قبل أو دبر من حلال أو غيره أنزلا أم لا مكرها أم لا.
قوله: (كاستدعاء مني، وإن بنظر) تشبيه أي كما يحرم عليهما استدعاء مني وإن بنظر، يريد وأمنى مطلقا عادته أن يمني بمثل ذلك أم لا.
قوله: (إن وقع قبل الوقوف مطلقا، أو بعده إن وقع قبل إفاضة وعقبة يوم النحر أو قبله) أي إنما يبطل الجماع ومقدماته الحج إن وقع قبل الوقوف بعرفة، أو وقع بعد الوقوف ولكن وقع قبل طواف الإفاضة وقبل رمي جمرة العقبة في يوم النحر معا أو وقع ذلك الجماع أو مقدماته إن أنزل قبل يوم النحر في ليلة المزدلفة.
قوله: (وإلا فهدي) أي وإن لم يقع الوطء قبل الوقوف ولا بعده وقبل طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة معا في يوم النحر بل وقع بعد طواف الإفاضة وبعد رمي جمرة العقبة أو وقع قبلهما ولكن بعد يوم النحر فإن حجه لا يفسد ولكن وجب عليه الهدي.
قوله: (كإنزال ابتداء وإمدائه. وقبلته) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن عليه الهدي إذا أنزل بغير سبب يوجب إخراج المني من نظر أو تفكر وكذلك يجب عليه الهدي في إخراجه مذيا وإن تسبب فيه وكذلك يجب عليه الهدي في القبلة للذة وإن فعلت به.
قوله: (ووقوعه بعد سعي في عمرته) أي ويجب عليه الهدي وقوعه أي وطئه بعد سعي في عمرته لأنه لم يبق عليه في عمرته إلا الحلاق وهو ليس بركن.
قوله: (وإلا فسدت) أي وإن وقع الوطء في أثناء السعي بين الصفا والمروة أو قبله وبعد الطواف فسدت العمرة.
قوله: (ووجب إتمام المفسد وإلا فهو عليه، وإن أحرم، ولم يقع قضاؤه إلا في ثالثه) لما ذكر ما يفسد الحج والعمرة شرع يذكر حكم فاسدهما فقال: ووجب إتمام المفسد من حج أو عمرة فإن أتمه حل منه وبقى عليه قضاؤه.
قوله: وإلا أي وإن لم يتمه فهو عليه باق حتى يقضيه ولم يحل منه وإن أحرم بقضائه فإن أفسد حجه ولم يتمه في السنة الأولى أتمه في الثانية ولم يقع قضاء الفاسد إلا في سنة ثالثة.
قوله: (وفورية القضاء وإن تطوعا) أي ويجب قضاء المفسد ويجب فورية قضائه، بأن يقضي الحج في العام المقبل، وأما العمرة فإنه يقضيها بعد تمام العمرة الفاسدة، وإن كان المفسد من حج تطوعا لأنه لما أحرم به لزمه فيجب قضاؤه.
стр. 562
قوله: (وقضاء القضاء) أي ويجب قضاء القضاء إذا أفسده عند ابن القاسم وهو المشهور لا عند أشهب، والصوم المشهور فيه عدم وجوب قضاء القضاء إن فسد، وأما الصلاة فلا يقضى اتفاقا.
الفرق بين الحج والصوم أن الحج لما كانت كلفته شديدة شدد فيه بقضاء القضاء سدا للذريعة لئلا يتهاون فيه، وفرق أيضا أن القضاء في الحج على الفور، وإذا كان على الفور صارت حجة القضاء كأنها حجة معينة في زمن معين، فيلزمه القضاء في فسادها كحجة الإسلام، وأما زمان قضاء الصوم فليس بمعين، ولم ينقل خلافا فيما إذا فسد قضاء الصلاة أنه ليس عليه إلا قضاء صلاة واحدة.
قوله: (ونحر هدي في القضاء) أي ويجب نحر هدي الفساد في زمن القضاء، ليتفق الجائز النسكي والمالي.
قوله: (واتحد وإن تكرر لنساء بخلاف صيد وفدية) أي واتحد هدي الفساد وإن تكرر الوطء لنساء أو امرأة واحدة مرارا بخلاف جزاء الصيد، فإنه يتعدد بتعدد موجبه في النسك الصحيح والفاسد. وكذلك تتعدد الفدية لأنه عوض عما اتلف. وكذلك تتعدد الفدية بتعدد موجبها إلا في المسائل الأربع التي تقدم ذكرها.
قال البساطي: لو قال الشيخ بخلاف جزاء أو فدية لكان أحسن.
قوله: (وأجزأ إن عجل) أي وأجزأ هدي إن عجل أي وأجزأ هدي الفاسد إن عجل قبل القضاء لتقدم موجبه.
قوله: (وثلاثة إن أفسد قارنا ثم فاته وقضى) أي ويجب عليه ثلاث هدايا إن أفسد حجه في حال كونه قارنا ثم فاته ذلك الحج فتحلل منه بعمرة وقضاه بعد ذلك من قابل واحد عن قرانه الثاني وآخر عن فساده وآخر عن فواته.
وعن ابن القاسم أن عليه هديا رابعا لقرانه الأول.
قوله: (وعمرة إن وقع قبل ركعتي الطواف) وهذا غير موضعه، لعل الناسخ وضعه في غير موضعه، وموضعه إثر قوله: إن وقع قبل إفاضة وعقبة يوم النحر أو قبله وإلا فهدي وعمرة فيكون تتميما للمسألة أي وإن لم يكن الأمر كذلك فالهدي واجب عليه وعمرة، بشرط أن يقع الجماع ومقدماته قبل ركعتي طواف الإفاضة.
وقوله: (وإحجاج مكرهة وإن نكحت غيره، وعليها إن أعدم ورجعت عليه كالمتقدم) أي ووجب على الزوج أو السيد إحجاج مكرهته على وطئ ونحوه مما يفسد الحج وإن
стр. 563
نكحت غيره، ويجب عليها إحجاج نفسها إن أعدم المكره، ورجعت عليه بما أنفقت كالفرع المتقدم في قوله: ورجع بالأقل إن لم يفتد بصوم.
قوله: (وفارق من أفسد معه من إحرامه لتحلله) ظاهره الوجوب، وقيل: مستحب أي وفارق المفسد لحجه من أفسد معه من إحرامه لحجة القضاء إلى تحلله الأكبر وهو طواف الإفاضة، خشية أن يتدارك لما كان منهما فيدعوهما إلى الفساد ثانية، أو لأنها عقوبة له لفعله.
قوله: (ولا يراعى زمن إحرامه، بخلاف ميقات إن شرع وإن تعداه، فدم) أي ولا يراعى في قضاء الفاسد زمن إحرامه له بل له أن يحرم به يوم التورية وإن كان احرم للفساد في شوال بخلاف الميقات المكاني فإنه يراعى إن شرع ذلك المكان للإحرام فيه وإلا فلا يراعى وإن تعدى المكاني ولم يحرم فيه لحجة القضاء فالدم واجب عليه. لو قال الشيخ بخلاف مكاني لكان أولى، لأن لفظ ميقات يشمل الزماني والمكاني.
قوله: (وأجزأ تمتع عن إفراد وعكسه) أي وأجزأ في القضاء تمتع عن إفراد فاسد، لأن التمتع إفراد وزيادة. وكذلك يجزئ عكسه، وهو قضاء إفراد عن تمتع لأن الفساد في الحج.
قوله: (لا قران عن إفراد أو تمتع) أي ولا يجزئ قران عن إفراد وتمتع، وحج المتمتع في صفة فعله كالإفراد، بخلاف القران.
قوله: (وعكسهما) أي فلا يجزئ أن يقضي تمتعهما عن قران، وكذلك لا يجزيه أن يقضي قرانا عن إفراد وتمتع.
قوله: (ولم يتب قضاء تطوع عن واجب) يريد أن من تطوع بحجة قبل الفرض ثم أفسده بالوطء فإنه يلزمه قضاؤه ولم ينب له ذلك عن حجة الإسلام إذا نوى به ذلك لأن فساد التطوع وجب عليه قضاؤه وحجة واحدة لا يكفي عن حجتين.
قوله: (وكره حملها للمحمل ولذلك اتخذت السلالم، ورؤية ذراعيها لا شعرها، والفتوى في أمورهن) أي وكره لرجل في حال إحرامه رفع امرأة إلى هودج أو نحوه لأجل تحريم المباشرة للذة في حال الإحرام ولأجل ذلك اتخذت السلالم التي يصعد به النساء إلى الرواحل، والمحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثاني مركب النساء وبكسر الميم الأول وفتح الثاني علاقة السيف وبفتحهما مصدر، وكذلك يكره له رؤية
стр. 564
ذراعيها لا يكره له رؤية شعرها، وكذلك لا يكره للمفتي أن يفتي في حال إحرامه في أمر النساء كالحيض والغسل ونحو ذلك.
قوله: (وحرم به وبالحرم من نحو المدينة أربعة أميال أو خمسة للتنعيم، ومن العراق ثمانية للمقطع، ومن عرفة تسعة، ومن جدة عشرة لآخر الحديبية) أي وحرم على الرجل والمرأة بسبب الإحرام وإن لم يكن في حرم، وبسبب الحرم وإن لم يكن محرما تعرض لحيوان بري واحترز به من البحري فإنه لا يحرم التعرض له للمحرم، وحد الحرم من نحو المدينة أي من جهة المدينة الشريفة أربعة أميال على قول وخمسة على قول إلى التنعيم، ومن جهة العراق ثمانية أميال إلى المقطع، وحده من جهة عرفة تسعة أميال، ومن جهة جدة عشرة أميال إلى آخر الحديبية، والحديبية كلها في الحرم، وأصح ما قيل في الميل ثلاثة آلاف وخمس مائة ذراع، والذراع من المرفق إلى الأصبع الوسطى. قال البساطي وللركن في هذا التحديد البيت.
قوله: (ويقف سيل الحل دونه تعرض بري، وإن تأنس أو لم يؤكل، أو طير ماء وجزؤه وبيضه) أي هذا تعريف ثان للحرم أي ويقف سيل الحل دون الحرم ولا يدخله لأنه أعلا من الحل ويدخل سيل الحرم في الحل. غفل الشارح هنا ف بنسبة هذا الفرع للمدونة بل هو من الموازية.
قوله: تعرض بري هذا فاعل حرم أي وحرم بسبب الإحرام، وفي الحرم تعرض حيوان بري وإن تأنس لا يقال لما تأنس صار كالماشية، ولو كان البري لا يؤكل كالخنزير أو كان طير ماء فإنه لا يتعرض له، ألا ترى أنه لا يؤكل إلا بالذبح.
قوله: (وجزؤه) أي وكذلك يحرم بالإحرام وبالحرم تعرض جزء بري كقطع يده أو رجله أو غير ذلك منه، وهذا أبين مما قال ابن غازي في تصحفه (١).
قوله: (وليرسله بيده أو رفقته، وزال ملكه عنه لا ببيته، وهل وإن أحرم منه؟ تأويلان) أي لما كان حرم عليه تعريضه فإن أحرم وهو في يده أو في قفص في رفقته فليرسله وجوبا، وزوال ملكه عنه فلا يضمنه من استهلكه ولا من أطلقه لأن ملكه زال عنه بالإحرام وفي الحرم فلا يزول عليه ملكه إن أحرم وهو في بيته وهل ذلك وإن أحرم من بيته أو يزول عنه ملكه إذا أحرم من بيته فليرسله فيه تأويلان على المدونة.
стр. 565
قوله: (فلا يستجد ملكه ولا يستودعه) يشمل صورتين إحداهما أن يحرم والبري في يده وقلنا يرسله وخالف ما أمر به ولم يرسله حتى حل من إحرامه فلا يجوز له أن يستجد ملكه ببقائه في يده، الصورة الثانية أنه إذا أرسله من يده زال عنه ملكه فلا يستجد ملكه بشراء أو قبول هبته ولا يأخذه وديعة لمحرم كان أو غيره فإن تجرأ وأخذه أطلقه وغرم قيمته لربه.
قوله: (ورد إن وجد مودعه وإلا بقي) هذا فرع مستقبل بنفسه ليس بمفرع على ما فعله أي فإذا أخذ الصيد وديعة قبل إحرامه فإنه يرده لربه حين أراد الإحرام إن وجده وإلا أي وإن لم يجده بقي عنده حتى يجده لأنه أخذه على وجه جائز فإن أطلقه ضمنه لربه.
قوله: (وفي صحة شرائه قولان) أي وفي صحة شراء الصيد الذي زال عنه ملكه أو غيره إن وقع فيلزمه ثمنه ويطلقه ولا يمسكه وعدم صحته فيرد إلى ربه فيه قولان.
