الثاني: أن الإنسانية تنافي رق ملك اليمين وملك النكاح جميعا، فقد قال ﵇: «النكاح رق» (١)، غير أن [الناظر] (٢) الحكم بإثبات الشهوات في الجبلات، أوجب شوق الإناث إلى الذكور والذكور إلى الإناث، فدعت الحاجة إلى تحصين [الفئتين] (٣)، وكف الطائفتين عن الوقوع في المحذورات، فانحصر ملك النكاح طريقا في حق الحرائر التزاما لمحذور، والإذلال والإضرار بقدر الضرورة لمعنى التوالد والتكاثر، وصونا للأولاد والأنساب عن الضياع، وهذا المعنى هو الذي يقتضي ألا يشرع نكاح الإماء؛ لما فيه من تعريض الولد للرق الذي هو هلاك حكمي، ولذلك يتخير الإمام في أسارى الكفار بين القتل والاسترقاق، غير أنه رخص فيه عند تعذر الوصول إلى الحرائر؛ لخوف العنت، وفقد طول الحرة، مع ما فيه من محذور إرقاق الولد، وذل الأبد، فإذا فقد المبيح المرخص؛ وجب أن يعود الأمر إلى ما كان، وأصله ما إذا كان تحته حرة (٤).
وقال أبو حنيفة: الأصل حل نكاح الأمة، فإن امتنع في صورة كان لعارض دليل، واستدل على ذلك بأمرين (٥):
أحدهما: أن النصوص الدالة على شرعية النكاح [عامة] (٦) كقوله
стр. 282
- تعالى -: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]، وقوله - تعالى -: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤]، ثم نفرق بين نكاح الحرائر والإماء؟!.
[أما] (١) الآية فلا نسلم أنها تدل على البدلية؛ فإن مقتضاها وجود الحكم عند الشرط، [و] (٢) انتفاؤه عند انتفاء الشرط، فليس فيها ما يدل عليه، ويدل على بطلان البدلية: ما [إذا] (٣) نكح حرة على أمة، فإنه يصح، ولا يبطل نكاح الأمة، ولو كان نكاح الأمة بدلا عن نكاحها لما تصور اجتماعهما كما في صورة المثال.
قالوا: وقولكم: إنه مرق للولد باطل؛ فإن عقد النكاح ليس سببا الإرقاق الولد، بل النكاح سبب للإنزال، والماء يقر في الرحم، وهي فضلة مهينة لا توصف بالرق والحرية؛ لكونها جمادا، والرق إنما [أثبتناه] (٤) من المحل لا من وضعه الماء، ولهذا لو أخذت ماء الرجل فحملته انعقد الولد رقيقا، وإذا كان كذلك فلا يجوز إضافة الإرقاق إليه، بل الولد ينعقد رقيقا بسبب رق الأم، وكذلك يتبعها في الرق والحرية، ولا مناسبة بين العلة والحكم (٥).
والجواب:
نقول: قد بينا أن نكاح الأمة شرع بدلا عن نكاح الحرة على ما سبق.
стр. 283
وأما التمسك بالآيات فلا يصح؛ فإنها وردت في نكاح [الحرائر] (١) خاصة، بدليل أنه عطف عليهن الإماء بقوله: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]، والمعطوف لا بد أن يغاير المعطوف عليه، فدل أن المعطوف عليه في الحرائر خاصة.
قولهم: إن الآية دلت على وجود الحكم عند وجود الشرط، أما انتفاء الجواز عند انتفاء الشرط فمسكوت عنه.
قلنا: الشرط إذا علق الحكم عليه، فالظاهر أن يناط به، فيوجد عند وجوده، ويعدم عند عدمه، وإلا [فيلغو] (٢) ذكر الشرط.
قولهم: إن الولد إنما يرق برق الأم لا بعقد النكاح.
قلنا: مسلم، لكن نعني بإضافة الإرقاق إليه اقتداره على ألا يعرضه، بأن يودع نطفته في رحم حرة، فينعقد حرا، فلما اختار وضعها في هذا المحل نسبنا الفعل إليه، قال ﷺ : «تخيروا لنطفكم» (٣)، فجعل الاختيار الشافي وضع الماء في محل شريف (٤).
стр. 284
[١٢٠] مسألة:
لا يجوز للحر المسلم نكاح الأمة [الكتابية] (١) عندنا (٢)، خلافا لهم (٣).
ومأخذ النظر: ما أسلفناه في المسألة السالفة من أن الأصل تحريم نكاح الأمة، وإنما جوزه الشرع رخصة بشروط عند الحاجة والضرورة، فقال - تعالى -: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]، إلى أن قال: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم﴾ [النساء: ٢٥]، فكل هذه التقييدات والندب إلى الترك، وتفخيم الأمر في ذلك، دليل على ما ذكرناه، والذي نزيده هاهنا: أن المقصود من النكاح أمران: التناسل والتواصل، وكلاهما مدخولان في حق الأمة.
أما التناسل فمحتمل؛ لأن الولد ينعقد رقيقا، والرقيق على الحقيقة كالمعدوم؛ لأنه منقطع عن الأب في الأحكام كلها، لا ينفق عليه، ولا يربيه، ولا يتولاه، وربما قطع عنه فلا يراه، فهو في حق سيده موجود، وفي حق والده مفقود، فبان أن ولده من الأمة كالضائع في حقه.
وأما المقصود الثاني من النكاح هو الوصلة، والازدواج والسكن،
стр. 285
والامتزاج، وقضاء الوطر، فمحتمل - أيضا - في حق الأمة؛ وذلك لأنها لا تسكن إلى زوجها إلا بعد الفراغ من خدمة سيدها، والسيد مسلط على المسافرة بها شرقا وغربا، فيبقى هذا الزوج أبدا [ينتهض] (١) الفرص، ويتجرع الغصص في الاستمتاع بها، في أوقات مختلسة.
وإذا ثبت أن الأصل عدم النكاح في حقهن دل أن جوازه كان رخصة، والرخص يتتبع فيها موارد النص، وقد قال - عز من قائل -: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]، [فترك] (٢) من العموم إلى التقييد بالشروط، فيجب أن يتبع فيه الشرع ولا يلغى.
فإن قالوا: ذكر الإيمان وشرطه إرشاد إلى الأصوب الأقرب، والأصلح الأنجح [حجة] (٣) لنا، وذلك مقتضاه الاستحباب لا الإيجاب، كما قال في آخر الآية: ﴿محصنات غير مسافحات﴾ [النساء: ٢٥] (٤)، ثم يجوز نكاح غير المحصنة (٥).
