← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بتسليم محلها، وهو الدار التي أقيم تسليمها مقام تسليم المنافع، وأضيف العقد والبرهان القاطع على ذلك أنه لو سلمها إليه، ولم ينتفع بها أصلا؛ يمكن من مطالبته بالأجرة، وإن أثبت أن المعتبر هو القدرة على تسليم الدار فذلك لا يختلف بأن يكون في البيع أو في الإجارة؛ لأن حقيقة الإجارة بيع المنافع. [٩٦] مسألة: الأجير المشترك - وهو الذي التزم في ذمته من المستأجر عملا كالقصارة مثلا؛ ليعملها بنفسه، أو بغيره (١) - إذا اقتصر على المعتاد في عمله، فتلف الثوب لم يضمن عندنا (٢)، خلافا له (٣). ومأخذ النظر فيها: أن ما حصل تحت يده من حرق أو شق نتيجة عمل مأذون فيه من جهة المالك عندنا، فلا يجب عليه ضمانه، كما في الأجير المنفرد، وهو الذي استأجره يوما ليقصر له ثوبا في بيته مثلا، وإنما قلنا: إنه نتيجة عمل مأذون فيه، من حيث إنه أطلق الإذن، والإذن إنما يتناول ما يندرج تحت قدرته، والداخل تحت قدرته عمل لا يفضي إلى الإتلاف غالبا، فإن ما تسلم عاقبته قطعا ويقينا لا يدخل تحت الاختيار والاقتدار، فلا يتصور من الأجير التزامه، ولا من المالك إلزامه، ويتأيد ذلك بالفصد والحجامة،

стр. 212

فإنه يقصد بهما السلامة والصلاح، ثم إذا صار قتلا لا ضمان، فإن قالوا: ذاك لأنه لا يمكن أن يقال له: اجرح جرحا لا يسري. * قلنا: يبطل بسراية القصاص، فإنها مضمونة عندكم (١). ومأخذ الخصم: أن الأجير بائع الزيوف وكذلك المسلم فيه إذا أطلق، فإنه ينصرف إلى الحنطة الجيدة المعينة (٢). ونحن نقول: هذا الذي ذكرتموه باطل بالأجير المنفرد؛ فإن الدق من مثله قد يسلم وقد لا يسلم، فالعقد مطلق، فهلا قيده بما يسلم (٣).

стр. 213

[١٦] مسائل الهبة (١) [٩٧] مسألة: الملك في الموهوب بعد القبض لازم، لا يصح رجوع الواهب فيه عندنا، إلا الوالد فيما وهب لولده (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: لا ينقطع الرجوع إلا بالثواب، أو تلف الموهوب، أو حدوث زيادة متصلة به، واستثنى ما إذا وهب من فقير، أو ذي رحم محرم، أو أحد الزوجين وهب من صاحبه، فإنه لا رجوع عنده؛ لحصول العوض وهو الثواب في الآخرة، وصلة الرحم (٣). واعلم أن هذه المسألة خارجة عن قياس المذهبين؛ فإن الذي يقتضيه قياس القواعد من الجانبين: أن من أبرم عقدا، وألزم ملكا، وبت الحقوق، وقطع العلائق، ألا يثبت له الرجوع فيه تشهيا واستقلالا، غير أنه وقع الاتفاق على أن الرجوع في الهبة ثابت، وأنه لا يثبت في كل هبة، بل في هبة دون هبة، وإنما الكلام واقع في تعيين ذلك الموضع، فالشافعي يرى أن وضع الملك بجهة الهبة على اللزوم، فلا رجوع إلا للأب خاصة، نصا، على

стр. 214

خلافلا القياس، وهو قوله - ﷺ : «لا يحل لواهب أن يرجع في هبته، إلا الوالد فيما وهب [لولده] (١)» (٢)؛ فلأنه المستحق للأحكام على ابنه؛ لشرف الأبوة، وموضع الولادة، ولهذا إذا استولد جارية ابنه ملكها، وإن كان الوطء حراما، وما رأينا لهذا نظير فخصصناه بهذا الحكم - أيضا ـ، حتى إنه لما ضاق نطاق القياس لم يلحقوا به الحد على أظهر الوجهين. وأبو حنيفة يرى أن وضع الهبة على الجواز، ولا يلزم إلا بالتعويض، ففي موضع يتحقق العوض ينقطع الرجوع كما في البيع، وفي موضع لا يتحقق ذلك يثبت الرجوع، قالوا: ويدل على اقتضاء الهبة العوض قوله - ﷺ : ﴿من اصطنع إليكم معروفا فكافئوه﴾ (٣). وهذا الذي ذكروه ليس بشيء؛ فإن [اللفظ] (٤) لا ينبئ عن العوض ولا يقتضيه. وإنما مجرد منحة لو اقتضت عوضا لبطلت دون تفصيل العوض، كما

стр. 215

لو ذكر عوضا مجهولا، ولصارت الهبة بيعا، ثم جميع ما ذكروه ينتقض بهبة الزوجة؛ فإنه لا صلة فيه، ولا يثبت الرجوع، فإن قالوا: ثم رحم، قلنا: غير صحيح، بل ثم وصلة عقد ومحبة، وطلب مودة، ومثل ذلك موجود في حق الأجانب، ثم يبطل بقرابة ( … .. ) (١)، فإن ثم [رحما] (٢) والرجوع ثابت عندكم، ويبطل - أيضا - بما إذا زادت زيادة متصلة، فإن الرجوع ينقطع، وما رأينا محلا يثبت فيه الرجوع يبطل فيه الرجوع بالزيادة المتصلة إلا في الصداق؛ لأنه يمكن الرجوع في قيمته، بخلاف سائر المحال (٣). [٩٨] * مسألة: هبة المشاع صحيحة عندنا على الإطلاق، وتلزم (٤). وقال أبو حنيفة: لا تصح فيما ينقسم كالأراضي، وتصح فيما [لا] (٥) ينقسم كالجواهر والعبيد (٦). ومأخذ النظر: أن قبض المشاع ممكن عندنا، بدليل البيع، وهبة المشاع الذي لا ينقسم، فإنها تفيد الملك إجماعا، مع توقفه على القبض. والخصم يزعم أن تمام القبض لا يتأتى في الشائع، من حيث إنه