قوله: (إلا الفارة والحية والعقرب مطلقا، وغرابا وحدأة، وفي صغيرهما خلاف) مستثنى من قوله: تعرض بري الفأر يهمز ولا يهمز أي فإن الفأر والحية والعقرب تقتل مطلقا، صغيرا كان أو كبيرا.
لو قال: كالفأر لأشمل كل مضر.
وفي الذخيرة: يلحق بالفأر ابن عرس وما يقرض الأثواب من الدواب ويلحق بالعقرب الزنبور والرتيلاء (١).
وسميت الفأرة بالفويسقة لخروجها بالإذاية من جنسها من الحيوان. وقيل لخروجها عن الحرمة التي لغيرها أنها تقتل في الحرم وكذلك يقتل غرابا وحدأة كبيرة وفي صغيرهما خلاف ومن نظر إلى الحال قال: لا يقتل ومن نظر إلى المآل قال: يقتل.
فقال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: العجب من الشيخ عرف الفأر والحية والعقرب التي ليس فيها خلاف ونكر الغراب والحدأة التي في صغيرهما خلاف.
قوله: (كعادي سبع كذئب إن كبر) أي وكذلك يقتل عادي سبع. وذلك كله كذئب مثلا مثل الشيخ تحلله بالأضعف من السباع وهو الذئب تنبيها على الأعلى الذي هو الأسد والنمر والفهد والكلب العقور بشرط أن يكون واحد من المذكور كبيرا.
стр. 566
مفهوم الشرط أن الصغير لا يقتل.
قوله: (كطير خيف إلا بقتله، ووزغا لحل بحرم) أي كما يقتل الطير إذا خيف منه ولا يمكن دفعه إلا بقتله، وكذلك يجوز لحل قتل وزغ في حرم لا يجوز قتله لمحرم وإن في غير حرم وأحرى في الحرم وكل ما يجوز قتله فلا شيء على قاتله.
وقوله: (كأن عم الجراد) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا شيء إذا عم الجراد في طريقه (واجتهد) في التحفظ من قتله.
قوله: (وإلا فقيمته، وفي الواحدة حفنة، وإن في نوم) أي وإن لم يعم أو عم ولم يجتهد في التحفظ منه فعليه قيمة ما قتل من الطعام إن كان ما قتل أكثر من واحدة يدل عليه وفي الواحدة حفنة وإن كان قتله لها في نوم انقلب عليهما في نومه.
قوله: (كدود) أي وكذلك الحكم في دود ونحوه كذباب وهذا الفرع ليس في نسخة الشارح وسقط لفظه في نسخة البساطي ولكن شرحه.
قوله: (والجزاء بقتله، وإن لمخمصة وجهل ونسيان) أي ويجب الجزاء بقتل البري الذي حرم التعرض له وإن قتله بسبب مخمصة به وجهل ونسيان فلا يعذر بذلك لأن العذر لا يرفع الجزاء وإنما يرفع الإثم عن فاعله لأن الجزاء من الجناية. ولم يذكر الشيخ هنا هل يجوز له قتله لمخمصة أم لا وسيأتي إن شاء الله.
قوله: (وتكرر) أي ويجب تكرر الجزاء بتكرر موجبه وإن ظن الإباحة أو تعدد الموجب بفور أو نوى التكرار بخلاف الفدية.
قوله: (كسهم مر بالحرم، وكلب تعين طريقه، أو قصر في ربطه، أو أرسل بقربه فقتل خارجه) تشبيه أي كما أن الجزاء على من كان في حل ورمى سهما لبري خلف حرم ومر السهم في هواء الحرم فقتل البري خارج الحرم، وكذلك يجب الجزاء على من أرسل كلبه في الحل على صيد في الحل ولكن تعين طريق الكلب في الحرم فمر به وقتله خارج الحرم، مفهومه إن لم يتعين طريقه في الحرم لا جزاء فيه وهو كذلك، وكذلك يجب عليه الجزاء إن قصر في ربط الكلب فانفلت وقتل الصيد في الحرم، مفهومه إن لم يقصر في ربطه، فانفلت وقتل لا جزاء عليه وهو كذلك. وكذلك يجب عليه الجزاء، إذا أرسل الكلب أو الباز قرب الحرم على صيد في الحل فأدخله الكلب، أو الباز في الحرم ثم أخرجه منه، فقتله، مفهومه إن لم يكن في قرب الحرم فالأجزاء عليه والمفهوم صحيح، وحد البعد أن يلحقه غالبا دون الحرم.
стр. 567
قوله: (وطرده من حرم) أي وكذلك يجب عليه الجزاء بطرد البري من حرم إلى حل ومات به لأنه أخرجه من مأمنه، ولكن الشيخ مستغن عن ذكر هذا الفرع، لأنه يذكر بعده ما يغني عنه في قوله: وتعريضه للتلف.
قوله: (ورمي منه أو له، وتعريضه للتلف) أي وكذلك يجب عليه الجزاء برمي من الحرم إلى حل فقتله منه أو رمى وهو في حل إلى حرم فقتله فيه.
وكذلك عليه الجزاء لتعريض البري للتلف كما لو قصر جناحيه أو نتف ريشه إن لم يتحقق سلامته وأما إن تحقق سلامته، فلا شيء عليه في الحل، وقتل في الحل، لأن الحلال لا يلزمه الجزاء إلا إذا جز في الحرم. انتهى منه.
قوله: (وجرحه ولم تتحقق سلامته، ولو بنقص) أي ويجب عليه الجزاء بجرح الصيد ولم يتحقق سلامته وأما إن تحقق سلامته فلا شيء عليه وإن كانت السلامة مع نقص وأشار بلو إلى قول من قال: إن سلم مع كونه ناقصا فإنه يعطي قيمة النقص فينبغي أن يتربص بإخراج الجزاء ليتحقق موته أو انقطاع خبره لئلا يكفر عنه قبل موته.
قوله: (وكرر إن أخرج لشك ثم تحقق موته) أي ويكرر الجزاء إن أخرجه وهو شاك في موت الصيد ثم تحقق موته، مفهومه إن أخرج لأجل ظن موته ثم تحققه فلا جزاء عليه ثانيا وهو كذلك.
قوله: (ككل من المشتركين) أي كما يلزم جزاء كامل كل واحد من المشتركين في قتل صيد بري وإن كثروا. وكذلك كل ما يجب فيه الجزاء على واحد فإنه يلزم كل من المشتركين فيه جزاء كامل لأنه من باب الكفارات، لا من باب الدية.
قوله: (وبإرسال لسبع) أي ويجب الجزاء بسبب إرسال جارح، أو سهم لسبع، أو نصب له، أي أو شرك له أي للسبع فقتل الجارح أو السهم الصيد كما إذا أرسل كلبا على السبع وقبض الكلب غير السبع مما لا يجوز صيده في حال الإحرام.
قوله: (أو نصب شرك له) أي والجزاء لازم بقتل ونصب شرك للسبع فقع فيه غيره مما لا يجوز صيده أي الجزاء لازم بقتل وبإرسال السبع وبقتل وبنصب شرك لسبع وقع فيه غيره أي ووقع صيد في ذلك الشرك الذي نصب السبع.
قوله: (وبقتل غلام أمر بإفلاته فظن القتل، وهل إن تسبب السيد فيه أو لا؟ تأويلان) أي وكذلك يلزم السيد الجزاء بسبب قتل غلام الصيد كان معه وأمره السيد بإطلاقه
стр. 568
فظن العبد أنه إنما أمره بقتله فقتله، وهل هذا الحكم إن تسبب السيد في الصيد؟ أولا، كما إذا كان هو الذي اصطاده، أو أمر باصطياده وإلا فلا شيء عليه، أو عليه مطلقا لأنه بتقصيره في البيان أخطأ العبد في قتله في ذلك تأويلان.
وقوله: أولا بتشديد الواو، ويجوز بسكون الواو أي تسبب فيه سيد أولا.
قوله: (وبسبب ولو اتفق، كفزعه فمات، والأظهر والأصح خلافه) أي ويجب الجزاء بسبب في قتل بري ولو كان ذلك السبب اتفاقيا لا مقصودا، ثم مثل الشيخ ذلك، فقال: كفزعه فمات والأظهر عند ابن رشد وصححه غيره خلاف لزوم الجزاء، إذ لا يكون أعظم حرمة من آدمي.
قوله: (كفسطاطه وبئر لماء، ودلالة محرم أو حل، ورميه على فرع أصله بالحرم، أو بحل وتعامل فمات به، إن أنفذ مقتله، وكذا إن لم ينفذ على المختار) أي كما لا جزاء عليه في صيد تعلق بأطناب فسطاطه فمات.
الفسطاط: خيمة شعر وفي فائه الضم والكسر. وكذلك لا جزاء عليه إذا حفر بئر الماء لحاجة لا غير فوقع فيه بري قاله ابن القاسم، وأشهب قالوا: وهي تناقض مسألة الفزع ووجه ما قاله ابن القاسم في الذخيرة بأن رؤيته مستلزمة لهربه بخلاف حفر بئر. انتهى من فتح الجليل (١).
وكذلك لا جزاء على محرم دل محرما أو حلا على صيد.
وفي إكمال الإكمال: وإذا دل المحرم والحلال على الصيد لم يؤكل الصيد.
قال مالك والشافعي: ولا جزاء على الدال، وأوجبه عليه أحمد والكوفيون وجماعة. واختلف إذا دل المحرم المحرم فقال أشهب والكوفيون: على كل واحد منهما الجزاء.
وقال مالك والشافعي: هو على القاتل وحده. قلت: لم يختلف في أن المحرم لا يجوز له أن يدل على الصيد، فإن فعل لم يختلف في أن الجزاء على المدلول.
واختلف في الدال فأوجبه عليه ابن وهب، وأسقطه عنه في المدونة، قال فيها: ويستغفر الله. وفيها قول ثالث إن دل محرما لزمه وإلا لم يلزمه. وجعل ابن الحاجب هذا الثالث المشهور، لأنه إذا لزمه والمدلول حرام فأحرى وهو حلال، ليلا تؤدي الحال إلى إهدار الصيد في بعض الصور، وهو إذا كان المدلول الحلال في الحل.
стр. 569
وقتل في الحل، لأن الحلال لا يلزمه الجزاء إلا إذا قتل في الحرم. انتهى منه (١).
وكذلك لا جزاء عليه في قتل بري يرميه على فرع أصله واقف في الحرم لأن المعتبر محل الرمي وكذلك لا جزاء في رميه وهو في حل فأصابه في حل وتحامل الصيد ودخل الحرم فمات فيه إن أنفذ بضربه مقتله وكذلك إن لم ينفذه على ما اختاره اللخمي من الخلاف لأنه برميته مات.
قوله: (أو أمسكه ليرسله فقتله محرم، وإلا فعليه) أي وكذلك لا جزاء عليه إذا أمسك البري بعد إحرامه أو بعد دخوله في الحرم ليطلقه فقتله قبل إرساله محرم في حل أو حرم، لأن الجزاء على قاتله وإلا، أي وإن كان قاتله غير محرم بل هو حلال، فالجزاء على الممسك، ولو امسكه ليرسله عند ابن القاسم، لئلا يخلو الصيد عن الجزاء لأن قتله بسببه.
سحنون: لا شيء عليه.
أبو إسحاق: وهو الأشبه.
اللخمي: هو القياس ولم ينبه على اختيار اللخمي انتهى من فتح الجليل (٢).
قوله: (وغرم الحل له الأقل) أي وإن كان الحل هو الذي قتله، فإنه يغرم للممسك الأقل من القيمة والجزاء.
قوله: (وللقتل) أي وإن أمسكه بعد إحرامه ليقتله، فقتله محرم أو حل في حرم، فهما (شريكان) في القتل، وعلى كل واحد جزاء كامل على الممسك بإمساكه، لأنه أمسكه في إحرامه، وعلى القاتل إن قتله في حرم أو إحرام، وإلا فلا.
قوله: (وما صاده محرم أو صيد له ميتة) أي وما صاده محرم بنفسه في حرم أو حل أو صيد لأجله فهو ميتة، وإن ذبحه حلال لا يأكله محرم، ولا حلال بخلاف حيوان ذبحه غاصب، فإنه يؤكل لأن طالبه معين، وفهم من كلامه أن ما صاده حلال لغير محرم جاز للمحرم أكله.
قوله: (كبيضه) أي وكذلك ما أخذه المحرم، أو أخذ له من بيض البري فإنه ميتة لا يأكله محرم ولا حلال.
قوله: (وفيه الجزاء، إن علم وأكل) أي فإن أكل محرم ما صيد لمحرم فعليه
стр. 570
الجزاء بشرطين:
أحدهما أنه علم أنه صيد لمحرم.
