← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

هذا بأن قالوا: الثابت له بملك النكاح ثلاث طلقات، أو ثلاث إبانات على التخيير، فالطلاق لرفع الملك، والإبانة لقطع الوصلة، غير أن الوصلة أصل في النكاح من حيث إنه عقد ازدواج شرع لمقصود لا يستقل به الآحاد، من التناسل والتوالد، واشتباك البيوت والعشائر، وتحصين دين كل واحد من الزوجين، فهو على مثال الازدواج بين زوجي [المخشف] (١) ومصراعي الباب، إلا أن هذه الوصلة لا تتم بينهما إلا ملك حاجز عن الإشراك، فوجب [اقتصاصها] (٢) به، وينفي الدنية عن فراشه؛ ليثق بنسب الولد، فيعتني بتربيته، فيكون ذلك تكملة لمقصود الوصلة وتتمة له، فإذا طلقها فقد رفع الملك التابع، أما إذا أبانها فقد قطع الوصلة دون الملك، لكن يستحل بقاعدة النكاح، مع ارتفاع الوصلة التي هي أصل لمجرد بقاء الملك الذي هو تابع، فأدرجنا الطلاق الموضوع لرفع ملك النكاح في قوله: اعتدي (٣)؛ ضرورة تصحيح موجب لفظ البينونة، لا أنه وقع أصلا ومقصودا كإدراج البيع والملك في قوله: أعتق عبدك عني على ألف، قالوا: وهذا هو الموجب لنقصان العدد، وتشطر الصداق قبل الدخول هي والافتقار إلى المحلل. قالوا: ودليل كون الزوج مالكا للإبانة: تمكنه منها قبل المسيس، وفي الخلع - أيضا -، فإنه يأخذ العوض عنها، والعوض لا يملكه ما ليس له (٤).

стр. 317

والجواب عن المأخذ من وجهين: أحدهما: لا نسلم أن الإبانة تصرف وراء التطليق، حتى يمكن ثبوت التخيير بينهما، ودعوى الوصلة وانقطاعها مقصودا ممنوعة؛ فإن المقصود حاصل على سبيل الكمال بالاختصاص اللازم الثابت للزوج، وإذا ثبت الاستغناء في تحقيق مقصود السبب بحكم ثابت بالإجماع، فلا حاجة إلى تقرير زوجته على خلاف الحقيقة. قولهم: إن الكنايات تعمل بنفسها، وتدل بذواتها لا بطريق النيابة. قلنا: إذا [كانت] (١) تعمل بذواتها لا بطريق النيابة عن الطلاق، فلا يكون الموقع لها طلاقا. قولهم: ليس بطلاق، بل هو قطع للوصلة. قلنا: فكان ينبغي ألا ينقص بها عدد الطلاق؛ لأن الشرع ملكه ثلاث طلقات، وما استوفاه، ولا خلاف بين المسلمين أن عدد الطلاق ينقص إذا وقع بلفظ البينونة. قولهم: إن وقوع الطلاق بها كان ضمنا صورة لا مقصودا. قلنا باطل من وجهين أحدهما: أن الأصل في الأحكام ثبوتها بطريق الأصالة. الثاني: أنه يلزم أن يكون الواقع بلفظ البينونة [شيئين] (٢)؛ أحدهما:

стр. 318

قاطع للرجعة، والثاني: مثبت للرجعة، وهما متضادان، أعني موجب الإبانة والطلاق، واللفظ الواحد يستحيل أن يوجب حكمين متضادين، ثم جميع ما ذكروه باطل بالألفاظ الثلاثة، وهي قوله: اعتدي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة، أما الكنايات التي لا تشعر بالبينونة، كقوله: سافري، واخرجي، فإنها بوائن عندكم مع انتفاء الإشعار بالبينونة، والتفريق بينها وبين غيرها من الكنايات تحكم. وأما الطلاق قبل المسيس فإنما كان مبينا لكون النكاح لم يتأكد، بخلاف ما بعد المسيس، ونظيره: انقلاب المبيع إلى البائع قبل القبض بفسخ أو إقالة، فإنه يوجب ارتفاع العقد بالكلية. وأما الخلع فقد جعله الشرع علما على البينونة؛ لأن مقصوده لا يحصل بدونها، من حيث إن الخلع لا يجري [في الغالب] (١) إلا عند مشاقة ومنازعة، فتبذل المرأة المال للخلاص من ربقة النكاح، قال الله - تعالى -: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وكان العوض هو المبين؛ لدلالته على طلب الخلاص (٢). المأخذ الثاني: قولهم مقتضى القياس ألا تثبت الرجعة في صريح الطلاق، ولا في كناياته، من حيث إن الطلاق إسقاط كالإعتاق والإبراء، والإسقاطات لا تستعقب رجوعا، كيف ولفظ الطلاق مشعر بطلاق وحل الوثاق، غير أن الرجعة تثبت فيه بعد الدخول نصا على خلاف القياس،

стр. 319

فوجب الاقتصار عليه، ورد الباقي إلى قانون القياس، ولهذا بقي حكم الأصل فيما قبل الدخول. والجواب من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم أن ثبوت الرجعة في الصريح ثبت على خلاف القياس. قولهم: إن الطلاق إسقاط كالإعتاق والإبراء. قلنا: فما وجه هذا القياس والإعتاق، والإبراء مندوب إليه بأصله، وللشرع تشوف إلى إيقاعه؟، والطلاق عندكم محرم بأصله، والإباحة تثبت بعارض، وللشرع تشوف إلى دفعه، ثم بعد الوقوع إلى تداركه. الثاني: هب أن الشرع خالف القياس في الطلاق، وأثبت فيه الرجعة، إلا أن الكنايات كلها مثله، والشرع إذا خالف القياس في شيء، خالفه في نظيره (١). [١٢٩] مسألة: استعمال صريح الطلاق وكناياته في العتاق صحيح عندنا، ويكون الكل كناية فيه (٢). وقال أبو حنيفة: لا يصح استعمال شيء من ألفاظ الطلاق في الحرية

