باب [في اليمين]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل اليمين وما يتعلق بها وهو باب ينبغي الاعتناء به لكثرة وقائعه وتشعب فروعه فيحتاج إليه.
واليمين مؤنثة لخبر: «من اقتطع يمين كاذبة مال مسلم (١) الحديث وجمعها أيمان وأيمن وأصلها لغة في العضو، لأنهم كانوا إذا تحالفوا وضع أحدهم يمينه بيمين صاحبه فسميت به، وقيل اليمين في اللغة القوة، سمي به العضو لقوته على اليسار ومنه: ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ [الحاقة: ٤٤] أي القوت واليمين الحلف والإبلاء والقسم ألفاظ مترادفة، واختلف هل الحلف من حيث هو مباح وإليه ذهب الأكثر، ابن عبد السلام: وهو الصحيح نقلا ونظرا، أو راجح الترك وإليه ذهب بعضهم قولان.
ابن حبيب: أقول كقول عمر: اليمين مأثمة ومندمة، وما يكاد من حلف يسلم من الحنث، واختلف هل اليمين ضرورية فلا تحتاج لحد اصطلاحا، أو نظرية فتحتاج. قال بعضهم: وهو الحق. وهل التعليق منها وعليه الأكثر أو لا قولان. انتهى فتح الجليل (٢).
وفي إكمال الإكمال: واحتج شيخنا لأنها أيمان حقيقة بأنه في المدونة ترجم بكتاب الأيمان: الطلاق ولم يذكر فيه إلا التعاليق لفظا، وإذا بطل أن يكون ضروريا فهو نظري والنظري يفتقر إلى تعريف. وعرفه ابن العربي بأنه ربط العقد بالامتناع من الفعل أو القدوم عليه بمعظم حقيقة أو اعتقادا، وتعقب بأنه يخرج عنه ليمين الغموس، واللغو، والتعاليق. انتهى (٣).
قوله: (اليمين: تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته) هكذا عرفه المصنف ﵀ الظاهر أنه أراد تعريف اليمين من حيث هي، وأما ما فيه الكفارة وما ليس فيه فسيبينه بعد إن شاء الله.
стр. 632
وفي التاج والإكليل: ابن رشد: النذر واليمين والحلف والقسم عبارات عن العقد على النفس بحق من له حق، ولما كان لا حق على الحقيقة إلا لله تعالى منع اليمين بغيره إذ ما سواه باطل. انتهى.
وفي الحديث النبوي: «من كان حالفا فليحلف بالله» (١).
قال الشيخ: اليمين تحقيق ما لم يجب أي تقرير ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته، فأخرج الواجب لأنه ليس بيمين كو الله لأموتن وأدخل الممكن والمستحيل كو الله لأدخلن الدار أو لأشربن البحر أو لأصعدن السماء، فهذا مستحيل عادة واعترض لأنه كغموس. انتهى.
اليمين الشرعية الموجبة للكفارة في الحنث: تقرير ما لم يجب وقوعه بذكر اسم الله تعالى كبالله، وهالله]، وأيم الله، وحق الله، والعزيز، الباء في بذكر اسم الله سببية أو معية، وقد تبدل الواو بالهاء كها الله.
قوله: كبالله، وهالله، وأيم الله، وحق الله، والعزيز، وعظمته، وجلاله، وإرادته، وكفالته، وكلامه، والقرآن، والمصحف أي يمنه وبركته، وفي الحلف بالله فوائد أربع: تعظيم الله تعالى، واتباع الرسوله ﷺ ، ونفع الاستثناء فيه، وأنه إذا حنث ليس عليه إلا الكفارة، وكذلك من حلف بصفة من صفاته النفسية أو المعنوية وصفاته المعاني كعظمته وجلاله، وإرادته وكفالته، وكفالته ضمانه وضمانه التزامه، والتزامه وعده ووعده كلامه، وكذلك من حلف بالقرآن والمصحف، إذا أراد ما دل عليه من الكلام القديم، وأما إن قصد به الحادث لم تلزمه الكفارة اتفاقا، وأما إن لم تكن له نية أو كانت له ونسيها فعليه الكفارة على المشهور.
قال في فتح الجليل: ولمالك: لا كفارة فيهما، واستظهره ابن عبد السلام، لأن المتبادر للذهن إنما هو الحروف والأصوات في الأول، والجلد وما احتوى عليه في الثاني، والخلاف حيث لا نية أو مع نسيانها، وأما مع قصد القديم فالحنث اتفاقا، ومع الحادث فعدمه اتفاقا، ولا فرق بين الحلف بكلمة أو سورة منه أو آية رواه ابن حبيب، وكالحلف بهما الحلف بالكتاب وبما أنزل الله على المشهور (٢).
стр. 633
قوله: (وإن قال: أردت وثقت بالله) أي وإن قال الحالف أردت بقولي بالله وثقت أو اعتصمت بالله (ثم ابتدأت) فقلت: (لأفعلن دين) أي وكل إلى دينه فيقبل قوله، فالله حسيبه في زعمه، لأن قول القائل بالله لا بد من تعلقه بشيء ويصح أن يكون بأقسم أو غيره.
قال البساطي: هذا ظاهر فيما لا يتعين جوابا للقسم، وأما في مثل لأفعلن وهو الذي مثل له ففي إخراجه عن جواب القسم تكلف ينبغي أن لا يقبل منه ما ادعاه (١).
قوله: (لا بسبق لسانه) أي فلا يدين في دعواه بسبق لسانه بكوالله إنه ما نوى به اليمين.
قوله: (وكعزة الله وأمانته، وعهده، وعلي عهد الله) معطوف على قوله: كبالله، وتنعقد اليمين إن أراد عزة الله وأمانته التي هي من صفاته وأما إن أراد ما جعله الله في بعض عباده من العزة والأمانة فلا تنعقد به اليمين وإليه أشار بقوله: ﴿إلا أن يريد المخلوق﴾، وأمانته تكليفه، وتكليفه التزامه، والتزامه أمره ونهيه، وأمره كلامه، ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية إذ قال لهن الباري تعالى: تقمن بها فلكن الثواب الجزيل وإن لم تقمن فعليكن العذاب الوبيل وقلن لا نعدل بالسلامة شيئا ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوما أي لنفسه جهولا﴾ [الأحزاب: ٧٢] لأمر ربه.
قوله: (وكأحلف، وأقسم، وأشهد) أي وتنعقد اليمين بأحد هذه الألفاظ (إن نوى) بالله وأحرى إن تلفظ به، وإن قصد غير الله أو لم يقصد شيئا فلا.
قوله: (وأعزم إن قال بالله) أي فإن قال: أعزم بالله فهو يمين، وإن لم يقل بالله فليس بيمين وإن نوى الله، نص على ذلك ابن يونس تبعا لما في الأمهات، (وفي) لزوم اليمين بقوله: (أعاهد الله قولان) لابن حبيب فالكفارة بالحنث وعدمها لابن شعبان لأنه عهد منه وليس بصفة.
قوله: (لا بلك علي عهد) شروع منه تحملته فيما ليس بيمين أي فلا تنعقد اليمين بقوله لك علي عهد أو أعطيك عهدا، و كذلك لا تنعقد اليمين بقوله لآخر: (عزمت عليك بالله إلا ما فعلت كذا فخالف فلا شيء على واحد منهما، (و) كذلك (حاش الله، ومعاذ الله) أي الإستعاذ بالله لا تنعقد بهما اليمين لأنهما ليسا بيمين.
стр. 634
قال صاحب فتح الجليل ومعاد الله بالدال المهملة اسم مكان العود، والله تعالى يعود إليه الأمر كله (١).
قال شيخنا محمود بن عمر: لا أدري أهذا اجتهاد منه أو رأى نقلا فيه، وكذلك قول القائل: (والله راع أو كفيل) لا يكون يمينا.
قوله: (والنبي والكعبة) أي وكذلك من حلف بغير الله وإن كان معظما فليست بيمين، كمن حلف بالنبي والرسول والكعبة والبيت والمقام والحج ونحوها مما هو مخلوق لما تقدم أن اليمين إنما تكون بأسماء الله وصفاته، ولقوله ﷺ : «فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (٢)، وقيست الصفة بالاسم، وسكة المصنف عن ذكر الخلاف في الحلف بهذه الأشياء وما أشبهها هل هو حرام أو مكروه مع أنه قال في توضيحه: الأظهر التحريم.
الفاكهاني في الحلف بغير الله كالمسجد والرسول ومكة والصلاة والزكاة ونحوها مكروهة على المشهور، وكره ابن حبيب أن يقول: رغم أنفي لله، أو يقول الصائم والذي ختمه على فمي. انتهى من فتح الجليل (٣).
الحالف بشيء معظم له، فإن عظم ما يعظم صدق وإلا كذب.
وفي إكمال الإكمال حديث: «إن الله ينهاكم عن أن تحلفوا بآبائكم» (٤).
عياض: لأنه من تعظيم غير الله تعالى فينهى عن الحلف بكل مخلوق.
و قد قال ابن عباس: لأن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغير الله فأبر ولا يعترض على هذا بقوله ﷺ : (قد أفلح وأبيه إن صدق (٥) لأنه لم يقصد به
стр. 635
اليمين وإنما هو من الكلام الجاري على الألسنة دون قصد.
وأما قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون وطور سينين﴾ [التين: ١ - ٣] فقيل: إنه على حذف مضاف أي ورب التين وعلى تسليم إنه قسم، فلله سبحانه أن يعظم من خلقه ما شاء ويمنعنا نحن من ذلك.
فتعظيمه تعالى للأشياء غير تعظيمنا لها، وإنما تعظيمه لتلك الأشياء تنبيها لنا على قدرها عنده وعلى ما فيها من العجائب والمنة. انتهى (١).
قوله: (وكالخلق والإماتة) أي وكذلك لا تنعقد اليمين لمن حلف بما يصدر عن قدرة الله تعالى، كالخلق والرزق والإماتة التي هي ضد الحياة والإعطاء والإحسان ونحو ذلك من صفات الفعل، لأنها ليست بإيمان.
قال صاحب فتح الجليل: ويظهر من كلام الشارح أنها الأمانة بالنون فحاول الفرق بين هذه وبين أمانته السابقة بأن تالك مضافة لاسم الله دون هذه وهو غير بين، وتبعه البساطي في أنها بالنون. انتهى ما قدرناه. نحوه لابن يونس: لا كفارة على من حلف بشيء من صفات أفعاله تعالى كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وأما لو قال: والخالق والرازق والمحيي والمميت، فهذا حالف بالله فعليه الكفارة وإن كانت تسميته تقتضي صفات الفعل. انتهى (٢).
قوله: (أو هو يهودي) أي فإن قال: إن فعلت كذا أو إن لم أفعل كذا فهو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو مرتد أو على غير ملة الإسلام أو سارق أو زان أو يأكل الميتة أو عليه غضب الله، أو دعا على نفسه فلا كفارة عليه، فليستغفر الله، وقيل لابد معه من التشهد.
البساطي: والظاهر أن من قال: هو باغض لرسول الله إن فعل كذا ثم فعله قتل ومن قال: هو على غير ملة الإسلام إن فعل ثم فعل. انتهى.
قوله: (وغموس) أي وكذلك لا كفارة في يمين غموس، وهي أكبر من أن تكفر، وسميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار، وقيل في الإثم.
قال المصنف: وهو أظهر لأنه سبب حاصل.
قوله: (بأن شك، أو ظن) تفسير للغموس أي فإن شك الحالف حين حلفه فيما
стр. 636
حلف عليه هل هو كما حلف أو لا أو أنه كذا (وحلف) على ظنه، لو استغنى الشيخ عن قوله: بأن شك بقوله: إن ظن لكان أقصر لأنه إذا كانت يمينه غموسا في الظن فالشك أحرى والمعتمد للكذب أحرى.
وقوله: (بلا تبين صدق، وليستغفر الله)، مفهومه إذا تبين صدقه فيما حلف عليه لم تكن غموسا، ولكن آثما لقدومه على ما هو غير معتقد.
قال في التهذيب: (من قال: والله ما لقيت فلانا أمس وهو لا يدري ألقيه أم لا، ثم علم بعد يمينه أنه كما حلف بر) (١) وقد خاطر وسلم، فعلى الحالف يمين الغموس أن يستغفر الله ويندم ويعزم على عدم عوده لمثل ذلك.
