← Фикх малики

Фикх малики · id 30174

موهوب الجليل في شرح مختصر خليل

ابن أبي بكر الواداني

Полный текст (1 727 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بالمروة؟ فقال مالك: يعيد ذلك الشرط، ويحتسب في سعيه من الصفا ويعيد شوطا (١). قوله: (مرة والعود أخرى)، أفاد كلامه فائدتين أن البدء منه هو مرة واحدة، والفائدة الثانية أن العود إليه مرة أخرى عكس الطواف لأن من الحجر إلى الحجر شوط واحد، ولم يبين الشارح هنا لم ذكر الصفا لوقوف آدم ال عليها، وأنث المروة لوقوف حواء عليها، وقال الشعبي: لأنه كان على الصفا صنم يسمى إسافا، وعلى المروة آخر يسمى نائلة فاطرد التذكير والتأنيث، قاله ابن عطية (٢). وسئل القرافي: هل الصفا أفضل أو المروة؟ جوابه المروة لأن الساعي يزورها من الصفا أربعا ويزور الصفا من المروة ثلاثا ومن كانت العبادة فيه أكثر كان أفضل (٣). قوله: (وصحته بتقدم طواف ونوى فرضيته، وإلا قدم)، لما ذكر السعي شرع يذكر شروط صحته أي وصحة السعي مشروطة بتقدم طواف، فإن قدم السعي على الطواف لم يجزه، فإن طاف ينوي فرضية الطواف وإلا أي وإن لم ينو فرضيته فعليه الدم. قوله: (ورجع إن لم يصح طواف عمرة حرما، وافتدى لحلقه) أي ورجع المعتمر إن لم يصح طواف عمرته في حال كونه حرما أي محرما وإن كان في أبعد البلاد، ويفتدي لحلق رأسه، لأنه كان يعتقد تمام عمرته، فلما لم يصح له الطواف ولا السعي فإنه يرجع محرما لبقاء إحرامه. قوله: (وإن أحرم بعد سعيه بحق فقارن) أي وإن أحرم بحج بعد سعيه الفاسد في العمرة، فإنه قارن بحج وعمرة. وقوله: بعد سعيه أي قصد الوجه المشكل، وأحرى قبل السعي، لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا. قوله: (كطواف القدوم)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما يرجع لفساد طواف القدوم

стр. 527

(إن سعى بعده، واقتصر) أي واكتفى بذلك السعي ولم يعده بعد طواف صحيح. قوله: (والإفاضة إلا أن يتطوع بعده، ولا دم) أي وكذلك يرجع لفساد طواف الإفاضة، وإن كان في أبعد البلاد، إلا أن يتطوع بطواف بعده فيجزيه ولا يرجع له، ولا دم عليه وهو خلاف المعروف، لأن التطوع لا يجزئ عن الواجب. قوله: (حلا إلا من نساء وصيد، وكره الطيب) أي في حال كونه حالا في رجوعه، الفساد طواف القدوم والإفاضة إلا من نساء وصيد، وكره له التطيب لأنه حل برمية العقبة في غير نساء وصيد. قوله: (واعتمر) أي واعتمر بعد فراغه مما رجع له وطئ أم لا أي واستمر حلالا إلى فراغ ما رجع له من طواف وسعي، ثم اعتمر وأهدى، وليس عليه أن يحلق إذا رجع بعد فراغه من السعي لأنه حلق بمنى، ولا شيء عليه في لبس الثياب، لأنه لما رمى الجمرة حل له لبسها، وهو كقوله في المدونة: فليرجع لابسا الثياب حلالا إلا من النساء والصيد والطيب. غفل الشارح هنا رحمة الله في قوله: إذا رجع لمكة فلا يدخلها إلا بعمرة. وأيضا كيف يحرم بالعمرة؟ وطواف الحج والسعي باقيان عليه. انتهى. قوله: (والأكثر إن وطئ وللحج حضور جزء عرفة) أي والأكثر من الشيوخ لا يعتمر إلا إذا وطئ. هنا وانتهت الأركان التي يشترك فيها الحج والعمرة، وانفرد الحج بشرط حضور جزء عرفة، وجزء الشيء بعضه وأجزاؤه أبعاضه. وقوله: (ساعة)، المراد به عندنا إذا سكت ولبث. وقوله: (ليلة النحر) لا نهاره، (ولومة) بجزء من عرفة (إن نواه) أي إن نوى به الوقوف، ويلغز بالفرض الذي لا يكون إلا في ليل وهو الوقوف بعرفة، وبالفرض الذي لا يكون إلا بالنهار وهو الصيام. قوله: (أو بإغماء قبل الزوال)، يعني أن من أغمي عليه قبل الزوال وأحرى بعده، فوقف به بعرفة أجزأه، لأن الإغماء إذا طرأ على الإحرام لا يضر، وقد دخلت نية الوقوف في نية الإحرام، وكذلك يجزئ النائم. قوله: (أو أخطأ الجم بعاشر)، معناه إن أهل عرفة إذا أخطأوا فوقفوا يوم النحر، وهو العاشر من ذي الحجة فإنه يجزئهم، وأشار بقوله: (فقط) إلى أنهم لو وقفوا في الثامن لا يجزيهم، وهذا هو المشهور في المسألتين.

стр. 528

وقيل: لا يجزيهم في العاشر. وقيل: يجزيهم في الثامن. ومن انفرد برؤية هلال ذي الحجة وحده وقف وحده وإلا فاته الحج. قوله: (لا الجاهل، كبطن عرنة، وأجزأ بمسجدها بكره) أي فإن مر بعرفة وهو جاهل أنه عرفة فلا يجزئه ذلك المرور في الحضور، لأنه لا بد من علمه ليشعر بالقربة كما لا يجزئ وقوفه في بطن عرنة لأنها من الحرم، ولقوله ﷺ : «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة» (١)، وأجزأ الوقوف في مسجدها مع كره لأن حائطه القبلي واقف في حرم. قوله: (وصلى ولوفات) أي يريد أن من قرب من جزء من عرفة قبل الفجر فذكر صلاة إن صلاها طلع الفجر، ويفوته الحج وإن مشى إلى عرفة لم يفته، فإنه يصلي الصلاة ولو فاته الحج وهو المشهور، لأن الصلاة خطرها عظيم، وقيل يمشي إلى عرفات، لئلا يفوته الحج ارتكابا لأخف الضررين. وقيل: المكي يصلي ولو فاته الحج لقربه. قوله: (والسنة غسل متصل) أي لما فرغ من الأركان شرع يذكر سننها، وبدأ بسنن الإحرام كما بدء بالإحرام ثم ثنى بسنن الطواف كما ثنى به ثم ثلث بسنن السعي كما ثلث به فهو ترتيب حسن أي وسنن الإحرام غسل متصل به، وبعضهم قال: الغسل والاتصال سنتان، وقال بعضهم: هما سنة واحدة، ويدلك في غسله لأنه لم يحرم بعد، وإن كانت حائضا، أو نفساء، لأن الغسل هنا للإحرام. وقال في التهذيب (٢): ومن أراد الإحرام من رجل أو امرأة فليغتسل، كانت المرأة حائضا أو نفساء أم لا، ولم يوسع لهم مالك في ترك الغسل إلا من ضرورة، ولم يستحب أن يتوضأ من يريد الإحرام ويدع الغسل. انتهى (٣). قوله: (ولا دم، وندب بالمدينة للعليفي) أي ولا هدي عليه إن ترك الغسل عامدا أو ناسيا قاله سحنون. وقال: فقد أساء. وندب الاغتسال بالمدينة الشريفة لمن أراد أن يحرم بذي الحليفة إذا مضى له

стр. 529

من فوره. قوله: (ولدخول غير حائض مكة) أي والغسل الثاني للمحرم لدخول غير حائض أو نفساء مكة، وأما الحائض والنفساء لا تغتسل لأن الغسل هنا للطواف وهي لا تطوف، فيغتسل المغتسل (بطوى) ليتصل اغتساله بدخوله، وطوى بكسر الطاء وضمها مقصور، وأما طواء بالمد هو من جهة الطائف. قوله: (وللوقوف) أي والغسل الثالث للوقوف بعرفة وإن لحائض ونفساء، ولا يدلك بدنه في اغتساله وهو محرم. قوله: (ولبس إزار ورداء ونعلين، وتقليد هدي، ثم إشعاره، ثم ركعتان، والفرض مجز:) إلى آخره، هذه هي السنة الثانية للإحرام أي ومن سنن الإحرام لبس إزار ورداء ونعلين وتقليد هدي، ثم إشعاره بعد التقليد، ثم إن فعل ذلك كله صلى ركعتين ليقع الإحرام عقب الصلاة، والفرض مجزئ عن الركعتين ولكن النفل أحب. ابن الجلاب ومن أحرم بغير صلاة من غير ضرورة فلا شيء عليه (١). قال ابن المعلى في مناسكه: قلت: وقد أساء إن فعل ذلك، لأن الترك وإن لم يترتب عليه عقاب، فقد حرم نفسه ما في اتباع السنة من جزيل الثواب. قوله: (يحرم الراكب إذا استوى) أي فإن صلى ركعتين يحرم عقب صلاته إذا استوى على راحلته راكبا (والماشي إذا مشى) على رجليه أي إذا شرع في المشي للجهة نحو طريقه. قوله: (وتلبية) سنة ثالثة، ومعنى لبيك لزوما لأمرك وطوعا لك، ومخرجه مخرج جنانيك. قال الهروي: فثنوه لأنهم أرادوا إجابة بعد إجابة، كما قالوا: حنانيك أي رحمة بعد رحمة. قال القرافي في ذخيرته: تنبيه: التلبية خبر ومعناها الوعد الله تعالى بالإقامة على طاعته أو بالإجابة له، والوعد إنما يتعلق بالمستقبل، ومقتضى هذا أن يستمر إلى آخر المناسك في كل حالة تبقى بعدها قربة من المناسك، وكل من قال باستصحابها إلى آخر المناسك كان أكثر إعمالا لمقصودها، وإذا قلنا معناها: الإجابة، فقيل: هي إجابة

стр. 530

إبراهيم ﵇، حيث قيل له: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ [الحج: ٢٧]. انتهى (١). قوله: (وجددت لتغير حال) أي وجددت التلبية عند تغير هيئة كصعوده وهبوطه وانتباه من النوم، وعند ملاقاة الرفاق، وعند سماع ملب (وخلف) كل (صلاة) فرضا أو نفلا. ابن شاس: والتجديد سنة. وظاهر كلامه هنا أنها من تمام السنة. انتهى. وفي تلبيته راجع لشيء نسيه روايتان. قوله: (وهل لمكة أو للطواف؟ خلاف. وإن تركت أوله قدم إن طال) أي وهل تستمر التلبية إلى أن ينتهي إلى مكة فيسكت وهو مذهب الرسالة، أو إنما تستمر إلى الطواف، وهو مذهب المدونة فيه قولان مشهوران والأول شهره. ابن بشير: ويلبي الملبي من أول إحرامه عند أخذه في التوجه راكبا كان أو ماشيا، وإن ترك التلبية أول الإحرام فعليه هدي، وإن طال ما بين الإحرام والتلبية ثم لا يسقط عنه الدم إن رجع ولبى لأنه ترتب في ذمته، ومفهوم قوله: وإن تركت أوله، أنه إذا تركها في غير أول الإحرام فلا دم عليه وهو كذلك، وأما إن لم يطل فلا دم عليه. قوله: (وتوسط في علو صوته) أي ويتوسط الملبي في علو صوته مسمعا، فلا يرفع صوته جدا لئلا يضر بحلقه ولا يخفيها، وتسمع المرأة نفسها ومن يليها. قوله: (وفيها) أي ويوسط في تلبيته يلبي مرة ويسكت أخرى. قوله: (وعاودها بعد سعي وإن بالمسجد لرواح مصلى عرفة) أي فإن انتهى بتلبيته إلى مكة على قول أو إلى الطواف على قول، ثم يطوف ويسعى بين الصفا والمروة، فإنه يعاود التلبية وإن في المسجد الحرام أو مسجد خيف بمنى، ولا ترفع الأصوات في المساجد إلا هنا، فيلبي إلى رواح بمصلى عرفة، والرواح ما بعد الزوال. المارزي: واختلف عندنا متى يقطع الحاج التلبية، فقيل بزوال يوم عرفة. وقيل بالرواح إلى صلاة ظهرها. وقيل: بالرواح إلى الوقوف بعرفة، واختار بعض شيوخنا المتأخرين يرمي جمرة العقبة وقال به المخالف، اختلف القابلون بهذا هل هو بالشروع، ورمي أول جمرة أو حتى يتم السبع. إكمال الإكمال (٢).

