قولا بعدم كراهة القريب. عياض: لم يختلف في مشروعيتها، وكافتهم على أن الإحرام منها سنة مؤكدة، فلا يحل لمن يريد الحج أو العمرة أن يجاوزها غير محرم. إكمال الإكمال (٢). النووي: أصح الوجهين عندنا أن الذي وقتها عمر، وقيل النبي ﷺ (٣). ويلملم جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن. وقرن ميقات أهل نجد وهو أقرب المواقيت لمكة وذات عرق. ذكر الشيخ عماله المواقيت ولم يذكر أهلها، كما ذكره صاحب الرسالة. قوله: (ومسكن دونها، وحيث حاذى واحدا) أي ومن كان مسكنه دون المواقيت

стр. 517

فمسكنه مكان إحرامه، وكذلك حيث حاذى مسكنه واحدا من المواقيت فإنه مكان إحرامه. قوله: (أو مر ولو ببحر) أي وكذلك إن مر في سيره بالميقات وهو يريد مكة، وجب عليه أن يحرم منه ولو كان مروره ذلك في بحر، خلافا لمن قال: لا يحرم في بحر، لاحتمال أن ترده الريح والمشهور لا فرق بين البر والبحر. قوله: (إلا كمصري يمر بالحليفة، فهو أولى، وإن لحيض رجي رفعه) أي إلا أن يكون المار ميقاته بين يديه، كمصري وشامي ومغربي يمر بالحليفة، فلا يجب عليه الإحرام، ولكن الأولى أن يحرم منه، لأن المبادرة بالطاعة أفضل، وإن كانت حائضا رجي رفع حيضتها عند ميقاتها، وأحرى إن لم يرج. قوله: (كإحرامه أوله) تشبيه لإفادة الحكم أي كما ندب عقد الإحرام في أول الميقات. (و) كذلك يندب لمريد الإحرام بالنسك قبل التلبس بالإحرام (إزالة شعثه) من قلم ظفر وحلق عانة ونتف إبط. (و) كذلك يندب له (ترك اللفظ) بما يريد أن يحرم (به)، فإن تلفظ فلا يضره. قوله: (والمار به إن لم يرد مكة، أو كعبد فلا إحرام عليه، ولا دم. وإن أحرم إلا الضرورة المستطيع فتأويلان) أي والمار بالميقات إن لم يرد دخول مكة، أو أرادها ولكن عبد أو صبي، فإنه لا إحرام عليه بحج ولا بعمرة، ولا دم عليه في تركه الإحرام، وإن أحرم بعد أن تعداه إلا أن يكون ضرورة مستطيعا، فيكون في وجوب الدم عليه، وعدم وجوبه تأويلان على المدونة، بناء على أن الحج على الفور أو على التراخي. قوله: (ومريدها إن تردد أو عاد لها لأمر) أي ومريد مكة إن تردد في دخوله لها كالرعاة والحطاب والحشاش، أو خرج منها وعاد إليها لأمر نسيه ونحوه فلا دم. وقوله: (فكذلك) أي فلا إحرام عليها ولا دم، وإن أحرم إلا لضرورة المستطيع. قوله: (وإلا وجب الإحرام، وأساء تاركه، ولا دم إن لم يقصد نسكا، وإلا رجع، وإن شارفها ولا دم وإن علم) أي وإن لم يكن الأمر كذلك بل ليس بمتردد، ولا عائد لأمر وجب عليه الإحرام، ويكون مسيئا بتركه لأنه خالف الشرع، ولكن لا دم عليه إن لم يقصد نسكا من حج أو عمرة أو هما وإلا أي وإن قصد نسكا رجع إلى الميقات ليحرم منه، وإن كان قد شارف مكة، ولا دم عليه إن رجع فأحرم منه، ولو كان عالما بقبح فعله بتعدي الميقات، وأحرى إن جهل.

