← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الاستقلال، ورتبة الاتباع. وأما قبول شهادتهن مع القدرة على شهادة الرجال؛ [فكان] (١) لما ذكرناه من توسيع طرق الإثبات في باب الأموال؛ للحاجة الداعية إلى ذلك، فلو قيدنا القبول بالعجز عن شهادة الرجال، لعاد التوسيع تضييقا. * قولهم: إن ما [فيهن] (٢) من الغفلة والنسيان يجبر بزيادة العدد. قلنا: فكان ينبغي أن تعدلوا في الجانب الآخر، فتقبلوا شهادة أربع على انفراد في الأموال، وأن تقبلوا في الزنا [بشهادة] (٣) رجلين وأربع نسوة، فلما لم يطرد ذلك دل أنه كان لعدم أهليتهن. [١١٠] * مسألة: لا يجوز للابن أن يزوج أمه بحكم البنوة عندنا (٤). خلافا له، فإنه قال: يزوج، وزاد على هذا، وقال: يقدم الابن على الأب في الولاية لا تكون سالبة لها؛ فإنه يجوز أن يزوجها إذا كان حاكما، أو كان ابن عمها، أو كان مولى لها، وعند أبي حنيفة يزوجها بكل حال (٥). واعلم أن الخلاف في هذه المسألة لا يتصور إلا في المجنونة فإن

стр. 247

العاقلة الرشيدة لو أذنت لأجنبي في تزويجها صح عندهم، فضلا عن الابن، ولا يتصور - أيضا - فرضه في الضمان؛ فإن الضمان إنما يكون مع البكارة، وذلك محال في حق الابن (١). ومأخذ النظر: أن أصل ولاية الإحكام والإجبار يأباه القياس على ما قررناه في مسائل الإجبار، من حيث إنه ضرر ناجز في الحال لتحجج موهوم في ثاني الحال، فأي قياس يهدي إلى أن يتحكم زيد على عمر، ويصير المحتكم عليه مسترقا مستهانا لا خلاص له ولا مناص؟، إلا أن الشرع استثنى من هذا الأصل [معاني] (٢) توجد فيه ولا توجد في غيره، من كمال الشفقة، ووفور النظر، وآداب النفس في تحصيل الأحظ الأغبط للولد، والابن لا يساوي الأب في ذلك؛ فإن ولاية النكاح منصب تقتضيه رتبة الأصل لا رتبة الفرع، من حيث إنه مستفاد بالتعصيب والشفقة، والابن وإن كان له تعصب، لكنه لا شفقة له على أمه، ولا [يتعير قط بتعيير] (٣) أمه، ولا تمسه دناءتها، ولا يصير شريفا بشرفها، ولا عاميا بعاميتها، إذ الانتساب إلى الآباء، والأمهات أوعية، كما قال الشاعر: وإنما أمهات القوم أوعية … مستودعات وللأحساب آباء (٤) وقد يكون شريفا والأم رقيقة، ولهذا نقول: لو اجتمع أخوان، أحدهما شريف من الأبوين، والآخر أمه رقيقة، كانا سواء في الكفاءة، وإذا كان لا

стр. 248

يلحقه عارها لم يكن وليها (١). فإن قالوا: هذا ملغي بالحاكم والمولى المعتق، فإنه [يتولى] (٢) التزويج وإن لم يلحقه عار. قلنا: أما الحاكم كما يلزمنا على تعليلنا يلزمكم على تعليلكم؛ فإنكم تعللون بالعصوبة، والحاكم ليس بعصبة، فإن قلتم: إنما نولي لأجل الحاجة والضرورة؛ لأن ولايته ولاية حاجة. قلنا: هذا عندنا - أيضا -، إنما نولي الابن وإن لم يلحقه عار؛ لأجل الضرورة. وأما المعتق فيلزم على قياس مذهبكم - أيضا ـ، فلم زوج وليس بقريب؟. ثم نقول: المعتق له قرابة شرعية، قال - ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب» (٣)، وقال ﷺ : (مولى القوم منهم) (٤)، فقدرنا عارا على قدر تلك

стр. 249

القرابة؛ لأن مولى القوم إذا كان منهم؛ لحقهم عاره. ومأخذ الخصم: أن الولاية مبناها على قوة [العصوبة] (١)، وإذا كان الابن مقدما على الأب في العصوبة، حتى يصير معه صاحب فرض، وجب أن يكون مقدما عليه في الولاية. ونحن نقول: هذا طرد محض؛ إذ لا معنى للعصوبة إلا حيازة المال بعد الموت، وحيازة المال بعد الموت لا يناسب الأحكام في حال الحياة، وربما تعلقوا بما روي عن النبي ﷺ - أنه قال لعمر بن [أبي] (٢) سلمة ﵁: «قم يا غلام فزوج أمك من رسول الله ﷺ » (٣)، فإنه نص. قلنا؛ لأنه كان [ابنا] (٤) لابن عمها، فكانا يتجهان في مخزوم، إلى أن

стр. 250

نكاح رسول الله ﷺ لا يحتاج إلى ولي؛ لأن الولي يراد لتحصيل الكفء، ورسول الله ﷺ أكفأ الأكفاء، وبه شرف الأولون والآخرون (١). [١١١] مسألة: أحد الأولياء المتساويين في الدرجة إذا زوج موليته من غير كفء برضاها، لا يصح العقد عندنا، على القول المنصور في الخلاف والأظهر. والقول الثاني: أنه يصح، ولا يلزم؛ حتى يثبت لباقي الأولياء حق الاعتراض (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: العقد يصح، ويلزم، وليس لأحد من الأولياء الاعتراض (٣). واعلم أن الخلاف في هذه المسألة لا يتصور إلا في ولاية الاستثمار؛ فإن المجبر يتجدد في كل حال، والإخوة والأعمام لا يجبرون الصغير والصغيرة عندنا، فصورة الخلاف: ما إذا زوجها أحد الإخوة مثلا ممن لا يكافئها برضاها (٤). ومأخذ النظر: أن الكفاءة عندنا حق ثابت لكل واحد من الأولياء على الكمال، من حيث [إن] (٥) السبب هو الأخوة مثلا، ولكل أخ يدلي