قوله: (وإن قصد بكالعزى التعظيم فكفر) أي وإن قصد الحالف بالأصنام كالعزى واللات ومنات التعظيم لما حلف به منها فهو كفر، وإن لم يقصد التعظيم فحرام. انتهى.
وفي إكمال الإكمال: وفي الحديث: «من قال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله» (٢)، القرطبي: اللات والعزى ومناه أصنام ثلاثة كانت في الكعبة.
ولا يدل على إباحة الحلف بها، ولكن لما نشأ القوم على تعظيمها وأبطل ذلك الإسلام فربما جرت على لسان بعضهم دون قصد، فأشار الشارع إلى ما يكفر تلك اللفظة.
المازري: والحلف بما لا يجوز الحلف به من هذا النوع لا كفارة فيه.
وأوجبها أبو حنيفة فيه، واحتج بأن الله سبحانه أو جبها على المظاهر، وعلل وجوبها بأنه قال: ﴿منكرا من القول وزورا﴾ [المجادلة: ٢] وهذا منكر من القول، وحجتنا عليه الحديث لأنه لم يذكر فيه كفارة (٣).
قوله: (ولا لغو) أي ولا كفارة في لغو اليمين ولا إثم لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٥].
قوله: (على ما يعتقده فظهر نفيه) تفسير لغو اليمين على المشهور بأن يحلف على ما يعتقده، كو الله لم يقدم زيد أمس ثم ظهر خلافه بأن تبين قدومه أمس، وقيل
стр. 637
لغو اليمين ما يسبق اللسان من والله ولا والله.
قوله: (ولم يفد في غير الله) أي ولم يفد اللغو في غير اليمين بالله، كالعتق والطلاق والصدقة، لأنها ليست أيمانا شرعا وإن دخلت في الأيمان وإنما هي التزامات.
قال المصنف: ولذلك لا يدخل عليها حروف القسم، فإذا حلف بطلاق أو عتق أو غيرهما على أمر يعتقده فظهر خلافه أو سبقه لسانه فإنه يلزمه، وإطلاقه هنا وفي الغموس يشمل الماضي والحال والمستقبل. انتهى من فتح الجليل (١).
قوله: (كالاستثناء بإن شاء الله؛ إن قصده) أي كما لا يفيد الاستثناء بإنشاء الله كإلا أن يشاء الله، أو يريد، أو يقضي) في غير اليمين بالله إن قصد الاستثناء، وحل اليمين احترز به مما إذا ذكره تبركا وأجرى على لسانه من غير قصد الاستثناء. انتهى.
وفي إكمال الإكمال: قلت: قال ابن عبد السلام: حكى بعض الأشياخ خلافا في الاستثناء، هل هو حل لليمين أو رفع للكفارة؟ ولا يظهر لهذا الخلاف فائدة إلا بتكلف.
قلت: قد ظهرت فائدته دون تكلف فيمن حلف أن لا يطأ امرأته واستثنى؛ فقال ابن القاسم في المدونة: هو مول وله أن يطأ ولا كفارة عليه.
وقال غيره: ليس بمول.
قال الشر مساحي في شرح التهذيب: قول ابن القاسم هو بناء على أن الاستثناء رفع للكفارة، وقول الغير بناء على أنه حل لليمين والإجراء حسن.
أما في قول ابن القاسم فلأن كونه موليا هو فرع انعقاد اليمين والاستثناء رفع الكفارة.
وأما في قول الغير فلأن كرته ليس بمول هو فرع انحلال اليمين بالاستثناء.
وكان من أدركناه من الشيوخ وغيرهم يعدون هذا الإجراء من محاسن الشرمساحي. انتهى فيه (٢).
قوله: (على الأظهر، وأفاد بكإلا في الجميع إن اتصل؛ إلا لعارض) هو قول عيسى. ابن رشد: هو القياس إذ لا فرق بين مشيئة الله وقضائه.
стр. 638
ابن القاسم ليس الإرادة والقضاء كالمشيئة لورود الاستثناء بالمشيئة دونهما وإن كان كل مراد.
قال في التوضيح: قال القرافي: وينبغي أن يبنى الخلاف هنا على الخلاف في الأسباب الشرعية، هل يقاس عليها إذا عقل معناها أم لا؟ كما قيل في قياس النبش على السرقة واللواط على الزنا (١).
عياض فيه دليل أيضا على أن شرط الاستثناء أن يكون متصلا بآخر حروف اليمين، إن حدثت نيته حينئذ.
ووجه الدليل منه أنه لو صح أن يكون منفصلا، كما يقول بعض السلف، لم يحنث أحد ولا احتاج إلى كفارة.
واختلف في حقيقة الاتصال فقال مالك والشافعي، والجمهور هو أن لا يكون بين الاستثناء واليمين صمات، وسواء نوى الاستثناء في أثناء اليمين أو حدثت له نيته إثر الفراغ منه.
وقال بعض أصحابنا لا ينفع الاستثناء إلا أن ينوي قبل تمام النطق بجميع حروف اليمين.
وقال جماعة من السلف: يصح الاستثناء ما لم يقم من مجلسه.
وقال قتادة ما لم يقم أو يتكلم وعن عطاء: قدر حلب ناقة.
وعن سعيد ابن جبير أربعة أشهر.
وعن ابن عباس يستثني أبدا متى ما ذكر.
قلت: ما ذكر عن مالك والشافعي، والجمهور هو المشهور.
و يعني بالصمات أن يصمت اختيارا احترازا من أن يصمت لرفع نفس أو سعال أو نحو ذلك.
وأما السكتة للتذكر، فظاهر المذهب أنها مانعة مطلقا، خلاف ما ذكر عن مالك أنه يوافق الشافعي عليه.
وكذلك ما ذكر أن مالكا إنما يوافق الشافعي إذا نوى الاستثناء في الأثناء، بل ظاهر المذهب على المشهور لا فرق نواه في الأثناء أو حدثت له نية في إثر الفراغ على المشهور.
стр. 639
وما ذكر عن بعض الأصحاب عزاه في النوادر لابن المواز، وعزاه اللخمي وابن محرز لإسماعيل. انتهى (١).
قال صاحب فتح الجليل ما معناه: وتظهر فائدته بغير تكلف في من حلف واستثنى ثم حلف أنه ما حلف، فعلى أنه رافع للكفارة يحنث، وعلى أنه حل لا يحنث، في من حلف ألا يحلف فحلف واستثنى حنث في يمينه على الأول لا على الثاني، ولو حلف لا يكفر فحلف واستثنى لم توجب يمينه الأولى شيئا عليهما. انتهى (٢).
قوله: (ونوى الإستثناء)، تكرار لقوله: إن قصد.
قوله: (وقصد ونطق به وإن سرا بحركة لسان): أي وقصد النطق ونطق به وإن كان النطق سرا، ولو لم يسمع به نفسه بل بحركة لسانه فقط، ونبه بذلك على خلاف رواية أشهب أن النية كافية في الاستثناء بإلا وأخواتها.
ابن شاس: ولابد في الاستثناء من قصد حل اليمين، ولو قصد التفويض إلى مشيئة الله وامتثال أمره تعالى في قوله: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣: ٢٤] لم ينفعه استثناؤه. انتهى (٣).
إلا إن نوى الاستثناء ولم يقصد النطق به، أو قصد النطق ولم ينطق به.
قوله: وأفاد بكإلا في الجميع أي وأفاد الاستثناء بإلا وأخواتها من ذوات الاستثناء، كليس، وخلا، وحاشا، وعدى وسوى لإخراج ما تناوله المستثنى منه في جميع الأيمان.
قوله: (إلا أن يعزل في يمينه أولا، كالزوجة في: «الحلال علي حرام»، وهي المحاشاة):
أي إلا أن يعزل الحالف غير الشيء المحلوف عليه في يمينه أولا بنية كالزوجة في قوله: الحلال علي حرام، فلا يحتاج إلى الاستثناء، وهي المعبر عنها بالمحاشاة، لأنه عام أريد به الخصوص، بخلاف الاستثناء فإنه إخراج لما أدخله الحالف في يمينه أولا، فهو عام مخصوص، وعلى هذا فالاستثناء منقطع. انتهى.
كل ما أخرج قبل أن ينطق فإنه يخرج بالنية، وكل ما دخل قبل أن ينطق فلا
стр. 640
يخرجه إلا بالنطق، فكل ما يلزم الحالف بالتلفظ، فلا يخرج عنه إلا باللفظ.
قوله: (وفي النذر المبهم، واليمين والكفارة، والمنعقدة على بر بأن فعلت ولا فعلت، أو حنت بلأفعلن، أو إن لم أفعل) أي ويلزم في النذر المبهم، كلله علي نذر إن فعلت كذا، أو إن فعلت كذا، فعلي نذر لخبر مسلم: «كفارة النذر كفارة يمين» (١) أي المبهم، وأما المعين فيلزم فيه ما عين، وكذلك في نذر اليمين المبهمة، كلله علي يمين إن فعلت كذا، وكذلك يلزمه كفارة يمين، في نذر كفارة المبهم، كإن فعلت كذا فعلي كفارة، وكذلك في اليمين المنعقدة على بر، وله صغتان أيضا إحداهما بإن فعلت، كقوله: والله إن فقلت كذا، والثانية كقوله: والله لا فعلت كذا ثم فعل، أو منعقدة على حنث، وله صيغتان أيضا، إحداهما بلأفعلن كذا والله، أو إن لم أفعل كذا، وسميت الأولى ببر، لأن الحالف بها على براءة الأصلية، والثانية لأن الحالف بها على خلاف البراءة الأصلية، ثم قيد صيغتي الحنث بقوله: (إن لم يؤجل)، إذ لو أجل لكان على بر إلى الأجل، ولا يحنث إلا بمضيه فإن أمكنه الفعل فيه ففرط، ولم يفعل حتى فات المحل فلا حنث، وقد ارتفعت اليمين على المشهور، وقيل يحنث كما لو لم يضرب أجلا لأن كلا منهما حلف، ليوجدن فعلا فلم يوجده، فإن لم يضرب أجلا، وأمكنه الفعل ولو في ساعة، فلم يفعل حتى فات المحل بموت أو غيره حنث، وحلفه على فعل غيره، كحلفه على نفسه على المشهور. انتهى فتح الجليل (٢).
مسألة: سمع ابن القاسم من قال لرجل: يميني على يمينك، فحلف بالطلاق فأنكره مكانه، لا شيء عليه.
ابن رشد: إن قال ظننت أنه لا يحلف إلا بالله، لسماع ابن القاسم ذلك، ونقله ابن حبيب وزاد ويحلف وإن صمت لزمه.
قوله: (إطعام عشرة مساكين)، هو مبتدأ مؤخر، وخبره: وفي النذر المبهم، وما عطف عليه، وقول الشارح في الصغير: في النذر مبتدء، وما عطف عليه مبتدأ والخبر إطعام فيه تجوز أي وإطعام عشرة مساكين في النذر المبهم واليمين المبهمة،
стр. 641
والكفارة المبهمة، واليمين المنعقدة على بر، أو على حنث، المراد بالإطعام تمليكه، وهذا شروع منه الله، في بيان الكفارة، وهي مأخوذة من الكفر، بفتح الكاف الستر، ومنه الكفر، بالضم لستر الحق.
قال في الذخيرة ولما كان أصلها لزوال الإثم وستره كما في الظهار، سميت بذلك (١).
الإطعام هو النوع الأول، واشتراط العشرة نص الآية الشريفة: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩]، واشتراط المسكنة مخرج للغني وذي الرق، وسكة عن كونه مسلما استغناء بما في زكاة الفطر (٢).
قوله: (لكل مد. وندب - بغير المدينة - زيادة ثلثه أو نصفه) أي لكل مسكين من العشرة مد بمده السلام وندب في غير المدينة، زيادة ثلث المد عند أشهب، أو نصفه عند ابن وهب، وكلاهما ليس خلافا لمالك، إنما كفى المد بالمدينة لقلة الأقوات بها، وقناعة أهلها. انتهى.
وقال ﷺ : «اللهم بارك لنا في مدنا وصاعنا» (٣). انتهى.
وحكي أن ما يكفي واحدا في غير المدينة، يكفي اثنين فيها، لبركة دعائه.
قوله: (أو رطلان خبزا) أي ويطعمهم رطلين بالرطل العراقي خبزا وهو مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا.