стр. 216

لا يمكن قبضه إلا مشغولا بحق غيره، وما دام مشغولا بملك الواهب كان متشابه نوع فثبت، وذلك يمنع تمام القبض، كما لو وهب وعاء فسلمه وهو مشغول بحنطة الواهب، فإن الهبة لا تلزم؛ لكونه مشغولا بملكه، قالوا: ولا يخفى أن اشتغال الملك بمال الشريك يزيد على اشتغال الوعاء بالحنطة؛ فإن ذلك اتصال مجاورة، قالوا: وهذا بخلاف ما لا ينقسم، فإنه أتي فيه بأقصى الممكن، فاكتفي به كالتخلية في العقار، فإنه تسليم ناقص لا يكتفى به فيما يحتمل النقل، واكتفي به [في] (١) العقار لكونه أقصى الممكن، قالوا: ونظيره ما قاله أبو حنيفة: أن جوارح الطير يحل صيدها وإن أكلت منه؛ [لأنه] (٢) لا يمكن تعليمها ترك الأكل، والكلب إذا أكل من الصيد حرم؛ لأنه يمكن [تعليمه] (٣) ترك الأكل بأن يضرب بالعصا، فاعتبر الممكن في كل شيء (٤). والجواب من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم أن القبض غير ممكن على سبيل الكمال والتمام. قولهم؛ لأنه لا يسلمه إلا مشغولا بملك غيره. قلنا: هذا لا يمنع من قبضه مال نفسه، فإنه قد قبضه حقيقة، وإن قبض معه غيره فلا يخرج عن كونه قابضا ملك نفسه.

стр. 217

الثاني: أن القبض المعتبر في الهبة عندكم هو القبض الحكمي الشرعي دون الحقيقي، فإنكم قلتم: يصح هبة العقار كما يصح هبة المنقول، والقبض في الجميع التخلية كما في البيع، وإن كان القبض الحقيقي عندكم هو النقل والتحويل، ولهذا قلتم: لا يتصور غصب العقار؛ لأنه لا يمكن نقله وتحويله، ثم لم تعتبروا مثل هذا في الهبة، فدل أنه ليس يعتبر لها غاية القبض (١). [٩٩] مسألة: المودع إذا خان في الوديعة، ثم ترك الجناية وعاد إلى الحفظ والأمانة ؛ لم يصر أمينا ولا مستودعا إلا بتجديد عقد الائتمان واستئناف الإيداع (٢). وقال أبو حنيفة: يعود أمينا كما كان من غير تجديد عقد (٣). ولا خلاف أنه لو جحدها ثم أقر بها، أو منعها ثم بدلها، أو خلطها ثم ميزها، أنه لا يبرأ من الضمان (٤). ومأخذ النظر: أن التعدي يرفع عقد الوديعة عندنا، من حيث إن يد الوديعة يد أمانة، والجناية ضد الأمانة، فلا يحتمل، ويدل على زوال يد الوديعة انعقاد الإجماع على أنها لو تلفت والحالة هذه كانت مضمونة على المودع (٥)، وإذا

стр. 218

ثبت ارتفاع عقد الوديعة؛ قلنا: قضية كل عقد متى ارتفع فلا يعود حتى يجدد، كزوال الملك في البيع، وزوال الحل في النكاح، والسر فيه هو أن مقصود الوديعة وحكمها [الأصلي] (١) إنما هو الحفظ، والصيانة، وأداء الأمانة، وقد زال هذا المقصود، فارتفعت الوديعة بزوال مقصودها. وأبو حنيفة يدعي أن أمر المالك بالحفظ أمر عام؛ فإن حاصل الوديعة ومقصودها يعود إلى حفظ متعدد في أزمنة، لا إلى حفظ واحد، وإنما هو حفظ دائم مستمر كل وقت، يتعلق به حفظ، فهو أشياء لا شيء واحد، فإذا ترك الحفظ في وقت، وعاد إليه في وقت، فقد فات بعض المعقود عليه، وبقي بعضه، فكان حكم العقد باقيا فيما بقي، زائلا فيما فات، كما لو استأجر إنسانا ليحفظ ماله شهرا، فترك الحفظ أياما، ثم عاد إلى الحفظ بقية الشهر، فإنه يعود أجيرا، حتى يستحق أجره الباقي، وكذا لو رهن عصيرا فصار خمرا، ثم عاد خلا، عاد الرهن بعد انتفائه بالخمرية، وجملة الأمر: أنه مهما عاد إلى الحفظ فقد رد الوديعة إلى اليد الثانية الحافظة الممتثلة لأمر المالك، الموافقة لصيغة العموم في الاستحفاظ، فكان خارجا عن العهد (٢). والجواب هو: أنا لا نسلم أن المعقود عليه أشياء متعددة، بل المعقود عليه الحفظ، وهو حفظ واحد، فإن زال بطل العقد، بخلاف ما استشهد به من الإجارة؛ فإن المعقود عليه منافع البدن، وذلك متعدد، فإذا استوفى منافعه في وقت

стр. 219

وجب عليه من الأجرة بقدر ما استوفاه، وأما العصير إذا صار خمرا ثم عاد خلا، فلا ينقطع حكم الرهن بصيرورته خمرا، بل يبقى موقوفا إلى زوال العارض، فإن استمرت الخمرية بحيث لا يتخلل؛ قضينا بالانقطاع. قولهم: إنه إذا عاد إلى الحفظ فقد رد اليد الثانية عن المالك. قلنا: هذا صحيح إن ثبت أن المالك راض بائتمانه بعد الخيانة، غير أن قرينة العرف قاضية بأن المالك لا يرضى بإيداعها عند من خانه، وتعدى في وديعته، والعرف قرينة مفيدة، بدليل الوكالة وغيرها من العقود (١). [١٠٠] مسألة: الصبي المميز الذي يعقل عقل مثله لا يصح إسلامه عندنا استقلالا (٢) وقال أبو حنيفة - ﵀ -: يصح إسلامه بنفسه استقلالا بنفسه (٣)، وإنما يتصور إسلامه بطريق التبعية، إما لأحد الأبوين إذا أسلم، أو الدار، كاللقيط الذي يوجد في دار الإسلام، أو السابي المسلم إذا استرق طفلا.

стр. 220

وللمسألة مأخذان أصوليان: * أحدهما: أن الوجوب عندنا بالشرع، والشرع لم يرد بالوجوب في حق الصبي. وعندهم بالعقل، والعقل يوجب على الصبي والبالغ إذا كان الصبي عاقلا، فقد نقل عن أبي حنيفة أنه قال: العقل حجة الله على عباده (١). * المأخذ الثاني: أن الوجوب عندنا لا يثبت إلا بالخطاب، ولا خطاب. وعندهم يثبت بالأسباب، فقالوا: سبب وجوب الصوم رؤية الهلال، وسبب وجوب الصلاة دخول الوقت، وسبب وجوب الإسلام الدلائل الواضحة والأمارات اللائحة التي عرفها وسبرها، فلما وجد سبب الوجوب. * قلنا: الوجوب تعلق بذمته، والأداء تأخر لعذر، فيؤديه بعد البلوغ، كما يجب الصوم في ذمة المسافر، لكن تأخر الأداء لعذر السفر، فإذا أتى به فقد أتى بالواجب، والدلالة على فساد المأخذين المذكورين قد استقصيناه في كتاب تخريج الفروع على الأصول، وبينا أن العقل لا يوجب شيئا، وأن لا وجوب إلا بالخطاب (٢)، والذي يخص مسألتنا هذه أن نقول: الإسلام مأخوذ من الاستسلام والانقياد، ولا بد وأن يستسلم لمن يطلب منه الاستسلام والانقياد، والصبي غير مخاطب ولا مأمور، فلا يتحقق معنى