стр. 320

إلا لفظين: لا ملك لي عليك، ولا سلطان لي عليك (١). وساعدونا في العكس، وهو ما إذا استعمل لفظ الحرية والعتق في الطلاق، ونوى به الطلاق، فإنه يقع بلا خلاف (٢). والمسألة لغوية، يرجع حاصلها إلى البحث عن حقيقة العتق لغة، فعندنا هو إسقاط كالطلاق، فصلح الطلاق أن يكون كناية عنه، وعندهم هو إثبات، والطلاق إسقاط، فلا يصلح أن يكون كناية، وقرروا هذا بأن قالوا: لفظ الطلاق إن استعمل في العتاق فإنما يستعمل بطريق المجاز، وشرط صحة المجاز هو الاتصال بين اللفظين لنوع مقاربة بينهما في المعنى الخاص، وقد انتهى ذلك هاهنا؛ فإن الطلاق والعتاق ضدان، من حيث إن الطلاق: إسقاط حق مجرد ليس فيه معنى الإثبات بحال، وأما العتاق فمعناه: إحداث قوة في المحل لم يكن فيه، بدليل اللغة [من] (٣) وجهين: أحدهما: قولهم: عتق الطائر، إذا نبت ريشه، وقوي على الطيران، وعتاق الطيور هي الأقوياء الكواسب. الثاني: أن العتق ضد الرق، والرق عبارة عن [الضعف] (٤)، يقال: ثوب رقيق: إذا كان خفيفا ضعيفا، والشرع فيه ذلك، حيث سمى المملوك من بني آدم رقيقا؛ لأن قوة الشرعية صارت معدومة في حق نفسه، حتى

стр. 321

لا يقدر على الولايات، والشهادات، والجمع، والجهاد، فأثر الرق في حقه ضعفا ونقصا سوى ملك السيد عليه، فكان العتق على التحقيق: إحداث قوة له في المحل، أما النكاح فلا يوجب نقصا، ولا يثبت ضعفا في حقها وراء احتكام الزوج، فإن الأحكام كلها ثابتة في [حقها] (١)، سوى ما نقص بطريق الأنوثة الثابتة بأصل الفطرة، فلم يكن الطلاق محدثا لها قوة لم تكن ثابتة، وإنما هو مجرد إسقاط حق عليها، وأما الشرع فثبوت حق الولاية للمعتق تشبيها له بالنسب إلى الإيجاد الحسي، وهو الأب، قال ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب» (٢). قالوا: ولا يلزم على هذا إذا قال لزوجته: أنت حرة، ونوى الطلاق؛ لأنا قلنا: إنما جاز ذلك بطريق المجاز؛ لأن العتق وإن كان يحدث قوة، إلا أن ذلك إنما يحصل بزوال ملك الرقبة، وزوال ملك الرقبة سبب لزوال ملك المنفعة، فكنى بالسبب عن المسبب (٣) والجواب من وجوه: الأول: أنا لا نسلم أن [العتق] (٤) يحدث قوة لم تكن أصلا؛ فإن الآدمي [بأصيل] (٥) فطرته وجبلته كامل مستقل بأموره، متهيئ لقبول عز الحرية والتحمل لأمانة الله - تعالى -، [والاضطلاع] (٦) بأعباء التكاليف، وإنما

стр. 322

عرض عليه عارض يمنع إعمال السبب، فلما جاء العتق أزال العارض، فكان على الحقيقة إسقاطا كالطلاق. الثاني: نقول: إذا كان الطلاق إسقاطا لا إثبات فيه، والعتق إثبات لا إسقاط فيه، وجب ألا يقع الطلاق بلفظ العتاق، لا حقيقة ولا مجازا، وهذا لا جواب عنه. قولهم: إن العتق [في] (١) اللغة عبارة عن القوة (٢). قلنا: لا نسلم، بل العتق في اللغة عبارة عن التخليص، هكذا أورده الأزهري (٣)، وهو إمام اللغة، ومنه يقال: أعتقه الله من النار، أي خلصه الله، وفي مأثور الأخبار: «اللهم اجعلنا من عتقائك وطلقائك ومحرريك من النار» (٤)، وسمى البيت عتيقا لتخليصه من أذى الجبارين، وأقوياء الطيور

стр. 323

إنما سميت عتاقا لتخلصها عن ضيق الأوكار بالطيران (١). قولهم: إن الرق عبارة عن الضعف (٢). قلنا: لا نسلم، بل هو عبارة عن الملك، والعتق عبارة عن زوال الملك. قولهم: إن العتق يوجد للمعتق حكما، فصار [بمثابة] (٣) الأب. قلنا: قد بينا أن إيجاده معنى يستند إلى أهليته وإنسانيته، لا إلى قوة تحدث من جهة العتق. [١٣٠] مسألة: إذا قال لزوجته: أنت طالق، أو طلقتك، ونوى عدد اثنتين أو ثلاثا وقع ما نواه عندنا (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: لا يقع عدد، وإنما يقع واحدة (٥). وساعدونا فيما إذا قال: أنت بائن، أو أنت الطلاق، وأوقعت عليك الطلاق، وأنت طالق طلاقا، والمسألة لغوية كالتي قبلها. ومأخذ النظر: أن قوله: أنت طالق يحتمل العدد عندنا، وكذا قوله:

стр. 324

طلقتك، ونظائره. مسائل الصداق وعندهم: لا يحتمل العدد. ويرجع حاصله إلى أن المقتضى هل له عموم أم لا؟. فعندنا: نعم، [كالملفوظ] (١)، وعندهم لا يحتمل. ودليل احتمال الصيغة للعدد هو أن قوله: طلقتك، أو أنت طالق، صيغة مشتملة على المصدر، والمصدر صالح للعدد. أما بيان اشتمال الصيغة على المصدر [فهو] (٢): أن «طالق» صفة للمرأة، والصيغة مشتقة من المصدر، وهو موجود بعينه فيها، أعني الحروف التي تركب منها ذات مصدر الطلاق، وكذا قوله: طلقتك، فإن معناه: أوقعت الطلاق عليك، ولا تقول: هو في معناه، بل هو هو، إلا أنه موجز، كما أن قول القائل: رأيتهم، إشارة إلى جماعة، كقولهم: رأيت [زيدا] (٣) [وعمرا] (٤) وخالدا، إذا ذكر أساميهم من غير فرق، وهذا قاطع في وضع اللسان، والشافعي إمام أهل اللغة، فكذلك سوى بين المصدر والصيغ المشتقة من المصدر، ولا تخالف الأفعال المصادر إلا في الزمان، فالفعل يدل على الزمان. وأما بيان كون المصدر صالحا للعدد: [فهو] (٥) انعقاد الإجماع على أنه

стр. 325

إذا قال: أنت طالق طلاقا، وتعين (١) الثلاث، كان ثلاثا. فإن قالوا: نسلم أن الصيغ المشتقة من المصدر لا تنفك عن الدلالة على المصدر، غير أنها لا تعمل فيما ثبت بطريق الدلالة والإضمار، وإنما تعمل في صرف الملفوظ المصرح به إلى أحد محتمليه، بدليل: أنه لو قال لزوجته: اخرجي، ونوى الطلاق وقع، ولو قال: زوري أهلك، ونوى الطلاق، فكانت الزيارة لا بد فيها من الخروج في الزيارة، قدر ضرورة بصحيح أمره بالزيارة وانتظام لفظه؛ كي لا يبطل، فلا يثبت له حكم الخروج المصرح به في كل حكم. قلنا: من أصحابنا من منع ذلك، وقال: يقع الطلاق إذا نواه، وإن سلمنا فنقول: الخروج هناك ليس [مقتضى] (٢) اللفظ، وإنما هو مقتضى الحال؛ لأنه قد تتصور الزيارة بغير الخروج، بأن يكون أبوها بقربها، فلا تخرج، بخلاف المصدر، فإنه موجود في الفعل لفظا ووضعا، وإن تغيرت هيئته؛ لأنه متضمن له من حيث الدلالة، وإذا كان المصدر موجودا في الفعل كان [بتحمله] (٣) للمصدر يحتمله للفعل. فإن قالوا: المصادر أسماء أجناس، وأسماء الأجناس لا تحتمل العدد، ولا هي موضوعة للعدد، وإنما تحتمل ما هي موضوعة له، وهو الجنس، والجنس فرد، فنقول: إذا نوى واحدة وقع؛ فإن الواحدة فرد في

