← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال أبو حنيفة: الشرط إذا دخل على السبب أخرجه عن كونه سببا، كما إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فإن الطلاق لا يصير سببا للبينونة إلا مع شرطه، والخيار استبقاء ما كان له بالخيرة الأصلية، فإذا عقد استبقاء الملك لنفسه في الأيام الثلاثة، فيتخير في هذا الحكم بين أن يثبت وبين ألا يثبت في الابتداء بين أن يوجد العقد وبين ألا يثبت، كما يخير في الابتداء بين أن يوجد العقد وبين ألا يوجد (١)، وقد استقصينا تقرير المأخذين وإبطال مأخذ الخصم في تخريج الفروع على الأصول (٢). * * *

стр. 107

[٨] مسائل الربا [٤١] * مسألة: علة تحريم الربا في الأشياء الأربعة المنصوص عليها: [الطعم] (١) مع اتحاد الجنس عندنا، فالجنسية محل [تحريم] (٢) ربا الفضل، وليست أحد وصفي العلة (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: العلة مركبة من وصفين، وهما الكيل والجنسية (٤). ومأخذ النظر فيها: اختلاف العلماء في حكم النص الوارد في باب الربا، و [هو] (٥) ما رواه عبادة [بن] (٦) الصامت [﵁] عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تبيعوا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين» (٧). إلى أن يوجد المخلص وهو التساوي

стр. 108

في المعيار الشرعي، والتعليل [بالطعم] (١) صالح؛ لأنه ينبئ عن مزية من حيث إن به بقاء الحيوان، فصار كالبطيخ، ولا يلزم على هذا إذا اختلفا جنسا؛ لأنه جاز للحاجة، وفي الجيد مع الرديء وإن وجد نوع حاجة، لكن الحاجة تندفع بهما، والمطعومات على اختلاف أجناسها أربعة: أقوات، وإدام، وفواكه، وأدوية، وفي الماء وجهان: وجه كونه مطعوما قوله - تعالى -: ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقال أبو حنيفة: حكم النص إيجاب التماثل في الأموال الربوية كيلا أو وزنا، وعللوا ذلك بأن الكيل يحقق المماثلة صورة، والجنس يحققها معنى، فيظهر التفاوت بنفس التقابل، من حيث إن الأموال المنصوص عليها متساوية قطعا، ولهذا يضمن بالمثل جيدها ورديئها سواء بالنص، فإذا تحققت التسوية كانت العلة الجنس مع الكيل (٢). ونحن نقول: التعليل بالكيل متناقض؛ فإن أبا حنيفة قال: العلة في التحريم هي الكيل، والعلة في الخلاص من التحريم هي الكيل، فكيف يكون الشيء الواحد علة للتحريم وعلة الإباحة؟، وعلة الطعم غير متناقضة، فكانت أولى (٣). ثم يتفرع من فهم حكم النص أصلان من كل واحد من الجانبين: أحدهما: أن الأصل عند الشافعي تحريم بيع أموال الربا بعضها ببعض،

стр. 109

والإباحة عارضة عند وجود التساوي في المعيار الشرعي، والأصل عند أبي حنيفة إباحة البيع في [الأموال] (١) الربوية كما في سائر الأموال، والتحريم عارض عند وجود الفضل في الكيل أو الوزن (٢). والأصل الثاني: أن الأصل عند الشافعي تحريم كل فضل في أموال الربا؛ لأن الربا هو الزيادة، ومنه الربوة، وعندهم لا يحرم الفضل إلا في المعيار الشرعي (٣). * * * [٤٢] * مسألة: لا يصح بيع الحفنة من الطعام بالحفنتين، ولا بالحفنة عندنا (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: يصح ذلك متفاضلا ومتساويا (٥). ومأخذ النظر فيها: اعتقاد الخصم أن العلة في جريان الربا في البر كونه مكيلا، فما لا يكال لا ربا فيه، والحفنة مما لا يجري فيها الكيل عادة، فلا ربا فيه (٦). واعتقاد الشافعي أن العلة هي الطعم، وهذا مطعوم (٧)، وهكذا الخلاف

стр. 110

في بيع جوزة بجوزتين، وبطيخة ببطيختين، إلى نظائره. * * * [٤٣] * مسألة: [علة الربا] (١) في النقدين جوهرية الأثمان عندنا، ولا نقول: الثمنية كما قال الجمهور؛ فإن الربا يجري في الحلي، وكل موضوع من الذهب والفضة، وليس ذلك بثمن، وهذه علة قاصرة على النقدين (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: العلة فيهما الوزن مع الجنس، فيتعدى التحريم إلى كل موزون بيع بجنسه متفاضلا، أو نسيئا متساويا، كالحديد والرصاص والنحاس (٣). ومأخذ النظر فيها: أن الحكم في محل النص يثبت عند الشافعي بالنص، لا بالعلة المستنبطة من النص، فجاز أن تكون العلة مقصورة على محل النص (٤). وعند أبي حنيفة ﵀ يثبت بالعلة لا بالنص (٥). وهذه مسألة أصولية: وهو الكلام في إثبات أصل العلة القاصرة وصحتها (٦)، فنحن جعلنا المقصود علما، وقلنا: المقصود من هذين

стр. 111

الجوهرين الثمنية، وهذا يشير إلى مناسبته، فإن الثمنية وصف شرف، حيث إن به قوام المعاش، وهو قيم الأشياء، وناهيك بهذا شرفا وعلو قدر، فجاز أن يكون علما على الحكم. والخصم يقول: التعليل بالثمنية باطل؛ فإنها علة قاصرة، والعلة القاصرة باطلة، ومعنى بطلانها أنها لا تفيد حكمها أصلا، لا في محل النص، ولا في غير محل النص، أما في محل النص فالحكم ثابت بالنص لا بالعلة، وفي غير محل النص لا يثبت حكما أصلا؛ فإنها لا تتعدى، فإذا لم تفد حكما أصلا كانت باطلة (١). * والجواب عن هذا: أن نقول: ينبغي أن يفهم معنى قولنا: الحكم في محل النص يثبت بالنص، فإن المعني به أن النص هو المعرف لثبوت الحكم، وهذا لأن معرفة الحكم بالنص سبق معرفة العلة؛ فإن بعد النص يقع البحث والاستنباط للعلة، وإلا فالحكم عند الله ثابت بالحكمة والمناسبة، فقلنا: أصل ثبوت الحكم بالنص، وهو مقطوع به، والعلة هي السبب الداعي إلى إثباته، والمصلحة التي اقتضت شرعه، فقد صار النص والعلة لهما فائدتان، النص يثبت الحكم،