стр. 251

بأخوة كاملة، وليس يقف كمال أخوته على أخ آخر، فإذا أسقط أحد الشخصين لا يوجب إسقاط الآخر، كحق الشفعة، فإنه لما ثبت لكل واحد بسبب يدلي به من ملكه، كالثلث والربع؛ جميعه، وكذلك القصاص المتعدد، فإنه إذا ثبت لكل واحد قصاص كامل، ثم إن أحدهم أسقط حقه، لا يسقط حق الآخر (١). وقال أبو حنيفة ﵀: [الثابت] (٢) لجميعهم حق واحد لا يتجزأ، بدليل أن الثابت للإخوة عند فقد الأب ما كان ثابتا للأب عند وجوده؛ لأن إدلاءهم إلى الأخت بواسطة الأب لا بأنفسهم، وقربهم لا يزيد على قرب الأب، ثم الثابت له وهو يدلي بنفسه واحد، فكيف تثبت لأبعاضه المدلين به أعداد من الحق، فيزيد حقهم على حقه؟ (٣). والجواب نقول: الاتحاد والتعدد في الحق لا يعرف باتحاد المستحق وتعدده، ولا باتحاد المحل وتعدده، وإنما يعرف باتحاد السبب وتعدده، ولذلك يستحق على الشخص الواحد قصاصان، والمحل متحد، وقد يستحق الشخص الواحد [قصاصا] (٤) بسببين مختلفين على شخص واحد. وإذا تقرر ذلك، فنقول: قد بينا أن السبب متعدد، وهو الأخوة، وكل

стр. 252

أخ يدلي بأخوة كاملة، وجد الأخ أو عدم، فهي علة كاملة في الاستحقاق، فإن أدلى به شخص واحد كمل حقه، وإن أدلى به جماعة تعددت النسبة؛ فيتعدد الحكم، كالشركة، فإنها علة استحقاق الشفيع، ثم تتعدد بتعدد الشريك، وتتحد باتحاده، وخرج على هذا القصاص المتحد إذا أسقط أحد الورثة حقه؛ فإن السبب هناك متحد (١). [١١٢] مسألة: الولي الأقرب إذا غاب غيبة منقطعة، لم يكن للأبعد التزويج، بل القاضي ينوب عن الغائب (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: تنتقل الولاية إلى الأبعد، ويفوض التزويج إليه (٣). والغيبة المنقطعة عندنا: مسافة القصر (٤). وعندهم: المسافة التي لا تقطعها القوافل في السنة أكثر من مرة واحدة (٥). واعلم أن الخلاف في هذه المسألة لا يتصور إلا في ولاية الإجبار، أعني في حق الأب والجد خاصة بالنسبة إلى الصغيرة؛ لأن غير الأب والجد

стр. 253

ليس له ولاية [على] (١) الصغائر عند الشافعي، والعاقلة البالغة لا ولاية عليها عندهم. ومأخذ النظر: أن الغيبة عندنا لا تخرج الأقرب عن كونه وليا، بدليل الحكم والمعنى. أما الحكم [فهو] (٢) أنه لو زوجها في مكانه صح تزويجها، ولو زوجها وكيله الحاضر صح، وإذا تصرف في مالها بعد الغيبة المنقطعة صح. وأما المعنى [فهو] (٣) أن أسباب الولاية مطردة، من قرب للقرابة، والعدالة، وكمال [الأهلية] (٣) الكاملة، والشفقة الكامنة، والحسنة الحاملة، ولم تكن ولايته ثابتة لعدم الغيبة، بل لصلاحيته بهذه الأوصاف (٤). وأبو حنيفة يقول: زالت ولايته بالغيبة المنقطعة؛ لأن المقصود بهذه المعاني المذكورة النظر في مصلحتها، وذلك يبنى على معرفة الأحوال، والمعرفة تستفاد بالبصير (٥) حال الحضور، وبالسماع والاشتهار عند الغيبة، ومهما انقطعت الرفاق اندرست الأخبار إلا على ندور؛ فينقطع النظر؛ لتعذر رعاية المصلحة، وهذا باطل بما ذكرناه من دلالة الحكم والمعنى (٦).

стр. 254

[١١٣] * مسألة: لا ينعقد النكاح إلا بلفظ التزويج والإنكاح، أو معناهما الخاص، بكل لغة عندنا (١). وقال أبو حنيفة: ينعقد بلفظ الملك، والبيع، والهبة، وكل لفظ دل على الملك (٢). ومأخذ النظر: اختلاف الفريقين في حقيقة المعقود عليه في النكاح؛ فإنه أغمض ما يطلع عليه. وقد اضطربت فيه مسالك الفقهاء؛ لاختصاصه بأنواع من العجائب، وفنون من الغرائب، وخصائص، ومزايا لا توجد في غيره، فإن فيه الطلاق، والظهار، والإيلاء، واللعان، والخلع، والرجعة، وهو سبب للميراث كالقرابة، وهذه خصائص لا تعرب عنها العبارات [الموضوعة] (٣) لسائر العقود. ولفظ الإنكاح والتزويج لا ينبئ عنها بوضع اللغة، وإنما ورد الشرع به؛ فاتبعنا مورد الشرع، ولم نعقل معناه حتى نعديه إلى غيره، فإن مقصود النكاح إنما هو السكن والازدواج، والاشتباك والامتزاج، والتواصل والتناسل، وهذا عقد [مخصوص] (٤) وضع على هذا الوجه، وإنما ألحق غير المنصوص بالمنصوص بعد فهم المعنى في موضع النص، فإذا لم يعقل فيه

стр. 255

معنى اقتصرنا على موضع النص، ولا نتعداه إلى غيره كما في لفظ الشهادة، وهذا بخلاف الطلاق، فإنه رفع للخاصية، فيكون فيه أدنى خيال، والعقد جلب للخاصية، فلا بد من لفظ يحوي المقصود. إذا تقرر ذلك فنقول: الذي قطع به أصحاب الشافعي عن آخرهم: أن المعقود عليه في النكاح هو المنفعة. وأصحاب أبي حنيفة يختلفون في ذلك، والذي عليه أكثرهم؛ أن المعقود عليه في النكاح هو عين المرأة وذاتها، وقد استحسن بعض المتأخرين منهم ذلك (١)، فقال: المعقود عليه في حكم عين. والذي يدل على أن المعقود عليه هو المنفعة: أن المعقود عليه في كل عقد ما هو المقصود المبتغى من ذلك العقد، وقد رأينا [أن] (٢) المقصود المبتغى من عقد النكاح المنفعة والاستمتاع، وهو الذي يقصد الزوج منها، فإنه لو قيل له: [تملك] (٣) عينها؛ قال: لا بل المنفعة، وكذلك الولي إنما يقصد منفعتها، وإلا فالعين حرة لا تقبل التمليك؛ فإن الحرية في الملك، فيستحيل أن تملك. وإذا ثبت أن المقصود هو المنفعة [كانت هي المعقود عليها] (٤)، ألا ترى أن البيع لما كان المقصود فيه العين [ … ... .] (٥)، كان المعقود عليه

