← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

على مضي ثلاثة أقراء، فكما جاز أن يبقى العقد هناك، فلأجل [ذلك] (١) جاز في مسألتنا مثله (٢). وأبو حنيفة ﵀ يدعي أن الحل في النكاح لا يقبل الانفصال عن الملك، وذاك أنه قال: لا بقاء للسبب مع [ارتفاع] (٣) حكمه، والحكم الأصلي والمقصود الكلي في النكاح هو الحل، ومن ضرورة ارتفاع الحل ارتفاع النكاح، وهذا مطرد في سائر الأسباب، لا يبقى سبب مع زوال حكمه، بل في ملك اليمين جاز أن يرتفع الحل ويبقى الملك [تابعا] (٤)، فإن المكاتبة لا يحل وطؤها، والملك في حقها قائم؛ فإن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم (٥). والجواب عن هذا: أن نقول: يجوز أن يرتفع الحل مع بقاء العقد، بدليل الحكم والمعنى. أما الحكم: فما ذكرناه من إسلام أحد الزوجين. وأما المعنى [فهو] (٦) أن نقول: الزوال على ضربين: زوال مطلق، وزوال مترقب. فالزوال المطلق هو: الذي يرفع السبب؛ لأن السبب إذا كان مطلقا فزال

стр. 352

حكمه مطلقا ارتفع. والزوال المرتقب هو الذي يقدر على استدراكه، ومسألتنا من هذا القبيل؛ فإن زوال الحل لم يكن مطلقا، وإنما هو مترقب، فلا يكون على الحقيقة زوالا، [بل هو احتباس، كما بيناه من إسلام أحد الزوجين، ولو كان زوالا] (١) مطلقا لاحتاج إلى سبب مثل الأول كامل بشروطه. [١٣٨] مسألة: لا تحصل الرجعة عندنا إلا بصريح القول، على ما نطق به القرآن في حق القادر على النطق، وبالإشارة عند العجز عن القول، كالنكاح (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: تحصل بالقول، أو الفعل، فتحصل بالوطء بقصد الرجعة (٣)، والنظر إلى الفرج، واللمس، والقبلة بشهوة، فأما إذا كان بغير شهوة فإنه لا تقع به الرجعة، فلا تحصل بالخلوة إلا [إذا] (٤) قصد بها الارتجاع (٥)، ومعنى حصول الرجعة عندهم: ارتفاع تحريم الخلوة والمسافرة بها (٦). واعلم أن هذه المسألة فرع المسألة السالفة، من حيث إن الرجعية محرمة

стр. 353

الوطء عندنا، فكان إعادة الحل فيها كالإنشاء في اشتراط القول. وعندهم: لم يحرم وطؤها، وإنما الملك أشفى على الزوال، فأشبهت الجارية المبيعة في مدة الخيار، فإنها تعود بالقول مرة، وبالوطء أخرى، أعني: إذا وطئها البائع، فإنه يكون فسخا، قالوا: وجه الشبه بينهما أنه استدراك مستدرك أشفى على الزوال (١). ونحن نقول: هذا أصل ألحقتم مسألتنا به، وهاهنا أصل آخر في معارضته، لا يحصل [الارتجاع] (٢) فيه بالوطء، وهو في الجارية الموهوبة، فإن الواهب إذا وهب ممن يملك [الارتجاع] (٣) عليه ثم وطئها في يد المتهب لم يكن ذاك ارتجاعا لها إلى ملكه، ومسألتنا بهذه المسألة أشبه، من حيث إن الارتجاع في مسألتنا لا يرفع السبب ولا يزيله، ولا يقطع ما به حصل الخلل، وهو الطلاق، فإنه باق، ولا يرتفع، فكان الارتجاع مع قيام الطلاق الذي هو السبب للزوال على خلاف القياس، وكذلك ارتجاع الموهوبة، فإنه ثبت أيضا - على خلاف القياس؛ لأن ملكه زال، وارتفع الحل، وارتجاعها بعد ذلك إلى ملكه بمجرد قوله أمر لا يقتضيه القياس، بخلاف وطء الجارية المبيعة في مدة الخيار، فإنه حصل به الاستدراك على وفق القياس، من حيث إن الخيار هو الذي أثبت الحل، فكان الرجعة [و] الاستدراك مزيلا للسبب من أصله، فارتفع الخيار، وانفسخ البيع، فعادت الجارية إلى ما كانت،

стр. 354

فارتجاع المنكوحة [شبية] (١) بارتجاع الموهوبة. فإن قيل: القصد أمر كامن لا يوقف عليه، وإنما يتوصل بالدلالات إليه، والوطء أبلغ منه. قلنا: الوطء يكون دلالة (٢) إذا لم يعارضه سبب آخر على نقيضه (٣) يدل على أنه لا إرادة [له] (٤) أصلا، وهو إذا نزلت إليه وهو نائم، أو وطئها يعتقد أنها حليلته [الأولى] (٥)، أو أجنبية، ومعلوم أن الرضا والكراهة فرع العلم، وتبع له، من لا يعلمها كيف يتصور أنه يريدها ويقصدها، فدل أن هذا كلام لا فقه فيه. [١٣٩] مسألة: إذا آلى من زوجته، بأن قال لها: والله لا وطئتك أبدا، أو لا وطئتك أكثر من أربعة أشهر، فعندنا تضرب له أربعة أشهر، فإن فاء (٦) إليها، وإلا يقال له بعد مضي أربعة أشهر: إما أن تفيء إليها أو تطلقها، فإن لم يفي كيف تطلق؟، فيه وجهان

стр. 355

أحدهما: يجبر على الطلاق. والثاني: يطلق الحاكم عليه (١). وقال أبو حنيفة ﵀: تضرب له مدة أربعة أشهر، فإن فاء إليها في المدة، وإلا وقع الطلاق [عقيب] (٢) انقضاء المدة شرعا بائنا (٣). ومأخذ النظر: أن مدة الإيلاء حق للزوج عندنا، لا يتوجه عليه (٤) المطالبة فيها، ولا هي محل للفيئة ولا للطلاق، فإذا انقضت حلت المطالبة عليه، فيوقف، ويطالب بالفيئة، وهو الجماع أو الطلاق، إلا أنه [إن وطئ في المدة يكون قد أوفى الحق، ولكنه قدمه على وقته كالدين المؤجل] (٥)، واستدل الشافعي على ذلك بقوله - تعالى -: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فإنه (٦) أضاف المدة إلى المولي، وجعلها له، فيجب ألا يطالب فيها بشيء، ولا [يجب] (٧) إلا بعد انقضاء الأجل؛ لأن المدة لمن عليه الدين، كذلك هاهنا المدة للمولي، فكانت المطالبة بعدها (٨).