الثاني: أنه أكله، مفهومه أنه إن علم ولم يأكل أو أكل ولم يعلم أنه لا جزاء عليه.
قوله: (لا في أكلها) أي لا جزاء عليه إذا أكل ما صاده وهو محرم، فأدى جزاؤه وأكل منه، لم يكن عليه جزاء آخر، ولا قيمة ما أكل لأنه أكل لحم ميتة.
قال ابن غازي: فإن قلت: وقد دخل في قوله: لا في أكلها ما صيد للمحرم أيضا لحكمه بأنه ميتة، وقد قال: وفيه الجزاء إن علم وأكل؛ فهذا تناقض.
قلت: على أكله الجزاء عند ابن القاسم من حيث أكله، وهو يعلم أنه صيد لمحرم لا من حيث كونه ميتة فلا تناقض إذا لم يتوارد على محل واحد، كما أن ما صاده محرم فأكله فيه الجزاء من حيث صاده لا من حيث أكله. انتهى (١).
قوله: (وجاز مصيد حل لحل وإن سيحرم) أي وجاز أكل مصيد حل بحل لحل ومحرم وإن سيحرم الصائد والصيد له عقب ذلك لأنه لم يحرم بعد.
قوله: (وذبحه بحرم ما صيد بحل) أي وجاز ذبح الحلال في حرم ما صيد في حل لأن ما باليد لا يسمى اصطيادا قاله مالك في إكمال الإكمال (٢).
وما ذكره الشارح هنا سبق قلم أو غفلة.
قوله: (وليس الإوز والدجاج بصيد) والإوز بكسر الهمزة وفتح الواو وشد الزاي أي وليس الإوز والدجاج بصيد لأنه يجوز للمحرم وغيره في الحرم أن يذبحه كالنعم (بخلاف الحمام) فإنه صيد وعلى قاتله الجزاء.
قوله: (وحرم به قطع ما ينبت بنفسه) أي وحرم في الحرم قطع ما نبت بنفسه ولو أنه استنبته الناس إذ النظر إلى الجنس لا إلى الحال فإن قطعه أثم ولا جزاء عليه فليستغفر الله.
قوله: (إلا الإذخر والسنا) استثنى هذين من الذي نبت بنفسه، جاء النص في الإذخر، وقاس العلماء عليه السناء، لأن نفعه أكثر في الأدوية، وهو أشد من حاجة أهل مكة إلى الإذخر.
стр. 571
ابن غازي: وزاد في المدونة وجائز الرعي في حرم مكة وحرم المدينة في الحشيش والشجر وأكره أن يحتش في الحرم حلالا أو حراما؛ خيفة قتل الدواب، وكذلك الحرام في الحل إلا أن يسلموا من قتل الدواب فلا شيء عليهم، وأكره لهم ذلك، ونهى النبي ﷺ عن الخبط وقال: «هشوا وارعوا» (١).
قال مالك: الهش: تحريك الشجر بالمحجن ليقع الورق ولا يخبط ولا يعضد، ومعنى العضد الكسر.
ابن عرفة: مقتضى قول أبي عمر: أجمعوا على أنه لا يحتش بالحرم إلا الإذخر، وأنه لا يرعى حشيشه إذ لو جاز لجاز احتشاشه، عدم وقوفه على نص المدونة أو نسيانه (٢).
والإذخر نبت معروف طيب الرائحة، والسناء يمد ويقصر نبت يتداوى به.
قوله: (كما يستنبت، وإن لم يعالج) تشبيه أي كما يجوز قطع ما عادته أنه يستنبت وإن نبت بنفسه لأن النظر إلى الجنس لا إلى الحال، ولو استنبت ما ينبت بنفسه، أو نبت بنفسه ما يستنبت لكان النظر إلى الجنس، لا إلى الحال.
قوله: (ولا جزاء، كصيد المدينة بين الحرار) أي ولا جزاء على من قطع ما نهي عنه من قطع ما ينبته بنفسه، كما لا جزاء في صيد المدينة في حرمها، وهو ما بين الحرار الأربع، والحرة أرض ذات حجار سود، والمراد به هنا اسم الأرض بظاهر المدينة.
قال صاحب فتح الجليل: شبه بما قبله في الحرمة، وعدم الجزاء فيه، وحرم المدينة الشريفة هو ما بين الأحرار الأربع المحيطة بالمدينة، واختلف هل عدم جوازه لأن الكفارة لا يقاس عليها أو لأن حرمة المدينة عندنا أشد فكانت كاليمين الغموس. انتهى (٣).
قوله: (وشجرها بريدا في بريد) أي وحرم شجر المدينة الشريفة، بريدا في بريد.
قوله: (والجزاء بحكم عدلين) أي والجزاء المتقدم ذكره إنما يكون بحكم عدلين فقيهين بذلك.
стр. 572
قوله: بحكم شرط لا يجزئ فيه الفتوى، بل بتلفظ الحاكم بأنه حكم بالجزاء، ومفهومه العدد في قوله: عدلين لا يجزئ عدل واحد ولو مع مجهول وأحرى مسخوط، ومفهوم الصفة لا يجزئ مجهولين وأحرى فاسقين.
قوله: (فقيهين بذلك) أي بذلك الحكم شرط، وإن جهلا غير ذلك من الأحكام، لأن من ولي شيئا إنما يطلب بمعرفة ما وليه دون غيره.
قوله: (مثله من النعم) أي والجزاء في كل صيد، مثله من النعم في القدر والصورة إن أمكن تحقيقا وإلا فتقريبا.
قوله: (أو إطعام بقيمة الصيد يوم التلف بمحله، وإلا فبقربه. ولا يجزئ بغيره ولا زائد على مد لمسكين) أي هذا هو النوع الثاني من الجزاء لأنه على التخيير أي والإطعام بقيمة الصيد نفسه حيا، لا قيمة مثله من النعم، إنما يعتبر في القيمة يوم التلف لا قبله ولا بعده، في محل التلف لا غيره كسائر المتلفات، لأن القيم تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
قوله: وإلا أي وإن لم تكن له قيمة في محل التلف، فالمعتبر التقويم في قرب محل التلف من غالب عيش محل التلف، مما يجزئ في كفارة اليمين، ثم يطعم بمحل التقويم إن أمكن، وإلا فقربه فبأقرب مكان ممكن، ولا يجزئ الإطعام بغيره، أي غير محل التلف.
قال مالك: أيحكم عليه بالمدينة ويطعم من مصر إنكارا لمن فعل ذلك (١)، وكذلك لا يجزئه زائد على مد لمسكين، بل لا يعتد بالزائد.
قوله: (إلا أن يساوي سعره فتأويلان)، مستثنى من قوله: ولا يجزئ بغيره، حقه أن يوصله به وحقه أن يقول: ولا يجزئ بغيره وهل مطلقا تساوى سعره أم لا، أو أغلا منه، أو إلا أن يساوي سعره فيحويه، فيه تأويلان في الإجزاء وعدمه، لو قاله لكان أحسن.
قوله: (أو لكل مد صوم يوم، وكمل لكسره:) هذا هو النوع الثالث من الجزاء أي أو عدل ذلك الإطعام صياما لكل مد صوم يوم فإن كان فيه كسر مد، كمل صوم اليوم لكسر المد، لأن الصوم لا يتبعض ولا يمكن إلغاء المنكسر.
قوله: (فالنعامة بدنة والفيل بذات سنامين، وحمار الوحش، وبقره بقرة والضبع
стр. 573
والتعلب شاة)، لما فرغ من ذكر الجزاء شرع يذكر تبيينه، وليس شيء من الصيد، إلا وله نظير من النعم، يعني في القدر والصورة تحقيقا أو تقريبا، فالنعامة نظيرها من النعم بدنة ذات سنام واحد، ونظير الفيل فيها بدنة ذات سنامين وهي البخت، ونظير حمار الوحش وبقره، بقرة في كل منهما والضبع والثعلب، نظير كل منهما شاة.
قوله: (كحمام مكة والحرم ويمامهما بلاحكم)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما يحكم بشاة في صيد حمام مكة، زادها الله تشريفا، وفي حمام الحرم وحمام مكة والحرم بلا حكم أي فلا يحتاج فيها إلى حكم الحكمين اكتفاء لقضاء عثمان ﵁ وليس فيها صدقة ولا تخيير، لأن الشاة فيها من باب التغليظ. قاله ابن فرحون في تبصرته (١).
قوله: (وللحل وضب وأرنب ويربوع وجميع الطير القيمة طعاما) اللام في للحل بمعنى في أي والواجب في حمام الحل، وفي ضب، وأرنب، ويربوع، وجميع الطير غير حمام مكة ويمامه، أن قتله محرم القيمة طعاما، القيمة مبتدأ مؤخر وخبره وللحل، اليمام حمام البري، والحمام البلدي، وقيل بالعكس.
قوله: (والصغير والمريض والجميل كغيره) أي والصغير من جميع الصيد كالكبير، فيه ما في الكبير من الجزاء، وفي المريض والمعيب ما في الصحيح والسليم من الجزاء والذكر كالأنثى، وفي القبيح ما في الجميل من الجزاء.
قوله: (وقوم لربه بذلك معها) أي وإن قتل محرم صيدا مملوكا قوم عليه لربه بذلك الوصف الذي هو عليه من صغر ومرض وجمال، وغير ذلك مما فيه من منفعة شرعية، كبار معلم معها، أي مع القيمة التي وجبت عليه، وإن روي بقتله وهو محرم، جمعا بين حق الله تعالى وحق الآدمي، كمن أكره امرأة فزني بها، فإنه يجلد ويؤخذ منه صداقها.
قوله: (واجتهدا، وإن روي فيه فبه) أي واجتهد الحكمان في الجزاء، وإن روي فيه عن السلف ما روي ولكن لا يخرجها باجتهادهما عن آثار السلف، الضمير في الموضعين عائد على الجزاء، أحدهما متعلق باجتهد والآخر بروى.
قوله: (وله أن ينتقل إلا أن يلتزم فتأويلان) أي فإن اجتهد الحكمان في الجزاء، أجبر الصائد بالجزاء عن مثله من النعم، أو الإطعام أو الصيام، فإن اختار أحد الثلاث حكما عليه به، وله بعد الحكم به أن ينتقل إلى غيره إلا أن يلتزم ما حكما به
стр. 574
عليه ففي جواز انتقاله عنه حينئذ وعدم جوازه تأويلان على المدونة.
قوله: (وإن اختلفا ابتدى، والأولى كونهما بمجلس، ونقض إن تبين الخطأ) أي وإن اختلف الحكمان في تقدير الجزاء ابتدأ النظر، أو نظر غير هما حتى يتفق عليه حكمان عدلان فقيهين بذلك، والمستحب كون العدلين في مجلس واحد، ليطلع كل واحد منهما على رأي صاحبه في وقت اجتهاده، فيكون ذلك أدعى لإصابته، وينقض حكمهما إن تبين الخطأ، كما لو حكما فيما فيه بدنة، أو بقرة بشاة أو بالعكس.
قوله: (وفي الجنين والبيض عشر دية الأم ولو تحرك، وديتها إن استهل) أي وفي إسقاط الجنين والبيض من كل بري عشر دية الأم، ولو تحرك الجنين في البطن، أو البيضة وفيه ديتهما أي دية الأم إن استهل صارخا، لأن في الصغير ما في الكبير.
قال فتح الجليل: إن استهل الجنين والفرخ وحملناه على هذا وإن قصره الشارحان على الجنين لوفائه بما في المدونة، ففيها وإن كسر محرم أو حلال بيض طير وحشي في الحرم وفيه فراخ أو لا أو خرج منه فرخ حيا يضطرب فمات قبل أن يستهل صارخا ففيه عشر دية أمه، وإن خرج حيا فاستهل ففيه الجزاء كاملا، كجزاء كبير ذلك الطير. انتهى منه (١).
وإن تبين موت ما في البيضة قبل أخذها فهدر لأن القيمة في البيض لما يرجى من تولد الفراخ منه. انتهى مغني النبيل.
قوله: (وغير الفدية والصيد مرتب هدي، وندب إبل فبقر) أي وغير فدية إماطة الأذى، وجزاء الصيد المتقدم ذكرهما مرتب، أي على الترتيب، فالمقدم هدي من الإنعام، ولا ينتقل إلى الصيام، إلا بالعجز عنه. الهدي ستكون الدال وكسرها معا، وندب أن يكون الهدي من الإبل، لأن المراد في الهدي كثرة اللحم، بخلاف الأضحية، لأن المراد منها طيب اللحم، فإن عجز عن هدي من إبل فبقر ثم ضأن ثم معز.