стр. 518

قوله: (ما لم يخف فوتا، فالدم) أي ورجع إلى الميقات حيث كان وإن شارفها ما لم يخف الفوات، فإن خاف الفوات فلا يرجع، فيكون الدم لازما له. وقد أجحف الشيخ هنا تعلمه في الاختصار. قوله: (كراجع بعد إحرامه، ولو أفسد) تشبيه لإفادة الحكم كما أن الدم يلزم من تعدي الميقات من غير إحرام، فأحرم ثم رجع له بعد إحرامه، لثبوت الدم في ذمته فلا يسقط عنه ولو أفسد حجه، فيكون عليه دمان دم تعدي الميقات ودم الإفساد، لأن المفسد يلزمه إتمامه وعليه قضاؤه. قوله: لا إن فات فيسقط وللمسألة نظائر، كقوله في باب النذر: ولو مشى الجميع. وقوله: في هذا الباب في ما يأتي وحرم الحلق والهدي لتأخيره وله فعله، وسجود السهو بعد السلام ترتب عليه وتركه وأعاد الصلاة فلا يسقط لترتبه عليه، وكذلك هذا لا يسقط عنه الدم ولو أفسد حجه فعليه دمان دم تعدي الميقات ودم الإفساد، لأن المفسد يلزمه إتمامه، وعليه قضاؤه. قوله: (لافات) أي فيسقط الدم عليه إن فاته ذلك الحج، إلا أنه صار كمن لم ينو عند مروره بالميقات نسكا ثم أحرم به بعده. انتهى. قوله: (وإنما ينعقد بالنية، وإن خالفها لفظه ولا دم) أي وإنما ينعقد الإحرام المتقدم ذكره بالنية وهي قصد المكلف الشيء المأمور به، وإن خالف لفظه ما نواه. وقال في الصلاة وإن تخالفا فالعقد أي هو المعتبر ولا دم عليه إن خالف لفظه عقده. قوله: (وإن بجماع) أي ولو كانت النية مقارنة بجماع، فيلزمه التمادي على إحرامه لانعقاده ذلك، ويقضي ما نواه وعليه دم الفساد. قوله: (مع قول أو فعل تعلقا به بين أو أبهم، وصرفه لحج، والقياس لقران) أي إنما ينعقد بالنية مع قول أو فعل تعلقا بالإحرام كتلبية، وتوجه على الطريق سواء يبن ما أحرم به أو أبهمه أو لم يبنه، فإن الإحرام ينعقد وإن لم يبن ما أحرم به ولكن لا يعمل شيئا إلا بعد التبيين، فإن وقع ونزل وعمل بغير تعيين صرفه للحج لأن العمرة تندرج فيه، وإن كانت هي التي أحرم بها، ولكن القياس أن يصرفه لقران وينوي الحج وبرئ منه فقط أي فلا يبرأ من العمرة لاحتمال أن يكون إنما أفرد أولا بحج.

стр. 519

قوله: (وإن نسي قران، ونوى الحج وبرئ منه فقط) أي وإن نسي ما أحرم به من حج أو عمرة أو هما فالقران لازم له احتياطا وينوي الحج فيبرأ منه فقط لا من سنة العمرة لاحتمال أن يكون إحرامه لإفراد لأن الإفراد على العمرة الفاسدة لا يصح خلافا لعبد الملك. قوله: (كشكه أفرد أو تمتع) صوابه كشكه أحرم بحج أو عمرة أي فإنه يصرفه لحج لأنه إن كان حجا فهو، وإن كان عمرة فإنه أردف الحج على العمرة لصحة إردافه عليها. فرع: فإن شك هل أردف أو تمتع تمادى على نية القرآن قاله اللخمي. التوضيح (١). قوله: (ولغى عمرة عليه، كالثاني في حجتين أو عمرتين) أي ولغي عمرة على الحج أي فلا تنعقد نية إرداف عمرة على حج، لأن الأضعف لا يدخل على الأقوى. وكذلك يلغي الثاني في حجتين إذ لا يدخل على مثله، لأنه تحصيل الحاصل. وكذلك يبطل الثاني من عمرتين. قوله: (ورفضه) أي وكذلك يلغى رفض الحج، إذ لا يؤثر فيه الرفض كما قالوا: ضادان لا يرفضان الحج والوضوء وضادان يرفضان الصلاة والصوم. الفرق بين أجزاء الصلاة والصوم والحج والوضوء الفرق أن أجزاء الصلاة والصوم متصلة بخلاف الحج والوضوء. قوله: (وفي كإحرام زيد تردد) أي: وفي صحة عقد الإحرام إذا نوى بإحرامه ما أحرم به زيد وعدم صحته تردد الأشياخ في فهمه ووجهه من قال بالصحة فعل علي بن أبي طالب ﵁ إذا أحرم بما أحرم به النبي ﷺ في حال كونه لم يعلم ما أحرم به من النسك. قوله: (وندب إفراد، ثم قران بأن يحرم بهما وقدمها) أي وندب الإفراد بالحج، لأنه أفضل من القران ومن التمتع، لفعله ﷺ ولأنه لا دم فيه، والانتفاع بإسقاط عمل ولا أحد السفرين لأنه إذا فصلت العمرة من الحج بسفر كثر قصاد البيت، واتصلت عمارته العام عمله، ثم يليه في الفضل قران، وصفته أن يحرم بهما أي بالعمرة والحج، ولكن يقدم العمرة في النية.