وقوله: (بأدم) أي مع إدام وأعلا الإدام اللحم، وأدناه الزيت ووسطه اللبن الحليب لا المضروب، وظاهره أن الإدام شرط، وهو قول ابن حبيب.
وقال ابن بزيزة: يجوز بغير إدام ويحتمله كلام المصنف.
ابن الحاجب وهو الأصح.
ابن عبد السلام وقول المدونة كقول ابن حبيب، ابن هارون: مذهبها الإجزاء، إلا أن الأفضل كونه مأدوما.
ابن ناجي في شرحه على الرسالة والأمر كما قال ابن عبد السلام كذا في
стр. 642
شرحه للرسالة (١).
وقال في شرحه للمدونة: ثم ظهر لي أن الصواب ما فهم ابن هارون. انتهى من فتح الجليل (٢).
قوله: (كشبعهم) أي كما يجزئ شبعهم غداء وعشاء، فلا يكفي غداء فقط ولا عشاء فقط، وسواء أكل مدا أو أقل أو أكثر، وظاهره كانوا مجتمعين أو مفترقين، وهو كذلك على ظاهر المدونة، قاله أبو عمران والباجي.
واشترط التونسي تساويهم في الأكل، لئلا يأكل بعض أكثر من بعض.
ابن عرفة: وفي كون المعتبر عيش أهل البلد، أو المكفر غير البخيل ثالثها الأرفع إن قدر لروايتي المدونة ومحمد قائلا: الذرة دون الشعير. انتهى من فتح الجليل (٣).
قوله: (أو كسوتهم، للرجل ثوب، وللمرأة درع وخمار، ولو غير وسط أهله) هذا هو النوع الثاني أي وكسوة عشرة مساكين، رجالا كانوا أو نساء، أو مختلفين، ويكسى الرجل ثوبا واحدا يجزيه في صلاته، وللمرأة درع وخمار، لأن ذلك هو الذي يجزيها في الصلاة.
مالك: هذا أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة. انتهى (٤).
ويجزئ ذلك ولو كان غير وسط كسوة أهله على المعروف، لأن الآية الكريمة ذكر فيها الوسط في الإطعام، ولم يذكره في الكسوة، بل أطلق وأشار بلو إلى ما حكاه ابن بشير عن اللخمي من مراعات كسوة الأهل.
قوله: (والرضيع كالكبير) أي والرضيع في الإطعام والكسوة كالكبير (فيهما) يعطى له ما يعطى للكبير.
قوله: (أو عتق رقبة كالظهار) هذا هو النوع الثالث، هو عتق رقبة كرقبة الظهار
стр. 643
في الصفة، وسيأتي إن شاء الله في الظهار، ووجه التشبيه أن كلا منهما مطلق في الآية، وفي القتل مقيد وحمل عليه، ولما كان في هذه الكفارة تخيير وترتيب قدم المخير فيه.
(ظهارا وقتلا رتبوا وتمتعا كما خيروا في الصوم والصيد والأذى وفي حلف بالله خير ورتبن … فدونك سبعا إن حفظت فحبذا) (١)
قوله: (ثم صوم ثلاثة) أي ثم إن عجز عن كل من الثلاث لزمه صوم ثلاثة أيام، ويستحب تتابعها.
ابن المواز وعجزه ألا يجد إلا قوته أو كسوته ببلده، وحكاه ابن مزين عن ابن القاسم، اللخمي وهذا حرج، ومقتضى الدين التوسعة فوق هذا (٢).
قوله: (أيام ولا تجزئ ملفقة) أي ولا تجزئ كفارة ملفقة من عتق مع غيره اتفاقا، كإطعام مع كسوة، أو عكسه على المشهور.
قوله: (ومكرر لمسكين وناقص) أي ولا يجزئ مكرر لمسكين واحد من طعام أو كسوة، بأن يطعم خمسة مساكين مدين مدين، أو يكسوهم ثوبين، ثوبين لأن العشرة شرط، وكذلك لا يجزئ ناقص عن مد لمسكين، (كعشرين) مسكينا أعطى (لكل نصف مد، (إلا أن يكمل العشرة منهم، والاستثناء راجع إليهما.
قوله: (وهل إن بقي؟) أي وهل الإجزاء مطلقا بقي في أيديهم أم لا أو إنما يجزئ إن بقي ما أخذ كل من العشرة بيده، ليكمل بيد كل مسكين مد في وقت واحد وإن لم يبق فيه فلا يجزئ فيه تأويلان).
قوله: (وله نزعه، إن بين بالقرعة) أي وللمكفر نزع ذلك في المسألة السابقة من عشرة، ودفعه للعشرة الأخرى، بشرط أن يبين لهم وقت الإعطاء أنه كفارة، وذلك النزع بالقرعة لا بالتخيير، لمساواتهم في الاستحقاق، ولأن ترجيح بعضهم عن بعض، ترجيح بلا مرجح وهو باطل.
قوله: (وجاز لثانية) أي وجاز لمن لزمته كفارتان دفع كفارة عن اليمين الثانية
стр. 644
(إن) كان قد (أخرج) الكفارة عن اليمين الأولى (وإلا) أي وإن لم يخرج عن الأولى، (كره وإن كيمين وظهار) له الإخراج عن اليمين الثانية وإن ميزهما، أو اختلف موجبهما كيمين وظهار، وأحرى إن اتحد الموجب كيمينين أو ظهارين.
قوله: (وأجزأت) أي وأجزأت الكفارة إن أخرجها (قبل حنثه) الذي هو شرط في وجوبها، لتقدم سببها وهو اليمين، وسبب الحكم إذا تقدم على الشرط، جاز تقديمه عليه، كتقديم الكفارة والزكاة على الحول، والعفو عن القصاص في الجرح.
قوله: (ووجبت به إن لم يكره ببيه) أي ووجبت الكفارة لأجل الحنث، إن لم يكن الحالف على الحنث في يمين بر، وأما لو أكره فيها فلا شيء عليه، مفهومه أنه لو أكره على عدم الحنث في يمين حنث أن عليه الكفارة، كوالله لأكلن هذا الرغيف، فمنع منه حتى عدم على المشهور استشكل. انتهى.
وفي الحنث أقسام الشرع الخمسة.
ويجب الحنث كما إذا حلف ليعصين الله تعالى كحلفه على قطع رحم لئلا يبقى على المعصية، وقد يحرم كما إذا حلف ليفعلن واجبا حرم الحنث، وقد يستحب كما إذا حلف أن يفعل مكروها، وقد يكره كما إذا حلف أن يفعل مندوبا، وقد يباح كما إذا حلف أن يفعل مباحا. انتهى.
قوله: (وفي علي أشد ما أخذ أحد على أحد) أي ويلزم الحالف، إن لم تكن له نية، في قوله: علي أشد ما أخذ أحد على أحد، إن فعلت كذا وفعله (بت من يملك) عصمتها، حين حلفه بالثلاث على الصحيح عند الأكثر، وأفتى السيوري بنقض الحكم بالواحدة.
قوله: (وعتقه، وصدقة بثلثه، ومشي بحج وكفارة) أي وعتق من يملك من الرقيق، ظاهره إن لم يكن له رقيق فلا يلزمه عتق، ويلزمه أيضا صدقة بثلث ماله حين حلفه، إلا أن ينقض فما بقي، ولزمه أيضا مشي بحج، لا عمرة وقول الشارح: يريد أو عمرة غير ظاهر، وكذلك أيضا تلزمه كفارة يمين بالله عند ابن القاسم.
قوله: (وزيد في الأيمان تلزمني) أي وزيد على ما تقدم في قوله: الأيمان تلزمني إن فعلت كذا أو لا نية له، ثم فعله فعليه صوم سنة إن اعتيد حلف به) في البلد، أو عادة الحالف الحلف به.
ابن عتاب: يلزم الحالف هذه اليمين للأدب.
стр. 645
قوله: (وفي لزوم شهري ظهار تردد) أي وفي لزوم شهري ظهار مع ما تقدم قاله الباجي.
ابن عتاب: وبه كان يفتي بعض الأشياخ وهو بعيد، وعدم لزومهما قاله أبو محمد وجماعة. ابن رشد في إيجابهما نظر فيه تردد.
القرافي: ولا يلزمه اعتكاف، ولا مشي لمسجد المدينة ولا بيت المقدس، ولا لرباط، ولا تربية أيتام، ولا كسوة عرايا، ولا إطعام جياع، ولا شيء من القربات غير ما تقدم (١)، وسكة الشيخ هنا وفيما تقدم عن كون ما يملكه حين يمينه، أو حين حنثه، ولعله اغتنى عنه هنا بقوله فيما يأتي: وثلثه حين يمينه. انتهى من فتح الجليل (٢).
قوله: (وتحريم الحلال في غير الزوجة والأمة لغو) أي وتحريم الحلال في غير الزوجة والأمة من مأكول ومشروب وملبوس لغو، لا يحرم به مباح، لأن ما أباحه الله لعبده، ولم يجعل له فيه تصرفا، فتحريمه لغو، وما أباحه وجعل له فيه تصرفا اعتبر تصرفه فيه، وتحريم الزوجة والأمة ليس بلغو، فتحريم الزوجة بالثلاث مدخولا بها أم لا إلا بعد زوج، وتحريم الأمة عتقها إن قصده، وإلا فلاشيء عليه.
قال زيد بن أسلم (٣): وإنما كفر ﷺ في تحريم أم ولده إبراهيم، بحلفه بالله أنه لا يقربها، وبما قررناه يندفع قول الشارحين أن كلامه يوهم حرمة الأمة، ولو لم تكن له نية.
قال في المدونة: قيل من قال: الحلال علي حرام إن فعلت كذا، قال: لا يكون الحرام يمينا في شيء من طعام ولا شراب، ولا أم ولد إن حرمها على نفسه، ولا خادم، ولا عبد، إلا أن يحرم امرأته فيلزمه الطلاق. انتهى من فتح الجليل (٤).
قوله: (وتكررت) شروع منه فيما تكرر فيه الكفارة وما لا تكرر فيه.
стр. 646
التكرير والتكرار لغتان أي وتكررت الكفارة (إن قصد) الحالف (تكرر الحنث)، بتكرر فعل ما حلف عليه، إذ هو بمنزلة من قال: كلما فعلته فعلي كفارة.
قوله: (أو كان العرف) أي أو كان العرف في المحلوف عليه تكرره، (ك) ما إذا حلف على (عدم ترك الوتر)، لأن العرف يقتضي في مثله أن الحالف لم يرد قصر الحنث على مرة واحدة، أو حلف ألا يشرب الخمر في المدينة الشريفة، أو مكة زاده الله تشريفا.
قوله: (أو نوى كفارات) أي وكذلك تتكرر الكفارة إن حلف بالله، أو بصفة من صفاته، ونوى بيمينه كفارات عدة.
قوله: (أو قال: لا ولا) أي وكذلك تكرر الكفارات، إذا قال لرجل مثلا: والله لا أبيعك سلعتي، فقال له آخر وأنا فقال والله ولا أنت ذكره ابن المواز عن مالك.
وابن القاسم: من حلف لا باع سلعته من فلان فقال له آخر: وأنا. فقال: لا والله، ولا أنت فباعه منها جميعا فكفارتان، وفي الطلاق طلقتان، وأما إن قال: والله لا بعتها من فلان، ولا من فلان فكفارة واحدة، باعها منهما، أو من أحدهما، ردها عليه فباعها أيضا من الآخر. انتهى (١).
الفرق أن السؤال لما وقع وسطا وتعدد المحلوف به كانا يمينين بخلاف الثانية.
أجمل الشيخ خجله.
قوله: (أو حلف ألا يحنث) أي وتكررت الكفارات، إن حلف ليفعلن كذا، فقيل له تخاف أن تحنث، فقال: والله لا أحنث، فحلف وحنث لزمه كفارتان، واحدة في حلفه ألا يحنث، وواحدة في حنثه قاله مالك، ولابن القاسم واحدة.
قوله: (أو بالقرآن، والمصحف، والكتاب)، وكذلك تتعدد الكفارات، إن حلف بيمين واحدة بالقرآن والمصحف والكتاب، فتلزمه ثلاث كفارات عدد المقسم به قال ابن القاسم: وإن كان المعنى واحد، وهو الكلام القديم.
ابن حبيب: واحدة.
قوله: (أو دل لفظه بجمع) أي وتكررت الكفارة إذا دل لفظ الحالف على التكرار بصغة جمع، كما إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أيمان، أو كفارات، أو نذور.