стр. 531

قوله: (ومحرم مكة يلبي بالمسجد، ومعتمر الميقات، وفائت الحج للحرم، ومن الجعرانة والتنعيم للبيوت) أي ومن أحرم بمكة بحج كان مكيا أوغيره، فإنه يلبي بالمسجد عقب إحرامه. والمسجد الحرام ما دار بالبيت وليس البيت منه لأنه ليس محل الصلاة، وأما من اعتمر بالميقات ومن فاته الحج فإن تلبيته تنتهي إلى الحرم، ويقطعها لأجل بعد المسافة، وأما إن أحرم لعمرته من الجعرانة أو من التنعيم، فإن تلبيته تنتهي للبيوت الكائنة بمكة لأجل قرب المسافة. وقال أبو بكر الأبهري: يتمادى بالتلبية إلى المسجد نفسه لأنه أقرب من الجعرانة، فيزيد تلبيته منه لقصر مدتها. هنا انتهى الكلام في سنن الإحرام. قوله: (وللطواف المشي، وإلا فدم لقادر لم يعده)، هذا شروع منه ﵀ في سنن الطواف بالبيت أي وسنن الطواف فرضا كان أو نفلا: المشي، وإلا أي وإن لم يمش فيه بل ركب فالدم لازم له إذا كان قادرا على المشي أي ولم يعد الطواف ثانيا، فإن أعاده سقط عنه الدم، ومفهوم قوله: لقادر أن العاجز عن المشي لا دم عليه وهو كذلك، وإنما ركب رسول الله ﷺ ليظهر فيستفتي. قوله: (وتقبيل حجر بفم أوله)، هذه السنة الثانية وهي تقبيل الحجر الأسود أول الطواف. ولم يذكر الشيخ لمس اليماني هنا لو قال: وتقبيل حجر بفم، ولمس يماني أوله لأنه سنة. كان نور الحجر يصل إلى المواقيت، وهو ياقوتة من يواقيت الجنة، وتقبيل الحجر قد فعله النبي ﷺ وأصحابه، وقال عمر بن الخطاب ﵁: علمت أنك حجر لا تنفع ولا تضر، لولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك (١). وقوله: بفم أوله مستغنى عنه، لأن القبلة لا تكون إلا بالفم. وقال ابن حبيب: يقول عند ابتداء طوافه واستلام الحجر: بسم الله والله أكبر،

стр. 532

صلى الله (١) اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد) قوله: (وفي الصوت قولان) أي وفي منع الصوت عند التقبيل وعدم منعه قولان. قوله: (وللرحمة لمس بيد، ثم عود ووضعا على فيه) أي وإن زوحم عن التقبيل فإنه يمسه بيده، فإن لم يقدر باليد فبالعود ويضعهما على فيه. قوله: (ثم كبر)، يحتمل أنه إذا تعذر شيء من التقبيل أو اللمس باليد أوالعود كبر ومضى على طوافه، ويحتمل أنه إذا قبل أو لمس كبر. قوله: (والدعاء بلا حد)، هذه هي السنة الثالثة أن يدعو في طوافه بما شاء، ولا حد في الدعاء كالتسبيح والتصلية على النبي. قوله: (ورمل رجل في الثلاثة الأول، ولو مريضا وصبيا حملا، وللرحمة الطاقة)، هذه هي السنة الرابعة أي من سنن الطواف أن يرمل رجل لا امرأة في الأشواط الثلاثة الأولى من الحجر إلى الحجر في طواف القدوم، ويمشي في الأربعة الباقية ولو كان الطائف مريضا أو صبيا، فإن حاملهما يرمل بهما في الثلاثة الأولى ويعمل الطائف في زحمة الناس بقدر طاقته من الرمل. الرمل بفتح الميم هو ضرب من المشي، يثب الرجل في مشيه وثبا خفيفا يهز منكبيه، وليس بالجري الشديد. قال بعض العلماء: الرمل هو إسراع المشي مع تقارب الخطا وهو الخبب (٢). قوله: (وللسعي تقبيل الحجر، ورقيه عليهما، كامرأة إن خلا، وإسراع بين الأخضرين فوق الرمل)، لما فرغ من سنن الطواف شرع يذكر سنن السعي بين الصفا والمروة أي وسن لمريد السعي تقبيل الحجر الأسود عند خروجه للسعي، وكذلك يسن له الرقي عليهما أي على الصفا والمروة. قال عياض ويكره الجلوس عليهما (٣)، وكذلك يسن للمرأة الرقي عليهما إن خلا الموضع من الناس، وكذلك يسن للرجل إسراع بين الأخضرين هو بطن المسيل أي يهرول فوق الرمل الذي تقدم في الطواف. قوله: (ودعاء) أي وسن للسعي دعاء بلا حد، والصلاة على النبي ﷺ . وقال بعضهم: فإذا رقى على الصفا قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ثلاثا،

стр. 533

ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ويصنع مثل ذلك على المروة، وهل يرفع يديه عند الدعاء؟ أم لا وعلى أنه يرفع هل يبسطهما راغبا؟ أو يجعل باطن كفيه إلى الأرض راهبا؟ أو يجمع بين الرغبة والرهبة. قوله: (وفي سنية ركعتي الطواف)، لو قدم هذا عند ذكره الطواف وضعه في غير محله أي وفي سنية ركعتين للطواف (ووجوبهما تردد) في فهم النقل. عبد الوهاب سنة مؤكدة (١)، واختار الباجي وجوبهما. وقيل بالفرق: فإن كان الطواف واجبا وجبتا، وإلا فلا يكون حكمها حكم الطواف، وأما مشروعيتهما فلا خلاف فيها، لا في عدم ركنيتهما. قوله: (وندبا)، ولم يقل الشيخ وندبتا إما للاختصار، وإما لأن الثانية فيهما غير أصلية أي وندبت القراءة في ركعتي الطواف بأم القرآن في الأولى ﴿وقل يتأيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثانية بأم القرآن وسورة الإخلاص. قوله: (كالإحرام: بالكافرون والإخلاص) تشبيه أي كما يندب في ركعة الإحرام قراءة الكافرون بعد أم القرآن في الأولى، وفي الثانية بأم القرآن وقل هو الله أحد. قوله: (وبالمقام) أي وندب أن يوقع ركعتي الطواف عند المقام أي مقام إبراهيم ﵇. قوله: (ودعاء بالملتزم واستلام الحجر اليماني بعد الأول، واقتصار على تلبية الرسول ﷺ ) أي وندب الدعاء عند المقام بالملتزم، وسمي الملتزم ملتزما لأن الناس يلتزمون الدعاء فيه، والملتزم ما بين الركن والباب، وقدره أربعة أذرع. وكذلك يندب له استلام الحجر المتقدم ذكره، والركن اليماني بعد التقبيل الأول المذكور في السنن، وأما الركن اليماني لم يذكره أو لا، ويروى عنه ﷺ أنه قال: «إن الحجر والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، فلولا أن الله تعالى طمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب (٢)، وأن الحجر الأسود يجيء يوم القيامة وله عينان ولسان يشهد

стр. 534

لمن استلمه بحق» (١). وندب أن يقول بين الركن والحجر: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة ٢/ ٢٠١] «(٢). وكذلك يندب الاقتصار أي الاكتفاء على تلبية رسول الله ﷺ وهي: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (٣). يروى بكسر الهمزة وفتحها، فمعنى الكسر: الحمد لك على كل حال، ومعنى الفتح الحمد لك لهذا السبب. عياض: قال ثعلب (٤): فمن كسر عم، ومن فتح خص. إكمال الإكمال (٥). قال ابن وضاح: رأيت عند أبي بكر بن أبي شيبة (٦) رجلا يسأله عن هذا، فقال: يقال: إن وأن وهي أغلب في كلامهم، وهي لغة قيس وقيس أفصح العرب. انتهى. المازري: قال سيبويه والأكثر: لبيك مصدر ثني للتكثير والمبالغة أي إجابة بعد إجابة لا إلى نهاية وليست بتثنية حقيقة، وهي في ذلك كقوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] أي نعمتاه، لأن نعم الله لا تحصى.

стр. 535

ابن الأنباري (١): ثنوها لذلك كما ثنوا حنانيك، أي تحننا بعد تحننك، أي تحننا. واختلف في معناها واشتقاقها فقيل: معناها اتجاهي وقصدي إليك، من قولهم: داري قلب دارك، أي تواجهها. وقيل: معناها محبتي لك من قولهم: امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه. وقيل معناه: أنا مقيم على طاعتك من قولهم: لب والب بالمكان، إذا أقام به. عياض: قال الحربي: معناه قربا منك، والألباب القرب. وقيل: معناه أنا ملب بين يديك أي خاضع. انتهى من إكمال الإكمال (٢). قال أشهب ومن اقتصر على تلبية رسول الله ﷺ المعروفة، اقتصر على حظ وافر، ولا بأس عليه إن زاد على ذلك. فقد زاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك، لبيك مرهوبا منك، ومرغوبا إليك. وزاد ابن عمر لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيدك لبيك والرغبى إليك والعمل (٣). قوله: ﴿ودخول مكة نهارا، والبيت﴾، أي وندب دخول مكة نهارا لفعله ﷺ ، لأنه بات بذي طوى، فلما أصبح دخل مكة، وكذلك يستحب له دخول البيت مطلقا ليلا أو نهارا أو يحتمل دخول البيت نهارا. قوله: (ومن كداء لمدني، والمسجد من باب بني شيبة، وخروجه من كدى) أي يستحب لدخول مكة لمن أتى على طريق المدينة مدنيا كان أو غيره أن يدخل من كداء مكية، أي من ثنية كداء كبفتح الكاف والدال المهملة الممدودة، وهي الثنية التي بأعلى مكة، وكذلك يندب له دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة، ويقال له الآن باب المعلى، لأن دخوله منه مقابل البيت، وينبغي لكل داخل على عظيم أن يستقبله بوجهه، ويستحب له خروجه من مكة لوطنه من كدى بضم الكاف مع القصر والتنوين، وهي الثنية التي بأسفل مكة.

стр. 536

قوله: (وركوعه للطواف بعد المغرب)، يريد إن طاف بعد العصر فإنه يندب له أن يركع لطوافه بعد صلاة المغرب و (قبل تنفله)، ويستحب له أن يكون ركوعه للطواف (وبالمسجد) لأنه أفضل من غيره، وفي المقام أفضل من غيره فيه. قوله: (ورمل محرم من كالتنعيم، أو بالإفاضة لمراهق) أي ورمل محرم من التنعيم والجعرانة، وكذلك يرمل المراهق الذي فاته طواف القدوم في طواف الإفاضة، وكذلك إن نسي طواف قدومه، ويحرم إن نسي أو أحرم من مكة، مكيا كان أو آفاقيا. قوله: (لا تطوع ووداع) أي فلا يرمل في طواف تطوع ولا في طواف وداع، فالطائفون في الرمل ثلاثة أقسام قسم يرمل اتفاقا، وهم كل ذكر بالغ صحيح أحرم من الميقات وطاف لقدومه، وقسم لا يرملون اتفاقا وهم كل امرأة ومتطوع بطواف أو مودع، وقسم بخلاف وهو محرم من الجعرانة أو التنعيم وصبي ومريض ومحرم من مكة أو مراهق. قوله: (وكثرة شرب ماء زمزم، ونقله) أي وندب كثرة شرب ماء زمزم والوضوء به، ونقله لبلاد الإسلام، وقال ابن عباس ﵁: «ماء زمزم لما شرب له» (١): فليقل إذا شربه: «اللهم إني أسألك علما نافعا وقلبا خاشعا وشفاء من كل داء» (٢)، وحديث: «ماء زمزم لما شرب له»، وإن لم يصح فقد عمل المسلمون عليه، وقد سألت عن شربه جماعة من العلماء والمتصوفة، فأخبروني أنهم شربوه لمآرب يسرها الله. قوله: (وللسعي شروط الصلاة) أي وندب لمن يسعى بين الصفا والمروة أن يكون متطهرا من الحدث والخبث، وأن يكون مستور العورة كشروط الصلاة إلا الاستقبال فإنه غير ممكن، والسعي مخالف للطواف في الشروط، لأن الشروط واجبة في الطواف وهي مندوبة في السعي. قوله: (وخطبة بعد ظهر السابع بمكة واحدة، يخبر فيها بالمناسك)، أي وندب خطبة واحدة بأن لا يجلس في وسطها، وهل يجلس أو لا؟ قولان. ووقتها بعد صلاة الظهر من اليوم السابع من ذي الحجة في مكة، يخبر فيها بالمناسك الباقية في الحج إلى الوقوف بعرفة. الخطبة من الخطب، وهو الأمر العظيم المهم، وكانت العرب إذا