стр. 520

ظاهر كلام الشيخ أن تقديمها في النية على الوجوب. وقال البساطي: هو على الاستحباب (١). قوله: (أو يردفه بطوافها) أي صفة ثانية للقرآن أي أو يردف الحج في طواف العمرة، وأحرى في الجواز أن يردفه قبل الطواف. قوله: (إن صحت) أي إنما يردف الحج على العمرة إن صحت العمرة لا إن فسدت، لأن الإرداف على العمرة الفاسدة لا يصح خلافا لعبد الملك. المازري: وللمتعة الموجبة للدم ستة شروط أن يحرم أولا بالعمرة في أشهر الحج، ويحل منها فيها، ثم يحرم من عامه، ويقدم العمر، ويكون ذلك في سفرة واحدة، والسادس أن يكون غير مكي، فإن سقط شيء من الستة لم يجب الدم. وعلى اشتراط الستة الكافة. إكمال الإكمال (٢). قوله: (وكمله، ولا يسعى) أي فإن أردف الحج على العمرة الصحيحة في طوافها فإنه يكمل الطواف ولكن لا يسعى بين الصفا والمروة، لأن من أنشأ الحج من مكة لا يسعى إلا بعد طواف الإفاضة غفل الشارح هنا الله (وتندرج) العمرة في الحج حتى لا يبقى لها فعل ظاهر تختص به. قوله: (وكره قبل الركوع) أي وكره إرداف الحج على العمرة بعد الطواف، وقبل الركوع للطواف، فإن وقع ونزل فإنه يصح ويكون قارنا وعليه هدي بالقرآن. قوله: (لا بعده) أي لا بعد الركوع أي فلا يكون قارنا، ولا يلزمه الحج إلا أن يشاء. قال ابن يونس بعد هذا ما نصه: بخلاف ما إذا أردف الحج بعد السعي قبل أن يحلق فيلزمه الحج ولم يكن قارنا، ويؤخر حلاق رأسه (٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (وصح بعد سعي، وحرم الحلق، وأهدى لتأخيره ولو فعله) أي وصح الإحرام بالحج بعد سعي العمرة ويحرم عليه الحلق لأنه محرم، وعليه الهدي لأجل تأخر الحلق حكما ولو فعله حسا.

стр. 521

قوله: (ثم تمتع بأن يحج بعدها وإن بقران) أي ثم يلي التمتع القران في الفضل، وصفة التمتع بأن يحج بعدها أي بعد العمرة، وإن كان الحج قرانا في أشهر الحج. قوله: (وشرط دمهما) أي وشرط وجوب دم القران والتمتع (عدم إقامة بمكة أو ذي طوى) في (وقت) وقوع فعلهما وإن) كانت الإقامة (ب) سبب (انقطاع بها) أي بمكة كالمجاور، (أو خرج) المكي ونحوه (لحاجة) من غزو أو تجارة، ونيته العود إليها، ثم عاد إليها بعمرة قران أو تمتع، فإن الدم ساقط على هؤلاء لقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦]. قوله: (لا انقطع بغيرها) أي لا إن انقطع المكي بغير مكة، فإن الدم لا يسقط عنه. قوله: (أو قدم بها ينوي الإقامة) أي وكذلك الدم على آفاقي قدم مكة معتمرا في أشهر الحج ناويا الإقامة وحج من عامه. قوله: (وندب لذي أهلين، وهل إلا أن يقيم بأحدهما أكثر فيعتبر؟ تأويلان) أي وندب الهدي لمن قرن أو تمتع، إذا كان له أهل بمكة وأهل في غيرها، وهل ذلك الإستحباب مطلقا؟ أقام في أحدهما أكثر أو تساويا وهو تأويل، أو هو كذلك مستحب إلا أن تكون إقامته بأحدهما أكثر فيعتبر الأكثر، وإن كان الأكثر مكة فلا دم، وإن كان غيرها فالدم وهو تأويل. قوله: (وحج من عامه)، هذا هو الشرط الثاني من شروط دم القران والتمتع أي ومن شروط وجوب دم القرآن والتمتع أن يحج القارن أو المتمتع من عامه الذي اعتمر فيه، وهو معطوف على قوله: وعدم إقامة بمكة. قوله: (وللتمتع) أي وشرط في دم التمتع مع ما تقدم (عدم عوده لبلده أو مثله) في البعد، (ولو) كان بلده (بالحجاز)، فلو أتى بعمرة في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده أو مثله في البعد، ثم حج من عامه لم يكن عليه دم، لأنهم عللوا وجوب الدم بسقوط أحد السفرين عن فاعله. قوله: (لا أقل) أي فلا يسقط الدم عنه بسبب رجوعه إلى بلد أقل بعدا من بلده، ولو بعد في نفسه. قوله: (وفعل بعض ركنها في وقته) أي ومن شروط دم التمتع فعل بعض ركن العمرة في وقت الحج، وهو أشهر الحج الثلاث، فلو أحرم بعمرة رمضان وأكمل