لو قال الشيخ: ثم ضأن ثم معز لاستوفى.
قوله: (ثم صيام ثلاثة أيام من إحرامه، وصام أيام منى) أي فإن عجز عن هدي الأنعام، فإنه يصوم ثلاثة أيام من زمن إحرامه إلى يوم النحر، فإن فاته الصوم، قبل
стр. 575
يوم النحر، صام أيام منى الثلاث، ويقال لها أيام التشريق، وأيام معدودات، وسميت أيام منى، لأن الناس يقيمون فيها بمنى، وأيام التشريق لأن الناس يشرقون فيها اللحم أي يشرحونه لئلا يخنز، وأيام معدودات لأن الناس يعدون فيها الجمرات.
قوله: (بنقص بحج إن تقدم على الوقوف) الباء في بنقص سببية وفي بحج بمعنى في متعلق بصام أي وصام أيام منى بسبب نقص في حج إن تقدم ذلك النقص على الوقوف بعرفة كهدي تمتع أو قران أو فساد أو فوات أو تعدى الميقات وأما إن تأخر النقص عن الوقوف كترك مزدلفة أو رمي أو حلق أو مبيت بمنى أو وطئ قبل الإفاضة أو الحلق فإنه يصوم بعد أيام منى متى شاء.
قوله: (وسبعة إذا رجع من منى) أي فإن صام ثلاثة أيام زمن إحرامه أو أيام منى فإنه يصوم سبعة أيام إذا رجع من منى إلى مكة أو غيرها تلك عشرة كاملة ولا يلزم تتابع شيء من تلك العشرة مطلقا.
قوله: (ولم تجز) بسكون الجيم من الإجزاء أي ولم تجز هذه السبعة (إن قدمت على وقوفه) بعرفة وإن صام الثلاثة قبلها.
قوله: (كصوم أيسر قبله، أو وجد مسلفا لمال ببلده، وندب الرجوع له بعد يومين) تشبيه أي كما لا يجزئ صوم أيسر بالهدي قبل الشروع فيه لأن الله تعالى إنما أباح الصوم لغير الواجد لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ [البقرة: ١٩٦]، وكذلك لا يجزيه الصوم إن وجد من يسلفه لأجل مال ببلده مفهومه إن لم يجد مسلفا فلا يتربص لأنه على الفور وعورضت بحانث في يمينه له مال ببلده، فإنه لا يصوم، وفرق بأن له سعة في تأخير الكفارة في اليمين، وهنا يخاطب بصوم الثلاثة في الحج لغير توسعة، وهل للمظاهر ذي المال الغائب انتظاره، أو ينتقل للصوم قولان لابن القاسم وأشهب. فتح الجليل (١).
وأما إن لم يكن له مال ببلده فلا يلزمه أن يستلف، وإن وجد من يسلفه، وإن شرع في الصوم ثم أيسر، فالهدي فلا رجوع عليه، أي إلى الهدي، وإن أيسر في أول يوم، ولكن ندب له الرجوع بعد صوم يوم أو يومين، فلا يندب له الرجوع في أكثر من ذلك، وأما إن أحرم بالصلاة ثم وجد الماء، فإنه لا يرجع إلى الطهارة المائية، الفرق بينهما أن الصلاة إذا قطعها دخل في النهي، لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾
стр. 576
[محمد: ٣٣]، وأما الصوم هنا غير مبطل. انتهى.
قوله: (ووقوفه به المواقف) أي وندب وقوفه بالهدي المواقف كلها عرفة والمزدلفة والمشعر الحرام.
قوله: (والنحر بمنى إن كان في حج، ووقف به هو أو نائبه، كهو بأيامها) أي ويجب نحر الهدي أو ذبحه في منى شروط ثلاث أن يكون في حج وأن يقف به هو أو نائبه في عرفة جزءا من ليلتها.
قوله: كهو مستغنى عنه، وقال بعضهم: كهو في النية وظاهر كلام المصنف أن منى كلها منحر وهو كذلك.
محمد: لا خلف العقبة والأفضل عند الجمرة الأولى والمشعر.
قوله: بأيامها بأن النحر لا يكون ليلا وظاهره أيضا أنه لا يشترط كونه بعد الإمام ولا قبل الشمس وهو كذلك بخلاف الأضحية لأن الإمام في العيد لما كان يصلي بهم توقفوا على ذبحه، وفي الحج لا عيد عليهم. فتح الجليل (١).
قوله: بأيامها أي فينحر الهدي في موضع من منى في أيامها وهي أيام التشريق.
قوله: (وإلا فمكة، وأجزأ إن أخرج لحل) أي وإن لم يكن الأمر كذلك، بل انخرم شرط من هذه الشروط فمحله مكة، وأجزأ نحر الهدي بمكة، إن أخرج قبل نحره لحل، مفهومه إن لم يخرجه لحل فلا يجزيه وهو كذلك، وهذا إذا اشتراه بحرم، وأما إن اشتراه في حل فليس عليه إخراجه ثانيا.
قوله: (كأن وقف به فضل مقلدا، ونحر) أي كما يجزيه إن وقف به فضل في حال كونه مقلدا أو نحر في منى أو في مكة فإنه يجزئ عنه نحر الغير وإن لم ينوها لأنه يتعين بالتقليد وأما إن لم ينحر فلا يجزئ.
قوله: (وفي العمرة بمكة بعد سعيها ثم حلق) أي وإن ساق هديا في العمرة فإنه ينحره بمكة بعد فراغه من سعيها ثم حلق رأسه أو قصر بعد النحر.
قوله: (وإن أردف لخوف فوات أو لحيض؛ أجزأ التطوع لقرانه) أي وإن أردف الحج على العمرة لأجل خوف فوات أو لأجل حيض أجزأ هدي التطوع لقرانه.
ابن غازي: وأشار بمسألة الحيض لقوله في المدونة: قال مالك في امرأة دخلت مكة بعمرة ومعها هدي فحاضت بعد دخولها مكة قبل أن تطوف فإنها لا تنحر
стр. 577
هديها حتى تطهر ثم تطوف وتسعى وتنحر وتقصر وإن كانت ممن يريد الحج وخافت الفوات ولم تستطع الطواف لحيضتها، أهلت بالحج، وساقت هديها وأوقفته بعرفة، ولا تنحره إلا بمنى وأجزأها لقرانها، وسبيلها سبيل من قرن (١).
الهدي التطوع هو كل هدي سيق لغير شيء وجب أو يجب في المستقبل.
ظاهر كلام الشيخ وإن قلده للعمرة لأن بعض أفعال تطوع الحج تجزي عن واجبه ولا يعلل بأن الهدي لا يجب بالتقليد والإشعار لأنه خالف المشهور. فتح الجليل (٢).
قوله: (كأن ساقه فيها، ثم حج من عامه، وتؤولت أيضا بما إذا سيق للتمتع) أي الهدي أي كما يجزئ إن ساق الهدي فيها أي في العمرة ثم حج من عامه ذلك وأخر نحر هديه لينحره يوم النحر ونحوه عن متعته وتأولت المدونة أيضا بما إذا ساق الهدي لأجل التمتع على الإجزاء.
قال صاحب فتح الجليل وهذا على خلاف غالب عادة المصنف في ذكر التأويلين، وإلا فكأن يقول وهل يجزئ إن ساقه فيها ثم يحج من عامه وإلا إذا سيق للتمتع تأويلان. انتهى منه (٣).
إذا ساق الهدي لمثل التمتع.
قوله: (والمندوب بمكة المروة) أي وطرق مكة وفجاجها كلها منحر، والمستحب منها المروة.
قوله: (وكره نحر غيره كالأضحية) أي وكره نحر غيره لهديه ظاهره رجلا كان أو امرأة كما كره في الأضحية بل يلي ذلك بنفسه.
قوله: (وإن مات متمتع فالهدي من رأس ماله: إن رمى العقبة) لحصول أكثر أفعال الحج مع حصول حد التحليل مفهومه إن مات قبل رمي جمرة العقبة فلا شيء عليه وهو كذلك.
قال صاحب فتح الجليل: انظر هذا مع ما تقدم من قوله ودم التمتع يجب بإحرام الحج، وربما تناقض مع ما هنا، وقد يقال: لا تناقض لأن الذي ذكره هنالك
стр. 578
هو وقت الوجوب وذكر هنا أن محل لزوم إخراج ذلك من رأس المال ما لم يمت قبل رمي جمرة العقبة. انتهى (١).
قوله: (وسن الجميع وعيبه كالضحية، والمعتبر حين وجوبه وتقليده) أي وسن جميع الهدايا وعيبه كالسن في الأضحية، والسلامة من العيب وما يجزئ فيه وما لا يستحب فيه، وقد بين ذلك في باب الضحايا، والمعتبر في ذلك السن، والسلامة من العيب وقت الوجوب والتقليد، والمراد بالوجوب إخراجه، وتعيينه مقلدا أملا ليكون هديا، والمراد بالتقليد إخراجه إلى مكة كهيئة التقليد أي التقليد، ليس التقليد المعروف ألا ترى أن الغنم يعمها هذا الحكم وهي لا تقلد والله أعلم أن هذا مراد الشيخ لأنه فسر به كلام ابن الحاجب في توضيحه.
قوله: (فلا يجزئ مقلد بعيب ولو سلم، بخلاف عكسه إن تطوع) الفاء سببية أي فبسبب ما قلنا فلا يجزئ مقلد بعيب وإن سلم أو بلغ السن قبل المحل بخلاف عكسه وهو تقليده سالما من العيب ثم حدث فيه فإنه لا يضره إذا كان ذلك الهدي هدي تطوع وأما إن كان واجبا فلا يجزئه إلا أن ينحره أو يذبحه وهو سالم من العيب لأنه في ذمة.
قوله: (وأرشه وثمنه في هدي إن بلغ، وإلا تصدق به) أي وأرش هدي التطوع إذ اطلع فيه على العيب بعد أن فات أو جنا على الهدي فأخذ أرشه من الجاني.
وكذلك ثمنه إن استحق فرجع بثمنه فإنه يجعل الأرش والثمن في هدي آخر إن بلغ ثمنه وإلا أي وإن لم يبلغ ثمن هدي تصدق به.
قوله: (وفي الفرض يستعين به في غير) أي وإذا كان الهدي واجبا فإنه يستعين بالإرش أو الثمن في هدي غيره ولا يتصدق به.
قال صاحب فتح الجليل: وهذا إذا كان العيب لا يمنع الإجزاء فأما لو منعه لكان عليه بدله، ويستعين بما يرجع به على البائع في ثمن بدله، وإنما لزمه بدله لاشتغال ذمته به ولم تحصل براءته بالمعيب فتعين عليه بدله. انتهى (٢).
قوله: (وسن إشعار سنمها) السنم جمع سنام أي وسن إشعار سنمها ﴿من الأيسر للرقبة﴾ أي من المؤخر إلى الرقبة وقيل إن هذا خلاف المشهور والمشهور من
стр. 579
الرقبة إلى المؤخر.
ابن عرفة: الإشعار شق يسيل دما. انتهى.
الإشعار الإعلام أي يجعل على البدنة علامة يدرى بها أنها من الهدي ويقال: ما شعرت بكذا أي ما علمت، وشعار الحج علامته.
قال الكرماني: الإشعار الإعلام وهو أن يضرب بحديدة صفحة سنامها الأيمن حتى تتلطخ بالدم وهو سنة ولا ينظر إلى ما فيه من الإيلام لأنه لا يمنع إلا ما منعه الشرع ومن فوائدها أنها إذا اختلطت بغيرها تميزت وإذا ضلت عرفت وأن السارق ربما ارتدع فتركها وأنها قد تعطب فتنحر فإذا رآ المساكين عليها العلامة أكلوها وأن المساكين يبتعونها أي إلى المنحر لينالوا منها وأن فيها تعظيم شعائر الشرع. انتهى (١) منه.
وقيل: كان الإشعار والتقليد من عادة الجاهلية ليعلم أنه خرج عن ملكه ولا
يتعرض له فلما جاء الإسلام رد إعراضهم في ذلك معنا صحيحا.
قوله: (مسميا) أي في حال كونه عند الإشعار مسميا والخطام في يده اليسرى فيقول: بسم الله والله أكبر.
قوله: (وتقليد، وندب نعلان بنبات الأرض) أي وسن تقليد هدي وندب أن يكون التقليد بنعلين والواحد كاف معلقة بحبل من نبات الأرض لا بالجلد ولا بالأوتار.
وقال بعضهم: وخص النعلان لدلالة السفر بهما إلى محل الهدي.
قوله: (وتجليلها وشقها إن لم ترتفع) أي وسن تجليل البدن في الهدايا الجلال جمع جل بعضم الجيم وندب شق الجلال على الأسنمة إن لم ترتفع قيمة الجلال حتى يكون شقها إضاعة للمال المنهي عنه ويحتمل ما قاله الشارحان.
