محصور الغيضة بالضاد أخت الصاد: ما اجتمع من الشجر.
وكذلك إذا أرسله على الصيد ولم يظن نوعه من المباح مع علمه أنه منه في الجلمة فإنه يؤكل. وكذلك إذا أرسله على مباح ولكن ظنه نوع من المباح ثم ظهر أنه نوع آخر كما إذا ظنه ظبيا فوجده بقرة أو العكس فإنه لا يضره ذلك لأن اختلاف الصفة لا يضر.
قوله: (لا إن ظنه حراما، أو أخذ غير مرسل عليه، أو لم يتحقق المبيح) أي فإن أرسله على صيد يظنه حراما فظهر أنه حلال فإنه لا يأكله إلا إذا وجده قبل نفوذ مقتله فيذبحه ويأكله وإن ظنه سبعا ونوى ذكاته لأجل جلده فوجده مباحا أكله انتهي.
وكذلك لا يؤكل ما أخذه الجارح في غير مرسل عليه من مباح لأن المرسل لم ينوه وكذلك لا يؤكل الصيد إذا لم يتحقق المرسل المبيح (في شركة غير) وذكر لذلك أمثلة وذلك كماء، أو ضرب بمسموم) إذا جرحه وسقط في ماء فمات لأنه لم يتحقق أنه إنما مات بالجرح أو جرحه بسهم مسموم إذ لا يدري هل السهم هو القاتل أم الجرح ولو رمى صيدا على شاهق جبل فتردى فوجده ميتا وإن كان سهمه قد أنفذ مقتله قبل ترديه فقد تمت ذكاته ولا يضره التردي وإن كان لم ينفذ لم يجز أكله لأنه لا يدري من أي ذلك مات. انتهي من الجواهر (١).
قوله: (أو كلب مجوسي) أي وكذلك لا يؤكل إذا أشترك جارحه مع جارح مجوسي في قتله لأنه لم يتحقق المبيح هل كلب المجوسي أو كلبه وإذا أشتبه مباح بنوع حرم أكله والمجوسي ليس بشرط بل كل كافر وهذا إذا كان الكافر هو المرسل للجارح وأما إذا كان الذي أرسله مسلما فإنه يجوز أكله لأن الكلب كالآلة.
قوله: (أو بنهشه ما قدر على خلاصه منه، أو أغرى في الوسط أو تراخى في اتباعه؛ إلا أن يتحقق أنه لا يلحقه، أو) أي وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح بنهشه بعد القدرة على خلاصه منه وأما إذا غلبه الجارح عليه فإنه يأكله أو أغرى وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح بإغرائه عليه في الوسط المراد بالوسط ما بين الصائد والجارح وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح أو تراخى مرسله في اتباعه ثم وجده قد قتله إلا أن يتحقق أنه لا يلحقه، فإنه على أصله من جواز الأكل بالعقر. وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح إذا (حمل) الصائد (الآلة) آلة الذبح (مع غير) لأنه فرط حين فارق الآلة (أو) حمل
стр. 597
الآلة (بخرج) فاشتغل بحمله حتى فات الصيد فإنه لا يؤكل (أوبات) أي وكذلك لا يؤكل الصيد بعد أن بات عن صائده وإن وجد سهمه في مقتله (أوصدم) أي وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح صدما (أو عض بلا جرح).
قوله: (أو قصد ما وجد) أي وكذلك لا يؤكل إذا قصد مرسل الجارح ما وجد من غير رؤية ولا في غيضة أو غار (أو أرسل) جارحا (ثانيا بعد مسك الجارح الأول، وقتل الثاني ما أمسكه الأول وحده أو معه (أو اضطرب) أي وكذلك لا يؤكل ما اضطرب إليه الجارح (فأرسل) الجارح من يده (ولم ير) شيئا إلا أن ينوي المضطرب) له (وغيره) فيكون في جواز أكله وعدم جوازه (فتأويلان).
قوله: (ووجب نيتها) أي ووجب نية الذكاة أي قصدها نحرا كان أو ذبحا أو عقرا فلو رمى صيدا أو غيره بلا نية ذبح فصادف مذبحه فذبحه فلا يؤكل.
قوله: (وتسمية إن ذكر) أي وجب تسمية عند الذكاة أو إرسال الجارح إن ذكر وأما إن نسي فلا يضره، فإن قيل الفرض لا يسقط بالنسيان قلنا: نعم لكن لضعف المدرك وأما إن ترك التسمية عامدا عند الذكاة أو إرسال الجارح لم تؤكل لأنه قاصد لمخالفة الشرع.
ابن الحارث وابن بشير ومحمد: لا عن تهاون ففي حرمتها وكراهتها وحليتها ثلاثة وإن تركه جهلا ففي جواز أكلها وعدم جوازه قولان.
ويكفي بسم الله وحده، أو الله أكبر، أو سبحان الله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن الذي مضى عليه العمل، بسم الله، والله أكبر.
قال بعض العلماء: لا تكمل البسلمة في سبعة مواضع عند الأكل وعند الشرب وعند الذبح وعند الجماع وعند الوضوء وعند ركوب الدابة وعند ركوب السفينة. انتهى.
قال بعضهم ومن الأفعال ما لم تشرع فيه التسمية كابتداء الأذان والحج والعمرة والذكر والدعاء ومنها ما تكره فيه كالمحرمات والمكروهات لأن المقصود بها الكثرة والمحرم والمكروه لا تراد الكثرة منهما.
قوله: (ونحر إبل) أي وكذلك يجب نحر إبل وكذلك الفيل والزرافة (و) كذلك يجب ذبح غيره ذلك إن قدر على نحر ما ينحر أو ذبح ما يذبح.
قوله: (وجازا للضرورة) أي وجاز النحر فيما يذبح والذبح فيما ينحر لأجل
стр. 598
الضرورة والضرورة هي أن لا يوجد سبيل إلى النحر ولا إلي الذبح فيذبح ما ينحر وينحر ما يذبح وقيل الضرورة عدم ما ينحر به أو يذبح.
قوله: (إلا البقر فيندب الذبح) مستثني من قوله: وذبح غيره أي إلا البقر فيجوز فيه النحر والذبح ولكن يندب ذبحه.
قوله: (كالحديد) تشبيه أي كما يندب أن يكون الحديد آلة الذكاة (و) كذلك يندب (إحداده).
قوله: (وقيام إبل وضجع ذبح على أيسر) أي ومما يندب نحر الإبل قائمة وقد تقدم في باب الحج ونحرها قائمة أو معقولة وكذلك يندب للذابح ضجع ذبح على الشق الأيسر لأنه أيسر له إلا أن يكون أعسر فالشق الأيمن أيسر له في الذبح (و) كذلك يندب (توجهه) أي توجه المذبوح إلى القبلة ويأخذها برفق، وفي الحديث: «إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح» (١).
قال عمرو: من الإحسان في الذبح أن لا يجر الذبيحة إلى مذبحها.
قال ربيعة ومنه أن لا يذبح وأخرى تنظر وأجازه مالك، واحتج مالك للجواز بنحر الإبل مصطفة. إكمال الإكمال (٢).
قوله: (وإيضاح المحل) أي ويندب إيضاح محل الذبح بأن يزيل عنه الصوف أو الشعر.
قوله: (وفري ودجي صيد) أي ومما يندب للصائد فري أي قطع ودجى صيد (أنفذ) جارح (مقتله) ليعجل بإراحته.
قوله: (وفي جواز الذبح بالعظم والسن أو إن انفصلا، أو بالعظم، ومنعهما، خلاف) أي وفي جواز الذبح بالعظم والسن أو الظفر مطلقا اتصلا بمن هما منه أو إن انفصلا
стр. 599
عنه وهو قول ابن وهب عن مالك واختاره ابن القصار، أو إنما يجوز بهما إن انفصلا لا إن اتصلا بمن هما منه لأنه نهش وخنق وهو قول مالك عند ابن حبيب.
ابن رشد: وهو الصحيح أو إنما يجوز ذلك بالعظم دون السن وهذا أيضا عن مالك.
قال في إكمال الإكمال (١) وهو المشهور أو يمنع خلاف الذبح بهما مطلقا اتصلا أو انفصلا وهو أيضا عن مالك، الباجي وهو الصحيح.
الحاصل في المسألة أربعة أقوال ومذهب المدونة الجواز ولو كان معه آلة الذبح.
قال احمد بن يونس: قال في البيان: مذهب المدونة يجوز بغير الحديد إن لم يوجد حديد (٢) ونص الشيخ على أنه إن ذبح بغيره مع وجوده فقد أساء وعدم الراجحية قول في المذهب.
قوله: (وحرم اصطياد مأكول لا بنية الذكاة) أي وحرم علي كل إنسان اصطياد حيوان مأكول بغير نية الذكاة لأنه من الفساد ﴿والله لا يحب الفساد﴾ [البقرة: ٢٠٥] ولأنه إتلاف نفس بغير منفعة وكذلك لا يجوز اصطياد بأرض قوم يكرهون ذلك أو تضيع فيه الصلاة أي ووجب إذا احتاج إليه ومندوب إذا كان يوسع به على عياله ومباح إذا أراد به المال ومكروه إذا كان للهو والحرام هو الذي ذكره الشيخ ولأنه لا منفعة فيه.
قوله: (إلا بكخنزير، فيجوز) الاستثناء منقطع أي لكن يجوز اصطياد خنزير وما في معناه من كل مضر بغير نية الذكاة.
قوله: (كذكاة ما لا يؤكل) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يجوز ذكاة ما لا يؤكل من الحيوان الإنسي (إن أيس منه) أي من حياته لمرض أو عطش تعجيلا لراحته وهو مذهب ابن القاسم وقيل إنما يعقر لئلا يتوهم إباحة أكله:
وفي أنوار البروق للقرافي:
стр. 600
قال صاحب البيان: قال ابن القاسم: الدابة التي لا يؤكل لحمها إذا طال مرضها أو تعبت من السير في أرض لا علف فيها ذبحها أولى من بقائها لتحصيل راحتها من العذاب.
ابن وهب لا تذبح ولا تعقر لنهيه الله عن تعذيب الحيوان لغير مأكولة.
فرع: مرتب إذا تركها صاحبها فعلفها غيره ثم وجدها فقال مالك: هو أحق بها لأنه مكره على تركها بالاضطرار لذلك ويدفع ما أنفق عليها وقيل هي لعالفها الإعراض المالك عنها. انتهي (١).
قوله: (وكره ذبح بدور حفرة) شرع هنا الله بذكر المكروهات أي وكره للجزارين ونحوهم ذبح في دور حفرة ليلا يستدبر بعضهم القبلة (و) كذلك يكره (سلح) منحورة أو ذبيحة (أو قطع) منها (قبل الموت).
قوله: (كقول مضح: اللهم منك وإليك) أي اللهم منك الرزق وإليك التقرب بل المستحب أن يقول اللهم تقبل (٢) منا.
قوله: (وتعمد إبانة رأس) أي ويكره تعمد إبانة رأس أي قطعه أبان الشيء إذا قطعه.