стр. 522

سعيها قبل دخول شوال لم يكن بحجه في ذلك العام متمتعا، ولو لم يحلق رأسه إلا في أشهر الحرام، لأن الحلاق ليس بركن، بخلاف ما لو أكمل سعيه بعد دخول شوال لأن المعتبر السعي لا الحلاق. قوله: (وفي شرط كونهما عن واحد تردد) أي وهل يشترط في وجوب الدم على المتمتع كون العمرة والحج على شخص واحد، أولا يشترط ذلك فيه تردد. ابن الحاجب: الرابع أن يكون عن واحد على الأشهر (١)، واقتصار ابن يونس على الثاني، وهو نص الموازية. قوله: (ودم التمتع يجب بإحرام الحج، وأجزأ قبله) أي ويجب هدي دم التمتع بالإحرام بالحج لا بإحرام العمرة، وإن كان في نيته أن يتمتع بها، وأجزأه الهدي قبل الإحرام بالحج كتقديم الكفارة قبل الحنث. قوله: (ثم الطواف لهما سبعا بالطاهرين، والستر)، لا أقل من السبع ولا أكثر، والله حكمه في السبعيات. هذا هو الركن الثاني للحج وللعمرة، وسبب الطواف قول الملائكة ﵈: ﴿أتجعل فيها﴾ [البقرة: ٣٠] حين قال الله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض﴾ [البقرة: ٣٠]، فغضب الله تعالى عليهم، فطافوا بالعرش سبعا، فرضي الله عنهم، ذكره في المقدمات (٢). قال ابن حبيب: يقول عند ابتداء الطواف واستلام الحجر: بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ (٣). الشوط واحد الأشواط، فكلما أتيت إلى موضع فيه رجعت فذلك شوط، فإذا رجعت إليه مرة أخرى فذلك شوط، ومن الحجر إلى الحجر شوط أي والركن الثاني للحج والعمرة طواف بالبيت سبعا بشرط الطهارة من الحدث والخبث، لأن الطواف كالصلاة إلا في إباحة الكلام، وعدم الاستقبال لعدم إمكانه في الطواف. وكذلك إذا علم بنجاسة فنزعها فلا يبطل طوافه بخلاف الصلاة فإنها تبطل ولا بأس بما خف من الحديث في الطواف، ولكن لا ينشد فيه شعرا، وليست القراءة في الطواف من السنة، وإن باع واشترى في طوافه فلا يعجبني.

стр. 523

لو استغنى الشيخ بقوله: ثم الطواف عن قوله لهما، لكفاه لأنه قد قال: وركنهما الإحرام. وكذلك يشترط في الطواف الستر للعورة كالصلاة الستر بفتح السين الفعل، وبكسرها اسم لما يستتر به وكره مالك للطائف أن يحسر عن منكبيه أو يطوف مغطى الفم، أو المرأة متنقبة. قوله: (وبطل بحدث بناء) أي ويطل بسبب حدث في الطواف بناء على ما تقدم منه لأن الطواف كالصلاة فلا يصح إلا بالطهارة. قوله: (وجعل البيت عن يساره، وخروج كل البدن عن الشاذروان، وستة أذرع من الحجر أي ومن شروط الطواف جعل البيت عن يساره في طوافه، والحكمة فيه أن القلب من جهة اليسار. وقيل: لأنه يدفع عن نفسه بيمينه، ويبتدئ طوافه بالحجر الأسود، وإن جعل البيت عن يمينه أعاد طوافه. وكذلك من موجبات الطواف خروج كل البدن عن الشاذروانز. الشاذروان ما انبسط من أساس البيت ولم يرتفع. قال البساطي: الشاذروان: هو عرض الجدار احتصرت منه فبقيت منه بقية مرتفعة عن الأرض وستة أذرع من الحجر. الحجر بفتح الحاء وكسرها. الشاذروان بكسر الذال المعجمة. تنبيه: ينبغي للطائف أن يحتاط عند ابتدائه الطواف بأن يقف قبل الركن بقليل، بحيث يكون الحجر الأسود عن يمين موقفه ليستوعب جملته بذلك؛ لأنه إن لم يستوعب الحجر لم يعتد بذلك الشرط الأول فلينتبه لذلك، فإنه كثيرا ما يقع فيه الجاهل انتهى من تحقيق المباني وتحرير المعاني (١). ويستحب الدنو من البيت كالصف الأول. قوله: (ونصب المقبل) أي ومن موجبات الطواف نصب أي مد المقبل للحجر (قامته) قبل مشيه، لأنه لو قبل ومشى قبل نصب قامته مستقلا لأوقع بعض طوافه