قوله: (وقلدت البقر فقط؛ إلا بأسنمة لا الغنم) أي وتقلد البقرة فقط أي ولا تشعر ولا تجلل إلا بأسنمة فتشعر وتجلل كالإبل وأما الغنم فلا تشعر ولا تقلد.
قوله: (ولم يؤكل من نذر مساكين عين مطلقا) شروع منه تعلله حيث يجوز له الأكل وما لا، أي ولم يأكل الناذر من نذر مساكين عين لهم هذا الهدي بالنذر مطلقا أي سواء بلغ محله ظاهره عين المساكين أم لا.
قوله: (عكس الجميع فله إطعام الغني والقريب، وكره لذمي) أي وهذا عكس جميع
стр. 580
الهدايا فإنه يأكل منها إلا ما يستثنى وحيث يجوز له الأكل فله إطعام الغني والقريب وأحرى الفقير قال تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ [الحج: ٣٦] حيث لا يجوز له الأكل فليس له ذلك، وكره له إطعام ذمي في هدي لأن الهدي قربة والكافر ليس من أهل القربة.
قوله: (إلا ندرا لم يعين، والفدية والجزاء بعد المحل)، شروع منه تعمله حيث لا يجوز له الأكل، مستثنى من قوله: عكس الجميع أي فإنه يأكل في الجميع إلا في نذر لم يعين وفدية الأذى وجزاء الصيد بعد المحل وأما قبل محلها فإنه يأكل منها لأن ذلك مضمون في ذمته حتى يؤديه.
قوله: (وهدي تطوع إن عطب قبل معله) أي وكذلك لا يأكل في هدي تطوع إن عطب قبل محله لأنه يتهم وأما بعد محله فإنه يأكل منه إذ لا تهمة.
قوله: (فتلقى قلادته بدمه) أي وحيث لا يجوز له الأكل تلقى قلائده في دمه (ويخلى للناس) ملقا جلاله وخطامه عنده ولو دفع بدنة إلى المساكين بعد بلوغه محله، وأمرهم بنحره، ورجع إلى بلده، فاستحوه، فعليه بدله، كان واجبا أو تطوعا. وإنما يجزئ أن يدفعه إليهم بعد أن ينحره. انتهى من الجواهر (١).
قوله: (كرسوله) أي وحيث يجوز له الأكل جاز لرسوله وما لا يجوز له فلا يجوز له، أي فلا يحق للرسول الأكل منه.
قوله: (وضمن في غير الرسول بأمره بأخذ شيء، كأكله) أي وضمن رب الهدي في غير مسألة الرسول بدل الهدي بسبب أمره بأخذ شيء من الهدي الممنوع الأكل فيه كما يضمن إذا أكل من ممنوع منه أكله.
قوله: (من ممنوع) راجع إليهما وأما ما أكله الرسول أو أمر بأكله أو أخذه فلا يضمنه لأنه أجنبي.
وقوله: (بدله) معمول ضمن أي وضمن بدله.
قوله: (وهل إلا ندر مساكين عين فقدر أكله؟ خلاف) أي وهل يضمن مطلقا أو يضمن إلا نذر المساكين غين فلا يضمن إلا قدر أكله فيه إن عرف وإلا فقيمته فيه قولان مشهوران.
قوله: (والخطام والجلال كاللحم) أي وخطام الهدي وجلاله كلحمه فيما يجوز له
стр. 581
فيه ومالا.
قوله: (وإن سرق بعد ذبحه أجزأ، لا قبله) أي وإن سرق الهدي الواجب بعد ذبحه أو نحره أجزأه.
وقوله: أجزأ يشعر أنه الهدي الواجب بعد ذبحه أو نحره أجزأه، ولا يجزئ إن سرق قبل الذبح، بل عليه عوضه إن كان واجبا دون هدي تطوع.
قوله: (وحمل الولد على غير، ثم عليها وإلا فإن لم يمكن تركه ليشتد، فكالتطوع، ولا يشرب من اللبن وإن فضل، وغرم) أي وحمل الولد الهدي إن وضعته على غير الأم وإن لم يوجد غيرها حمل عليها وإن لم يمكن حمله عليها ترك ليشتد أي ليتقوى على المشي فإن لم يمكن تركه فحكمه حكم هدي التطوع إن عطب قبل محله لأنه ليس بمضمون وإن ضمنت أمه وقد تقدم حكمه ولا يشرب رب الهدي من لبنها وإن فضل عن الولد فإن تعدى وشربه غرم (إن أضر بشربه الأم أو الولد موجب فعله).
قوله: (وندب عدم ركوبها بلا عذر، ولا يلزم النزول بعد الراحة) أي وندب عدم ركوب الهدي بلا عذر فإن ركب بسبب العذر فلا يلزمه النزول بعد الراحة وإن نزل لنوم ونحوه فلا يركب إلا لعذر ولأنه شيء خرج من عند الله فلا يرجع فيه ولو أبيح لغير ضرورة أبيح استبحاره ولا يجوز باتفاق، وزاد اللخمي ولا يحمل عليها زاده ولا ما ينتفع بها (١) ولم يذكر في ذلك خلافا.
وفي الجلاب: إن اضطر لحمل متاعه حمله حتى يجد غيرها.
عياض: وعلل جواز ركوبه لتظهر مخالفة الجاهلية في تحرجهم من الانتفاع بالبحيرة وأخواتها. إكمال الإكمال (٢).
قوله: (ونحرها قائمة أو معقولة) أي وندب نحر الهدايا قائمة على قوائمها الأربع صافا يديها بالقيد أو معقولة بيدها اليسرى فتبقى على ثلاثة.
قوله: (وأجزأ إن ذبح) عنه (غيره مقلدا، ولو نوى عن نفسه إن غلط) أي وأجزأه الهدي إن ذبح عنه غيره ذلك الهدي إن كان الهدي مقلدا ولو نوى به نفسه إن كان غالطا به وأما إن نوى عن نفسه تعديا فلا يجزئه إذ الغالط قصد بفعله القربة على الجملة وأما المتعدي فغير قاصد للقربة أصلا.
стр. 582
قوله: (ولا يشترك في هدي) أي ولا يشركه في هدي واجب اتفاقا ولا في هدي تطوع على المشهور.
قوله: (وإن وجد بعد نحر بدله نحر إن قلد، وقبل نحره نحرا معا إن قلدا وإلا بيع واحد) أي فإن ضل هدي أو سرق أو غصب فوجد بعد نحر بدله نحر إن قلد وإن وجد قبل نحر بدله نحرا إن قلد، وإلا أي وإن لم يقلد أو قلد الأول أو الثاني بيع واحد ويفعل به ما شاء.
فصل [في موانع الحج والعمرة بعد الإحرام]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه أحكام من حصر عن الحج، أو العمرة، بعد أن أحرم بأحدهما أو هما معا.
قوله: (وإن منعه عدو، أو فتنة أو حبس لا بحق بحج أو عمرة، فله التحلل: إن لم يعلم به وأيس من زواله قبل فوته، ولادم) أي وإن منع محرم بحج، أو عمرة أو بهما، عدو مسلم أو كافر أو فتنة بين المسلمين، أو منعه حبس في ظلم لا حبس بحق، سواء حصل في الحبس، أو لم يحصل منه، ولكن خافه، فله التحلل، وله الإبقاء على إحرامه، إنما يكون له التحلل بشرطين:
أحدهما إن لم يعلم بالمنع، بأن طرأ بعد إحرامه، أو ظن ألا يمنع، كما فعل النبي ﷺ حين صد عن البيت، لأنه يظن أن لا يصدوه.
الشرط الثاني إن يئس من زوال المنع بعلم، أو غلبة ظن، قبل فوات الحج، ولا دم عليه بسبب هذا التحلل، أو بقي على إحرامه.
قوله: بنحر هديه وحلقه، ولا دم إن أخره، ولا يلزمه طريق مخوف أي فله التحلل بنحر هديه إن كان معه هدي وحلقه أو تقصيره حيث كان ولا دم عليه إن أخر الحلق إلى بلده لأن محل حصره لا حق له فيه ولا يلزمه سلوك طريقة مخيفة على نفس أو مال وأما البعيدة فتلزمه إلا لكبير مشقة.
قوله: (وكره إبقاء إحرامه إن قارب مكة أو دخلها، ولا يتحلل إن دخل وقته) أي وكره لمن جاز له التحلل إبقاؤه على إحرامه إن قارب مكة أو دخلها خيفة ارتكاب المحظورات، ابن غازي: إنما زاد بعده أو دخلها وإن كان أحرى لئلا يتوهم تحريم
стр. 583
إبقاءه إن دخل (١).
فإن بقى على إحرامه حتى دخل مكة في وقت الحج، فإنه لا يتحلل من إحرامه. قوله: (وإلا فثالثها يمضي وهو متمتع) أي وإن لم يفعل ما أمر به، بل تحلل، ففي إمضاء تحلله ثلاثة أقوال كلها لابن القاسم في المدونة، ولم يختلف قوله فيها في مسألة واحدة، إلا في هذه المسألة، قال مرة: يمضي تحلله، لأن الدوام ليس كالإنشاء.
وقال مرة: لا يمضي لأن الدوام كالإنشاء.
وثالث الأقوال فرق فقال: يمضي وهو تمتع.
قوله: (ولا يسقط عنه الفرض) لو وصل هذا بقوله: فله التحلل أي فإن أحصر عن الحج بما ذكر فتحلل فإنه لا يسقط عنه الفرض به، وقيل يسقط عنه.
قوله: (ولم يفسد بوطء، إن لم ينو البقاء) أي ولم يفسد حج من حصر عن إتمامه بوطء بعد أن جاز له التحلل من إحرامه إن لم ينو البقاء عليه بأن نوى التحلل أو لم ينو شيئا وأما إن نوى البقاء على إحرامه فإن وطأه يفسده.
قوله: (وإن وقف وحصر عن البيت فحجه تم، ولا يحل إلا بالإفاضة، وعليه للربي ومبيت منى ومزدلفة هدي، كنسيان الجميع، وإن حصر عن الإفاضة، أو فاته الوقوف بغير: كمرض أو خطا عدد، أو حبس بحق لم يحل إلا بفعل عمرة بلا إحرام، ولا يكفي قدومه، وحبس هديه معه إن لم يخف عليه، ولم يجزه عن فوات وخرج للحل إن أحرم بحرم، أو أردف، وأخر دم الفوات للقضاء، وأجزأ إن قدم) أي وإن وقف بعرفة وحصر عن البيت ولم يستطع طواف الإفاضة فحجه تام لأن معظم الحج عرفة ولكن لا يحل حينئذ من نساء وصيد وإن أقام سنين ويكون عليه الرمي ومبيت منى ومزدلفة هدي واحد كما أن عليه هدي واحد في نسيان الجميع من المبيت في المزدلفة ومن منى ورمي الجمرات كلها.
قوله: وإن حصر عن الإفاضة صوابه وإن حصر عن الوقوف بعرفة كذا في التوضيح تقدم أنه حصر عن جميع المناسك كلها إلا الوقوف.
قوله: وإن حصر عن الإفاضة.
قال صاحب فتح الجليل: سماه إفاضة لقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفت﴾
стр. 584
[البقرة: ١٩٨] وهو موافق لما في توضيحه ومناسكه. وكان بعض شيوخ شيوخنا وهو الشيخ الطاهر (١) يقرره كذلك، ومثله للأفقهسي (٢).
وأما ما قرره الشارحان من أن المراد طواف الإفاضة فيناقض كلامه مع ما تقدم له حصر عن الوقوف بعرفة كما في التوضيح، تقدم أنه حصر عن جميع المناسك كلها.
قوله: وعن البيت أي وإن حصر عن الوقوف بالبيت وعن الوقوف بعرفة أو فاته الوقوف بغير الأشياء السابقة من حصر عدو أو فتنة كما إذا فاته الحج بمرض أو خطا عدد فوقفوا في ثامنة من ذي الحجة أو حادي عشر أو فاته الحج بسبب حبس في حق لم يحل أي لم يخرج من إحرامه إلا بفعل عمرة من طواف وسعى فلا إحرام أي بلا تجديد إحرام لأنه محرم ولا يكفيه طواف القدوم لأنه لم ينو به التحلل فلا بد من طواف وسعي.
وحبس المريض هديه، إن كان معه هدي، إلى أن يصح فيمشي به إلى محله، إن لم يخف عليه، وإن خاف عليه، فإنه يرسله إلى محله، ولم يجزه هذا الهدي عن هدي الفوات.