стр. 356

وقال أبو حنيفة: المدة - أعني الأربعة الأشهر - محل للفيئة والطلاق، وأنه متى طلق أو وطئ يكون قد أتى بذلك في محله، فإذا انقضت المدة ولم يطأ طلقت المرأة طلقة بائنة، وشبهوا ذلك بالطلاق، وقالوا: هذا اللفظ يقتضي وقوع الطلاق بنفسه، من حيث إنه مضاد للنكاح مناقض لوضعه؛ لأنه حلف ألا يطأها، ورفع الحل، ومعلوم أن حكم النكاح الأصلي هو الحل، فإذا رفعه بقوله، وحلف على [تركه] (١)، كان يجب أن تثبت البينونة عقيب انقضائها، كما في الطلاق، فإن القياس يقتضي [إثبات] (٢) النكاح به في الحال؛ لأنه إسقاط حق، وهو المنافي للنكاح، غير أن الشرع ضرب فيه مدة وأجلا؛ رخصة له، ثم المدة إذا انقضت وقعت البينونة عقيبه، كذلك هاهنا (٣). ونحن نقول: هذا فاسد قطعا، فإن الطلاق إما أن يقع بصريح أو كناية. أما الصريح فألفاظه (٤) محصورة، ليس الإيلاء واحدا منها. وأما الكناية، فليس الإيلاء - أيضا - من جملتها؛ لوجهين: أحدهما: أن الكناية إذا نوى بها الطلاق تنجز الوقوع في الحال، وهاهنا إن نوى الطلاق لا يقع في الحال. الثاني: أن الكناية تفتقر إلى نية، وهاهنا لا تحتاج عندكم إلى نية عقيب

стр. 357

انقضاء المدة، وإذا بطل أن يكون كناية، وبطل أن يكون صريحا، والطلاق [مختصر] (١) في هذين الطريقين لم يبق لإيقاع الطلاق وجه. قولهم: إنه رفع الحل المقصود بالنكاح. قلنا: باطل؛ فإن قوله: والله لا وطئتك، ليس رافعا للحل من المحل، بل الحل قائم لا يرتفع بقوله، وغاية ما وجد منه: الانكفاف والامتناع من الوطء، وإنما رفع الحل إلى الشرع لا إليه، والشرع ما [أزال] (٢) الحل بقوله: والله ما وطئتك كما في قوله: والله لا أكلت الطعام، بل الوطء إلى اختياره، والحكم ثابت بحاله، فهو بمثابة ما لو قال: والله لا أنفقت عليك، والله لا كسوتك، فإذا قصد الإضرار بها؛ فإن كان له مال أخذ منه الحاكم، وأنفق عليها، وكساها، فإن تعذر ذلك فعندنا لها أن تفسخ النكاح، وعندكم يرفع يده عنها. قولهم: إن مدة الإيلاء كمدة الطلاق. باطل؛ لأن مدة الإيلاء مدة تربص لا يحتسب بها عن البينونة، بخلاف العدة المتعقبة للطلاق، فإنها ليست مدة تربص، فإنه يحتسب بها عن البينونة. وربما احتجوا بقول ابن عباس ﵄: «الإيلاء طلاق جاهلي، فزاد الشرع فيه أجلا» (٣).

стр. 358

قلنا: قوله: (طلاق جاهلي) لا عبرة [به] (١)، بل يجب أن يكون طلاقا إسلاميا. وقولهم: زاد [الشرع] فيه أجلا. هذا من قوله، وقول الواحد من الصحابة لا حجة فيه (٢)، على أنه معارض بما روى الشافعي عن سليمان بن يسار (٣) قال: أدركت بضعة عشر نفسا من الصحابة كلهم يوجبون على المولي بعد مضي أربعة أشهر؛ أما أن يفيء أو يطلق (٤).

стр. 359

[٢٠] مسائل الظهار [١٤٠]- مسألة: ظهار الذمي صحيح عندنا، ويتعلق به من الحكم ما يتعلق بظهار المسلم، ويكفر [بالإعتاق] (١) [والإطعام] (٢)، ولا يكفر بالصيام؛ لأنه لا يتصور منه (٣). وقال أبو حنيفة: لا يصح منه الظهار ولا التكفير عنه (٤). ومعنى الظهار: تشبيه المحللة بالمحرمة بصيغة مخصوصة. وأما العود فقد اتفقنا على أن معناه نقض الظهار. واختلفنا فيما يحصل به النقض. فعندنا بإمساكها بعد التلفظ بالظهار زمانا يسع الطلاق من غير إيقاع طلاق، فإنه قد يكون كذب في تشبيهه؛ لمناقضة قوله فعله (٥).

стр. 360

وعندهم يحصل بالعزم [على الوطء] (١) (٢). وللمسألة مأخذان: أن حكم الظهار عندنا: تحريم المنكوحة عليه تحريما مطلقا، والكفارة موجب العود؛ لكونها رافعة للتحريم المطلق الذي اقتضاه السبب بنعت الإطلاق، حتى لو طلق عقيب الظهار فإن الكفارة لا تجب إجماعا، ثم إذا صار عائدا، ولزمته الكفارة يحرم عليه الوطء حتى يكفر؛ لقوله - تعالى -: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: ٣]، والدليل على أن حكم الظهار التحريم المطلق أنه لو وطئ قبل الكفارة فقد فات وصف التقديم على المسيس، ولم يبق إلا كفارة بعد المسيس، فإنا [نقضي] (٣) بكون المسيس محرما إلى حين براءة الذمة من الكفارة، فدل أن الكفارة رافعة تحريم الظهار. وإذا ثبت أن حكم الظهار التحريم، فالذمي أهل للتحريم المطلق (٤)، بدليل الحكم والحقيقة. أما الحكم: فلأن الكفر حرام عليه إجماعا، وكذلك الزنا والقتل وسائر الجنايات. وأما الحقيقة: [فهو] (٥) أن الشرع [جعل] (٦) التحريم للزجر عاجلا،

стр. 361

وللتأثيم آجلا، والذمي أهل لهما، بدليل أصل التكليف (١). وقال أبو حنيفة: حكم الظهار وموجبه تحريم مؤقت، ينتهي بإخراج الكفارة، ولو صححناه من الكافر كانت الحرمة غير مؤقتة؛ لكون الكفارة لا تصح منه، واستدل على الدعوى الأولى بحديث سلمة بن صخر البياضي (٢) ﵁ حين ظاهر [من] (٣) امرأته في ليلة [قمراء] (٤)، فلم يتمالك حتى واقعها، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ـ، فقال: «استغفر الله، - ولا تعد حتى تكفر» (٥)، وكلمة (حتى) لانتهاء الغاية، دل السبب: لم ينقض التحريم إلا إلى هذه الغاية، فصار كملك المنافع في الإجارة، وأما بيان أن

стр. 362

الذمي ليس من أهله [فهو] (١) أن الكفارة عبادة، والكافر ليس أهلا للعبادة؛ لوجهين: (أحدهما: افتقارها، وحقيقة الشيء لا يخلو عنه بدله ومبدله، والصوم عبادة محضة) (٢) (٣). والجواب عن هذا المأخذ من وجهين: أحدهما: أنا [نمنع] (٤) دعوى التأقيت بالانتهاء، وكلمة (حتى) كما تستعمل [لانتهاء] (٥) الغاية تستعمل لارتفاع الحكم لنظر وقاطع، كما في قوله - تعالى -: ﴿حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣]، فإنها ليست للغاية، بل معناها: حتى ترفعوا الجنابة بالغسل. قولهم: إن الكفارة عبادة. قلنا: لا نسلم، بل هي غرامة. وأما النية فتشترط فيها لا للتقرب، بل للتعيين والتمييز، كما في كتاب الطلاق، فإن الرجل قد يعتق متبرعا، وقد يعتق عن الكفارة، وإذا عين جهة الكفارة كفى، وكما قلتم في جزاء الصيد، تجب فيه النية للتعيين.