стр. 326

الذات، فرد في الصيغة، وهي الأصل، وإذا نوى الثلاث وقع؛ لأنه جنس الطلاق جميعه، فهو فرد في الجنسية وإن تعددت ذاته في الجنسية، أما [الاثنتان] (١) فلا هي الأصل ولا هي الجنس فلغت. قلنا: هذا غلط، بل أسماء الأجناس تدل على العدد، فإن الضرب يدل على قليل الضرب وكثيره، ويصلح له، فهو بمنزلة أسماء العموم، فلا فرق بين عدد وعدد (٢). أما الحنفية فزعموا أن الصيغة غير محتملة للعدد، من حيث إن قوله: (أنت) محل فرد، و (طالق) نعت له، وهو - أيضا - فرد، وإذا اتحد المحل والصفة استحال العدد؛ إذ يصير في التقدير كقوله للمرأة الواحدة: أنت طالقان، أو طالق، وذلك محال (٣). والجواب من وجهين: أحدهما: أن جميع ما ذكروه باطل بقوله: أنت بائن، فإنه إذا نوى الثلاث وقعت إجماعا (٤)، فأي فرق بين هذا وبين (٥) قوله: أنت طالق، وهذا هادم لجميع ما ذكروه. الثاني: هو أنا لا نسلم أن الصيغة نعت فرد؛ فإن حقيقة النعت إخبار

стр. 327

عن صفة تتردد بين الصدق والكذب، بل قوله: أنت طالق، إنشاء للطلاق، وبهذا فرقتم في مسألة المكره على الطلاق بين الإنشاء والإقرار؛ إذ قلتم: الإقرار يتردد بين الصدق والكذب، والإكراه قرينة، والإنشاء لا يتردد؛ فهذا لأن العرب لم تضع للإنشاء صيغة تخصه، بل استعملت فيه لفظ الماضي، والشرع قرر ذلك، بدليل قوله: بعت، واشتريت وطلقت، صيغة الماضي المستقبل، وقوله في مجلس القاضي: أشهد أن له عليه ألفا، صيغة المستقبل الموضوع للوعد، ثم جعل ذلك إنشاء، وإذا ثبت أنه إنشاء فالإنشاء وقوعه متردد بين الواحد والاثنين والثلاث، فأيها قصد ونوى صح. ويدل على احتمال الصيغة للعدد حكمان قاطعان: أحدهما: أنت طالق، أو طلقتك طلقتين أو ثلاثا، فإنه يصح وفاقا، ولولا أن اللفظ يحتمله لما صح تفسيره به، فإن قدر الثنتين تفسيرا؛ كان دليلا على أن اللفظ احتمله، وإن قدرت صفة للمصدر المحذوف فقد ثبت احتمال المصدر للثنتين والثلاث على سواء. الثاني: أنه لو قال لوكيله: طلق زوجتي ونوى الثلاث، فقال الوكيل: طلقت؛ وقع الثلاث إجماعا، وهذا لا جواب عنه؛ إذ لا فرق بين أن يقول: طلقت، وبين أن يقول: طالق (١). [١٣١] مسألة: إذا أضاف الطلاق إلى نفسه، قال: أنا منك طالق، أو طلقت نفسي

стр. 328

منك، ونوى به الطلاق طلقت، وكذا سائر الكنايات إذا أضافها إلى نفسه، ونوى بها الطلاق، فإنها تطلق (١). وقال أبو حنيفة: لا تطلق، ولا يكون ذلك كناية، إلا في قوله: أنا منك بائن، أنا منك حرام (٢). فأما إذا قال السيد لعبده: أنا منك حر، ونوى به العتق، فوجهان، وجه الفرق: أن العتق حل للرق وإبطال له، والرق يختص بالعبد اختصاص إضافة. ومأخذ النظر: هو أن حكم النكاح عندنا: الزوجية المقدرة بين الزوجين، أو الحل اللازم من الجهتين. وحكمه عندهم: حدوث الملك للزوج على الزوجة. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أمران: أحدهما: الاشتراك في أحكام العقد، فإن الاشتراك في الأثر يدل على الاشتراك في المؤثر ظاهرا، وبيان الاشتراك من وجهين: - أحدهما: اشتراكهما في حل الاستمتاع، فإنه يباح لها، كما أنها تباح له، وتقصد الزوجة من الزوج ما يقصده منها، فهي تستحق عليه لصحبتها، وهو يستحق عليها [لصحبته] (٣)، وتسمية الزوجين متناكحين كان بهذا الاعتبار، وإليه أشار بقوله - تعالى -: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وبقوله: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠].

стр. 329

- الثاني: أن النكاح أفاد حبسا من الجانبين، أما من جانب الزوج فإنه يثبت له منعها من الخروج والبروز، والتزوج بزوج غيره [تكميلا] (١) لمقصود الاستمتاع في حقه، وأما من جانب الزوجة فإنه يثبت لها عليه امتناع التزوج بأختها، وأربع سواها. الوجه الثاني (٢) في بيان الاشتراك اشتراكهما فيه وضعا، فإن النكاح في وضع اللسان عبارة عن الضم، ومنه قولهم: تناكحت الأشجار: إذا انضم بعضها إلى بعض، واشتراكهما وضعا [دليل] (٣) اشتراكهما شرعا، إذ الأصل ثبوت الأحكام الشرعية على وفق الأوضاع اللغوية، وإذا ثبت اشتراكهما في أحكام النكاح ومقاصده، وجب اشتراكهما في صحة إضافة الطلاق المؤبد لتلك الأحكام إلى كل واحد منهما، كما في قوله: أنا منك بائن، وأنا منك حرام (٤). أما الحنفية فقد منعوا اشتراك الزوجين في أحكام العقد، وزعموا أن حكم العقد حدوث الملك للزوج على الزوجة، بدليل النص، والحكم، والمعنى. أما النص: فقوله ﵇: «النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته» (٥).