стр. 256

[عينا] (١) تنشأ منها المنفعة، وبهذا المعنى فارق البيع الإجارة؛ فإن الإجارة لما كان المقصود منها مجرد المنفعة قلنا: هو المعقود عليه في الإجارة، و [هذا] (٢) أصل يطرد في سائر العقود. فإن قالوا: إذا كان معقود النكاح هو المنفعة، فكان ينبغي أنه إذا صرح وقال: ملكتك منفعتها أن ينعقد؛ لأنه صرح بالمقصود، وما كنى. قلنا: لا ينعقد؛ لما بيناه من أن النكاح ليس فيه ملك، بل حكمة الزوجية الشرعية، وكيف يقدر ملك الزوج في المرأة والمنفعة مشتركة بينهما؟. فإن قالوا: إذا دللتم على أن النكاح ليس فيه ملك، وكان ينبغي إذا قال: لا ملك لي عليك ألا يقع الطلاق؛ لأنه ما أزال ملكا؟. قلنا: الطلاق حل وتحريم، فيكفي فيه أدنى خيال من مشابهة الزوال، ولهذا يقع اللفظ الفاسد، والكنايات البعيدة، فإنه لو قال: طلقتك نصف طلقة وقع، أو طلقتك في شهر في جميع النهار. فإن قالوا - وهو كلام لين سهل -: التعبير (٣) عن الشيء باسم ما يؤول إليه مجاز شائع في اللغة، ومسألتنا من هذا القبيل؛ فإن ملك الرقبة يؤول إلى ملك المنفعة، وهو سبب فيه، فإذا قال (٤): ملكتك بنتي؛ فقد تعرض للسبب الذي يفيد ملك المنفعة، فينبغي أن يصح.

стр. 257

* قلنا: باطل من وجهين: أحدهما: أن ملك الرقبة إنما يؤول إلى ملك المنفعة في محل قابل للملك، وقد بينا استحالة ملك الحقيقة، وإذا استحالت الحقيقة استحال المجاز المبني عليها. الثاني: إن ذلك باطل بما إذا قال: ملكتك منفعة بنتي، فإنه لا ينعقد به مع التصريح المقصود. وربما تمسكوا بنكاح رسول الله ﷺ ، واتخذوه مأخذا لمذهبهم (١)، وقالوا: خالفتم نص الكتاب، وقوله - تعالى -: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي﴾ [الأحزاب: ٥٠]. * قلنا: المراد بقوله: ﴿وهبت﴾ أنها زوجت نفسها من النبي ﷺ بلفظ الهبة، إنما المراد بذلك أنها أذعنت وانقادت لأمر الرسول ﵇، والدليل على ذلك: أنه لما آل الأمر إلى العقد قال: ﴿إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ولم ينقل عن النبي ﵇ أنه عقد نكاحا قط بمباشرة امرأة. * فإن قالوا: فما معنى قوله: ﴿خالصة لك﴾ [الأحزاب: ٥٠]؟. * قلنا: وما معناه عندكم؟، وإن تقولوا (٢): لا يختص بعدل. قلنا: هذا تأويلنا (٣).

стр. 258

[١١٤] مسألة: السيد لا يملك تزويج عبده البالغ إجبارا، على القول الجديد، وهو الصحيح عندنا (١). خلافا لهم (٢). ولنا في إجبار العبد الصغير طريقان: منهم من قال: فيه قولان، كما في الكبير. ومنهم من قال: يجوز إجباره، قولا واحدا (٣). ولا خلاف في إجبار أمته (٤). ومأخذ النظر: بتنقيح مناط الحكم في إجبار الأمة. فمستند إجبارها عندنا: أن مورد عقد النكاح منفعة البضع، وهي مملوكة من الأمة دون العبد، فله نقلها، وتمليكها. وعندهم: ملك العين، وذلك موجود في العبد. وقد استقصينا تقرير المأخذين في المسألة السالفة.

стр. 259

وربما عللوا الإجبار باستصلاح المال، وقاسوا على الفصد، والحجامة، وشرب الدواء. وهو فاسد؛ فإن الاستصلاح إنما يحصل بطريق الوطء، وهو غير مجبر عليه، بل هو قادر على الطلاق، بخلاف الفصد، والحجامة، وشرب الدواء؛ فإن الاستصلاح يتحقق بغير ذلك. وربما جعلوا مأخذ الإجبار الولاية على العبد، وقالوا: أجمعنا على أن [السيد] (١) بعد العتق له ولاية على المحل لأثر من آثار ملكه، فلأن يكون له ولاية بحقيقة الملك أولى (٢) قلنا باطل من وجهين أحدهما: أن السيد لا يتصرف في العبد طلبا لمصلحة العبد، وإنما يتصرف طلبا لمصلحة نفسه، وما يحصل من مصلحة العبد فلا يحصل به؛ إذ لا يوجد في حقه كمال منفعة تعود إلى ذاته. [وأما] (٣) ثبوت الولاية بعد العتق، فلا نسلم أن ذلك أثر من آثار الملك، بل ذلك بسبب تجدد، وهو الإعتاق والإنعام؛ فإنه أخرجه من [حكم] (٤) العدم إلى الوجود، قال الله - تعالى -: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله

стр. 260

عليه وأنعمت عليه﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أي أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالإعتاق، فسماه بالإنعام، وذلك يقتضي ثبوت ولايته عليه، وأما أن يقال بحكم أثر من آثار الملك فكلا؛ إذ الملك لم يبق له أثر أصلا. الثاني: أنه لا سبب لهذه الولاية إلا ملك الرقبة (١)، ولا أصل يقاس عليه سوى الأمة، وقد سبق الفرق بينهما بما أغنى عن الإعادة (٢). [١١٥] مسألة: نكاح الأخت في عدة الأخت البائنة جائز عندنا (٣). وقال أبو حنيفة: لا يجوز (٤). وهكذا الخلاف في نكاح أربع سواها (٥). ومأخذ النظر: تعرف حكم الآية المجيز للجمع (٦) بين الأختين، فإن الله - تعالى - ذكر الجمع، ولم يذكر المجموع. فهو عند الشافعي محمول على الجمع بين الأختين. وعند أبي حنيفة الجمع بينهما في الوطء.