стр. 221

الانقياد، فإذا تقرر أن الإسلام غير واجب على الصبي، فلا يمكن أن يصح منه؛ لأنه لا يقع قط إلا فرضا، وليس هو كالعبادات التي تنقسم إلى نفل وفرض، كالصلاة والصوم، فتصح من الصبي؛ لأنها قد تقع نفلا، فتصح منه على وجه النفل. فإن قالوا: لم قلتم: إن الإسلام لا يقع إلا فرضا؟. قلنا؛ لأنه لو لم يقع فرضا لكان يتخير فيه بين فعله وتركه، فيكون الفعل مباحا، [والترك] (١) مباحا، وترك الإسلام هو الكفر، والكفر كيف يكون مباحا؟! فإن قالوا: إذا كنتم تقولون: إن الإسلام لا يقع إلا فرضا، فما تقولون فيما إذا أسلم الصبي تبعا لأبيه فإن إسلامه صحيح إجماعا؟ (٢)، فعلى أي وجه يقع، فرضا أو نفلا؟. قلنا: إسلامه تبعا لم يحصل بفعله، ولا هو مباشر، إنما كان ذلك حكما من جهة الشرع ضمنا وتبعا (٣)، والله أعلم.

стр. 222

[١٧] كتاب النكاح [١٠١] مسألة: الاشتغال بنوافل العبادات أولى من الاشتغال بالنكاح عندنا في حق من لم تتق نفسه إلى النكاح (١). وقال أبو حنيفة ﵀: الاشتغال بالنكاح أولى، إلا إذا أعوز أهبة النكاح (٢). ومأخذ النظر: أن النكاح بأصل وضعه ليس بعبادة عندنا، بل هو مباح، كأكل الطيب، ولبس الناعم، وسائر ما سبيله الشهوة (٣)، ويدل عليه أمران: * أحدهما: أنه يصح من الكافر إجماعا، والكافر ليس [أهلا] (٤) للعبادة. * الثاني: أنه لا يشترط في صحته نية التقرب، وهي من خواص العبادة، فإذا ثبت أنه ليس بعبادة وجب [ألا] (٥) يقدم على العبادة كسائر المباحات.

стр. 223

وقال أبو حنيفة ﵀: هو عبادة، وربما قالوا: فرض على الكفاية، بدليل الأوامر المطلقة، كقوله - تعالى -: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]، وقوله ﷺ : «تناكحوا تكثروا» (١)، قالوا: وظاهر الأمر الإيجاب على الأعيان، فإن صدنا الإجماع من الحمل عليه تعين حمله وأخذه على أقرب الاحتمالات إلى حقيقة اللفظ، وهو الافتراض على خصوصه، قالوا: وتصحيحه من الكافر لم يكن بجهة كونه عبادة، بل لما فيه من عمارة الدنيا، وإبقاء أهلها إلى الأمد المعلوم، والكافر أهل لذلك؛ من معنى إسقاط الملك وإن كان قربة وطاعة (٢). والجواب: نقول: دعوى كون النكاح عبادة وفرضا باطل بما ذكرناه، وما ذكروه من النصوص بقوله ﷺ : «أحب المباحات إلى الله - تعالى - النكاح» (٣)، فإنه دل على أن النكاح من قبيل المباحات بحقيقته، وما ذكرتموه دل على أنه

стр. 224

مندوب، أو فرض كفاية بمجازه وتأويله، ولا يخفى أن دلالة الحقيقة أقوى، وبالاعتبار أولى من المجاز (١). وقولهم: إنما صح من الكافر لما فيه من عمارة الدنيا. قلنا: النكاح بوضعه عبادة عندكم، والكافر ليس من أهله، وتعمير الدنيا تابع لذلك، وأما عمارة المساجد والقناطر فتلك أمور مالية تجري مجرى الإزالات والإسقاطات، والكافر [أهل] (٢) لها (٣). [١٠٢] مسألة: المرأة لا تلي عقد النكاح بحال، لا مستقلة ولا متوكلة (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: هي مستقلة استقلال الرجال إلا في شيء واحد، وهو أنها إذا وضعت نفسها تحت من لا يكافئها ثبت للأولياء حق الاعتراض عليها (٥). ومأخذ النظر: قدرة التزويج عندنا ولاية كالقضاء والإمامة، والمرأة ليست أهلا لها، ونعنى بالولاية: إثبات [سلطة] (٦) شرعية في المحل لم تكن ثابتة من قبل؛ وهذا لأن التصرفات نوعان:

стр. 225

نقل موجود، وإثبات معدوم؛ فنقل الموجود كالبيع، وليس المنقول ذات العبد، لكن الملك الموجود فيه؛ لأن البيع تصرف شرعي، فيستدعي متصرفا فيه شرعيا لا حسيا، فالبيع ينقل الملك المشروع، ومحل النقل هو المنقول، والعبد محل الملك الذي هو محل التصرف. النوع الثاني: إثبات الملك بالاصطياد وأشباهه، ومحل الإثبات هو الملك المثبت، والنكاح من هذا القبيل؛ فإنه إثبات ملك في المرأة، وذلك لم يكن ثابتا من قبل حتى ننقله، وإذا ثبت أن قدرة التزويج ولاية، فالمرأة ليست أهلا لها؛ لأن ما فيها من الأنوثة آثار [نقصانا] (١) في نظرها، وفتورا في رأيها في هذا الحكم وهو النكاح؛ لأن الشهوة تستولي عليها، والشيطان يستحوذ عليها، فلا تنظر إلا إلى عاجل الحال، وإلى مجرد الصورة من الخلق والخلق، والولي هو الذي ينظر في المعاني [والحقائق] (٢) التي يحصل بها الفخار ودفع العار والشنار من حسن الخلق، والمروءة، والدين، والنسب، إلى غير ذلك من الأمور، ويدل على قصور نظرها من تحصيل هذه المقاصد حكمان قاطعان: أحدهما: وقوع الاتفاق على ثبوت الاعتراض عليها إذا وضعت نفسها فيمن لا يكافئها، فنقسم ونقول: لا يخلو ثبوت الاعتراض عليها، إما أن يكون لمجرد دفع العار، أو لقصور فيها، والأول باطل؛ فإن الأب إذا زوجها بمن لا يكافئها برضاها لم يثبت للجد ولمن دون الأب الاعتراض عليه، وإن كان