стр. 537

نابهم أمر مهم قام أحد هم يخطب لهم، وفي نسخة الشارح: «وخطبه»، أي وخطب الحج وهو بعيد، لأن الشيخ لم يذكر إلا خطبتين، وسكت عن الثالثة، وهي خطبة الحادي عشر بمكة. قوله: (وخروجه لمنى قدر ما يدرك به الظهر، وبياته بها)، أي وندب خروجه إلى منى في اليوم الثامن قدر ما يدرك فيه صلاة الظهر، ولا ينبغي له الخروج قبل ذلك، وكذلك يندب له البيات فيها ليلة التاسع. قوله: (وسيره لعرفة بعد الطلوع، ونزوله بنمرة)، أي وندب له سيره لعرفة صبيحتها بعد طلوع الشمس. ويندب له النزول في نمرة، إذا جاء لعرفة. نمرة هو ما يلي الشام من عرفة، وتسمى الآن: الأراك، والأراك مما يلي اليمن. قوله: (وخطبتان بعد الزوال، ثم أذن وجمع بين الظهرين إثر الزوال، ودعاء وتضرع للغروب) أي وندب خطبتان في يوم عرفة بعد الزوال كخطبتي الجمعة، يجلس بينهما يعلم الناس بهما صفة ما بقي عليهم من وقوف وغيره، وسكت الشيخ عن الخطبة الثالثة في الحج في اليوم الحادي عشر، ثم إذا فرغ من الخطبة، أذن المؤذن وأقام الصلاة، وجمع الإمام بين الظهرين إثر الزوال، ليفرغوا للوقوف وللذكر والدعاء والتضرع إلى الغروب، وهذا الجمع هو جمع التقديم. وقوله: ثم أذن يحتمل أنه يؤذن ويقيم لكل من الصلاتين، ويحتمل الإكتفاء بالأذان الأول في ذلك قولان. قوله: (ووقوفه بوضوء، وركوبه به) أي وندب وقوفه بعرفة متطهرا من الحدث والخبث. وندب له الركوب في وقوفه، لفعله ﷺ راكبا ولأنه أقوى على الذكر، وقيد اللخمي الركوب بعدم إضرار الدواب، وفهم من ركوبه ذلك ﷺ أن الركوب أفضل من القيام فيه، ومن شربه ﷺ من اللبن الذي أهدته له امرأة على مركوبه أن الفطر يوم عرفة أفضل من الصيام فيه، وأن شرب اليسير بين يدي الناس لا بأس به، وأن إعطاء الزوجة من مال زوجها يسيرا أنه يجوز، وفي خطبته راكبا حجة لاتخاذ المنبر في الخطبة مع أنه ﷺ اتخذه. وفيه الإقامة على ظهور الدواب لغرض صحيح جائز ما لم يجحف بها، كما فعل ﷺ ليسمع كلامه من لم يسمعه، أوحفظا للدابة أو لنفسه، والنهي في ذلك إنما هو لمن لم يتخذ ذلك عادة في التحدث عليها، لا

стр. 538

لغرض كما كانت الجاهلية تفعل. وأما من كان راكبا فعرض له الحديث مع غيره، ولم يطل حتى يضر بها، فلا يدخل في النهي. انتهى من إكمال الإكمال (١). قوله: (ثم قيام) أي ثم القيام حين الوقوف بعرفة يلي الركوب في الندب، (إلا لتعب) فيجلس. قوله: (وصلاته بمزدلفة العشاءين وبياته بها. وإن لم ينزل فالدم) أي وندب صلاته في مزدلفة العشاءين معا ليلة عرفة، وهو جمع التأخير لأنه أخر المغرب لأن الشمس غربت وهم ركبان، ويصلون قبل ذهاب نصف الليل، وهذا خلاف الرسالة لأنه قال: سنة. وسميت المزدلفة لقربها من عرفة الإزدلاف هو القرب، ويندب له بياته بها أي بالمزدلفة، وإن لم ينزل فيها فعليه هدي. قوله: (وجمع وقصر، إلا أهلها: كمنى وعرفة) أي وندب جمع بين المغرب والعشاء بعد الشفق في العشاءين بالمزدلفة، وقصر في العشاء إلا لأهلها، كما يندب القصر في منى، وفي عرفة إلا أهلهما فإنهم لا يقصرون. قوله: (وإن عجز فبعد الشفق: إن نفر مع الإمام، وإلا فكل لوقته وإن قدمتا عليه أعادهما) أي وإن عجز عن إدراك الجمع مع الإمام بالمزدلفة، فإنه يجمع بعد الشفق حيث كان، إن كان قد نفر مع الإمام وإلا فلا، أي وإن لم ينفر مع الإمام، بل نفر بعده أو وقف وحده، فإنه يصلي كل صلاة في وقتها حيث دخل عليه، فيؤخر الإمام ومن معه المغرب والعشاء لمغيب الشفق، وإن وصلوا إلى المزدلفة قبله، فإن أخرتا لمغيبه فواضح، وإن قدمتا عليه في المزدلفة أو غيرها أعادهما مع العشاء أبدا والمغرب في الوقت، أجمل الشيخ تخلله في الإعادة ولم يفصل. قوله: (وارتحاله بعد الصبح مغلسا، ووقوفه بالمشعر الحرام يكبر ويدعو للإسفار، واستقباله به، ولا وقوف بعده ولا قبل الصبح) أي وندب ارتحاله عن المزدلفة بعد صلاة الصبح في حال كونه مغلسا بالإرتحال. وكذلك يندب له الوقوف بالمشعر لقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ [البقرة: ١٨٩]، وهو ما بين جبلي المزدلفة، ويدعو فيه ويكبر إلى الإسفار، ثم يدفع منه، وندب له حينئذ استقباله الكعبة ولا وقوف فيه بعد الإسفار لئلا يوافق أفعال المشركين، وكذلك لا يقف فيه قبل صلاة

стр. 539

الصبح لئلا يخالف السنة. قوله: (وإسراع ببطن محسر)، أي ويندب للراكب والماشي إسراع في المشي في بطن محسر تعبدا، وقيل: لأنه الموضع الذي أرسل الله فيه العذاب على أصحاب الفيل، سمي محسرا لأن أصحاب الفيل حسروا فيه أي أعيا وهو واد بين مزدلفة ومنى قدر رمية حجر، وليس من واحد منهما، وقيل: بعضه من منى وبعضه من مزدلفة. قوله: (ورميه العقبة حين وصوله وإن راكبا، والمشي في غيرها، وحل بها غير نساء وصيد، وكره الطيب) أي وندب رميه جمرة العقبة حين وصوله لمنى، فلا يؤخر وإن راكبا، وأما غيرها من الجمرات فالمشي فيها مستحب، فإن رمى العقبة فإنه يحل بها من كل ما حرم عليه إلا النساء والصيد، وكره له الطيب بعدها حتى يفيض وهو التحليل الأصغر، وموقف رامي جمرة العقبة ببطن الوادي من أسفلها مستقبلا لها، منى عن يمينه والبيت عن يساره، وإن رماها فوقها فليستغفر الله ولا يرم في ذلك اليوم إلا جمرة العقبة. قوله: (وتكبيره مع كل حصاة وتتابعها، ولقطها، وذبح قبل الزوال، وطلب بدنته له ليحلق، ثم حلقه ولو بنورة، إن عم رأسه)، أي وندب تكبيره تكبيرة واحدة مع رمي كل حصاة، ويندب له تتابع الحصاة في الرمي، ويندب له لقطها من حيث شاء إلا جمرة العقبة في اليوم الأول، فإنه يستحب له أن يلقطها من المزدلفة. انتهى. وفي إكمال الإكمال التحلل جواز فعل بعض ما منعه الإحرام، أوجواز فعل جميع ما منعه الإحرام، فالأول التحلل الأصغر، وهو برمي جمرة العقبة يوم النحر. والثاني الأكبر، وهو بالإفاضة. قلت: سقوط الدم عمن تطيب قبل الإفاضة مذهب المدونة، قال فيها وأكره لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب، فإن فعل فلا فدية (١). وكذلك يندب له أن يذبح أو ينحر هديه قبل الزوال من يوم العيد. وندب له طلب بدنة إن ضلت عنه إلى الزوال ليحلق بعد النحر، لأن الحلق بعد الذكاة أفضل منه قبلها، وقد قال تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولذلك قال: ثم حلقه، أي فإن ذبح هديه، فإنه يحلق رأسه بعد ذلك، ولو كان الحلق بنورة إن عم رأسه بالحلاق، مفهومه إن لم يعمه بالحلق فلا يجزيه وهو كذلك، وهل

стр. 540

يكره حلق الرأس في غير هذا الموضع، فقال بعضهم: لا لأن الشعر زينة وتركه سنة وحلقه بدعة، ويحفظ الدماغ من البرد. قوله: (والتقصير مجز، وهو سنة المرأة: تأخذ قدر الأنملة والرجل من قرب أصله) أي والتقصير مجزئ عن الحلق للرجل، وإن كان الحلق أفضل له منه، وهذا كله إذا كان شعره غير مضفر ولا ملبد، وأما إن كان مضفرا أو ملبدا، فلا بد من الحلق والتلبيد هو أن يشعث الشعر حتى لا يتخلله شيء فيصير كاللبد والقصر سنة المرأة مطلقا لأن الحلق يشينها، وصفة القصر أن تأخذ المرأة من شعرها قدر أنملة. لو قال الشيخ: كأنملة لكان أخصر وأفاد، ليدخل ما دون الأنملة بيسير أو أكثر منها بيسير، وأما الرجل فإنه يأخذ في قصره من قرب أصول شعر رأسه. قوله: (ثم يفيض وحل به ما بقي؛ إن حلق: وإن وطئ قبله فدم)، أي فإن نحر هديه وحلق رأسه، فإنه يطوف طواف الإفاضة بعد ذلك عاجلا، لأن تقديم طواف الإفاضة يوم النحر أفضل من تأخيره عنه، فإن طافه فإنه يحل به من ما بقي بعد تحليل العقبة، وهو النساء والصيد والطيب، لأن طواف الإفاضة آخر أركان الحج بشرط أن يحلق رأسه، وإن وطئ قبل الحلاق فعليه دم ظاهره وإن تركه ضررا، ويفهم منه أنه نسك لا ركن لإجزاء الهدي عنه. قوله: (بخلاف الصيد) أي فإنه لا دم عليه إن اصطاد بعد طواف الإفاضة وقبل الحلق لخفة الصيد. قوله: (كتأخير الحلق لبلده، أو الإفاضة للمحرم، ورمي كل حصاة أو الجميع لليل، وإن لصغير لا يحسن الرمي، أو عاجز، ويستنيب فيتحرى وقت الرمي، ويكبر، وأعاد إن صح قبل الفوات بالغروب من الرابع) تشبيه، أي كما يجب عليه الهدي إذا أخر الحلق إلى بلده، وإن كان بعيدا. وكذلك يجب عليه الدم لتأخير طواف الإفاضة إلى المحرم لخروج أشهر الحج. وكذلك يجب عليه الدم بتأخير رمي كل حصاة، أو تأخير رمي جميع الحصاة إلى الليل، وإن كان الرمي لصغير لا يحسن الرمي، وأحرى إن كان يحسن الرمي فإن الدم على من أحجه، لأنه هو المفرط. وكذلك عاجز عن الرمي فإنه يستنيب، فيتحرى وقت الرمي عنه وكبر حينئذ تكبيرة لكل حصاة، وأعاد هذا العاجز ما رمي عنه إذا صح قبل الفوات، والفوات