стр. 261

ويدل على صحة ما ذهب إليه الشافعي، وبطلان ما صار إليه الخصم أمران: أحدهما: دلالة نظم الكلام، فإن (١) الله - تعالى - ذكر المحرمات في النكاح، وعطف الجمع بين الأختين على تحريم ذوات المحارم في النكاح، والظاهر مشاركة المعطوف للمعطوف عليه في الحكم. الثاني: أن تحريم الجمع في النكاح مراد بالإجماع (٢)، فلو جعلنا غيره مرادا لزم منه: إما الإجمال والإبهام على أحد التقديرين، أو تعميم المضمر على التقدير الثاني، وكل واحد منهما ممتنع على ما عرف في الأصول. ثم ما تخيلوه من تحريم الجمع في الوطء باطل؛ فإن الجمع في الوطء لا يتصور؛ لوقوعه متعاقبا. فإن قالوا: المراد بالجمع في الوطء: جمع مائه في رحم أختين، وهذا إذا تزوج أخت المعتدة، والمعتدة رحمها مشغول بمائه، فقد جمع ماءه في رحم أختين. قلنا: باطل بمسألتين: [إحداهما] (٣): إذا وطئ مستولدته التي أقر بحملها، فإنه يجوز له أن يتزوج بأختها في الحال ويطأها.

стр. 262

الثانية: أخت الأمة المعتقة في الاستبراء، إذا تزوجها ووطئها، فإنه جامع ماءه في رحم أختين، ولم يحرم. فإن قالوا: فقد قال ﷺ : «ملعون ملعون من جمع ماءه في رحم أختين» (١)، وروي - أيضا - عنه ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين» (٢). قلنا: تأويل الحديث: لا يجمعن ماءه إذا كان قادرا على الجمع والشغل، وذلك في ملك اليمين، بأن يكون في ملكه أختان، فيقدر على وطئهما، فيمنع من ذلك. أما في مسألتنا فلا يتصور؛ لأنه غير قادر على الجمع (٣) والشغل. فإن قالوا: معقول أشار إليه صاحب الشرع حيث قال: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا (٤) الصغرى على الكبرى،

стр. 263

ولا الكبرى على الصغرى، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامهن» (١). فعقلنا المعنى؛ وأن ذلك مما [ينمي] (٢) العداوة والنقصان والمضاغنة والمغايظة؛ المفضية إلى قطيعة الرحم التي نهى الشرع عنها، قالوا: وهذا المعنى موجود في التزويج حال قيام العدة؛ فإنه يؤدي إلى مغايظة الأخت؛ لأنها تأخذ زوجها وبيتها. قلنا: ليس المحرم مطلق المغايظة إجماعا، بل المغايظة جارية (٣) في النكاح، بدليل ما إذا تزوج أختها، ثم طلقها في مجلس العقد، وعقد على أختها في الحال؛ فإن هذا يؤدي إلى مغايظتها، سيما إذا كان بسؤال أختها وبذلها الأموال له، ثم لا يمنع من نكاح أختها. وإذا ثبت أن المحرم هو المغايظة الجارية في النكاح، فتلك غير [موجودة] في مسألتنا؛ فإن المعنى الموجب لها هو التزاحم على مقصود

стр. 264

النكاح، والاجتماع في أمور خاصة من القسم، [والبيتوتة] (١)، وهذه الأمور قد زالت بالبينونة بالطلاق الثلاث، فانتفت المغايظة المحرمة. فإن قالوا: العدة خلف عن النكاح؛ من حيث إنها من حقوق النكاح وآثاره، وخلف الشيء يقوم مقامه. قلنا: لا نسلم أن العدة خلف النكاح، فإن العدة عندنا موجب شغل الرحم بالماء المحترم، لا موجب النكاح، وكذلك تثبت في الوطء بالشبهة، ولا تجب عند عدم الدخول، وتتقدر بالأقراء دون الأشهر، بخلاف عدة الوفاة، ثم وإن سلمنا أنها موجب النكاح وأثره، لكن [لم] (٢) قلتم إنها تقوم مقام الحقيقة، ألا ترى أن بعد انقضاء العدة تبقى محرمة على الزوج وابنه، وتدوم حرمة المصاهرة عليها، ثم لا يقال: هذا أثر النكاح، فليدم بسببه المنع من الجمع، الذي هو موجب نفس النكاح. واعلم أن حق النظر في هذه المسألة من جانبنا: أن نعتمد على التمسك باستصحاب الحال الثابت في حق هذه الأخت، بأن نقول: الأصل في حقها الحل إلى أن يتجدد مانع، ويستدل عليه بعموم اللفظ والمعنى. أما اللفظ فقوله - تعالى -: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤]، ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]، والمعنى هو أن كل أجنبية ليست بمحرم، فهي على الحل، وهذا الرجل في حقها من أهل الحل، فيتمسك بهذا

стр. 265

الأصل، إلا أن يدعي الخصم وجود مانع، فنطالب بتحقيقه، ومتى لم يسلك المعلل الشافعي هذا الطريق، واشتغل ببيان انتفاء النكاح في حق الأخت البائنة، أفضى به إلى الانقطاع؛ لأنه إذا قال: المحرم هو النكاح، والنكاح قد زال؛ قال له الخصم: هب أن النكاح قد زال، لم قلتم [بأن] (١) لا محرم سواه؟، ولم لا يجوز أن يكون ثم سبب آخر يخلف النكاح ويحرم؟، وكل ما ذكر سببا قد زال بقول الخصم، أم لا يجوز أن يكون ثم خلف آخر، فلا يمكنه الاستدلال بهذه الطريق، وسره في الأصول: أن حاصله يرجع إلى الاستدلال بنفي العلة على نفي الحكم، وذلك باطل إلا في صورة يقع الاتفاق على أن علة الحكم واحدة، فيكون الحكم حينئذ نتيجة تلك العلة لا غير، فإذا زالت العلة زال حكمها ضرورة، أما إذا جاز أن يكون هناك علة أخرى لذلك الحكم، فكيف يستدل بنفي علة من العلل على نفي الحكم مطلقا؟!، ومثال ذلك قول القائل: لم يغصب؛ فلا يجب [عليه] (٢) الضمان، فيقال له: هذا باطل؛ لأنه يجوز أن يكون الضمان واجبا بسبب آخر غير الغصب، بل لو قال: لم يغصب، فلا يجب عليه ضمان الغصب، كان ذلك صحيحا؛ لأن علة ضمان الغصب هو الغصب، دل أن الاعتماد على الطريقة التي ذكرناها، وأن الأصل في حقها الحل إلى أن يتجدد مانع (٣).