стр. 363

* قولهم: إن الصوم بدل فيبدل. قلنا: لا جرم، لا يخلو عنه بدله ومبدله. * قولهم: إنه عبادة محضة. قلنا: لا نسلم أنه شرع هاهنا بجهة كونه عبادة، بل دخل في باب الكفارة، من حيث إنه سبب الكلفة والمشقة، فإن متابعة شهرين بالصوم الكلف والمشاق، ثم المشقة في الإعتاق أعظم من الصيام، وفي الإطعام أنقص من الصيام، فلا جرم توسط الصيام بينهما، فكان بدلا عن الإعتاق، ومبدلا عن الطعام. الجواب الثاني عن أصل الكلام: أنه يبطل بالإيلاء، فإنه صح مع تقييده بالكفارة. المأخذ الثاني: قولهم: سلمنا أن موجبه التحريم المطلق، لكنه من فروع الشرع، والذي لا يمكن خطابه بفروع الشرع [ا] (١) يمكنه إقامة الفروع إلا بعد إحكام [الأصول] (٢)، وهذه مسألة أصولية مشهورة (٣)، وأقرب دليل على

стр. 364

بطلانه هاهنا أن المجوسي يستحل أمه، وقد قلتم بصحة ظهاره، فكيف يكون قوله: أنت علي كظهر أمي تحريما في حقه؟!. والجواب من وجهين: أحدهما: أن جميع ما ذكرتموه باطل بحرمة الإيلاء، والطلاق، والخلع، والعدة، والحيض، والمصاهرة، والحرمة المغلظة بالطلقات الثلاث، فإن جميع هذه التحريمات ثابتة في حق الذمي حسب ثبوتها في حق المسلم إجماعا. الثاني: أن دليل القبول قائم، فيلزمه القبول كأصل الإسلام. * قولهم: إنه لا يمكنهم إقامة الفروع إلا بعد إحكام الأصول. قلنا: لا جرم يلزمهم الفروع بشروط تقديم الأصول، كالمحدث يؤمر بالصلاة [بشرط تقديم الطهارة؛ وهذا لأن المقتضي بخطابهم بالأصول كونهم فاهمين] (١) للخطاب، قادرين على الامتثال، وهو متحقق في الفروع، ويشهد له نص قوله - تعالى -: ﴿ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٥]، مع أنهم عوقبوا على ترك الصلاة والزكاة. وقولهم: إن المجوسي يستحل أمه، فلا يتحقق في حقه الظهار. قلنا: لا عبرة باعتقاده، بل الاعتبار بوضع الشرع، والأم محرمة

стр. 365

شرعا، اعتقد ذلك معتقد أو لم يعتقد، ألا ترى أنا لا نقره على نكاح محارمه إذا أسلم، ولا يعتبر اعتقاده كذلك هاهنا (١). [١٤١]- مسألة: إعتاق الرقبة الكافرة لا تجزئ في كفارة الظهار ولا غيرها من الكفارات عندنا (٢)، خلافا لأبي حنيفة ﵀، فإنه قال: الإيمان شرط في كفارة القتل فحسب (٣). ومأخذ النظر: أن الزيادة على النص المطلق عندنا بيان للمراد المطلق، فليس في اشتراط الإيمان في كفارة الظهار نسخ بما دل الكتاب على إيجابه، من حيث إن وجوب الإعتاق في حق المعتق ابتلاء، وفي حق المعتق ترفيه وإنعام، وتوسيع وإكرام من المعتق، فإذا ذكر الإنعام مقرونا بالإسلام ظهر بينهما وجه الالتئام، وبان أن المطلوب في حق المعتق الابتلاء مقيد بقيد الإيمان، وأن الكافر ليس أهلا لأن يكون مصرفا لحقوق الله - تعالى - (٤). وزعمت الحنفية: أن المأمور به في الكتاب تحرير رقبة مطلقة، فإثبات قيد الإيمان زيادة على النص، وهو نسخ، فيمتنع بالقياس، وقرروا هذا بأن الإطلاق مقصود الكلام كالتقييد، فكما لا يرتفع مقيده بالإطلاق، لا يرتفع مطلقه بالتقييد، قالوا: ولا يلزم على هذا الاشتراك السلامة، فإن المطلق

стр. 366

مجمل على الكامل، والعيب نقصان للأجزاء المحسوسة من المآخذ التي كانت الرقبة اسما لمجموعها، وزوال العقل والبصر وسائر القوى ملحق بالأجزاء، بدليل نقصان ضمانها عن تقدير ضمانها كاملة، لا يلزم المرتد، فإنه هالك حكما، فيكون موجودا من وجه، والمطلق يقتضي وجودا من كل وجه، أما الإيمان ففضيلة زائدة على كمال الذات، كالعلوم، والآداب، فاشتراطهما يكون زيادة في الكلام (١). والجواب: هو أنا لا نسلم أن اشتراط قيد الإيمان نسخ، فإن النسخ إثبات ما دل الكتاب على نفيه، أو نفي ما دل على ثبوته، والإيمان مسكوت عنه في كفارة اليمين والظهار، فلم يكن إثباته نسخا، بل هو ضم دليل إلى دليل، وإعمالهما في حق الحكم جميعا، نعم لو عرف أن المطلق أريد إطلاقه ونفي القيد عنه، امتنع تقييده بالقياس، ولم يثبت ذلك، فكان إثبات الإيمان بيانا لا نسخا، ثم ينتقض جميع ما ذكروه بمسائل التقبيل، فإن مطلق لفظ الرقبة ينطلق على المعيب، والمجنون، والمرتد، حتى لو قال: رقابي أحرار؛ عتق جميعهم، وكلها قيود أثبتناها بالأدلة، فكذلك وصف الإيمان. قولهم: إن المطلق في كل جنس ينصرف إلى الكامل من ذلك الجنس. قلنا: لا نسلم، بل الإطلاق ينصرف إلى السليمة والمعيبة، [فقولك] (٢): رقبة، كقولك: إنسان، يقع على الرجل والمرأة، والكامل