стр. 112

والعلة داعية الثبوت، وصار [كما قلنا في القطع في السرقة، فإنه علم بنص الكتاب ثبوته] (١)، ثم قلنا: الردع والزجر هو الحكمة الداعية إلى شرع هذا الحكم، وأن الله حكم بما حكم لهذه المصلحة، وكذلك القول في القصاص وغيره من الأحكام، فتعدى تلك العلة إلى غير محل النص، ولولا هذا لانسد باب القياس بالكلية؛ فإن القياس إنما يتحقق بثبوت العلة في المحل المنصوص، وتعديتها إلى محل آخر، ثم نقول: لو كانت العلة هي الوزن - وقد جرت في الحديد وسائر الموزونات - لكان ينبغي ألا يجوز إسلام الدراهم والدنانير في الحديد وسائر الموزونات؛ لأن الدراهم مع الحديد قد اجتمعا في علة الوزن؛ لأن كل عينين جمعتهما علة واحدة من علل ربا الفضل لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر، كالدراهم مع الدنانير، والحنطة مع الشعير، وهذا مما لا خلاف فيه. * * * [٤٤] * مسألة: الجنس بانفراده لا يحرم النساء عندنا، فيجوز إسلام ثوب في ثوب من جنسه، وخشبة في خشبة، وحيوان في حيوان إلى أجل (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: الجنس بانفراده يحرم النساء (٣).

стр. 113

ومأخذ النظر فيها: أن الجنسية عندنا (١) شرط أو محل لتحريم ربا الفضل، والطعم هو العلة، والعلة وحدها يجوز أن تكون عاملة دون المحل، كالزنا بدون الإحصان، أما الجنس فشرط محض فلا يستقل بتحريم النساء كسائر الشروط، ومحل العلة ما يكثر العلة ويقويها، ويظهر أثرها فيه، ولا يناسب الحكم، مثاله: ما ذكرناه من الزنا مع الإحصان، فإن الزنا هو العلة، من حيث إنه جريمة جديرة بأن يناط بها عقوبة، والإحصان خلال حميدة، ومناقب رشيدة، فلا يناسب العقوبة، بل هو مكثر للعلة ومفخم لها، فإن الزنا إذا صدر ممن تكاملت عليه النعم كان أجدر أن تغلظ عليه العقوبة، كذلك في مسألتنا، فإن عللنا بالطعم الذي هو المقصود، والجنسية تنبئ عن الاتحاد في المقصود، فقد صار مكثرا للعلة من هذا الوجه. أما عندهم فالعلة ذات وصفين، وهما الكيل والجنسية، ثم إنهم رأوا أحد الوصفين - وهو الكيل - استقل بتحريم ربا النساء في إسلام البر في الشعير؛ فقاسوا به الوصف الآخر، وحرموا النساء في المتجانسات (٢). وهذا يبطل عليهم بما إذا أسلم هرويا في مروي (٣)، فإنهم جوزوا ذلك، مع أنهما جنس واحد وإن اختلفا في الصفة (٤). * * *

стр. 114

[٤٥] * مسألة: التقابض شرط في بيع الطعام بالطعام عندنا، سواء اتحد الجنس أو اختلف (١). وقال أبو حنيفة ﵀: لا يشترط التقابض في المجلس إلا في عقد الصرف فحسب (٢). ومأخذ النظر فيها: الأصل الذي مهدناه في مسألة علة الربا، وهو أن الأصل في الأموال الربوية تحريم بيع بعضها ببعض عند الشافعي، والجواز ثبت مستثنى عن قاعدة التحريم بشروط، منها: التقابض المستفاد من قوله ﵇: «يدا بيد» (٣)؛ فإنه صريح فيه، ثم هو منزل على العادة، وهو التقابض في المجلس (٤). والأصل عند أبي حنيفة إباحة البيع في الأموال الربوية كما في سائر الأموال، والتحريم يثبت عارضا عند وجود الفضل في الكيل والوزن، وزعم

стр. 115

أنه [لا فضل] (١) هاهنا؛ لأن المقبوض في مجلس العقد كالمقبوض في غير المجلس (٢). وهذا فاسد؛ لأن الأعيان تراد للانتفاع، والمقبوض أقرب إلى الانتفاع من غير المقبوض، ثم هو باطل بالصرف، فإن اعتذروا بأن النقدين لا يتعينان بالتعيين، فيصير بيع الدين بالدين، فيلزمهم ما إذا أحضر أحدهما، فإنه لا يكون دينا بدين. * فإن قالوا: كيف يكون شرطا لصحة العقد وهو متأخر عن العقد؟، قلنا: مجلس العقد حريم للعقد، فأخذ حكمه، ويدل عليه: أن عندكم لو باع مصلحة مجهولة، أو باع بما باع به فلان سلعته، إن ارتفعت الجهالة في المجلس صح العقد، وإن تأخرت بطلت. * * * [٤٦] * مسألة: بيع الرطب بالتمر لا يصح عندنا (٣)، وفي بيع الرطب بالرطب وجهان (٤). وقال أبو حنيفة: يصح (٥)، وقيل: إنه لم يسبقه أحد إلى القول بهذه المسألة، فكأنه خالف إجماع ما قبله.

стр. 116

ومأخذ النظر فيها بناء على الأصل الممهد أن التحريم الثابت بالحديث إنما يرتفع عند تحقق شرط الإباحة؛ فمهما علمنا الإباحة، و [مهما] حكمنا انتفاء الشرط، أو لم نعلم وجوده حكمنا بالبطلان، ولا فرق بين ما يفقد فيه الشرط لتعذره، وبين ما يفقد للامتناع من إجرائه مع تيسره. وقال أبو حنيفة: يصح؛ لتحقق المساواة في الكيل (١). وهو باطل ببيع الحنطة بالدقيق والسويق، وبيع الحنطة المقلية بالحنطة النيئة أو المقلية (٢). * * * [٤٧] * مسألة: لا يصح بيع مد عجوة ودرهم بمدي عجوة (٣). وقال أبو حنيفة: يصح (٤). والمسألة مشكلة، ولها صور: إحداها هذه، وهو أن يبيع مد عجوة قيمته درهمان، ودرهمين بمدي عجوة قيمتهما درهمان. والمأخذ المشهور من جانبنا: قول الأصحاب: مقتضى عود المعاوضات