стр. 524

وليس جميع بدنه خارجا عن البيت، وإنما يكون الطواف خارجه. قوله: (داخل المسجد ولاء) أي إنما يكون الطواف المذكور داخل المسجد لإخارجه، ويكون الطواف خارجه ولاء أي متتابعا كركعات الصلاة. قوله: (وابتدأ إن قطع لجنازة أو نفقة، أو نسي بعضه إن فرغ سعيه) أي وابتدأ الطواف إن قطعه لصلاة على جنازة، أو قطعه لنفقة نسيها ويخاف ضياعها بكمال طوافه. ذكر الشيخ الحكم إن قطعه لأجل جنازة، ولم يذكر هل يجوز له ذلك؟ أم لا. وكذلك يبتدئ طوافه إن نسي بعضه إن فرغ سعيه. والعجب من الشيخ تبع ابن الحاجب وترك مذهب المدونة، لأنه قال فيها: إذا طال ذلك أو انتقض وضوءه. وقوله: إن فرغ سعيه، مفهومه وإن لم يفرغ فلا يبتدئ بل يبني على ما تقدم له من طوافه ثم يسعى، لأن صحة السعي تقدم الطواف عنه كما سيذكره. قوله: (وقطعه للفريضة. وندب كمال الشوط، وبنى إن رعف، أو علم بنجس) ظاهره الوجوب أي وقطع الطواف لأجل صلاة فريضة أقيمت عليه وهو في طوافه، لأن الطواف كالصلاة. وندب له أن يكمل الشوط الذي هو فيه، وإن لم يكمله فلا شيء عليه، ثم إذا فرغ من صلاته بنى على ما تقدم له من طوافه، وقول الشيخ: وبنى إن رعف صوابه: وبنى كإن رعف أي وبنى على ما تقدم من طوافه، كما يبني إذا رعف في طوافه. وكذلك يبني على طوافه، إذا علم بنجس في طوافه ونزعه خلافا للمصلي فإن صلاته تبطل. فرع فإن أقيمت عليه الصلاة وهو في السعي، فلا يقطع، بخلاف الطائف؛ لأن الطائف لما كان في المسجد فلو لم يقطع خالف الإمام. قاله مالك في العتبية والموازية. التوضيح (١). قوله: (وأعاد ركعتيه بالقرب) أي والإجماع على مشروعيتها أي فإن لم يعلم بالنجس إلا بعد فراغه من طوافه وركوعه طرحه وأعاد ركوعه إن قرب استحبابا وإلا فلا، وأما إن ذكر النجس في أثناء الطواف فإنه ينزعه ويركع ركعتي الطواف. قوله: (وعلى الأقل إن شك) أي ويبني على الأقل من الأشواط إن شك، فإن شك

стр. 525

هل هما اثنان أو ثلاثا بنى على اثنين، ثم كذلك كركعات الصلاة، ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات أم أربعا بنى على اليقين، وإن أخبره عدلان بتمام طوافه عمل عليه. قوله: (وجاز بسقائف لزحمة) أي وجاز الطواف في سقائف المسجد، لأجل زحمة لا لحر ونحوه. قوله: (وإلا أعاد، ولم يرجع له، ولا دم) أي وإن طاف بسقائف لغير زحمة الناس، أعاد طوافه ما دام بمكة ولا يرجع له إن سافر وبعد، وإن لم يصل إلى بلده، ولا دم عليه لعدم إعادته له. قوله: (ووجب كالسعي قبل عرفة إن أحرم من الحل ولم يراهق، ولم يردف بحرم، وإلا سعى بعد الإفاضة) أي ووجب طواف القدوم بشروط، كوجوب السعي بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة، فشروط طواف القدوم أن يحرم من الحل، ولم يكن مراهقا، ولم يردف الحج على العمرة في حرم، لأنه إذا أردف سقط عنه طواف القدوم وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك، بل أحرم بحرم أو كان مراهقا أو أردف بحرم، أخر سعيه إلى بعد طواف الإفاضة. والوجوب والفرض عندنا بمعنى إلا في باب الحج فإنهم يعبرون عندنا فيه بالواجب فيما ينجبر بالدم وبالفرض فيما لا ينجبر بالدم. قوله: (وإلا قدم إن قدم ولم يعد) أي وإن قدم من أحرم بحرم، أو أردف فيه السعي قبل الوقوف بعرفة، فعليه الدم إن لم يعد السعي بعد الطواف، وأما المراهق فلا دم عليه لأنه غر بنفسه وسلم، واعترض البساطي على الشيخ هنا ولا اعتراض. قوله: (ثم السعي سبعا بين الصفا والمروة)، هذا هو الركن الثالث للحج والعمرة وهما مشتركان في الثلاث، وينفرد الحج بالوقوف بعرفة، وعطفه بثم يشعر بالترتيب وإن عكس فلا يجزيه، كما إذا طاف قبل الإحرام، أو سعى قبل الطواف فلا يجزيه. المراد بالسعي هنا هو المشي أي يمشي سبعا بين الصفا والمروة. الصفا جمع صفاة، والمروة واحدة من المرو، وهما هنا جبلان معروفان. قوله: (منه البدء مرة) أي من الصفا البدء بالمشي، بدأ بما بدأ الله به: ﴿إن الصفا والمروة من شعآئر الله … . [البقرة: ١٥٨]. عياض في إكمال الإكمال: والبداءة فيه بالصفا هي السنة، ولو عكس فبدأ