قلنا: هذا تأويل يحتاج أن يعضده دليل، وقد بينا أن الأصل [أنه] (٦) لا يجوز نكاحها، فينتهض الظاهر نصا؛ لاعتضاده بالأصل، وأبو حنيفة يدعي
стр. 286
أن الحل أصل في نكاح الإماء، والتحريم ثبت لعارض، والأمة الكتابية يستباح وطؤها بملك اليمين، فجاز أن يستباح بعقد النكاح، وقرروا هذا بأن قالوا: لا يخلو: إما أن تقولوا: هذه الأمة محل للحل، أو ليست محلا للحل، إن قلتم: ليست محلا للحل فباطل؛ لأنها لو لم تكن محلا للحل لما استبيح وطؤها بملك اليمين كالوثنية والمجوسية، وإن قلتم: هي محل للحل (١)، فإذا كانت هي محل الحل والنكاح سبب الحل، (فقد انضاف سبب الحل) (٢) إلى محل الحل، فما المانع من ذلك شرعا؟ وقد أضاف [ … ] (٣) سبب الشيء إلى محله، وقرروا هذا بأن الملك بالنكاح أقوى من الحل بملك اليمين، بدليل أنه لو اجتمع الحل بملك اليمين، والحل بملك النكاح قدمنا الحل بملك النكاح لقوته، كما لو اشترى أمة ووطئها، ثم تزوج أختها، فإنها تحل المنكوحة، وتحرم المملوكة، وإذا كان الحل بالنكاح أقوى من الحل بملك اليمين، ثم كانت هذه الأمة محلا لأضعف الحلين، فلأن تكون محلا لأقواهما كان بطريق الأولى (٤).
والجواب عن هذا أن نقول: ما ذكرناه من دليل تحريم نكاح الإماء ينعكس في الوطء بملك اليمين؛ وذاك أنا قلنا: نكاح الأمة على خلاف قياس الأنكحة؛ بدليل أنه خالفه في مقصوديه اللذين يراد النكاح لأجلهما، أما الوطء بملك اليمين فما
стр. 287
خالف قياس جنسه، ولا زايل وضع أصله، بل هو جار على منهاجه، منطبق على أصله، والذي يدل على الفرق بينهما: أن الأصل في النكاح هو نكاح الحرة، والحرة بعقد النكاح عليها تصير مسلوبة المنفعة، لا حظ لها في منافع بدنها، بعد أن كانت مالكة لها، حتى لو أرادت أن تؤجر نفسها ظئرا أو غير ظئر لم يكن لها ذلك بغير إذن زوجها، وله منعها من الخروج والبروز، والزيارة، والعيادة، وكل ذلك معدوم في حق الأمة، فإن منافعها لسيدها، يستخلعها ويسافر بها، وليس للزوج منعه من ذلك، فدل أن نكاحها شرع رخصة وضرورة، فيجب أن يتبع مورد الشرع في ذلك (١).
[١٢١] * مسألة:
الأمة إذا أعتقت تحت حر لا خيار لها (٢).
وقال أبو حنيفة: يثبت لها الخيار على الفور في أصح القولين (٣).
وفي القول الثاني على التراخي (٤).
ومأخذ النظر: تنقيح مناط الحكم في محل النص، وهو عتق بريرة (٥)،
стр. 288
فإنها عتقت تحت عبد يقال له مغيث (١)، فخيرها النبي ﷺ (٢)، فمعتقد الشافعي أن ثبوت فسخ النكاح تحت العبد هناك، عليه إضرار نشأ من نقص الزوج، من حيث إن نقيصة الرق لها مزية على سائر النقائص، وهي عار [وسبة] (٣)، فلها أثر بين في اختلاف مقاصد النكاح؛ فإن الولد مقصود بالنكاح، وولد الرقيق كالمفقود بالنكاح؛ فإنه لا ينفق عليه ولا يربيه ولا يفتقده، ولا يرثه، فهو منقطع عنه بالكلية، وهذا ضرر عظيم لا [تحمله] (٤) الحرة؛ فإن أولادها [يكونون] (٥) [كالبهائم] (٦)، ثم هو ضرر في حقها أيضا ـ، فإنه لا ينهض بحقوقها، ولا يفي بمؤنتها، أو هو مشغول عن مراعاتها بخدمة السيد، وهذا نقص لا يوازيه نقص بحال، بخلاف نقص النسب والفسق والفقر، وإذا ثبت أن نقيصة الرق لها من التأثير والوقوع ما يصلح أن يكون مناطا لهذا الحكم، فكيف يلحق موضعا لا [نقيصة] (٧) فيه أصلا بمحل فيه نقيصة؟، فعند هذا تبين انقطاع الفرع عن موضع الوفاق،
стр. 289
وأن التعليل فيه يخصه فلا يتعداه، وقد جمع الشافعي كل هذا في كلمة وجيزة، فقال: ما كانت تحت كامل فلا خيار لها، كالكتابية إذا أسلمت تحت مسلم (١).
وقال أبو حنيفة ﵀ -: الخيار في موضع الوفاق إنما ثبت بما علل به رسول الله ﷺ ، وهو قوله ﷺ لبريرة -[﵂]-: «ملكت نفسك فاختاري» (٢)، قالوا: وهذا إنما إلى التعليل، وتعليل الرسول ﷺ عظيم الموضع عن ذوي التحصيل، فلا سبيل إلى اطراحه، وهذا المعنى يقتضي ثبوت الخيار لها، حرا كان الزوج أو عبدا (٣).
ونحن نقول: هذا باطل من وجوه:
أحدها: أن قوله: «ملكت نفسك فاختاري» زيادة في الحديث لم تثبت، بل هي موقوفة على الأسود (٤)، والمنقول في الصحاح ما رواه القاسم بن
стр. 290
محمد بن أبي بكر (١)، وعروة (٢) عن عائشة ﵂ أنها قالت: «أعتقت بريرة، وكان زوجها عبدا، فخيرها رسول الله ﷺ ، ولو كان حرا لم يخيرها» (٣)، والمصير إلى هذه الرواية أولى؛ لأن القاسم ابن أخيها، وعروة ابن أخيها وهما من المختصين بها، وأعرف بقصتها، فكانت هذه الرواية مقدمة على رواية الأسود.
الثانية: أن ذلك لو صح فليس بتعليل ولا الفاء فاء التعليل، وإنما معناه: ملكت الخيار فاختاري، فهو تعبير عن الحكم لا عن العلة، وينبغي أن نفرق
стр. 291
بين التعبير عن التعليل وبين التعبير عن الحكم.
الثالث: أن قولكم: ملكت نفسها لفظة لا حقيقة لها، وإنما تستعمل على سبيل المجاز؛ لأن الشخص لا يملك نفسه بالحرية، وإنما يزول عنه حق الغير وأحكامه، فعلى الحقيقة ليس هو إلا [انتقاض] (١) حق، وإلا فحقيقة الملك لا يتصور؛ لأنه لو ملك نفسه لاحتاج أن يكون ثم مالك، ولا مالك إلا هو، فيصير هو المالك، وهو المملوك، وذلك متناقض، فيثبت أن قول القائل: ملكت نفسها تجوز لا حقيقة له، فما هو إلا بمثابة [لو] (٢) زوج ابنته وهي صغيرة، ثم بلغت، فإنها قد صارت مستقلة كاملة متصرفة في أمورها على اختيارها، فلا خيار لهما مع ذلك (٣).