стр. 330

وأما الحكم: فوجوب المهر عليه عوضا عن ملك البضع، ووجوب النفقة على مثال الإنفاق، واختصاصه بولاية الحجر والحبس الدائم، وامتناع زوج آخر في حقها، واستقلاله بالطلاق دونها. وأما المعنى [فهو] (١) أن الملك عبارة عن اختصاص منتفع بمنتفع به، [والاختصاص] (٢) إنما يثبت لها به، ولا اختصاص له بها، فإنه يملك من التسري ما شاء، وله أن يتزوج بغيرها، وإذا لم يك مختصا بها فلا تكون مالكة، وهي تكون مملوكة. قالوا: وتسميتهما متناكحين من قبيل التغليب، كما يقال: الأسودان للماء والتمر، والقمران للشمس والقمر، والحسنان للحسن والحسين، وتسميتها ناكحة مجاز؛ لكونها من النكاح بسبب وسبيل، ودليل المجاز ما ذكرناه من الدلائل. قالوا: ويدل على عدم الاشتراك: اعتبارها في إضافة [الطلاق] (٣) إليها (٤). والجواب: نقول: قد بينا اشتراك [الزوجين في] (٥) موجب عقد النكاح على ما سبق.

стр. 331

وما ذكرتموه من دعوى ثبوت الملك في الحرة فمحال؛ فإن [إطلاق] (١) ملك النكاح لم يرد في كتاب ولا سنة، وإنما هو من تجوزات الفقهاء، كقولهم: ملك القصاص، وملك الإنسان نفسه، وملك التصرفات، وكل اختصاص واستحقاق مؤكد فإنه يتجوز عنه، قال مالك: أما حقيقة الملك وهو المعنى المقدر في المحل لإفادة الانتفاع فلا دليل عليه (٢)، وأما قوله ﵇: «النكاح رق» (٣) فقد بينا وجه المجاز فيه في مسائل النكاح، فلا نعيده. ثم وإن سلمنا أن في النكاح ملكا، لكن نقول: ما ثبت له عليها ثبت مثله لها عليه، قال الله - تعالى -: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٢٨]. [وأما] (٤) وجوب المهر، [فقلنا] (٥): لا نسلم أنه في مقابلة البضع، بل المهر والنفقة أمران زائدان في النكاح خارجان عن مقصوده، وجبا في مقابلة أمرين زائدين في النكاح، خارجان عن مقصوده وهما: ولاية الحبس، والاستقلال بقطع النكاح؛ جبرا لها، واستمالة لقلبها. وأما امتناع زوج آخر في حقها فلأن جمعها بين زوجين يؤدي إلى اختلاط المياه، وفساد النسل. ثم دليل الاشتراك [استواؤهما] (٦) في استحقاق الاستمتاع، حتى يثبت

стр. 332

لها الفسخ بالجب، والعنة، والطلب عند الإيلاء، بخلاف السيد مع الأمة. * قولهم: إن تسميتهما متناكحين بطريق التغليب. قلنا: الغالب في الطلاق اتباع الحقائق، وما ذكرتموه من التغليب لم يرد إلا في ألفاظ معدودة نادرة، فلا [يصرف] (١) اللفظ إليه إلا بقرينة. وأما اعتبار النية في محل النزاع، فلأن عرف الشرع غلب محل إضافة الطلاق إليها، فأحوج إضافته إليه إلى نية صارفة. [١٣٢] مسألة: القول بالهدم (٢) باطل عندنا. وصورة المسألة: ما إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين، ثم انقضت عدتها، وتزوجت بزوج ثان، ووطئها، فإنها (٣) عادت إلى الزوج بعد ذلك بنكاح جديد تعود بما بقي من عدد الطلاق (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: وطء الزوج الثاني يهدم ما سبق من الطلاق بثلاث طلقات مستأنفة (٥).

стр. 333

والمسألة لغوية - أيضا -، فإنها تبنى على اختلاف الفريقين في مدلول كلمة: (حتى) (١) في قوله - تعالى -: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فهي عند الشافعي ﵀ لانتهاء الغاية (٢)، على معنى أن وطء الزوج الثاني بعد ثلاث طلقات غاية لتحريم العقد، فينتهي التحريم عنده، فإن التحريم كان ممتدا إلى حين وطئه، فإن وجد الوطء انتهى الحكم بنفسه وتم، لا أن رافعا رفعه، أو معدما أعدمه، بل هو بمثابة الصائم إذا جن عليه الليل، فإنه لا يقال: إن الصوم ارتفع أو بطل، وإنما تم وانتهى، وكذلك الإجارة إذا انقضت المدة يقال: انتهت الإجارة وتمت، فذاك الحكم بنفسه، لا أن رافعا رفعه، أو معدما أعدمه، ونظيره قوله - تعالى -: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنه لبيان الغاية كذلك هاهنا. وتحقيق هذا الكلام: أن المرأة محل لحل النكاح بأصل فطرتها وكونها أنثى، وإنما لما وجد الطلاق الثلاث عرض عارض التحريم في حقها، فإذا وجد وطء الزوج الثاني زال ما كان عرض من عارض التحريم، فعادت إلى الأصل؛ لأن وطء الزوج الثاني أثر حلا لم يكن، هذا كله شرح المأخذ. أما الدلالة عليه: فنقول: الرافع للشيء والمزيل له لا بد وأن يكون بينه وبين المرفوع مناسبة تقتضي المضادة بينهما، ووطء الزوج الثاني لا يناسب رفع التحريم وإثبات الحل؛ لأن غاية ما فيه أنه استوفى حقه، وتصرف في

стр. 334

ملكه، وهذا لا يقتضي إثبات التحليل لشخص آخر، وإذا لم يكن وجه المناسبة فيه معقولا لم يجز أن يجعل قاطعا، فجعلناه غاية للتحريم، وإذا لم يكن تحريم لم يعقل انتهاؤه، والطلقة والطلقتان لا تحرم العقد، فلا أثر لوطء الزوج الثاني في إنهائه (١). وقال أبو حنيفة ﵀: كلمة: (حتى) للرفع والقطع، بدليل قوله - تعالى -: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣]، فإن الغسل يرفع الجنابة، وليس بغاية لها. قالوا: ويدل عليه: أن الشرع سماه محللا، فقال: «لعن الله المحلل والمحلل له» (٢)، والمحلل: من أحدث حلا في المحل، فدل أن له أثرا في إثبات الحل. قالوا: والفقه فيه: هو أن الطلاق الثلاث مسقط للحل، موجب لتحريم المحل، وهو مطلق غير مقيد، حتى لو تصور أن تعيش المرأة ألف سنة لا تتزوج كان التحريم ممتدا، فإذا طرأ عليه ما يزيله، وهو وطء الزوج الثاني كان رافعا له لا غاية. قالوا: وإذا ثبت كونه رافعا للتحريم، هادما لأعداد الطلاق، وجب أن يكون [رافعا] (٣) محل النزاع بطريق الأولى؛ لأنه إذا [رفع] (٤) أثر الطلقات