стр. 526

بالمروة؟ فقال مالك: يعيد ذلك الشرط، ويحتسب في سعيه من الصفا ويعيد شوطا (١). قوله: (مرة والعود أخرى)، أفاد كلامه فائدتين أن البدء منه هو مرة واحدة، والفائدة الثانية أن العود إليه مرة أخرى عكس الطواف لأن من الحجر إلى الحجر شوط واحد، ولم يبين الشارح هنا لم ذكر الصفا لوقوف آدم ال عليها، وأنث المروة لوقوف حواء عليها، وقال الشعبي: لأنه كان على الصفا صنم يسمى إسافا، وعلى المروة آخر يسمى نائلة فاطرد التذكير والتأنيث، قاله ابن عطية (٢). وسئل القرافي: هل الصفا أفضل أو المروة؟ جوابه المروة لأن الساعي يزورها من الصفا أربعا ويزور الصفا من المروة ثلاثا ومن كانت العبادة فيه أكثر كان أفضل (٣). قوله: (وصحته بتقدم طواف ونوى فرضيته، وإلا قدم)، لما ذكر السعي شرع يذكر شروط صحته أي وصحة السعي مشروطة بتقدم طواف، فإن قدم السعي على الطواف لم يجزه، فإن طاف ينوي فرضية الطواف وإلا أي وإن لم ينو فرضيته فعليه الدم. قوله: (ورجع إن لم يصح طواف عمرة حرما، وافتدى لحلقه) أي ورجع المعتمر إن لم يصح طواف عمرته في حال كونه حرما أي محرما وإن كان في أبعد البلاد، ويفتدي لحلق رأسه، لأنه كان يعتقد تمام عمرته، فلما لم يصح له الطواف ولا السعي فإنه يرجع محرما لبقاء إحرامه. قوله: (وإن أحرم بعد سعيه بحق فقارن) أي وإن أحرم بحج بعد سعيه الفاسد في العمرة، فإنه قارن بحج وعمرة. وقوله: بعد سعيه أي قصد الوجه المشكل، وأحرى قبل السعي، لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا. قوله: (كطواف القدوم)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما يرجع لفساد طواف القدوم