وللمسألة نظائر كمن زاد على الصاع في زكاة الفطر ومن هو مأمور بالإمامة فسجد ومن شفع الإقامة ومن غسل خفا ومن ملك امرأته في طلقة فطلقت نفسها ثلاثا ففي كل مسألة قولان، من قال يجزئ لأنه أتى بما أمر به وزيادة، ومن قال: لا يجزئ لأنه أتى بغير ما أمر به.
قوله: (وتؤولت أيضا على عدم الأكل) أي وتؤولت المدونة أيضا على عدم جواز الأكل إن قصده قطع الرأس أولا لما قال: أيضا علمنا أن الأول تأويل وإن أبان الرأس جهلا أكلت اتفاقا. قاله في مغني النبيل.
قوله: (إن قصده أولا، ودون نصف أبين ميتة) أي وإن قطع الصايد من الصيد دون نصف فإنه ميتة وما سواه يؤكل مفهومه أن النصف يؤكل وهو كذلك سواء أبين ذلك من الصيد حسا بأن فصل عنه أو حكما بأن قطعه قطعا متصلا به ولكن لا يعود
стр. 601
إلى حاله.
قوله: (إلا الرأس) مستثني من قوله: ودون نصف أبين ميتة، إلا الرأس فإنه ليس بميتة وإن كان دون النصف، لأن النصف للرأس إذا قطع من الحيوان لا يسمى حيا.
قوله: (وملك الصيد المبادر، وإن تنازع قادرون فبينهم) أي ويملك الصيد المبادر لأخذه وإن غير المخبر به لأن الصيد إنما يملك بوضع اليد عليه لا بالرؤية وكذلك كل مباح فإن تنازع في الانبعاث إليه قادرون على أخذه فهو بينهم يحكم لهم بأن يبعثوا إليه كلهم ثم هو لهم وإن أخذه بعضهم رفعا للنزاع.
قوله: (وإن ند ولو من مشتر فللثاني) أي وإن ند الصيد واستوحش بعد تأنسه ولو كان ند من مشتر فإنه لأخذه الثاني لأنه رجع إلى أصله من التوحش فإن اختلفا فقال: ند ولم يتوحش، وقال الآخر: لا أدري صدق الصائد وعكس سحنون. قوله: (لا إن تأنس) أي فليس للثاني إن تأنس عند الأول (ولم يتوحش) فإنه للأول بلا خلاف وأما حمام البيوت المملوكة فهو كالحيوان الداجن من دخل إليه منها شيء فهو كاللقطة.
وفي ابن الحاجب وإن دخل حمام أو نحل لا يمكن رده فهو كصيد (١) ند.
قوله: (واشترك طارد) أي واشترك طارد الصيد (مع ذي حبالة قصدها) الطارد للصيد (ولولاهما) أي ولولا الطارد والحبالة (لم يقع المصيد بحسب فعليهما) فإن كان كراء الطارد درهم وكراء الحبالة درهمين أو العكس فإنهما يشتركان بقدر ذلك (وإن لم يقصد الطارد الحبالة (وأيس منه) أي من الصيد فوقع الصيد في الحبالة (ف) إنه (لربها) دون الطارد (و) إن كان الطارد (على تحقيق بغيرها) من القدرة على الصيد كما إذا أعجزه وقدر عليه بغير الحبالة (فله) دون صاحب الحبالة.
الحاصل فإنهما يشتركان في الفرع الأول بحسب فعلهما، ولصاحب الحبالة في الفرع الثاني دون الطارد، والطارد في الفرع الثالث دون صاحب الحبالة.
قوله: (كالدار، إلا أن لا يطرده لها فلربها) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن الصيد للطارد إذا اضطره إلى الدار إلا أن لا يطرده لها بل دخل الدار بغير سببه، فإن الصيد لربها أي الدار.
وقوله: (وضمن مار أمكنت ذكاته وترك) أي وضمن قيمة الصيد مار تصح ذكاته به
стр. 602
أمكنته ذكاته بأن كان معه آلة الذكاة وهو قادر على ذكاته وهو ممن تجوز ذكاته وتركه حتى جاف فإنه يضمنه لصائده لأنه حرمه على ربه إذ لولاه لحل، والمختار عدم ضمانه كشاة خشى عليها مار ولم يذبحها وفرق بأن ربها لا يصدقه بحال بخلاف الصيد وفي ضمانه بتولية من لا يصح منه احتمال. حلي المختصر هذا بناء على أن الترك كالفعل والخلاف في الترك هل هو كالفعل أم لا.
قوله: (كترك تخليص مستهلك) تشبيه أي كما يضمن بسبب ترك تخليص مستهلك (من نفس أو مال بيده أو شهادته أو) تزكية شاهد أو تجريح شاهده وكذلك يضمن (بإمساك وثيقة) عن ربها حتى فات الحق أو تقطيعها) أي وكذلك يضمن بقطع الوثيقة فإن قلت كيف يحكم بما فيها وقد قطعت.
قلت: قد يقر بما فيهما وقد يشهد الشهود بما فيها بالوقوف عليها (وفي قتل شاهدي حق) أي وهل يضمن بسبب قتل شاهدي حق ضاع بموتهما فيه (تردد) للمتأخرين لعدم نص المتقدمين ووجه من قال: لا يضمن لأنه لم يتعد على صاحب الحق.
قوله: (وترك مواساة وجبت بخيط لجائفة، وفضل طعام أو شراب لمضطر، وعمد وخشب فيقع الجدار) أي وكذلك يضمن بترك مواساة بخيط لجائفة بحيث لو خيط به سلم وإلا هلك.
وكذلك يضمن بترك مواساة لمضطر بفضل طعام أو شراب لمضطر وأما ما لم يستغن عنه فلا يجب عليه مواساة به. وكذلك يضمن من عنده عمد أو خشب فيمنعه لجاره ليصلح جداره فيقع الجدار بسبب منعه لذلك وفي الحديث: «من لا يرحم لا (١) يرحم».
وفيه: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» (٢)، وفيه: «لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء» (٣)، ومن الرحمة ما يجب ككف الأذى وإغاثة الملهوف وفك العاني
стр. 603
وإحياء المضطر وإنقاذ الغريق والواقع في هلكة وسد خلة الضعفاء وشبه ذلك فمن لم يؤد حق الله تعالى في شيء من ذلك عاقبه الله سبحانه ومنعه رحمته أن ينفذ فيه وعيده. انتهي من إكمال الإكمال (١).
قوله: (وله الثمن إن وجد) الثمن يومئذ يريد أن من تعين عليه دفع شيء من الأمور المذكورة فدفعه لمن وجب عليه دفعه إليه فإن له ثمن ذلك بالمعروف على المنتفع به إن وجد يومئذ في ملكه وهو مذهب المدونة، وإن لم يوجد حينئذ في ملكه فلا يتبع به إذا أيسر.
وقيل: يتبع به إن أيسر، وقيل: لا يجب عليه الثمن لأن الدفع إليه واجب، ووجه المشهور أن الدفع هو الواجب وقد حصل حين الاضطرار إليه وعليه غرمه إن وجد عنده.
قوله: (وأكل المذكى، وإن أيس من حياته) أي وأكل المذكى إن تحقق حياته وإن أيس منها لمرض ونحوه لأن من شرط كل ذكاة ورودها على حي موته بها ويستدل على ذلك بعد تمامها بمفيد تيقنه عادة وذلك يكون (بتحرك قوي) بعد الذكاة وقيل الذكاة (مطلقا) صحيحة أو مريضة أم مصابة بالجنون أو نحوه ويدل أن هذا مراده بالإطلاق تفسيره سيل الدم بالصحيحة فالتحريك في الثلاثة كاف فإذا أنضم إليه سيلان الدم لم يزده إلا خيرا.
قوله: (وسيل دم، إن صحت) أي وبمطلق سيل الدم بشرط أن تكون الذبيحة صحيحة وإلا ألغي اتفاقا كحركة الارتعاش والارتعاد أو مد يد أو رجل، أو حركة عين، والمصابة بأمر غير مضر كالصحيحة إن لم يمنع من عيشها غالبا وإلا فكالمريضة.
قوله: (إلا الموقوذة) وما معها مستثني من قوله: وأكل المذكى وإن أيس من حياته أي إلا الموقوذة (وما معها) في الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع﴾ [المائدة: ٣] (المنفوذة المقاتل: فإن الذكاة لا تعمل فيها لأن الاستثناء منقطع أي إلا ما ذكيتم من غيرها.
وقيل: تعمل فيه الذكاة على أن الاستثناء متصل وأما إن لم ينفذ مقتلها فإنها تؤكل على المشهور والخنق لا ينفذ شيئا من مقاتلها وإنما يخل بتحقيق المبيح في
стр. 604
تذكيتها كالذبح في جوف الماء ولذلك بدء بالتي بعدها والمقاتل تكون (بقطع نخاء) وهو المخ الأبيض الذي هو ممتد في وسط عظم الظهر إلى العنق وفي نونه الحركات الثلاثة (و) يكون ب (نتر دماغ) وإن بعصا (و) يكون بنثر (حشوة) والحشوة: ما في البطن من الأمعاء (و) يكون ب (فري ودج) أي قطع ودج واحد وأحرى ودجين (و) يكون ب (ثقب مصران) أطلق الشيخ المصران وقيده بعضهم بمصران الأعلى (وفي شق الودج قولان) هل هو مقتل أم أم لا.
قوله: (وفيها أكل ما دق عنقه، أو ما علم أنه لا يعيش إن لم ينخعها) أتى بهذا استدلالا للمسألتين مسألة بأكل المذكى وإن أيس من حياته ومسألة المنفوذة المقاتل من الموقوذة والمتردية وما معها أنها لا تعمل فيها الذكاة.
قوله: (وذكاة الجنين بذكاة أمه إن تم بشعر) أي وذكاة الجنين حاصلة بذكاة أمه إن تم خلقه بنت شعره وإن كان ناقص الخلقة من كيد وكان الجنين من جنس أمه واختلف هل يؤكل بنبت شعر العينين فقط أم لا قولان.
ابن غازي: وفي أكل المشيمة وهي وعاء الولد ثلاثة أقوال.
الأول: الحلية لقول ابن رشد في سماع موسى (١) من كتاب الصلاة: السلا وعاء الولد وهو كلحم الناقة المذكاة.
الثاني: تحريمها؛ لجواب عبد الحميد الصائغ.
الثالث: أن حل أكل الجنين بذكاة أمه وتم خلقه ونبت شعره حلت، وإلا فلا لبعض شيوخ شيوخ ابن عرفة وقد حصلها هذا التحصيل تخلله (٢).
(وإن خرج) الجنين (حيا ذكي) لأنه مستقل بحكم نفسه وإلا فلا يؤكل (إلا أن يبادر) بذكاته (فيموت) قبلها فإنه يؤكل حينئذ.
قوله: (وذكي المزلق)، المزلق هو الذي أسقطته أمه وهي أي ويذكى المزلق (إن
стр. 605
حبي مثله عادة وإلا فلا يؤكل وإن شك في حياته.