قوله: (أو بكلما) أي أو أتى في يمينه بما يدل على التكرار، كقوله: كلما (أو
стр. 647
مهما كلمته فعلي يمين، فإنه عليه كفارة مهما كلمه.
قوله: (لا متى ما)، لما فرغ تخلله فيما تكرر فيه الكفارة، شرع يذكر ما لا تكرر فيه، أي فلا تكرر الكفارة في قوله: متى ما كلمته فعلي كفارة يمين، فكلمه مرة بعد أخرى، فكفارة واحدة، وهذا إذا لم يقصد بها معنى كلما، كما قاله في المدونة.
قوله: (ووالله، ثم والله وإن قصده) أي ولا تكرر الكفارة إن قال: والله ثم والله وإن قصد التكرار، أو قصد الإنشاء، دون تعدد فكفارة وهو المشهور، واختار اللخمي التكرار أي (و) كذلك لا تتكرر الكفارة إن حلف بجميع ﴿القرآن، والتوراة، والإنجيل﴾ في يمين واحدة، لا فعلت كذا ثم فعله، وهو قول سحنون، وهو خلاف ما تقدم في قوله: والقرآن والمصحف لأن المعنى واحد، وهو كلام الله القديم، وما تقدم قول ابن القاسم، وما هنا قول سحنون.
البساطي ولعله قصد هذه التوراة وهذا الإنجيل، وإلا فيعسر الفرق بينه وبين الكتاب.
قوله: (ولا كلمه غدا وبعده ثم غدا) أي وإن قال: والله لا أكلمه غدا وبعده ثم قال: والله لا أكلمه غدا ثم كلمه غدا، فكفارة واحدة، لأنه إنما كرر اليمين في غد وهذا الفرع أحد فروع ثلاثة، ذكره ابن عرفة عن ابن يونس، ولنذكر كلام ابن عرفة قال: ويتعدد موجب الحنث كفارة أو غيرها، بتعدد اليمين مع تغاير متعلقها ولو بكونه جزء من الآخر أو لأن ماله مساويا على رأي سمع ابن القاسم فيمن حلف لا كلمتك غدا ثم حلف لا كلمتك بعد غد، كفارتان.
الصقلي لو حلف لا كلمه غدا، ثم حلف لا كلمه غدا ولا بعد غد، فإن كلمه غدا فكفارتان، ثم إن كلمه بعد غد فلا شيء عليه، ولو كلمه بعد غد فقط فكفارة واحدة.
ولو قدم يمينه الثانية على الأولى فكفارة واحدة مطلقا، كما لو كرر يمينه الثانية، واختلف أصحابنا في الأول وهذا الحق.
قلت: قوله: كما لو كرر يمينه الثانية يرد باتحاد متعلقيهما، ومتعلقاهما إذا قدم الثانية على الأولى متغايران بالكل والجزء، والجزء من حيث كونه جزء مغاير له من حيث كونه غير جزء ولذا رجح اللخمي قول ابن القاسم في من حلف بالطلاق لا كلم إنسانا ثم حلف بالطلاق لا كلم زيدا فكلمه يلزمه طلقتان ولا ينوي. انتهى من
стр. 648
فتح الجليل (١).
قوله: (وخصصت نية الحالف، وقيدت)، والتخصيص إخراج البعض، والتقييد زيادة وصف أي وخصصت نية الحالف مدلول اللفظ العام، ومثله القرافي في قواعده: بلا لبست ثوبا وينوي إخراج الكتان في يمينه، انتهى (٢).
وقيدت مدلول اللفظ المطلق، ومثل في القواعد لتقييد المطلق بما لو حلف ليكرمن رجلا ونوى به زيدا، فلا يبرأ بإكرام غيره، لأن رجلا مطلق وقيده بخصوص زيد، فصار معنى اليمين لأكرمن زيدا، وكذلك لو قيدت بصفة كالأكرمن رجلا وينوي فقيها أو زاهدا، فلا يبرأ بإكرام غير الموصوف بهذه الصفة.
ثم قال: وقد تعمم النية المطلق، كوالله لأكرمن أخاك، وينوي بذلك جميع إخوتك فإن أخا مطلقا، فإذا أراد جميع إخوتك فقد عم المطلق. انتهى من فتح الجليل (٣).
قوله: إن ناقت، قال اللقاني: يشترط في النية المخصصة للعام، أن تكون منافية للعام مخصصة له، ولو قال نويت كتانا، ولم يتعرض لغيره فهذه النية مؤكدة بذلك الف د من أفراد العام غير مخصصة له فيحنث في هذه، بلبس غير الكتان بخلاف الأول. قاله القرافي في قواعده.
قوله: (إن نافقت وساوت)، لفت ونشر مرتب أي إن ناقت في العام وساوت أي وافقت ظاهر اللفظ في المطلق، وذلك غير خاص بيمين بالله، بل هو في اليمين بالله وغيرها كالطلاق. انتهى.
قال صاحب فتح الجليل: إن ناقت أي خالفت نيته لفظه (٤).
قال في الذخيرة: تنبيه: يسأل الحالف باللفظ العام، فإن قال: أردت بعض أنواعه لا يلتفت لنيته ويعتبر عموم لفظه، لأن هذه النية مؤكدة للفظ في ذلك النوع، غير صارفة له عن بقية الأنواع، ومن شرط النية المخصصة أن تكون صارفة، فإن قال: أردت إخراج ما عدى هذا النوع، حملت يمينه على ما بقي بعد الإخراج، ومن شرط
стр. 649
النية المخصصة أن تكون منافية لمقتضى اللفظ بخلاف المقيدة وقاله الأئمة، وهذا مقام لا يحققه أكثر مفتي العصر. انتهى (١).
وقال الشارح: نافت بمعنى زادت، وقول بعض من تكلم على هذا المحل أن النية التي تنيف أي تزيد والتي تساوي أي تطابق ليست مخصصة ولا مقيدة، وإنما المخصصة والمقيدة التي تنقص غير ظاهر لما تقدم من كلام القرافي أن النية تعمم المطلق وكذلك ساوت.
وقوله: وساوت أي نيته لفظه في تبيين المطلق، كأحد عبدي حر ويقول نويت ناصحا. انتهى.
وكذلك إن قال: امرأتي طالق أو أمتي حرة فقال إنما أردت فلانة، فإنه يصدق في القضاء والفتيا، والقضاء عبارة عما إذا قامت عليه بينة والفتوى ما لم تقم عليه بينة.
قوله: (في الله) أي في يمين بأسماء الله (وغيرها) من الأيمان، ومثل ذلك بقوله: (كطلاق) تنبيها بالأعلى على الأدنى ويدخل فيه العتق، ثم مثل الطلاق بقوله: (ككونها معه في) قوله: (لا يتزوج حياتها) وهو مثال المثال، وهو مثال تخصيص النية العمومات.
ابن المواز: من حلف لزوجته بطلاق من يتزوج عليها حياتها، أو يشترطه لها في أصل نكاحها فتبين منه فيتزوج ويقول نويت ما دامت في عصمتي، فيصدق في القضاء والفتيا، وإن لم يمثل الشيخ للعتق، ومثله ابن المواز: بمن عاتب زوجته في دخول بعض قرابتها فحلفت بالحرية: لا دخل عليها أحد من أهلها، فلما مات قالت: نويت ما دام حيا، فذلك لها في الفتيا والقضاء (٢).
قوله: (كأن خالفت ظاهر لفظه، كسمن ضأن في: لا آكل سمنا، أو لا أكلمه، وكتوكيله في لا يبيعه، أولا يضربه)، تشبيه لإفادة الحكم، أي كما يصدق في الفتيا والقضاء، إذا خالفت نيته ظاهر لفظه، ثم مثل ذلك بقوله: كسمن ضأن في حلفه: لا أكل سمنا وقال نويت سمن ضأن وزاد ابن المواز لا وطئتها، وقال بقدمي، وكذلك إن قال في حلفه لا أكلمه، وقال: نويت شهرا وكذلك توكيله في بيع عبد مثلا في حلفه لا يبيعه
стр. 650
وقال: نويت نفسي، وكذلك في حلفه لا يضر به، فأمر بضربه وقال نويت نفسي فتقبل نيته في ذلك كله في الفتيا دون القضا.
قال المصنف: ولا يحتاج ليمين على صحة ذلك، لأن النظر في توجيه الأيمان ما يختص بالأحكام.
قوله: (إلا لمرافعة وبينة، أو إقرار في طلاق وعتق فقط) أي استثنى مما خالفت نيته فيه ظاهر لفظه، فقال: إلا لمرافعة وبينة أي مع بينة أو مع إقرار، فلا تقبل نيته لمخالفته لظاهر لفظه في طلاق وعتق فقط.
المرافعة: أن يرفع أمره إلى الحاكم وخرج بقوله فقط ما عدى الطلاق والعتق من الأيمان بسائر القرب والعطايا، والهدايا والهبات والصدقات، والصلاة والصوم. انتهى من فتح الجليل (١).
قوله: (أو استحلف مطلقا في وثيقة حق) أي أولا إذا استحلف مطلقا كانت اليمين بالله أو غيرها، كطلاق وعتق فلا تنفعه النية، لأن اليمين على نية المحلف لا على نية الحالف، كانت النية مخالفة لظاهر اللفظ، أو غير مخالفة.
قوله في وثيقة حق أي كأن يحلف على وديعة عنده أنكرها فنوى حاضرة فلا تفيده نيته. انتهى من فتح الجليل (٢).
وفي إكمال الإكمال عند قوله في حديث مسلم: «يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك (٣)، القرطبي: هو حض على الصدق في اليمين فالمعنى يمينك التي تجوز أن تحلفها هي التي لو علمها صاحبك لصدقك فيها فلا يجوز أن تحلف حتى تعرض الأمر على نفسك، فإن وجدت الأمر كذلك وإلا أمسكت.
عياض: ولا خلاف في إثم من حلف ليقطع حق غيره، وإن ورى ثم هو حانث، عبد الملك وسحنون: وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم: إن تبرع بها فهي على نيته، وإن طلبت منه فهي على نية المحلوف له، وروى عن ابن القاسم أيضا أنه على نيته فيما لا يقضي به، وأما فيما يقضى به فيفترق المتطوع من غيره. وعن مالك إن ما كان على وجه الخديعة والمكر فهو فيه حانث، وأما كان على وجه العذر فلا بأس
стр. 651
به. انتهى (١).
قوله: (لا إرادة ميتة، أو كذب في: طالق وحرة، أو حرام، وإن بفتوى) معطوف على قوله: كسمن ضأن أي لا ينوي في قوله: امرأتي طالق، وقال إنما أردت له طلاق زوجتي الميتة لا التي في عصمتي، وكذلك لا يصدق في قوله: جاريتي حرة، وقال: أردت بها الميتة لا التي في ملكي. انتهى.
قال في إكمال الإكمال: فلا شك أنها لا تقبل في القضاء.
وظاهر كلام ابن الحاجب ولا في الفتيا وعدم قبولها ظاهر، لأنه إن أراد الإنشاء لم يصح، لأن الإنشاء يستدعي محلا ولا محل.
وإن أراد الخبر فكذلك لا يصح، لأنه لا يفيد.
وإذا لم يصح الأمران وجب أن تصرف يمينه إلى الحنث. انتهى (٢).
وكذلك لا يصدق إن قال: أردت الكذب فيهما أعني الزوجة والأمة لم ينفعه ذلك في الفتيا ولا في القضاء، وكذلك إن قال لزوجته: حرام، وقال: أردت الميتة أو الكذب لأنه في الكذب محمول على الإنشاء، واحتماله للخبر بعيد ودعوى الكذب في عوارض الخبر لا الإنشاء، فلا تقبل ذلك في جميعها وإن كان في فتوى وأحرى القضاء، وتلخص من كلامه أن الحالف في تصديقه وعدمه ثلاثة الأقسام:
١ - يصدق مطلقا في الفتيا والقضاء
٢ - يصدق في الفتيا فقط.
٣ - لا يصدق مطلقا. انتهى من فتح الجليل (٣).
قوله: (ثم بساط يمينه) أي فإن فقدت النية المخصصة فيعتبر بساط يمينه.