وفي إكمال الإكمال: قلت: موانع إتمام الحج والعمرة بعد الإحرام بأحدهما، خمسة: حصر العدو، وفتن الإسلام، وحصر المرض، وحبس السلطان في حق أو ظلم، ومنع السيد عبده، ومنع الزوج الزوجة زاد ابن شاس: ومنع الأبوين (٣).
فحصر العدو والفتن يبيح التحلل حيث كان، فيلحق ويرجع إلى بلده، وإن أخر الحلق إلى بلده فلا هدي عليه، وله أن يبقى على إحرامه إلى قابل، وحصر المرض. وفي معناه: فوات الوقوف بخطا في العدد، أو خفاء الهلال أو فوت الرفقة، أو
стр. 585
الذهاب على الطريق ونحو ذلك لا يحل صاحبه إلا بالبيت إذا صح ولو أقام سنين، فإذا وصله تحلل من حجه بأفعال العمرة، فيطوف ويسعى ويحلق.
وقلنا بأفعال عمرة، لأنا لو قلنا بعمرة لزم أن يحرم بها من الحل، إذ لا بد فيها من الجمع بين الحل والحرم، وهو في تحلله إنما بنى على إحرامه السابق.
والعمرة لابد لها من إحرام يخصها، وله أن يبقى على إحرامه إلى قابل، ويجزيه ولا دم عليه، والمستحب أن يتحلل.
وهذا التخيير في التحلل إنما هو إذا صح قبل أشهر الحج، فإن صح فيها لم يتحلل لأن استدامة الإحرام في أشهر الحج كإنشائه فيها، ومن أنشأ الإحرام في أشهر الحج الإحرام لم يتحلل منه.
وإذا كان المحصر بمضر فلا يحله إلا الوصول إلى البيت، فهل لمن أراد الإحرام بأحد النسكين أن يشترط في إحرامه أنه إن مرض تحلل وينفعه شرطه؟.
عياض: فمالك وأبو حنيفة لا يريانه نافعا.
وأجاز له أن يشترط عمر وعلي وابن مسعود وأحمد وجماعة. وللشافعي في ذلك قولان. انتهى من إكمال الإكمال (١).
قال بعض العلماء: إنما التزم رسول الله ﷺ في صلح الحديبية إدخال الضيم على المسلمين دفعا لمفاسد عظيمة وهي قتل المؤمنين والمؤمنات الحالين بمكة فاقتضت المصلحة على أن ينعقد الصلح على أن يرد إلى الكفار من جاء منهم إليه لأنه أهون من قتل المؤمنين مع أن الله تعالى أعلم أن في تأخير القتال مصلحة عظيمة وهي إسلام جماعة منهم ولذا قال تعالى: ﴿ليدخل الله في رحمته من يشاء﴾ [الفتح: ٢٥] وكذلك قال: ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾ [الفتح: ٢٥] أي لو تميز الكافرون عن المؤمنين. انتهى من الذخيرة (٢).
قوله: وخرج للحل إن احرم أولا في حرم أو أردف بحرم لفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر أي فليخرج من فاته الحج بحصر أو مرض أو نحوه فأراد أن يحل منه بعمرة إلى الحل إن أحرم أولا في حرم أو أردف الحج على العمرة في حرم ليجمع بين الحل والحرم لأن كل محرم بالنسكين لا بد له من الجمع بين الحل
стр. 586
والحرم فيلبي من الحل ثم يعمل عمل العمرة وعمل العمرة كله في الحرم، فلابد أن يخرج إلى الحل. وأما الحج فمن عمله الوقوف بعرفة وعرفة في الحل، فإن أحرم بالعمرة من مكة ولم يخرج إلى الحل؟ قال مالك والشافعي في أحد قوليه: لا يجزيه ويخرج إلى الحل ثم يعيد عمل العمرة، فقال عطاء: لا شيء عليه، وقال أهل الرأي والشافعي في أحد قوليه: عليه دم لترك الميقات. إكمال الإكمال (١).
ولكن يؤخر هدي الفوات إلى زمن القضاء ليجمع الجائز النسكي والجائز المالي فإن قدمه أجزأه لأنه بعد الوجوب.
قوله: (وإن أفسد ثم فات أو بالعكس، وإن بعمرة التحلل تحلل وقضاه دونها، وعليه هديان. لا دم قران ومتعة للفائت)، أي وإن أحرم بحج فأفسده بوطء ونحوه ثم فاته ذلك الحج، أو أحرم به وفاته ثم أفسده، وهو المراد بالعكس، وإن كان الفاسد في الصورتين في عمرة التحلل تحلل من إحرامه بما كان يتحلل به، لو لم يفسد، وقضى الحج لأنه هو المقصود، ولا يقضي العمرة لأنها ليست مقصودة بنفسها، وعليه في ذلك هديان، هدي الفوات، وهدي الفساد، وكذلك عليه هدي القرآن، وهدي التمتع في الثاني لأن عليه هدي قران أو تمتع للفائت.
قوله: (ولا يفيد - لمرض أو غيره - نية التحلل بحصوله)، أي فإن نوى عند إحرامه أنه متى عرض له عذر من مرض أو غيره، فإنه يتحلل من إحرامه، لم تفده تلك النية، وإن حصل العذر، لأن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل.
وفي إكمال الإكمال وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأجاز له عمر أن يشترط وعلى وابن مسعود وأحمد وجماعة وللشافعي في ذلك قولان. انتهى (٢).
قوله: (ولا يجوز دفع مال لحاصر إن كفر، وفي جواز القتال مطلقا تردد) أي ولا يجوز لمن حصر عن مكة في حج أو عمرة دفع مال لحاضر إن كان كافرا لما فيه من المذلة ولا يجوز لمسلم أن يذل نفسه مفهومه إن كان الحاصر مسلما، فإنه يجوز، والمفهوم صحيح.
ابن عرفة: الأظهر جواز إعطائه، وإن كان كافرا لأن هذا الرجوع أشد من إعطائه، وفي جواز قتال الحاصر مطلقا مسلما كان أو كافرا في مكة أو حرم وعدم
стр. 587
جوازه تردد في الفهم، والتردد فيما إذا لم يبدأه الحاصر بالقتال، وأما إن أبدأه فلا خلاف في جواز قتله، لأن قتاله جهاد.
قوله: (وللولي منع سفيه، كزوج في تطوع، وإن لم يأذن فله التحلل، وعليها القضاء كعبد، وأثم من لم يقبل، وله مباشرتها)، أي وللولي منع سفيه من إحرام بحج وإن في فرض الولي الأب، أو وصيه، أو الحاكم، أو مقدمه، قال: ولا يحج بإذن وليه.
قوله: كزوج في تطوع، تشبيه لإفادة الحكم، أي: كما أن للزوج منع زوجته من تطوع بالحج لا في فرض، فإن لم يأذن ولي سفيه بإحرام، أو الزوج فله التحلل، وله الإبقاء، فإن تحللها الزوج فعليها القضاء إن أذن لها بعد ذلك أو مات عنها أو طلقها.
قوله: كعبد تشبيه لإفادة الحكم، أي كما أن للسيد منع عبده من الإحرام، فإن أحرم بغير إذنه فله التحلل وعليه القضاء إن عتق يوما، أو أذن له سيده، وأثم من هؤلاء السفيه والمرأة والعبد إن لم يقبل امتثال ما أمر به من عدم الإحرام أو التحلل منه، فإن أبت الزوجة من التحلل فللزوج مباشرتها لأنها متعدية وتختص بالإثم.
قوله: (كفريضة قبل الميقات، وإلا فلا إن دخل) تشبيه، أي: كما للزوج تحليلها، ومباشرتها إن أحرمت بفريضة قبل الميقات الزماني والمكاني لتعديها، وقيده اللخمي بما إذا خرج معها، وأما إن خرجت دونه أو خرج وأحرم معها، فليس له تحليلها، ولا مباشرتها، ونبه بقوله: قبل الميقات، أنها إذا أحرمت بعد الميقات أنه ليس له تحليلها.
قوله: وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك، بل أذن للسفيه، أو الزوجة، أو العبد، فليس له التحليل إن دخل فيما أذن له فيه، مفهومه إن لم يدخل فله التحليل، والمفهوم صحيح.
قوله: (وللمشتري - إن لم يعلم - رده لا تحليله)، أي وإن باع سيد عبدا محرما بإذنه قبل تحليله وللمشتري رده إن لم يعلم بإحرامه لأنه عيب إن لم يقرب إحلاله، بل أحرم به، وأما إن قرب فليس له رده فليس له تحليله منه، وإن أحرم بغير إذن سيده.
قوله: (وإن أذن فأفسده لم يلزمه إذن للقضاء على الأصح)، أي وإن أذن سيد ونحوه، أو زوج، فأحرم المأذون، ثم أفسد ما أحرم به ولم يلزم الإذن أيضا أذن للقضاء على
стр. 588
القول الأصح، وقيل: يلزمه.
قوله: (وما لزمه عن خطر أو ضرورة، فإن أذن له السيد في الإخراج، وإلا صام بلا منع، وإن تعمد فله منعه، إن أضر به في عمله)، أي فإن أذن لعبده في الإحرام فما لزم العبد من هدي أو جزاء صيد قتله خطأ أو فدية عن إماطة الأذى، فإن أذن له السيد في الإخراج في المال أخرج ذلك منه، وإلا، أي وإن لم يأذن له في الإخراج صام فليس للسيد منعه من الصوم، وإن تعمد العبد فعل ما يوجب ذلك فللسيد منعه من الصوم إن أضر به في عمله، مفهومه إن لم يضر به فلا منع، والمفهوم صحيح.
قال ابن شاس: اعلم أن جميع أفعال الحج تنقسم إلى ثلاثة أقسام: واجبات أركان، وواجبات ليست بأركان، ومسنونات مستحبات ليست بأركان ولا واجبات.
القسم الأول: واجبات هي أركان كالإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي.
وزاد عبد الملك بن الماجشون: جمرة العقبة.
ومعنى قولنا أركان: أنه لا يجزئ منها إلا الإتيان بها، ولا جبران لها من دم ولا غيره.
القسم الثاني: واجبات ليست بأركان. وهذه تجبر بالدم، وهي كتركه التلبية جميعها، وترك طواف القدوم لغير المراهق، وتجاوز الميقات لمريد الإحرام إذا أحرم بعد تجازوه، وترك الجمار كلها، أو ترك بعضها، أو ترك حصاة منها، وترك النزول بمزدلفة.
وإن أخر ركعتي طواف القدوم، أو الإفاضة حتى رجع إلى بلده، ركعهما، وبعث بهدي. وإن أخر ركعتي طواف القدوم، وذكر ذلك بمكة أو قريبا منها بعد فراغه من حجه، رجع فطاف وسعى وعليه دم. وإن ترك المبيت بمنى لياليها أو ليلة منها، فعليه الدم.
وإن ترك الوقوف مع الإمام متعمدا حتى دفع الإمام. ثم وقف بعده ليلا قبل طلوع الفجر، أساء وعليه الدم، وحجه مجزئ عنه.
وإن رجع من عرفات فأصابه أمر احتبس له: مرض أو غيره، فلم يصل مزدلفة حتى فاته الوقوف بها، فعليه الدم.
وإن ترك الحلاق حتى رجع إلى بلده، حلق وعليه الدم. وحجه مجزئ عنه.
стр. 589
ومن أنشأ الحج من مكة، فطاف وسعى قبل خروجه إلى عرفة، ثم لم يسع بعد إفاضته من عرفة حتى رجع لبلده فعليه الدم.
القسم الثالث: مسنونات ومستحبات.
وهذا القسم لا يأثم بتركه، ولا يجب فيه الدم. وهو مثل الغسل للإحرام، أو لدخول مكة، وترك الرمل في الطواف أو بطن المسيل بين الصفا والمروة، واستلام الركن، وترك الصلاة قبل الوقوف بعرفة، أو ترك الحلاق بمنى يوم النحر، وحلق بمكة، أو في الحل أيام منى، أو ترك طواف الوداع، أو ترك مبيت منى ليلة عرفة، أو المبيت بمزدلفة، ثم الدفع منها، أو ترك الوقوف مع الإمام بها، أو ترك القيام عند الجمرتين للدعاء. انتهى (١).
وفي إكمال الإكمال: الطرطوشي: يجب في نحو الأربعين خصلة، والدليل لما ذكر الاستقراء، وما أظنها إذا استقرئت تبلغ الثلاثين. انتهى (٢).
رحم الله كاتبه وقارئه
стр. 590
باب الذكاة
قوله: (باب) أي هذا باب يبين فيه مسائل الذكاة. الذكاة لغة: التمام، يقال رجل ذكي أي تام العقل وهي في الشرع ثلاثة أنواع: الذبح والنحر والجرح أو رابعة هي ما يموت به من قطع جناح أو غيره.