стр. 335

الثلاث، فلأن [يرفع] (١) أثر الواحدة والاثنين [أولى] (٢) (٣). والجواب من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم أن الطلاق الثلاث أسقط حل المحل؛ إذا الطلاق المستفاد بالنكاح لا يزيل الحل المستفاد بأصل الخلقة، وإنما الطلاق يسقط الملك الذي له، والحق الذي استفاده بالنكاح، فأما تحريم المحل فليس له عليه ولاية، ولا جعله الشرع إليه، إنما هو حكم أثبته الشرع ابتداء عند وجود الطلاق، لا أنه [أبين] (٤) عنه لفظ، ولا ثبت ذلك بقصده، وإنما أسقط ملكه، فثبت التحريم، فهو بمثابة اللعان، فإنه ينعقد تحريما مؤبدا؛ لأن لفظ اللعان ينبئ عن ذلك؛ لأن قوله: أشهد أنها زنت لا يقتضي تحريما مؤبدا، إنما الشرع رتب على ذلك التحريم، فكذلك في الطلاق. قولهم: إن كلمة: (حتى) للرفع والقطع ممنوع، وأما قوله - تعالى -: ﴿حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣]. قلنا: من أصحابنا من قال: إن الأحداث مواقيت للطهارة، فهي غاية لها، أو تقول: الأصل في حتى [أن تكون] (٥) غاية، فإن جاءت لغير غاية فمجاز.

стр. 336

* قولهم: إن الشرع سماه: محللا. قلنا: هذا لا يتناول ما نحن فيه، فإن كلامنا في نكاح مباح وجد بشروطه، ومرتكبه مرتكب مباح، لا يستحق اللعن، وإنما الملعون في النص هو الذي ينكح نكاحا فاسدا على قصد التحليل (١). [١٣٣] مسألة: إذا أضاف الطلاق إلى جزء معين كاليد والرجل وقع عندنا. وهل يقع على جملتها هذا اللفظ؟ أو يقع على اليد ويسري إلى الباقي؟. ظاهر المذهب: أنه يقع على الجملة بهذا اللفظ؛ لأنه لا يتبعض. ومن أصحابنا من قال: يقع على الجزء الذي يطلق [عليه] (٢) ثم يسري إلى الباقي، [لأن] (٣) الطلاق مبني على السراية (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: إذا أضاف الطلاق إلى [جملتها] (٥)، أو إلى ما يعبر به عن الجملة وقع، مثل قوله: رقبتك طالق، أو [عنقك] (٦)، أو بدنك، أو جسدك، أو فرجك، أو وجهك، وكذا لو طلق جزءا شائعا

стр. 337

منها، مثل قوله: نصفك، أو ربعك طالق. أما إذا أضاف إلى جزء معين، مثل قوله: يدك، أو رجلك طالق لم يقع (١). ومأخذ النظر: أن محل النكاح عندنا [الذات] (٢) المشتملة على الأجزاء المتصلة بها اتصال خلقة، بدليل قوله - تعالى -: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ [النساء: ٢٥]، أضاف الإنكاح إلى ذواتهن، والذات عبارة عن مجموع الأجزاء والأعضاء الموجودة لدى العقد، والجزء المعين (٣) بعض من الذات كالمبهم، بدليل الحكم والمعنى. أما الحكم [فهو] (٤) أنه لو حلف ألا يمس بعضها، فمس يدها؛ حنث في يمينه، بل لو قال لها: إن [مسستك] (٥) فأنت طالق، فمس يدها طلقت إجماعا، فنقول: إن لم تكن اليد الممسوسة منها [فينبغي] (٦) ألا يقع الطلاق المعلق عليها، وإن كانت منها؛ [فينبغي] (٦) أن يقع الطلاق المنجز المضاف إليها. وأما المعنى [فهو] (٧) أن الجملة مركبة من مجموع الأجزاء، فإذا [أخرجنا] (٨) آحاد الأجزاء من حقيقة الجملة [المركبة] (٩) فأين الجملة؟،

стр. 338

وإذا ثبت كون الجزء المعين بعضا من الذات، وكون الذات محلا لحل الطلاق كالوجه والفرج (١). أما الحنفية فزعموا أن مورد حل النكاح هو الذات المشتملة على الأجزاء التي لا يعيش الإنسان بدونها في مجرى العادة، والأطراف متصلة بالبدن، وليست من البدن، بدليل أن البدن يبقى بجسده وحقيقته بعد إبانة الأطراف، فزعموا أن الأعضاء المعينة بالنسبة إلى مورد الحل كالمعدومة، وإنما يحل الاستمتاع بها لضرورة الاتصال ضمنا وتبعا، واحتجوا في ذلك بأمرين: أحدهما: أنه لا يصح إضافة النكاح إليها، ولو كان محلا له [لصح] (٢) إضافته إليه، كما يصح إضافته إلى الجملة. الثاني: انعقاد الإجماع على صحة نكاح مقطوعة الأطراف، وعدم ثبوت الخيار فيما إذا تزوج امرأة فخرجت عديمة الأطراف (٣). والجواب: عن الأول: أنا لا نسلم أنه لا يصح إضافة النكاح إليه، بل يصح إضافة النكاح إليه بواسطة الجملة؛ فإن الإضافة إلى الجملة إضافة الأجزاء ضرورة على ما قررناه. * قولهم: إن الذات تبقى بجسدها وحقيقتها بعد إبانة الإطراف.

стр. 339

عنه جوابان: أحدهما، نقول: تبقى موصوفة بالنقصان، والوصف بالنقصان دليل على أن الفائت جزء الجملة. الثاني: أن الاسم الموضوع بإزاء جملة ينقسم إلى: ما وضع لعدد محصور كالعشرة، فيفوت الاسم بفوات واحد منها، وإلى ما وضع لعدد مجتمع غير محصور كالعسكر مثلا، فإنه وضع [لجماعة] (١) غير محصورين، فإذا فارقهم اثنان وعشرة لم يبطل اسم العسكر من الباقين، وإن كان [المفارق] (٢) - أيضا - من العسكر. وأما امتناع الفسخ [بخروجها] (٣) عديمة الأطراف فلأن فوات الأطراف وإن كان ضررا، غير أنه لا يمنع الاستمتاع المقصود بالنكاح، فلم يلتحق بضرر الرتق والقرن المانعين من الاستمتاع. [١٣٤] مسألة: المكره على الطلاق ظلما لا ينفذ طلاقه عندنا، وكذا عتاقه، ولا ينعقد بيعه، ونكاحه، ونذره، ويمينه، وسائر تصرفاته؛ فإن الإكراه يرفع حكمها، ولا يلزمه شيء منها مع الإكراه (٤).