قوله: ﴿واقتقر نحوو الجراد لها﴾ أي وافتقر الجراد ونحوه مما لا نفس له سائلة للذكاة على المشهور، وقيل: لا يحتاج إلى ذكاته، ووجه المشهور أن الذكاة إنما شرعت لإراحة الحيوان وزهوق الروح ووجهه أيضا تحريم الميتة وهذا يدخل في عمومها راجع ابن شاس (١).
ووجه آخر أن الذكاة شرعت لاستخراج الفضلات المحرمة من الأجساد المباحات ومن جعلها أصلا وإراحة الحيوان تبعا أجاز ميتته، وذكاة الجراد ونحوه (بما يموت به) من صلق أو غيره، (ولو لم يعجل) بموته وذلك (كقطع جناح) أو رجل ولا يؤكل ما أبين منه للذكاة.
قال بعضهم: المشهور افتقار الجراد للذكاة وفي كون ذكاته بمجرد أخذه أو فعل ما يموت به غالبا وهو المشهور وعليه فذلك كقطع رأس أو طرحه في نار انتهى.
مسألة: من وقف على شاة قد بلغت إلى حد الفوات وإن يئس منها وهي لغيره ففرط في ذكاتها حتى ماتت ففيها قولان قيل يضمن وقيل لا يضمن والأشهر عدم الضمان لأن المراد بالشاة بقاؤها بخلاف الصيد. صح من المفيدة.
قال ابن فرحون في تبصرته: ويجوز تقليد القصاب في الذكاة ذكرا كان أو أنثى مسلما أو كتابيا ويقبل قوله أنه ذكى وليس هو من باب الشهادة ولا الرواية بل هو من باب القاعدة الشرعية أن كل أحد مؤتمن على ما يدعي أنه ملكه أو مباح له فيقبل قوله وإن كان أفسق الناس. انتهى (٢).
قال مفتي تونس الشيخ البرزلي في نوازله: وسأل ابن أبي زيد عن الإبل والبقر إذا عرقبت ثم ذكيت وذلك في عرس أو غيره فهل تؤكل فأجاب بأنها تؤكل وليس ما صنع بها من المقاتل التي لا تحيا معها. انتهى (٣).
стр. 606
باب [فيما يباح من الأطعمة والأشربة]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه ما يباح من الأطعمة من الحيوان أو غيره ومحرمه وما يكره أكله وما أختلف في كراهته ومنعه وبدأ بالمباح وثنى بالمحرم وثلث بالمكروه وربع بالمختلف فيه وينبغي أن يذكر هذا الباب قبل الذكاة (المباح) ما استوى طرفاه المباح مطلقا اختيارا أو اضطرارا (طعام طاهر) حال الاستعمال سواء كان جامدا أو مائعا فيجوز أكله ويدخل فيه اللحم النتن لقول المصنف في توضيحه: يجوز أكله ظاهره كان له رائحة كريهة أم لا والبحري) باختلاف أنواعه ولو صورة الإنسان وإن كان طافيا.
قوله: (وإن ميتا، وطير ولو) كانت (جلالة) والجلالة آكلة النجس الجلة بكسر الجيم العذرة (و) إن كان الطير (ذا مخلب) والمخلب الظفر.
وقال البساطي عند قول المصنف في الصيد وحرم اصطياد مأكول لا بنية الذكاة: ينبغي أن يكون من هذا المسلك صيد الخطاف فإنه لا يجتمع منه ما ينتفع به (١) في الأكل (ونعم) الإبل والبقر والغنم (ووحش لم يفترس) أي الذي لم يقتله افتراس الذئب الشاة أي قتلها وأما إن كان يفترس فمكروه كما سيذكره.
وقوله: (كيربوع) مثال الوحش الذي لم يفترس (وخلد) وهو فأر أعمى أعطاه الله من الحس ما قام له مقام البصر، وفي خائه ولامه ثلاث حركات الفتح والضم والكسر وفي اللام السكون وروي بسكون الباء وفتحه دابة صغيرة أصغر من السنور (ووبر، وأرنب، وقنفد) وهو ذو شوك وفي فائه الضم والفتح، وذاله ذال معجمة (وضربوب) الضربوب ذا شوك أطول من شوك القنفذ.
فائدة وإذا اتخذ من جلد القنفذ غربالا فغربل به بذر الزرع لم تصبه عاهة من جراد وغيره.
قوله: (وحية أمن سمها) أي ومما يباح أكله حية أمن من سمها.
قال مالك في المدونة: إذا ذكيت في موضع ذكاتها فلا بأس بأكلها لمن احتاج إليها. انتهي (٢).
стр. 607
قال في حلي المختصر: وصفة ذكاتها أن يضم رأسها لذنبها ويربط بخيط ثم يقطع موضع الخيط بضربة واحدة بفأس أو موس بحيث لا يختلف منه قدر شفرة وأما إن لم يؤمن سمها فحرام أكلها السم في سينه ثلاثة حركات الضم والفتحة والكسرة (و) مما يباح أكله (خشاش أرض) كالعقرب والخنفساء وبنات وردان والنمل والدود وأضافه إلى الأرض لأنه لا يخرج منها إلا بمخرج وأطلق المصنف كالمدونة وقيد في التوضيح بالحاجة وهو مؤذن بالكراهة وصرح به فيها في موضع آخر منها فقال: وكره مالك أكل الحية والعقرب والفأرة من غير تحريم. انتهي من فتح الجليل (١).
وذكاة الخشاش كذكاة الجراد الخشاش من دواب الأرض ماله قشر والهوام ما لا قشر له وقال في المدونة: لا بأس في أكل خشاش الأرض وهوامها وذكاة ذلك كالجراد (٢) ويحتمل قوله الإباحة والكراهة.
قوله: (وعصير، وفقاع، وسوبيا، وعقيد) إلى قوله: (أمن سكره) أي ومن المباح عصير وهو ماء العنب وفقاع وهو نقيع الزبيب والتمر حتى ينحل وسوبيا وهو شيء يعمل بمصر وعقيد وهو ما أغلى من العصير حتى انعقد وقوله: أمن سكره قيد في المسائل الأربعة حذفه من الثلاثة الأول وفي المعونة العقيد أن يطبخ رب العنب والتمر حتى يذهب أكثره ويتحرى حتى يمزج بالماء ويشرب (٣).
قوله: (وللضرورة ما يسد، غير آدمي، وخمر إلا لغصة) لما فرغ من المباح مطلقا شرع يذكر ما أبيح لأجل الضرورة أي وأبيح لأجل الضرورة تناول كل ما يسد جوعا وعطشا غير ميتة آدمي وغير خمر فإنهما لا يجوز أكلهما لضرورة الجوع والعطش إلا لأجل غصة في حلقه فيجوز له أن يسوغها بخمر والخمر يزيد في العطش وفسر صاحب الجواهر الضرورة بأنها خوف الهلاك (٤) على النفس ولا يشترط الإشراف
стр. 608
على الموت لأن الأكل حينئذ لا يفيد.
قال صاحب فتح الجليل: وقوله: ما يسد هو قول مالك حكاه عنه ابن المواز والجلاب، وعبد الوهاب.
وفي الرسالة: ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود (١)، وبه قال سحنون والأكثر ونحوه للجلاب وشهره الفاكهاني وفي المسألة قول أنه يشبع ولا يتزود.
قال: وقوله: ما يسد لا يقتضي أنه لا يتزود ما يسده عند ظنه عدم وجدان المباح قبل وصوله لوجود الاضطرار لكنه يحتاج لنقل وظاهره كالرسالة والإرشاد إباحة ما يسد ولو كان متلبسا بمعصية وهو كذلك، واختاره ابن يونس، وشهر في الذخيرة (قال: ولا نقل فيه عن مالك والفرق بينه وبين القصر والفطر أن منعه يفضي للقتل وهو ليس عقوبة جناية بخلافهما) (٢). انتهى (٣).
قوله: (وقدم الميت على خنزير، وصيد لمحرم) أي وإذا اجتمع للمضطر ميتة وخنزير أو لمحرم ميتة واصطياد فإنه يقدم أكل الميتة على أكل الخنزير لأن لحم الخنزير حرام لذاته والميتة حرام لوصفها وما أنيط الحكم بذاته أشد مما أنيط به لوصفه والخنزير لا تحله الذكاة. وكذلك إذا اجتمع لمحرم صيد وميتة فإنه يقدم أكل الميتة لأن ما صاده محرم ميتة وفيه ازدياد حرمة اصطياده.
قوله: (لا لحمه) أي فلا يقدم المحرم الميتة على لحم صيد قتله محرم آخر إذ لا فعل له فيه فيستويا في الحرمة حالا وزادت الميتة باستمرارها وحرمته خاصة لجلالة الإحرام فهو أخف.
قال القرافي في أنوار البروق في أنواء الفروق على هذا قاعدة هو أن كل ما حرم لصفته لا يباح إلا بسببه وما يباح لصفته لا يحرم إلا بسببه، فالقسم الأول كالميتة حرمت لصفتها وهي اشتمالها على الفضلات المستقذرة، فلا تباح إلا بسببها وهو الاضطرار ونحوه من الأسباب، وكذلك الخمر حرم لصفته وهي الاسكار فلا يباح إلا بسببه وهو الغصة والقسم الثاني، كالبر ولحوم الأنعام وغير ذلك من
стр. 609
المآكل والملابس والمساكن أبيحت لصفاتها من المنافع والمصالح فلا تحرم إلا بسببها، وهو الغصب والسرقة والعقود الفاسدة، ونحوها. انتهي (١).
قوله: (وطعام غير؛ إن لم يخف القطع) أي ولا تقدم الميتة على طعام غير إن لم يخف القطع لعدم كونه في الحرز أو لم يبلغ نصاب القطع أو تشهد البينة باحتياجه ولم يضطر له صاحبه وأما إن خاف القطع فإنه يقدم الميتة.
البقوري: إذا اضطر إلى طعام غيره فأكله في المخمصة جاز وهل يضمن له القيمة أم لا قولان أحدهما لا يضمن لأن الدفع كان واجبا على المالك والثاني يجب وهو الأظهر لأن إذن المالك لم يوجد وإنما وجد إذن صاحب الشرع بانتفاء الإثم لذلك لا الضامن وأيضا فالقاعدة أن الملك إذا دار زواله بين المرتبة الدنيا والعليا فالدنيا أولى وذلك بأن يعطيه الثمن استصحابا للملك بحسب الإمكان. انتهى (٢).
وإن أمن من ذلك وأبى مالكه أن يعطيه أعلمه أنه يقاتله ﴿وقاتل عليه﴾ فإن قتله المضطر فهدر وإن قتله المالك فالقصاص.
قال في الذخيرة: وإذا أكل مال مسلم اقتصر على سد الرمق إلا أن يعلم طول طريقه فيتزود لأن مواساته تجب إذا جاع. انتهى (٣).
قوله: (والمحرم النجس، وخنذير وبغل وفرس وحمار ولو وحشيا دجن. والمكروه سبع وضبع وتعلب وذئب وهر وإن وحشيا وفيل وكلب ماء وخنزيره) لما فرغ من ذكر المباح أعقبه بذكر المحرم فقال: والمحرم النجس أي والمحرم من طعام أو شراب النجس بذاته والمتنجس، وكذلك الخنزير يحرم لحمه وشحمه اتفاقا للآية الكريمة، وكذلك يحرم أكل لحم بغل وقيل مكروه. وكذلك يحرم أكل الخيل على المشهور.