стр. 541

إنما يكون بالغروب من يوم الرابع، فلا قضاء لرميه. قوله: (وقضاء كل إليه والليل قضاء)، وقضاء مبتدأ وكل إليه خبر، أي وقضاء كل رمي من الجمرات إليه، أي إلى الغروب من اليوم الأول ثم إلى الغروب من اليوم الثاني، ثم إلى الغروب من الثالث، ثم إلى الغروب من الرابع، واليل التالي لكل منها قضاء لا أداء على المشهور وقيل: أداء. قوله: (وحمل مطيق، ورمى؛ ولا يرمي في كف غيره)، أي وحمل عاجز مطيق على الرمي، ويرمي بنفسه، ولا يرمي في كف غيره ليرمي الغير عنه، لأن ذلك ليس برمي. قوله: (وتقديم الحلق أو الإفاضة على الرمي) أي ومما يوجب الهدي تقديم حلق شعر الرأس، أو تقديم طواف الإفاضة على الرمي في جمرة العقبة، فإنه خالف الترتيب في نسك إبراهيم الخليل ﷺ . قوله: (لا إن خالف في غير) أي فلا هدي عليه إن خالف الترتيب في غيرهما، كما لو نحر قبل أن يرمي، أو حلق قبل أن يرمي، أو حلق قبل أن ينحر. المازري: وأجمعوا على أن سنة الحاج يوم النحر أن يرمي جمرة العقبة ثم ينحر ثم يحلق ثم يطوف للإفاضة، فإن قدم واحدا من الأربعة على صاحبه، فأما الثلاثة الأول فقال مالك: لا فدية في تقديم واحد منها إلا في تقديم الحلق على الرمي، لأنه إلقاء التفث قبل التحلل بالرمي، وأسقطها المخالف لقوله: «ارم ولا حرج» (١)، فحمله على نفي الفدية، وهو عندنا لنفي الإثم فقط، وأوجبها ابن الماجشون في تقديم الحلق على النحر، لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦]. إكمال الإكمال (٢). قوله: (وعاد للمبيت بمنى فوق العقبة ثلاثا، وإن ترك جل ليلة قدم، أو ليلتين إن تعجل، ولوبات بمكة أو مكيا قبل الغروب من الثاني: فيسقط عنه رمي الثالث) أي فإن طاف طواف الإفاضة يوم النحر عاد من فوره للمبيت في منى، وإن وافق يوم الجمعة في مكة، فلا يؤخر عوده لسبب الجمعة، فيبيت بها فوق العقبة ثلاث ليال كاملة، وفوق

стр. 542

العقبة تفسير لمنى، وما بينه وبين مكة فلا لأنه ليس من منى وسميت منى لما تمنى بها من الدماء، أي تراق. وقيل: لأن آدم تمنى فيها الجنة، فإن ترك المبيت فيها جل ليلة فالدم لازم له، مفهوم جل ليلة أنه لو ترك المبيت نصف ليلة فلادم والمفهوم صحيح. ذكر الشيخ أول منى مما يلي مكة وهو فوق العقبة، ولم يذكر آخره وهو بطن محسر للمتعجل وإن وافق يوم الجمعة، في مكة فلا يؤخر عوده بسبب الجمعة وسميت منى لما ينمى بها من الدماء أي تراق وقيل لأن آدم تمنى بها الجنة. قوله: أو ليلتين معطوفا على قوله: ثلاثا أي ويبيت ليلتين فوق العقبة إن تعجل، ولو بات المتعجل في مكة فلا يضره، أو كان مكيا. قوله: قبل الغروب متعلق بقوله: إن تعجل، أي وإنما يجوز التعجيل بخروجه عن منى مرتحلا عنها قبل الغروب من اليوم الثاني فيسقط عنه بتعجيله رمي اليوم الثالث، وأما من غربت عليه الشمس في العقبة قبل تجاوزه فليس له التعجيل، فليبت بمنى حتى يرمي من الغد، لأنه التزم الرمي من الثلاثة، فإن ارتحل المتعجل في يومين، وجاوز العقبة قبل الغروب، ثم رجع لمنى قبله أو بعده من مكة أو غيرها فمر بمنى لحاجة بها، أو لطريق عليها لم يضره ذلك، وإن لم يخرج منها حتى غربت الشمس عليه، وهو بها. قوله: (ورخص لراع بعد العقبة أن ينصرف، ويأتي الثالث فيرمي لليومين)، الرخصة ما شرع على وجه التخفيف والتسهيل، أي ورخص لراع إبل أو غنم بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر أن ينصرف لرعيته ويأتي في اليوم الثالث فيرمي لليومين أمسه ويومه. قوله: (وتقديم الضعفة في الرد للمزدلفة) أي ورخص تقديم الضعفة من النساء والصبيان والمرضى ليلا إلى منى حين رجوعهم من عرفة إلى المزدلفة. وكذلك رخص تأخير الضعفة عن الناس حينئذ. قوله: (وترك التحصيب لغير مقتدى به) أي ورخص ترك النزول ليلة الرابعة عشر والمحصب لغير مقتدى به، وأما المقتدى به فلا يترك التحصيب، والمحصب هو الأبطح سمي محصبا لكثرة الحصباء فيه تحت كداء الثنية حيث المقبرة. قوله: (ورمى كل يوم الثلاث، وختم بالعقبة من الزوال للغروب)، معطوف على قوله:

стр. 543

وعاد للمبيت بمنى أي فإذا أفاض وعاد بعده لأجل المبيت بمنى، فإذا أصبح رمى كل يوم الجمرات الثلاث، ويبدأ بالأولى، وهي التي تلي مسجد منى ثم بالتي تليها وهي الوسطى ويختم بالعقبة، ووقت الرمي من الأيام الثلاثة من الزوال إلى الغروب، وأفضله عقب الزوال، فإن رمى قبله أعاد بعده. قوله: (وصحته بحجر كحصى الخذف) أي لما ذكر الرمي شرع رحمة الله يذكر شروطه، أي وصحة الرمي مشروطة بأن يكون المرمي به حجر لا غيره، وقدر ذلك الحجر كحصى الخذف بالخاء المعجمة، ويكون بالحاء المهملة، ويقال: الحذف بالحصى، والخذف بالحصى، ويكون الرمي بها بين السبابة والإبهام وهي قدر الأنملة، ولا يرمي بالصغيرة جدا كالحمصة والقمحة، وأما الكبيرة تجزئ بكره خوف عطب الناس، وقدر الأنملة أفضل. قوله: (ورمي وإن بمتنجس)، أي ومن شروط الرمي رمي وإن كان الرمي بحصاة متنجسة، ولا يصح وضع الحصاة على الجمرة ولا طرحها عليها بلا رمي. قوله: (على الجمرة، وإن أصابت غيرها، إن ذهبت بقوة، لا دونها وإن أطارت غيرها لها)، أي ورمى على الجمرة وإن أصابت الحصاة المرمية غيرها، وذهبت بقوة الرمي إلى الجمرة فإنها تجزئ مفهومه: إن ذهبت إليها بغير قوت فلا تجزئ وهو كذلك، لا إن وقعت دون الجمرة فإنها لا تجزيه وإن أطارت غيرها لها، أي إلى الجمرة. قوله: (ولا طين ومعدن) أي وصحة الرمي بحجر لا طين ومعدن مطلقا عينا كان أو غيرها. قوله: (وفي إجزاء ما وقف بالبناء تردد)، أي وفي إجزاء حصاة وقفت في شقوق البناء وعدم الإجزاء تردد لعدم النص، ومال الشيخ المنوفي (١) ﵀ شيخ المؤلف إلى الإجزاء لأن البناء متصل بالجمرة، ومال خليل المكي ﵀ إلى عدم الإجزاء. قوله: (وبترتبهن. وأعاد ما حضر بعد المنسية، وما بعدها في يومها فقط) أي ومن شروط صحة الرمي ترتب الجمرات، فيقدم الأولى ثم الوسطى ثم العقبة، فإن نسي رمي جمرة من يوم ورمى ما بعدها، فإن ذكر قبل غروب الشمس في يوم المنسية أو فيما بعده، رمى المنسية وما بعدها من الجمرات التي رماها في يومها، وأعاد ما حضر من الرمي بعد فراغه من رمي تلك المنسية، ونقل الشيخ ذلك في توضيحه،

стр. 544

فقال: لو نسي الجمرة الأولى في ثاني النحر ورمى اليوم الثالث واليوم الرابع، فإنه يأتي بالمنسية والجمرتين اللتين بعدها في يومها، وأعادها، أي المفعولة في اليوم الرابع، ولم يعد ما بينهما أي ما بين المنسية والحاضرة، وهي جمار اليوم الثالث لخروج وقته. ومثاله في الصلاة: لو نسي الصبح، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم تذكر الصبح، فإنه يصلي الصبح ويعيد المغرب والعشاء لبقاء وقتهما، ولا يعيد الظهر والعصر لخروج وقتهما. انتهى (١). قوله: (وندب تتابعه)، لما ذكر شروط الرمي التي لا يصح إلا بها. شرع يذكر مندوباته، أي وندب تتابع رمي الحصاة، واحدة بعد واحدة، وقد تقدم له وتتابعها. قوله: (فإن رمى بخمس خمس: اعتد بالخمس الأول)، أي فإن رمى الجمرات كلها بخمس خمس أو ست ست أو أربع أربع، اعتد بالمحقق في الأولى فيكمل عليها ما بقي، ثم يبتدئ رمي الثانية ثم الثالثة بسبع سبع. قوله: (وإن لم يدر موضع حصاة) أي وإن نسي حصاة ولم يدر موضعها (اعتد بست من الأولى) فرماها بواحدة، ثم الثانية والثالثة بسبع سبع. قوله: (وأجزأ عنه وعن صبي ولو حصاة حصاة) أي وأجزأ في رمي كل جمرة عن نفسه وعن صبي أو نحوه من مريض محمول ولو رمى عن نفسه وعن محموله حصاة عن نفسه وحصاة لمحموله حتى أكمل سبعا عن كل منهما أجزأ. قوله: (ورمى العقبة أول يوم طلوع الشمس، وإلا إثر الزوال قبل الظهر) أي وندب رمي جمرة العقبة أول يوم وهو يوم النحر طلوع الشمس وهو الأفضل وإلا أي وإن لم يكن أول يوم بل الثاني والثالث، فوقت الرمي بعد الزوال، وقبل صلاة الظهر، ويحتمل وإلا، أي وإن لم يرم طلوع الشمس، صبر إلى الزوال، وقبل الظهر. قوله: (ووقوفه إثر الأوليين قدر إسراع البقرة، وتياسره في الثانية)، أي وندب وقوفه إثر رمي الجمرتين الأولى والوسطى يكبر ويدعو ويهلل ويصلي على النبي ﷺ بعد كل واحدة منهما مستقبلا البيت، ويمكث قدر إسراع قراءة سورة البقرة، وخص سورة البقرة بالذكر، لأن معظم مناسك الحج فيها. عياض: وجميع حصيات الرمي سبعون يرمي جمرة العقبة يوم النحر بسبع (٢).

стр. 545

وكذلك يندب له أن يتياسر في مشيه إذا رمى الجمرة الوسطى، أي الجمرة التي في بطن المسيل ووجهه إلى القبلة، ولا يقف عند جمرة العقبة لضيق المحل. قوله: (وتحصيب الراجع ليصلي أربع صلوات)، أي وندب للراجع من منى إلى مكة أن ينزل بالمحصب ليصلي فيه أربع صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء كفعله ﷺ ، ثم يدخل مكة بعد ذلك. عياض: الأبطح هو البطحاء (١). اللام في ليصلي بمعنى إلى وليست لام العلة. قوله: (وطواف الوداع إن خرج لكالجحفة لا كالتنعيم)، أي وندب طواف الوداع لكل من أراد السفر عن مكة، كان مكيا أو غيره، كان في أحد النسكين أم لا، الوداع بفتح الواو وكسرها، وسمي الوداع لأنه يودع البيت، وسمي صدرا لأنه صدر عن البيت بعد الطواف، وهو آخر ما يفعله الحاج للخبر: «لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده طواف البيت» (٢)، وإنما يندب له ذلك إن خرج لمثل الجحفة في البعد، وإن لم ينو الإقامة به، وإن لأجل إحرام بعمرة، فلا يندب له ذلك إن خرج إلى مثل التنعيم لقرب المسافة، إلا أن يريد الإقامة في الموضع الذي خرج إليه من التنعيم أو مثله. قوله: (وإن صغيرا) أي وإن صغيرا أغيا في ندبية طواف الوداع، إذ لا فرق فيه بين الصغير والكبير ولا بين الحر والعبد، ولا بين الذكر والأنثى. قوله: (وتأدى بالإفاضة والعمرة، ولا يرجع القهقرى)، أي وتأدى طواف الوداع بطواف الإفاضة وبطواف العمرة إن وقعا في وقته، لأن الغرض منه أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف، وقد حصل فإن طاف بالبيت فلا يرجع القهقرى لأنه من فعل الأعاجم ولأنه لم يفعله ﷺ ولو كان فيه خير لفعله، بل ينصرف مستقيما كما فعل ﷺ والسلف الصالح، لو كان فيه خير لفعله وفعله السلف الصالح. قوله: (وبطل بإقامة بعض يوم بمكة لا بشغل خف)، أي وبطل طواف الوداع بسبب إقامته بمكة بعض يوم فلا يبطل بسبب مشغل خفيف.