стр. 117

عند الشافعي ﵀ توزيع أجزاء أحد العوضين على أجزاء العوض الآخر باعتبار القيمة، فيقع العشر في مقابلة العشر والخمس في مقابلة الخمس، وذلك يفضي إلى التفاضل في الصورة المفروضة نظائرها، بيان ذلك: هو أن القيمة المال الذي مع الدراهم إذا كان درهمين، فيصير مع الدرهم الذي معه ثلاثة دراهم، فتقول: الدرهم هو ثلث ما في هذا الجانب، فإذا وزعنا على الجانب الآخر قلنا: هذا الثلث يقابله من المدين ثلثهما وهو ثلثا مد، فيبقى مد وثلث في مقابلة مدين، فهذا محض الربا وعين التفاضل، فيبطل العقد (١). ومستند الأصحاب في مصيرهم إلى هذا التعسف: مسألة نص عليها الشافعي في المختصر، فقال: لو اشترى شقصا (٢) وسيفا بألف، قيمة الشقص ألفان، وقيمة السيف ألف، ثم إن الشفيع أراد أن يأخذ بالشفعة، فإنه لا يأخذ الشقص والشيف جميعا؛ لأن السيف لا يستحق بالشفعة؛ إذ هو من قبيل المنقولات، وإنما يأخذ الشقص، فلا بد من توزيع، فيوزع قدر القيمة، وقيمة الشقص ثلثا ألف، وقيمة السيف الثلث الآخر، فيأخذ الشقص بقدر قيمته، ومعلوم أن الشفيع يبنى ولا يبتدى، فلولا أن عقد المشتري اقتضى ذلك، وإلا لما وزع. وهذا المأخذ - مع اشتهاره - بعيد عن المألوف، بل الذي يقتضيه وضع العقود والبياعات مقابلة الجملة بالجملة مع الإبهام والإشاعة، من غير إقرار مقدار بتعيين ما يقابله على الخصوص، بل مقصود العاقد أن تكون الصفقة

стр. 118

رابحة، فلا تخرج خاسرة، وإذا لم يكن عليه غبينة، وحصل مقصوده وغرضه من خروج صفقته رابحة، فهو لا يبالي بعد ذلك بالتوزيع، ولا يلتفت إليها، وأما المسألة التي ذكرها الشافعي فلم يمكن التوزيع فيها؛ لأنه مقتضى العقد، وإنما نشأ ذلك من ضرورة الحاجة إلى أخذ الشقص بالشفعة، فهو سبب قد سنح، وحاجة قد عرضت، وصار هذا بمثابة جماعة ورثوا دارا، فإنها تكون بينهم على سبيل الإبهام والإشاعة، فلو طلبوا القسمة قسمناها، وخص كل واحد بصفة أو غرفة، فإنه لا يقول قائل: هذا مقتضى الموت؛ لأن الموت اقتضى دخول الدار جملة في ملكهم، وإنما نشأ هذا من ضرورة القسمة، كذلك هذا. وما يقدره أبو حنيفة ﵀ من صرف الجنس إلى خلافه، حتى يقابل كل شيء بغير جنسه؛ ليصح العقد، فتحكم - أيضا - لا يقضي العقل به، ولا تنبئ الصيغة عنه. وإذا لم يكن إلى ما ذكره الأصحاب من اعتبار التوزيع سبيل، ولا ما ذكره أبو حنيفة من مقابلة كل شيء بغير جنسه عليه تعويل، فالمأخذ الصحيح أن نقول: الشرع تعبدنا بالمماثلة في هذه المسألة، والجهل بالمماثلة كيقين المفاضلة؛ إذ لا فرق بين ألا نتيقن امتثال الأمر، وبين أن نعلم أنا ما أثبنا به، سيما والباب باب الربا، وهو مما يحتاط للخلاص منه، وصار [بمثابة] (١) ما لو باع صبرة بصبرة جزافا، فإنه لا يصح العقد وفاقا، ولو خرجتا متساويتين لما جهلنا تماثلهما حالة العقد (٢).

стр. 119

[٤٨] * مسألة: بيع اللحم بالحيوان المأكول باطل عند الشافعي (١). وفي بيعه بغير المأكول قولان مشهوران (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: يصح مطلقا (٣). وقال محمد بن الحسن (٤): يصح بطريق الاعتبار، على معنى أن يقدر اللحم في الشاة موزونا، فإن كان اللحم الخالص أكثر فيقابله بعض اللحم، وبعضه الآخر يقابل الشقص، حتى يحصل التساوي فيصح، وإن كان مثله أو أقل فلا (٥). واعلم أنه لا سبيل إلى اقتباس البطلان في هذه المسألة من قاعدة الربا على ما هو المشهور؛ فإن الحيوان ليس بمال الربا، بدليل أنه يجوز بيع حيوان

стр. 120

بحيوان، فبيع اللحم بالحيوان بيع مال الربا بما لا ربا فيه، وإنما البطلان على سبيل الابتداء متلقى مما رواه مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب (١) أن رسول الله ﷺ «نهى عن بيع اللحم بالحيوان» (٢)، ودلالة النهي على الفساد قررناه في كتاب تخريج الفروع على الأصول (٣)، والقياس مع أبي حنيفة، غير أن النص مقدم عليه. * * * [٤٩] * مسألة: إذا اشترى بعين من النقود تعين ملكا للبائع، حتى لو خرج مستحقا تبين بطلان العقد، ولو تلف قبل القبض انفسخ العقد، [ولا] (٤) يستقل

стр. 121

المشتري بإبداله كما لو تلفت السلعة (١)، خلافا لأبي حنيفة ﷺ في الجميع (٢). ومأخذ النظر فيها: أن العوض والمعوض كل واحد منهما ركن مقصود بالعقد عند الشافعي، ومقتضى عقد المعاوضة التسوية بينهما (٣). وقال أبو حنيفة: [المبيع] (٤) ركن العقد، والثمن حكم العقد، ومعنى قولهم: ركن العقد: أن وجود العقد بدونه لا يتصور؛ لأنه محل لإضافة الصيغة إليه، بخلاف الثمن فإنه غير داخل في حقيقة العقد، بل هو حكمة وجوده بوجوبه في الذمة؛ وهذا لأن الثمن ليس عينا مقصودا يقصد بالعقد؛ إذ لا وجود له قبل العقد، بل المقصود بالعقد المبيع، أما الثمن فوجوده بالعقد، وهو تجدد اللزوم في الذمة؛ ليصير التمليك تمليكا ببدل، ويصير بيعا، وما يوجد بعد العقد يكون حكما للعقد وتابعا له، لا ركنا ولا محلا، ولذلك جاز البيع من المفلس بألف دينار وهو لا يملك حبة، ولو كانت الدراهم مقصودة لكان المفلس قد باع ما لا يقدر على تسليمه، وذلك لا يصح إلا بطريق الرخصة في السلم (٥). ونحن لا نسلم هذا الافتراق بين الثمن والمثمن، بل نقول: الحادث بالعقد ملك الثمن على وزان ملك المثمن، لا فرق بينهما، إلا أن المبيع