وقيل: مباح، وقيل مكروه.
والحمر كالبغال للآية الكريمة: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] لأنها أخرجت لبيان ما فيها من المنافع ولو كان من جملتها الأكل لبينه ولو كان
стр. 610
الحمار وحشيا دجن أي تأنس، وصار يعمل عليه الداجن، وهو ما اتخذ من الحيوان في الدور وروى هذا مذهب مالك.
وقال ابن القاسم: لا يحرم ما دجن وبخلافه أشار بقوله ولو وأما الإنسي يتوحش فلا يؤكل اتفاقا (١).
فلما فرغ من المحرم شرع يذكر المكروه فقال: والمكروه سبع أي والمكروه أكل سبع وضبع وثعلب وذئب وهر وإن كان وحشيا وقيل وكلب وفهد ونمر وغير ذلك مما عادته الافتراس. وكذلك يكره كلب ماء وخنزير وهو ما كان على صورتهما.
وفي المدونة في كتاب الصيد: وتوقف مالك أن يجيب في خنزير الماء، وقال: أنتم تسمونه خنزيرا) (٢) وإنما توقفه لتعارض العمومين، فهو توقف حقيقة، ورآ بعضهم أنه ليس بتوقف حقيقي وإنما توقف إنكارا عليهم تسميتهم إياه خنزيرا، ولذلك قال: أنتم تسمونه خنزيرا، يعني وإلا فالعرب لا تسميه خنزيرا. وإنما يفسر كلام الله تعالى بكلام العرب لغة. انتهى من إكمال الإكمال (٣).
قال صاحب حياة الحيوان: الخنزير البحري الدلفين بفتح الدال ويقال له الدخس كالصرد وهو دابة تنجي الغريق وهو كثير بأواخر نيل مصر من جهة البحر المالح لأنه يقذفه من البحر إلى النيل، وصفته كصفة الزق المنفوخ وله رأس صغير جدا، وليس في دواب البحر ما له رئة سواه فلذلك يسمع منه النفخ والنفس، وهو إذا ظفر بالغريق كان أكبر الأسباب في نجاته لأنه لا يزال يدفعه إلى البر حتى ينجيه ولا يؤذي أحدا ولا يأكل إلا السمك وربما ظهر على وجه الماء كأنه ميت وهو يلد ويرضع وأولاده تتبعه حيث ذهب ولا يلد إلا في الصيف وفي طبعه الأنس بالناس وخاصة بالصبيان فإذا كانت بين يديه سفينة وثب وثبة ارتفع بها عن السفينة. ولا يرى منها ذكر إلا مع أنثى. ومن خواصه إذا غلي شحمه في حنطلة فارغة وقطر في الأذن نفع من الصمم وإذا علقت أسنانه على الصبي لم يفزع وأكل شحمه ينفع من
стр. 611
أوجاع المفاصل. انتهي (١).
وقد أجرى الله سبحانه عادته أن الأغذية تنقل الأخلاق لخلق الحيوان المتغذية به فالسباع في غاية قلة الرحمة وتثب على ذلك وثوبا شديدا من غير توقف في ذلك لحاجة ولغير حاجة وذلك متوفر في سباع الوحش أكثر منه في سباع الطير فأين الأسد من العقاب فافترق سباع الوحش من سباع الطير. انتهى من الفروق (٢).
قال التونسي شارح الجلاب: حكمة تحريم السباع أن الأغذية تغير الأخلاق فمن اغتذى بشيء اكتسب خلقه، ولذلك العرب لما اغتذت بالإبل كان إيثارها عظيما لأن الإبل إذا اجتمعت على عقلها لا يدافع بعضها بعضا وإن كانت جائعة وكثر حقد العرب لأن الإبل كذلك. ومنه قوله ﷺ : «الرضاع يغير الطباع» (٣)، والسباع مفرطة الظلم والقساوة والفساد فمن أكلها انتقل خلقه لذلك فحرمه الله، فيقال: أكل أربع أربعا فاكتسبوا أربعا: أكلت الفرنج الخنزير فاكتسبت عدم الغيرة.
وأكلت الترك الخيل فاكتسبت القساوة.
وأكلت السودان القرد فاكتسبت الرقص.
وأكل أهل مصر الفأر فاكتسبت الخيانة. ولما كانت سباع الطير أقل ظلما وفسادا في الحيوانات استخف أمرها بخلاف سباع الوحش فهذا سر الباب.
قوله: (وشراب خليطين) أي ومما يكره شرب خليطين من تمر وزبيب والخليطين ما تخالف أصلهما ويصلح أن ينتبذ كل واحد منهما على حدة وحقيقة الانتباذ إلقاء التمر والزبيب في الماء لتخرج حلاوته فيه فيشرب وهذا هو التنبيذ والمباح منهما ما لم يسكر كثيره وما أسكر كثيره فقليله حرام (و) مما يكره (نبذ بكدباء) أي الإنتباذ في الدباء ونحوها كالمزفة والخنتم الدباء هو اليقطين والمزفة ما طلي بالزفت وهو الغار التي تطلى به السفن والخنتم الجرار الخضر وقيل الحمر وقيل الفخار حيث كان.
الخنتم جمع خنتمة وهو الجرة.
стр. 612
لما فرغ من المكروهات شرع يذكر ما اختلف فيه هل هو حرام؟ أو مكروه، فقال: (وفي كره) أكل القرد والطين ومنعه) أي ومنع أكله (قولان).
قال صاحب الوجيز ويكره أكل الطين والحصباء وما لا له غذاء أي لقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: «لا تأكلي الطين فإنه يصفر الوجه» (١)، ورخص فيه للحامل إذ اشتاقت عليه وخافت على جنينها ولا يجوز أكل الحديد ولا النحاس ولا الرصاص وشبه ذلك لأنه قواتل. انتهى من البرزلي.
قوله: وفي كره القرد والطين ومنعهما قولان، روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «في الطين ثلاث خصال يحاسب بها محاسبة صاحب البول في قبره» ويذهب باللون ويضعف البدن وقال يهيج المرة ويحرك البواسير ويكسر الأضراس ويلزم بالكبد ويضعف البصر.
وقال مكحول (٢): من ولع بالطين جعله الله نارا في بطنه يوم القيامة حتى يفرغ من القضاء بين الناس.
وقال ﷺ : «أكل الطين حرام ومن أكله فقد أعان على قتل نفسه» (٣). انتهى من الأسولة.
وقال البرزلي: وسئل الصائغ عن ضرع الشاة يتعطل ولا يخرج منه اللبن ولا لحم فيه إلا يبس وأنثيي الفحل تربط ليسمن فتبطلان وتفسدان ولا دم فيهما ولا لحم هل يؤكلان أم لا؟ وكذلك الضرع المبطل الذي يبس إذا ذبحت الشاة أيؤكل الضرع كله أو يطرح ما انبطل منه؟.
وقد أجاب فيه بعض الشيوخ يؤكل الضرع وأنثى الفحل ولولا الحياة لنتنت وسقطت.
و هذا الأصل في كل ما ذهبت الحياة منه. وقد كان أشكل هذا السؤال علي بعض الفقهاء.
стр. 613
فأجاب: أما ضرع الشاة والخصيتين فإن كان فيهما الحياة كما في الجسم وهما متصلان بالجسم فكما قال يؤكلان، وإن كان ليس فيهما حياة متصلة بالجسم فلا تؤكلان.
قلت: في النوادر جواب عبد الله ابن إبراهيم بن الأبياني بأكل خصى الخصي صواب، وعلله بقوله: هو كالغدة، الغذاء يصل إليها ولم تبن عن البدن. انتهى (١).
стр. 614
باب [في حكم الأضحية والعقيقة]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الضحايا وفيه فصول الحكم ومن يخاطب به وسنها وما يجزئ فيها وما لا يجزئ وغير ذلك والعقيقة وحكمها وبدأ بالحكم فقال: (سن) قال بعضهم: متفق على سنيتها، وقيل: تجب، وقيل مستحبة.
قوله: (لحر غير حاج بمنى ضحية لا تجحف، وإن يتيما) هذا هو المخاطب بها، وهو حر غير حاج حاضر بمنى وفهم من كلامه أن من كان بمنى من أهلها أو غيرهم ولم يحج في عامه ذلك أنه يكون مخاطبا بها. انتهي.
وفي إكما الإكمال: إنما يخاطب بالأضحية لشبهه بالحاج فيحصل له أجر الحاج وأما الحاج إذا أراد أن يضحي جعله هديا (١) أي سن لحر أضحية ويقال ضحية واضحاء إنما تلزمه إذا كانت لا تجحف بماله وإن كان الحر يتيما وإن ولد في أيام النحر فإنها تلزمه.
وسئل الإمام مالك له عن يتيم له ثلاثون دينار أيضحى عنه بنصف دينار قال (٢) نعم
قال صاحب التاج والإكليل: وإن كانوا إخوة ومالهم في يده مشتركا بينهم ضحى عن كل واحد منهم بشاة شاة ولم يجز أن يضحي عنهم من مالهم المشترك بينهم بشاة واحدة ويجوز له أن يضحي عنه وعنهم بشاة واحدة من ماله إن كانوا في بيت واحد (٣).
قال: ويضحى عن الصبي لوجود السبب في حقه وهو أيام النحر كمالك النصاب.
فرع وفي البيان للغزاة أن يضحوا من غنم الروم لأن لهم أكلها، ولا يردونها للمقاسم. انتهي (٤).
وفي النكت لو غصب شاة وضحى بها، وأخذ ربها منه القيمة أنها
стр. 615
تجزئه (١) أضحية.
ابن يونس: وقال ابن الموازي: قول ابن القاسم أنها لا تجزئ عنه إذا غرم قيمتها من كتب المجالس التي لم تدبر، وأحب إلي أن تجزئ أضحية عن ذابحها إذا أختار ربها أخذ القيمة، كعبد أعتقه عن ظهاره، فشهد المعتق بعد ذلك بشهادات وطلق ونكح ثم استحق، فأجاز ربه عتقه، فإنه يجزئ معتقه، وتنفذ شهادته التي كان شهد بها وجميع أحكامه، وإن نقضه سقطت تلك الشهادات وأموره، ورجعت إلى أمور العبيد. وأنظر لصاحب الأضحية أن لا يغرمه القيمة ويأخذها مذبوحة وعلى هذا قال ابن المواز: له أن يبيع ذلك اللحم ولا حرمة له. انتهي من التاج والإكليل (٢).
قوله: (بجذع ضأن، وثني معز وبقر وإبل: ذي سنة، وثلاث، وخمس) هذا شروع منه ﵏ في أسنان الضحية.
قال الشارح: الباء في بجذع متعلق بسن (٣).
البساطي: متعلق بضحية، أي بسن ضحية بجذع ضأن وثني معز وبقر وإبل، ذي سنة من الضأن والمعز، والثني من البقر ذوا ثلاث سنين، والثني من الإبل ذو خمس سنين.