[١٢٢] * مسألة:
النكاح يفسخ بالعيوب السبعة عندنا، وهي: الجب (٤)، والعنة (٥)، والرتق (٦)، والقرن (٧)، والجنون، والجذام (٨)، والبرص (٩)، خلافا
стр. 292
لأبي حنيفة ﵀ فإنه قال: لا يفسخ النكاح بشيء من العيوب أصلا (١).
وليس خيار الفسخ عند الشافعي [محصورا] (٢) في هذه العيوب السبعة، وإنما ذكرت مثلا، حتى لو وجدنا عيبا يضاهيها، أو مجموع عيوب تساوي [أحدها] (٣) في القدح من مقصود النكاح؛ علقنا الخيار عليه (٤).
ومأخذ النظر: أن النكاح عندنا قابل للفسخ عند وجود سببه، بدليل انفساخه [بالردة] (٥) قبل المسيس وبعده، وإسلام أحد الزوجين الوثنيين أو المجوسيين، وخيار العتق، وخيار البلوغ عندهم، وخيار عدم الكفاءة، وانفساخه بالرضاع الطارئ، والسر فيه أن النكاح له مقصود [أخلف] (٦) يراد لأجله، كما أن لكل عقد [مقصودا] (٧) يراد لأجله، فإذا وجدنا عيبا يؤثر في مقصوده الأصلي، ويقدح فيه، أثبتنا فيه الخيار كما في سائر العقود (٨).
وزعمت [الحنفية] (٩) أن النكاح غير قابل للفسخ، بدليل الحقيقة والحكم.
أما الحقيقة: [فهو] (١٠) أن الفسخ عبارة عن تصرف يوجب تراد
стр. 293
العوضين، بدليل أن تراد العوضين يحصل عقيبه في مواقع الإجماع والأحاديث سواه، والنكاح ليس نقلا من الجانبين، بل هو إثبات حكم جديد لم يكن قبل النكاح؛ إذ المرأة لا تملك من نفسها ما ملك الزوج منها، فلا يقبل فيه تراد العوضين.
وأما الحكم فأحكام ثلاثة:
أحدها: أنه لا تقبل الإقالة، والإقالة: حل يستعقب تراد العوضين، كما أن الفسخ حل للعقد يستعقب تراد العوضين.
الثاني: أنه لا يقبل شرط الخيار، ولو كان قابلا للفسخ؛ لصح شرط الخيار فيه كما في البيع.
الثالث: أنه لو قال لزوجته: اختاري، [فقالت] (١): اخترت نفسي؛ كان الواقع به طلاقا، ولو قبل النكاح [الفسخ] (٢) لكان فسخا، كما لو قال أحد المتبايعين لصاحبه: اختر، فقال: اخترت، فإنه يكون فسخا بالاتفاق، قالوا: ولا يلزم على هذا الجب والعنة؛ فإن التفريق الثابت بهما تفريق طلاق، والثابت للزوجة عندنا أن ترفع الأمر إلى القاضي، فيقول له: طلق، فإن طلق، وإلا طلق عليه القاضي، كما في حق المولي (٣).
الجواب:
نقول: قولهم: إن الفسخ تراد لعوضين.
стр. 294
قلنا: ممنوع، بل حقيقة الفسخ: نقض (١) العقد المنعقد، ثم إن كان العقد عقد معاوضة فمن ضرورة انتقاضه تراد الملك في العوضين، وإن لم يكن عقد معاوضة؛ اقتصر حكم الفسخ وأثره على ارتداد الأمر إلى ما كان قبل الانعقاد، وهو مطابق للإشعار اللغوي، فإنه في اللغة عبارة عن النقض (٢).
قولهم: إن النكاح لا يقبل الإقالة.
قلنا: النكاح وإن لم يكن قابلا للإقالة بصورتها، فهو قابل باعتبار معناها، وهو الخلع، فإن الخلع عندنا بمنزلة الإقالة، ولهذا لا ينقص عدد الطلاق (٣).
وأما امتناع خيار الشرط في النكاح، فللاستغناء عنه، لا يجري هذا في طرد العادات إلا بعد معاودات ومراسلات تغني عن الفكر والتأمل (٤).
وأما قولها: اخترت إنما جعل طلاقا لأنه لفظ غير مصرح به، لا بفسخ ولا طلاق، وهو يحتملهما جميعا، واعتباره طلاقا أنظر لهما، فيرجح بذلك.
стр. 295
[١٨] مسائل الصداق (١)
[١٢٣] مسألة:
مفوضة البضع (٢) لا تستحق المهر لا بالعقد ولا بالموت عندنا على القول المنصور في الخلاف (٣).
والقول الثاني - وهو مذهب أبي حنيفة -: أنها تستحق بالعقد وبالموت - أيضا - (٤).
وأجمع المسلمون على أنها إذا طلقت قبل الدخول لا تستحق المهر (٥).
وقال أبو حنيفة: تستحق مهر المثل، ولكنه لا يتشطر بالطلاق قبل الدخول، وهذا أصل مطرد عندهم: أن كل موضع يجب مهر المثل لا يتشطر بالطلاق قبل الدخول، حتى لو سمى لها خمرا أو خنزيرا؛ وجب مهر المثل، ولا يتشطر بالطلاق (٦).
стр. 296
ووقع الاتفاق - أيضا - على أن المهر يجب بالدخول (١)، إلا خلاف القاضي حسين (٢) من أصحابنا فقال: لا يجوز أن يكون هذا إجماعا، بل للشافعي قول أن المهر لا يجب بالدخول، تخريجا على (٣) مسألة نص عليها، وذلك (٤) أنه قال: لو أذن الراهن للمرتهن في وطء الجارية المرهونة، فإن كان عالما بالتحريم وجب عليه الحد، ولا مهر، وإن كان جاهلا بالتحريم سقط الحد لجهله، وفي وجوب المهر قولان، قال: ومسألتنا كهذه المسألة من غير فضل، فإن الراهن هو المستحق للمهر، وقد أذن في الوطء، وسقط المهر في أحد القولين، فكذلك المفوضة قد أذنت ورضيت، والمهر حقها، فيجب - أيضا - أن يسقط (٥).
ومأخذ النظر: أن الصداق عندنا تمحض حقا للمرأة ثبوتا واستيفاء، بدليل أمرين:
* أحدهما: استقلالها بالاستيفاء والإبراء.
стр. 297
* والثاني: صرفه إليها خاصة، ولو كان حقا الله - تعالى - لصرف إلى مصارف حقوق الله - تعالى - (١).