стр. 546

قوله: (ورجع له إن لم يخف فوات أصحابه)، أي وإن خرج قبل أن يطوف طواف الوداع، أو طافه ثم تبين بطلانه فإنه يرجع فيطوف إن لم يخف فوات أصحابه، ولم يشق عليه الرجوع، وقد رد عمر بن الخطاب ﵁ للوداع رجلا من مر الظهران، وهو على ستة عشر ميلا، أو ثمانية عشر من مكة، ولم يحد فيه مالك حدا بل قال: إن كان قريبا. قوله: (وحبس الكري، والولي لحيض، أو نفاس، قدره وقيد إن أمن)، أي فإن حاضت امرأة أو نفست قبل أن تطوف طواف الإفاضة، فإن الكري والولي والزوج يحبس لها قدر حيضها أو نفاسها حتى تطهر فتفيض، ولكن قيد هذا إذا أمن الطريق، وإلا فلا يحبس الكري ولا الولي، بل يفسخ الكراء، الكري والمكري بمعنى واحد. وقال أحمد بن يونس (١) شيخ محمد بن عبد الكريم: إنما يحبس الكري والولي إذا كان السفر إلى المدينة وأما المصر فلا يحبس لها وهو تقيد للمذهب. قوله: (والرفقة في كيومين)، أي وتحبس الرفقة للحائض والنفساء إن لم يبق من طهرها إلا يومين أو ثلاثا، ولم يبين الشيخ ما يحبس الكري والولي لأجله لو قال الشيخ: وحبس الكري قدره للإفاضة لا للوداع لأن الإفاضة ركن والوداع مستحب. قوله: (وكره رمي بمرمي به)، شرع هنا ﵀ يذكر مكروهات الرمي وغيرها، أي وكره رمي بحصاة مرمي بها قبل ذلك، لأنه أديت بها عبادة كماء توضأ به مرة، وقيل لما نقله ابن عبد البر عن ابن عباس وأبي سعيد وغيرهما أن ما يقبل من الحصى يرفع، والمشاهدة تدل على ذلك لقلة الجمار، ومثل هذا لا يقال بالرأي. ابن يونس: والأول أصح (٢). قوله: (كأن يقال للإفاضة طواف الزيارة، أو زرنا قبره ﷺ )، تشبيه أي كما يكره أن يقال لطواف الإفاضة طواف الزيارة وعلله بعضهم بأن لفظ الزيارة يقتضي التخيير، وطواف الإفاضة ركن لا تخيير فيه، وكذلك يكره قول: زرنا قبره ﷺ ، وعلل ذلك بأن زيارة قبره ﷺ من أعظم القربات التي يترجح فعلها على تركها، فلا تخيير فيها وقيل لأن للزائر فضلا عن الموزور، ورده عياض بحديث زيارة أهل الجنة ربهم (٣).

стр. 547

وقيل: إنما يكره هذا الاسم لما ورد: «لعن الله زوارات القبور» (١)، ورده في الشفاء بما ورد من قوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (٢). وقيل: إنما الكراهة لاستكمال لفظ القبر، ورده بعضهم بأن هذا نقل عن مالك الكراهة، ولو أسقط القبر، وكان شيخنا ﷺ يقول: يمكن أن يقال: إنما كره مالك ذلك خوفا من السحح التقحم، وهو الافتخار بالعبادة والسمعة لأنه قد ورد: «من زارني ميتا فكأنما زارني حيا» (٣)، والحديث: «من زارني وجبت له الجنة». قال القرافي في ذخيرته: ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: «من زارني وجبت له الجنة»، ويروى عنه أنه قال: «من زارني بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي» (٤)، وحكى العتبي (٥) أنه كان جالسا عند قبره ﷺ ، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله تعالى يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ [النساء: ٦٤]، وقد جئتك مستغفرا من ذنوبي، مستشفعا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف، وفيه الجود والكرم

стр. 548

ثم انصرف الأعرابي، فحملتني عيني في النوم، فرأيت النبي ﷺ ، فقال لي: يا عتبي ألحق الأعرابي، فبشره أن الله قد غفر له. انتهى (١). وفي نوازل البرزلي: وسئل ابن رشد عن العدو أهلكه الله لو قدم البيت الحرام، أو قبره ﷺ ، وقال للمسلمين: ادفعوا إلينا رجلا منكم وإلا هدمنا البيت، أو نبشنا قبر نبيكم، فأجاب هذه من المسائل التي بثها أهل الزيغ والتعطيل حتى يلزموهم استباحة قتل النفس المحرمة، أو استباحة حرمته ﷺ فيسخروا بهم وبدينهم، فهو ﷺ أكرم على الله أن يمكن أعداءه من استباحة حرمته كما عصمه الله في حياته، فكذلك بعد وفاته، وهلاك من تعرض له بشيء من ذلك، ولو وصلوا لقبره لعظموه وهابوه وتمسكوا به، واستسقوا بترابه، فالروم إلى اليوم يستسقون بقبر أبي أيوب الأنصاري إذا أجدبوا لمكانه من النبي ﷺ ، فكيف به ﷺ ، ولما وقع السؤال عن هذا الممتنع المحال، فلا بد من الجواب لمن رام الطعن لا أن ذلك يخشى وقوعه، ولا بد من الحكم، فالجواب على جميع المسلمين أن يموتوا جميعهم دون استباحة حرمته ﷺ ، ولا يدفعوا إليهم الرجل الذي طلبوه، إذ ليس حرمتهم بأعظم من حرمته. وقال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ولده ووالده والناس أجمعين» (٢). انتهى (٣). قوله: (ورقي البيت، أو عليه، أو على منبره ﵊ بنعل: بخلاف الطواف والحجر)، أي وكره رقي البيت بنعل طاهر، وأما النجس فحرام سماه رقيا لأن باب البيت مرتفع، وأحرى دخوله بنعل. وكذلك كره له وقوفه على ظهر الكعبة بنعل. وكذلك منبره ﵇، وهذا بخلاف الطواف والحجر، فإنه لا يكره أن يطوف وفي رجله نعل، ووقوفه بنعل في الحجر، وإن كان في بعض البيت.

стр. 549

قوله: (وإن قصد بطوافه نفسه مع محموله)، أي وإن قصد الطائف بطوافه نفسه ومحمولة معا، (لم يجز عن واحد منهما) لا حامل ولا محمول، وأما السعي بين الصفا والمروة، فإنه يجزئ عنه، وعن محموله لخفة السعي، ألا ترى أنه لا تشترط فيه الطهارة، ولم يفرق الشيخ بين السعي الذي هو ركن وغيره. قوله: (وأجزأ السعي عنهما كمحمولين فيهما)، أي يجزئ طواف واحد وسعي واحد عن محموليه فيهما إن قصدهما به.

стр. 550

فصل [في محظورات الإحرام] قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه ما يحرم بسبب الإحرام في زمنه على الرجل والمرأة، وما يجوز وما يكره له، وما فيه الفدية وما لا، وما اختلف فيه، هل فيه الفدية أم لا؟ وبدأ بما يحرم على المرأة و (حرم ب) سبب (الإحرام على المرأة) في زمن الإحرام (لبس قفان)، وهو خف اليدين ونحوه مما يغطي الكفين، (و) كذلك يحرم عليها (ستروجه) في زمن إحرامها (إلا ل) أجل (ستر) عن أعين الناس فلتستره بثوب تسدله على وجهها من فوق رأسها، ولكن يكون ذلك (بلا غرز) بإبرة أو عود (و) لا (ربط). قوله: (وإلا ففدية)، أي وإن فعلت شيئا مما يحرم عليها من لبس قفاز أو ستر وجهها لغير تستر عن أعين الناس، أو كان ذلك أستر، ولكن غرزته أو ربطته، فالفدية لازمة لها. قوله: (وعلى الرجل)، أي وحرم على الرجل فقط لبس (محيط بعضو، وإن) كانت الإحاطة (بنسج) كما يفعل في بعض البلاد، (أوزر أو عقد)، ولفظ محيط بالحاء المهملة قيده بعض تلاميذ الشيخ خليل على خليل نعم الله الزر بكسر الزاء الفعل. فائدة: إنما منع الناس من لبس المخيط وغيره في الإحرام، ليخرجوا عن عادتهم والفهم فيكون ذلك مذكرا لهم بما هم فيه من طاعة ربهم، فيقبلون عليها وبالآخرة بمفارقة العوائد في لبس المخيط والإندراج في الأكفان، وانقطاع المألوف، عن الأوطان واللذات. انتهى من الذخيرة (١). وفي إكمال الإكمال عياض وحكمة المنع ليعبدوا عن الترفه، ويتصفوا بصفة الخاشع وليتذكروا بذلك أنهم محرومون فيكثروا الذكر، ويبتعدوا عن المذام، ويتذكروا الموت بلبسهم شبه الكفن والقيام من القبور حفاة. قال: ولهذا المعنى منع الحاج من النساء والطيب، لأن المطلوب البعد عن عرض الدنيا لتخلص نيته فيما خرج إليه لعل الله سبحانه يناله برحمته، وأما المرأة فيباح لها ستر جميع بدنها بمخيط أو غير مخيط، إلا وجهها وكفيها فيحرم عليها

стр. 551

سترهما. انتهى (١). قوله: (كخاتم وقباء، وإن لم يدخل كما، وستر وجه أو رأس بما يعد ساترا: كطين)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما يحرم على الرجل لبس خاتم شرعي وأحرى غيره لأن الخاتم محيط بموضعه، وكذلك يحرم عليه لبس قباء، وإن لم يدخل يديه كما منع منه القباء. القباء بفتح القاف والباء ممدود وهو درع ضيق على الصدر واسع من أسفل. وكذلك يحرم على الرجل ستر وجه أو رأس بشيء يعد ساترا، وذلك كطين وأحرى غيره، فعليه الفدية في التغطية به وإن لم يغط إلا بعضه. قوله: (ولا فدية في سيف)، أي ولا فدية في تقليد سيف، ولو قلدها غيره (وإن بلا عذر، ولكن ينزعه، وأشار بلو إلى خلاف ابن وهب. (و) كذلك لا فدية في (احترام، أو استثفار ل) أجل عمل فقط مفهومه أن عملها في غير عمل افتدى، والمفهوم صحيح. غفل الشارح ﵀ لأنه جعل فقط قيدا في احترام لا في استثفار. قوله: (وجاز خف قطع أسفل من كعب لفقد نعل أو غلوه فاحشا، واتقاء شمس أو ريح بيد. أو مطر بمرتفع وتقليم ظفر انكس)، شروع منه تخلله فيما يجوز فعله للمحرم، أي وجاز لرجل لبس خف قطع أسفل من كعب سواء هو الذي قطعه أو غيره خلافا للرسالة، فإنه قال: فليقطعهما، وكل وافق قولا في المذهب، إنما يجوز ذلك لأجل فقد نعل، أو غلو الخف غلوا فاحشا، لأن الغالي كالعدم. وكذلك يجوز له اتقاء شمس أو ريح بيده، أي ويجوز له اتقاء ريح بيده، أو مطر بمرتفع عن رأسه كالخيمة، ويجوز له تقليم ظفر انكسر لا إن لم ينكسر. قوله: (وارتداء بقميص، وفي كره السراويل روايتان) أي ومما يجوز للمحرم ارتداء بقميص لأن الإرتداء به ليس من وجه لبسه في المقصد من خياطته، وفي كره الإرتداء بالسراويل لقبح زيه، وعدم كراهته روايتان. قوله: (وتظلل ببناء وخباء ومحارة)، أي وجاز للمحرم تظلل تحت بناء أو خباء أو محارة، والمحارة مركب النساء، أي فيجعل المحارة بينه وبين الشمس (لا) يدخل (فيها)، وقد قال ﷺ : «ما من محرم يضحى للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه كيوم ولدته أمه» (٢). انتهى.