قوله: (بلا شرك إلا في الأجر؛ وإن أكثر من سبعة، إن سكن معه وقرب له، وأنفق عليه وإن تبرعا) أي ولا يشترك في الضحايا في شيء منها إلا الاشتراك في الأجر فإنه يجوز له أن يشرك غيره في أجر أضحيته بشروط وإن أكثر من شاركه من سبعة أنفس هي أجر أضحيته.
إن سكن أي أن يكون من أشركه ساكن معه في بيت أو حكمه والشرط الثاني قرب له أي أن يكون قريبا بنسب أو ولاية أو نكاح والثالث أن ينفق عليه وإن كان الإنفاق تبرعا.
المواق: قال ابن حبيب: وله أن يدخل في أضحيته من بلغ من ولده وإن كان غنيا وأخاه وابن أخيه وقريبه إذا كانوا في نفقته والزوجة أكد من القرابة قال الله سبحانه ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم: ٢١].
قال مالك: ليس على الرجل أن يضحي عن زوجته إلا أن يشاء بخلاف
стр. 616
الفطرة (١).
قوله: (وإن جماء ومقعدة لشحم).
الجماء: هي الجلحاء هي التي لا قرن لها أي وتجزئ في الأضحية ذات السن المذكورة من الغنم والبقر وإن كانت جما أو مقعدة لشحم من الإبل والبقر والغنم (و) كذلك تجزئ (مكسورة قرن) من أعلاه أو أسفل إن لم يدمي (لا إن أدمى) حين الذبح فإنها لا تجزئ.
قوله: (كبين مرض، وجرب، وبشم، وجنون، وهزال، وعرج، وعور) تشبيه أي كما لا تجزئ بينة مرض وما ذكر معها هذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف أي كمرض بين لأن المرض يفسد اللحم ويضر بأكله أوجرب بين وبشم بين.
البشم: التخمة، وبين الجنون.
الباجي: لا نص في الجنون (٢).
ورآه كالمرض، وهزال بين، وعرج بين، وعور بين.
مفهوم الصفة في هذه السبعة أن عيبها إن لم يكن بينا فلا يضر والمفهوم صحيح، ويعنى بالهزال التي لا تنقي، أي لا مخ فيها.
وقيل: التي لا شحم فيها.
قوله: (وفائت جزء غير خصية وصمعاء جدا، وذي أم وحشية) أي وكذلك لا يجزئ في الضحية فائت جزء أو خلقة أو قطعها ولو دبرا بغير دبر أو فاحشا غير قطع خصية أي إلا قطع خصية فإنه لا يضر، وكذلك لا تجزي صماء جدا وهي السكاء وهي صغيرة الأذنين، مفهومه إن لم تكن صمعاء جدا فلا يضر، والمفهوم صحيح وذي أم وحشية وكذلك لا يجزئ في الأضحية ذو أم وحشية والأب أنسي، مفهومه أن الأم إذا كانت إنسية والأب وحشي إنه يجزئ وهو خلاف الأصح أن تكون الأم والأب إنسيان.
قوله: (وبتراء) هذا مستغنى عنه لأنه يدخل في قوله: وفائت جزء، ولكن عادة الشيوخ يذكرون الفروع وإن كان بعضها يغني عن بعض.
البتراء هي التي لا ذنب لها سواء كان ذلك بقطع أو خلقة. وكذلك لا تجزئ
стр. 617
(ويكماء) وهي التي لا تصوت إلا أن يكون ذلك عادة كالناقة إذا مضى لحملها أشهرا لا تصوت فإن ذلك لا يضر (و) كذلك لا يجزئ في الضحية (بخراء) وهي المنتنة الفم (و) كذلك لا يجزئ في الضحايا (يابسة ضرع) كله ومفهومه إن يبس بعض الضرع لا يضر والمفهوم صحيح (و) كذلك لا يجزئ (مشقوقة أذن) شقا فاحشا (و) كذلك لا يجزى في الضحايا (مكسورة سن) وأحرى قلعها إذا كان ذلك لغير إثفار أو لأجل (كبر) أو عجفا وإن كان لإثغار أو كبر وعجفا فإنه لا يضر (و) كذلك لا تجزى (ذاهبة ثلث ذنب) لأنه نقص في لحم وعظم ف (لا) يضر نقص ثلث (أذن) وما دون ثلث الذنب لا يضر الثلث في الذنب كثير وفي الأذن يسير.
قوله: (من ذبح الإمام الآخر الثالث) هذا شروع منه رحمة الله في وقت ذبح الضحايا أي ووقت ذبح الضحايا أو نحرها من ذبح الإمام بعد الخطبة لآخر أي إلى آخر اليوم الثالث هذا هو المشهور وهو قول مالك، وقال غيره: آخره آخر يوم النحر، وقال غيرهما: آخره آخر اليوم الرابع، وقال آخرون آخره آخر الشهر، ويرد أن آخره آخر يوم النحر.
قوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ [الحج: ٢٨] لأن أيام جمع وأقل الجمع ثلاثة عند كثير من الأصوليين فتحمل على المحقق والزيادة عليه تفتقر إلى دليل. انتهي من كمال الإكمال (١).
وإذا ذبح الإمام قبل الخطبة أعاد.
قوله: (وهل هو العباسي أو إمام الصلاة) أي وهل هذا الإمام الذي يراعى وقت ذبحه لضحيته هو العباسي أو نائبه أو إنما هو إمام الصلاة وإن لم يكن عباسيا ولا نائبه في ذلك (قولان) وعادة المصنف في مثل هذا أن يقول تردد لأنهم ترددوا في الفهم فيه ولا عبرة لإمام أو نائبه متغلبا لأنه ليس بإمام شرعا.
قوله: (ولا يراعى قدره في غير اليوم (الأول) أي ولا يراعى قدر ذبح الإمام في غير اليوم الأول ولو ذبح أضحيته بعد طلوع الفجر من اليوم الثاني والثالث أجزأه ولكن المستحب بعد ارتفاع الشمس.
قوله: (وأعاد سابقه) أي ومن ذبح قبل الإمام فإنه يعيد (إلا المتحري أقرب إمام) فأخطأ في تحريه فذبح قبل ذبح الإمام الذي تحراه فإنه لا يعيد بخلاف من تحرى
стр. 618
قبل طلوع الفجر فصلى ركعتيه ثم تبين أنه صلاهما قبل الفجر فإنه يعيدهما لخفة الأمر في ركعتي الفجر بخلاف الضحية.
قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله - أنظر إذا ذبح مع الإمام لا قبله ولا بعده أطلبوا نصه.
قوله: (كأن لم يبرزها وتوانى بلا عذر قدره) تشبيه لإفادة الحكم أي كما تجزيه أضحيته إن ذبحها قبل الإمام إذا لم يبرز الإمام أضحيته والحال أنه توانى أي تأخر بلا عذر بعد وصوله إلى داره أو قبل وصوله إليها قدره أي قدر لو ذبحها لذبح المتحري بعده.
قوله: (وبه انتظر للزوال) أي وإن كان تواني الإمام أي تأخيره عن ذبح أضحيته بسبب عذر فإن الناس ينتظرونه لذبح ضحاياهم إلى الزوال فإن ذبح ذبحوا وإن لم يذبح ذبحوا، ولم يذكر المصنف ولا ابن الحاجب ولا المدونة ما إذا لم يكن للإمام أضحية بل الحكم أن الإمام إذا فرغ من الخطبة بعد الصلاة ذبحوا أضحيتهم هكذا قرره شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله -
قوله: (والنهار شرط) أي والنهار شرط في وقت ذبح أضحيته فلا تجزئ في ليل وكذلك الهدايا.
قوله: (وندب إبرازها، وجيد، وسالم) هذا شروع منه لعلله في المندوبات أي وندب للإمام أن يبرز أضحيته إلى المصلى ليذبحها في الحضرة اقتداء بالنبي ﷺ وجيد أي وكذلك يندب في صفة الضحية أن يكون جيدا أي جميلا وما قاله البساطي هنا ليس بظاهر وكذلك يندب أن يكون سالما من العيوب التي يجزئ معها.
قوله: (وغير خرقاء، وشرقاء، ومقابلة، ومدابرة) مستغنى عنه لأنها داخلة في قوله: وسالم. والخرقاء هي التي في أذنها خرق مستدير الشرقاء مقطوعة بعض الأذن المقابلة مقطوعة بعض الأذن ويبقى معلقا من جهة الوجه. والمدابرة مقطوعة بعض الأذن ويبقى معلقا إلى جهة القفا.
قوله: (وسمين، وذكر، وأقرن، وأبيض، وفحل إن لم يكن الخصي أسمن) أي ومما يندب في الضحية أن يكون سمينا والمشهور استحباب التسمين خلافا لابن شعبان قائلا لأنه من فعل اليهود (١) وذكر أي وكذلك يستحب أن يكون ذكرا وأقرن أي وأن يكون
стр. 619
ذا قرن لأنها توزن في الميزان وأن يكون أبيض اللون وفحل أي وكذلك يندب أن يكون فحلا إن لم يكن الخصي سمينا فإذا كان الخصي سمينا هل هما سيان أو الخصي أفضل ولم يظهر ذلك من كلام المصنف، فقال بعض الشراح: إذا كان الخصي أسمن فهو أفضل (١).
قوله: (وضأن مطلقا) أي وأفضل نوع الضحية ضأن مطلقا ذكورها وإناثها ثم يليه في الفضل معز مطلقا فحلا كان أو خصيا أو أنثى لأن المطلوب في الضحايا طيب اللحم بخلاف الهدايا فإن المطلوب فيها كثرة اللحم.
قوله: (ثم معز، ثم هل بقر وهو الأظهر أو إبل؟ خلاف) أي وهل بقر في الضحايا أفضل من الإبل وهو الأظهر عند ابن رشد أو الإبل أفضل من البقر وهو قول ابن شعبان فيه خلاف، والخلاف خلاف في حال هل البقر أطيب لحما أم الإبل. ابن غازي: وصرح ابن عرفة بمشهورية الأول ولا أعلم من شهر الثاني (٢).
قوله: (وترك حلق وقلم لمضح) أي وندب لمن أراد أن يضحي ترك حلق شعره وقلم ظفره إذا استهل عشر ذي الحجة) إلى أن يذبح أضحيته.
قال النووي: والحكمة فيه أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار (٣).
والمراد بالشعر شعر جميع البدن حتى شعر الإبط.
قوله: (وضحية على صدقة وعتق) أي وذبح ضحيته أفضل من صدقة بسبعين دينار وعن العتق لأن إحياء السنة خير من التطوع.
قوله: (وذبحها بيده) أي وندب للمضحي أن يذبح أضحيته بيده ظاهره ذكرا كان أو أنثى اقتداء بالنبي ﷺ كالهدي لأنه من التواضع ولأنه دم يراق الله تعالى فيستحب أن يليه، ويجوز أجره ولا يستنيب إلا من عذر ولا خلاف أن الصبي لا يذبح لأنها قربة والصبي ليس من أهل القربة وأما المرأة ففيها خلاف.