وحكمة مشروعيتها: إزهاق النفس بسرعة واستخراج الفضلات المحرمة من الأجساد الحلال بأسهل الطرق على الحيوان فمن لاحظ عدم الفضلات مما ليس له نفس وجعلها أصلا وإراحة الحيوان تبعا أجاز ميتته ومن لاحظ شرعية زهوق الروح وجعله أصلا في نفسه لم يجزها. الذخيرة (١).
وفي التوضيح: ولما قضى الله تعالي على خلقه بالفناء وشرف بني آدم بالعقل أباح لهم أكل الحيوان قوتا لأجسادهم وتصفية لمرآة قلوبهم وليستدلوا بطيب لحمها علي كمال قدرة الله تعالى ولينتبهوا على أن للمولي بهم عنايته إذ آثرهم بالحياة على غيرهم. والذبح في اللغة: الشق وفي الشرع شق خاص (٢).
قوله: (الذكاة قطع مميز) أي الذكاة في الذبح هي قطع مميز فيخرج المجنون والسكران والصبي غير المميز (يناكح) أي ينكح نساءه شرعا ككتابي ذميا كان أو حربيا، وأخرج المجوسي والمرتد، ولا فرق في المرتد بين أن يرتد إلى أهل الكتاب أم لا.
قوله: (تمام الحلقوم والودجين) أي قطع مميز يناكح تمام الحلقوم والودجين، والحلقوم مجرى النفس، والودجان عرقان في صفحتي العنق، ولا يشترط قطع المري، وهو عرق أحمر تحت الحلقوم، وهو مجرى الطعام والشراب.
عياض: المري بفتح الميم وكسر الراء. انتهى.
وقد كان الناس يتبعون للذكاة أهل الفضل والإصابة والمعرفة، وإن كانت تصح من كل مسلم أو كتابي مميز.
قوله: (من المقدم) أي إنما يكون من مقدم العنق لا من قفاه ولا من جانبيه لأن
стр. 591
ذلك ينفذ مقاتله قبل قطع الحلقوم والودجين وإن ردت الغلصمة إلى البدن فلا تؤكل، وقيل: تؤكل (١).
ويقال: المقلصمة والقلصمة بالقاف ويقال لها الجوزة وهي اللحمة التي في آخر الحلقوم مما يلي الرأس، ويجتمع فيها الحلقوم والودجين والمريء (٢).
قوله: (بلا رفع قبل التمام) أي ويكون ذلك بلا رفع يده حال الذبح قبل تمامه يعني اختيارا، وأما اضطرارا كسقوط سكين واضطراب الذبيح فلا يضر بلا رفع.
قال المواق في التاج والإكليل: ابن يونس عن ابن عبد الرحمن: إن رفع يده ثم أعادها فإن كان حين رفع يده لو تركت الذبيحة لعاشت فإنها تؤكل، وكأنه الآن ابتدأ ذكاتها، وإن كان حين رفع يده لو تركها لم تعش، إذ قد أنفذ المقاتل فلا تؤكل وتصير مثل المتردية وأكيلة السبع (٣)، وفي المسألة خمسة أقوال.
قال سيدي ابن سراج ﵀: والذي يترجح قول ابن حبيب إن رجع في فور الذبح وأجهز صحت الذكاة كمن سلم ساهيا، ورجع بالقرب وأصلح.
ابن أبي يحي: وهذا مع الاختيار، وأما إذا وقعت السكين من يده أو كانت لا تقطع فأتى بالقرب بأخرى فلا يضره ولا فرق بين إبقاء السكين على المذبح إذا لم يمرها وبين رفعها لأن المراعى الذبح لا إبقاء السكين.
قال سيدي ابن سراج ﵀: وكذا نقل ابن علاق.
وكذلك لو تعايا يد رجل فوضع رجل يده علي يده فذبحها أو رفع الأول يده لا فرق أنظر هل يحتاج الثاني إلى التسمية والنية؟ أم لا.
قال التونسي: أنظر لو غلبته قبل تمام الذكاة فقامت ثم أضجعها وأتم الذكاة وكان أمرا قريبا.
ابن عرفة قال: قال أبو حفص ابن العطار (٤): تؤكل ونزلت في أيام قضاء ابن قداح في ثور وحكم بأكله وبيان بائعه ذلك وكان مسافة هروبه نحوا من ثلاث مائة
стр. 592
باع. انتهي (١).
قوله: (وفي النحر طعن بلبة) أي وصفة الذكاة في النحر هي طعن بلبة الإبل واللبة واللبب حفرة في الصدر في أصل العنق.
ابن رشد: ولا يشترط فيه قطع شيء من حلقوم ولا ودج، لأن محله اللبة وهو محل تصل منه الآلة إلي القلب فيموت بسرعة. انتهي (٢).
وقوله: (وشهر أيضا الاكتفاء بنصف الحلقوم، والودجين) أي والودجين جميعا لا نصفهما لا كما قال الشارح (٣) الله.
قوله: (وإن سامريا) أي وإن كان المميز سامريا لأن السامرية صنف من اليهود لا يؤمنون بالبعث (أو) كان (مجوسيا تنص) لأنه صار نصرانيا فتصح ذكاة الكافر المذكور إن أتم الصفة المذكورة (وذبح) الذبيحة (لنفسه) وهي (مستحله وإن) كان (أكل الميتة) بشرط (إن لم يغب) عليه وقت الذبح وأما إن ذبحها لمسلم فسيأتي - إنشاء الله - وأما إن ذبح لنفسه ما لا يستحله فلا تؤكل.
قوله: (لا صبي ارتد) أي لا تؤكل ذبيحة صبي ارتد إذ لا تجوز ذبيحة المرتد ولا صيده، جعل ارتداد الصبي هنا ارتدادا.
وقوله: (وذبح لصنم، أو غير حل) أي لا يؤكل ما ذبح لصنم ولا ما ذبح من غير حل (له إن تبت) تحريمه عليه (بشرعنا) كذي الظفر من الإبل والنعام والإوز والدجاج لأنه دخل علي فساد.
وفي الذخيرة قال بعض العلماء: قد يحرم الله تعالى ما لا مفسدة فيه عقوبة وحرمانا أو تعبدا. فالأول كتحريم ذي الظفر والشحوم على اليهود عقوبة لهم ولو كان لمفسدته لما حل لنا مع أنا أكرم على الله منهم ونص الله تعالى على ذلك بقوله
стр. 593
تعالى: ﴿ذلك جزينهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾ [الأنعام: ١٤٦] وبقوله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ [النساء: ١٦٠] وتحريم التعبد كتحريم الصيد في الإحرام والدهن والطيب واللباس فإنها لا تحرم لصفتها بل لأمر خارج كمال الفقير الغير. انتهي (١).
قوله: (وإلا كره) أي وإن لم يثبت ما حرم الله عليهم في شرعنا بل بإخباره فأطلع على ما يحرمه عليه بعد ذبحه فإنه يكره لنا أكله وليس بحرام لأنه دخل على صلاح، وكان مالك يقول أولا بالجواز ثم ثبت على الكراهة ثم عرض له عارض كالطريقة.
قوله: (كجزارته) أي كما يكره جزارته وبيعه في الأسواق ويحتمل (وبيع، وإجارة) مركوب (لعيده) ونحوه من شعائر كفره (و) كذلك يكره (شراء ذبحه، و) كذلك يكره لمسلم (تسلف ثمن خمر، وبيع) سلعته (به) و (لا) يكره له (أخذه) ثمن الخمر (قضاء) من دينه منه إذ لا مندوحة (و) كذلك كره لمسلم شراء (شحم يهودي إن حرم عليه كالترائب لا الحوايا منه الترائب عظام الصدر أو ما يلي الترقوتين أو ما بين الثديين.
قوله: والترقوتين والحوية كغنية استدارت كل شيء كالتحوي وما تحوى من الأمعاء.
وفي إكمال الإكمال: أفتى أهل بخارى فيمن ذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله.
وقال الرافعي (٢): إنما يذبحونه استبشارا كالعقيقة وهذا لا يوجب تحريما.
القرطبي: ومن الذبح لغير الله تعالى الذبح عبثا أو تجريبا للآلة لا للهو وجميع ذلك يتناوله اللعن ولا تؤكل تالك الذبيحة لأنها لم يقصد بها الإباحة الشرعية وهي شرط في الحلية. انتهى (٣).
стр. 594
قوله: (وذبح لصليب أو عيسى) أي مما يكره أكل ذبيحة لعيد صليب أو لعيد عسى قال سحنون وابن لبابة: هو حرام لأنه مما أهل لغير الله (و) كذلك يكره (قبول متصدق به) من كافر عن ميت أو غيره.
وسئل مالك تحمله عن الطعام يتصدق به النصراني عن موتاه أيكره لمسلم قبوله قال: نعم لأنه تعظيم له.
وقوله: (لذلك) أي لأجل تعظيم شركهم
قوله: (وذكاة خنثى وخصي) أي ومما يكره أكل ذكاة خنثى أو خصي والمجبوب أحرى بضعفهما وتجوز ذكاة الأغلف (و) كذلك يكره ذكاة (فاسق) بجارحة أو اعتقاد لا يكفر به.
قوله: (وفي ذبح كتابي لمسلم) أي وفي صحة ذبح كتابي لمسلم بالحضرة وعدم صحته (قولان) لمالك وقيل: لا تصح إلا في الأضحية، وقيل: تصح مطلقا. وقيل: لا تصح مطلقا.
قوله: (وجرح مسلم مميز) هذا أحد أنواع الذكاة الثلاثة لأنها نحر وذبح وعقر ينبغي أن يأتي هنا بالفصل أي ومن الذكاة جرح مسلم مميز والإسلام في الصائد شرط ويأكل ما ذبحه أهل الكتاب ولا يأكل ما صادوه لقول الله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ [المائدة: ٩٤] وكذلك يشترط في الصائد التمييز لا صبي غير مميز ولا مجنون ولا سكران.
الصيد يطلق بالإشتراك على المصدر الذي هو فعل الصائد وعلى الاسم الذي هو المصيد فمن الأول قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦] ومن الثاني قوله تعالى: ﴿يتأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورما حكم﴾ [المائدة: الآية: ٩٤] لأن الذي تناله الأيدي والرماح إنما هو المصيد. إكمال الإكمال (١).
قوله: (وحشيا، وإن تأنس عجز عنه إلا بعسر) أي هذا هو المصيد أي وجرح مسلم مميز وحشيا وإن تأنس ثم استوحش بعد ذلك، لأنه رجع إلى أصله، الأصل التوحش بشرط أن يكون عجز عنه إلا بعسره.
المازري: والصيد يحصل في قبضة الصائد فإنه لا يؤكل بالعقر.
стр. 595
قلت: يحصل في قبضة الصائد إما بأنه انحصر وأمكن أخذه بغير مشقة، وإما بأن طرده الكلب فوقع في حفرة لا مخرج له منها، وإما بأنه انكسر فطرده الكلب فقتله، أو غير ذلك من وجوه الحصول، والحاصل أنه مهما أمكنت الذكاة تعينت. إكمال الإكمال (١).
قوله: (لا نعم شرد) أي لا يؤكل. النعم: الإبل والبقر والغنم بالعقر، وإن ند لأن الأصل فيه التأنس، ولكن يجوز أن يجرح جرحا يضعف به ليتمكن من ذكاته الشرعية فيه وهذا كله إذا لم ينفذ المقاتل ابن حبيب يجوز العقر في البقر خاصة لأن لها أصل في التوحش.
قوله: (أو تردى) أي وكذلك لا يؤكل النعم بالعقر إذا تردى أي سقط (بكحفرة) في بعض النسخ «بكوة»، وفي بعضها: «بكهوة» والمعنى واحد.
قوله: (بسلاح محدد، وحيوان علم) هذا هو المصيد به وهو سلاح محدد لا عصى أو حيوان علم من كلب أو باز ونحوهما والمعلم هو الذي إذا أرسل أطاع وإذا زجر أنزجر.
قوله: (بإرسال من يده) أي ويكون انبعاث المعلم بإرسال من يده. وهو قول مالك المرجوع إليه، وهو خلاف ظاهر الرسالة لأنه قال: وكلما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله إذا أرسلته عليه (٢).
وهو أول قولي مالك وبه أخذ ابن القاسم.
قوله: (بلا ظهور ترك) أي بإرسال من يده بلا ظهور ترك من المعلم ولا من مرسليه حتى خرج فيؤكل صيده (ولو تعدد مصيده) في الإرسال للواحد (أو أكل) أي وأكل الجارح من الصيد وهذه إحدى المسائل التي خالف فيها الإمام مالك الجمهور ثانيها الصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وثالثها بيع ما عدى الطعام قبل قبضه وذلك يدل على أنه إنما يأخذ بالدليل لا بكثرة الأقوال.