стр. 367

والناقص، وتدل عليه الأحكام، فإنه لو قال لوكيله: اشتر لي رقبة، فاشترى له رقبة [معيبة] (١)، صح بثمن المثل، وعندهم بأي ثمن كان، وكذا لو حلف لأعتقن، أو ما رأيت رقبة، وقع ذلك على السليمة والمعيبة (٢). [١٤٢] مسألة: إذا اشترى أباه على نية الكفارة، لم يجزئه عن الكفارة عندنا (٣)، خلافا لأبي حنيفة ﵀، فإنه قال: يجزئه (٤). ومأخذ النظر: أن سبب حصول العتق عندنا القرابة السابقة، والشراء شرط ممهد لمحل العتق، وهو الملك، كالإحصان مع الزنا. وتقرير المأخذ: أن القرابة تناسب العتق، والعتق يصلح أن يكون حكمها كرامة للقريب ومجازاة له على حقوقه، فإن الإعتاق صلة وإنعام وإرفاق وإكرام، والقرابة محل الصلة والإنعام والمجازاة بالحسنى، فإن حرمة الولادة يليق بها المجازاة بالعتق، على ما نطق به النص، غير أن [شرط] (٥) حصول العتق الملك، فالملك عند حصوله يقع مقرونا بالسبب المقتضي للعتق، فيحصل العتق معه بالقرابة، فلا يكون الشراء إعتاقا، والتحقيق فيه: هو أن الواجب عليه التحرير، فالتحرير عبارة عن اتحاد علة الحرية، لا عن اتحاد

стр. 368

شرطه (١). وزعمت الحنفية أن حصول العتق هو الشراء، والقرابة شرط، واحتجوا في ذلك بالنص، والحكم، والمعنى. أما النص فقوله ﷺ : «لن يجزي ولد والده حتى يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» (٢)، سماه معتقا، ولم ينشئ بعد الشراء إعتاقا، دل أنه معتق بنفس الشراء، معناه حتى يعتقه بالشراء، كما يقال: حتى يطعمه فيشبعه، أي بالإطعام. وأما الحكم: فثبوت [الولاء] (٣) للمشتري، ولا ولاء إلا لمن أعتق، قال ﵇: «وإنما الولاء لمن أعتق» (٤). وأما المعنى [فهو] (٥) أن من اشترى أباه أو قريبا سواه، وقد علم أن العتق يعقبه، فقد أتى بغاية ما في وسعه، ولا يقدر على أكثر من ذلك، فهو كمن قرب القطن من النار، فإنه يسمى محرقا؛ لأن الله - تعالى - قد أجرى العادة بأن النار محرقة لما [يقاربها] (٦)، فإذا قرب إليها ما تحرقه عد محرقا ومهلكا، حتى يجب عليه الضمان، وكذا من قطع خيط القنديل فتكسر عد

стр. 369

متلفا؛ لأن في العادة أن الخيط إذا قطع وقع القنديل وتكسر، كذلك هذا المشتري لأبيه لما كان بنفس الشراء يحصل العتق شرعا، سمي معتقا بشرائه، ويدل على أنه لو اشترى نصف أبيه لا يعتق عليه، ولا يغرم شيئا؛ لأنه لا يحصل بسببه واختياره (١). والجواب: نقول: لسنا نسلم أنه معتق بالشراء، وتسميته معتقا في الحديث مجاز، على أنه يتوصل إلى عتقه بسراية، وصاحب الشرط قد يسمى فاعلا مجازا، كما يسمى حافر البئر قاتلا مجازا، ودليل المجاز صحة اشتراط الخيار. وأما الولاء فهو حكم العتق، لا حكم الإعتاق، بدليل الطفل إذا ورث أباه، ومن ورث قريبه وهو نائم؛ فإنه يعتق عليه، فكان الولاء له من غير إعتاق، غير أن العتق في الغالب لا يحصل إلا بالإعتاق، فأخرج النبي ﷺ كلامه مخرج الغالب المعتاد، حيث قال: «الولاء لمن أعتق» (٢). والجواب عن المعنى: أنا لا ننازعكم في قولكم: إن الشراء سبب للعتق؛ فإنه ممهد سبب العتق، موصل إليه، غير أنه لو قطع العتق عن القرابة وهي السبب السابق الأول، وتميز العلة عن الشرط إنما تثبت بالمناسبة والتأثير، وعليه عول في تميز الزنا عن الإحصان، والتعليق عن الصفة، والتردي به عن حفر البئر،

стр. 370

والقرابة مناسبة مؤثرة بالاتفاق، فإنها وصلة، والعتق مكرمة وصلة، والقرابة [وصلة] (١) متقاضية، كحكم العادة للصلة، فكيف لا يتقاضى دفع يد الإذلال والإرقاق؟، فحصل العتق بهذه المناسبة. أما الشراء فهو سبب للملك، والملك بعينه [لا يناسب] (٢) زوال نفسه، والعتق عبارة عن زوال الملك، ومثبت الشيء يجوز أن يكون المسمى سبب بقائه، فأما أن يجعل سبب فنائه في عينه فهو محال، بل لا بد بأن يحال فناؤه وانقطاعه على سبب من خارج زائد على ذات الزائل بالضرورة، وهو القرابة، وأما السراية فإنه يبنى على إمكان الغرم، وإمكان الغرم يتعلق بالشرط المحض، وكذلك وجب الضمان على حافر البئر، فإنه ليس بشرط فيه إلا اختيارها، وله في هذا العتق اختيار، من حيث إنه أقدم على الشراء الذي هو شرط، ثم يعارض هذا الحكم بصحة اشتراط الخيار فيه، مع أن العتق لا يثبت فيه الخيار. [١٤٣] مسألة (٣): حد القذف يورث عندنا، ويسقط بإسقاط المقذوف (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: لا يورث، ولا يسقط بإسقاط المقذوف (٥).