وفي سلاح المؤمن (٤): وعن عمران بن حصين له أن رسول الله ﷺ قال: «يا
стр. 620
فاطمة قومي إلي أضحيتك فأشهديها فإنه يغفر لك كل ذنب عملتيه عند أول قطرة من دمها وقولي: «إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين» (١) قال عمران: قلت يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة فهل ذلك أنتم أم للمسلمين عامة قال: لا بل للمسلمين عامة (٢) انتهي.
وفي الحديث: «فلتذبح باسم الله على ذبيحتك إظهارا لإسلامه ومخالفة لمن ذبحه لغير الله تعالى وتبركا باسم الله (٣) المعنى ذبح قائلا باسم الله (و) يندب (للوارث إنفاؤها) أي تنفيذ ضحية موروثه كسائر التي تهيأ لها قبل موته ومات قبل ذبحها هذا إذا كان الورثة بالغين رشداء.
قوله: (وجمع أكل وصدقة وإعطاء بلاحد) أي وكذلك يندب أن يجمع في أضحيته الأكل منها والصدقة والإعطاء منها بلا حد في قدر الأكل ولا في الصدقة ولا في العطاء.
قوله: (واليوم الأول) أي وأفضل وقت ذكاة الضحية اليوم الأول كله إلى الغروب (وفي أفضلية أول الثالث على آخر الثاني تردد) في الفهم.
لو قال المصنف وفي أفضلية أول الثالث على آخر الثاني أو العكس لكان أولى (و) كذلك يندب (ذبح ولد خرج قبل الذبح و) أما ولد خرج (بعده) أي بعد الذبح فهو (جزء) من أجزائها.
قوله: (وكره جز صوفها قبله) أي وكره لمن ملك أضحية أن يجز صوفها قبل الذبح (إن لم ينبت) صوفها حتى يعود كما كان أو قريبا منه من وقت الجز (للذبح) لما في ذلك من نقص جمالها.
لو قال الشيخ: وكره جز صوفها إن لم ينبت لذبح قبله لكان أفصح. انتهى.
стр. 621
ومفهوم الشرط ظاهر، ومفهوم قبله جوازه بعد الذبح وهو ظاهر وينتفع به كجلدها بلا بيع.
قوله: (ولم ينوه حين أخذها) أي ولم ينوي الجز حين أخذها فإن نواه لم يكره له ذلك.
قال البساطي: إن تضررت لجز أو غيره جاز. انتهى (١).
الصوف ليس بشرط وكذلك الشعر والوبر.
قوله: (وبيعه) أي فإن وقع ونزل وجزها فإنه يكره له بيع ذلك الصوف أو الشعر أو الوبر بل ينتفع به بلا بيع إذ لم ينوي حين أخذها الانتفاع به ببيع أو غيره وأما إذا نواه جاز ولو بعد ذبحها لفتوى عبد الحميد الصائغ انتهى. فتح الجليل (٢).
ابن غازي: وأما لو نوى حين أخذها أن يجز صوفها لذبح، فقال ابن عرفة: أنه شرط مناقض لحكمها ونصه في قول ابن عبد السلام: ما وقع في بعض أجوبة عبد الحميد من اشتري شاة ونيته جز صوفها لينتفع به ببيع أو غيره جاز له ولو جزه بعد الذبح نظرا لأنه إن شرطه قبل ذبحها فذبحها يفيته وبعده مناقض لحكمها فيبطل على أصل المذهب في الشرط المنافي للعقد. انتهى (٣).
قوله: (وشرب لبن) أي وكذلك يكره شرب لبن الضحية ظاهره كان لها ولد أم لا وهو كذلك وظاهره ولو أضر بها أو فضل عن ولدها قال في المدونة لم أسمع من مالك في لبنها شيئا إلا أنه يكره لبن الهدي، وقد روي في الحديث: «لا بأس أن يشرب منه بعد ري فصيلها» (٤) وإن لم يكن للضحية ولد فأرى أن لا يشربه إلا أن يضربها بقاؤه فاليحلبها ويتصدق به ولو أكله لم أر عليه شيئا وإنما أنهاه عنه كما أنهاه عن جز صوفها (٥).
ابن عبد السلام: ظاهره الكراهة إذا لم يكن لها ولد وأحرى إذا كان لها ولد (٦).
стр. 622
قوله: (وإطعام كافر) أي ومما يكره إطعام كافر وإن كتابيا ذميا من لحم الضحية لأنها قربة فلا يعان بها إذ ليس من أهل القربة (وهل) محل الكراهة (إن بعث له) ذلك وأما إن كان في عياله أو أقاربه (أو ضيفه فلا كراهة وعليه حمل ابن رشد قول مالك بالكراهة أو قول مالك يكره مطلقا (ولو كان في عياله) من غير بعث له في ذلك (تردد) لعدم الفهم في كلام الإمام مالك.
قوله: (والتغالي فيها) أي ويكره التغالي في شراء الضحية لقول مالك له: أكره أن يجدها بعشرة دراهم أن يشتريها بمائة ابن رشد لأنه يؤدي إلى المباهات ولا كراهة عند انتفائها لخبر أفضل الرقاب أغلاها ثمنا. انتهي (١).
كل غال عال، فإن قصد الأفضل الجميل السمين فمستحب.
قوله: (وفعلها عن ميت) أي وكذلك يكره فعل ضحية عن ميت لعدم وروده عن السلف الصالح.
قوله: (كعتيرة) والعتيرة بمثناتين تشبيه أي كما كره العتيرة وهي عند ابن يونس: طعام يعمل لأهل الميت في النياحة.
مالك: أكره النياحة وأما طعام لأهل الميت لا للنياحة فمستحب كما تقدم في الجنائز فلا تعارض بين كلاميه وقيل إن العتيرة شاة كانت الجاهلية يذبحونها في رجب لآلهتهم والمراد هنا طعام يصنع للمناحة.
قوله: (وإبدالها بدون) أي ومما يكره إبدال الضحية بدون منها فتجوز بمثلها وبخير منها أحرى ونحوه في التهذيب (٢).
وأما الذي في الأمهات لا يبدلها إلا بخير منها ويحتمل هذا إن لم يعينها وإلا فسيأتي منع إبدالها إن عينت.
قوله: (وإن لاختلاط قبل الذبح) أي والكراهة حاصلة إن كان إبدالها بدون الاختلاط بغيرها قبل الذبح فإن كان الاختلاط بمساو فلا كراهة ويذبح كل ما نابه سحنون: ولو اشتركا في شراء أضحيتين ثم أخذ كل شاة فلا بأس به إن تساويا وإلا كره لأحدهما أخذ الأدنى ويجزئ إن لم يأخذ من شريكه ثمنا. انتهى من فتح
стр. 623
الجليل (١). هنا انتهى كلامه على المكروهات.
قوله: (وجاز أخذ العوض) أي وجاز لمضح أخذ عوض من المختلط (إن اختلطت) ضحيته مع غيرها (بعده) أي بعد الذبح ولم يعرف كل أضحيته فيأخذ كل واحدة من المختلط ويأكل منها ويتصدق لأنه شركة ضرورة (على الأحسن) مقابله لا يأكل منها بل يتصدق بها.
قوله: (وصح إنابة بلفظ) أي وصح توكيل على ذبح أضحيته بأحد أمرين بلفظ كوكلتك أو استخلفتك أو اذبح عني ويقبل الآخر الوكالة وظاهره كانت الاستنابة بعذر أولا وهو كذلك ولكن في قوله: وصح إن الأولي خلافه إذ قد تقدم في المندوبات وذبحه بيده وفي مختصر ابن عبد الحكم: عدم الاجزاء.
قوله: (إن أسلم ولو لم يصل) أي إنما تصح الاستنابة بشرط أن يكون النائب مسلما فلا تجوز نيابة كافر مجوسي اتفاقا أو كتابي على الأشهر وهو مذهب المدونة لأنها قربة وإن غربإسلامه ضمن وعوقب، ثم بالغ الشيخ فقال ولو لم يصل لصغر أو فسق لأن فسقه لا يؤثر في الذكاة وأشار بالواو إلى خلاف القائل بعدم صحتها بناء على كفره (أو نوى عن نفسه) أي وكذلك تصح إن نوى النائب ذبح الأضحية عن نفسه لا عن مالكها فإنها تجزئ عن المالك عند مالك وبه جزم في الشامل (٢) وهو داخل في خبر المبالغة فمقابله عدم الأجزاء عن المالك وهل تجزئ عن الذابح؟ أو لا قولان، لأصبغ والفضل ابن مسلمة.
قوله: (أو بعادة) أي وتصح الاستنابة بعادة فإن كان النائب يقوم عنه بأموره وذلك (كقريب) كأب أو ابن أو أخ ونحوه.
قوله: (وإلا فتردد) أي وإن لم يكن قريبا لرب الأضحية بل أجنبيا ذبح بغير إذنه ففيه تردد للمتأخرين في فهم النقل.
اللخمي كالقريب فتجزئ إن كان قائما عنه بأموره. انتهى (٣).
أو ليس كحكم القريب وهو مذهب المدونة.
стр. 624
قوله: (لا إن غلط، فلا تجزئ عن واحد منهما) أي لا إن غلط الذابح في ذبح أضحية غيره معتقدا أنها أضحيته فإنها لا تجزئ عن واحد منهما سواء أخذ ربها لحمها أو قيمتها.
ابن هارون: لم يحكوا خلافا في عدم إجزائها عن مالكها والمشهور لا تجزي عن الذابح (١).
قوله: (ومنع البيع) أي ومنع البيع في شيء من الأضحية من لحم أ وجلد أو شعر أو غيره.
قال ابن عرفة: المذهب منع بيع شيء منها ولا بماعون. انتهى.
وبالغ المصنف في عدم جواز البيع فيها فقال: (وإن ذبح قبل الإمام، أو تعيبت حالة الذبح) لأنه قصد بها حال الذبح التقرب إلى الله تعالى فامتنع البيع وإن لم يتم قصده كما إذا ذبح قبل الإمام أو تعيبت عيبا لا يجزي معه حالة الذبح كقلع عينها مثلا في تلك الحال وكذلك إن تعيبت قبل الذبح وإليه أشار بقوله: (أو قبله) واستشكله المواق في التاج والإكليل (٢) فقال: انظر هذا ليس كالتعييب حال الذبح لأنه إنما منع من البيع لأنه قصد بالذبح النسك ومقتضي ما يتقرر أن الأضحية إذا تعيبت قبل الذبح فهي مال من ماله، وقال بعد هذا فلا تجزئ إن تعيبت قبله وصنع بها ما شاء، وقد قال مالك في المدونة من اشترى أضحية سمينة فعجفت عنده أو أصابها عور لم تجزه. انتهى (٣).
قوله: (أو ذبح معيبا جهلا) أي وكذلك لا يبيع شيئا منها إذا ذبحها معيبة بنية الضحية جهلا لأن المعيبة لا تجزئ أو جهلا بالعيب الكائن فيها ثم اطلع على العيب بعد ذبحها والعلة في الكل واحدة وهي قصد القربة واختلف شيوخ الأندلس في من اشترى أضحية فذبحها فوجدها عجفاء هل له ردها مذبوحة أولا ويأخذ قيمة العيب.
قوله: (والإجارة والبدل) أي ومنعت الإجارة لأضحية قبل ذبحها وبجلدها
стр. 625
بعدها ولا يجوز أن يستأجر على سلخها بشيء منها.