стр. 527

(إن سعى بعده، واقتصر) أي واكتفى بذلك السعي ولم يعده بعد طواف صحيح. قوله: (والإفاضة إلا أن يتطوع بعده، ولا دم) أي وكذلك يرجع لفساد طواف الإفاضة، وإن كان في أبعد البلاد، إلا أن يتطوع بطواف بعده فيجزيه ولا يرجع له، ولا دم عليه وهو خلاف المعروف، لأن التطوع لا يجزئ عن الواجب. قوله: (حلا إلا من نساء وصيد، وكره الطيب) أي في حال كونه حالا في رجوعه، الفساد طواف القدوم والإفاضة إلا من نساء وصيد، وكره له التطيب لأنه حل برمية العقبة في غير نساء وصيد. قوله: (واعتمر) أي واعتمر بعد فراغه مما رجع له وطئ أم لا أي واستمر حلالا إلى فراغ ما رجع له من طواف وسعي، ثم اعتمر وأهدى، وليس عليه أن يحلق إذا رجع بعد فراغه من السعي لأنه حلق بمنى، ولا شيء عليه في لبس الثياب، لأنه لما رمى الجمرة حل له لبسها، وهو كقوله في المدونة: فليرجع لابسا الثياب حلالا إلا من النساء والصيد والطيب. غفل الشارح هنا رحمة الله في قوله: إذا رجع لمكة فلا يدخلها إلا بعمرة. وأيضا كيف يحرم بالعمرة؟ وطواف الحج والسعي باقيان عليه. انتهى. قوله: (والأكثر إن وطئ وللحج حضور جزء عرفة) أي والأكثر من الشيوخ لا يعتمر إلا إذا وطئ. هنا وانتهت الأركان التي يشترك فيها الحج والعمرة، وانفرد الحج بشرط حضور جزء عرفة، وجزء الشيء بعضه وأجزاؤه أبعاضه. وقوله: (ساعة)، المراد به عندنا إذا سكت ولبث. وقوله: (ليلة النحر) لا نهاره، (ولومة) بجزء من عرفة (إن نواه) أي إن نوى به الوقوف، ويلغز بالفرض الذي لا يكون إلا في ليل وهو الوقوف بعرفة، وبالفرض الذي لا يكون إلا بالنهار وهو الصيام. قوله: (أو بإغماء قبل الزوال)، يعني أن من أغمي عليه قبل الزوال وأحرى بعده، فوقف به بعرفة أجزأه، لأن الإغماء إذا طرأ على الإحرام لا يضر، وقد دخلت نية الوقوف في نية الإحرام، وكذلك يجزئ النائم. قوله: (أو أخطأ الجم بعاشر)، معناه إن أهل عرفة إذا أخطأوا فوقفوا يوم النحر، وهو العاشر من ذي الحجة فإنه يجزئهم، وأشار بقوله: (فقط) إلى أنهم لو وقفوا في الثامن لا يجزيهم، وهذا هو المشهور في المسألتين.

стр. 528

وقيل: لا يجزيهم في العاشر. وقيل: يجزيهم في الثامن. ومن انفرد برؤية هلال ذي الحجة وحده وقف وحده وإلا فاته الحج. قوله: (لا الجاهل، كبطن عرنة، وأجزأ بمسجدها بكره) أي فإن مر بعرفة وهو جاهل أنه عرفة فلا يجزئه ذلك المرور في الحضور، لأنه لا بد من علمه ليشعر بالقربة كما لا يجزئ وقوفه في بطن عرنة لأنها من الحرم، ولقوله ﷺ : «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة» (١)، وأجزأ الوقوف في مسجدها مع كره لأن حائطه القبلي واقف في حرم. قوله: (وصلى ولوفات) أي يريد أن من قرب من جزء من عرفة قبل الفجر فذكر صلاة إن صلاها طلع الفجر، ويفوته الحج وإن مشى إلى عرفة لم يفته، فإنه يصلي الصلاة ولو فاته الحج وهو المشهور، لأن الصلاة خطرها عظيم، وقيل يمشي إلى عرفات، لئلا يفوته الحج ارتكابا لأخف الضررين. وقيل: المكي يصلي ولو فاته الحج لقربه. قوله: (والسنة غسل متصل) أي لما فرغ من الأركان شرع يذكر سننها، وبدأ بسنن الإحرام كما بدء بالإحرام ثم ثنى بسنن الطواف كما ثنى به ثم ثلث بسنن السعي كما ثلث به فهو ترتيب حسن أي وسنن الإحرام غسل متصل به، وبعضهم قال: الغسل والاتصال سنتان، وقال بعضهم: هما سنة واحدة، ويدلك في غسله لأنه لم يحرم بعد، وإن كانت حائضا، أو نفساء، لأن الغسل هنا للإحرام. وقال في التهذيب (٢): ومن أراد الإحرام من رجل أو امرأة فليغتسل، كانت المرأة حائضا أو نفساء أم لا، ولم يوسع لهم مالك في ترك الغسل إلا من ضرورة، ولم يستحب أن يتوضأ من يريد الإحرام ويدع الغسل. انتهى (٣). قوله: (ولا دم، وندب بالمدينة للعليفي) أي ولا هدي عليه إن ترك الغسل عامدا أو ناسيا قاله سحنون. وقال: فقد أساء. وندب الاغتسال بالمدينة الشريفة لمن أراد أن يحرم بذي الحليفة إذا مضى له