стр. 122

موجود متحقق حسا، والثمن مقدر شرعا، والمقدر الشرعي في مجلس العقد وقبول حكمه كالمتحقق الحسي، بدليل السلم فيه (١). * * * [٥٠] * مسألة: بيع العقار قبل القبض باطل عندنا (٢)، خلافا لأبي حنيفة ﵀ (٣). ومأخذ النظر فيها: تنقيح مناط الحكم في بيع المنقول. فمعتقد الشافعي ﵀ أن مناط الامتناع هناك قصور السبب، وهو البيع العاري عن القبض المؤكد الذي قد ينتهض مفيدا للملك في غيره، كالهبة والاصطياد، ودليل قصور الملك: احتمال الانفساخ قبل القبض، فإنه يعرض الارتداد والرجوع إلى ملك البائع، بما يعرض عليه من الآفات، ويحدث من الحوادث، فدل أنه ملك مزلزل ضعيف غير مستقر (٤). ومعتقد أبي حنيفة أن الامتناع غرر انفساخ البيع بهلاك السلعة، وانقلاب الملك إلى البائع، والانفساخ قبل القبض يوجب رفع الملك من أصله، فتبين أن الرجل كان بائعا ملك الغير، وذلك معدوم في العقار، فإنه لا يتصور هلاكه، فقد أمن انفساخ العقد فيه (٥). ونحن نقول: هذا فاسد من وجهين:

стр. 123

أحدهما: البحر، فنصير أنا لا نسلم أنه لا يتصور هلاكه؛ إذ من الجائز أن يركبه لجة، أو يكسيه الرمل فيصير تلا، فإن قالوا: هذا نادر، إلا أنه إذا تصور فلا يؤمن وقوعه. الجواب الثاني: أن هذا الذي ذكرتموه أمر نشأ من قوة المبيع، وأنه لا يتصور هلاكه، وقوة الملك لا ينبغي أن تؤخذ من قوة المبيع، بل ينبغي أن تؤخذ من قوة البيع؛ فإن المبيع لا يختلف في القوة والضعف وشرعه القوي والحكم واحد، فإن الحديد أقوى وأبقى من الزجاج، ثم لا يجوز بيع شيء من ذلك قبل القبض، وإذا ضبطناه بالمبيع لم يختلف، فقلنا: كل مبيع لا يجوز بيعه قبل قبضه، وهذا أولى. * * * [٥١] * مسألة: الزوائد المنفصلة من المبيع كالأولاد والثمار لا تمنع الرد بالعيب عند الشافعي - رحمة الله عليه ـ، بل تسلم للمشتري، ويرد الأصل، سواء حصلت قبل القبض أو بعده (١). وقال أبو حنيفة ﵀: إن حصلت قبل القبض لا تمنع الرد، بل ترد مع الأصل، وإن حصلت بعد القبض منعت الرد وإن رضي البائع به، وتعين حقه في الأرش (٢)، وساعدونا في المنافع والأكساب (٣).

стр. 124

ومأخذ النظر فيها: أن الزوائد الحادثة عندنا ليست بمبيعة، ولا قابلها الثمن، من حيث إنها كانت معدومة حالة العقد، والمعدوم لا يتناوله العقد، وإنما استفادها بملكه الذي استقر له بالعقد، فجاز أن يمسكها ويرد الأصل (١). وعندهم أن الزوائد مبيعة، من حيث إن العقد يقدر بقاؤه واستمراره، وإذا قدر بقاؤه فلا بد من محل، ومحله المعقود عليه، وإذا ثبتت هذه الصفة للمعقود إليه سرت إلى الولد، ونظيره الاستيلاد، فإنه لما ثبت صفة للأم سرى إلى ولدها، وصار حكمه حكم الأصل، وإذا صارت مبيعة فقد قابلها الثمن، فلا يجوز أن يقبضها مجانا من غير عوض ويرد الأصل؛ لأنه ينجر إلى قاعدة الربا؛ لأن الربا فضل لا يقابله عوض، قالوا: ولهذا قلنا: لا يجوز أن يتراضيا على فسخ الأصل وينفي الولد؛ لأن المنع لحق الله، فلا يزول هنا بتراضيهما (٢). ونحن نقول: هذا فاسد؛ لأن الربا هو الزيادة التي تناولها العقد من غير مقابل لهذه الزيادة الحاصلة بعد العقد، فلا تكون ربا، بدليل ما لو اشترى شيئا، ثم أبرأه من الثمن، فإنه ظفر بالثمن والمثمن جميعا، ولا يعد ذلك ربا. * * * [٥٢] * مسألة: وطء الثيب لا يمنع الرد بالعيب القديم عندنا (٣).

стр. 125

وقال أبو حنيفة: يمنع الرد (١). وللمسألة مأخذان: * أحدهما: أن منافع البضع عند الشافعي مجزأة على حقائقها (٢). وعندهم ملحقة بالأجزاء والأعيان، واستيفاؤها كنقصان جزء في يد المشتري، وذلك مانع من الرد، وقرروا هذا بأن الوطء عيب ونقصان في حق الموطوءة يقضي به العرف والشرع، ولهذا وجب المهر على الزوج جبرا له (٣) وهذا يبطل بالإتيان في غير المأتى، وبمجرد المضاجعة، وبما إذا اشترى عبدا وفجر به، ثم اطلع على عيب به فرده، فإن فيه عارا عليه، ثم لا يمتنع الرد. * المأخذ الثاني: الرد بالعيب فسخ العقد من أصله، ورفع له من أوله، فتبين بذلك أن الملك لم يكن للمشتري، فإذا رد [فكأنه] (٤) وطئ في ملك الغير، والوطء في ملك الغير لا يخلو من عقد أو عقوبة، فإن عليا وعمر ﵄ قضيا بامتناع الرد، وزيد بن ثابت وابن عمر صارا إلى الرد مع العقر (٥)، فالقول بالرد مجانا يفضي إلى وقوع الوطء في ملك الغير، وذلك زنا، بخلاف الاستخدام؛ فإنه يجوز أن يوجد في ملك الغير خاليا عن غرامة

стр. 126

وعقوبة، وأنه يستباح بالإباحة (١). وهذا المأخذ - أيضا - مردود لوجهين: أحدهما: أن عند أبي حنيفة يجوز الفسخ بالتراضي بعد جريان الوطء، ولو كان المنع لكون الوطء جرى في ملك الغير لامتنع الفسخ بكل حال، تراضيا أو لم يتراضيا، ألا ترى أن في الزوائد العينية لما كان المنع لحق الله - تعالى - وهو انجراره إلى قاعدة الربا، حيث تملك فضلا لا مقابل له، قلتم: لا يجوز الفسخ، لا بالتراضي ولا بغير التراضي. الثاني: أنه لو باع شقصا مشفوعا، فإن الشفيع يستحقه، فلو رد بالعيب لا يسقط حق الشفيع. * * * [٥٣] * مسألة: إذا باع عبدا من رجلين، فلأحدهما أن ينفرد برد نصيبه بالعيب القديم في أحد القولين (٢). والقول الثاني: ليس له أن ينفرد بالرد، وهو مذهب أبي حنيفة (٣). ومأخذ النظر فيها: أن الصفقة عندنا تتعدد بتعدد المشتري، كما تتعدد بتعدد البائع، والتشقيص الحاصل عند رد أحد المشتريين نصيبه نشأ من