стр. 552

وقد نقل الشيخ الإمام أبو عبد الله والقاضي أبو بكر أن ابن عمر أنكر على من استظل راكبا، وقال: ضح لمن أحرمت له (١) ثم نقلا عن الرياشي (٢) أنه قال: رأيت أحمد بن المعذل الفقيه في يوم شديد الحر محرما بالحج وهو ضاح للشمس، فقلت له: يا أبا الفضل، هذا أمر قد اختلف فيه، فلو أخذت بالتوسعة، فأنشأ يقول (٣): ضحيت له كي أستظل بظله … إذا الظل أمسى في القيامة قالصا فوا أسفا إن كان سعيك باطلا … ويا حسرتا إن كان حجك ناقصا قوله: (كثوب بعصا، ففي وجوب الفدية خلاف)، أي كما لا يجوز له التظلل بثوب ونحوه موضوع على عصى أو عود، فإن استظل في داخل محارة، أو تحت ثوب موضوع على عصى، ففي وجوب الفدية عليه فيهما خلاف وعدم وجوبه قولان مشهوران. قوله: (وحمل لحاجة أو فقر بلا تجر)، أي وجاز لمحرم حمل على رأسه لحاجة تعرض له أو لأجل فقر به، وأما لغير حاجة أو فقر كتجر فإنه يفتدي. قوله: (وإبدال ثوبه أو بيعه)، أي ويجوز للمحرم إبدال ثوبه الذي أحرم فيه، بأن يلبس غيره ونحوه ويجوز له بيعه، وإحرامه فيه لا يؤثر فيه ولكن المستحب أن يكفن فيه. قوله: (بخلاف غسله إلا لنجس فبالماء فقط)، أي فلا يغسله خيفة قتل الدواب، إلا أن يتنجس فإنه يغسله بالماء فقط لا بالماء والصابون، فإن غسله بالصابون تصدق بشيء. قوله: (وبط جرحه، وحك ما خفي برفق)، أي ومما يجوز للمحرم بط جرحه أي شقه ليسيل قيحه. وكذلك يجوز له حك ما خفي عليه من جسده كرأسه وظهره برفق، ولا يشدد في حك ذلك، وأما ما لم يخف عليه من بدنه فإن له حكه وإن

стр. 553

أدمى جلده، لأنه إذا شدد مع عدم الرؤية ربما أتى على شيء من الدواب ولا يشعر به. قوله: (وفصد إن لم يعصبه)، أي ومما يجوز للمحرم فصد إن لم يشد عليه عصابة، فإن فعل فعليه الفدية. الفصد: قطع عرق. قوله: (وشد منطقة لنفقته على جلده)، أي وجاز شد منطقة، أي ربط منطقة لأجل نفقته على جلدة، ونفقة نفسه شرط لا غيرها، وعلى جلده شرط لا على الإزار، المنطقة والمنطق بكسر الميم فيهما هو ما شددت به وسطك كان من جلد أو غيره. قوله: (وإضافة نفقة غيره)، أي وجاز إضافة نفقة غيره إلى نفقته، فتكون نفقة الغير تابعة لنفقته هو. قوله: وإضافة يشعر أنه شك نفقته أولا ثم يضيف إليها نفقة غيره، وقال بعضهم: لا فرق بين أن يكون شدهما معا، أو شد نفقته أولا وغيره. قوله: (وإلا ففدية)، أي وإن خالف في شيء مما تقدم بأن شد ذلك لغير نفقة بل للتجارة، أو شدها لنفقة ولكن ربطه على غير جلده، أو كان ذلك نفقة غيره فقط فعليه فدية. قوله: (كعصب جرحه أو رأسه، أو لصق خرقة كدرهم أو لها على ذكر)، شروع منه تعلم يذكر ما فيه الفدية، أي كما أن الفدية عليه إذا عصب، أي شد على جرحه خرقة، أو عصب رأسه لأجل صداع به، وأحرى إن كان لغير عذر، أو لصق خرقة بجرحه كدرهم في القدر وأحرى أكثر، لا أقل من درهم فإنه يعفى عنه. وكذلك عليه الفدية إذا لف خرقة على ذكره خوف النجس من البول وغيره، قال مالك في العتبية والموازية: لا بأس أن يتخذ خرقة يجعل فيها ذكره عند النوم بخلاف لفها. قوله: (أو قطنة بأذنيه، أو قرطاس بصدغيه)، أي وكذلك عليه الفدية إذا جعل قطنا في أذنيه وإن قل، لأن أكثر انتفاعه بسد أذنيه يعادل كبر الخرقة على جرحه. وكذلك عليه الفدية إذا جعل قرطاسا على صدغيه لأجل صداع. وفي قاف قرطاس ثلاث حركات. قوله: (أو ترك ذي نفقة ذهب أوردها له)، أي وكذلك عليه الفدية إذا أضاف نفقة غيره لنفقته فنفدت نفقته هو دون نفقة غير، وترك صاحبها وذهب بغير ردها له.

стр. 554

وكذلك إن لم يذهب وهو معه وترك ردها إليه فعليه الفدية. غفل الشارح هنا ﵀. قوله: (وللمرأة خز وحلي)، أي وجاز للمرأة لبس خز وحلي كخاتم وقلادة وسوار ولبس خف وقميص وسروال واعترض بعضهم، والاعتراض لأنه ذكر ذلك نفيا لقول من منع. قوله: (وكره شد نفقته بعضده أو فخذه)، هذا شروع منه تعلله في المكروهات، أي وكره شد نفقته على عضده أو فخذه أو ساقه. الفخذ بالذال المعجمة، وفي خائه ثلاث: الفتح والسكون والكسر. قوله: (وكب رأس على وسادة، ومصبوغ لمقتدى به)، المراد بالرأس هنا الوجه، وعبر بالوجه بكره في توضيحه وفي مناسكه، وأما إن جعل الوسادة تحت خده فلا يكره، وكذلك يكره لبس مصبوغ بغير طيب، وأما بطيب زمن الإحرام فحرام، إنما يكره ذلك لمن يقتدى به. روي أن عمر ﵁ رأى على طلحة بن عبيد الله (١) ثوبا مصبوغا وهو محرم فقال عمر: ما هذا، قال: إنما هو مدر. فقال عمر: إنكم أئمة يقتدى بكم (٢). قوله: (وشم كريحان) أي وكره للمحرم شم ريحان وشبهه كورده، وهو كل طيب مذكر وهو ما يظهر ريحه، وخفا لونه، وفي المذكر ما فيه فدية وفيه ما ليس فيه فدية. قال صاحب إكمال الإكمال: شم مطلق الطيب منهي عنه، ولا فدية في مذكره، وإن مسكه كالورد والياسمين والريحان. وأما مؤنثه كالمسك والكافور والزعفران والورس، فالمشهور منع شمه. وكرهه ابن القصار ولا فدية في مجرد شمه.

стр. 555

انتهى منه (١). قوله: (ومكث بمكان به طيب، واستصحابه وحجامة بلا عذر) أي وكره لمحرم مقام فيه طيب، أو استصحاب رفقة فيها طيب. وكذلك يكره له الحجامة بلا عذر وأما بالعذر فلا يكره. قوله: (وغمس رأس) أي ومما يكره للمحرم غمس رأسه في الماء خيفة قتل الداب. قوله: (أو تجفيفه بشدة، ونظر بمرآة) أي وكره للمحرم إذا غسل رأسه أن يجففه بشدة بل برفق خيفة قتل الدواب. أنظر الشيخ تحلله أنث الرأس تبعا للعامة والرأس مذكر. وكذلك يكره للمحرم نظر في مرآة خيفة أن يرى شعثا فيزيله. قوله: (ولبس مرأة قباء مطلقا) أي وكره للمرأة لبس قباء مطلقا محرمة أم لا، حرة أو أمة لأن ذلك يصفها. قوله: (وعليهما دهن اللحية والرأس وإن صلعا وإبانة ظفر أو شعر أو وسخ إلا غسل يديه بمزيله. وتساقط شعر لوضوء أو ركوب) أي وحرم على الرجل والمرأة - بسبب الإحرام - دهن اللحية بزيت أو شحم أو نحوهما، لأن الدهن يزيل الشعث ويزين، والغالب أن المرأة لا تكون لها لحية. الحاصل: وإن كان لهما لحية، وإلا فمحل اللحية حرام دهنه عليهما، وكذلك يحرم عليهما دهن الرأس وإن كان الرأس صلعا. الصلع: انتفاء الشعر من مقدم الرأس. وكذلك يحرم عليهما إبانة ظفر، أو إزالة شعر من رأس أو غيره، أو إزالة وسخ إلا غسل يديه بمزيل للوسخ فلا شيء عليه لأنه محل ضرورة. وكذلك لا شيء عليه بسبب ما تساقط من شعر أعضائه لأجل وضوء أو غسل، أو تساقط لأجل ركوب أو نفيه في امتخاطه. الجلاب: ولا فيما سقط من شعر رأسه في حمله متاعه. قوله: (ودهن الجسد): أي ومما يحرم على الرجل والمرأة بالإحرام دهن الجسد، وإن بدهن غير مطيب فإن فعل افتدى. قوله: (ككف ورجل بمطيب أو لغير علة، ولها قولان اختصرت عليهما) أي كما حرم

стр. 556

عليهما دهن باطن الكف، وباطن الرجل بدهن مطيب، وإن كان ذلك لأجل علة وأخرى بغير علة. وكذلك يحرم عليهما دهنهما بدهن غير مطيب لغير علة، وفي دهنهما بغير مطيب لأجل علة قولان في الفدية وعدمها، اختصرت المدونة على القولين هكذا قدروه. وأما الشارح هنا ا الله فيه ما فيه. قوله: (وتطيب بكورس وإن ذهب ريحه، أو لضرورة كحل ولو في طعام أو لم يعلق) أي ومما يحرم على الرجل والمرأة بالإحرام تطيب بكورس ونحوه من مؤنث الطيب، وهو ما يظهر ريحه وأثره كالزعفران، وكل مؤنث فيه فدية وإن ذهب ريحه، أو كان مسه لذلك لأجل ضرورة كحل خلط به ولو كان ذلك الطيب في الطعام ألجأته إليه ضرورة، أو مسه وإن لم تعلق به رائحته، وهذا كله تأكيد في المنع. قوله: (إلا قارورة سدت ومطبوخا، وباقيا مما قبل إحرامه، ومصيبا من إلقاء ريح أو غيره، أو خلوق كعبة، وخير في نزع يسيره، وإلا افتدى إن تراحى) أي إلا أن يمس قارورة سدت سدا محكما بحيث لا يخرج عنها شيء من رائحته، أو كان الطيب مطبوخا مع طعام فإنه لا فدية عليه فيهما. وكذلك إذا تطيب قبل إحرامه وبقي عليه شيء من ريح طيبه فلا شيء عليه لأن الدوام ليس كالابتداء، ولأن المعتبر حين التطيب لا بعده، وكذلك لا شيء عليه إن أصابه طيب من إلقاء ريح أو غيره عليه، أو مسه شيء من خلوف الكعبة الشريفة، فإن كان الذي مسه من ذلك يسيرا فإنه يخير في نزعه، وإن كان كثيرا لا يخير في نزعه بل يجب عليه وإن لم ينزعه فإن الفدية لازمة له إن تراخى في نزعه، مفهومه إن لم يتراخى في نزعه فلاشيء عليه وهو كذلك، إنما منع المحرم من الطيب لئلا يدعوه إلى الجماع المبطل للنسك، لأن الطيب يقوي به شهوة الجماع. وفي إكمال الإكمال عياض: لم يختلف في أن للمحرم أن يكتحل، ويتداوى للحاجة بما لا طيب فيه ولا فدية. وأما أن يكتحل للزينة بما لا طيب فيه فأجازه قوم وكرهه قوم. وفي مذهبنا فيه الكراهة والمنع وعلى المنع ففي وجوب الفدية فيه قولان. وقال الشافعي: لا أرى فيه فدية. قلت: في الفدية قول ثالث حكاه الجلاب أنه إن كان المكتحل امرأة افتدت، وإن كان رجلا لم يفتد. والخلاف في الفدية إنما هو