стр. 371

ومأخذ النظر: أن المغلب فيه عندنا حق الآدمي، وعندهم حق الله - تعالى -، بعد الاتفاق على اشتماله على الشائبتين، أما اشتماله على الشائبتين فمن حيث إن القذف جناية على عرض هو حق الآدمي، وهو في نفسه فاحشة قبيحة عرفا وشرعا، تتضمن هتك حرمة القاذف في نفسه، كما أن السرقة جناية على حق آدمي، وهي في نفسها فاحشة قبيحة توجب هتك حرمة السارق نفسه [بتلطخه] (١) الفاحشة، وكما أن الجناية على الدم جناية على حق الآدمي وعلى حق الله - تعالى - بهدم بنية محترمة لله وللآدمي، إلا أن الشرع ميز في باب الدم الواجب لحق الله عن الواجب لحق الآدمي، فأوجب الكفارة، والقصاص أو الدية، وصارت الكفارة محض حق الله في مقابلة الجناية على حق الله، [وصار] (٢) القصاص أو الدية محض حق الآدمي، وفي السرقة ميز الواجب؛ إذ أوجب رد المال جبرا لحق الآدمي، كما في الغصب والإتلاف، وأوجب القطع محضا لحق الله؛ مجازاة على [مقارفة] (٣) الفاحشة [المستقبحة] (٤) عرفا وشرعا، وحد الزنا والشرب وجب محضا لحق الله، فإنهما وجبا مع سقوط حق المزني بها (٥) لمطاوعتها، بل وجب عليها أيضا ـ، ووجب على من شرب خمر نفسه، وفي القذف لم يميز الشرع بين ما يجب للآدمي جبرا لحقه، وبين ما يجب الله جزاء على الفاحشة لحق الله، وجبرا لحق الآدمي، من حيث إن العرض انثلم بسبب القذف، وحصل

стр. 372

بالحد التكذيب، ودحض الفساد، وإعادة صيانة العرض، فكان الحد متضمنا للمعنيين من حيث الحقيقة. وأما بيان تغليب حق الآدمي فيه [فهو] (١) أن نقول: وقع الاتفاق على أن القصاص فيه الحقان: حق الله، وحق الآدمي، والمعنيان جميعا معتبران مرعيان فيما فيه من معنى الردع والزجر، والمصلحة العامة والمنفعة الكلية صار فيه حق الله - تعالى -؛ إذ المصلحة العامة والمعاني الكلية لا تشرع لأجل الأفراد، ويدل عليه أنا [قتلنا] (٢) الجماعة بالواحد؛ تحقيقا لهذا المعنى، ومع هذا فالمغلب في القصاص حق الآدمي، حتى يسقط بإسقاطه، فرأينا أن المعنى الذي أوجب التغليب هناك: أن في استيفاء القصاص يحصل له التشفي ودرك الثأر؛ وذاك أنه إذا قتل القتيل، حصل في قلب وليه وعشيرته من استعار نيران الغضب، وتوقد الغيظ والحنق ما [لا] (٣) ينطفئ ناره إلا بقتل قاتله، فكان خصوص هذه المغيظة أشد اقتضاء من الجهة العامة المنسوبة إلى الله - تعالى -، فجعل الشرع له طريقا إلى تشفي غيظه وإطفاء وقدة قلبه، فصار بهذا الطريق حقا له، إن شاء استوفاه، وإن شاء عفا عنه، وهذا المعنى موجود في الحد، فإنه لما قذفه؛ أضرم في قلبه نيران الغضب، وأضر به، وثلم جاهه، ونكس رأسه، فالشرع جعل له طريقا إلى أن يشفي غيظه ويطفئه، كما آلمه، فإن القذف والمعيرة في وخز النفوس ما يزيد على وخز الإبر، وحر السيوف، قال الشاعر:

стр. 373

جراحات السيوف لها التنام … ولا يلتام ما جرح (١) [اللسان] (٢) وإذا كان ما جرح قلبه أبلغ من جرح نفسه، جعل الشرع له طريقا إلى أن يشفي ويزيل حزازات نفسه، وحسائك صدره، فكان الغالب عليه حقه كما في القصاص، [بخلاف] (٣) حد الزنا، فإنه لم يجب لمعنى يعود إلى الآدمي، ولا له فيه منفعة خاصة تختص به دون سائر الناس، فتمحض حقا لله - تعالى -، وكذلك الحد في السرقة، فإنه يعاد المال إلى مالكه بجملته ورمته، ثم يقطع، فالمغلب فيه الزجر العام العائد إلى جميع الخلق، فلهذا لم يسقط بإسقاطه (٤). [١٤٤] مسألة: العدتان من رجلين لا تتداخلان عندنا (٥). خلافا لهم (٦). وصورة المسألة: ما إذا طلقها زوجها، فوطئها بالشبهة واطئ في العدة،

стр. 374

أو وطئت في النكاح بشبهة، فطلقها الزوج في العدة (١). وضابط المذهب من جانبنا: أن العدتين إذا كانتا بالأقراء أو بالأشهر، فالسابقة إذا هي السابقة وجوبا أيها كانت، وإن كانت إحداهما بالحمل فهي السابقة إذا، سواء كانت سابقة أو لاحقة، ثم تعود إلى الأقراء (٢). ومذهب الخصم فيها إذا كانت (٣) بالأقراء أو بالأشهر: أن يكتفى بالعدة الثانية عنهما جميعا، ويندرج القدر المشترك تحتها، وإذا كانت إحداهما بالحمل أيها كانت، انقضت العدتان بوضعها (٤). والمذهب الصحيح عندنا: تداخل العدتين فيما إذا كانتا من شخص واحد (٥). وللمسألة مأخذان: أحدهما: أن العدة عبارة عن فعل الكف كالصوم، ولا يعقل فعلان متماثلان في زمان واحد من شخص واحد، كصومين، أو صلاتين، وكما لا يعقل في المعقول اجتماع سوادين أو بياضين في محل واحد. وعندهم هي من قبيل التروك، ويتصور ترك أفعال عدة في زمان واحد.

стр. 375

ودليل كونها فعلا: الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقوله - تعالى -: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن﴾ [البقرة: ٢٢٨]، معناه يكففن أنفسهن؛ لأن الفعل اللازم يتعدى بحرف الجر، وهو جر معناه الأمر، كقوله - تعالى -: ﴿فتحرير رقبة﴾ [النساء: ٩٢، المجادلة: ٣]، وكذلك قوله - تعالى -: ﴿ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وكلمة «على» [للإيجاب] (١)، والإيجاب إنما يتعلق بالفعل. وأما السنة فما روي عنه ﵇ أنه قال لسودة حين طلقها: «اعتدي» (٢)، وكل ذلك إشارة إلى طلب فعل منها، غير أن ذلك الفعل هو الكف والإمساك عن أمور وجبت؛ تعبدا الله - تعالى -، كالصوم بعينه، لا يفارقه إلا فيما عنه الكف، فإنه جماع، ونكاح، وتطيب، وخروج، وزينة، وفي الصوم أكل وجماع فقط، ويخالفه في المدة، فإن ذلك ينقضي إذا تبدل بياض النهار بسواد الليل، وهذه تنقضي إذا تعاقب بياض الأقراء وحمرتها ثلاثا، ويخالفه في أن ذلك يفتقر إلى النية، وهذا لغلبة حق الآدمي عليه لم يفتقر إلى النية (٣)، وكل ذلك اختلاف يرجع إلى مدة الكف، وشرطها، وما عنه الكف، ولا يرجع إلى نفس الكف والإمساك. وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على وجوب العدة، فإنها بفعل التربص