وقال أبو حنيفة ﵀: الصداق حق الله - تعالى - ابتداء، وربما قالوا: الوجوب الله - تعالى ـ، والواجب لها، وذلك لما يتعلق بالنكاح من حق الشرع بطريق استبقاء الجنس، وانتظام أمر العالم، وإنما أمر بصرفه إلى المرأة حيث كانت؛ لأنها أولى الناس به، وكان الوجوب الله - تعالى ـ، والمرأة مصرفه، كالزكاة وجبت [حتما] (٢) الله، والفقير مصرفها، والغنائم الله، والغانمون مصرفها، وإنما استقلت باستيفائه وإسقاطه بطريق الانتقال إليها من المستحقين، لا بالثبوت لها ابتداء، ويدل على وجوبه حقا الله - تعالى - أحكام ثلاثة:
أحدها: أنه لو اتفق الزوجان على إسقاطه لا يسقط.
الثاني: أن الأب إذا زوج ابنته الصغيرة بلا مهر وجب مهر المثل وفاقا.
الثالث: أنه لو سكت المتعاقدان عن ذكره، وأطلقا العقد، وجب، ولو لم يكن ملازما للعقد شرعا لما وجب (٣).
ونحن نقول: دعوى الوجوب الله باطل؛ لما ذكرناه من الوجهين (٤).
* قولهم: إنه يجب الله، ثم ينتقل إليها.
стр. 298
قلنا: الأصل اختصاص الوجوب بمن اختص بفائدة الوجوب، ثم لو كان حقا الله - تعالى - لتصرف فيه نائب الله، ولما صرف إلى شخص معين على قياس سائر حقوق الله - تعالى -.
قولهم: لو اتفق الزوجان على إسقاطه لم يسقط.
قلنا: لا نسلم، قلنا: عندنا لو قالت المفوضة قبل الوطء: رضيت بأن لا مهر لي، ووطئ، لم يجب المهر على أحد الوجهين.
وأما الأب إذا زوج ابنته الصغيرة بغير مهر فإنما وجب لأن التفويض لم يصدر ممن هو مالك المهر (١).
وإذا سكت المتعاقدان فإنما وجب لدلالة القرينة العرفية على أن المزوج لا يرضى بدون المهر، وإذا صرحت بالنفي فقد ترجح صريح المقال على قرينة الحال، وربما تعلقوا بالحديث المشهور، وهو ما روي «أن رجلا سأل ابن مسعود ﵁ عن امرأة فوضت [بضعها] (٢)، ومات عنها زوجها، ولم يسم لها مهرا، فاستمهل السائل شهرا، فلما كان بعد شهر قال للسائل: قد اجتهدت برأيي، فإن كان صوابا فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان، لها مهر نسائها، لا وكس ولا شطط، فقام إليه معقل بن يسار (٣)، فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ قضى في تزويج
стр. 299
بروع (١) بنت واشق الأشجعية بمثل قضائك هذا في (٢) عبد الله بذلك، فسجد، وشكر الله» (٣).
ونحن نقول: هذا لم يثبت؛ فإن الشافعي قال: إن صح حديث بروع بنت واشق فالحجة في قول رسول الله ﷺ ، لكنه اختلفت الرواية، فروي: أنه قام إليه معقل بن يسار (٤)، وروي: معقل بن سنان (٥)، وروي: رجل من
стр. 300
أشجع، وهذا مما تطرق إلى الحديث ضعفا (١)، وقد نقل عن علي وابن عباس بالله وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وكثير من أعلام الصحابة ﵃ مثل مذهبنا، فقالوا: لا مهر لها، حسبها الميراث، وما نقل فيه من الحديث مطعون فيه، قال علي - كرم الله وجهه: لا ندع حكمنا بقول أعرابي بوال على عقبيه (٢)، ولو طعن فيه بعض أئمة الحديث لم يعمل به، فإذا طعن فيه علي ﵁ لكان أولى (٣).
[١٢٤] مسألة:
الخلوة لا تقرر المهر عندنا في أحد القولين، وهو الصحيح المنصور
стр. 301
في الخلاف، حتى لو طلقها قبل المسيس لا يجب تسليم كل المهر (١).
وقال أبو حنيفة: الخلوة إذا كانت صحيحة تقرر (٢).
والمعنى بالخلوة الصحيحة: العرية عن الموانع الحسية كالرتق والقرن، والشرعية كالصوم والحج والحيض (٣).
ومأخذ النظر: أن المعقود عليه عندنا منافع البضع، وضمان منافع البضع خاصة إنما يتقرر بالاستيفاء، فإذا لم يوجد الاستيفاء فلا يتقرر، وهذا بخلاف منافع الأموال في عقد الإجارة، فإن هناك إذا وجد التسليم فقد فاتت المنافع بكل حال، استوفيت أو لم تستوف؛ لأنها تفوت بمضي الزمان، ولا يتصور فواتها إلا باستيفائها؛ لأنها إذا مكنت من نفسها لا تثبت يد الزوج عليها؛ لكونها تحت يدها، ولهذا اختلف أصحابنا في الحر إذا أجر نفسه وسلمها ولم تستعمل، هل تتقرر أجرته أم لا؟، فمنهم من قال: لا تتقرر؛ [لأن] (٤) منافع الحر لا تثبت تحت اليد، ومنهم من قال: تتقرر أجرته؛ لأنه قد صده عن نفسه، والمرأة ما صدها؛ فإن الزوج إذا عجز كان لها الخيار (٥).
فقال أبو حنيفة ﵀: المعقود عليه في النكاح عين المرأة، فقد سلمت نفسها، فيتقرر العوض؛ استمدادا من عقود المعاوضات كالبيع،
стр. 302
والإجارة، وذلك أنه يقول: قد ثبت أن التمكين من الاستيفاء قام مقام حقيقة الاستيفاء في تقرر العوض في عقود المعاوضات، وتمكينه من القبض جعل كحقيقة القبض، كذلك في النكاح وجب أن يجعل التمكين من الاستيفاء بمنزلة الاستيفاء، ووجه التسوية بين البابين: أن البائع قد ملك الثمن في البيع، فينبغي أن يجعل له الشرع طريقا إلى تقرر حقه، ولا يجوز أن يقف تقرر حقه وملكه على فعل غيره، وإذا سلم ومكن من القبض فقد أتى تمكينه، فلم يقف بتقرير حقه في الثمن على تسلم المشتري، وهذا المعنى بعينه موجود في مسألتنا؛ فإن المرأة قد وجب لها المهر، فيجب أن يجعل لها طريقا إلى تقريره، وذلك يجب أن يقف على فعلها، وقد سلمت نفسها، وبذلت ومكنت، وأتت بجميع ما في وسعها وطاقتها، فإذا لم يستوف الزوج كان التقصير من قبله، فلا يكون ذلك مؤثرا في تقرر حقها (١)، وإلى هذا الفقه أشار عمر ﵁ عندما قال: «ما ذنبهن إذا جاء العجز من قبلكم» (٢).