стр. 226

العار والشنار يلحقهم، فيثبت أن الاعتراض كان لقصور (١) في عقلها، وفتور في رأيها. الحكم الثاني: انعقاد الإجماع على أنها مولى عليها في باب النكاح (٢)، حتى إنها لو طالبت وليها بالنكاح وامتنع كان عاضلا، عاصيا، آثما، ترد شهادته، ولولا أن إجابتها عليه واجبة لما فسق وعصى، كما لو طلبت ذلك من البعيد وامتنع، فإنه لا يعصي (٣). وأبو حنيفة ينحو بالنكاح نحو التصرفات المالية، ويبني أمره فيه على ظاهر القياس، وحكى المعنى وما يبدر إلى موارد الأفهام صحته، فيقول: المرأة إذا بلغت عاقلة زالت الولاية عنها في بضعها، كما تزول في مالها، حتى يصح تصرفها في أملاكها وعقودها وسائر حقوقها، وهي مالكة لذاتها، فلها نقل منافعها كما في الإجارة، ويدل [على] (٤) استقلالها حكم قاطع، وهو إقرارها، فإنه لو أقرت بالنكاح، وقالت: زوجني هذا ولي مع شاهدين، وأنكر الولي قبل إقرارها، ولا يضر إنكار الولي، ولولا استقلالها بالنكاح لوجب ألا يقبل إقرارها، ولا يضر إنكار الولي (٥). والجواب المستأصل لهذا الكلام: ما أسلفناه.

стр. 227

وقولهم: تملك ذاتها فتنقل منافعها، باطل؛ لأن استيفاء منافع البضع لا يتصور في المرأة، والنكاح حق عليها للزوج، فكيف تنقل ما لا تملك من نفسها؟. وأما الإقرار بالنكاح فممتنع، فنقول: لا يصح إقرارها. فإن قالوا: فقد نص الشافعي على صحة إقرارها، فقال: ولو أقرت بالنكاح في الغربة؛ قبل (١). قلنا: ليس هذا بإقرارها؛ فإنه لو كان إقرارا حقيقة، لما اختلف بالسفر والحضر، وإنما هو استصحاب حكم على سبيل الاضطرار (٢)، فإن استصحاب الشهود في أسفارها ونهضاتها يجر عسرا وحرجا، فعفا الشرع عن تكليفهم إقامة الشهادة لهذا المعنى، حتى قال بعض أصحابنا: إذا رجعا إلى الوطن فلا حكم لما جرى في الغربة (٣) [١٠٣] مسألة: البكر البالغة يجبرها أبوها وجدها على النكاح عندنا (٤)، خلافا لأبي حنيفة ﵀ (٥).

стр. 228

واعلم بأن اعتماد الشافعي في هذه المسألة ومعظم مسائل النكاح على الأحاديث، وهو الإنصاف، والذي استدل به الشافعي في هذه المسألة وبنى مذهبه عليه [ما ورد عنه - صلى الله] (١) عليه وسلم - أنه قال: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها صماتها» (٢)، وليس احتجاج الشافعي هاهنا بمفهوم الخطاب، بل بما هو أقوى وأعلى من المفهوم، وهو طلب المغايرة بين قسمين متنافيين، وذلك أنه قسم النساء قسمين، وجعلهن جزأين: ثيبات، وأبكارا، ولا قسم يتوسطهما، فمن ضرورة التقسيم تحقيق المغايرة بينهما في الحكم، وإلا فلو لم يكن الحكم في أحدهما ضد الحكم في الآخر لما كان [للتقسيم] (٣) فائدة ولا معنى، ولكان الكلام لغوا باطلا، وإذا دل على المغايرة كان من ضرورة قوله: «الثيب أحق بنفسها»، أن البكر لا تكون أحق بنفسها. فإن عارضوا بما روي «أن خنساء (٤) زوجها أبوها وهي كارهة، فرفعت ذلك إلى النبي ﷺ ، فرد نكاحها» (٥).

стр. 229

* قلنا: الخبر صحيح، لكن لكم حاجة، [تنقلون] (١) أنها كانت بكرا، والصحيح أنها كانت ثيبا، هكذا رواه البخاري في صحيحه (٢)، وجميع ما تمسكون به من الأقيسة في المسألة فهو قياس يخالف النص الصريح، فلا [يعول] (٣) عليه. أما المأخذ المعنوي في هذه المسألة وأخواتها من مسائل الإجبار [فهو] (٤): أن النكاح ضرر في حق المرأة بالوضع؛ لكونه إرقاقا وتمليكا واستفراشا، وفيه إذلال؛ يجعلها مصب (٥) فضلته التي يتأذى بها، فهي والمستحم سواء، ولهذا إذا تعرى الوطء عن الحل كان عارا، غير أن دواعي الشهوة في المرأة يهون عليها هذا المعنى، وكل ذلك لتحصيل (٦) الغرض الكلي من بقاء النوع الإنسي. إذا ثبت ذلك قلنا: الشرع استثنى البكر الصغيرة، وجوز إجبارها، فإن النبي ﷺ تزوج عائشة ﵂ وهي صغيرة (٧)، فترك ذلك لورود السنة

стр. 230

فيه، وبقي من عداها على مقتضى القياس؛ لقيام الدليل النافي للضرر. وأبو حنيفة يدعي أن النكاح من قبيل المصالح في حق الرجل والمرأة بكل حال، وما يتخيل فيه من ضرر ونقص ينجبر بما فيه من مصلحة إيجاد البيوت، واشتباك العشائر، واعتضاد القبائل، ووجود المهر والنفقة، فيأخذ بحكم العدم (١). ونحن نقول: هذا فاسد؛ فإن مصلحة النكاح ما شرع له [ … ... … ... .. ] (٢)، [ … ... … ... .. ] (٣) فليس من المقاصد الأصلية، ولا من الشروط الضرورية، وكذلك المهر والنفقة؛ فإن ضرر الإرقاق في الحرائر لا ينجبر [بأخذ] (٤) المال، بدليل أن الكافر لا ينكح مسلمة؛ لما فيه من الابتذال، ثم لا ينجبر ذلك بأخذ المال. [١٠٤] مسألة: الثيب الصغيرة لا تجبر على النكاح عندنا، بل ينتظر بلوغها واستنطاقها (٥). وقال أبو حنيفة - ﵀ -: تجبر (٦).