стр. 266

[١١٦] • مسألة: الزنا لا يوجب تحريم المصاهرة عندنا (١)، خلافا لهم (٢). وصورة المسألة: أن يزني بامرأة؛ فلا يحرم عليه عندنا أن يتزوج بأمها أو ابنتها، وكذا لا يحرم على الموطوءة أصول الواطئ وفروعه، وعنده تحرم (٣). وللمسألة مأخذان: * أحدهما: اختلاف الفريقين في مسمى النكاح في قوله - تعالى -: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٢]. فأبو حنيفة حمله على الوطء، وقال: النكاح في اللغة عبارة عن الوطء؛ فيجب أن يحمل على موضعه إلى أن يوجد الدليل المغير؛ لأن الكلام بحقيقته إلى أن يقوم دليل المجاز، قالوا: وقد ورد في الشرع بمعنى الوطء، قال الله - تعالى -: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وحيث ورد في الشرع بمعنى العقد؛ فلأجل أنه سبب للوطء، فعبر بالسبب عن المسبب (٤). والشافعي يقول: معناه العقد؛ [فإنه] (٥) لم يرد في الشرع مطلقا إلا

стр. 267

وأريد به العقد، قال ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشهود» (١)، ويقال: حضرنا نكاح فلان، وإنما يراد العقد، فإذا أطلق من الشرع؛ وجب صرفه إلى المعهود الشرعي، [وأما] (٢) [حمله] (٣) في بعض المواضع على غير العقد، فلدليل (٤) [كما في] (٥) قوله - تعالى -: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وإنما حمل على [الوطء] (٦) بدليل خبر رفاعة (٧)، فإنه قال ﷺ : «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟، لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» (٨)، وصار كلفظ الصلاة، فإنها عند الإطلاق تنصرف إلى المعهود الشرعي، وهو الأفعال المخصوصة، وإن جاز أن تحمل في بعض المواضع على الدعاء، كما في قوله - تعالى -: ﴿إن الله وملتكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وروي

стр. 268

«أن النبي ﷺ صلى على آل أبي أوفى» (١)، أي: دعا. إنا لا نسلم أن لفظ النكاح مجاز في العقد؛ فإن العرب كانت تستعمله في الوطء والعقد، بدليل أن النكح والنكح لغتان كانت العرب تتزوج بها، وكان يقال [لأم] (٢) خارجة (٣) عند الخطبة: خطب، فتقول: نكح، حتى قالوا: أسرع من نكاح أم خارجة، وقال الشاعر: لصلصلة اللجام برأس طرف … أحب إلي من أن تنكحيني (٤) أي: تتزوجيني (٥). المأخذ الثاني - وهو المأخذ الفقهي -: أن تحريم المصاهرة عندنا ثبت

стр. 269

تبعا للمحرمية، من حيث إن النكاح يفضي إلى اشتباك البيوت، وتداخل العشائر، وولوج بعضهم على بعض؛ وذلك أن الرجل إذا تزوج امرأة، وضرب عليها الحجاب، ووكل بها رقباء غيرة؛ دعت الحاجة إلى دخول أمها وابنتها عليها، فإن قلنا: لا يدخلون أدى إلى حرج وضيق وكرب ينافي الوصلة المطلوبة بالنكاح، وإذا اعتادوا عز الاحتجاب رفع الشرع من بينهم، رفع الحجاب وأثبت جواز النظر؛ تيسيرا وتسهيلا عليهم وبعد أن جوزوا النظر لو [وقع] طمع البعض عن البعض؛ لأدى إلى الوقوع في المحذور، والنفس أمارة بالسوء، فلا تؤمن خيانات البصر [ولا خاطر] (١) الفكر، فينزع الشارع الشهوة من قلوب الرجال والنسوان بإثبات الحرمة المؤبدة؛ فإن من علم أنه لا سبيل له إلى الوصول إليها انقطع طمعه الحلال عن الحرام، فأثبت الشرع تحريم المصاهرة تبعا للمحرمية، فقال: لك (٢) النظر إليها، مع قطع طمعك عن نكاحها؛ فإنها أمك، وبنتها بنتك، فصاروا على الحقيقة كذوات محارمه، ينظر إليهن ولا يطمع في نكاحهن؛ لأن للقضايا الشرعية [وقعا] (٣) في نفوس المتدينين (٤)، وهذا المعنى معدوم في الزنا - أعني حاجة التزاور والدخول - فانتفت المحرمية، وتحريم المصاهرة التي من توابعها (٥). وأبو حنيفة علل تحريم المصاهرة في الوطء المباح بالبعضية الحاصلة من الزوجين بواسطة الولد الذي ألحق من مائهما؛ فإن الولد بعض لكل واحد

стр. 270

منهما، فهما أصلا فرع واحد، والوطء يفضي إلى البعضية قطعا، وذلك لا يختلف بالحلال والحرام، فثبوته في الزنا كثبوته في الوطء الحلال. قالوا: ودليل [هذه البعضية] (١): قول عمر ﵁ حين سئل عن بيع أمهات الأولاد: «أبعد أن اختلطت لحومكم بلحومهن، ودماؤكم بدمائهن تريدون بيعهن؟!» (٢)، وشبهوا هذا بالرضاع المحرم، وهو إذا غصب لبن امرأة [وأوجره صبيا] (٣)، فإن المعتبر فيه وصول اللبن إلى الجوف دون صفة الفعل، وإلى هذا أشار محمد بن الحسن بقوله: وطء ووطء، [فأنى] (٤) يفترقان؟، قالوا: فيدل على تحريم المصاهرة في وطء الشبهة وملك اليمين مع انتفاء العقد (٥). والجواب: نقول دعوى [البعضية] (٦) لا وجه لها؛ فإنا لا نسلم أولا أن بين الوالد والولد بعضية، بل هي فضلة مستحيلة انفصلت عنه، كسائر الفضلات، أجرى الله مشئيته، فخلق الولد منها، وإن سلمت من الولد فمن أين يمكن دعواها بين الأبوين وهما شخصان مستقلان؟، وليس يلزم من كون الولد جزء كل

стр. 271

واحد منهما أن يكون كل واحد منهما جزء الآخر، كما لو قطعنا غصنين من شجرتين، واتخذنا منهما بابا، فإن الجزئية بين الغصن وشجرته، ولا جزئية بين الشجرتين، ثم الذي يقطع دابر هذا الكلام أن البعضية المحرمة في حق أم الموطوءة وابنتها إذا كانت مستفادة من الموطوءة ومتعدية إليهما بواسطتها؛ وجب أن تكون محرمية في حقها، [ولا] (١) يتصور أن يتعدى التحريم إلى أصولها وفروعها، فأما إذا لم يؤثر في غير محلها (٢). وأما الرضاع فالتحريم فيه مستفاد من النص، وليس معللا بمجرد [البعضية] (٣) عندنا، ثم دليل انتفاء [البعضية] (٣) ([مطلقا] (٤)؛ انتفاء النسب؛ فإنه عبارة عن حقيقة [البعضية] (٣)) (٥). وأما ثبوت تحريم المصاهرة في وطء الشبهة وملك اليمين، فيمنع على وجه للشيخ أبي إسحاق الإسفراييني (٦)، فإنه قال: لا يثبت تحريم المصاهرة