стр. 376

مدة من الزمان، ومساق ما ذكرتموه يقتضي أن العدة غير واجبة (١). فإن قالوا - وهو مأخذهم: لا نسلم أن فعل الكف مقصود بالإيجاب من العدة، بل المقصود منها ترك محظورات، وهي النكاح، والجماع، والطيب، الزينة، والبروز، إلى مضي الأجل، ودليله أمران: أحدهما: أن الفعل لو كان مقصودا لما انقضت العدة مع عدم علمها بالطلاق، ولا خلاف أنها لو [لم] (٢) تشعر بالطلاق والوفاة حتى انقضت المدة وهي خارجة متطيبة متزينة، انقضت العدة. الثاني: أن [الفعل لو كان] (٣) مقصودا لما وجبت على الصبية والذمية؛ فإن العبادات لا تجب عليهما. وإذا ثبت أن المقصود هو الترك، فترك أشياء متعددة في وقت واحد غير ممتنع؛ فإن الإنسان لا يمكنه الجمع بين الصلاة والزكاة فعلا، ويمكنه الجمع بينهما في الترك، فيكون النكاح حراما عليها لعلتين - أعني العدتين ــ، كما يحرم على المرأة الجماع بالصوم، والإحرام، والحيض، فيبتدئ الانتهاء عن الكل في حالة واحدة، بخلاف الصوم؛ فإن المقصود به الابتلاء بمجاهدة النفس، وكسرها عن شهواتها، وذلك فعل، والابتلاء الحاصل في زمان لا يمكن أن يكون حاصلا في زمانين، بخلاف ترك المحظورات في زمان واحد، على ما سبق.

стр. 377

* والجواب عن الأول: أن جميع ما ذكرتموه يبطل بالصوم؛ فإنه يمكن أن يقال: المقصود منه ألا يأكل، ولا يشرب، ولا يجامع، واستدل عليه بأنه لو نوى ليلا، وغمره النوم حتى انقضى النهار، صح صومه، [وإن] (١) كان الفعل مقصودا لما صح، ولكن قيل: إن المقصود منه الفعل؛ لأنه يعتد به بصيغة الأمر لا بصيغة النهي، فهم منه أن الكف والإمساك مأمور به، وقد قال هاهنا: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن﴾ [البقرة: ٢٢٨]، التربص: فعل الكف، ولا يوصف به إلا من يتصور منه الفعل كالصوم. * قولهم: إن العدة تنقضي مع كونها خارجة متطيبة غير عالمة بالطلاق والوفاة. قلنا: الأصل في العدة الكف عن الجماع، فإن كانت مجامعة لم تنقض، أما الخروج والتطيب والتزين فتحريمه عندنا تابع في الكف، كما أنه تابع عندهم في الترك، وكما أن ترك الغيبة تابع في الصوم، وكذا ترك الصيد واللبس في الحج. * قولهم: لو كان الفعل مقصودا لما وجب على الصبية والدمية كسائر العبادات. قلنا: العدة ليست عبادة، بل تجب للآدمي، والله - تعالى - فيها حق، ومثل هذا الوجوب لا ينافيه الصبا، ودليله النهي عندكم، فإنه ثابت من

стр. 378

العدة، والصبا ينافي التكليف نهيا وأمرا، وقد ثبت في حق الصبية التي هي بنت مهدها إذا مات عنها زوجها، حتى حرم تزويجها قبل انقضاء عدتها (١). المأخذ [الثاني: أن المغلب عندنا في العدة معنى التعبد، وكذلك تجب مع] (٢) تيقن براءة الرحم، كما لو علق طلاقها على الولادة. والمغلب فيها عندهم معنى الاستبراء، واحتجوا في ذلك بأن العدة لا تراد بعينها وذاتها، وإنما تراد للدلالة على براءة الرحم، وأقصر ما وضعه الشرع دلالة على فراغ الرحم ثلاثة أقراء، وقد حصلت، وانقضى حق الأول والثاني، فلا فائدة في تعدد الأقراء. ونحن نقول: لا ننكر أن براءة الرحم مقصود،، لكنه غير متجرد، بل معه تعبد لا يعقل معناه، بدليل ما لو علق طلاقها على براءة الرحم، فإن العدة تجب بعده، فدار [النظر] (٣) على الجمع بين التعبد، والبراءة، والتربص، والكف، والانتهاء إلى مدة، ونظركم ينتهي إلى إبطال الكل، وتجريد الترك المحض، وهو تحكم في محل التعبد، فكان الاحتواء على الكل، وسلوك مسلك الاحتياط أولى (٤).

стр. 379

[٢١] [مسائل النفقات] (١) [١٤٥] مسألة: الإعسار (٢) بنفقة الزوجة يثبت لها خيار الفسخ على القول الصحيح عندنا، فيرفع الأمر إلى الحاكم حتى يفسخ (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: لا يثبت لها سوى القدرة على مفارقة المنزل والخروج للاكتساب، فيؤمر الزوج برفع يديه عنها حتى تمضي وتكتسب، وليس لها أن تفسخ النكاح أصلا، بل يقال لها: استديني عليه (٤). ومأخذ النظر: أن النفقة عندنا أصل مقصود بالنكاح من جانب الزوجة، كما أن الوطء أصل مقصود بالنكاح من الجانبين، والسر فيه هو أن النكاح شرع لإمتاع الزوج والزوجة، والأصل في النساء [عرفا] (٥) وشرعا افتقارهن إلى قوام بمؤنهن، وكذلك أقام حالها مقام عين الحاجة، وأثبت لها النفقة

стр. 380

وإن كانت موسرة، [وقدر] (١) يسارها كالعدم، وإن كانت معسرة ففي تقييدها بالنكاح دون النفقة إهلاك هو فوق فوات الوطء قطعا، [وإحالتها] (٢) على بيت المال غاية الإجحاف؛ فإن بيت المال لا يتفرغ في كل حين، بل الغالب عدمه، وعدم قريب منفق، نعم ليست النفقة كل المقصود، ولا يشترط ذلك للفسخ، بدليل الوطء، فإنه ليس كل المقصود، ولا المقصود الأصلي، بدليل بقاء العقد للرتقاء على المجبوب، [وانعقاده] (٣) ابتداء، ولا يتصور قيام العقد بالتوابع (٤). وزعمت الحنفية أن النفقة ليست أصلا مقصودا في النكاح، بل هي تابعة، من حيث إن العقد لم يعقد لطلب المال، وإنما عقد لمقاصده وثمراته المختصة به، من السكن، والازدواج، والعشرة، وطلب الولد، والمال تابع لهذه المقاصد، ورفع العقد إنما ينزع لتخلف ما وضع له العقد، لا لما هو تابع فيه، وإنما يقبل الفسخ فيما إذا فات مقصوده أصلا، وهو الحل، بأن تطرأ ردة، أو رضاع، أو يفوت التحصن به، كما إذا وجدت زوجها مجبوبا أو عنينا، وقرروا هذا بأن النفقة حيث وجبت لها إنما وجبت لكون الزوج حبسها، وألزمها الاحتجاب عن البروز، لتعكف على أشغاله وقضاء [حقوقه] (٥) خالية البال، فكان حقها عليه القيام بمؤنتها، والاهتمام بكفايتها؛