стр. 529

من فوره. قوله: (ولدخول غير حائض مكة) أي والغسل الثاني للمحرم لدخول غير حائض أو نفساء مكة، وأما الحائض والنفساء لا تغتسل لأن الغسل هنا للطواف وهي لا تطوف، فيغتسل المغتسل (بطوى) ليتصل اغتساله بدخوله، وطوى بكسر الطاء وضمها مقصور، وأما طواء بالمد هو من جهة الطائف. قوله: (وللوقوف) أي والغسل الثالث للوقوف بعرفة وإن لحائض ونفساء، ولا يدلك بدنه في اغتساله وهو محرم. قوله: (ولبس إزار ورداء ونعلين، وتقليد هدي، ثم إشعاره، ثم ركعتان، والفرض مجز:) إلى آخره، هذه هي السنة الثانية للإحرام أي ومن سنن الإحرام لبس إزار ورداء ونعلين وتقليد هدي، ثم إشعاره بعد التقليد، ثم إن فعل ذلك كله صلى ركعتين ليقع الإحرام عقب الصلاة، والفرض مجزئ عن الركعتين ولكن النفل أحب. ابن الجلاب ومن أحرم بغير صلاة من غير ضرورة فلا شيء عليه (١). قال ابن المعلى في مناسكه: قلت: وقد أساء إن فعل ذلك، لأن الترك وإن لم يترتب عليه عقاب، فقد حرم نفسه ما في اتباع السنة من جزيل الثواب. قوله: (يحرم الراكب إذا استوى) أي فإن صلى ركعتين يحرم عقب صلاته إذا استوى على راحلته راكبا (والماشي إذا مشى) على رجليه أي إذا شرع في المشي للجهة نحو طريقه. قوله: (وتلبية) سنة ثالثة، ومعنى لبيك لزوما لأمرك وطوعا لك، ومخرجه مخرج جنانيك. قال الهروي: فثنوه لأنهم أرادوا إجابة بعد إجابة، كما قالوا: حنانيك أي رحمة بعد رحمة. قال القرافي في ذخيرته: تنبيه: التلبية خبر ومعناها الوعد الله تعالى بالإقامة على طاعته أو بالإجابة له، والوعد إنما يتعلق بالمستقبل، ومقتضى هذا أن يستمر إلى آخر المناسك في كل حالة تبقى بعدها قربة من المناسك، وكل من قال باستصحابها إلى آخر المناسك كان أكثر إعمالا لمقصودها، وإذا قلنا معناها: الإجابة، فقيل: هي إجابة

стр. 530

إبراهيم ﵇، حيث قيل له: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ [الحج: ٢٧]. انتهى (١). قوله: (وجددت لتغير حال) أي وجددت التلبية عند تغير هيئة كصعوده وهبوطه وانتباه من النوم، وعند ملاقاة الرفاق، وعند سماع ملب (وخلف) كل (صلاة) فرضا أو نفلا. ابن شاس: والتجديد سنة. وظاهر كلامه هنا أنها من تمام السنة. انتهى. وفي تلبيته راجع لشيء نسيه روايتان. قوله: (وهل لمكة أو للطواف؟ خلاف. وإن تركت أوله قدم إن طال) أي وهل تستمر التلبية إلى أن ينتهي إلى مكة فيسكت وهو مذهب الرسالة، أو إنما تستمر إلى الطواف، وهو مذهب المدونة فيه قولان مشهوران والأول شهره. ابن بشير: ويلبي الملبي من أول إحرامه عند أخذه في التوجه راكبا كان أو ماشيا، وإن ترك التلبية أول الإحرام فعليه هدي، وإن طال ما بين الإحرام والتلبية ثم لا يسقط عنه الدم إن رجع ولبى لأنه ترتب في ذمته، ومفهوم قوله: وإن تركت أوله، أنه إذا تركها في غير أول الإحرام فلا دم عليه وهو كذلك، وأما إن لم يطل فلا دم عليه. قوله: (وتوسط في علو صوته) أي ويتوسط الملبي في علو صوته مسمعا، فلا يرفع صوته جدا لئلا يضر بحلقه ولا يخفيها، وتسمع المرأة نفسها ومن يليها. قوله: (وفيها) أي ويوسط في تلبيته يلبي مرة ويسكت أخرى. قوله: (وعاودها بعد سعي وإن بالمسجد لرواح مصلى عرفة) أي فإن انتهى بتلبيته إلى مكة على قول أو إلى الطواف على قول، ثم يطوف ويسعى بين الصفا والمروة، فإنه يعاود التلبية وإن في المسجد الحرام أو مسجد خيف بمنى، ولا ترفع الأصوات في المساجد إلا هنا، فيلبي إلى رواح بمصلى عرفة، والرواح ما بعد الزوال. المارزي: واختلف عندنا متى يقطع الحاج التلبية، فقيل بزوال يوم عرفة. وقيل بالرواح إلى صلاة ظهرها. وقيل: بالرواح إلى الوقوف بعرفة، واختار بعض شيوخنا المتأخرين يرمي جمرة العقبة وقال به المخالف، اختلف القابلون بهذا هل هو بالشروع، ورمي أول جمرة أو حتى يتم السبع. إكمال الإكمال (٢).
следующие страницы →