стр. 127

الإيجاب لا من القبول، فإنه كما قال: بعت منكما، فكأنه قال: بعتك وبعتك، وإنما يختلف هذا باختلاف الإضافة، إن أضيف إلى البائع قبل ذاك، وإن أضيف إلى المشتري قبل حصل، ولو كان يقدر زوالا من جهة البائع، ثم يقدر حصولا للمشتري بعده لكان المشتري قد تلقى الملك لا من البائع، وذلك محال، فهو في ضرب المثال بمثابة جوهر انتقل إلى جهة، فإن أضيف إلى المكان الذي انتقل منه قبل زوال، وأن أضيف إلى المكان الذي ثبت فيه قبل حصل، وإذا كان الحصول هو الزوال كان البائع هو الذي شقص وبعض (١). والإشكال الذي لهم على هذا المأخذ قولهم: الدليل على أن الإيجاب متحد أن القبول متحد، فإنه إذا قال: بعت منكما، لا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالقبول، بل لا بد وأن يقولا: قبلنا معا، ونحن [نمنع] (٢) هذا الحكم، على قول مخرج من نص الشافعي فيما إذا قال لزوجتيه: خالعتكما على ألف، فقالت إحداهما: قبلت في خمسمائة، فإنه يصح. ومأخذ الخصم: أن الصفقة متحدة، من حيث إن المبيع خرج من ملك البائع جملة واحدة، ويعود إليه مشقصا، والتشقيص تبعيض، وذلك عيب يمنع الرد بالعيب القديم (٣). وهذا ينتقض عليهم بما إذا كان المشترى مكيلا أو موزونا، فإنه قال:

стр. 128

لا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالرد، وإن لم يعب له التشقيص. * * * [٥٤] * مسألة: إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن بعد لزوم العقد واستقراره لا يجوز (١). وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن، والحط منه بكل حال (٢). ومأخذ النظر فيها: أن الزيادة الملحقة بعد لزوم العقد لا مقابلة لها عندنا؛ لأن كل عوض قد صار مستغرقا لصاحبه، فلم يبق لاستحقاق الزيادة وجه (٣). ومآخذ الخصم ثلاثة: * أحدها: أن قول المكلف لا يلغى مهما أمكن العمل به، والتقدير له، وهذه الزيادة أمكن أن يجعل لها مقابلا على تقدير أن تجعل الزيادة فسخا للعقد وإعادة، فيدرج في اللفظ ذلك لضرورة تحقيق المقابلة، كما يقدر الانتقال في قوله: أعتق عبدك عني على ألف، وهنا ظاهر البطلان، فإن اللفظ إنما يدرج فيه ما دلت عليه الصيغة نطقا، وقوله: زدت وألحقت يقتضي تقدير الأصل، وضم شيء آخر إليه لا ينبئ عن الفسخ والإعادة أصلا، لا صريحا ولا تعريضا، بخلاف قوله: أعتق عبدك عني، فإن قوله: عني كناية عن حصول

стр. 129

الملك له والرضا به، حتى لو قال مطلقا: أعتق عبدك، لا يقع عنه. * المأخذ الثاني: قولهم: إن الزيادة تلحق بالعقد بطريق الاستناد إلى ابتدائه، فكأن العقد انعقد بالجميع، واشتمل على الكل، والاستناد من معقول غير منكر، بدليل أنه لو نصب شبكة في مدارج الصيود، ثم مات، وتعلقت بها ظبية بعد وفاته، فإنها تحصل في ملكه خالصا، حتى تقضى منها ديونه، وتنفذ وصاياه، كل ذلك بطريق الاستناد، كذلك هاهنا، وهذا - أيضا - باطل؛ فإن الشفيع إذا أخذ بالشفعة إنما يأخذ بالثمن الأول، ولا يأخذ بالثمن الأول والزيادة، ولو استندت الزيادة إلى الثمن الأول لكان يجب أن يأخذ الشفيع بالجميع. * المأخذ الثالث: قولهم: إلحاق الزيادة تصرف في العقد بتغير وصفه لا بتغير أصله، ويعنون بذلك: أن العقد على أوصاف، يقال: صفقة رابحة، وصفقة خاسرة، وصفقة عادلة، فإذا ألحقا زيادة بالثمن تغيرت الصفقة من صفة الاعتدال إلى صفقة الربح، وشبهوا هذا بما إذا اشترى شيئا، فوجد به عيبا، وقد حدث عنده عيب آخر، فإنه يأخذ الأرش عن العيب القديم، وهو تغيير وصف العقد، فإن العقد كان عادلا، فصار رابحا (١)، وهذا المأخذ - أيضا - فاسد؛ لوجهين (٢): أحدهما: أن الصفة تابعة للأصل، وإذا قالوا: إن الزيادة لها رتبة الأوصاف، فكان ينبغي ألا تصير أصلا، وعندهم لو ضم إلى العبد المبيع

стр. 130

عبدا آخر صح، وصار أصلا، حتى إذا تلف قبل القبض سقط بقسطه من الثمن، فقد صارت الزيادة أصلا، ومن حقها أن تكون تبعا، وهذا بخلاف مسألة الأرش، فإن أخذ الأرش في مقابلة حق استحقه، وهو صفة السلامة، وهاهنا لا مقابل له، على ما بيناه (١). * * * [٥٥] * مسألة: إذا باع الفضولي مال غيره، أو زوج ابنة غيره، فالعقد باطل عندنا (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: ينعقد العقد، ويقف نفوذه ولزومه على إجازة المالك أو الولي، حتى قالوا: لو وطئ قبل الإجازة لا حد عليه، وهكذا الخلاف في سائر تصرفاته (٣). ومأخذ النظر فيها: أن الإيجاب والقبول لهما حكمان عند أبي حنيفة: أحدهما: الانعقاد، وهو مقترن بهما، ومعناه: الارتباط الحاصل بين الخطاب والجواب. والثاني: زوال الملك، وهو حكم منفصل عن الانعقاد، بدليل الهبة والوصية، فإن لها انعقادا بسبب يحصل فيهما بالإيجاب والقبول، والملك لا يحصل إلا بعد القبض والموت (٤).