стр. 557

في غير المطيب، كما ذكر وأما المطيب فلا بد فيه من الفدية. انتهى منه (١). قوله: (كتغطية رأسه نائما)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما تلزمه الفدية في تغطية رأسه نائما، إن تراخى في نزعه حين انتباهه من النوم، فإن نزعه في الفور فلا شيء عليه، والعمد والسهو والجهل والضرورة في الفدية سواء. قوله: (ولا تخلق أيام الحج، ويقام العطارون فيها من المسعى) أي ولا تطيب الكعبة الشريفة في أيام الحج، خيفة ما يمس الطائفين. عياض: الخلوق بفتح الخاء الطيب المصبوغ بالزعفران (٢). الخلوق نوع من الطيب (٣)، ويقام العطارون فيها أي في أيام الحج من السعي بين الصفي والمروة. قوله: (وافتدى الملقي الحل إن لم تلزمه بلا صوم، وإن لم يجد فليفتد المحرم) أي وإن لغى حل طيبا على محرم فإنه يفتدي، وإن لم تلزم الفدية المحرم الذي ألغى عليه بأن نزع ما ألقى عليه بالفور، وأما إن لزمته الفدية بأن تراخي في نزع ما ألقى عليه بالفور، فإن الفدية ساقطة عن الملغى الحل، فحيث تلزم الفدية الملقى فإنه يفتدي عنه بغير صوم بل ينسك، أو إطعام إذ لا يصوم أحد عن أحد لأن الصوم لا يقبل النيابة، وإن لم يجد ما يفتدي به عنه، فليفتد المحرم الملقى عليه عن نفسه بما شاء من صوم أو غيره، وهل عليه ذلك واجبا؟ أو إنما هو مندوب في حقه فيه قولان. قوله: (كأن حلق رأسه. ورجع بالأقل؛ إن لم يفتد بصوم) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن عليه فدية إذا حلق رأس محرم بغير إذنه كما إذا كان نائما أو مكرها، فإن لم يجد ما يفتدي به لعدمه افتدى المحرم عن نفسه، ورجع بما افتدى به عن نفسه على الملقى الحل الطيب، أو حلق رأسه بغير إذنه على الأقل مما يفتدي من غير صوم، وأما إن افتدى عن نفسه بصوم فلا يرجع عليه لأن الصوم لا قيمة له. قوله: (وعلى المحرم الملقي فديتان على الأرجح) أي فإن ألقى محرم طيبا على محرم فإنه عليه فديتان، فدية لمس الطيب، وفدية إلقائه على محرم، على ما اختاره

стр. 558

ابن يونس، وهذا إن لم تلزم الفدية الملقى عليه بأن نزع الطيب عن نفسه في الفور، وأما إن لزمته فليس على الملقى إلا فدية واحدة. قوله: (وإن حلق) رأسه حل محرما بإذن فعلى المحرم؛ وإلا فعليه، وإن حلق محرم رأس حل أطعم وهل حفنة أو فدية؟ تأويلان) أي وإن حلق حل رأس محرم بإذن لفظي أو عادي فالفدية على الحالق. قوله: وإن حلق محرم رأس حل أطعم هذه عكس الأولى أي وإن حلق محرم رأس حل أطعم خيفة قتل الدواب، وهل ما يطعم به حفنة ملء اليد الواحدة وإليه ذهب التونسي، أو يفتدي بفدية وإليه ذهب اللخمي فيه تأويلان. قوله: (وفي الظفر الواحد - لا لإماطة الأذى - حفنة) أي وفي قص ظفر واحد بغير إماطة الأذى ولا الكسر ونحوه حفنة من طعام، وهو ملء اليد الواحدة وأما إن فعل ذلك لإماطة الأذى أي إزالته فإنه يفتدي كما سيأتي إن شاء الله. قوله: (كشعرة أو شعرات، أو قملة أو قملات) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن الحفنة الواحدة في حلق شعرة واحدة وأتبعها أو شعرات من أنفه أو عينيه وشعرات جمع قلة من ثلاثة إلى عشرة. وكذلك يطعم الحفنة في قتل قملة واحدة أو قملات جمع قلة من ثلاثة إلى عشر. قوله: (وطرحها) أي وطرح القملة كذلك فيه حفنة لأنه لما طرحها عرضها للموت لأنها ليست من دواب الأرض وطرحها مبتدأ وخبره محذوف. قوله: (كحلق محرم لمثله موضع الحجامة؛ إلا أن يتحقق نفي القمل، وتقريد بعيره) أي كما يطعم المحرم حفنة إذا حلق رأس محرم أو غيره موضع الحجامة إلا أن يتحقق نفي القمل حين يحلقه فلا شيء عليه وأما المحلوق فلا بد من الفدية لأن موضع الحجامة أكثر من الشعرات التي فيها الحفنة. عياض: لم يختلف في جواز الحجامة للضرورة، كانت في الجسد أو الرأس. عياض: قال الداودي: روي أنه ﷺ قال: «الحجامة في وسط الرأس شفاء من النعاس والصداع والأضراس». قال الليث: ليس في وسطه، ولكن في فاسه أي في مؤخرة، وأما في وسطه فقد

стр. 559

يعمى. إكمال الإكمال (١). وكذلك يطعم الحفنة في تقريد بعير أي زوال القردان عنه والقردان جمع قراد كغراب وغربان. قوله: (لا كطرح علقة أو برغوث) أي لا شيء عليه في طرح علقة عن نفسه وعن بعيره لأنه ليس من دواب الإبل ولا من دواب الآدميين. العلقة: دودة تمص الدم، وكذلك لا شيء عليه في طرح برغوثة عن نفسه لأنه من دواب الأرض. قوله: (والفدية فيما يترفه به أو يزيل أذى: كقص الشارب أو ظفر وقتل قمل كثر) لما فرغ مما فيه الحفنة شرع يذكر ما فيه الفدية أي والفدية واجبة في إزالة شيء مما يترفه به ويزيل أذى، وذكر المؤلف لذلك أمثلة ومثال ما يترفه به قص الشارب أو قلم الظفر ونتف الإبط ومثال ما يزيل الأذى قتل قمل كثير. قوله: (وخضب بكحناء) يحتمل انه من أمثلة ما يترفه به ويحتمل أنه من أمثلة ما يزيل الأذى ويحتمل أنه مثال لهما وأدخل بالكاف في كخصب بحناء الوسم. وقوله: (وإن رقعة إن كبرت) أي وإن كان المخصوب رقعة واحدة في بدنه إن كانت كبيرة. قوله: (ومجرد حمام على المختار أي والفدية في مجرد غسل في الحمام، دلك جسده أم لا على ما اختاره اللخمي، وهو خلاف المدونة أنه شرط التدلك وإزالة الوسخ. قال فيها: وأكره للمحرم دخول الحمام لأنه ينقي الوسخ فإن دخله افتدى إن تدلك وانقى الوسخ وألحق بعضهم بالدلك صبا بعد العرق. قوله: (واتحدت إن ظن الإباحة، أو تعدد موجبها بقور، أو نوى التكرار، أو قدم الثوب على السراويل) أي والتحدت الفدية في هذه المواضع الأربع وأما غيرها فإنها تتعدد بتعدد موجبها أي واتحدت الفدية إن ظن الفاعل إباحة ذلك كما لو حلق ولبس وقلم وتطيب وإن كان ذلك من غير فور واحد. الثانية: أن يتعدد موجبها أي موجب الفدية في فور واحد وإن لم يظن الإباحة. الثالثة: أن ينوي التكرار عند الفعل الأول وإن لم يظن الإباحة ولم يتحد وقت فعلها ولو بعد ما بين الفعلين، كما إذا لبس الثوب ونوى الحلاق في غد الرابع أن

стр. 560

يقدم لبس الثوب على لبس السراويل أو نحوها، وفي تقديم السراويل على الثوب فديتان، لأن في لبس الثوب بعد السراويل زيادة منفعة بخلاف عكسه، ولا خلاف أن النبي ﷺ اشترى السراويل، وإنما الخلاف هل لبسه؟ أم لا. قوله: (وشرطها في اللبس انتفاع من حر أو برد، لا إن نزع مكانه) أي وشرط وجوب الفدية في اللبس انتفاع به من حر، أو برد، أو مكث طال لا إن نزع مكانه أي وقته. قوله: (وفي صلاة قولان) أي وهل قدر صلاة بعد طول أم لا؟ قولان. قوله: (ولم يأتم إن فعل لعذر) أي ولا يأثم فاعل موجب فدية لأجل عذر ولكن عليه الفدية لأنه انتفع، وقيل: لا فدية عليه رعيا للجرح وأما إن فعله بغير عذر فإنه يأثم وعليه الفدية. قوله: (وهي نسك بشاة فأعلى، أو إطعام ستة مساكين لكل مدان) أي والفدية نسك بشاة فأعلا كبقرة أو بدنة وهي على التخيير. قوله: أو إطعام هو النوع الثاني وهو معطوف على نسك أي وإطعام ستة مساكين لكل منهم مدان بمد النبي ﷺ من جل عيش البلد. قوله: (كالكفارة) تشبيه لما يأتي. قوله: (أو صيام ثلاثة أيام ولو أيام منى) هذا هو النوع الثالث وهو صيام ثلاثة أيام ولو كانت أيام منى قياسا على التمتع. قوله: (ولم يختص بزمان أو مكان إلا أن ينوي بالذبح الهدي فكحكمه) أي ولم تختص الفدية بزمان أو مكان تؤدى فيه إلا أن ينوي بالذبح الهدي بأن يشعره أو يقلده فيكون حكمها حينئذ حكم الهدي فلا يذبح إلا بمحله، وقال تعالى: ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] الفرق بينها وبين الهدي أن الهدي على الترتيب وأنه يختص بمكان وزمان يذبح فيها وأن الصوم يدخل في بعض أفراده على سبيل النيابة كالأمداد في طعام جزاء الصيد والنسك بخلاف ذلك. قوله: (ولا يجزئ غداء وعشاء إن لم يبلغ مدين) أي ولا يجزئ في إطعام الفدية غداء أو عشاء لكل مسكين وإن أشبعه إن لم يبلغ ذلك مدان. قوله: (والجماع) أي وحرم عليهما الجماع (ومقدماته) لأجل الإحرام كقبلة ومباشرة ومغامزة لما كان من المحرمات ما يفسد الحج والعمرة وما لا يفسدهما، كأن سائلا سأله فإذا كان الجماع حرام على الرجل والمرأة في زمن الإحرام، هل يفسد الحج والعمرة؟ فقال: (وأفسد مطلقا) أي عمدا أو نسيانا أو جهلا أو تأويلا، من

стр. 561

قبل أو دبر من حلال أو غيره أنزلا أم لا مكرها أم لا. قوله: (كاستدعاء مني، وإن بنظر) تشبيه أي كما يحرم عليهما استدعاء مني وإن بنظر، يريد وأمنى مطلقا عادته أن يمني بمثل ذلك أم لا. قوله: (إن وقع قبل الوقوف مطلقا، أو بعده إن وقع قبل إفاضة وعقبة يوم النحر أو قبله) أي إنما يبطل الجماع ومقدماته الحج إن وقع قبل الوقوف بعرفة، أو وقع بعد الوقوف ولكن وقع قبل طواف الإفاضة وقبل رمي جمرة العقبة في يوم النحر معا أو وقع ذلك الجماع أو مقدماته إن أنزل قبل يوم النحر في ليلة المزدلفة. قوله: (وإلا فهدي) أي وإن لم يقع الوطء قبل الوقوف ولا بعده وقبل طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة معا في يوم النحر بل وقع بعد طواف الإفاضة وبعد رمي جمرة العقبة أو وقع قبلهما ولكن بعد يوم النحر فإن حجه لا يفسد ولكن وجب عليه الهدي. قوله: (كإنزال ابتداء وإمدائه. وقبلته) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن عليه الهدي إذا أنزل بغير سبب يوجب إخراج المني من نظر أو تفكر وكذلك يجب عليه الهدي في إخراجه مذيا وإن تسبب فيه وكذلك يجب عليه الهدي في القبلة للذة وإن فعلت به. قوله: (ووقوعه بعد سعي في عمرته) أي ويجب عليه الهدي وقوعه أي وطئه بعد سعي في عمرته لأنه لم يبق عليه في عمرته إلا الحلاق وهو ليس بركن. قوله: (وإلا فسدت) أي وإن وقع الوطء في أثناء السعي بين الصفا والمروة أو قبله وبعد الطواف فسدت العمرة. قوله: (ووجب إتمام المفسد وإلا فهو عليه، وإن أحرم، ولم يقع قضاؤه إلا في ثالثه) لما ذكر ما يفسد الحج والعمرة شرع يذكر حكم فاسدهما فقال: ووجب إتمام المفسد من حج أو عمرة فإن أتمه حل منه وبقى عليه قضاؤه. قوله: وإلا أي وإن لم يتمه فهو عليه باق حتى يقضيه ولم يحل منه وإن أحرم بقضائه فإن أفسد حجه ولم يتمه في السنة الأولى أتمه في الثانية ولم يقع قضاء الفاسد إلا في سنة ثالثة. قوله: (وفورية القضاء وإن تطوعا) أي ويجب قضاء المفسد ويجب فورية قضائه، بأن يقضي الحج في العام المقبل، وأما العمرة فإنه يقضيها بعد تمام العمرة الفاسدة، وإن كان المفسد من حج تطوعا لأنه لما أحرم به لزمه فيجب قضاؤه.