стр. 231

والاعتماد فيها على التوقيف، وهو قوله ﷺ : «الثيب أحق بنفسها من وليها» (١)، [وفيه] (٢) دليلان هاهنا: أحدهما: من حيث [التعميم] (٣). والثاني: من حيث التعليل. أما [التعميم] (٣)، فإن اللفظ عام، من حيث إن [التعميم] (٣) يتناول كل ثيب؛ سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وأما التعليل فإن الطيب اسم مشتق من معنى، وهو الثيابة، وما منه الاشتقاق ينتصب علما على الحكم، وينسب إليه، وإذا ثبت ذلك فالمعنى حيث وجد تعلق الحكم عليه. المأخذ المعنوي في المسألة ما أسلفناه في المسألة السالفة، وهو أن القياس يقتضي أن الصغيرة لا يجوز تزويجها بحال؛ لأن في ذلك إضرارا بها في الحال، لتحجج متوقع موهوم، والأصل أنه يجوز إجبارها؛ لأنها لا تعلم عاقبة الأمر، وما في النكاح من المصالح إنما تكون جائزة عند هيجان الشهوة والميل إلى الرجال، فإذا وجدت هذه الحاجة كان النكاح مصلحة، وإلا فهو ضرر في الحال، والصغيرة لا حاجة بها إلى الرجال، فيكون في حقها ضررا لا مصلحة، وصار كالفصد والحجامة، وإذا كان من غير حاجة، كان ضررا ومفسدة؛ لما فيه من عسر الخروج من ربقة النكاح، وهذا بخلاف ولاية المال؛ فإن ثبوتها على مقتضى القياس؛ لأنها لو لم نثبتها أدى إلى نفاد المال،

стр. 232

وأن يأتي عليه جوائح الزمان بحوائج الإنسان، فيستنفده (١). والخصم يقول: الشرع ورد بجواز نكاح الصغيرة إذا كانت بكرا، فنحن نلحق بها الثيب، ونقول: صغيرة وصغيرة، والجامع بينهما العجز عن مباشرة التصرف لنفسها بنفسها (٢). والجواب: نقول: كيف تلحق إحداهما بالأخرى والشرع فرق بينهما في قوله ﵇: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها» (٣)، والتسوية في موضع فرق الشرع باطلة؟. فإن قالوا: المراد بالثيب البالغ، بدليل أن الثيب التي يثبت لها الاستحقاق البالغ؛ إذ الصغيرة لا حق لها، وعندنا الثيب البالغ أحق بنفسها من وليها (٤). قلنا: حمل الحديث على ما ذكرتموه يبطل فائدة تخصيص رسول الله ﷺ الثيب بالذكر، فإن عندكم لا فرق بين الثيب والبكر إذا

стр. 233

كانتا بالغتين في أنهما يثبت لهما الاستحقاق، فأي فائدة تبقى في تخصيص الثيب بالذكر؟. [١٠٥] مسألة: ليس لغير الأب والجد تزويج الصغيرة عندنا، بل ينتظر بلوغها (١). وقال أبو حنيفة: يزوجها الأخ، والعم، وسائر العصبات، غير أنه لا يلزم، بل يثبت لها الخيار بعد البلوغ، إلا إذا زوجها الحاكم، فإنهم قالوا: يصح، ويلزم (٢). ولا خلاف أن الأب والجد إذا أجبرا ثم بلغت، لم يكن لها الخيار. ومأخذ النظر: ما بيناه في المسألة السالفة من أن النكاح ضرر في الحال، لم يعارضه حاجة داعية في حق الصغيرة، والتحجج موهوم في ثاني الحال، فلا يجوز [سلب] (٣) استقلالها في الحال، وجعلها مرقوقة أسيرة، لا خلاص لها ولا مناص، غير أن الشرع استثنى من هذا الأصل الوالد؛ علما منه بأن الوالد لا يغادر لها نصحا ولا نجحا؛ لوفور شفقته وكمال احتياطه ونظره، وغير الأب لا يساويه في هذه المعاني القائمة به، فلا يجوز إلحاقه به، ولا قياسه عليه، ودليل التفاوت: كون العقد لا يلزم، وكون العم لا يتصرف في المال، بخلاف الأب والجد (٤).

стр. 234

وأبو حنيفة يقول: النكاح من المصالح على ما تقدم في مسألة إجبار البكر، ثم يزعم أن الأخ شارك الأب في أصل الشفقة، فصح عنده؛ لوجود أصل الشفقة، ولا يلزم؛ لقصورها عن شفقة الأب، وهذا أولى من تعطيل اليتيمة بعد حصول الكفء الراغب، وإن وقع الغرض في الحاكم قلنا: يتصرف في [بضعها] (١) كما يتصرف في مالها (٢). * والجواب أن نقول: لا يجوز إلحاق الأخ بالأب لوجود أصل الشفقة؛ فإن هذا القدر لا يكفي لولاية الأحكام؛ فإن بالأب من المعاني التي أثارت في حقه الشفقة ما لا يوجد في حق غيره، فينظر لها في دقائق وخفايا لا ينظر فيها الأخ، فكم من كفء معه من شراسة الأخلاق وخساسة الطبع، لا تآلف بينه وبين زوجه قط، وكم من غير كفء معه من المسامحة والكرم وطيب الأخلاق ما تدوم به الصحبة، وتطيب معه العشرة، فالأب ينظر في هذه المعاني، والأخ إن نظر فإنما ينظر إلى ظاهر الكفاءة، ولا يبالي بهذه الدقائق، فكيف يسوى بينهما ويجعلان مجبرين؟!. [١٠٦] * مسألة: الفاسق لا يلي عقد النكاح عندنا، على القول المنصور في الخلاف (٣).

стр. 235

وقال أبو حنيفة ﵀: الفاسق كالعدل في ولاية النكاح (١). واعلم أن الخلاف في هذه المسألة لا يتصور إلا في حق الصغير والصغيرة بالإضافة إلى الأب والجد؛ فإن البالغة لا ولاية عليها للفاسق إجماعا (٢)، أما عندنا فلفسق الأب، وعندهم لكونها ولية نفسها. ومأخذ النظر: أن الفسق يخل بالنظر المأمور به في هذا الباب بقوله ﵇: «النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته» (٣). وهذا لأن الشرع حيث ضرب الولايات، إنما ضربها في محل القصور والنقص؛ لينظر [العاقل] (٤) في حال الناقص، ولهذا رتب الشارع العصبات في هذه الولاية، فقدم الأقرب فالأقرب؛ لأن كل من قرب ودنا كان أشفق وأحنى، إذا ثبت ذلك فنقول: كمال النظر في حق الولي إنما يتحقق بداعي الشرع وباعث الطبع، والفسق مخل بالباعثين (٥)،