стр. 381

ليكون ذلك بإزاء ما [فوته] (١) من مكاسبها، وما صدها عنه من الاعتياش في أسباب المعاش، فإذا أعسر بنفقتها؛ زال حبسها، فأما أن يقتضي ذلك رفع النكاح أصلا، فكل هذا عليه كلامهم (٢). والجواب عنه: ما أسلفناه في تقرير مأخذنا، والذي نزيده هنا أن نقول: وقع الاتفاق على ثبوت خيار التفريق بجب الرجل وعنته (٣)، فغلب على الظن أن شرع الخيار هناك كان دفعا للضرر عنها؛ لفوات ما ظهر كونه مقصودا مستحقا بالعقد، وتعذر القوت المستحق أعظم ضررا؛ لما فيه من خطر هلاك المهجة، وتعذر الصبر عنه، بخلاف الجماع، فإن الصبر عنه ممكن، بل معتاد في حق الرجال والنساء، وإذا ثبت التفريق لدفع أدنى الضررين، [فلأن] (٤) يثبت لدفع أعلاهما كان أولى (٥). [١٤٦] مسألة: نفقة الزوجة مقدرة عندنا على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، فعلى الموسر مدان، وعلى المعسر مد، وعلى المتوسط مد ونصف (٦).

стр. 382

ومستند هذا التقدير: أن الله - تعالى - ذكر النفقة، وأنها تختلف بالإعسار واليسار (١)، ولم [يحدد] (٢) ذلك، فلا بد له من أصل يقاس عليه، [و] (٣) أشبه الأشياء به الكفارة؛ لأنها طعام يشبه به أكله والجوعة، ثم وجدنا أعلى الكفارات مدين، وهي فدية الأذى، وأدناها مدا، وهي سائر الكفارات، فجعلنا النفقة كذلك، وأما نفقة المتوسط التي لم يدل عليها نص الكتاب، فأثبتناها بالاجتهاد، وقلنا: المتوسط حاله أعلى من حالة المعسر، وأدنى من حالة الموسر، فجعلنا نفقته مدا ونصفا (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: نفقة الزوجة غير مقدرة، وإنما الواجب كفايتها، فإن كانت رغيبة فما يكفيها، وإن كانت زهيدة متقنعة فما يكفيها، فيجتهد القاضي رأيه (٥). ولا خلاف أن نفقة القريب [غير مقدرة، بل تجب كفايته] (٦). ومأخذ النظر: تردد المسألة بين أصلين (٧) وهما: نفقة القريب، والإطعام في الكفارات. فالشافعي يقول: لا تقدير في النفقة، ولا بد من التقدير؛ فهو ضرورة

стр. 383

الإثبات في الذمة، ودواعي الغذاء بتفاوت المزاج، والمطلع عليها رب الأرباب، فما رآه الرب - تعالى - كفاية في حق كل شخص فهو أعرف به من القاضي لا محالة، ومظان الجهالات يتحرز عنها بالضوابط إذا وجدت، ولا بد للقاضي من مسلك في التقدير، وتقدير الله أولى من تقدير القاضي، فليترك القاضي خطر التخمين والتحري في معرفة كفاية العباد، فإن الله قد كفاه، فليتخذ الأقصى والأدنى والوسط أسوته؛ ليستفيد به الخلاص عن الخطر في تقدير ما لا يعرف، ويستفيد به الفرق بين الموسر والمعسر كما قال الله - تعالى -. وأبو حنيفة يقول: إذا لم تكن نفقة الازواج مقدرة شرعا، [فلا بد] (١) من نوع اجتهاد، ودعا إلى الأولى، فأولى الأصول بها نفقة القريب، وقد قال - تعالى -: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فجعل ضابطها قدر الكفاية بموجب العرف والعادة، أما الكفارات فجنس آخر من الأحكام، شرعت ماحية للسيئات والجرائم الموجبات، فهي تتقدر بقدر الجريمة، فكيف يتعرف منها مقدار النفقة؟ (٢) *والجواب: قلنا: هاهنا مذهبان لا ثالث لهما، فإذا أبطلنا أحدهما تعين الآخر. فأبو حنيفة يقول: تجب الكفاية، والشافعي يقول: هي مقدرة. فنقول: لو كان الواجب كفاية الزوجة لكان ينبغي إذا شبعت من موضع

стр. 384

آخر، وكانت [ذات] (١) غنى وثروة أنه لا تجب نفقتها على الزوج، كما في حق القريب إذا شبع أو استغنى، فلما وجبت نفقتها بكل حال دل أنه ليس المعتبر في نفقتها حسب كفايتها. *قولهم: إن الكفارات جنس آخر. قلنا: نحن ألحقنا مسألتنا بالكفارة، [وشبهناها] (٢) بها من وجه واحد، وهو أنهما [يستويان] (٣) في الحاجة الأصلية العامة، لا في حاجة خاصة، والقياس على ضربين قياس أصلي كلي، وقياس ضروري، أما القياس الكلي فيعتبر فيه التساوي في السبب والمعنى، [و] (٤) أما القياس الضروري فيعتبر التساوي في المعنى لا في السبب، وهذا القياس الذي ذكرناه قياس ضرورة؛ وذلك [أنا] (٥) لما اعتبرنا ما يقابله؛ رأيناه باطلا منتقضا، وهو اعتبار الكفاية، وحيث لم يعتمد على نقيض قياسنا صح ما صرنا إليه من اعتبار التقدير أصلا، وقلنا: لا بد له من أصل يعتبر به، [فلم] (٦) نجد أصلا قريبا سوى الإطعام في الكفارة، فألحقناه، فصار قياس حاجة؛ إذ لم نجد سوى هذا الأصل، فجمعنا بينهما من الوجه الذي اجتمعا فيه، وإن افترقا في أشياء أخر.