стр. 272

إلا في الوطء المباح في صلب النكاح، كالتحليل [والتحصين] (١) (٢)، وعلى التسليم نقول: إنما أثبتنا تحريم المصاهرة في هذه المواضع بدليل آخر، لا بهذه الآية، على أنا نعارض ذلك بما يهدم أصل مأخذكم، وذلك أن أبا حنيفة نص على أن الرجل إذا لمس أمرأة بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوة؛ حرم عليه [أمها] (٣) وابنتها، مع انتفاء الوطء المحرم عندكم، فبطل التعليل بالبعضية. فإن قالوا: اللمس [بشهوة] (٤) والنظر داعية إلى الجماع. قلنا: باطل؛ فإن سبب هذا حقيقة الوطء، وما وجد (٥). [١١٧] مسألة: إذا زنا بامرأة فأتت ببنت؛ لم يحرم عليه [التزوج] (٦) بها (٧). وقال أبو حنيفة ﵀: نكاح المولودة من الزنا حرام (٨). واعلم أن هذه المسألة فرع المسألة المتقدمة، فإن مأخذها إدارة الحرمة

стр. 273

على [البعضية] (١) الحقيقية عندهم، بناء على أنها مخلوقة من مائه، وماؤه جزؤه، فقالوا: تحريم هذه البنت تحريم مصاهرة؛ لأنها بنت من وطئها؛ [لأنها] (٢) بنته، فوضع الخلاف مع أبي حنيفة في هذه المسألة على هذا الوضع، أعني: نفي البيئة وإثباتها من الجانبين جهل بحقيقة المسألة. وقد استدلوا على اقتضاء [البعضية] (٣) التحريم؛ بمسألتين: إحداهما: ثبوت التحريم من جانب الأم في الزنا. الثاني: تحريم المنفية باللعان، مع أن الشرع قطع نسبها بالكلية. قالوا: ووجه مناسبة [البعضية] (٣) التحريم أن النكاح فيه إرقاق وإذلال للإنسان نفسه وبعضه، حتى لو استرق أمه وأباه وابنه وهم كفار؛ لم يرقوا، ولو اشتراهم عتقوا عليه (٤). والشافعي بناء مذهبه على أن قيام دليل الحل في حقها [هو] (٥): عمومات الكتاب والأخبار كلها، وانتفاء المانع المحرم، وهو النسب الشرعي، فقال: لا يثبت إليه؛ فلا يحرم عليه نكاحها، كسائر الأجانب، ودليل انتفاء النسبة انتفاء آثارها، من الميراث، والنفقة، وولاية الحضانة، والتزويج، والحرمان في الوصية فيما إذا أوصى لبنات فلان.

стр. 274

وما ذكروه من دعوى البعضية في حق الأب فقد أبطلناه في المسألة السالفة، والذي نزيد هنا أن نقول: تريدون بالبعضية حكم الشرع، أو حقيقة عقلية؟. إن أردتم حكما شرعيا فقد بينا انتفاء الأحكام كلها. وإن أردتم البعضية الحقيقية فباطل؛ لأن الولد ليس هو بعض الوالد حقيقة، وإنما يتحقق حقيقة [البعضية] (١) فيما كان متصلا بالإنسان اتصال خلقة، كأعضائه، وهذه الحقيقة غير موجوده هاهنا. فإن قالوا: هو مولود منه. قلنا: متولد من فضلة منه تقذفها الطبيعة، فلو جاز أن يقال: ما تولد من هذه الفضلة بعضه، لجاز أن يقال: كل حيوان تولد من فضلاته بعضه. فإن قالوا: الدليل على وجود البعضية: أن الولد ينزع إلى الوالد خلقا وخلقا وصورة، وهذا يدل على أنه بعضه. قلنا: قد يشبهه وقد لا يشبهه، فليس هذا بأمر مطرد، وإنما [الشبه] (٢) أمر يخلقه الله ابتداء؛ ترحما منه على العباد؛ [ليحصل] (٣) التحنن والشفقة على الأولاد. الجواب الثاني: سلمنا أن بينهم بعضية، لكن لم قلتم: البعضية محرمة؟.

стр. 275

* قولهم: إن الشرع حرم على الإنسان أن يستمتع ببعضه (١). قلنا: ولم يحرم عليه ذلك؟، وأي [شائبة] (٢) في البعضية تقتضي التحريم؟. * فإن قالوا كما قلنا في المنسوبة إليه. قلنا: المحرم هناك حكم الشرع، لا حقيقة البعضية. وأما ثبوت الحرمة من جانب الأم؛ فاعتبار ثبوت نسبها من الأم، وذلك مشكل علينا وعليهم؛ لأنه سبب الإرث والنفقة وسائر الأحكام مع قيام الزنا، والأخذ العدوان مناط النسب البعضية المحسوسة والمستندة إلى سبب شرعي، وهي من جانب الأم محسوسة؛ فإن النطفة تنفصل من الأب وهي فضلة، وليست بإنسانا، وينفصل الولد من الأم إنسانا، وكذلك يتبع الأم في الحرية والرق، ولا يتبع الأب، فالمعتبر من جانب الأب الفراش، ومن جانب الأم الانفصال المحسوس. وأما المنفية باللعان فلا نسلم أنها تحرم، فإن سلمنا فلوجود شبهة الانتساب، وكذا لو استلحقه يلحقه، وفي مسألتنا لو استلحقه لا يلحقه، فافترقا (٣).