стр. 340

وقال أبو حنيفة ﵀: الإكراه لا يمنع وقوع الطلاق، والعتاق، والعفو عن القصاص، وسائر الإسقاطات، فإنها لا تقع إلا لازمة لا تقبل الرد، وأما ما يلحقه الفسخ [وتقع] (١) تارة لازمة وتارة [جائزة] (٢) كالبيع والإجارة والهبة فإنه ينعقد موقوفا على إجازته، ورده بناء على الرضا في العقود من باب الشروط (٣)، وفساد الشرط عنده يوجب فساد الوصف دون الأصل على ما قررناه في مسألة البيع الفاسد. واختلف أصحابنا في حد الإكراه الذي يمنع وقوع الطلاق على وجهين: فمنهم من قال: ينحصر ذلك في التهديد بالقتل والقطع، وأما غيرهما فلا. ومنهم من قال - وهو المذهب -: أن تتحقق ستة أشياء، وهي: التهديد بالقتل، أو بالقطع، أو بأخذ المال، أو الشتم، أو الضرب، أو الحبس، غير أنهم قالوا: الإكراه بالقتل والقطع إكراه في حق كل أحد يستضر به، أما الإكراه بالضرب والشتم فقد يختلف باختلاف أحوال الناس، فإن كان من ذوي الأقدار والمروءات الذين يبالون به، كان ذلك إكراها في حقه، وإن كان من الشطار (٤) الذين لا يبالون به، لم يكن ذلك إكراها في حقه (٥).

стр. 341

ومأخذ النظر: أن وقوع الطلاق لا يكفي فيه مجرد القصد إلى إيجاب الصيغة، بل لا بد من قصد إزالة الملك بها، وذلك مفقود في المتنازع فيه، فإنه قصد التلفظ لخلاص نفسه، لا لإزالة ملكه، ويدل على اعتبار القصد الذي ذكرناه مسألتان: إحداهما: الحاكي للصيغة، فإنه يقول: قال: طلقت زوجتي، فصرح بهذا اللفظ، وقصد إيجاده، ولا يقع طلاقه. قالوا: ذاك أخرج من معرض الحكاية، فإن ذلك قرينة دالة على أنه لم يقصد إزالة ملكه. قلنا: وكذلك الإكراه قرينة دالة على أنه لم يقصد إزالة ملكه، وإنما قصد الخلاص، ولا يلزم على هذا الهازل، فإنه لم يظهر انصراف قصده عن الإيقاع المعارض يعذر فيه، فإن الإكراه نوع عذر له فيه، ويستحق صاحبه أن ينظر له، أما الهزل فلا يصلح أن يكون معارضا، ولا يستحق صاحبه أن ينظر له، بل هو جدير بأن يغلظ عليه؛ حتى لا يهزل بالطلاق، فإذا مظنة القصد مطردة في حقه من غير معارض، والحكم عليها، بخلاف محل النزاع، ولا يلزم إذا أجبر على الطلاق حيث ينفذ طلاقه مع انتفاء القصد، فإن المولي لا يجبر عندنا، بل الحاكم يطلق عليه إذا امتنع، إلا أنه يجبر، وكل ما يمنع الحق عن مستحقيه، فالقاضي يستوفيه للمستحق جبرا، وذلك لا يدل على سقوط اعتبار القصد في التعليق، بل وازنه استيفاء الإمام الزكاة من الممتنع قهرا بدون نية المالك، فإنه لا يدل على الإقرار بالطلاق، وصورته: ما لو أكره حتى قال: طلقت ثلاثا بالأمس، فإنه لا ينفذ إجماعا، حتى لو قال:

стр. 342

كذبت، فإنه يقبل، فليكن كذلك في الإنشاء، فإن دلالة قرينة الإكراه على صدقه هاهنا كدلالتها على صدقه، كقوله: كذبت في الإقرار لها (١). أما الحنفية فإنهم قالوا: هذا اللفظ هو العلم الدال على زوال الملك، ووقوع الطلاق، فإذا صدر من أهله مضافا إلى محله، يجب أن ينفذ، كطلاق الهازل (٢). ونحن نقول: نسلم أن اللفظ هو العلم الدال إذا لم يوجد (٣) ما يعارض على نقيضه، ولكن قد وجد ما يعارضه ويضاده، فإن الإكراه علم دال على أنه قصد باللفظ خلاص نفسه من يد الظالم لا من النكاح، على ما تقدم (٤). [١٣٥] مسألة: الطلاق عند الشافعي معتبر بصفة الزوج من [رق وحرية] (٥)، فالحر يملك ثلاث طلقات، سواء كانت زوجته حرة أو أمة (٦). وقال أبو حنيفة ﵀: الاعتبار بصفة [المرأة] (٧)، إن كانت حرة ملك

стр. 343

زوجها ثلاث طلقات، حرا كان أو عبدا، وإن كانت أمة ملك زوجها طلقتين حرا كان أو عبدا (١). ومأخذ النظر: أن حكم الطلاق عندنا قطع النكاح، والنكاح على الحرة والأمة ما يستحق من زوجته الحرة، غير أن حقه فيها قد يكون مزحوما بحق السيد، ولو ترك السيد حقه من الخدمة تسلط الزوج بحكم النكاح على زوجته الأمة تسلطه على زوجته الحرة، فهي بمثابة الحرة المحبوسة في حق إذا نكحها ناكح (٢). قال أبو حنيفة ﵀: حكم النكاح إزالة حل المحل، والحل في حق الحرة أكثر منه في حق الأمة، فكان الطلاق في حقها أكثر، وقرروا هذا بأن الحل نعمة وكرامة؛ إذ النكاح نعمة، وهو عقد مصلحة من الجانبين، وحظ الرقيق في النعم والكرامات دون حظ الحر، فكان حل الحرة [فوق] (٣) حل الأمة، ولهذا امتنع نكاح الأمة إلا [في] (٤) حال عدم الحرة، أو عدم طولها، وكذلك تفاوتا في القسم، قالوا: ويدل على نقصان الحل أمران: أحدهما: أن حق السيد فيها يقدم على حق الزوج، فإنه لا يسلمها إلى الزوج في زمن الاستخدام والانتفاع. الثاني: أن أجل الرجعة في حقها ناقص بسبب نقصان عدتها، وإذا ثبت نقصان الحل في حق الأمة، كان المزيل بحسب المزال، إن قل قل،