стр. 131

وهذا الانقسام باطل عند الشافعي؛ فإن الانعقاد لا يصلح أن يكون حكما للعقد؛ فإن حكم [الشيء ما هو المقصود والمراد منه شرعا، والبيع لا يعقد لينعقد] (١)، وإنما يعقد ليفيد بانعقاده حكمه، ولأن تقدير بقاء العقد الذي قد مضى مخالف للحقيقة، فلا يصار إليه إلا لضرورة، وإيقاف أحد شقي العقد على الآخر، أعني: تقدير بقاء الإيجاب إلى حين اتصال القبول به كان لحاجة، وهذا بخلاف الهبة والوصية، فإن تمام السبب في الهبة بالقبض، وفي الوصية بالموت والقبول (٢). * * * [٥٦] * مسألة: البيع الفاسد لا يفيد الملك بحال، سواء اتصل به القبض أو لم يتصل (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: يفيد الملك عند اتصال الملك بالقبض، لكن ملكا خبيثا، وتفسير الخبيث عنده أنه مستحق الإزالة، ولا يتمكن من الانتفاع به شرعا، ويتمكن من إزالته، فإن كان المبيع جارية يملك بيعها وإعتاقها، ولا يملك وطأها، وإن كان طعاما؛ ملك بيعه والتصدق به دون أكله (٤). وصورة المسألة ما إذا باع بخمر أو خنزير أو ثمن مجهول، أو باع

стр. 132

درهما بدرهمين إلى نظائره (١). ومأخذ النظر فيها: أن الفاسد المنهي عنه لا يصلح طريقا [للإفادة] (٢) الملك عندنا؛ لأن الملك حكم شرعي، فلا يناط ولا ينال إلا بسبب شرعي، والبيع الفاسد محظور قبيح، فليس بشرعي، ولهم مأخذان: * أحدهما: قولهم: إن البيع الفاسد مشروع بأصله، والذي يتطرق إلى وصفه لا إلى أصله؛ لأنه لم يمنع لكونه تبعا، فلو أبطلنا أصله لكان ينقلب الوصف أصلا، وذلك لا يجوز؛ لأن الوصف تابع وزائد. ونحن نقول: هذا فاسد؛ لأن الوصف إذا كان مرتبطا بالأصل، ومقيدا به، لا يقال: الأصل مطلق، والوصف زائد وتابع، بل هما شيء واحد، ويصير بمنزلة اللفظ مع الاستثناء منه، فإنه لا يقال: اللفظ مطلق، والاستثناء زائد عليه، بل أول الكلام مرتبط بآخره، وآخره مبني على أوله، كما لو قال: أنت طالق ثلاثا إلا ثنتين، فإنه يعد كلاما واحدا، وبالاستثناء لا ينقطع آخر الكلام عن أوله، كذلك الصفة مع الموصوف شيء واحد، فاختلالهما يخل بالأصل. * فإن قالوا: الكتابة الفاسدة لازمة على هذا، فإنها حائدة عن الشرع، وقد أفادت حكم الصحيح. • قلنا: الأحكام التي ثبتت في الكتابة الفاسدة من أحكام الصحيحة

стр. 133

إنما هي معلقة على صيغة التعليق، والتعليق صحيح لا فساد فيه، فإن قوله: إن أديت إلي خمرا فأنت حر، كقوله: إن دخلت الدار فأنت حر، فإن زنيت فأنت طالق، فحوالة الأحكام كلها على صيغة التعليق، حتى إذا لم توجد صيغة التعليق لا تثبت هذه الأحكام. * المأخذ الثاني: قولهم: إن الحكم يتبع السبب إذا كان مباحا أفاد ملكا حلالا طيبا، وإذا كان حراما أفاد ملكا حراما. وهذا باطل بما قبل القبض، فإن الملك لا يحصل فيه، ولا مستند له سوى فساد العقد والقبض، وكذا الفساد، ولا ينفيه. * فإن قالوا: فقد رأينا المحظور يفيد الملك، كما لو وطئ جارية أبيه فعلقت. • فقلنا: الملك مضاف إلى العلوق، وهو من فعل الله، لا حظر فيه، ونفس الوطء لا يفيد الملك (١). * * * [٥٧] * مسألة: الكافر إذا اشترى عبدا مسلما لا يصح شراؤه على القول المنصور في الخلاف (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: يصح شراؤه مفيدا للملك، ثم يؤمر بإزالته،

стр. 134

ويجبر عليه (١). ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يقر في يده، بل يقطع عليه ملكه (٢). ولا خلاف - أيضا - أنه يملكه بالإرث، فإن أسلم في يده، ثم مات عقيب ذلك، فإن العبد يدخل في ملك وارثه (٣). ومأخذ النظر فيها: أن نفس ملك الكافر على المسلم إذلال له عندنا، من حيث إن الملك أقوى جهات الإحكامات، وصفة المملوكية أعلى أنواع الابتذالات لتضمنها سلطنة وولاية على المحل. والخصم يدعي أن لا ذل في نفس الملك؛ فإنه مجرد نسبة شرعية، وتبدل إضافة، وإنما الإذلال من نتائجه وآثاره، كالاستخدام [والاستمتاع] (٤)، وذلك ممنوع منه وفاقا. ونحن نقول: هذا باطل؛ لأن العجز والذل قضايا عرفية، ولا يخفى اتفاق أهل العرف على عد الملك بمجرده ذلا وهوانا، حتى إن من جرى عليه الرق والملك يوما من الدهر يعير به وإن صار ذا مال وخول وعبيد، ولعل مستند هذا الاتفاق أن الملك في الغالب مقرون بالاستخدام الذي هو ذل على القطع، ومن قضايا الوهم: الحكم على الشيء بما يقارنه غالبا وإن خلا عنه على الندور (٥).

стр. 135

[٥٨] * مسألة: بيع لبن الآدميات صحيح عندنا (١). خلافا لأبي حنيفة ﵀ (٢)، وكذا الخلاف في وجوب الضمان بإتلافه، ولهم في لبن الإماء منع وتسليم (٣). ومأخذ النظر فيها: أن اللبن عندنا مال، وبهذا قوبل بالمال في باب الإجارة، فإنه لو استأجر ظئرا لترضع ولدا صح، ودخل اللبن في المعاوضة، حتى لو انقطع لبنها ثبت له حق الفسخ، والخصم يدعي أنه ليس بمال؛ لكونه جزءا من الآدمية، من حيث إنه حاصل من الدم الذي هو من أركان الجملة، إلا أنه تبدل صفته، والدم جزء، فكان اللبن جزءا، ونحن لا نسلم بكونه من الدم، بل نقول: هو فضلة يتكون من الغذاء، ويستحيل في الوعاء (٤). * * * [٥٩] * مسألة: بيع الكلب باطل عندنا، سواء كان جاهلا أو معلما، ولا يضمن بالإتلاف (٥). وقال أبو حنيفة ﵀: يصح بيع الكلب المعلم، ويضمن بالإتلاف (٦).