الله
والجواب:
نقول: قد بينا أن المعقود عليه في النكاح منافع البضع دون ذات المرأة، وما ذكروه من اعتبار النكاح بالمعاوضات (فاسد؛ [فإن] (٣) النكاح مشروع على خلاف قياس) (٤) المعاوضات، بدليل أن المهر يتقرر بوطأة واحدة، ومعلوم أن نسبة وطأة واحدة إلى وطآت العمر، كنسبة سكنى لحظة واحدة
стр. 303
بالإضافة إلى سكنى سنين، وسكنى لحظة لا يتقرر به جميع العوض، ثم ملك المستأجر هناك قد تقرر بالتمكين والتسليم على معنى أن المنافع فاتت على ملكه، وفي منافع البضع لا يملك إلا ما يستوفيه لا نسلم كمال التمكين منها، فإن الوجود هو التمكين من استيفاء المقصود في يوم أو بعض يوم، والوطء مستحق مقصود في جميع العمر.
فإن قلتم: الشرع نزل الوطأة الواحدة منزلة الوطء في جميع العمر.
قلنا: على خلاف القياس؛ لمعنى يخص الوطء، وهو: أن الشرع عظم أمره، وفخم خطره، حتى أوجب فيه القتل، فلا يجوز أن [يعرى] (١) عن واجب، فنحن بين أمرين أن نعريه عن المهر، وذلك غير ممكن، وبين أن نوزع المهر على وطآت العمر، وذلك عسر لا يطلع عليه، فكمل الشرع المهر بوطأة واحدة لهذه الدقيقة، والخلوة لم يوجد فيها هذا المعنى، حتى نقيمها مقام الوطء (٢).
[١٢٥] مسألة:
المختلعة لا يلحقها الطلاق عندنا بحال، سواء قلنا إن الخلع فسخ أو طلاق، وسواء طلقها صريحا أو كناية، بعد انقضاء العدة أو قبله (٣).
وقال أبو حنيفة ﵀: يلحقها صريح الطلاق ما دامت في العدة، وأما الكناية فقسمها قسمين، أحدهما: ما يشعر بقطع الوصلة، كقوله: أنت بائن،
стр. 304
وبتة، فقال: لا يلحقها هذا الجنس؛ إذ لا وصلة بينهما بعد الخلع، والثاني: ما لا إشعار له بقطع الوصلة، بل هو مجاز في الطلاق، كقوله: اعتدي واشتري رحمك، فإنه قال: يلحقها (١).
ومأخذ النظر: اختلاف الفريقين في حكم الطلاق وموجبه.
فحكمه عندنا [قطع] (٢) النكاح، ونعني بقطع النكاح: رفع الحل المستفاد بالنكاح، لكن تارة يرتفع في الحال، وتارة يرتفع بعد انقضاء العدة، والمختلعة ليست محلا للطلاق؛ لزوال الحل المستفاد بالنكاح في حقها، فهاتان دعويان.
أما الأولى فدليلها أمران:
أحدهما: الطلاق قبل المسيس، فإنه قاطع للحل من كل وجه، ولا حادث سواه.
والثاني: الاحتساب بالعدة بعد الطلاق مع انعقاد الإجماع على [أن] (٣) العدة لا يحتسب بها في صلب النكاح، حتى لو أبانها فشرعت في العدة، وأعاد نكاحها، ثم طلقها في النكاح الثاني بعد المسيس؛ لزمها [استيفاء] (٤) العدة بعد الطلاق، وما مضى من بقية المدة في صلب النكاح لا يعتد به (٥).
стр. 305
وأما [الدعوى] (١) الثانية فدليلها أمور ثلاثة:
أحدها: وجوب الحد على الواطئ، فإنه دليل انتفاء الحل من كل وجه. والثاني: انتفاء خصائص النكاح، من الظهار والإيلاء والرجعة والطلاق المرسل فيما إذا قال: نساؤه طوالق، فإنه لا يلحق المختلعة، وكذا الكنايات مع كونها بائنة عن الطلاق، وإن الخلع مع أنه طلاق بعوض، وانتفاء الخصائص، دليل انتفاء المختص قطعا في المعلومات، وظنا في المظنونات.
الثالث: أنه لا يستباح وطوها إلا بملك جديد كامل مماثل للأول، ولو كان قد بقي من الأول بقية لما كان الثاني مثل الأول بالكلية، بدليل الرجعة، فإن الملك لما كان باقيا في أكثر الأحكام، استباح وطأها بمجرد الرجعة من غير رضاها ولا شهود (٢).
وقال أبو حنيفة ﵀: محل الطلاق ما كان قابلا لحكمه؛ لأن حكم الطلاق ارتفاع حل المحل، أعني حل التزوج بها، فكل أنثى وجد في حقها حل النكاح بالنسبة إليه، وله عليها ولاية، فهي محل لطلاقه، واحتجوا في ذلك بأمرين:
أحدهما: قوله - تعالى -: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، رتب ارتفاع حل المحل على الطلاق، ولا يمكن حمله على حل الاستمتاع؛ فإن الحل المضاف لا يشعر إلا بأمر في محل الحل،
стр. 306
أما حل الاستمتاع فيضاف إلى الفعل لا إلى المحل، وكذا قوله ﵇: «لعن الله المحلل والمحلل له» (١)، فإنه دل على زوال الحل بالطلقات الثلاث، حتى كان الزوج الثاني مثبتا للحل.
الثاني: أن الطلقة الثانية واقعة في الرجعية، ولو كان الأول قطعا للنكاح لامتنع وقوع الثانية؛ لاستحالة قطع المقطوع، كاستحالة ورود بيعين على محل واحد، ورهنين على مرهون واحد، وعند هذا القول الثابت له في المحل إما ثلاثة أعداد من الحل يزول بكل طلقة واحدة، ولها محل واحد مقيد بثلاثة عقود، والمرتفع بكل طلقة هو الحل من الوجه الذي يفيد عقدا واحدا، فإذا صارت ثلاثا فات الحل بالكلية، أعني حل النكاح، فما دام الحل قائما كان الطلاق مجهولا كما في الرجعية (٢).
والجواب:
نقول: ما ذكرتموه باطل من وجهين:
أحدهما: أن الحل الأصلي مستفاد بأصل الخلقة ووضع الفطرة، فإنها تكون أنثى متهيئة لقبول النكاح، والطلاق تصرف يملك بالنكاح، فكيف يرفع المستفاد بالنكاح حلا مستفادا بأصل الخلقة؟.
الثاني: أنه لو كان المقصود بالطلاق رفع حل المحل، لكان ينبغي أن
стр. 307
يقع الطلاق بعد انقضاء العدة، وعلى الأجنبية؛ لأن حل المحل قائم، والمحلية بالتفسير الذي ذكرتموه موجود، فما بالها لا تلحقها؟.
فلئن قالوا: لا بد من ولاية له على الأجنبية.
قلنا: عندكم لا يشترط لصحة التصرف ثبوت الولاية على المحل، حتى لو طلق الأجنبي زوجة الغير صح موقوفا على إجازته، إنما نفوذه يفتقر إلى ولاية، ونحن نلزمكم الصحة دون النفوذ.