стр. 344

وإن كثر كثر (١). والجواب: قولهم: إن الطلاق مشروع لإزالة الحل. قلنا: قد أبطلنا ذلك في مسألة المختلعة، فإن سلمنا فلا نسلم تصور [النقصان] (٢) في الحل، فإنه لا يتجزأ في حق المحل، غاية ما في الباب أن حق الزوج فيها مزحوم بحق السيد، وقد بينا أن ذلك عارض لا يقدح في كمال الاستحقاق، كما في حق الحرة المحبوسة في حق إذا نكحها. [١٣٦]- مسألة: المبتوتة في مرض الموت لا ترث على القول المنصور في الخلاف، وهو الصحيح (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: ترث ما دامت في العدة (٤). وساعدونا فيما إذا كان الطلاق في حال الصحة، أو كان الطلاق

стр. 345

بسؤالها، أو كان قبل المسيس أنها لا ترث. وكذلك قالوا: لا يرث هو منها إذا ماتت في العدة (١). وقال أبو علي الطبري (٢): ترث وإن تزوجت (٣). ومأخذ النظر عندنا: انقطاع سبب الإرث، فإن الإرث إنما يثبت بنسب أو سبب، ولا نسب بينهما، والسبب قد زال بكل وجه؛ فإن الطلاق الثلاث أو الطلقة البائنة مزيل للنكاح من كل وجه، على ما قررناه في مسألة نكاح الأخت في [عدة الأخت] (٤) (٥). والذي نزيده هاهنا: [أن الطلاق] (٦) بأصل وضعه مستقر بحل الوثاق، ثم صار يعرف استعمال جمله الشرعية والتكرر في القرآن مختصا بحل وثاق النكاح، فكان كالنص بأصل الوضع في الدلالة على قطع النكاح، وهو معتبر بالإجماع والأصل اعتبار اللفظ في جهة إشعاره، ويتأيد ذلك بالطلاق قبل

стр. 346

المسيس، فإنه قاطع من كل وجه إجماعا، والأحاديث سواه. وللخصم مأخذان: * أحدهما: دعوى بقاء النكاح من وجه؛ لقيام العدة. وهو باطل بما لو طلقها في حال الصحة، ومات في عدتها. * المأخذ الثاني: دعواهم التهمة في طلاق المرض بقصد الفرار من توريثها إذا ثبت لها حق الإرث في أمواله بمرض الموت على وجه تنقلب حقيقة الملك عند الموت، بدليل أنها تتمكن من نقض تبرعاته فيما زاد على الثلث، قالوا: والنكاح سبب حقها، فكما يحجر عليه في إبطال سبب حقها، لأن عصمة حقها تتم بالأمرين جميعا (١)، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه خلاف الظاهر، فإنها حالة انقطعت فيها آماله إلا من الله- ، قادم على ربه، خائف عقابه، راج ثوابه، فلا يظن به أنه يرتكب محرما، وقد استشهد الأصحاب على ذلك بقصة الصديق حين عهد إلى عمر ﵄، فقال: «هذا ما عهد أبو بكر ﵁ آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالعقبى، حالة يبر فيها الفاجر، ويؤمن بها الكافر، أني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن عدل وأحسن السيرة فذاك ظني به، وإلا فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» (٢). الثاني: أن ذلك يبطل بما قبل المسيس، فإنه متهم ولا ترث.

стр. 347

* فإن قالوا: لا، لم يبق ثم علاقة، فإنه لا عدة. قلنا: باطل بالطلاق في حال الصحة، فإن العدة قائمة، ولا ترث، ويبطل - أيضا - بما لو كان له ابن عم مكاشح (١)، فتبنى لقيطا من قارعة، ونفى ولده باللعان في مرض الموت، فإن كل ذلك نافذ مع التهمة، وربما تمسكوا في المسألة بما اعتقدوه إجماع الصحابة، وهو ما روي أن عثمان -[﵁]- ورث زوجة عبد الرحمن بن عوف تماضر بنت الأصبغ الكلبية (٢)، وقد طلقها في مرض الموت، وقال: «من فر من كتاب الله رد عليه» (٣)، قالوا: هذه قصة كانت بمشهد من الصحابة، وانتشرت وذاعت، وما أنكر منكر، فكان إجماعا (٤).

стр. 348

والجواب عن هذا أن نقول: دعوى الإجماع غير ممكن، فإن في زمن عمر ﵁ كان أصحاب رسول الله ﷺ قد بعدوا وتفرقوا، وتناءت بهم الديار، وتنازحت الأوطان، سرية في الشرق، وسرية في الغرب، فمن أين فهم اجتماعهم وموافقتهم على هذا الحكم؟، وتصور مثل ذلك عسر، ثم لا نسلم عدم الإنكار؛ إذ نقل عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: «لو كان الأمر إلي لما ورثتها» (١)، وإن سلم سكوت الكل؛ فلأن الحكم في محل الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب، أو لعلهم سكتوا حتى لا يشقوا العصا على الإمام؛ إذ لا يعترض عليه فيما يفضي إليه اجتهاده (٢).

стр. 349

[١٩] مسائل الرجعة [١٣٧] مسألة: وطء الرجعية حرام عندنا، وكذا الاستمتاع بها، والنظر إليها بشهوة وغير شهوة (١). وقال أبو حنيفة ﵀: لا يحرم وطؤها، وإذا وطئها حصلت بذلك الرجعة (٢). وقد سلم تحريم الخلوة والمسافرة بها من غير قصد [الارتجاع] (٣) (٤). ومأخذ النظر: أن الطلاق عندنا يزيل الملك في حق الحل دون سائر الأحكام. وعندهم لا يزيل الملك ولا الحل ولا [شيئا] (٥) من الأحكام في الحال. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أن نقول: لا يخلو هذا الطلاق إما أن

стр. 350

يكون قد أوجب خللا في النكاح، وأثر أثرا، أو ما أوجب، فإن قلتم: ما أوجب خللا ولا أثر أثرا، وإن ما بعد الطلاق وما قبله على صفة واحدة كانت العدة واجبة في صلب النكاح، وإذا كان كذلك؛ [فيجب] (١) ألا يحتسب بها؛ لأنها تكون [كمدة] (٢) تربص الإيلاء والطلاق المعلق، وقد أجمعنا على أنه يحتسب بها من البينونة، حتى لا يجب عليها عدة أخرى بعد انقضائها، و [لو] (٣) لم يكن الوطء محرما لكانت المدة [تربصا] (٤) من غير احتساب، فيحتاج بعد ذلك إلى استئناف عدة كما في مدة الإيلاء والطلاق المعلق، وحيث انعقد الإجماع على أنه يحتسب بها من العدة، دل أنها مانعة من الوطء، كعدة البائن. وإن قلتم: إن الطلاق أوجب خللا، وأثر أثرا. قلنا: فهذا القدر من الخلل كاف [في] (٥) تحريم الوطء؛ لأن الأبضاع يحتاط لها، والحل أول ما يرتفع، وأسبق ما يرتحل من أحكامها، ونظيره: ما إذا أسلم أحد الزوجين، فإن أبا حنيفة قال: يثبت حل الوطء ويرتفع في الحال، ثم إن كان ذلك في دار الإسلام (٦)، وإن كان في دار الحرب وقف