стр. 562

قوله: (وقضاء القضاء) أي ويجب قضاء القضاء إذا أفسده عند ابن القاسم وهو المشهور لا عند أشهب، والصوم المشهور فيه عدم وجوب قضاء القضاء إن فسد، وأما الصلاة فلا يقضى اتفاقا. الفرق بين الحج والصوم أن الحج لما كانت كلفته شديدة شدد فيه بقضاء القضاء سدا للذريعة لئلا يتهاون فيه، وفرق أيضا أن القضاء في الحج على الفور، وإذا كان على الفور صارت حجة القضاء كأنها حجة معينة في زمن معين، فيلزمه القضاء في فسادها كحجة الإسلام، وأما زمان قضاء الصوم فليس بمعين، ولم ينقل خلافا فيما إذا فسد قضاء الصلاة أنه ليس عليه إلا قضاء صلاة واحدة. قوله: (ونحر هدي في القضاء) أي ويجب نحر هدي الفساد في زمن القضاء، ليتفق الجائز النسكي والمالي. قوله: (واتحد وإن تكرر لنساء بخلاف صيد وفدية) أي واتحد هدي الفساد وإن تكرر الوطء لنساء أو امرأة واحدة مرارا بخلاف جزاء الصيد، فإنه يتعدد بتعدد موجبه في النسك الصحيح والفاسد. وكذلك تتعدد الفدية لأنه عوض عما اتلف. وكذلك تتعدد الفدية بتعدد موجبها إلا في المسائل الأربع التي تقدم ذكرها. قال البساطي: لو قال الشيخ بخلاف جزاء أو فدية لكان أحسن. قوله: (وأجزأ إن عجل) أي وأجزأ هدي إن عجل أي وأجزأ هدي الفاسد إن عجل قبل القضاء لتقدم موجبه. قوله: (وثلاثة إن أفسد قارنا ثم فاته وقضى) أي ويجب عليه ثلاث هدايا إن أفسد حجه في حال كونه قارنا ثم فاته ذلك الحج فتحلل منه بعمرة وقضاه بعد ذلك من قابل واحد عن قرانه الثاني وآخر عن فساده وآخر عن فواته. وعن ابن القاسم أن عليه هديا رابعا لقرانه الأول. قوله: (وعمرة إن وقع قبل ركعتي الطواف) وهذا غير موضعه، لعل الناسخ وضعه في غير موضعه، وموضعه إثر قوله: إن وقع قبل إفاضة وعقبة يوم النحر أو قبله وإلا فهدي وعمرة فيكون تتميما للمسألة أي وإن لم يكن الأمر كذلك فالهدي واجب عليه وعمرة، بشرط أن يقع الجماع ومقدماته قبل ركعتي طواف الإفاضة. وقوله: (وإحجاج مكرهة وإن نكحت غيره، وعليها إن أعدم ورجعت عليه كالمتقدم) أي ووجب على الزوج أو السيد إحجاج مكرهته على وطئ ونحوه مما يفسد الحج وإن

стр. 563

نكحت غيره، ويجب عليها إحجاج نفسها إن أعدم المكره، ورجعت عليه بما أنفقت كالفرع المتقدم في قوله: ورجع بالأقل إن لم يفتد بصوم. قوله: (وفارق من أفسد معه من إحرامه لتحلله) ظاهره الوجوب، وقيل: مستحب أي وفارق المفسد لحجه من أفسد معه من إحرامه لحجة القضاء إلى تحلله الأكبر وهو طواف الإفاضة، خشية أن يتدارك لما كان منهما فيدعوهما إلى الفساد ثانية، أو لأنها عقوبة له لفعله. قوله: (ولا يراعى زمن إحرامه، بخلاف ميقات إن شرع وإن تعداه، فدم) أي ولا يراعى في قضاء الفاسد زمن إحرامه له بل له أن يحرم به يوم التورية وإن كان احرم للفساد في شوال بخلاف الميقات المكاني فإنه يراعى إن شرع ذلك المكان للإحرام فيه وإلا فلا يراعى وإن تعدى المكاني ولم يحرم فيه لحجة القضاء فالدم واجب عليه. لو قال الشيخ بخلاف مكاني لكان أولى، لأن لفظ ميقات يشمل الزماني والمكاني. قوله: (وأجزأ تمتع عن إفراد وعكسه) أي وأجزأ في القضاء تمتع عن إفراد فاسد، لأن التمتع إفراد وزيادة. وكذلك يجزئ عكسه، وهو قضاء إفراد عن تمتع لأن الفساد في الحج. قوله: (لا قران عن إفراد أو تمتع) أي ولا يجزئ قران عن إفراد وتمتع، وحج المتمتع في صفة فعله كالإفراد، بخلاف القران. قوله: (وعكسهما) أي فلا يجزئ أن يقضي تمتعهما عن قران، وكذلك لا يجزيه أن يقضي قرانا عن إفراد وتمتع. قوله: (ولم يتب قضاء تطوع عن واجب) يريد أن من تطوع بحجة قبل الفرض ثم أفسده بالوطء فإنه يلزمه قضاؤه ولم ينب له ذلك عن حجة الإسلام إذا نوى به ذلك لأن فساد التطوع وجب عليه قضاؤه وحجة واحدة لا يكفي عن حجتين. قوله: (وكره حملها للمحمل ولذلك اتخذت السلالم، ورؤية ذراعيها لا شعرها، والفتوى في أمورهن) أي وكره لرجل في حال إحرامه رفع امرأة إلى هودج أو نحوه لأجل تحريم المباشرة للذة في حال الإحرام ولأجل ذلك اتخذت السلالم التي يصعد به النساء إلى الرواحل، والمحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثاني مركب النساء وبكسر الميم الأول وفتح الثاني علاقة السيف وبفتحهما مصدر، وكذلك يكره له رؤية

стр. 564

ذراعيها لا يكره له رؤية شعرها، وكذلك لا يكره للمفتي أن يفتي في حال إحرامه في أمر النساء كالحيض والغسل ونحو ذلك. قوله: (وحرم به وبالحرم من نحو المدينة أربعة أميال أو خمسة للتنعيم، ومن العراق ثمانية للمقطع، ومن عرفة تسعة، ومن جدة عشرة لآخر الحديبية) أي وحرم على الرجل والمرأة بسبب الإحرام وإن لم يكن في حرم، وبسبب الحرم وإن لم يكن محرما تعرض لحيوان بري واحترز به من البحري فإنه لا يحرم التعرض له للمحرم، وحد الحرم من نحو المدينة أي من جهة المدينة الشريفة أربعة أميال على قول وخمسة على قول إلى التنعيم، ومن جهة العراق ثمانية أميال إلى المقطع، وحده من جهة عرفة تسعة أميال، ومن جهة جدة عشرة أميال إلى آخر الحديبية، والحديبية كلها في الحرم، وأصح ما قيل في الميل ثلاثة آلاف وخمس مائة ذراع، والذراع من المرفق إلى الأصبع الوسطى. قال البساطي وللركن في هذا التحديد البيت. قوله: (ويقف سيل الحل دونه تعرض بري، وإن تأنس أو لم يؤكل، أو طير ماء وجزؤه وبيضه) أي هذا تعريف ثان للحرم أي ويقف سيل الحل دون الحرم ولا يدخله لأنه أعلا من الحل ويدخل سيل الحرم في الحل. غفل الشارح هنا ف بنسبة هذا الفرع للمدونة بل هو من الموازية. قوله: تعرض بري هذا فاعل حرم أي وحرم بسبب الإحرام، وفي الحرم تعرض حيوان بري وإن تأنس لا يقال لما تأنس صار كالماشية، ولو كان البري لا يؤكل كالخنزير أو كان طير ماء فإنه لا يتعرض له، ألا ترى أنه لا يؤكل إلا بالذبح. قوله: (وجزؤه) أي وكذلك يحرم بالإحرام وبالحرم تعرض جزء بري كقطع يده أو رجله أو غير ذلك منه، وهذا أبين مما قال ابن غازي في تصحفه (١). قوله: (وليرسله بيده أو رفقته، وزال ملكه عنه لا ببيته، وهل وإن أحرم منه؟ تأويلان) أي لما كان حرم عليه تعريضه فإن أحرم وهو في يده أو في قفص في رفقته فليرسله وجوبا، وزوال ملكه عنه فلا يضمنه من استهلكه ولا من أطلقه لأن ملكه زال عنه بالإحرام وفي الحرم فلا يزول عليه ملكه إن أحرم وهو في بيته وهل ذلك وإن أحرم من بيته أو يزول عنه ملكه إذا أحرم من بيته فليرسله فيه تأويلان على المدونة.

стр. 565

قوله: (فلا يستجد ملكه ولا يستودعه) يشمل صورتين إحداهما أن يحرم والبري في يده وقلنا يرسله وخالف ما أمر به ولم يرسله حتى حل من إحرامه فلا يجوز له أن يستجد ملكه ببقائه في يده، الصورة الثانية أنه إذا أرسله من يده زال عنه ملكه فلا يستجد ملكه بشراء أو قبول هبته ولا يأخذه وديعة لمحرم كان أو غيره فإن تجرأ وأخذه أطلقه وغرم قيمته لربه. قوله: (ورد إن وجد مودعه وإلا بقي) هذا فرع مستقبل بنفسه ليس بمفرع على ما فعله أي فإذا أخذ الصيد وديعة قبل إحرامه فإنه يرده لربه حين أراد الإحرام إن وجده وإلا أي وإن لم يجده بقي عنده حتى يجده لأنه أخذه على وجه جائز فإن أطلقه ضمنه لربه. قوله: (وفي صحة شرائه قولان) أي وفي صحة شراء الصيد الذي زال عنه ملكه أو غيره إن وقع فيلزمه ثمنه ويطلقه ولا يمسكه وعدم صحته فيرد إلى ربه فيه قولان. قوله: (إلا الفارة والحية والعقرب مطلقا، وغرابا وحدأة، وفي صغيرهما خلاف) مستثنى من قوله: تعرض بري الفأر يهمز ولا يهمز أي فإن الفأر والحية والعقرب تقتل مطلقا، صغيرا كان أو كبيرا. لو قال: كالفأر لأشمل كل مضر. وفي الذخيرة: يلحق بالفأر ابن عرس وما يقرض الأثواب من الدواب ويلحق بالعقرب الزنبور والرتيلاء (١). وسميت الفأرة بالفويسقة لخروجها بالإذاية من جنسها من الحيوان. وقيل لخروجها عن الحرمة التي لغيرها أنها تقتل في الحرم وكذلك يقتل غرابا وحدأة كبيرة وفي صغيرهما خلاف ومن نظر إلى الحال قال: لا يقتل ومن نظر إلى المآل قال: يقتل. فقال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: العجب من الشيخ عرف الفأر والحية والعقرب التي ليس فيها خلاف ونكر الغراب والحدأة التي في صغيرهما خلاف. قوله: (كعادي سبع كذئب إن كبر) أي وكذلك يقتل عادي سبع. وذلك كله كذئب مثلا مثل الشيخ تحلله بالأضعف من السباع وهو الذئب تنبيها على الأعلى الذي هو الأسد والنمر والفهد والكلب العقور بشرط أن يكون واحد من المذكور كبيرا.
следующие страницы →