وأما الآية فالمراد بها حل الاستمتاع، فإن الحل إذا أضيف إلى عين إنما يراد به حل الفعل الذي يقصد من العين غالبا، يقال: حلت المرأة، ويراد به حل وطئها، وحل الثوب، أي: لبسه، وكلام الشارع ينصرف إلى المعهود المتبادر إلى الأفهام، وهذا هو الجواب عن الشبه.
قولهم: [إن] (١) الرجعية يلحقها الطلاق ثانيا، وقطع المقطوع محال.
قلنا: حكم الطلاق هو القطع والإبانة، لكن يوجب الإبانة في الحال، وقد يوجبها بعد انقضاء العدة على ما سبق من مسائل الطلاق (٢).
[١٢٦] مسألة:
تعليق الطلاق على الملك باطل عندنا، عمم أو خصص (٣).
стр. 308
وقال أبو حنيفة ﵀: يصح ذلك مقيدا بالملك، عمم أو خصص، حتى إذا وجدت الصفة وقع الطلاق، وصورة التخصيص: ما إذا قال لامرأة بعينها: إن نكحتك فأنت طالق، وصورة التعميم: ما إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق (١).
ولا خلاف في أن التعليق المطلق لا يصح، وصورته: ما إذا قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق (٢).
وهكذا الخلاف في العتاق.
ومأخذ النظر: أن التعليق عندنا تمهيد لسبب الوقوع، واللفظ قبل الملك لا يصلح أن يكون سببا للوقوع.
أما الأول فبيانه وجهين:
الأول: التعليق بدخول الدار في صلب النكاح يوجب الوقوع، والموجود هو التعليق، والدخول لا يصلح شيئا؛ إذ لا مناسبة فيه، فتعين أن يكون السبب هو التعليق.
الثاني: أن شهود التعليق وشهود الشرط إذا رجعوا، كان الضمان على شهود التعليق دون شهود الشرط، دل أن التعليق هو السبب.
وأما الثاني وهو: كون التعليق المطلق قبل الملك لا يصلح سببا للوقوع،
стр. 309
[فهو] (١) أن الطلاق مقدر شرعي شرع بناء لا ابتداء، فإنه شرع لقطع النكاح، فكان شرعه قبله عبئا، ويدل عليه: التعليق المطلق، وهو ما إذا قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، واتفقوا على أنه لا يصح، وإنما لم يصح لانتفاء الملك، وإلا فهو أهل [لإيقاع] (٢) الطلاق، والصيغة مقيدة، ولم يعدم سوى الولاية على المحل (٣).
وقال أبو حنيفة ﵀: لم يصح هذا التصرف تعليقا، فإنه ليس تصرفا في الطلاق، إنما يصح يمينا، وتسميته تعليقا مجاز، ودلالة كونه يمينا: أن اليمين تنقسم إلى قسمين: يمين بالله - تعالى -، ويمين هي شرط وجزاء، وكلاهما تعقد لغرض الحث أو المنع، فالحث مثل قوله: إن لم أدخل الدار، أو إن دخلت الدار فأنت طالق، فقد تحقق ذلك هاهنا، فإن قوله: إن تزوجتك فأنت طالق، يقصد به منع نفسه من تزوجها، فالنكاح شرط، ووقوع الطلاق جزاء، [ويدل] (٤) على كون هذه الصيغة يمينا: أن من قال لزوجته: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، حنث، ووقع طلاقه إجماعا.
قالوا: وإذا ثبت كونه يمينا، فاليمين تصرف في ذات الحالف، وقصده الامتناع من الفعل المحلوف عليه فلا يشترط فيه ملك المحل كما في النذر، وصورته أن يقول: إن شفا الله مريضي فلله علي أن أعتق عبدا.
стр. 310
* قالوا: ولا يقال على هذا: إذا لم يعتبر التصرف تطليقا يمينا فلا بد له من حكم شرعي، وإلا فلا يكون معتبرا شرعا؛ فإن وجود الامتناع حسا ليس أمرا شرعيا، فلا يكون حكما؛ لأنا نقول: معنى اعتباره يمينا: ربط الجزاء الذي عينه بالشرط الذي عينه حتى يقع الطلاق عند وجود الشرط، فالحكم بوقوعه عند وجود النكاح هو اعتباره (١).
* والجواب عما ذكروه من وجهين:
* أحدهما: منع كون التعليق يمينا، بل هو إنشاء سبب لقطع النكاح على ما قررناه.
* الثاني: أنه يمين، لكنه يمين بالطلاق، ولهذا ترتب عليه أحكام الطلاق، واليمين بالطلاق سبب إزالة الملك، فلا يسبق الملك، ونحن إنما اشترطنا الملك لكونه طلاقا [لا] (٢) لكونه يمينا، والمحلوف به أحد ركني اليمين، فاشترطنا المحل للمحلوف به لا للمحلوف عليه، وإذا كان [أحد] (٣) ركني اليمين مختلا اختلت اليمين؛ لأن اليمين لا بد فيها من محلوف ومحلوف عليه، وإذا كان من شرط المحلوف به الملك، ولم يوجد بطلت اليمين أصلا، وخرج على هذا النذر، فإنه مجرد التزام في الذمة، وليس هو تمهيد سبب الإزالة، ولهذا لو ملك عبيد الدنيا لا يعتق عليه عبد واحد حتى يعتقه، وفي مسألتنا إذا وجد الشرط وقع الطلاق من غير تجديد إيقاع (٤).
стр. 311
[١٢٧] مسألة:
الجمع بين الطلقات الثلاث مباح عندنا (١).
وقال أبو حنيفة ﵀: حرام، يعصي فاعله (٢).
ومأخذ النظر: أن ملك الطلاق عندنا شرع عزيمة، والأصل فيه الإباحة قائما، يحرم لعارض وهو تطويل العدة عليها، ومعنى العزيمة عليها في الشرع ما وضع على وفق المصلحة العامة والحكم الكلية، والرخصة ضدها، وهو ما وضع على خلاف المصلحة العامة والحكم الكلية لحاجة عامة أو ضرورة خاصة، والقياس من جانبنا واضح من حيث إن هذه الطلقات ملكه، وخالص حقه، والشرع سلطه على التصرف فيها، فإن المالك هو المطلق المتصرف، هذا هو الأصل (٣).