стр. 351

على مضي ثلاثة أقراء، فكما جاز أن يبقى العقد هناك، فلأجل [ذلك] (١) جاز في مسألتنا مثله (٢). وأبو حنيفة ﵀ يدعي أن الحل في النكاح لا يقبل الانفصال عن الملك، وذاك أنه قال: لا بقاء للسبب مع [ارتفاع] (٣) حكمه، والحكم الأصلي والمقصود الكلي في النكاح هو الحل، ومن ضرورة ارتفاع الحل ارتفاع النكاح، وهذا مطرد في سائر الأسباب، لا يبقى سبب مع زوال حكمه، بل في ملك اليمين جاز أن يرتفع الحل ويبقى الملك [تابعا] (٤)، فإن المكاتبة لا يحل وطؤها، والملك في حقها قائم؛ فإن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم (٥). والجواب عن هذا: أن نقول: يجوز أن يرتفع الحل مع بقاء العقد، بدليل الحكم والمعنى. أما الحكم: فما ذكرناه من إسلام أحد الزوجين. وأما المعنى [فهو] (٦) أن نقول: الزوال على ضربين: زوال مطلق، وزوال مترقب. فالزوال المطلق هو: الذي يرفع السبب؛ لأن السبب إذا كان مطلقا فزال

стр. 352

حكمه مطلقا ارتفع. والزوال المرتقب هو الذي يقدر على استدراكه، ومسألتنا من هذا القبيل؛ فإن زوال الحل لم يكن مطلقا، وإنما هو مترقب، فلا يكون على الحقيقة زوالا، [بل هو احتباس، كما بيناه من إسلام أحد الزوجين، ولو كان زوالا] (١) مطلقا لاحتاج إلى سبب مثل الأول كامل بشروطه. [١٣٨] مسألة: لا تحصل الرجعة عندنا إلا بصريح القول، على ما نطق به القرآن في حق القادر على النطق، وبالإشارة عند العجز عن القول، كالنكاح (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: تحصل بالقول، أو الفعل، فتحصل بالوطء بقصد الرجعة (٣)، والنظر إلى الفرج، واللمس، والقبلة بشهوة، فأما إذا كان بغير شهوة فإنه لا تقع به الرجعة، فلا تحصل بالخلوة إلا [إذا] (٤) قصد بها الارتجاع (٥)، ومعنى حصول الرجعة عندهم: ارتفاع تحريم الخلوة والمسافرة بها (٦). واعلم أن هذه المسألة فرع المسألة السالفة، من حيث إن الرجعية محرمة

стр. 353

الوطء عندنا، فكان إعادة الحل فيها كالإنشاء في اشتراط القول. وعندهم: لم يحرم وطؤها، وإنما الملك أشفى على الزوال، فأشبهت الجارية المبيعة في مدة الخيار، فإنها تعود بالقول مرة، وبالوطء أخرى، أعني: إذا وطئها البائع، فإنه يكون فسخا، قالوا: وجه الشبه بينهما أنه استدراك مستدرك أشفى على الزوال (١). ونحن نقول: هذا أصل ألحقتم مسألتنا به، وهاهنا أصل آخر في معارضته، لا يحصل [الارتجاع] (٢) فيه بالوطء، وهو في الجارية الموهوبة، فإن الواهب إذا وهب ممن يملك [الارتجاع] (٣) عليه ثم وطئها في يد المتهب لم يكن ذاك ارتجاعا لها إلى ملكه، ومسألتنا بهذه المسألة أشبه، من حيث إن الارتجاع في مسألتنا لا يرفع السبب ولا يزيله، ولا يقطع ما به حصل الخلل، وهو الطلاق، فإنه باق، ولا يرتفع، فكان الارتجاع مع قيام الطلاق الذي هو السبب للزوال على خلاف القياس، وكذلك ارتجاع الموهوبة، فإنه ثبت أيضا - على خلاف القياس؛ لأن ملكه زال، وارتفع الحل، وارتجاعها بعد ذلك إلى ملكه بمجرد قوله أمر لا يقتضيه القياس، بخلاف وطء الجارية المبيعة في مدة الخيار، فإنه حصل به الاستدراك على وفق القياس، من حيث إن الخيار هو الذي أثبت الحل، فكان الرجعة [و] الاستدراك مزيلا للسبب من أصله، فارتفع الخيار، وانفسخ البيع، فعادت الجارية إلى ما كانت،

стр. 354

فارتجاع المنكوحة [شبية] (١) بارتجاع الموهوبة. فإن قيل: القصد أمر كامن لا يوقف عليه، وإنما يتوصل بالدلالات إليه، والوطء أبلغ منه. قلنا: الوطء يكون دلالة (٢) إذا لم يعارضه سبب آخر على نقيضه (٣) يدل على أنه لا إرادة [له] (٤) أصلا، وهو إذا نزلت إليه وهو نائم، أو وطئها يعتقد أنها حليلته [الأولى] (٥)، أو أجنبية، ومعلوم أن الرضا والكراهة فرع العلم، وتبع له، من لا يعلمها كيف يتصور أنه يريدها ويقصدها، فدل أن هذا كلام لا فقه فيه. [١٣٩] مسألة: إذا آلى من زوجته، بأن قال لها: والله لا وطئتك أبدا، أو لا وطئتك أكثر من أربعة أشهر، فعندنا تضرب له أربعة أشهر، فإن فاء (٦) إليها، وإلا يقال له بعد مضي أربعة أشهر: إما أن تفيء إليها أو تطلقها، فإن لم يفي كيف تطلق؟، فيه وجهان

стр. 355

أحدهما: يجبر على الطلاق. والثاني: يطلق الحاكم عليه (١). وقال أبو حنيفة ﵀: تضرب له مدة أربعة أشهر، فإن فاء إليها في المدة، وإلا وقع الطلاق [عقيب] (٢) انقضاء المدة شرعا بائنا (٣). ومأخذ النظر: أن مدة الإيلاء حق للزوج عندنا، لا يتوجه عليه (٤) المطالبة فيها، ولا هي محل للفيئة ولا للطلاق، فإذا انقضت حلت المطالبة عليه، فيوقف، ويطالب بالفيئة، وهو الجماع أو الطلاق، إلا أنه [إن وطئ في المدة يكون قد أوفى الحق، ولكنه قدمه على وقته كالدين المؤجل] (٥)، واستدل الشافعي على ذلك بقوله - تعالى -: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فإنه (٦) أضاف المدة إلى المولي، وجعلها له، فيجب ألا يطالب فيها بشيء، ولا [يجب] (٧) إلا بعد انقضاء الأجل؛ لأن المدة لمن عليه الدين، كذلك هاهنا المدة للمولي، فكانت المطالبة بعدها (٨).
следующие страницы →