стр. 136

ومأخذ النظر فيها: أن النجاسة في مورد البيع عندنا تمنع صحة البيع، من حيث إن نجاسة العين تقتضي التحذير والاجتناب، ومقصود البيع هو الانتفاع، وذلك لا يتأتى إلا بالاقتراب، وبينهما تضاد وتناف (١). وأبو حنيفة يقول: النجاسة إنما تؤثر فساد الصلاة، أما البيع فيعتمد المسالبة، وقوامها بالانتفاع، وهو جائز مطلقا، ويتأيد ذلك بالهبة والوصية والإجارة (٢). * والجواب: أن الأصل تحريم الانتفاع بالنجاسات، والمستثنى رخصة، والرخص لا تصحح البيع، كتناول الميتة ونظائرها، وفي الهبة والإجارة منع، والوصية خلافه، وليست بتمليك، ولهذا جرت في الخمر مع امتناع البيع (٣). [٦٠] * مسألة: تصرفات الصبي لاغية عندنا، سواء كان مميزا أو لم يكن، وسواء كان بإذن الولي أو لم يكن (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: الصبي المميز تصح منه عقود المعاوضات موقوفا على إجازة الولي، وإن لم يتفق رد الولي وإجازته حتى بلغ نفذت

стр. 137

بتنفيذه، وارتد برده (١). ومأخذ النظر فيها: أن الصبي ليس أهلا للتصرف عندنا؛ لنقصان عقله، من حيث إن الله - سبحانه - خلق الصبي في الأصل عديم العقل، لا رأي له ولا تدبير، ولا تصور ولا تمييز، وأجرى العادة، وطرد السنة بأن العقل يرب (٢) في حقه شيئا فشيئا، وينمي يسيرا يسيرا إلى منتهى غايته، ويبلغ نهايته، واستأثر الله - تعالى - بالعلم بوقت كماله، وإنما جعل لنا ضابطا نرجع إليه، وعلما نهتدي به، ونعرف عنده كمال العقل، وهو البلوغ، فكان ما يوجد من العقل قبل ضابط الشرع عندنا، وهو بمنزلة المشقة قبل السفر، فإنه لا يعتد به، فوجب الرجوع إلى الضابط؛ فإن العقول تختلف، والآراء تتفاوت، فرب صبي محنك ذو بصيرة، ورب رجل بالغ من الكبر عتيا وهو لا يعرف قبيله من دبيره، ودأب ما كان في محل اللبس أن يضبطه الشرع بضابط لا يتغير، وقد جمع الشافعي هذه المعاني في عبارة وجيزة، فقال: غير مكلف، فلا تصح عبارته كالمجنون (٣)، وأبو حنيفة يدعي أن الإيجاب والقبول لهما حكمان: أحدهما: الانعقاد. والثاني: النفوذ (٤). ونحن لا نسلم انفصال النفوذ من الانعقاد، كما تقرر في بيع الفضولي (٥).

стр. 138

[٦١] * مسألة: إذا اختلف المتبايعان في قدر الثمن، أو قدر المبيع أو جنسه، أو أصل الخيار أو قدره، أو أصل الأجل أو قدره تحالفا، وترادا الثمن أو قيمة التالف، ولا فرق في ذلك بين أن تكون السلعة قائمة أو تالفة عندنا (١). وقال أبو حنيفة ﵀: إن كانت السلعة قائمة تحالفا، وإن كانت هالكة لا يتحالفان (٢) وللمسألة مأخذان: * أحدهما: أن كل واحد منهما مدع من وجه، ومدعى عليه من وجه عندنا، من حيث إن كل واحد منهما ادعى عقدا غير العقد الذي ادعاه صاحبه، فالبائع ادعى عقدا بألفين، والمشتري ينكره، والمشتري ادعى عقدا بألف، والبائع ينكره، والعقد بألفين غير العقد الذي بألف، بدليل ما لو شهد أحد الشاهدين على شراء شيء بألف، والآخر على [شرائه] (٣) بألفين، فلا يثبت العقد بشهادتهما، ولو كان واحدا لثبت بشهادتهما فيما اتفقا عليه، كما لو شهد أحدهما بألف لمدع على خصمه، وآخر بألفين، فإنه يثبت الألف؛ لكونهما اتفقا عليه، وانفرد أحدهما بزيادة. وقال أبو حنيفة: المدعي هو البائع دون المشتري؛ فإن المشتري قد سلمت إليه العين؛ لكون البائع قد وافقه على نقل الملك، وإنما يدعي عليه

стр. 139

زيادة في الثمن [ينكرها] (١) المشتري، وحد المدعي أنه كالذي (٢) إن سكت سكت عنه، أي إذا ترك دعواه يخلى ورأيه، والمنكر من إذا ترك الخصومة لا يترك، [والبائع] (٣) هو الذي لو ترك الدعوى لا يخلى وسكوته. ونحن نسلم أن المشتري لا يخلى ورأيه، لكن فيما يدعيه وهو المقابلة بالألف، فمن حيث إنه مدع مخير، ومن حيث إنه مدعى عليه مطالب باليمين، كما في حال قيام السلعة. * المأخذ الثاني: قولهم: المقصود بالتحالف الفسخ، والفسخ في الهالك يتعذر، ولا يتصور، فارتفع التحالف؛ [لانتفاء] (٤) ثمرته بارتفاع محله. ونحن نمنع ذلك، ونقول: بل المقصود من شرع التحالف تخويف الكاذب لعله يرجع إلى الحق، وإنما فسخ العقد بعد التحالف لتعذر إمضاء العقد بينهما، لا لأمر نشأ من التحالف؛ وذلك لأنهما لو تركا على ما هما عليه ثارت الخصومة والتنازع بينهما أبدا، فكان الفسخ لقطع التشاجر (٥). * * *

стр. 140

[٩] مسائل السلم [٦٢] * مسألة: السلم في المنقطع الجنس لدى العقد إذا علم وجوده عند المحل قطعا أو غالبا صحيح عندنا (١). وقال أبو حنيفة ﵀: لا يصح السلم إلا في موجود مستمر الوجود من حين العقد إلى محل التسليم (٢). وصورة المسألة: ما إذا أسلم في الرطب مثلا قبل أوانه، أو في أوانه لكن موجلا إلى السنة القابلة، وللمسألة مأخذان: * أحدهما: البحث عن القدرة على التسليم؛ إذ لا خلاف في اشتراطها، لكن المعتبر عندنا هو القدرة عند الأجل المشروط، لأنه وقت التزامه لذلك ولا يطالب قبله (٣)، والخصم يدعي أن للعقد أجلين: مشروط مشروع، ومشروع غير مشروط، وهو الموت؛ لأن حلول الدين قد يكون بالموت، والمطالبة عنده تتوجه بحكم العقد، فوجب أن [يقدر] (٤) على