стр. 236

مقصر للداعيين (١)، فإنا لا نأمن أن يصرف حقها إلى نفسه، ويزوجها بفاسق مثله؛ ليستعن به على فسقه، ويتحصن بظله عن تعرض المنكرين؛ فإن الناس أشكال وألائف، وكل يميل [إلى] (٢) جنسه، ويحن إلى شكله، والنكاح إرقاق مؤبد، وإحلال مخلد، وإنما صار مصلحة بالجبر والمقابلة، والتناهي في النظر الصادر عن شفقة كاملة، وديانة وازعة، فإذا لم يوجد ذلك وجب ألا يستقل به، وكذلك سلب ولاية التصرف في مالها، وأبو حنيفة يدعي أن الفسق لا يخل بنظره في حق ابنته؛ فإن نظره لولده مقتضى طبعه الجبلي، وموجب شهوته الخلقية، وكما يجب عليه بالطبع إذا صدقت فيه رغبته، استغني في كماله عن باعث من خارج، كما أن الجائع إذا صدقت شهوته للطعام، كان الأمر بالأكل في حقه عديم الأثر في إقدامه عليه، وإلى هذا المعنى يشير قول من قال في الأصول: إن تكليف المكره بما أكره عليه محال، فإنه يفعل ما يفعله إجابة [لداعية] (٣) الإكراه، ودفعا للهلك عن نفسه، سواء وجد الأمر أم فقد (٤)، قالوا: وأما ولاية المال فهي ثابتة له - أيضا ـ، لكن القاضي ينصب عليه مشرفا يطالع أحواله، لكون المال مظنة الاختزال، بخلاف البضع فإن الخيانة فيه مأمونة (٥).

стр. 237

والجواب: قولهم: إن كمال نظره بموجب الطبع (١) يغني عن باعث من خارج. قلنا: العدالة على تجردها من أسباب النظر والقرابة كذلك، فإذا اجتمعا في شخص كان أتم [نظرا] (٢)، وليس بممتنع أن يأمر الشرع بفعل على وفق الطباع، كإفاضة النعم، واصطناع المعروف، وإنقاذ الهلكي، وجميع محاسن الأخلاق ومكارم العادات، فإنها مقتضى الطباع السليمة والنفوس الزكية، والشرع ورد بتقريرها، وأما تكليف المكره - إن صح - فهو ملجأ إلى الفعل، مدفوع إليه قهرا، بخلاف محل النزاع؛ فإن نظر الإنسان لولده وشفقته عليه ليس أمرا ضروريا، بل الآباء فيه على أقسام، فمن مشفق يحن على ولده، ومن معرض متوان، ثم المشفقون على مراتب من الزيادة والنقصان، فجاز أن يكون الأب قاصر الشفقة، فتفيده العدالة [كاملا] (٣)، ولهذا لم يستبد بولاية المال. قولهم: إن المال مظنة الاختزال. قلنا: والتزويج مظنة الإهمال، ولا فرق، إلا أن المال متعلق غرضه، والبضع يتوسل به إلى المال الذي هو متعلق غرضه في المهر وغيره.

стр. 238

[١٠٧] مسألة: المصابة بالسفاح يعتبر صريح نطقها في النكاح عندنا (١)، خلافا له، فإنه قال: تزوج تزويج الأبكار، فيكون إذنها الصمات (٢). ولهم في المشهورة بالزنا خلاف (٣). ومأخذ النظر: اختلاف الإمامين في تخريج مناط الحكم في حق البكر. فمعتقد الشافعي: أن الاكتفاء بالسكوت في حق البكر لم يكن مطلق الحياء الذي علق عليه صاحب الشريعة الحكم حياء البكارة، بدليل أن الحياء أمر باطن، يختلف ولا ينضبط، فكم من [ثيب] (٤) من بنات الكرام وذوات الفخر تستحيي، وكم من بكر وقحة لا تبالي بالرجال، ولا تستحيي من ذكر النكاح، وما كان [كذلك] (٥) لا يمكن أن يدار الحكم عليه، فيجب الرجوع فيه إلى ضابط الشرع، حتى لا ينخرم ويختل، وذلك هو البكارة التي هي مظنة الحياء غالبا، فهي السبب إذن، والحياء حكمة السبب، كالوطء مع الشغل، والسفر مع المشقة، وقد زالت البكارة، فيزول الحكم ولا يتبع المعنى، بقي أو زال، فإنه لا يعرف، ونظيره الصبي، فإنه لما كان مظنة الجهل

стр. 239

والغباوة، والبلوغ مظنة العقل والهداية، كان هو الضابط (١). وأبو حنيفة يقول: الحياء في حق البكر [هو] (٢) العلة دون البكارة؛ من حيث إنها تستحيي من النطق ذلك في حقها طبع وجبله؛ لما ينسب إليه من الوقاحة، وإظهار الرغبة في الرجال فتسوء سمعتها، وتظهر فضحيتها. قالوا: وكل حكم أمكن تعليله وجب تعليله، وقد أمكننا تعليل هذا الأصل بعلة ظاهرة محصلة، فيجب أن يكون المرعي عين العلة، لا محل العلة، كما قلتم ذلك في أموال الربا، فإنكم عللتم محل الحكم هو البر، [واستنبطتم] (٣) الطعم، ولم تقفوا على طعم البر، بل عديتم إلى كل مطعوم، وألقيتم وألغيتم المحل؛ إذ لا أثر له، والمحل لا يعتبر مع العلة إلا إذا كان محل العلة مكبرا للعلة ومقويا لها، كما قلنا في الزنا مع الإحصان، فإنه يعتبر للرجم المحل مع العلة. قالوا: فإذا ثبت أن الحياء في حق البكر هو العلة، وهو المرعي دون البكارة، فهذه الزانية حياؤها أعظم من حياء البكر وأفحش؛ لأنها إذا نطقت قيل: إنها زانية، فتشيع فاحشتها، فتظهر فضيحتها، فهي أولى من البكر في الاكتفاء بسكوتها (٤). وهذا كله مدفوع بما ذكرناه في تقرير مأخذنا.