البساط: هو السبب الحامل على اليمين، فهو حال يتقدم الحلف، فيفعل على مقتضاه من بر أو حنث إذا كانت اليمين مما ينوى فيه. والبساط مظنة النية، فإن قال: والله لا أشرب له ماء، لسبب المن فإنه لا ينتفع منه بشيء.
قوله: (ثم عرف قولي) ابن شاس: العرف ما عرف من مقاصد الناس في أيمانهم (٤) أي فإن لم تكن له نية ولا بساط، فعرف القول مخصص، كقوله: والله لا
стр. 652
أركب دابة، فالدابة عندهم الحمار فلا يحنث بركوب غيره، كانت من مراكبه أم لا، وأما العرف الفعلي فلا يعتبر، كقوله مثلا: لا آكل الخبز والفعل عندهم أكل خبز الشعير فإنه يحنث بأكل خبز غيره، لأن المعتبر العرف القولي وهو الخبز.
قوله: (ثم مقصد لغوي) أي فإن لم يكن عرف قولي خصص مقصد لغوي، كقوله: والله لا أركب دابة، حيث لم يكن عرف قولي، فإنه يحنث بركوب دابة حيث هي، (ثم) إن لم يكن عرف لغوي خصص عرف (شرعي)، كقوله: والله لا أكلم فلانا، فإنه يحمل على ما أجازه الشرع من الهجران.
قال صاحب فتح الجليل: وهذا الترتيب هو المشهور، وقيل: يقدم اللغوي.
وقيل الشرعي (١).
قوله: (وحنث إن لم تكن له نية، ولا بساط بفوت ما حلف عليه، ولو لمانع شرعي أو سرقة) أي ويحنث الحالف إن لم تكن له نية، أو كانت له ونسيها، ولا بساط بسبب فوت ما حلف عليه، سواء كان المفوت لمانع حسي غير مؤقت، كموت المحلوف ليضربنه، أو كان الفوات لمانع شرعي كمن حلف ليطأن امرأته فوجدها حائضا، أو حلف ليبيعن أمته فوجدها حاملا منه، أو كان الفوات عاديا كسرقة أو غصب أو استحقاق أو كانت يمينه مؤقتة كموت من حلف بضربه غدا اليوم. انتهى.
قال في فتح الجليل: قال في التوضيح: من حلف ليفعلن شيئا فتعذر فعله، فإما أن يكون الفعل مؤقت أم لا؟.
ابن بشير: إن كان غير مؤقت بأجل، فإن فرط حتى تعذر الفعل فلا خلاف أنه حانث، وإن بادر فلم يمكنه الفعل فكما لو كان مؤقتا) (٢). انتهى (٣).
قوله: (لا بكموت حمام) أي لا يحنث بموت حمام ونحوه (في) حلفه (ليذبحنه)، لأنه تعذر عقلي إذ ذبح ميت محال عقلا، وكذلك من نزل عندنا من ضيف فحلف ألا يذبحوا له، فوجدهم قد ذبحوا فإنه لا يحنث، وكذلك إذا قال لزوجته وهي حائض أو حامل: إذا حضت أو حملت فعلي دينار، فلا يكون عليه شيء إلا بحيض أو حمل مستأنف الضابط في هذا الباب حيث ذكر الباء فإنه يحنث، وحيث ذكر في
стр. 653
فهو حلفه، وحيث ذكر لا لا يحنث، وهو ضابط حسن.
قوله: (وبعزمه على ضده) أي ويحنث الحالف بعزمه على ضد ما حلف عليه إذا كانت يمينه على حنث لأنه التزم به ما يترتب.
قال المواق: وانظر هذا الإطلاق مع قوله قبل هذا وأجزأت قبل حنثه. ولا شك أنه ما كفر حتى عزم على الضد. انتهى (١).
قوله: (وبالنسيان إن أطلق) أي ويحنث بفعل ما حلف لا بفعله نسيانا إن أطلق في يمينه ولم يقيده بقيد، كقوله: والله لا أكلت فنسي وأكل، وكذلك إن قال: والله لا أكلت عامدا ولا ناسيا فإنه يحنث، وأما إن قال: والله لا آكل طعام فلان عمدا لم يحنث بالنسيان اتفاقا. انتهى.
قوله: (وبالبعض) أي وكذلك يحنث الحالف بفعل بعض ما حلف عليه، كقوله: والله لا أكلت رغيفا فأكل جزء منه وإن قل فإنه يحنث.
قوله: (عكس البر) أي فإنه لا يبرأ إلا بأكل الجميع، كما إذا حلف ليأكلنه قولا واحدا لأن أكل جزء منه محلوف عليه. انتهى.
التلمساني: قال ابن حارث: اتفقوا على أنه إذا حلف على شيء أنه يفعله ففعل بعضه أنه حانث، واختلفوا في الرجل يحلف ألا يدخل دار فلان، فيدخل برجله الواحدة ثم تفكر، فقال ابن القاسم: إذا قد منع الباب من الانغلاق فهو حانث، ابن حبيب: إن كان اعتماده على الرجل الخارجة أو عليهما جميعا فلا يحنث عليه، وإن كان اعتماده على الداخلة فهو حانث.
ابن الماجشون: فإن أدخل يده لم يحنث، وإن دخل رأسه حنث لأنه جل بدنه، وإن رقد فأدخل رجليه لم يحنث، هذا قول ابن الماجشون.
وعلى قول ابن القاسم يحنث في كل ما منع الباب من الإنغلاق. انتهى من التلمساني.
قوله: (وبسويق أو لبن في لا آكل) أي وكذلك يحنث بشرب سويق أو لبن في حلفه لا آكل منها لأن كلا منهما يقوم مقام الأكل، هذا إذا قصد التضييق على نفسه حتى لا يدخل في بطنه طعاما، والسويق واللبن طعام، وأما إن قصد التخفيف على نفسه بعد الأكل فإنه لا يحنث بشرب السويق واللبن.
стр. 654
السويق دقيق قمح أو شعير قلت فلت بلبن أو سمن أو عسل.
قوله: (لا ماء ولا يتسحر) أي لا يحنث في حلفه لا أكل فشرب ماء لأنه ليس بطعام، وقال بعضهم: ينبغي أن يقيد بغير ماء زمزم لأن ماء زمزم يقوم مقام الطعام. انتهى.
وكذلك لا يحنث بأكله السحور (في) حلفه (لا أتعشى) لأن العشاء إنما يكون أول الليل والسحور آخره.
قوله: (وذواق) أي لو قال الشيخ: ولا ذواق فلا يحنث إذا حلف لا يأكل شيئا فذاقه ذوقا (لم يصل جوفه)، وأما إن وصل إلى جوفه فإنه يحنث.
قوله: (بوجود أكثر) أي وكذلك يحنث بوجود أكثر من عشرة مثلا (في) حلفه (ليس معي غيره لمتسلف) منه خمسة عشر ف (لا) يحنث بوجوده (أقل) مما حلف عليه كوجود تسعة إذ المراد ليس معي ما يزيد على العشرة.
قوله: (وبدوام ركوبه ولبسه) أي ويحنث بدوام لبسه (في) حلفه (لا أركب وألبس)، لأنه مع الدوام يعد راكبا ولا بسا إذ الدوام كالابتداء، ومفهوم الدوام لو نزل أو نزع في الحال لم يحنث وهو كذلك.
قوله: (لا في كدخول) أي لا يحنث بدوام إقامته في حلفه على كدخول دار. قال ابن القاسم: فيمن حلف لا أدخل الدار وهو فيها أنه لا يحنث بدوام جلوسه فيها خلافا لأشهب، ووجه الأول أن جلوسه لا يعد دخولا، بخلاف دوام ركوبه ودوام لبسه فإنه يعد راكبا ولا بسا ما لم ينزل أو ينزع.
قوله: (وبدابة عبده في دابته) أي وكذلك يحنث من حلف ألا يركب دابة فلان فركب دابة عبده، فإن قلت العبد عندنا يملك، قلت: لأن المنة تلحقه في دابة سيده، والحنث يقع بأقل الأشياء. انتهى.
قال صاحب فتح الجليل: وضمير عبده يشمل عبد نفسه وغيره (١).
قوله: (وبجمع الأسواط) أي ويحنث بجمع الأسواط (في) حلفه (لأضربنه كذا) عبر الشيخ بئلله بالحنث تجوزا والمعنى أنه بقى على عدم بره، فإن ضربه بسوط له رأسان بنى على الخمسين إن كان مائة مثلا، وإنما يحنث لأن القصد عدم الإيلام وهو منتف مع الجمع، ولا حجة للحالف في قصة أيوب ﴿﴾ في قوله تعالى:
стр. 655
﴿وخذ بيدك ضعثا فاضرب به، ولا تحنث﴾ [ص: ٤٤] بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، لما تقدم من تقدم العرف في هذا الباب على الشرع. انتهى من فتح الجليل (١).
قوله: (وبلحم الحوت، وبيضه، وعسل الرطب في مطلقها) أي وإن حلف لا يأكل لحما أو بيضا أو عسلا فأطلق، فإنه يحنث في اللحم بأكل لحم الحوت وبأكل بيضه في حلفه على البيض، وبأكل عسل رطب التمر في حلفه لا يأكل عسلا، هذا كله إذا أطلق في الجميع، وأما إن كانت له نية أو ليمينه بساط فعليه.
قوله: (وبكعك، وخشكنان، وهريسة، وإطرية في خبز) أي وحنث بأكل كعك أو بأكل حشكنان أو بأكل هريسة أو بأكل أطرية في حلفه لا أكل خبزا، لأن الخبز يشمل ذلك عندهم.
الكعك خبز مدور وكل كعك مدور، وليس كل مدور كعك.
الخشكنان: كعك حشي بالحلاوة.
والهريسة: قمح أو شعير هرس وطبخ بلا طحن، واستبعد ابن عرفة الحنث بالهريسة.
وإطرية بكسر الهمزة ما يعمل من عجين القمح كالخيوط.
قوله: (لا عكسه) أي فإن حلف لا يأكل كعكا أو خشكنانا أو هريسة أو أطرية، فأكل خبزا فإنه لا يحنث.
قوله: (وبضأن ومعز وديكة، ودجاجة في غنم، ودجاج) هذا من باب اللف والنشر، الأول للأول والثاني للثاني أي وحنث بأكل لحم ضأن أو معز في حلفه لا آكل لحم غنم، لأن الغنم يشمل الضأن والمعز، أو حلف لا يأكل لحم دجاج فأكل لحم ديك أو دجاجة، لأن الدجاج يشمل الذكور والإناث فيها، والديكة جمع ديك وهو ذكر الدجاج.
قوله: (لا بأحدهما، في آخر) أي لا يحنث في حلفه لا آكل ضأنا فأكل معزا أو العكس، أو حلف لا يأكل لحم ديك فلا يحنث بأكل لحم دجاجة ولا العكس.
قوله: (وبسمن استهلك في سويق) أي ويحنث الحالف بأكل سمن استهلك في سويق حتى لم يبق له عين قائمة، وأحرى إن لم يستهلك في حلفه لا آكل سمنا
стр. 656
سواء وجد طعمه أم لا، وهو مذهب ابن القاسم لأن السمن يمكن إخراجه منه، وظاهر الكتاب أنه يحنث خلافا لابن بشير إن لم يجد طعمه، وظاهر الكتاب أنه يحنث.
قوله: (وبزعفران في طعام) أي ويحنث بأكل زعفران إن استهلك في طعام في حلفه لا يأكل زعفرانا، لأن الزعفران كذلك يؤكل.
قوله: (لا بكخل طبخ) أي لا يحنث بأكل خل طبخ في طعام في حلفه لا آكل خلا، هذا قول ابن القاسم وهو المشهور، وفرق أبو عمران بين السمن والخل بأن السمن يمكن استخلاصه من السويق بالماء الحار لبقائه فيه، بخلاف الخل، قال سحنون وأصبغ وابن حبيب: يحنث وصوبه التونسي. انتهى (١).
قوله: (وباسترخاء لها في: لا قبلتك) أي ويحنث باسترخاء لها حتى قبلته في حلفه لا قبلتك لأنه يعد باسترخائه لها مقبلا.
قوله: (أو قبلتني) مشكل لأنه يحنث مطلقا، استرخى لها أم لا في حلفه مثلا إن قبلتني فأنت طالق أو علي كذا.