стр. 385

وربما تمسكوا بحديث هند (١) [﵂] وأنها جاءت إلى النبي ﷺ وسلم -، صلى الله فكان رسول الله ﷺ وسلم - إذا أراد مبايعة النساء المؤمنات كان يترك بين يديه وستم طاسة فيها ماء، يغمس يده فيها، ويغمسن أيديهن فيه؛ حتى لا يصافحن، وكان يقول: «على أن لا يشركن بالله شيئا»، فقالت: أما الشرك فقد تركناه، قال: «ولا يسرقن»، قالت: ولا يسرقن؟! إنما أبو سفيان رجل شحيح، فكيف صلى الله آخذ منه زيادة فوق ما يعطيني ليكفيني؟، فقال ﷺ وسلم -: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (٢)، وقالوا: هذا نص. وتمام القصة: أن النبي ﷺ وسلم - قال: «ولا يزنين»، قالت: وهل تزني صلى الله وستم الحرة؟!، قال: «ولا يقتلن أولادهن»، قالت: نحن ربيناهم صغارا، صلى الله وقتلتموهم كبارا ببدر، فقال رسول الله ﷺ وسلم -: «هند!»، فقالت: نعم، الإسلام يجب ما قبله، فقال: «ما قتلناهم، الحق قتلهم». *والجواب: نقول: المراد بالكفاية ما يجب على الموسر، وهو مدان، فهذا هو غالب

стр. 386

مما يقع به الكفاية في اليوم، وهو المعروف، فانصرف الكلام إليه، أو كان قد علم أن أبا سفيان لكونه غنيا تطيب نفسه بذلك، ولا يضيق منه صدره، فأذن لها كذلك (١). [١٤٧] مسألة: المشرقي إذا تزوج مغربية وأتت بولد لزمان لا يتصور اجتماعهما فيه؛ لا يلحقه الولد عندن ا (٢). خلافا لهم (٣). ومأخذ النظر: أن صور الأسباب الشرعية الخالية عن المعاني المرعية في ضمنها قطعا لا عبرة بها عندنا، من حيث إن صور الأسباب لا تناسب الأحكام، وإنما المناسب ما تتضمنه، وحيث اعتبرنا صور الأسباب دون مضمونها، فذاك لتعذر الوقوف والاطلاع على مضمونها، فمتى أمكن الاطلاع على مضمون السبب، فهو المعتبر لا صورة السبب، وهاهنا أمكن الاطلاع على مضمون [السبب] (٤)، [و] (٥) قد علمنا قطعا أن من هو بالمشرق لا يحبل من هي بالمغرب، فألغينا صورة [السبب] (٦)، وعلقنا الحكم

стр. 387

على مضمونه (١). وذهبت الحنفية إلى أنه يلحق به؛ لوجود صورة [السبب] (٢)، وهو الفراش، وزعموا أن صور الأسباب الشرعية هي المرعية المعتبرة في ربط الأحكام بها دون معانيها، واحتجوا في ذلك بأن المعاني لو كانت مرعية في ربط الأحكام بها؛ لبطلت فائدة نصب الأسباب؛ إذ لا فائدة في نصب الأسباب سوى إدارة الحكم عليها؛ دفعا للعسر والحرج عن الناس، ونفيا للتخبط والالتباس؛ فإن المعاني مما يختلف كمه من الزيادة والنقصان، وكيفيته في الظهور والجلاء، والدقة والخفاء، بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال، قالوا: وبهذا تعلقت رخص السفر دون مضمونه، حتى إن الملك الذي يتهادى في مهوده (٣)، ويسري في سراياه وجنوده؛ يثبت له من الرخص ما يثبت للساعي على قدمه؛ نظرا منا إلى صورة السفر، دون مضمونه [ومعناه] (٤). وكذلك النوم: لما كان سببا لانتقاض الوضوء، اعتبرت صورته [من] (٥) غير نظر إلى نفس الحدث (٦).

стр. 388

* والجواب: ما أسلفناه، فإنا لا ننكر اتباع صور الأسباب عند تعذر الوقوف على المعاني، وعليه يخرج ما استشهدوا به من السفر؛ فإنا إنما أحلنا الرخصة على صورة السفر؛ لأن مقدار المشقة لا اطلاع لنا عليه، وكذلك في فعل النوم، لما تعذر الوقوف على مضمونه، من حيث إن الخارج لطيف، يمكن خروجه [من] (١) غير أن يعلم أدرنا الحكم على صورة السبب دون مضمونه، أما صورة الفراش فإنما كان سببا في غير هذه الحالة، حيث تعذر علينا الوقوف على مضمونه، فإنا إذا رأينا إنسانا يدخل على زوجته، ويروح ويغدو إليها؛ تعذر علينا الوقوف [على] (٢) حقيقة الوطء، فإذا أتت بولد أحلنا الحكم على صورة الفراش؛ لتعذر الاطلاع على المضمون لها فيها، فيما نحن فيه، فقد علمنا قطعا أن الولد ليس منه، فلم نعتبر صورة السبب، والله أعلم (٣).

стр. 389

[٢٢] كتاب الجراح [١٤٨] مسألة: لا يقتل المسلم بالكافر عندنا بحال (١). وقال أبو حنيفة ﵀: يقتل بالذمي، ولا يقتل بالمستأمن، وهو المعاهد (٢). وضابط المذهب عندنا: أن كل شخصين تكافأت دماؤهما، وتساوت حرمتهما جرى القصاص بينهما، وإذا لم يتكافأ الدمان لم يجر القصاص بينهما. وضابط تكافؤ الدماء، [وتساوي الحرمة: أن يحد كل واحد منهما بقذف صاحبه، فوجوب الحد بالقذف دلالة على تساوي الحرمة] (٣)، وتساوي الحرمة دليل على تكامل الدماء. وضابط مذهب الخصم: أن القصاص يجب بقتل كل محقون الدم على التأبيد إذا قتل عمدا (٤).

стр. 390

ومأخذ النظر: تفاوت المسلم والذمي في العصمة عندنا، وتساويهما فيها عنده. ومعنى العصمة: حرمة التعرض، والمعنى بتفاوتهما في العصمة: أن عصمة الذمي - أعني حفظ نفسه وماله - تابعة لعصمة المسلم، بدليل: أن سبب العصمة في المسلم: إسلامه، وهو معنى قائم بذاته، وسبب عصمة الدمي: أمان صدر من المسلم في حقه؛ إذ الإمام فيه لسان كافتهم، وترجمان جملتهم، وإلا فالذي يقتضيه القياس الكلي، ومصلحة الدين: ألا نقرهم في ديارنا، ولا نمكنهم من التصرف في أمصارنا، بل يجب أن تستأصل () (١)، وتسفك دماؤهم (٢)، وتخرب ديارهم، إلا أن الله لما علم أنا (٣) لا نقدر على إفنائهم، وأنا إذا أخرجناهم من بين أظهرنا؛ لا نأمن غوائلهم، وربما تجمعوا وتضافروا علينا، فاقتضت المصلحة إبقاء بعضهم في ديارنا بعوض ننتفع [به] (٤)، ويكون ذلك سببا إلى تقليل جمعهم، وتشتيت شملهم، فشرعت الذمة لأجل الإسلام؛ تبعا له لمصلحة عائدة إليه، حتى متى تيقنا الظفر بهم، وهو نزول عيسى ﵇ (٥). وإذا ثبت التفاوت في العصمة، فلا يساوى التابع [بما] (٦) هو الأصل،
следующие страницы →