وفي المدونة: لا يعطى الجزار من لحمها.
وكذلك يمنع البدل فيها إن أوجبها وظاهره ولو تخير منها، وما تقدم من كراهة إبدالها بدون أي حيث لم يوجبها.
ابن عرفة: وجوبها المانع أبدلها إلا بخير منها شراؤها بنية الأضحية. انتهى.
ويحتمل أن يريد أن المنع هنا بعد الذبح، وفيما تقدم قبله بلا منافاة بينهما (١).
قوله: (إلا لمتصدة عليه) مستثنى من قوله: ومنع البيع أي ومن تصدق عليه بشيء من الضحية فله البيع لما ملكه فيها من لحم أو جلد وإجارة الجلد.
ابن غلاب وهو المشهور. فتح الجليل (٢).
ومن كتاب ابن المواز: لا يتصدق بجلد الأضحية أو لحمها على من يعلم أنه يبيعه، ومن تصدق به عليه فلا يبيعه ولا يبدله بمثله من جلد أضحية أو غيرها قاله مالك، ولم ينقل ابن يونس خلاف هذا.
ابن رشد: ولو وهب الجلد لمسكين لجاز للمسكين بيعه لقوله ﷺ في اللحم الذي تصدق به على بريرة: «هو لها صدقة ولنا هدية» (٣).
أصبغ ولو كانت الصدقة بعد انتقالها إلى المتصدق عليه على الحكم الأول لم تحل للنبي ﷺ . انتهى من التاج والإكليل (٤).
وفي فتح الجليل: وانظر مفهوم المتصدق عليه هل هو معتبر فيمنع البيع للمهدى له أو غير معتبر فيكون غير المتصدق عليه كالمتصدق عليه (٥).
قوله: (وفسخت) أي وفسخت العقدة بيعا كانت أو إجارة أو بدلا إن عثر عليها قبل فوات العين ورد المبيع والمبدل وإن لم يعثر على ذلك إلا بعد الفوات،
стр. 626
وتصدق بالعوض في القوت) الذي أخذ عند ابن القاسم وابن حبيب، وحمل أصبغ كلام ابن القاسم على ما إذا تولى المضحي العقد بنفسه أو غيره عنه بإذنه، وصرف ذلك عليه فيما يلزمه، وأما إن تولى ذلك غيره بغير إذنه وصرفه في ما لا يلزمه فلا شيء عليه، وإليه منطوقا ومفهوما وتقييدا أشار بقوله: (إن لم يتول غير بلا إذن و بلا صرف فيما لا يلزمه)، وسحنون يجعله في مثل ما فات، فيجعل ثمن اللحم في طعام وثمن الجلد في ماعون. انتهى من فتح الجليل (١).
قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله -: قوله وصرف فيما لا يلزم جملة حالية أي والحال أنه صرف فيما لا يلزمه.
فرع ومن المدونة ومن ضلت منه أضحية ثم وجدها في أيام النحر فليذبحها إلا أن يكون قد ضحى ببدلها فليصنع بها ما شاء.
وكذلك إن لم يضح ببدلها ثم وجدها بعد أيام النحر فيصنع بها ما يشاء (٢).
قوله: (كأرش عيب لا يمنع الإجزاء) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يتصدق بإرش عيب لا يمنع الإجزاء كما إذا وجد بعض ضرعها يابسا، فأخذ إرش العيب، وفي بعض النسخ كإرش عيب يمنع الإجزاء، تشبيه للمفهوم من قوله: إن لم يتول غير بلا إذن كلاهما صحيح.
قوله: (وإنما تجب بالنذر والذبح) أي وحكم الضحية السنية وقد تجب، وإنما تجب بالنذر بأن يقول الله علي ضحية أو علي ضحية، وتجب بالذبح نذرت أم لا، والواو في قوله والذبح بمعنى أو، ولا تجزئ حتى يتم ذبحها سالمة، فسبب ذلك ﴿فلا تجزئ إن تعيبت قبله﴾، أي قبل الذبح، ﴿وصنع بها ما شاء﴾ من بيع أو غيره.
قوله: (كحبسها حتى فات الوقت) تشبيه، أي كما يصنع بها ما شاء إن حبسها حتى فاتت أيام النحر ﴿إلا أن هذا﴾ الحابس لها حتى فات الوقت (آثم)، وهذا بناء على القول بوجوبها أو لأجل التهاون بالسنن انتهى. وأخذ بعضهم من التأثيم أن الضحية واجبة، وأخذ بعضهم الاستحباب من قوله: الأحب تركها لمن لم يقو عليها.
قوله: (وللوارث القسم، ولو ذبحت) أي وللوارث قسم الأضحية بموت مورثهم ولو بعد الذبح، بناء على أن القسم تمييز حق، ولا يكون القسم إلا بالقرعة لا
стр. 627
بالتراضي، لأن التراضي بيع بلا خلاف وفي القرعة خلاف، وعن القسم وفي كونه بحسب الأكل فحظ الأنثى وإن زوجة كالذكر، وبحسب الميراث قولان لابن القاسم وأشهب، التونسي: الأول أشبه اللخمي: الثاني أصوب (١).
قوله: ﴿لا بيع بعده في دين﴾، أي لا يباع شيء من أضحية في دين صاحبها الميت بعد الذبح، وأما قبله فإنها تباع في دين محيط. هنا انتهى الكلام في الضحايا وشرع الله في ذكر العقيقة وحكمها الندب خلافا لمن قال: مباح.
وندب ذبح واحدة تجزئ ضحية عقيقة عن كل مولود مسلم ذكرا كان أو أنثى، خلافا لمن قال: يعق عن الذكر باثنين والأنثى بواحدة، وإن ولدت ولدين في بطن واحد، فيعق عن كل واحد بشاة انتهى (٢).
ومحمل الحديث بذكر الشاة تخفيفا عن أمته ﷺ . العقيقة في مال الأب وإن كان للولد مال أم لا، إلا أن يكون يتيما فمنه، ولا يلزم الأقارب ولا يعق عبد ولا يضحي إلا بإذن سيده، وسن العقيقة وصفتها كالضحية.
قوله: (في سابع الولادة) ووقت العقيقة في يوم سابع الولادة (نهارا)، فلو ذبحت العقيقة ليلا فلا تجزئ اتفاقا، واختلف إذا ذبحت بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، قيل: تجزئ، وقيل: لا تجزئ.
قوله: في سابع الولادة هو المشهور لا قبله ولا بعده، وقيل: إن لم توجد في اليوم السابع ففي الثامن والتاسع، وقيل إن لم توجد في اليوم السابع ففي سابع السابع. عياض والعقيقة طعام سابع المولود.
والوضيمة، بفتح الواو وكسر الضاء المعجمة، طعام المصيبة. والخرص، بضم الخاء والراء معا والصاد المهملة، طعام الولادة والإعذار، بكسر الهمزة وبالعين المهملة والذال المعجمة، طعام الختان والوكيدة طعام البناء. والنقيعة طعام قدوم المسافر.
والمأدبة بضم الدال وفتحها، طعام الضيافة.
وقال القتيبي: المأدبة كل طعام يصنع لدعوة. انتهى من إكمال الإكمال (٣).
стр. 628
قوله: (وألني يومها إن سبق بالفجر) أي وألغى يوم الولادة فلا يحسب في السبع الأيام إن سبق المولود بطلوع الفجر وهو من الأيام الملغاة.
قوله: (والتصدق بزنة شعره)، أي ويندب التصدق بزنة شعر المولود من ذهب أو فضة.
قوله: (وجاز كسر عظامها) أي وجاز كسر عظام العقيقة، وقال بعضهم: بل هو مستحب مخالفة للجاهلية لأنهم كانوا يحزمونها ويقطعونها من مفاصيلها. ومصرف العقيقة كمصرف الأضحية، يأكل منها أهل البيت والجيران، (وكره عملها وليمة) يدعى إليها، فإن أرادوا وليمة فمن غيرها خيفة الفخر (ولطخه بدمها) أي وكذلك يكره لطخ المولود بدم العقيقة وإن قل غير مسفوح، لأنه من عمل الجاهلية ليكون الولد شجاعا (وختانه يومها) أي وكذلك يكره ختان المولود يوم العقيقة له لأنه من فعل اليهود، واستحب أن يكون ختانه حيث يؤمر بالصلاة من سبع إلى عشر.
وسكت الشيخ نعم الله عن التسمية والختان والخفاض ومقتضي القواعد وجوب التسمية، وسمع ابن القاسم ويسمى المولود يوم سابعه.
ابن رشد يذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى وفيه سعة لحديث: «ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم» (١) ويستحب أن يحنك بحلال ويؤذن في أذنه الأيمن ويقيم في الأيسر.
الباجي وأفضل الأسماء ذو العبودية (٢)، وتمنع التسمية بما قبح كحرب، وتحرم بملك الأملاك، ولا ينبغي بجبريل ونحوه.
عياض: غير محمد ﷺ اسم حكيم وعزيز لما فيهما من التسمية بصفات الله تعالى (٣).
وروي العتبي أن أهل مكة يتحدثون ما من بيت فيه اسم محمد إلا رأو خيرا أو
стр. 629
رزقوه. انتهي (١).
وقال في إكمال الإكمال والختان قال مالك والأكثر هو سنة وأوجبه الشافعي وهو مقتضي قول سحنون.
قال عياض: ويطلق الختان على إزالة ما ينتهي إليه القطع من الصبي والجارية وعلى موضع القطع والأول هنا المراد وهو في الصبي قطع جلة الكمرة، وفي الجارية ويسمى الخفاض قطع جليدة في أعلى الفرج على ثقب البول كعرف الديك (٢).
قال النووي: وقطع أدنى جزه من تلك الجلدة كاف (٣).
قال الفخر (٤) وشرع الختان تقليلا للذة الوقاع وعلل الشيخ مشروعيته بأنه أنقى من البول لأنه إذا لم يختتن لم ينقطع أثر البول. ومن له ذكران عاملان ختنا معا والعمل قيل: البول، وقيل: الوطء، وإن كان العامل أحدهما ختن وحده، والأظهر في الخنثى المشكل أنه لا يختن حتى يتبين وقيل يختن. انتهى (٥).
ابن شاس: وأختلف في من ولد مختونا فقيل قد كفى الله سبحانه المؤونة فيه وقيل تجر الموسى عليه فإن كان فيه ما يقطع قطع. انتهي (٦).
ولد رسول الله ﷺ مختونا مقطوع الصرة، وقيل: إنما ختنه جده عبد المطلب
стр. 630
وسماه محمد. انتهى (١).
لو قال الشيخ: ومختونه لكان أحسن لأن الختان موضع القطع من الصبي والجارية.
стр. 631
باب [في اليمين]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل اليمين وما يتعلق بها وهو باب ينبغي الاعتناء به لكثرة وقائعه وتشعب فروعه فيحتاج إليه.