стр. 240

[١٠٨] مسألة: لا ينعقد النكاح بشهادة فاسقين، أي بحضورهما عندنا (١). وقال أبو حنيفة ﵀: ينعقد (٢). ومأخذ النظر: اختلاف الإمامين في (٣) الفاسق: هل له أهلية الشهادة أم لا؟، ومعنى الأهلية تصور قبول قوله في بعض الأحوال. فالذي ذهب إليه الشافعي: أن الفاسق ليس له أهلية الشهادة، بدليل أمور ثلاثة: * أحدها: علمنا بأن الأولين من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا؛ من الحكام والقضاة والولاة كانوا يبحثون عن أحوال الشهود، ويسألون عن بواطنهم، وعن النقير (٤) والقطمير (٥)، ويبعثون أصحاب المسائل، ولولا أن العدالة شرط لما أجمعوا على اعتبارها، والسؤال عنها (٦). * الثاني: قيام التهمة، فإن السبب الذي هو مثار التهمة منشؤها قائم في حقه، وهو الفسق؛ الذي تابع فيه هواه، ولم ينظر في عقباه، مال إلى

стр. 241

شهواته ولذاته، وباع آجله بعاجله، ولا يؤمن كذبه [وفجوره] (١)، اتباعا لأغراض نفسه، وإذا كان الأمر على ذلك؛ وجب ألا تقبل شهادته - وإن غلب على الظن صدقه -؛ لقيام سبب التهمة، ألا ترى أن الأبوة لما كانت سببا يوجب التهمة في ميله إلى الولد لا تقبل شهادته وإن غلب على الظن صدقه؛ نظرا إلى الضابط وبالعكس، وهذا العدل تقبل شهادته بكل حال وإن كانت الشهادة لأخيه أو صديقه، وربما مال إليهما، لكن لما كان الضابط الموجب لقبول الشهادة قائما، اعتبرناه، ولم يلتفت إلى الصور النادرة، والأحوال الشاذة، وقد تأيد ذلك برد روايته في الأخبار، مع مساهلتهم في الرواية دون الشهادة، [و] (٢) روعي فيها من الشروط والتأكيدات ما لم [يراع] (٣) في الروايات، من العدالة والحرية والذكورية، وإذا لم تقبل روايته مع أنه قد تسومح فيها، فشهادته أولى (٤). وأبو حنيفة يقول: له أهلية الشهادة؛ تمسكا بعموم قوله - ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشهود» (٥)، من غير ذكر العدالة (٦). ونحن نقول: هذا يعارضه قوله - ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي

стр. 242

«عدل» (١)، فإنه مقيد بالعدالة، والمطلق يحمل على المقيد، والخاص يقضى به على العام (٢). * الثالث: أن المعنى الذي لأجله اشترط حضور الشاهدين في النكاح توثيق العقد وحفظه، والاحتياط في إثباته وصونه عن التجاحد والتناكر؛ إذ هو عقد خطير شريف، قد ميزه الشرع عن سائر العقود؛ لما فيه من [حفظ] (٣) النسب ومراعاة الولد، والدليل على أن المقصود من الشهادة هذا أمران: أحدهما: أن الشرع شرع الشهادة في المداينات كما شرعها في المناكحات، ثم عقلنا المعنى هناك من شرع الشهادة، وهو [ما نبه] (٤) عليه الشرع، فقال: ﴿أن تضل إحدلاهما فتذكر إحدلاهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فبان أنه التوثق والإثبات عند التجاحد والإنكار، فكيف يفهم هذا المعنى في المداينات وينساه في النكاح؟، مع أن الشهادة في النكاح واجبة، وفي غيره مستحبة (٥). الثاني: نص أبو حنيفة ﵀ على أن نكاح المسلم بالمسلمة لا ينعقد بشهادة ذميين، ونكاح المسلم بالذمية ينعقد بشهادة ذميين، ولولا تفارق

стр. 243

الشهادتين في غرض الإثبات - فإن شهادة أهل الذمة مقبولة عنده على الذمية دون المسلمين - لما كان للفرق بين المسلمين [والذميين] (١) معنى، وهذا قاطع لا جواب عنه، وبه تبين فساد قولهم: إن [اشتراط] (٢) الشهادة في النكاح كان لغرض الإعلان والإظهار دون الإثبات، وإذا ثبت أن المعنى الموجب لاشتراط الشهادة هو الإثبات بطل الانعقاد بحضور الفاسقين لتعذر الإثبات بقولهما. فإن قالوا: عندنا يثبت بقولهما إذا غلب على ظن الحاكم صدقهما، [فإنه] (٣) يتخير في قبول شهادتهما عند غلبة الظن. قلنا: هذا هو الدليل على أنه ليس من أهل الشهادة؛ إذ لو كان كذلك لوجب على الحاكم الحكم بشهادته، ولا يتخير، كما في شهادة العدول، والله أعلم. [١٠٩] مسألة: لا ينعقد النكاح ولا يثبت بشهادة رجل وامرأتين (٤). [وقال] (٥) أبو حنيفة ﵀: ينعقد ويثبت (٦).

стр. 244

وليس من المأخذ قول الأصحاب: إن النكاح قد احتاط الشرع في بابه، وعز طريق إثباته، فلا يثبت بشاهد وامرأتين؛ فإن هذا يلزم عليه الطلاق؛ فإن الشرع ما احتاط في إثباته، بل هو سريع الثبوت، فكان ينبغي أن يثبت بشاهد وامرأتين. فإن قلنا: الطلاق مبغض، فلا يثبت بشاهد وامرأتين، بطل هذا بالعتاق، فإنه محبب إلى الله - تعالى -، مرغوب فيه، ولا يثبت - أيضا - بشاهد وامرأتين. [و] (١) الضابط ما ذكره الشافعي، فقال: كل حق ليس بمال ولا المقصود منه المال، وهو مما يطلع عليه الرجال على غالب الأحوال، كالنكاح، والطلاق، والرجعة، والفيئة، والوصية، والوكالة، وغيرها مما ليس بمال، ولا يقصد منه المال. ومأخذ النظر: ما ذكره الشافعي ﵀ فإنه قال: الأصل عدم قبول شهادة النساء وامتناعها، والدليل على أن هذا هو الأصل أنه لا يخلو، إما أن تكون أصلا في الشهادة، أو تبعا. قال: [فإن] (٢) قيل: هن أصول، فباطل؛ بدليل أنه لو اجتمع مائة منهن متمحضات لم تقبل شهادتهن على باقة بقل، ولو كن متأصلات لقبلت شهادتهن (٣).

стр. 245

وإن قيل: هن تبع، فباطل - أيضا -؛ لأن معنى [التبعية] (١) لا يتقرر في حقهن؛ لأن حد التابع: ما لا يستقل بحمل الحكم، وحد الأصل: ما استقل بحمل الحكم، وقد رأينا النساء يتبعن رجلا واحدا في الشهادة، والرجل الواحد غير مستقل بالشهادة؛ لأنه لا يستقل بحمل الحكم. إذا ثبت أنهن لسن تبعا ولا أصلا، دل أنه لا مدخل لهن في الشهادة، والأصل ألا تقبل شهادتهن، إلا أن الشرع ورد بـ[قبول] (٢) شهادتهن في الأموال؛ لمعنى وهو أن الأموال [تتنوع] (٣) طرق تحصيلها، أو تتعدد جهات استجلابها؛ لأن البياعات والمعاملات تتكرر في اليوم والليلة مرارا، وتكثر فيها المناكرات، والشرع أثبتها بشاهد وامرأتين، [وشاهد ويمين] (٤) على أصلنا توسعة في طرق إثباتها؛ للحاجة الداعية إلى ذلك، بخلاف النكاح وغيره فإنه يندر. وقال أبو حنيفة: شهادة النساء شهادة أصلية، بدليل وجوب العمل بها مع القدرة على شهادة الرجال وقصورها عن كمال الحال، قالوا: وما جبلن عليه من الغفلة والنسيان فقد جبر بالعدد، وقد نبه الشرع عليه بقوله - تعالى -: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحدتهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. الجواب: قد بينا أن الأصل عدم قبول شهادة النساء؛ لخلوهن عن رتبة