قوله: (أو لم ير بغار، أو غيضة، أو لم يظن نوعه من المباح، أو ظهر خلافه) وكذلك إذا لم ير المرسل الوحش عند الإرسال حالة كونه بغار أو غيضة ونحوها من الأمكنة المحصورة التي من شأن الصيد أن يختفي بها فإنه يؤكل وما في الغار والغيضة
стр. 596
محصور الغيضة بالضاد أخت الصاد: ما اجتمع من الشجر.
وكذلك إذا أرسله على الصيد ولم يظن نوعه من المباح مع علمه أنه منه في الجلمة فإنه يؤكل. وكذلك إذا أرسله على مباح ولكن ظنه نوع من المباح ثم ظهر أنه نوع آخر كما إذا ظنه ظبيا فوجده بقرة أو العكس فإنه لا يضره ذلك لأن اختلاف الصفة لا يضر.
قوله: (لا إن ظنه حراما، أو أخذ غير مرسل عليه، أو لم يتحقق المبيح) أي فإن أرسله على صيد يظنه حراما فظهر أنه حلال فإنه لا يأكله إلا إذا وجده قبل نفوذ مقتله فيذبحه ويأكله وإن ظنه سبعا ونوى ذكاته لأجل جلده فوجده مباحا أكله انتهي.
وكذلك لا يؤكل ما أخذه الجارح في غير مرسل عليه من مباح لأن المرسل لم ينوه وكذلك لا يؤكل الصيد إذا لم يتحقق المرسل المبيح (في شركة غير) وذكر لذلك أمثلة وذلك كماء، أو ضرب بمسموم) إذا جرحه وسقط في ماء فمات لأنه لم يتحقق أنه إنما مات بالجرح أو جرحه بسهم مسموم إذ لا يدري هل السهم هو القاتل أم الجرح ولو رمى صيدا على شاهق جبل فتردى فوجده ميتا وإن كان سهمه قد أنفذ مقتله قبل ترديه فقد تمت ذكاته ولا يضره التردي وإن كان لم ينفذ لم يجز أكله لأنه لا يدري من أي ذلك مات. انتهي من الجواهر (١).
قوله: (أو كلب مجوسي) أي وكذلك لا يؤكل إذا أشترك جارحه مع جارح مجوسي في قتله لأنه لم يتحقق المبيح هل كلب المجوسي أو كلبه وإذا أشتبه مباح بنوع حرم أكله والمجوسي ليس بشرط بل كل كافر وهذا إذا كان الكافر هو المرسل للجارح وأما إذا كان الذي أرسله مسلما فإنه يجوز أكله لأن الكلب كالآلة.
قوله: (أو بنهشه ما قدر على خلاصه منه، أو أغرى في الوسط أو تراخى في اتباعه؛ إلا أن يتحقق أنه لا يلحقه، أو) أي وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح بنهشه بعد القدرة على خلاصه منه وأما إذا غلبه الجارح عليه فإنه يأكله أو أغرى وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح بإغرائه عليه في الوسط المراد بالوسط ما بين الصائد والجارح وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح أو تراخى مرسله في اتباعه ثم وجده قد قتله إلا أن يتحقق أنه لا يلحقه، فإنه على أصله من جواز الأكل بالعقر. وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح إذا (حمل) الصائد (الآلة) آلة الذبح (مع غير) لأنه فرط حين فارق الآلة (أو) حمل
стр. 597
الآلة (بخرج) فاشتغل بحمله حتى فات الصيد فإنه لا يؤكل (أوبات) أي وكذلك لا يؤكل الصيد بعد أن بات عن صائده وإن وجد سهمه في مقتله (أوصدم) أي وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح صدما (أو عض بلا جرح).
قوله: (أو قصد ما وجد) أي وكذلك لا يؤكل إذا قصد مرسل الجارح ما وجد من غير رؤية ولا في غيضة أو غار (أو أرسل) جارحا (ثانيا بعد مسك الجارح الأول، وقتل الثاني ما أمسكه الأول وحده أو معه (أو اضطرب) أي وكذلك لا يؤكل ما اضطرب إليه الجارح (فأرسل) الجارح من يده (ولم ير) شيئا إلا أن ينوي المضطرب) له (وغيره) فيكون في جواز أكله وعدم جوازه (فتأويلان).
قوله: (ووجب نيتها) أي ووجب نية الذكاة أي قصدها نحرا كان أو ذبحا أو عقرا فلو رمى صيدا أو غيره بلا نية ذبح فصادف مذبحه فذبحه فلا يؤكل.
قوله: (وتسمية إن ذكر) أي وجب تسمية عند الذكاة أو إرسال الجارح إن ذكر وأما إن نسي فلا يضره، فإن قيل الفرض لا يسقط بالنسيان قلنا: نعم لكن لضعف المدرك وأما إن ترك التسمية عامدا عند الذكاة أو إرسال الجارح لم تؤكل لأنه قاصد لمخالفة الشرع.
ابن الحارث وابن بشير ومحمد: لا عن تهاون ففي حرمتها وكراهتها وحليتها ثلاثة وإن تركه جهلا ففي جواز أكلها وعدم جوازه قولان.
ويكفي بسم الله وحده، أو الله أكبر، أو سبحان الله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن الذي مضى عليه العمل، بسم الله، والله أكبر.
قال بعض العلماء: لا تكمل البسلمة في سبعة مواضع عند الأكل وعند الشرب وعند الذبح وعند الجماع وعند الوضوء وعند ركوب الدابة وعند ركوب السفينة. انتهى.
قال بعضهم ومن الأفعال ما لم تشرع فيه التسمية كابتداء الأذان والحج والعمرة والذكر والدعاء ومنها ما تكره فيه كالمحرمات والمكروهات لأن المقصود بها الكثرة والمحرم والمكروه لا تراد الكثرة منهما.
قوله: (ونحر إبل) أي وكذلك يجب نحر إبل وكذلك الفيل والزرافة (و) كذلك يجب ذبح غيره ذلك إن قدر على نحر ما ينحر أو ذبح ما يذبح.
قوله: (وجازا للضرورة) أي وجاز النحر فيما يذبح والذبح فيما ينحر لأجل
стр. 598
الضرورة والضرورة هي أن لا يوجد سبيل إلى النحر ولا إلي الذبح فيذبح ما ينحر وينحر ما يذبح وقيل الضرورة عدم ما ينحر به أو يذبح.
قوله: (إلا البقر فيندب الذبح) مستثني من قوله: وذبح غيره أي إلا البقر فيجوز فيه النحر والذبح ولكن يندب ذبحه.
قوله: (كالحديد) تشبيه أي كما يندب أن يكون الحديد آلة الذكاة (و) كذلك يندب (إحداده).
قوله: (وقيام إبل وضجع ذبح على أيسر) أي ومما يندب نحر الإبل قائمة وقد تقدم في باب الحج ونحرها قائمة أو معقولة وكذلك يندب للذابح ضجع ذبح على الشق الأيسر لأنه أيسر له إلا أن يكون أعسر فالشق الأيمن أيسر له في الذبح (و) كذلك يندب (توجهه) أي توجه المذبوح إلى القبلة ويأخذها برفق، وفي الحديث: «إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح» (١).
قال عمرو: من الإحسان في الذبح أن لا يجر الذبيحة إلى مذبحها.
قال ربيعة ومنه أن لا يذبح وأخرى تنظر وأجازه مالك، واحتج مالك للجواز بنحر الإبل مصطفة. إكمال الإكمال (٢).
قوله: (وإيضاح المحل) أي ويندب إيضاح محل الذبح بأن يزيل عنه الصوف أو الشعر.
قوله: (وفري ودجي صيد) أي ومما يندب للصائد فري أي قطع ودجى صيد (أنفذ) جارح (مقتله) ليعجل بإراحته.
قوله: (وفي جواز الذبح بالعظم والسن أو إن انفصلا، أو بالعظم، ومنعهما، خلاف) أي وفي جواز الذبح بالعظم والسن أو الظفر مطلقا اتصلا بمن هما منه أو إن انفصلا
стр. 599
عنه وهو قول ابن وهب عن مالك واختاره ابن القصار، أو إنما يجوز بهما إن انفصلا لا إن اتصلا بمن هما منه لأنه نهش وخنق وهو قول مالك عند ابن حبيب.
ابن رشد: وهو الصحيح أو إنما يجوز ذلك بالعظم دون السن وهذا أيضا عن مالك.
قال في إكمال الإكمال (١) وهو المشهور أو يمنع خلاف الذبح بهما مطلقا اتصلا أو انفصلا وهو أيضا عن مالك، الباجي وهو الصحيح.
الحاصل في المسألة أربعة أقوال ومذهب المدونة الجواز ولو كان معه آلة الذبح.
قال احمد بن يونس: قال في البيان: مذهب المدونة يجوز بغير الحديد إن لم يوجد حديد (٢) ونص الشيخ على أنه إن ذبح بغيره مع وجوده فقد أساء وعدم الراجحية قول في المذهب.
قوله: (وحرم اصطياد مأكول لا بنية الذكاة) أي وحرم علي كل إنسان اصطياد حيوان مأكول بغير نية الذكاة لأنه من الفساد ﴿والله لا يحب الفساد﴾ [البقرة: ٢٠٥] ولأنه إتلاف نفس بغير منفعة وكذلك لا يجوز اصطياد بأرض قوم يكرهون ذلك أو تضيع فيه الصلاة أي ووجب إذا احتاج إليه ومندوب إذا كان يوسع به على عياله ومباح إذا أراد به المال ومكروه إذا كان للهو والحرام هو الذي ذكره الشيخ ولأنه لا منفعة فيه.
قوله: (إلا بكخنزير، فيجوز) الاستثناء منقطع أي لكن يجوز اصطياد خنزير وما في معناه من كل مضر بغير نية الذكاة.
قوله: (كذكاة ما لا يؤكل) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يجوز ذكاة ما لا يؤكل من الحيوان الإنسي (إن أيس منه) أي من حياته لمرض أو عطش تعجيلا لراحته وهو مذهب ابن القاسم وقيل إنما يعقر لئلا يتوهم إباحة أكله:
وفي أنوار البروق للقرافي:
стр. 600
قال صاحب البيان: قال ابن القاسم: الدابة التي لا يؤكل لحمها إذا طال مرضها أو تعبت من السير في أرض لا علف فيها ذبحها أولى من بقائها لتحصيل راحتها من العذاب.
ابن وهب لا تذبح ولا تعقر لنهيه الله عن تعذيب الحيوان لغير مأكولة.
فرع: مرتب إذا تركها صاحبها فعلفها غيره ثم وجدها فقال مالك: هو أحق بها لأنه مكره على تركها بالاضطرار لذلك ويدفع ما أنفق عليها وقيل هي لعالفها الإعراض المالك عنها. انتهي (١).
قوله: (وكره ذبح بدور حفرة) شرع هنا الله بذكر المكروهات أي وكره للجزارين ونحوهم ذبح في دور حفرة ليلا يستدبر بعضهم القبلة (و) كذلك يكره (سلح) منحورة أو ذبيحة (أو قطع) منها (قبل الموت).
قوله: (كقول مضح: اللهم منك وإليك) أي اللهم منك الرزق وإليك التقرب بل المستحب أن يقول اللهم تقبل (٢) منا.
قوله: (وتعمد إبانة رأس) أي ويكره تعمد إبانة رأس أي قطعه أبان الشيء إذا قطعه.
وللمسألة نظائر كمن زاد على الصاع في زكاة الفطر ومن هو مأمور بالإمامة فسجد ومن شفع الإقامة ومن غسل خفا ومن ملك امرأته في طلقة فطلقت نفسها ثلاثا ففي كل مسألة قولان، من قال يجزئ لأنه أتى بما أمر به وزيادة، ومن قال: لا يجزئ لأنه أتى بغير ما أمر به.
قوله: (وتؤولت أيضا على عدم الأكل) أي وتؤولت المدونة أيضا على عدم جواز الأكل إن قصده قطع الرأس أولا لما قال: أيضا علمنا أن الأول تأويل وإن أبان الرأس جهلا أكلت اتفاقا. قاله في مغني النبيل.
قوله: (إن قصده أولا، ودون نصف أبين ميتة) أي وإن قطع الصايد من الصيد دون نصف فإنه ميتة وما سواه يؤكل مفهومه أن النصف يؤكل وهو كذلك سواء أبين ذلك من الصيد حسا بأن فصل عنه أو حكما بأن قطعه قطعا متصلا به ولكن لا يعود