قوله: (وبفرار غريمه) أي ويحنث الحالف بسبب فرار غريمه (في) حلفه (لا فارقتك أو فارقتني إلا ب) أخذ (حقي) إن فرط حتى فر اتفاقا، (ولو لم يفرط) يحنث على المشهور، ومقابله لمحمد: لا يحنث.
وقوله: (وإن أحاله) تأكيد في الحنث ظاهره الحنث بمجردها ولو قبضه من المحال عليه قبل مفارقة المحيل. انتهى.
وكذلك إن وهبه يريد إلا أن يريد بقوله: لا أفارقه وعليه حقي فإنه لا يحنث إن أحاله.
قوله: (وبالشحم في اللحم لا العكس) أي وحنث بأكل الشحم في حلفه لا آكل اللحم لأن الشحم إنما يتولد من اللحم، بخلاف ما إذا حلف لا آكل شحما فأكل لحما، لأن اللحم لا يتولد من الشحم. انتهى (٢).
قال في فتح الجليل: الذخيرة: حرم الله لحم الخنزير فحرم شحمه، وحرم على بني إسرائيل الشحم ولم يحرم اللحم (٣).
стр. 657
قوله: (وبفرع) أي ويحنث الحالف بأكل الفرع (في) حلفه على أصله كوالله (لا أكل من كهذا الطلع)، وأتى في يمينه بمن التبعيضيه، أو حلف لا آكل هذا الطلع بإسقاط من التبعيضية، وأتى بالإشارة بهذا لأن الإشارة تتناول جميع الأجزاء، والمتولد بعد ذلك فيه من هذه الأجزاء وأدخل بالكاف في قوله: (من كهذا الطلع) القمح كما في المدونة واللبن وغيرهما مما هو أصل، فيحنث بالدقيق والسويق، والخبز وبالزبد والسمن والجبن والزبد بعض اللبن.
قوله: (أو هذا الطلع، لا الطلع أو طلعا) أي لا يحنث إن حلف لا آكل الطلع، أو طلعا فأكل ما تولد منها بإسقاط من التبعيضية والإشارة، معرفا كان أو منكرا لعدم اسم الطلع على ما بعده، ظاهره ولو قرب الفرع من الأصل جدا كالسمن في الزبد وهو كذلك.
قوله: (إلا نبيذ زبيب، ومرقة لحم) لما كان ابن القاسم لا يرى الحنث بالفرع المتولد من الأصل المحلوف عليه، إلا خمسة أشياء استثناها المصنف، فقال: (أو شحمه، وخبز قمح وعصير عنب أي وإن حلف لا آكل الطلع أو طلعا، فإنه لا يحنث بمتولد منه إلا في هذه المسائل الخمس، فإن حلف ألا يأكل زبيبا فإنه يحنث بأكل نبيذه، فإن حلف ألا يأكل لحما فإنه يحنث بشرب مرقه أو أكل شحمه، وقد تقدم هذا وكرره لتجتمع النظائر في موضع واحد، فإن حلف لا آكل قمحا فإنه يحنث بأكل خبزه، فإن حلف لا آكل عنبا فإنه يحنث بأكل عصيره. انتهى.
قال صاحب فتح الجليل: وقول البساطي: إن هذه الأخيرة كالمستغنى عنها، لأنه إذا حنث في النبيذ بالزبيب، فأولى في العصر بالعنب غير بين، لأن المقصود النص على أعيانها، وبعضهم يسمي هذا الفصل بالحلف على ترك الأصول، هل يقتضي الحنث بفعل الفصول، وبعضهم بالحلف على ترك الأمهات هل يقتضي الحنث بالبنات، وعبارة المصنف قريبة من الأول. انتهى (١).
ونظمها بعضهم فقال: (٢)
أمراق لحم وخبز قمح … ونبيذ تمر مع الزبيب
стр. 658
وشحم لحم وعصير كرم … يكون حنثا على المصيب
قوله: (وبما أنبتت الحنطة) أي وحنث بأكل ما أنبتت الحنطة في حلفه لا آكل من هذه الحنطة، (إن نوى) بذلك قطع (المن).
قال في المدونة ويحنث بما اشترى بثمنها من طعام (١).
قوله: (لا لرداءة) أي لا يحنث إن كان حلفه لأجل رداءة فيها أو لسوء صنعة طعام، نحو قول المدونة، وإن كان لشيء في الحنطة من رداءة أو سوء صنعة طعام لم يحنث، وفي نسخة الشارح: «كسوء صنعة طعام»، فجعله مثالا للرداءة وأشعر.
قوله: بما أنبتت بأنه لو أعطاه غيرها لم يحنث وهو كذلك. انتهى من فتح الجليل (٢).
ابن شاس: إن حلف على فعل شيء بنية فينتقل إلى ما ليس هو معدا للانتقال إليه، كمن حلف ليأكلن طعاما، ففسد فأكله.
فقيل: لا يحنث لأنه قد أكله، وقيل: يحنث، لأنه لم يأكله طعاما، ولو انتقل إلى ما هو معد للإنتقال إليه، وقد ذكر في يمينه لفظة من كقوله: لا أكلت من هذا القمح أو اللبن، فإن قرب تغيره ولم يبعد، فالمذهب كله على أنه يحنث، وإن أكله منتقلا، وإن بعد تغيره، كمن حلف لا يأكل من هذا الطلع، فأكل من بسره أو رطبه أو ثمره، فالمشهور أنه يحنث أيضا. انتهى في الجواهر (٣).
قوله: (وبالحمام في البيت) أي ويحنث بدخول الحمام في حلفه لا يدخل بيتا لأن الحمام بيت.
قوله: (أو دار جاره) أي وحنث إن حلف لا أدخل عليه بيته فدخل في دار جاره فوجده عنده، لأنه لما كان للجار على جاره من الحقوق ما ليس لغيره، أشبه بيته ببيته، أو لأن الجار لا يستغني عن جاره غالبا، فكأنه محلوف عليه عرفا، وإذا حنث بدار جاره فداره، أولى، ولا فرق بين كونها ملكا أو بكراء، قاله ابن القاسم وأشهب.
ابن القاسم: ويحنث إن اجتمعا تحت ظل شجرة أو جدار، إذا كانت يمينه بفضاء أو لسوء عشرته، وذكر الشارح عن المجموعة فرعا، وهو من حلف لا أدخل
стр. 659
بيت فلان، فدخل في داره دون البيت، فإن كانت الدار لا تدخل إلا بإذن، ومن سرق منها قطع حنث، فأما دار جامعة تدخل بغير إذن فهي كالطريق فلا يحنث، وقيل يحنث، إلا أن يكون نوى الدار أو يقول منزله، والدار هي المنزل، وذكر العتبي القولين عن ابن القاسم من رواية عيسى. انتهى فتح الجليل (١).
قوله: (أوبيت شعر) أي ويحنث في دخول بيت شعر في حلفه لا دخل عليه بيتا.
قوله: (كحبس أكره عليه بحق) أي كما يحنث الحالف، بدخول دار السجن على المحلوف عليه في حلفه لا دخل عليه بيتا فأكره الحالف بالدخول في السجن في حق لزمه، وأما إن أكره ظلما فلا يحنث، وإذا حنث الحالف بالإكراه حقا، فبدخوله طوعا أحرى، وربما أشعر كلامه بأن المحلوف عليه لو دخل السجن على الحالف لم يحنث وهو كذلك، وسواء دخل طوعا أو بسجن وهو كذلك. انتهى.
قوله: (لا بمسجد) أي لا يحنث بدخوله عليه في مسجد، إذ لا مندوحة له، وقال مالك: وليس على هذا حلف (٢)، وفرق ابن المواز بين الحمام والمسجد، بعدم لزوم دخوله الأول، بخلاف الثاني، فإنه مطلوب بدخوله شرعا فصار كأنه غير مراد.
قوله: (وبدخوله عليه ميتا في بيت يملكه) أي ويحنث بدخوله عليه حال كونه ميتا قبل دفنه في حلفه لا دخل عليه بيتا يملكه، واستشكل بخروجه عن ملكه بموته وصار للورثة، وأجيب بأن له فيها حقا يجري مجرى ملكه وهو كونه لا يخرج منه حتى يتم غسله وكفنه.
قوله: (لا بدخول محلوف عليه إن لم ينو المجامعة) أي لا يحنث بدخول محلوف عليه في البيت لعدم وقوع ما حلف عليه وهو حلفه لا دخل عليه إلا أن ينوي المجامعة في موضع واحد فيحنث حينئذ بجمعهما.
قوله: (وبتكفينه في لا نفعه حياته) أي ويحنث بسبب تكفينه في حلفه لا أنفعه حياته، لأن الكفن من توابع الحياة، ولأن اليمين محمولة على الانتفاع أبدا وكذلك لو حلف لا أدى إليه حقا ما عاش حنث بتكفينه قالهما مالك، ويحنث بتخليصه ممن يشتمه وبثنائه يعني عليه في نكاح لأنه نفعه.
قوله: (وبأكل من تركته قبل قسمها في: لا أكلت طعامه، إن أوصى) أي ويحنث
стр. 660
بسبب أكل من تركته في حلفه لا آكل طعامه إن أوصى بشيء من ماله (أوكان مدينا) وإن لم يحط الدين بماله، لوقف التركة لذلك، ومفهومه إن لم يوص أولم يكن عليه دين فلا يحنث وهو كذلك قاله ابن القاسم.
أشهب: لا يحنث مطلقا.
قوله: (وبكتاب إن وصل أو رسول، في لا أكلمه) أي وحنث بسبب كتاب إن وصل لمحلوف عليه قرأه أو لم يقرأه، وكذلك يحنث برسول إن بلغ ما أرسل به إلى المحلوف عليه وإلا فلا يحنث، إلا إذا سمعه المحلوف عليه حين الإرسال، فإنه يحنث، هذا كله في حلفه لا أكلمه، هذا ظاهر كلامه، وهو قول مالك وابن القاسم في المدونة، قال المصنف: لأن القصد بهذه اليمين المجانبة وهي غير حاصلة، وظاهر قوله أو بكتاب، سواء كتبه أو أمر بكتبه أو أمر بكتبته، والذي في الواضحة على ما نقله ابن أبي زيد: لو أمر الحالف من يكتب عنه للمحلوف عليه لم يحنث به بحال، إلا أن يقرأه الحالف أو يقرأ عليه أو يحكيه وربما أشعر قوله: لا أكلمه بأنه لو حلف ليكلمنه لم يبر بالكتاب والرسول وهو كذلك قاله ابن الماجشون. انتهى فتح الجليل (١).
قوله: (ولم ينو في الكتاب في العتق والطلاق) أي وإن ادعى الحالف أنه نوى مشافهته لم ينو في الكتاب أنه أرادها في العتق والطلاق فقط وينوي في غيرهما وإليه رجع مالك وكان يقول: ينوي فيهما أيضا، ونسب المصنف التقييد في توضيحه للمدونة وهو كذلك في الأم، وتوهم الشارح أنه في التهذيب وتعقبه قائلا هو فيها من غير تقييد ومفهوم قوله: ولم ينو في الكتاب إلى آخره أنه ينوي في الرسول مطلقا.
ابن يونس: وعلى أنه ينوي يحلف على ذلك لحق الزوجة والعبد إذ اليمين المذكورة في الأم بالطلاق والعتق. انتهى منه.
قوله: (وبالإشارة له) أي وحنث بالإشارة إليه في حلفه لا أكلمه لأن الإشارة كالكلام لقوله تعالى: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ [آل عمران: ٤١] وهذا قول مالك وابن القاسم ولابن القاسم أيضا: لا يحنث بها.
قوله: (وبكلامه ولو لم يسمعه) أي وحنث بكلامه في حلفه لا أكلمه بحيث يمكن
стр. 661
سماعه عادة لولا المانع الذي امتنع لأجله السماع ولو لم يسمعه المحلوف عليه لنوم ثقل أو صمم أو شغل بخلاف البعيد المنهي للسماع بمكان لا يمكن سماعه منه فإنه لا يحنث اتفاقا وأشار بلو إلى خلاف أصبغ ومحمد.
قوله: (لا قراءته بقلبه) قال صاحب فتح الجليل: تحير الناس في فهم هذا مع قوله قبل: وبكتاب إن وصل، فحمله الشارح على قول أشهب أن الحالف لا يقرأ جهرا لا يحنث بقراءة بقلبه، وعلى هذا فليس لها تعلق بمسألة من حلف لا كلمه، وحمله آخر على أنه في المسألة الأولى وصل إليه الكتاب وقرأه بلسانه، بل قال إنه كذلك في بعض النسخ وهو أيضا لأشهب ليطابق قوله هنا لا قراءته بقلبه، وهو مخالف لنص مالك وابن القاسم في المدونة، وحمله آخر على أن الضمائر راجعة للحالف. انتهى (١).