والخصم يدعي أن اجتماع الطلقات الثلاث في الملك ثبتت رخصة، من حيث إن النكاح عقد مصلحة كلية عامة، أو هو قرابة أنشأها الشرع بين الأجانب للتوالد والتناسل الذي به بقاء العالم، وكثرة العباد، فهو مقصود الشرع ثبوتا وبقاء لتحصيل المصالح، وكذلك لو أراد الزوج نقله إلى الغير لم يجد إليه سبيلا، ولو توافق الزوجان على فسخه لم ينفسخ، كل ذلك لاعتبار الشارع دوامه وبقاءه، وقد دلت عليه ظواهر النصوص الواردة في التحريض على النكاح، وإذا تمهد هذا الأصل فلا يخفى أن الطلاق على نقيضه، فإنه
стр. 312
يقطع النكاح عندكم، ويفوت حل المحل عندنا، فيفوت النكاح، إنما تتوفر بشرط دوام الألفة، وقد يتباغضان إلى حد تنقلب المصلحة مفسدة في نكاحهما، ولو دام العقد بينهما لتضرر به كل واحد منهما، وربما امتنع أكثر الخلق [من النكاح] (١) مخافة أن يبتلى بمثل هذه الحالة، ولا يجد مخلصا، فوضع الشرع تصرف الطلاق رخصة منه لتحقيق الخلاص عند تغير الحال، وكان قياس الإسقاطات يقتضي الاجتزاء بطلاق واحد كما في العتق، لا يتحقق مقصود الخلاص منها، غير أن الشرع كرره وعدده في الملك لحاجة التدارك إن ندم، وهذه الحاجة منتفية في الجمع، بل يقتضي المنع من الجمع، فبقي على أصل التحريم، ولهذا بقي أصل التحريم في زمن الحيض والطهر الذي جامعها فيه (٢).
وأما نفوذها جمعا فهو من ضرورة كونها مملوكة، والملك عندنا ينقسم إلى مباح وإلى حرام، كما في البيع الفاسد.
والجواب:
نقول: لا سبيل إلى دعوى الرخصة في شرع الطلاق؛ فإنه تصرف شرع لحاجة عارضة على خلاف القياس، ودليل كونه موافقا للأصل هو أن النكاح في الحرة على خلاف الأصل؛ إذ الحرية تنافي المملوكية، وتأبى الاقتهار والاحتكام، على ما قررناه في مسائل النكاح، والطلاق يتضمن ردها إلى الأصل، كالإعتاق في ملك اليمين، نعم يتقرب بالاعتاق؛ فإنه إسقاط
стр. 313
لمحض حق العبد، والطلاق لا يتقرب به؛ فإن النكاح متعلق حق الشرع، ولولاه لكان الطلاق قربة - أيضا -.
أما التحريم فلا وجه له، بل هو تصرف مشروع لحاجة العبد، كالبيع وغيره، وقد قال - تعالى -: ﴿فطلقوهن﴾ [الطلاق: ١] كما قال: ﴿وأنكحوا﴾ [النور: ٣٢]، وقال: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾ [النساء: ١٣٠]، كما قال - تعالى -: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢]، والرسول ﷺ طلق عند الحاجة، كما نكح (١)، ويتأيد ذلك بتكميل البضع، وتأبيد المؤقت، وتصحيح المعلق، ويدل على إباحة الجمع: نفوذها جميعا.
قولهم: إن النفوذ كان لضرورة الملك.
قلنا: وكذلك الإباحة وجب أن تثبت لضرورة الملك.
قولهم: إن الملك ينقسم إلى مباح وحرام.
قلنا: هذه قاعدة تنفردون بها، ونحن لا نسلمها.
وأما الطلاق زمن الحيض إنما حرم لتطويل العدة عليها؛ لأن الأقراء هي الأطهار، وزمن الحيض لا يعتد به، حتى قال أصحابنا: لو طلقها قبل الدخول لا يحرم الطلاق، وإذا طلقها في آخر جزء من أجزاء الحيض لا يحرم؛ لما لم يكن في ذلك تطويل العدة، والمحظور في طهر جامعها فيه يوقع الندم عند ظهور الولد، فهو كالصلاة في الدار المغصوبة (٢).
стр. 314
ويتأيد جميع ما ذكرناه بمسألتين:
إحداهما: إذا قال لها: أنت طالق ثلاثا للسنة، فإنه لا خلاف في جوازه، فعند الشافعي تقع ثلاثا في طهر واحد (١)، وعند أبي حنيفة تقع ثلاثة في ثلاثة أطهار (٢).
الثانية: لو طلقها ثم نكحها وراجعها في ذلك الظهر، وطلقها ثانيا، فإنه يحل إجماعا مع [اجتماع] (٣) طلاقين في طهر واحد (٤).
[١٢٨] مسألة:
كنايات الطلاق لا تقطع الرجعة عندنا (٥).
وقال أبو حنيفة ﵀: كنايات الطلاق كلها بوائن تقطع الرجعة إلا ثلاثة ألفاظ، وهي (٦): قوله: اعتدي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة (٧).
ومأخذ النظر: أن الكنايات عندنا إنما تعمل بحق شهادة الطرد والعكس، فإنا تساعدنا على أن [ألفاظ الكنايات] (٨) على اختلافها لا تعمل
стр. 315
في إزالة قيد النكاح بدون نية الطلاق، وتعمل عند وجودها.
الثاني: أنه ينقص بها عدد الطلاق.
الثالث: أنه يتشطر بها الصداق قبل الدخول، والشطر من خصائص الطلاق.
الرابع: أنه لو أبانها ثلاث مرات؛ افتقر إلى المحلل إجماعا، والحصر من خصائص الطلاق دون الإبانة.
وإذا ثبت أنها تعمل بطريق النيابة عن الصريح، فقصاراها أن ترقى إلى درجة الصريح، وإذا كان المنتهى إليه، وهو صريح قوله: أنت طالق، لا يقطع الرجعة، فالكنايات عنه المشبه به لا تزيد (١).
وللخصم مأخذان:
* أحدهما (٢): أن [ألفاظ الكنايات] (٣) إنما تعمل بأنفسها، فتدل بذواتها لا بطريق النيابة عن الصريح، والنية إنما اعتبرت فيها لتعين إحدى جهات البينونة، وذاك أن جهات البينونة مختلفة؛ إذ يحتمل أنه يريد: أنت بائن عن صحبتي وعشيرتي، أو عن الدار والمكان، أو عن النكاح، فإذا احتمل هذه الجهات كانت النية صارفة إلى جهات النكاح فحسب، وصار كالألفاظ المشتركة، كالعين وغيرها، فإنها تصرف بالقصد إلى أحدهما، وقرروا
стр. 316
هذا بأن قالوا: الثابت له بملك النكاح ثلاث طلقات، أو ثلاث إبانات على التخيير، فالطلاق لرفع الملك، والإبانة لقطع الوصلة، غير أن الوصلة أصل في النكاح من حيث إنه عقد ازدواج شرع لمقصود لا يستقل به الآحاد، من التناسل والتوالد، واشتباك البيوت والعشائر، وتحصين دين كل واحد من الزوجين، فهو على مثال الازدواج بين زوجي [المخشف] (١) ومصراعي الباب، إلا أن هذه الوصلة لا تتم بينهما إلا ملك حاجز عن الإشراك، فوجب [اقتصاصها] (٢) به، وينفي الدنية عن فراشه؛ ليثق بنسب الولد، فيعتني بتربيته، فيكون ذلك تكملة لمقصود الوصلة وتتمة له، فإذا طلقها فقد رفع الملك التابع، أما إذا أبانها فقد قطع الوصلة دون الملك، لكن يستحل بقاعدة النكاح، مع ارتفاع الوصلة التي هي أصل لمجرد بقاء الملك الذي هو تابع، فأدرجنا الطلاق الموضوع لرفع ملك النكاح في قوله: اعتدي (٣)؛ ضرورة تصحيح موجب لفظ البينونة، لا أنه وقع أصلا ومقصودا كإدراج البيع والملك في قوله: أعتق عبدك عني على ألف، قالوا: وهذا هو الموجب لنقصان العدد، وتشطر الصداق قبل الدخول هي والافتقار إلى المحلل.