стр. 141

التسليم عند كل أجل؛ وما ذلك إلا باستمرار الوجود من العقد إلى المحل المشروط (١). وهذا فاسد (٢)؛ لأنا نقول بتقدير الموت لا مطالبة عليه ولا على الوارث، بل المستحق بالخيار إن شاء فسخ، وإن شاء صبر إلى المحل، ولا ينكر أن الموت أجل للعقد شرعا، لكن لا يلزم أن يعتبر فيه ما يعتبر في الأجل المشروط دون المشروع. * المأخذ الثاني: بناء المسألة على التسوية بين الثمن والمثمن، فإنهم يسلمون أنه لو باع بمكيل أو موزون، وكان منقطعا صح، والسلم بيع المكيل، وأي فرق بين بيع المكيل والمبيع بالمكيل، ومعتمدهم ما تخيلوه من أن الثمن حكم العقد، والعجز عن تسليمه لا يمنع البيع، كشراء المفلس والعبد عند عجزهما، ولنا في الحكم منع، وقد بينا في مسألة تعيين النقود أن الثمن والمثمن ركنان. * * * [٦٣] * مسألة: السلم في الدين الحال صحيح عندنا (٣)، خلافا لأبي حنيفة ﵀ (٤). ومأخذ النظر فيها: أن الأجل في عقد السلم شرع رخصة عندنا من حيث إن الذي يقتضيه قياس المعاوضات ألا يجوز إثبات عوض في الذمة

стр. 142

بحال؛ لأن حقيقة المعاوضة مقابلة مال بمال، وما في الذمة ليس بمال حقيقة، وإنما هو وعد محض، والتزام مجرد، والعوض معدوم، غير أن ذلك احتمل في الثمن في المبيع المسيس الحاجة إليه، من حيث إن كل أحد لا يجد نقدا حاضرا يشتري به، فيلتزم في ذمته ليوفيه وقت قدرته؛ لأن المبيع المثمن الذي هو الأصل، فبيعه ممتنع في الذمة، غير أن الشرع جوز ثبوته في الذمة في عقد السلم رخصة، على خلاف القياس، حيث نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان (١)، والرخص في السلم على خلاف قياس المعاوضات. إذا تقرر هذا فنقول: السلم إذا كان حالا كان أشبه بتحقيق المعاوضة؛ فإنه تعقبه المطالبة في الحال فيعينه، فيقرب من قياس المعاوضة، وإذا أجل كان أبعد من القياس بدرجتين: إحداهما: أنه في الذمة، وذلك غرر. والثانية: أنه يبعد المطالبة ويؤخرها، وذلك - أيضا - غرر. وعن هذا قال الشافعي ﵀: إذا جاز السلم موجلا، فالحال أجوز، وعن الغرر أبعد (٢).

стр. 143

وأبو حنيفة ﵀ يزعم أن الأجل في عقد السلم شرع عزيمة لا بد منه في العقد، من حيث إنه عقد إرفاق شرع لحاجة المفاليس، وحالة الدهاقنة (١)، فإن أيديهم تصفر عن النقود، فيحتاجون إلى ما يصرفونه في كري الأنهار، وعمارة القنوات، وشراء الثيران، إلى غير ذلك، وإقدامه على السلم علم على الحاجة، فإنه [لو كان قادرا ما قبل المسلم فيه] (٢) الحال بأوكس الثمنين وأخسر (٣) الصفقتين، فلهذا المعنى قلنا: لا بد من التأجيل للمتمهل والاضطراب؛ ليشتغل بالاكتساب في مدة الأجل، أو بالاستجلاب عند حصول الربح، فيتيسر التسليم عند حلول الأجل، وإذا ثبت كونه مؤثرا في مصلحة التصرف ومقصوده؛ كان جزءا من أجزائه يقتضيه، فلا ينافيه (٤). وهذا الذي ذكروه باطل؛ فإنه ينتقض عليهم بالكتابة؛ إذ ليس في عالم الله أعجز من العبد، ولا أفلس منه، فلما جوزوا الكتابة الحالة، والعبد لا يقدر على شيء، وكذلك المفلس المصر الذي لا يقدر على شيء، فإنه يشتري في ذمته حالا، وليس يتمكن من شيء. * * * [٦٤] * مسألة: السلم في الحيوان صحيح عندنا (٥)، خلافا له (٦).

стр. 144

ومأخذ النظر فيها: أن الحيوان مما يمكن ضبطه بالصفات عندنا، ولهذا يثبت في الذمة في الصداق، وإبل الدية، وغرة الجنين، والمعاملات مبنية على المسامحة والمساهلة، ألا ترى أن من اشترى عبدا ورآه لم يحط بجميع أوصافه؟؛ فإن منها ما لا يكشفه إلا الزمن الطويل، فكل ما يشترط رؤيته في البيع يشترط وصفه في السلم؛ لأن التجارات عقود مراضاة، ثم الواجب تسليم الموصوف بالصفات في أدنى الدرجات (١). والخصم يزعم أن الحيوان مما لا يمكن ضبطه بالصفات؛ لكثرة اختلافه، فإن بعد الاشتراك في الجنس والنوع والسن واللون يتفاوت غالبا في صفات تختلف المالية باختلافها، فلا يصح، كما في الجواهر (٢). ونحن نقول: هذا فاسد؛ لأن محل الاستحقاق هو القدر الموصوف، وما ليس بموصوف ولا مذكور لا يكون مستحقا، فإن التفاوت فيما وراء القدر الموصوف لا يوجب بطلان الضبط في القدر المذكور كما في الثياب. * * *

стр. 145

[١٠] مسائل الرهن (١) [٦٥] مسألة: رهن المشاع صحيح عندنا (٢)، خلافا له (٣). وصورته: أن يرهن نصف عبد أو نصف ثوب، ولا فرق في ذلك بين أن يرهن من شريكه أو من أجنبي. ومأخذ النظر فيها: الاختلاف في حكم الرهن، فحكمه عندنا تعلق الدين بالعين، ليكون أحق باستيفائه من ثمنها عند تعذر استيفائه من ذمة الراهن، ومنع المالك من التصرفات المزيلة لملك الرقبة، كالبيع والهبة، تغليبا للمعنى الشرعي على المعنى الحسي في اللفظ الدائر بينهما، وهذا أمر معقول ثابت في الديون، فإن كل دين علا وكمل وتناهى في القوة يقدم على الدين الذي هو دونه وأضعف منه، ولهذا قال أبو حنيفة: إن غرماء الصحة يقدمون على غرماء المرض (٤).
следующие страницы →