ويطلب هذا بالنفل في الحنث إذا قرأه الحالف جهرا أو أذن لمن قرأه عليه.
قال صاحب مغني النبيل: لا بمجرد وصول كتابه إليه أو قراءته بقلبه أو قراءة أحد عليه بلا إذن. انتهى.
قوله: (أو قراءة أحد عليه بلا إذن) أي بلا إذن من الحالف.
قال فتح الجليل: فعبارته مشكلة وقرره الشارحان هذا على أن المحلوف عليه كتب للحالف كتابا فلم يقرأه ولا أذن لمن يقرأه، فقرأه غيره عليه بغير إذنه لم يحنث، وحمله غيرهما على قول ابن حبيب: لو قال الحالف لرسوله: اردده أو اقطعه، فعصاه ودفعه للمحلوف عليه، فقرأه أو رماه كاتبه، فأخذه المحلوف عليه فقرأه لم يحنث قائلا، وإذا كان لا يحنث بقراءته والحالة هذه، فأحرى إذا قرأ عليه بغير إذن. انتهى (٢).
ولو كان هذا مراده لقال: ولو بإذن لأنه إذا لم يحنث بقراءته قليلا يحنث بلا إذن فيها أحرى. فتح الجليل (٣).
قوله: (ولا بسلامه عليه بصلاة) أي ولا يحنث بسلامه عليه في صلاة إماما كان أو
стр. 662
مأموما في حلفه لا أكلمه.
قوله: (ولا كتاب المحلوف عليه ولو قرأ على الأصوب والمختار) أي ولا يحنث الحالف بوصول كتابة المحلوف عليه لا أكلمه ولو قرأه الحالف على القول الأصوب عند المازري والمختار عند اللخمي، وأنكر قول ابن القاسم بالحنث غير واحد من أصحابه.
قوله: (وبسلامه عليه معتقدا أنه غيره، أو في جماعة إلا أن يحاشيه وبفتح عليه) أي وحنث الحالف لا أكلم فلانا بسبب سلامه عليه معتقدا في قلبه أنه غيره وأحرى إن ظن وأحرى إن شك، قصد الشيخ الوجه المشكل.
وكذلك يحنث بسلامه على جماعة هو فيها، إلا أن يحاشيه في سلامه قبل التلفظ به فلا يحنث، وما قال البساطي هنا غير ظاهر إذ هو استثناء. انتهى من فتح الجليل (١).
وكذلك يحنث الحالف لا أكلم فلانا فوقف فلان في قراءته في صلاته ففتح عليه لأنه في معنى قوله: أقرأ كذا.
قوله: (وبلا علم إذنه) أي وحنث الحالف إذا خرجت زوجته بلا علم إذنه (في) حلفه (لا تخرجي إلا بإذني) فإن أذن لها في سفر أو حيث لم تسمعه وأشهد بذلك فخرجت بعد إذنه وقبل علمها بلا إذن لأن معنى كلامه لا تخرجي إلا بسبب إذني وهي قد خرجت بغير سببه.
قال في فتح الجليل: قال المصنف: هذا هو المنصوص في المدونة، ولا ينبغي أن يختلف فيه، لأن قصد الزوج أن لا تعصيه في خروجها بغير إذنه، وهي خرجت ولم تسمع فقد خرجت بغير إذنه، ولم أر فيها قولا بعدم الحنث، إلا قولا حكاه أبو الحسن عن مالك. انتهى (٢).
قوله: (وبعدم علمه في: لأعلمنه) صوابه وبعدم إعلامه أي وإن حلف لرجل أنه إن علم كذا ليعملنه به فإنه يحنث بعدم إعلامه به فإن أعلمه برئ في يمينه (وإن) كان إعلامه (برسول) أو كتاب وهو مبالغة في الإعلام.
قوله: (وهل إلا أن يعلم أنه علم؟ أي وهل لا يبرأ مطلقا حتى يعلمه علم أنه علمه
стр. 663
أم لا وهو رأي أبي عمران ولا يبرأ من يمينه إلا أن يعلم أنه علم فيبرأ وإن لم يعلمه لأن القصد علمه وقد حصل وإليه ذهب اللخمي فيه (تأويلان) الأول ظاهر المدونة.
قوله: (أو علم وال ثان في حلفه لأول في نظر) صوابه أو إعلام وال ثان أي ومن حلفه وال أنه إن علم كذا في نظر ومصلحة المسلمين ليعلمنه فمات الوالي أو عزل فولي وال ثاني فإن الحالف يحنث بعد إعلامه الثاني لأنه قائم مقامه في المصلحة، ومفهومه إن لم يكن ذلك في مصلحة المسلمين بل للأمير نفسه أولا مصلحة فيه لم يحنث بعدم إعلامه به.
قوله: (وبمرهون) أي ويحنث بثبوت مرهون (في) حلفه (لا ثوب لي) إذا كان لا نية له.
قال في فتح الجليل: فلا يتعقب إطلاقه كما قال البساطي، لما في المدونة من عدم الحنث إن كان الثوب كفافا أو نوى ذلك وإلا حنث (١).
قوله: (وبالهبة والصدقة) أي ويحنث الحالف بالهبة غير الثواب وبالصدقة (في) حلفه (لا أعاره) لأن قصده عدم نفعه (و) كذلك يحنث (بالعكس) به وهو إن حلف لا وهبه أو لا يتصدق عليه فأعاره لما في العارية من الصدقة مع التحنيث بالأقل. زاد في النوادر عن ابن القاسم وأشهب: يحنث إن وهبه أو نحله أو أعمره أو أسكنه أو حبس، إلا أن تكون له نية يعرف لها وجها فيصدق (٢).
قوله: (ونوي) أي وتقبل نيته في قوله: وبمرهون وما بعده (إلا في صدقة) تصدق بها عوضا (عن هبة) حلف لا فعلها أو بالعكس فيحنثه ولا تقبل نيته لتقاربهما.
قوله: (وببقاء ولو ليلا) أي وحنث ببقائه بعد يمينه زائدا على إمكان الانتقال ويخرج ولو كانت يمينه ليلا (في) حلفه (لا سكنت) هذه الدار لأن الدوام سكني عرفا فلا يبقى فيها إلى الصبح.
قال في المدونة: إلا أن ينويه فيجتهد إذا أصبح في مسكن وإن غلا كراؤه (٣).
قوله: (لا في: لأنتقلن) أي لا يحنث ببقاء في حلفه لانتقلن، وهو على حنث حتى ينتقل، ويؤمر بالانتقال، وهذا إذا أطلق، وأما إن قيد بزمن ومضى حنث، فلو
стр. 664
رجع بعد انتقاله لم يحنث، بخلاف التي قبلها لو علقه حنث لأنه حلف أن لا يوجد منه سكني، فمتى وجدته حنث قاله أبو الحسن. انتهى من فتح الجليل (١).
قوله: (ولا بخزن) أي وكذلك لا يحنث بخزن في حلفه لا أسكن فيها فخزن فيها المتاع لأن الخزن ليس بسكني.
قوله: (وانتقل في لا ساكنه) أي وانتقل في حلفه لا ساكنه بأحد أمرين أحدهما أن يخرجا (عما كانا عليه) قبل اليمين بأن ينتقلا معا أو أحدهما انتقالا لا يزول معه اسم المساكنة.
ابن غازي: فإن كان في بلد وظهر أنه قصد الانتقال عنه وجب عليه ذلك وإن كان معه في قرية فكذلك أيضا، وإن كان في حارة انتقل عنها وكذلك الدار والبيت قال: وهذا معنى ما في المدونة وغيرها، وهو مما نظر فيه إلى المقاصد والسبب المحرك لليمين، وقاله ابن بشير. انتهى (٢).
وأشار إلى ثاني الأمرين بقوله: (أو ضربا جدارا ولو جريدا بهذه الدار أي ولو كان الجدار جريدا عند الأكثر لو جود التمييز الدافع للمساكنة خلافا لابن الماجشون في أنه لا يكفي وأما من طوب أو حجر فواضح.
ابن غازي: عطفه بأو تنبيها على أنهما إذا كانا ساكنين في دار فالحالف مخير في الانتقال وضرب الجدار، وهذا قول ابن القاسم في المدونة، وأما مالك فكره الجدار فيها وأشار بلو لخلافين: أحدهما: الخلاف في الحاجز إذا لم يكن بناء وثيقا بالحجر ونحوه بل كان من جريد النخل وشبهه.
والثاني: الخلاف في إجزاء الحاجز إذا عين الدار فقال: بهذه الدار مثلا كما تلفظ به المصنف.
أما الأول فبالجريد فسر ابن محرز المدونة، خلافا لابن الماجشون وابن حبيب.
وأما الثاني فقال ابن عرفة والمصنف: ظاهر قوله في المدونة سماها أم لا.
انتهى (٣).
стр. 665
وقوله: بهذه الدار متعلق بقوله: ساكنه ولم يذكر المصنف هنا قيدين لا بد منهما أن يكون لكل منهما مدخل ومخرج في قسمهما الدار بالجدار أو غيره.
قوله: (وبالزيارة إن قصد التنجي، لا لدخول عيال) أي وإن حلف لا ساكنه فإنه يحنث بزيارة المحلوف عليه إن قصد بيمينه التنحي عنه والبعد منه لأن ذلك غير موجود مع الزيارة إذ هي مواصلة وقرب فلا يحنث إن لم يقصد التنحي بل كان قصد يمينه لسبب كثرة دخول عيال لما يدخل بينهم قاله ابن رشد، ثم أشار الشرط عدم الحنث بقوله: (إن لم يكثرها نهارا أو يبيت بلا مرض) أي إن لم يكثر الزيارة نهارا أو يبت ليلا وأحرى إن كثر الزيارة ليلا بلا مرض المحلوف عليه.
وقوله: بلا مرض راجع للزيارة والمبيت والظاهر عدم حنثه.
قوله: (وسافر القصر في: الأسافرن، ومكث نصف شهر. وندب كماله) أي وسافر الحالف سفر القصر في حلفه لأسافرن ترجيحا للمقصد الشرعي وإلا أجزأ ما يسمى سفرا لغة وهذا مخالف لما تقدم من تقديم المقصد اللغوي على الشرعي حيث لا بساط ويمكث في سفره نصف شهر وجوبا. وندب مكثه في منتهى سفره كمال الشهر.
قوله: (كأنتقلن) تشبيه لإفادة الحكم أي وإن حلف لينتقلن من بلد كذا فلا بد من سفره مسافة القصر ومكثه نصف شهر وندب له كماله عند ابن القاسم.
قوله: (ولو بإبقاء رحله لا بكمسمار) هذا راجع لقوله: وببقائه ولو ليلا في لا سكنت أي وحنث بإبقاء متاعه فيه ولو بإبقاء رحله ولا يحنث بإبقاء مسمار ونحوه من وتد وشبهه عند ابن القاسم في كتاب محمد وهو المشهور.
قوله: (وهل إن نوى عدم عوده؟) له (تردد) أي وهل يفيد قول ابن القاسم بعدم الحنث إن نوى عدم عوده له وأما إن نوى العود له فكالكثير أو قول ابن القاسم بعدم الحنث مطلقا نوى عدم عوده أولا فيه تردد. انتهى.
وأما لو تركه نسيانا فهل يحنث أولا قولان لابن القاسم وابن وهب.
قوله: (وباستحقاق بعضه، أو عيبه بعد الأجل) أي وحنث من حلف ليقضين فلانا دينه عند أجل كذا، باستحقاق بعضه بعد القضاء وأحرى كله، أو تبين فيه عيب بعد الأجل، ونحوه في المدونة واستشكل الحنث لأن قصد أهل العرف بهذه اليمين إنما هو عدم المطل، وكذا لو قضاه قبل الأجل فاستحق، أو تبين أنه معيب فلم
стр. 666
يقضه إلا بعد الأجل، وأما إن قضاه قبل الأجل فلا يحنث وظاهره الحنث ولو لم يعلم الحالف بذلك حين القضاء وهو كذلك وظاهره ولو لم تقم بينة على عين الدنانير على القول بأنها تتعين وأما على أنها لا تتعين أو لم تقم بينة فلا حنث وظاهره الحنث ولو لم يأخذها المستحق بل أجاز البيع وهو كذلك قاله ابن القاسم.