قالوا: ودليل كون الزوج مالكا للإبانة: تمكنه منها قبل المسيس، وفي الخلع - أيضا -، فإنه يأخذ العوض عنها، والعوض لا يملكه ما ليس له (٤).
стр. 317
والجواب عن المأخذ من وجهين:
أحدهما: لا نسلم أن الإبانة تصرف وراء التطليق، حتى يمكن ثبوت التخيير بينهما، ودعوى الوصلة وانقطاعها مقصودا ممنوعة؛ فإن المقصود حاصل على سبيل الكمال بالاختصاص اللازم الثابت للزوج، وإذا ثبت الاستغناء في تحقيق مقصود السبب بحكم ثابت بالإجماع، فلا حاجة إلى تقرير زوجته على خلاف الحقيقة.
قولهم: إن الكنايات تعمل بنفسها، وتدل بذواتها لا بطريق النيابة.
قلنا: إذا [كانت] (١) تعمل بذواتها لا بطريق النيابة عن الطلاق، فلا يكون الموقع لها طلاقا.
قولهم: ليس بطلاق، بل هو قطع للوصلة.
قلنا: فكان ينبغي ألا ينقص بها عدد الطلاق؛ لأن الشرع ملكه ثلاث طلقات، وما استوفاه، ولا خلاف بين المسلمين أن عدد الطلاق ينقص إذا وقع بلفظ البينونة.
قولهم: إن وقوع الطلاق بها كان ضمنا صورة لا مقصودا.
قلنا باطل من وجهين
أحدهما: أن الأصل في الأحكام ثبوتها بطريق الأصالة.
الثاني: أنه يلزم أن يكون الواقع بلفظ البينونة [شيئين] (٢)؛ أحدهما:
стр. 318
قاطع للرجعة، والثاني: مثبت للرجعة، وهما متضادان، أعني موجب الإبانة والطلاق، واللفظ الواحد يستحيل أن يوجب حكمين متضادين، ثم جميع ما ذكروه باطل بالألفاظ الثلاثة، وهي قوله: اعتدي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة، أما الكنايات التي لا تشعر بالبينونة، كقوله: سافري، واخرجي، فإنها بوائن عندكم مع انتفاء الإشعار بالبينونة، والتفريق بينها وبين غيرها من الكنايات تحكم.
وأما الطلاق قبل المسيس فإنما كان مبينا لكون النكاح لم يتأكد، بخلاف ما بعد المسيس، ونظيره: انقلاب المبيع إلى البائع قبل القبض بفسخ أو إقالة، فإنه يوجب ارتفاع العقد بالكلية.
وأما الخلع فقد جعله الشرع علما على البينونة؛ لأن مقصوده لا يحصل بدونها، من حيث إن الخلع لا يجري [في الغالب] (١) إلا عند مشاقة ومنازعة، فتبذل المرأة المال للخلاص من ربقة النكاح، قال الله - تعالى -: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وكان العوض هو المبين؛ لدلالته على طلب الخلاص (٢).
المأخذ الثاني: قولهم مقتضى القياس ألا تثبت الرجعة في صريح الطلاق، ولا في كناياته، من حيث إن الطلاق إسقاط كالإعتاق والإبراء، والإسقاطات لا تستعقب رجوعا، كيف ولفظ الطلاق مشعر بطلاق وحل الوثاق، غير أن الرجعة تثبت فيه بعد الدخول نصا على خلاف القياس،
стр. 319
فوجب الاقتصار عليه، ورد الباقي إلى قانون القياس، ولهذا بقي حكم الأصل فيما قبل الدخول.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أن ثبوت الرجعة في الصريح ثبت على خلاف القياس.
قولهم: إن الطلاق إسقاط كالإعتاق والإبراء.
قلنا: فما وجه هذا القياس والإعتاق، والإبراء مندوب إليه بأصله، وللشرع تشوف إلى إيقاعه؟، والطلاق عندكم محرم بأصله، والإباحة تثبت بعارض، وللشرع تشوف إلى دفعه، ثم بعد الوقوع إلى تداركه.
الثاني: هب أن الشرع خالف القياس في الطلاق، وأثبت فيه الرجعة، إلا أن الكنايات كلها مثله، والشرع إذا خالف القياس في شيء، خالفه في نظيره (١).
[١٢٩] مسألة:
استعمال صريح الطلاق وكناياته في العتاق صحيح عندنا، ويكون الكل كناية فيه (٢).
وقال أبو حنيفة: لا يصح استعمال شيء من ألفاظ الطلاق في الحرية
стр. 320
إلا لفظين: لا ملك لي عليك، ولا سلطان لي عليك (١).
وساعدونا في العكس، وهو ما إذا استعمل لفظ الحرية والعتق في الطلاق، ونوى به الطلاق، فإنه يقع بلا خلاف (٢).
والمسألة لغوية، يرجع حاصلها إلى البحث عن حقيقة العتق لغة، فعندنا هو إسقاط كالطلاق، فصلح الطلاق أن يكون كناية عنه، وعندهم هو إثبات، والطلاق إسقاط، فلا يصلح أن يكون كناية، وقرروا هذا بأن قالوا: لفظ الطلاق إن استعمل في العتاق فإنما يستعمل بطريق المجاز، وشرط صحة المجاز هو الاتصال بين اللفظين لنوع مقاربة بينهما في المعنى الخاص، وقد انتهى ذلك هاهنا؛ فإن الطلاق والعتاق ضدان، من حيث إن الطلاق: إسقاط حق مجرد ليس فيه معنى الإثبات بحال، وأما العتاق فمعناه: إحداث قوة في المحل لم يكن فيه، بدليل اللغة [من] (٣) وجهين:
أحدهما: قولهم: عتق الطائر، إذا نبت ريشه، وقوي على الطيران، وعتاق الطيور هي الأقوياء الكواسب.
الثاني: أن العتق ضد الرق، والرق عبارة عن [الضعف] (٤)، يقال: ثوب رقيق: إذا كان خفيفا ضعيفا، والشرع فيه ذلك، حيث سمى المملوك من بني آدم رقيقا؛ لأن قوة الشرعية صارت معدومة في حق نفسه، حتى