واليمين مؤنثة لخبر: «من اقتطع يمين كاذبة مال مسلم (١) الحديث وجمعها أيمان وأيمن وأصلها لغة في العضو، لأنهم كانوا إذا تحالفوا وضع أحدهم يمينه بيمين صاحبه فسميت به، وقيل اليمين في اللغة القوة، سمي به العضو لقوته على اليسار ومنه: ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ [الحاقة: ٤٤] أي القوت واليمين الحلف والإبلاء والقسم ألفاظ مترادفة، واختلف هل الحلف من حيث هو مباح وإليه ذهب الأكثر، ابن عبد السلام: وهو الصحيح نقلا ونظرا، أو راجح الترك وإليه ذهب بعضهم قولان.
ابن حبيب: أقول كقول عمر: اليمين مأثمة ومندمة، وما يكاد من حلف يسلم من الحنث، واختلف هل اليمين ضرورية فلا تحتاج لحد اصطلاحا، أو نظرية فتحتاج. قال بعضهم: وهو الحق. وهل التعليق منها وعليه الأكثر أو لا قولان. انتهى فتح الجليل (٢).
وفي إكمال الإكمال: واحتج شيخنا لأنها أيمان حقيقة بأنه في المدونة ترجم بكتاب الأيمان: الطلاق ولم يذكر فيه إلا التعاليق لفظا، وإذا بطل أن يكون ضروريا فهو نظري والنظري يفتقر إلى تعريف. وعرفه ابن العربي بأنه ربط العقد بالامتناع من الفعل أو القدوم عليه بمعظم حقيقة أو اعتقادا، وتعقب بأنه يخرج عنه ليمين الغموس، واللغو، والتعاليق. انتهى (٣).
قوله: (اليمين: تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته) هكذا عرفه المصنف ﵀ الظاهر أنه أراد تعريف اليمين من حيث هي، وأما ما فيه الكفارة وما ليس فيه فسيبينه بعد إن شاء الله.
стр. 632
وفي التاج والإكليل: ابن رشد: النذر واليمين والحلف والقسم عبارات عن العقد على النفس بحق من له حق، ولما كان لا حق على الحقيقة إلا لله تعالى منع اليمين بغيره إذ ما سواه باطل. انتهى.
وفي الحديث النبوي: «من كان حالفا فليحلف بالله» (١).
قال الشيخ: اليمين تحقيق ما لم يجب أي تقرير ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته، فأخرج الواجب لأنه ليس بيمين كو الله لأموتن وأدخل الممكن والمستحيل كو الله لأدخلن الدار أو لأشربن البحر أو لأصعدن السماء، فهذا مستحيل عادة واعترض لأنه كغموس. انتهى.
اليمين الشرعية الموجبة للكفارة في الحنث: تقرير ما لم يجب وقوعه بذكر اسم الله تعالى كبالله، وهالله]، وأيم الله، وحق الله، والعزيز، الباء في بذكر اسم الله سببية أو معية، وقد تبدل الواو بالهاء كها الله.
قوله: كبالله، وهالله، وأيم الله، وحق الله، والعزيز، وعظمته، وجلاله، وإرادته، وكفالته، وكلامه، والقرآن، والمصحف أي يمنه وبركته، وفي الحلف بالله فوائد أربع: تعظيم الله تعالى، واتباع الرسوله ﷺ ، ونفع الاستثناء فيه، وأنه إذا حنث ليس عليه إلا الكفارة، وكذلك من حلف بصفة من صفاته النفسية أو المعنوية وصفاته المعاني كعظمته وجلاله، وإرادته وكفالته، وكفالته ضمانه وضمانه التزامه، والتزامه وعده ووعده كلامه، وكذلك من حلف بالقرآن والمصحف، إذا أراد ما دل عليه من الكلام القديم، وأما إن قصد به الحادث لم تلزمه الكفارة اتفاقا، وأما إن لم تكن له نية أو كانت له ونسيها فعليه الكفارة على المشهور.
قال في فتح الجليل: ولمالك: لا كفارة فيهما، واستظهره ابن عبد السلام، لأن المتبادر للذهن إنما هو الحروف والأصوات في الأول، والجلد وما احتوى عليه في الثاني، والخلاف حيث لا نية أو مع نسيانها، وأما مع قصد القديم فالحنث اتفاقا، ومع الحادث فعدمه اتفاقا، ولا فرق بين الحلف بكلمة أو سورة منه أو آية رواه ابن حبيب، وكالحلف بهما الحلف بالكتاب وبما أنزل الله على المشهور (٢).
стр. 633
قوله: (وإن قال: أردت وثقت بالله) أي وإن قال الحالف أردت بقولي بالله وثقت أو اعتصمت بالله (ثم ابتدأت) فقلت: (لأفعلن دين) أي وكل إلى دينه فيقبل قوله، فالله حسيبه في زعمه، لأن قول القائل بالله لا بد من تعلقه بشيء ويصح أن يكون بأقسم أو غيره.
قال البساطي: هذا ظاهر فيما لا يتعين جوابا للقسم، وأما في مثل لأفعلن وهو الذي مثل له ففي إخراجه عن جواب القسم تكلف ينبغي أن لا يقبل منه ما ادعاه (١).
قوله: (لا بسبق لسانه) أي فلا يدين في دعواه بسبق لسانه بكوالله إنه ما نوى به اليمين.
قوله: (وكعزة الله وأمانته، وعهده، وعلي عهد الله) معطوف على قوله: كبالله، وتنعقد اليمين إن أراد عزة الله وأمانته التي هي من صفاته وأما إن أراد ما جعله الله في بعض عباده من العزة والأمانة فلا تنعقد به اليمين وإليه أشار بقوله: ﴿إلا أن يريد المخلوق﴾، وأمانته تكليفه، وتكليفه التزامه، والتزامه أمره ونهيه، وأمره كلامه، ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية إذ قال لهن الباري تعالى: تقمن بها فلكن الثواب الجزيل وإن لم تقمن فعليكن العذاب الوبيل وقلن لا نعدل بالسلامة شيئا ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوما أي لنفسه جهولا﴾ [الأحزاب: ٧٢] لأمر ربه.
قوله: (وكأحلف، وأقسم، وأشهد) أي وتنعقد اليمين بأحد هذه الألفاظ (إن نوى) بالله وأحرى إن تلفظ به، وإن قصد غير الله أو لم يقصد شيئا فلا.
قوله: (وأعزم إن قال بالله) أي فإن قال: أعزم بالله فهو يمين، وإن لم يقل بالله فليس بيمين وإن نوى الله، نص على ذلك ابن يونس تبعا لما في الأمهات، (وفي) لزوم اليمين بقوله: (أعاهد الله قولان) لابن حبيب فالكفارة بالحنث وعدمها لابن شعبان لأنه عهد منه وليس بصفة.
قوله: (لا بلك علي عهد) شروع منه تحملته فيما ليس بيمين أي فلا تنعقد اليمين بقوله لك علي عهد أو أعطيك عهدا، و كذلك لا تنعقد اليمين بقوله لآخر: (عزمت عليك بالله إلا ما فعلت كذا فخالف فلا شيء على واحد منهما، (و) كذلك (حاش الله، ومعاذ الله) أي الإستعاذ بالله لا تنعقد بهما اليمين لأنهما ليسا بيمين.
стр. 634
قال صاحب فتح الجليل ومعاد الله بالدال المهملة اسم مكان العود، والله تعالى يعود إليه الأمر كله (١).
قال شيخنا محمود بن عمر: لا أدري أهذا اجتهاد منه أو رأى نقلا فيه، وكذلك قول القائل: (والله راع أو كفيل) لا يكون يمينا.
قوله: (والنبي والكعبة) أي وكذلك من حلف بغير الله وإن كان معظما فليست بيمين، كمن حلف بالنبي والرسول والكعبة والبيت والمقام والحج ونحوها مما هو مخلوق لما تقدم أن اليمين إنما تكون بأسماء الله وصفاته، ولقوله ﷺ : «فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (٢)، وقيست الصفة بالاسم، وسكة المصنف عن ذكر الخلاف في الحلف بهذه الأشياء وما أشبهها هل هو حرام أو مكروه مع أنه قال في توضيحه: الأظهر التحريم.
الفاكهاني في الحلف بغير الله كالمسجد والرسول ومكة والصلاة والزكاة ونحوها مكروهة على المشهور، وكره ابن حبيب أن يقول: رغم أنفي لله، أو يقول الصائم والذي ختمه على فمي. انتهى من فتح الجليل (٣).
الحالف بشيء معظم له، فإن عظم ما يعظم صدق وإلا كذب.
وفي إكمال الإكمال حديث: «إن الله ينهاكم عن أن تحلفوا بآبائكم» (٤).
عياض: لأنه من تعظيم غير الله تعالى فينهى عن الحلف بكل مخلوق.
و قد قال ابن عباس: لأن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغير الله فأبر ولا يعترض على هذا بقوله ﷺ : (قد أفلح وأبيه إن صدق (٥) لأنه لم يقصد به
стр. 635
اليمين وإنما هو من الكلام الجاري على الألسنة دون قصد.
وأما قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون وطور سينين﴾ [التين: ١ - ٣] فقيل: إنه على حذف مضاف أي ورب التين وعلى تسليم إنه قسم، فلله سبحانه أن يعظم من خلقه ما شاء ويمنعنا نحن من ذلك.
فتعظيمه تعالى للأشياء غير تعظيمنا لها، وإنما تعظيمه لتلك الأشياء تنبيها لنا على قدرها عنده وعلى ما فيها من العجائب والمنة. انتهى (١).
قوله: (وكالخلق والإماتة) أي وكذلك لا تنعقد اليمين لمن حلف بما يصدر عن قدرة الله تعالى، كالخلق والرزق والإماتة التي هي ضد الحياة والإعطاء والإحسان ونحو ذلك من صفات الفعل، لأنها ليست بإيمان.
قال صاحب فتح الجليل: ويظهر من كلام الشارح أنها الأمانة بالنون فحاول الفرق بين هذه وبين أمانته السابقة بأن تالك مضافة لاسم الله دون هذه وهو غير بين، وتبعه البساطي في أنها بالنون. انتهى ما قدرناه. نحوه لابن يونس: لا كفارة على من حلف بشيء من صفات أفعاله تعالى كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وأما لو قال: والخالق والرازق والمحيي والمميت، فهذا حالف بالله فعليه الكفارة وإن كانت تسميته تقتضي صفات الفعل. انتهى (٢).
قوله: (أو هو يهودي) أي فإن قال: إن فعلت كذا أو إن لم أفعل كذا فهو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو مرتد أو على غير ملة الإسلام أو سارق أو زان أو يأكل الميتة أو عليه غضب الله، أو دعا على نفسه فلا كفارة عليه، فليستغفر الله، وقيل لابد معه من التشهد.
البساطي: والظاهر أن من قال: هو باغض لرسول الله إن فعل كذا ثم فعله قتل ومن قال: هو على غير ملة الإسلام إن فعل ثم فعل. انتهى.
قوله: (وغموس) أي وكذلك لا كفارة في يمين غموس، وهي أكبر من أن تكفر، وسميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار، وقيل في الإثم.
قال المصنف: وهو أظهر لأنه سبب حاصل.
قوله: (بأن شك، أو ظن) تفسير للغموس أي فإن شك الحالف حين حلفه فيما