انتهى فتح الجليل (١).
قوله: (وبيع فاسد فات قبله) أي وحنث من حلف ليقضين فلانا حقه عند أجل كذا فقضاه ببيع فاسد باعه له، أو قاصصه بثمنه في حقه ثم فات المبيع قبل الأجل بما يفوت به البيع الفاسد (إن لم تف) البائع لغريمه بقية حقه ومفهوم الشرط إن وفاه لم يحنث وهو كذلك في بعض النسخ إن لم تف القيمة بالدين وكلاهما صحيح.
قوله: (كأن لم يفت على المختار) أي كأن لم يفت ذلك المبيع بيعا فاسدا إلى الأجل بل يبقي على حاله وقيمته لا تفي بالحق حنث على ما أختاره اللخمي من القولين وهو قول سحنون.
والثاني لأشهب لا يحنث ونصه في التبصرة.
قوله: (وبهبته له، أو دفع قريب عنه، وإن من ماله، أو شهادة بينة بالقضاء إلا بدفعه، ثم أخذه) أي وحنث من حلف ليقضين فلانا حقه إلى أجل كذا فوهب له الحق الذي عليه وفات الأجل وهو قول ابن القاسم وأما إن لم يفت الأجل فهو على حنث إليه عبر الشيخ بالحنث.
المعنى: لا يبرأ من اليمين، وكذلك لا يبرأ منها بدفع قريب غير وكيل عنه الدين لربه في غيبة الحالف وإن كان دفع ذلك من مال الحالف، فإذا كان الحالف لا يبرأ بقضاء قريب عنه فأحرى ألا يبرأ بدفع أجنبي وإذا كان لا يبرأ بدفع قريب عنه من ماله فأحرى ألا يبرأ بدفع قريب من مال نفسه هذا مذهب ابن القاسم.
وأما ابن الماجشون فيبرأ بقضاء بعض أهله عنه.
اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن.
وقوله: أو شهادة بينة بالقضاء وكذلك لا يبرأ من يمينه إذا حلف ليقضينه إلى أجل فقامت بينة أنه قد قضاه قبل هذا.
وقوله: إلا بدفعه ثم أخذه راجع إلى المسائل الثلاثة أي فلا يبرئه في المسائل
стр. 667
الثلاث إلا بدفع الحق للمحلوف له ثم أخذه منه.
قال البساطي: قولهم: ثم أخذه من تمام الحكم، لا أنه يخرج من عهدة اليمين إلا بالمجموع.
وقال صاحب فتح الجليل وهو واضح (١).
وقال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله لو سألني أحد لقلت: قوله: ثم أخذه ليس من تمام الحكم لأنه لو شاء لتركه إذ هو حق له. انتهى.
قوله: (لا إن جن) أي لا إن جن الحالف، (ودفع الحاكم عنه فإن الحالف يبرأ من اليمين قاله ابن القاسم، لأن الحاكم وكيل كل مجنون والوكيل كموكله، (وإن لم يدفع) عنه الحاكم (فقولان): أصبغ: يحنث، وابن حبيب: لا يحنث.
قوله: (وبعدم قضاء في غد) أي وحنث بعدم قضاء في حلفه ﴿في: لأقضينك غدا يوم الجمعة﴾ أو يوم الجمعة غدا يظنه كذلك فقيده بغد وبيوم الجمعة ﴿وليس﴾ يوم الجمعة بل ﴿هو﴾ يوم غيره، فالمعتبر غدا لا اليوم ولا ينقضه أنه غير يوم الجمعة قاله ابن القاسم.
قال في فتح الجليل وعلله في الذخيرة بأنه التزم المتبادر إليه، ولو قال غدوة أو بكرة، ففيما بينه وبين نصف النهار وفي العشى من وقت الظهر للغروب. انتهى (٢).
قوله: (لا إن قضى قبله) أي لا يحنث إن قضى له دينه قبل أجل اليمين لأن مقصوده تعجيل القضاء.
قال اللخمي: يريد إلا أن يقصد في يمينه المطل فإنه يحنث إن قضى له دينه قبل الأجل (٣).
قوله: (بخلاف لأكلنه) أي وهذا خلاف من حلف على طعام ليأكلنه غدا فأكله قبل الغد فإنه يحنث لأن الطعام قد يخص به اليوم، والغريم إنما القصد فيه القضاء.
ولو كان مريضا طلب منه الأكل اليوم فحلف ليأكلنه غدا فقدم الأكل عن الغد فإنه لا يحنث.
قوله: (ولا إن باعه به عرضا) أي ولا يحنث إن حلف ليقضينه حقه وهو دنانير
стр. 668
أو دراهم ولم يقصد عينها فلم يدفع له دنانير ولا دراهم بل باعه به عرضها.
أغفل المصنف الله قيدا لا بد منه هنا وهو أن يكون العرض يساوي قيمة الدين قاله ابن القاسم.
قال صاحب فتح الجليل: وقول مالك: لا أرى ذلك، قال ابن القاسم: كرهه للذريعة، وحمله اللخمي أيضا على الكراهة، ونظر فيه ابن عرفة بأن ظاهر لا أرى الحنث، وأما إن قصد عين حقه حنث. انتهى (١).
قوله: (وبر إن غاب) أي وبر الحالف ليقضين لفلان حقه إن غاب رب الحق بقضاء وكيل تقاض ديونه، (أو) وكيل (مفوض) لرب الدين، لأن يد الوكيل كيد الموكل.
وقوله: (وهل ثم وكيل ضيعة، أو إن عدم الحاكم - وعليه الأكثر - تأويلان) أي وهل ثم عند فقد هما يبرأ بقضاء وكيل ضيعة لم يوكله على قضاء دينه على الحاكم.
عياض: وهو ظاهر قول المدونة وإن قضى وكيلا له في ضيعة ولم يوكله ربه بتقاضي ديونه أجزأه (٢).
قال عياض: سواء كان حاكما أم لا، وعلى هذا الظاهر تأولها ابن رشد، أو إنما يبرأ إن عدم الحاكم، وأما إن كان حاكم فلا يبرأ إلا به، وهو تأويل ابن لبابة وعليه اختصرها الأكثر.
ابن عبد السلام: لا نعلم خلافا أن وكيل الضيعة متأخر عن وجود الحاكم العدل إلا ما أشار إليه بعض الأندلسيين في فهم المدونة وفيه نظر. انتهى.
فيه تأويلان أبو محمد صالح: السلطان مقدم على وكيل الضيعة لأنها مسألة نزاع ولا يقطعه إلا هو. انتهى (٣).
الضيعة ما يقوت فيه الإنسان. انتهى.
قوله: (وبرئ في الحاكم إن لم يحقق جوره وإلا بر أي ويبرئ حالف على وفاء دين قبل أجله وبر في حلفه إذا دفع الحق للحاكم حيث لا وكيل إن لم يحقق جور الحاكم بأن تحقق عدله أو جهل حاله، وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك بل حقق
стр. 669
جوره بر في يمينه بالدفع له، ولم يبرأ من الدين.
قوله: (كجماعة المسلمين) أي كما يبرأ من اليمين إذا أتى لجماعة المسلمين حيث لا حاكم (يشهدهم) بإحضار الحق ويعلمهم باجتهاده بالطلب ليتخلص من يمينه لا من الدين فالتشبيه بالحاكم في البر لا في الإبراء.
قوله: (وله يوم وليلة) أي وإذا حلف ليقضين فلانا حقه في رأس الشهر، أو عند رأسه، أو إذا استهل، فإنه يفسح له في ذلك يوم وليلة، أتى في الأول بفي وفي الثانية عند وفي الثالثة إذا.
قال صاحب فتح الجليل قال ابن عرفة: قال اللخمي أرى له ثلاثة أيام في الهلال، لأن العرب تسميه في الأولى والثانية هلالا، والثالثة والرابعة قمرا، إلا أن لا يعرف الحالف هذه التسمية (١).
قوله: (وإلى رمضان، أو لاستهلاله شعبان) أي وإن حلف ليقضينه إلى رمضان أو لاستهلاله فإنه يفسح له إلى انسلاخ شعبان فقط سواء أتى بإلى أو باللام فيحنث بانسلاخ شعبان.
قوله: (وبجعل ثوب قباء، أو عمامة في: لا ألبسه، لا إن كرهه لضيقه، ولا وضعه على فرجه) أي وحنث بسبب جعل ثوب قباء أو عمامة أو قلنسوة أو جبة في حلفه لا ألبسه إلا أن يكون إنما كره الثوب لضيقه، فإن وسعه ولبسه فلا يحنث.
وكذلك لا يحنث إذا وضع ذلك الثوب على فرجه لأن هذا لا يعد لبسا.
قوله: (وبدخوله من باب غير) أي ويحنث بدخوله من باب غير عن حاله بتوسيع أو غلق ففتح غيره (في) حلفه (لا أدخله إن لم يكره الباب لأجل (ضيقه) فإن كرهه لأجل ضيقه وغيره لم يحنث. وكذلك إن كرهه لأجل مروره على من يكرهه.
قوله: (وبقيامه على ظهره) أي ويحنث الحالف في حلفه لا أدخل بيت فلان بقيام على ظهر بيته إذا كان ملكا له وهذا يخالف ما تقدم في الجمعة أنه لا تجزئ فيه صلاة الجمعة. الفرق بينهما أن الحنث يقع بأقل الأشياء.
قوله: (وبمكترى في: لا أدخل لفلان بيتا) أي كذلك يحنث بدخول مكترى في حلفه لا أدخل لفلان دارا لأن الديار إنما تنسب لسكناها.
قوله: (وبأكل من ولد دفع له محلوف عليه وإن لم يعلم إن كانت نفقته عليه) أي وحنث
стр. 670
الحالف لا يأكل طعام زيد مثلا بسبب أكل طعام دفعه المحلوف عليه لولد الحالف وإن لم يعلم الأب أن الطعام للمحلوف عليه وأحرى إن علم إن كانت نفقة الولد عليه والأب غنيا بأن كان صغيرا أو الأب غني وأما إن كان الولد غنيا أو الأب فقيرا فإنه لا يحنث فإنما يحنث حيث كانت نفقته عليه لأنه ملك أن يرد ذلك ولأنه يقول نفقة ولدي لزمتني ولا أريد من ينفق عليه غيري هكذا قرر.
وقال صاحب فتح الجليل: في دفع له بالبناء للمفعول أي للولد طعام شخص محلوف عليه. انتهى (١).
قال في الجواهر: وقال سحنون: لا يحنث لأن ابن الحالف ملك ذلك الطعام، وزال ملك المحلوف عليه عنه.
قال أبو إسحاق التونسي: لم يجعل ملك ابنه تقرر على ما أعطاه، فيصير الأب آكل مال ابنه لا مال المحلوف عليه.
قال: ولعله أراد أن ذلك يصير للأب، أن يرده، فلما كان له أن رده لم يتقرر للابن عليه ملك، إلا برضى الأب، فلهذا حنث. انتهى (٢).
قوله: (وبالكلام أبدا، في لا كلمه) أي ويحنث إذا كلمه أبدا في حلفه لا أكلمه (الأيام، أو الشهور أو السنين) وأتى بالألف واللام لأن الألف واللام لاستغراق الجنس والأبد ظرف لما يأتي كما أن قط ظرف لما مضى.
قوله: (وثلاثة في كأيام) أي ويحنث إذا كلمه في ثلاثة في حلفه لا أكلمه أياما أو شهورا أو سنين فأتى في يمينه بلفظ النكرة.
الحاصل: إذا أتى في يمينه بالألف واللام فإنه يحنث إذا كلمه أبدا وإن أتى في يمينه بلفظ النكرة فإنه يحنث إذا كلمه بأقل الجمع من ذلك وهو ثلاثة وإن كلمه بعد ثلاثة لم يحنث.
قوله: (وهل كذلك في لأهجرنه، أو شهر؟ قولان) أي وهل كذلك يحنث إذا كلمه في ثلاثة أيام في حلفه لأهجرنه من غير ذكر زمان حملا ليمينه على الهجران الجائز شرعا أو يلزمه شهر قولان لأن الأول في كتاب ابن حبيب والعتبية، والثاني لابن القاسم في الموازية. انتهى.