стр. 276

[١١٨] مسألة: الأب إذا وطئ جارية ابنه فأحبلها؛ وجب عليه المهر والقيمة (١). [وقال] (٢) أبو حنيفة: يلزمه القيمة دون المهر (٣). وتفصيل المذهب: أنه إذا وطئ ولم يحبل وجب المهر، ولا يلزمه القيمة بحال؛ لأن ملك الابن قائم، ولم تنقص عينها ولا قيمتها، وتحريمها على الابن لا يوجب ضمان قيمتها، كما لو كان له أمة صغيرة، فأرضعتها امرأته. فأما إذا أحبلها فإنه يجب عليه المهر والقيمة عندنا (٤). وعندهم لا يجب إلا القيمة، والمهر يندرج. وساعدونا في وطء أحد الشريكين، إذا وطئ الجارية المشتركة فأحبلها؛ فإنه يجب عليه نصف المهر ونصف القيمة (٥). وللمسألة مأخذان: * أحدهما: قولهم: إن ضمان الجزء داخل في ضمان الكل، ويندرج في ضمان الكل، والفائت بالوطء جزء من المضمون بالقيمة، وضمان الجزء

стр. 277

يندرج في ضمان الكل، كما [لو] (١) قطع يده، فسرى إلى نفسه، فإن ضمان اليد يندرج في ضمان النفس. وزعموا أن الوطء والإنزال في حكم الشيء الواحد؛ فإن الإنزال سراية الواطئ ونتيجته، فينزل منزلة [سراية] (٢) الجرح (٣). وهذا المأخذ بنوه على فاسد معتقدهم أن منفعة البضع ينحى بها نحو الأجزاء والأعيان، وقد دللنا على فساد هذا الأصل في مواضع، وبينا أن المستوفى منفعة لا جزء، فتوجب القيمة في مقابلة الملك المنتقل بالاستيلاد، والمهر في مقابلة استيفاء منفعة البضع، وكيف يستقيم القياس، ولو قطع يد غيره، ثم حز رقبته لم يجب إلا دية واحدة، ولو وطئها، ثم قتلها يجب المهر والقيمة وفاقا. وقولهم: إن الوطء والإنزال في حكم شيء واحد ممنوع، بل هما فعلان، الوطء أوجب المهر مقابلة الالتذاذ الذي جعل له، وقام به، والإعلاق أوجب القيمة في مقابلة ملك الغير، وقد ينفصل أحدهما عن الآخر، فإنه قد يطأ ويمسك، ويطأ وينزل، والإعلاق من الإنزال لا من نفس الوطء. المأخذ الثاني: اختلاف الفريقين في وقت انتقال الملك في الجارية الموطوءة إلى الأب، بعد الاتفاق على أصل الانتقال. فعندنا ينتقل الملك منها إلى الأب حالة العلوق، أعني حالة انفصال

стр. 278

النطفة، وهو آخر جزء من الوطء (١). وعندهم ينتقل من أول زمان الوطء، وقرروا هذا بأن قالوا: وقع الاتفاق على أن حصول الاستيلاد وكون الولد ينعقد حرا لا ولاء عليه، ولما كان الإجماع حاصلا على هذا الحكم (٢)؛ لم يكن بد من تقدير نقل الملك لينعقد الولد في ملكه، فيكون حرا؛ إذ لو لم يقدر الانتقال حالة وطء الأب لزم أن يكون وطء الأب حراما محضا؛ فإن الجارية ملك الابن من كل وجه، لا حق للأب فيها، وولد الزنا لا نسب له، وملك الإنسان كما يزول بسبب مباشر اختيارا، فقد يزول دونه، كالمضطر يملك مال الغير دون إذنه، والشفيع يملك [مال] (٣) المشتري بدون رضاه، وكذا يزال ملك الوالد عن نفقة ولده إذا امتنع، وما نحن فيه من هذا القبيل. قالوا: وإذا كان لا بد من تقديم الملك على العلوق في آخر جزء من الوطء، وجب أن يكون الملك مقدما على الوطء - أيضا -؛ لأن أول الوطء كآخره، وآخره كأوله، وهو خطة واحدة وإن تعددت حركاته، وتعلق عليها حكم واحد، قالوا: وصار هذا بمنزلة الرضاع لما كان التحريم يتعلق بخمس رضعات ولم يتعلق بما دونها، عند الشافعي إذا اجتمعت خمس رضعات كان التحريم متعلقا بالجميع، وصار مجموع الرضعات هو المحرم، وجعل الجميع في حكم خطة واحدة، وإذا ثبت هذا فيكون وطء الأب حينئذ ملاقيا ملك نفسه، فيمتنع وجوب المهر عليه (٤).

стр. 279

نقول: على أن لا بد من تقديم تسلم الملك إلى الأب لانعقاد الولد حرا، غير أن هذا الحكم يثبت بطريق الضرورة؛ فينبغي أن يتقدر بقدر الضرورة (١)، وذلك حاصل بتقديم الملك على العلوق، فلا حاجة إلى تقديمه على الوطء. قولهم: إن الوطء خطة واحدة، وأوله وآخره شيء واحد، باطل؛ فإنه قد ينفصل أوله عن آخره وآخره عن أوله؛ إذ قد يكون أوله شبهة، ثم يصير آخره [حلالا] (٢)، بأن يبتدئ أمة بشبهة، ثم أنه يشتريها له وكيله وهي أثناء الوطء، [وقد] (٣) يكون أوله [حلالا] (٤) وآخره حراما؛ بأن يقول: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا، فإنه إذا ابتدأ الوطء طلقت، ويصير آخر وطئه حراما، وإذا كان آخر الوطء ينفصل عن أوله، وأوله عن آخره؛ بطل أن يقال: هو خصلة واحدة، وهذا ظاهر لا مراء فيه (٥). [١١٩] مسألة: لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين:

стр. 280

أحدهما: ألا يملك صداق حرة. والثاني: أن يخشى العنت، وهو: أن يخاف إن لم يتزوجها دعته نفسه إلى الزنا (١). وقال أبو حنيفة: إن كان تحته حرة حرم عليه نكاح الأمة، وإن لم يكن تحته حرة لم يحرم عليه (٢). ومأخذ النظر: تعارض الأصلين من الجانبين، فالأصل عند الشافعي من نكاح الإماء التحريم، والجواز ثبت رخصة في حق العاجز عن صداق الحرة عند خوف العنت، فمتى فات أحد الشرطين بقي على أصل الامتناع، وتقرير هذا المأخذ من وجهين: أحدهما: أن نكاح الأمة شرع بدلا عن نكاح الحرة عند خوف العنت، بدليل قوله - تعالى -: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٥]، فإنها صيغة مشعرة بالبدلية كما في قوله - تعالى - في آية الكفارة: ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا﴾ [المجادلة: ٤] أي: من لم يقدر على الرقبة فيطعم، وإذا كان العجز عن الأول شرطا في المصير إليه امتنع المصير إليه مع انتفاء العجز؛ تحقيقا لمعنى البدلية.