стр. 246

الاستقلال، ورتبة الاتباع. وأما قبول شهادتهن مع القدرة على شهادة الرجال؛ [فكان] (١) لما ذكرناه من توسيع طرق الإثبات في باب الأموال؛ للحاجة الداعية إلى ذلك، فلو قيدنا القبول بالعجز عن شهادة الرجال، لعاد التوسيع تضييقا. * قولهم: إن ما [فيهن] (٢) من الغفلة والنسيان يجبر بزيادة العدد. قلنا: فكان ينبغي أن تعدلوا في الجانب الآخر، فتقبلوا شهادة أربع على انفراد في الأموال، وأن تقبلوا في الزنا [بشهادة] (٣) رجلين وأربع نسوة، فلما لم يطرد ذلك دل أنه كان لعدم أهليتهن. [١١٠] * مسألة: لا يجوز للابن أن يزوج أمه بحكم البنوة عندنا (٤). خلافا له، فإنه قال: يزوج، وزاد على هذا، وقال: يقدم الابن على الأب في الولاية لا تكون سالبة لها؛ فإنه يجوز أن يزوجها إذا كان حاكما، أو كان ابن عمها، أو كان مولى لها، وعند أبي حنيفة يزوجها بكل حال (٥). واعلم أن الخلاف في هذه المسألة لا يتصور إلا في المجنونة فإن

стр. 247

العاقلة الرشيدة لو أذنت لأجنبي في تزويجها صح عندهم، فضلا عن الابن، ولا يتصور - أيضا - فرضه في الضمان؛ فإن الضمان إنما يكون مع البكارة، وذلك محال في حق الابن (١). ومأخذ النظر: أن أصل ولاية الإحكام والإجبار يأباه القياس على ما قررناه في مسائل الإجبار، من حيث إنه ضرر ناجز في الحال لتحجج موهوم في ثاني الحال، فأي قياس يهدي إلى أن يتحكم زيد على عمر، ويصير المحتكم عليه مسترقا مستهانا لا خلاص له ولا مناص؟، إلا أن الشرع استثنى من هذا الأصل [معاني] (٢) توجد فيه ولا توجد في غيره، من كمال الشفقة، ووفور النظر، وآداب النفس في تحصيل الأحظ الأغبط للولد، والابن لا يساوي الأب في ذلك؛ فإن ولاية النكاح منصب تقتضيه رتبة الأصل لا رتبة الفرع، من حيث إنه مستفاد بالتعصيب والشفقة، والابن وإن كان له تعصب، لكنه لا شفقة له على أمه، ولا [يتعير قط بتعيير] (٣) أمه، ولا تمسه دناءتها، ولا يصير شريفا بشرفها، ولا عاميا بعاميتها، إذ الانتساب إلى الآباء، والأمهات أوعية، كما قال الشاعر: وإنما أمهات القوم أوعية … مستودعات وللأحساب آباء (٤) وقد يكون شريفا والأم رقيقة، ولهذا نقول: لو اجتمع أخوان، أحدهما شريف من الأبوين، والآخر أمه رقيقة، كانا سواء في الكفاءة، وإذا كان لا

стр. 248

يلحقه عارها لم يكن وليها (١). فإن قالوا: هذا ملغي بالحاكم والمولى المعتق، فإنه [يتولى] (٢) التزويج وإن لم يلحقه عار. قلنا: أما الحاكم كما يلزمنا على تعليلنا يلزمكم على تعليلكم؛ فإنكم تعللون بالعصوبة، والحاكم ليس بعصبة، فإن قلتم: إنما نولي لأجل الحاجة والضرورة؛ لأن ولايته ولاية حاجة. قلنا: هذا عندنا - أيضا -، إنما نولي الابن وإن لم يلحقه عار؛ لأجل الضرورة. وأما المعتق فيلزم على قياس مذهبكم - أيضا ـ، فلم زوج وليس بقريب؟. ثم نقول: المعتق له قرابة شرعية، قال - ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب» (٣)، وقال ﷺ : (مولى القوم منهم) (٤)، فقدرنا عارا على قدر تلك

стр. 249

القرابة؛ لأن مولى القوم إذا كان منهم؛ لحقهم عاره. ومأخذ الخصم: أن الولاية مبناها على قوة [العصوبة] (١)، وإذا كان الابن مقدما على الأب في العصوبة، حتى يصير معه صاحب فرض، وجب أن يكون مقدما عليه في الولاية. ونحن نقول: هذا طرد محض؛ إذ لا معنى للعصوبة إلا حيازة المال بعد الموت، وحيازة المال بعد الموت لا يناسب الأحكام في حال الحياة، وربما تعلقوا بما روي عن النبي ﷺ - أنه قال لعمر بن [أبي] (٢) سلمة ﵁: «قم يا غلام فزوج أمك من رسول الله ﷺ » (٣)، فإنه نص. قلنا؛ لأنه كان [ابنا] (٤) لابن عمها، فكانا يتجهان في مخزوم، إلى أن

стр. 250

نكاح رسول الله ﷺ لا يحتاج إلى ولي؛ لأن الولي يراد لتحصيل الكفء، ورسول الله ﷺ أكفأ الأكفاء، وبه شرف الأولون والآخرون (١). [١١١] مسألة: أحد الأولياء المتساويين في الدرجة إذا زوج موليته من غير كفء برضاها، لا يصح العقد عندنا، على القول المنصور في الخلاف والأظهر. والقول الثاني: أنه يصح، ولا يلزم؛ حتى يثبت لباقي الأولياء حق الاعتراض (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: العقد يصح، ويلزم، وليس لأحد من الأولياء الاعتراض (٣). واعلم أن الخلاف في هذه المسألة لا يتصور إلا في ولاية الاستثمار؛ فإن المجبر يتجدد في كل حال، والإخوة والأعمام لا يجبرون الصغير والصغيرة عندنا، فصورة الخلاف: ما إذا زوجها أحد الإخوة مثلا ممن لا يكافئها برضاها (٤). ومأخذ النظر: أن الكفاءة عندنا حق ثابت لكل واحد من الأولياء على الكمال، من حيث [إن] (٥) السبب هو الأخوة مثلا، ولكل أخ يدلي
следующие страницы →