стр. 281

الثاني: أن الإنسانية تنافي رق ملك اليمين وملك النكاح جميعا، فقد قال ﵇: «النكاح رق» (١)، غير أن [الناظر] (٢) الحكم بإثبات الشهوات في الجبلات، أوجب شوق الإناث إلى الذكور والذكور إلى الإناث، فدعت الحاجة إلى تحصين [الفئتين] (٣)، وكف الطائفتين عن الوقوع في المحذورات، فانحصر ملك النكاح طريقا في حق الحرائر التزاما لمحذور، والإذلال والإضرار بقدر الضرورة لمعنى التوالد والتكاثر، وصونا للأولاد والأنساب عن الضياع، وهذا المعنى هو الذي يقتضي ألا يشرع نكاح الإماء؛ لما فيه من تعريض الولد للرق الذي هو هلاك حكمي، ولذلك يتخير الإمام في أسارى الكفار بين القتل والاسترقاق، غير أنه رخص فيه عند تعذر الوصول إلى الحرائر؛ لخوف العنت، وفقد طول الحرة، مع ما فيه من محذور إرقاق الولد، وذل الأبد، فإذا فقد المبيح المرخص؛ وجب أن يعود الأمر إلى ما كان، وأصله ما إذا كان تحته حرة (٤). وقال أبو حنيفة: الأصل حل نكاح الأمة، فإن امتنع في صورة كان لعارض دليل، واستدل على ذلك بأمرين (٥): أحدهما: أن النصوص الدالة على شرعية النكاح [عامة] (٦) كقوله

стр. 282

- تعالى -: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]، وقوله - تعالى -: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤]، ثم نفرق بين نكاح الحرائر والإماء؟!. [أما] (١) الآية فلا نسلم أنها تدل على البدلية؛ فإن مقتضاها وجود الحكم عند الشرط، [و] (٢) انتفاؤه عند انتفاء الشرط، فليس فيها ما يدل عليه، ويدل على بطلان البدلية: ما [إذا] (٣) نكح حرة على أمة، فإنه يصح، ولا يبطل نكاح الأمة، ولو كان نكاح الأمة بدلا عن نكاحها لما تصور اجتماعهما كما في صورة المثال. قالوا: وقولكم: إنه مرق للولد باطل؛ فإن عقد النكاح ليس سببا الإرقاق الولد، بل النكاح سبب للإنزال، والماء يقر في الرحم، وهي فضلة مهينة لا توصف بالرق والحرية؛ لكونها جمادا، والرق إنما [أثبتناه] (٤) من المحل لا من وضعه الماء، ولهذا لو أخذت ماء الرجل فحملته انعقد الولد رقيقا، وإذا كان كذلك فلا يجوز إضافة الإرقاق إليه، بل الولد ينعقد رقيقا بسبب رق الأم، وكذلك يتبعها في الرق والحرية، ولا مناسبة بين العلة والحكم (٥). والجواب: نقول: قد بينا أن نكاح الأمة شرع بدلا عن نكاح الحرة على ما سبق.

стр. 283

وأما التمسك بالآيات فلا يصح؛ فإنها وردت في نكاح [الحرائر] (١) خاصة، بدليل أنه عطف عليهن الإماء بقوله: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]، والمعطوف لا بد أن يغاير المعطوف عليه، فدل أن المعطوف عليه في الحرائر خاصة. قولهم: إن الآية دلت على وجود الحكم عند وجود الشرط، أما انتفاء الجواز عند انتفاء الشرط فمسكوت عنه. قلنا: الشرط إذا علق الحكم عليه، فالظاهر أن يناط به، فيوجد عند وجوده، ويعدم عند عدمه، وإلا [فيلغو] (٢) ذكر الشرط. قولهم: إن الولد إنما يرق برق الأم لا بعقد النكاح. قلنا: مسلم، لكن نعني بإضافة الإرقاق إليه اقتداره على ألا يعرضه، بأن يودع نطفته في رحم حرة، فينعقد حرا، فلما اختار وضعها في هذا المحل نسبنا الفعل إليه، قال ﷺ : «تخيروا لنطفكم» (٣)، فجعل الاختيار الشافي وضع الماء في محل شريف (٤).

стр. 284

[١٢٠] مسألة: لا يجوز للحر المسلم نكاح الأمة [الكتابية] (١) عندنا (٢)، خلافا لهم (٣). ومأخذ النظر: ما أسلفناه في المسألة السالفة من أن الأصل تحريم نكاح الأمة، وإنما جوزه الشرع رخصة بشروط عند الحاجة والضرورة، فقال - تعالى -: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]، إلى أن قال: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم﴾ [النساء: ٢٥]، فكل هذه التقييدات والندب إلى الترك، وتفخيم الأمر في ذلك، دليل على ما ذكرناه، والذي نزيده هاهنا: أن المقصود من النكاح أمران: التناسل والتواصل، وكلاهما مدخولان في حق الأمة. أما التناسل فمحتمل؛ لأن الولد ينعقد رقيقا، والرقيق على الحقيقة كالمعدوم؛ لأنه منقطع عن الأب في الأحكام كلها، لا ينفق عليه، ولا يربيه، ولا يتولاه، وربما قطع عنه فلا يراه، فهو في حق سيده موجود، وفي حق والده مفقود، فبان أن ولده من الأمة كالضائع في حقه. وأما المقصود الثاني من النكاح هو الوصلة، والازدواج والسكن،

стр. 285

والامتزاج، وقضاء الوطر، فمحتمل - أيضا - في حق الأمة؛ وذلك لأنها لا تسكن إلى زوجها إلا بعد الفراغ من خدمة سيدها، والسيد مسلط على المسافرة بها شرقا وغربا، فيبقى هذا الزوج أبدا [ينتهض] (١) الفرص، ويتجرع الغصص في الاستمتاع بها، في أوقات مختلسة. وإذا ثبت أن الأصل عدم النكاح في حقهن دل أن جوازه كان رخصة، والرخص يتتبع فيها موارد النص، وقد قال - عز من قائل -: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]، [فترك] (٢) من العموم إلى التقييد بالشروط، فيجب أن يتبع فيه الشرع ولا يلغى. فإن قالوا: ذكر الإيمان وشرطه إرشاد إلى الأصوب الأقرب، والأصلح الأنجح [حجة] (٣) لنا، وذلك مقتضاه الاستحباب لا الإيجاب، كما قال في آخر الآية: ﴿محصنات غير مسافحات﴾ [النساء: ٢٥] (٤)، ثم يجوز نكاح غير المحصنة (٥). قلنا: هذا تأويل يحتاج أن يعضده دليل، وقد بينا أن الأصل [أنه] (٦) لا يجوز نكاحها، فينتهض الظاهر نصا؛ لاعتضاده بالأصل، وأبو حنيفة يدعي
следующие страницы →