← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وبعض الأصحاب منا (١). ومأخذ النظر: أن الإكراه عندنا لا يخل بالقصد والاختيار. ودليله أمران: أحدهما: إجماع المسلمين على أن المكره على القتل ظالم غاشم آثم، وأن خطاب الشرع متوجه إليه، وقائم عليه بالانكفاف والانزجار عن الإقدام على قتل هذا المظلوم (٢)، والإثم إنما يتعلق بفعل فاعل مختار، بدليل شهادة الطرد، [عند] (٣) انتفاء الإكراه، وأما العكس فصورة الإلجاء. الثاني: انقسام أفعاله إلى حرام، كالقتل والزنا، وواجب: كشرب الخمر، وإتلاف المال، ومباح كالإتيان بكلمة الكفر، ولولا نسبة الفعل إليه حقيقة لاستحال توجه خطاب الشرع إياه. * فإن قالوا: كيف تستدلون بالإثم على القصاص، مع أن الإثم ثابت في قتل الوالد ولده، والسيد عبده، [ولا] (٤) قصاص؟. قلنا: نحن لم نستدل بثبوت الإثم إلا على بقاء السبب في حقه، وإن الفعل معتبر منه، وإذا ثبت السبب فمن أحكامه القصاص، وقد أوجبه في حق المكره وفاقا، فوجب أن يكون معتبرا في حق المكره - أيضا ـ، بخلاف الوالد مع استسلام وانقياد ولده، والسيد مع عبده؛ فإن السبب في حقهما ما أوجب

стр. 422

القصاص وفاقا. فإن قالوا: ما أثم بالقتل، وإنما أثم بتركه، وهو متعبد في الشرع بالاستسلام؛ إذ ليس له أن يقي نفسه بنفس غيره، وهو مماثل له في الحرمة، لا ترجيح لأحدهما على الآخر. قلنا: هذا باطل؛ إذ لا يجوز أن يكون الاستسلام مقصود الشرع على تجرده؛ فإنه لو استسلم للمكره حتى قتله، كان مقتولا ظلما بالاتفاق، ولا يجوز أن يكون مقصود الشرع تحقيق الظلم. وللخصم مأخذان: * أحدهما -وهو قول البصريين منهم-: المكره لو بقي معتبرا لكان مباشرا، ولصار المكره متسببا، وكان يمتنع وجوب القصاص عليه؛ لأن السبب لا وقع له مع المباشرة، بدليل الحافر مع المردي، والممسك مع الجارح، ويدل عليه حكمان: قرار الضمان كما في إتلاف الأموال عليه، واختصاص إثم المال به دون المكره المباشر، والحكمية الداعية إلى نقل فعله إلى المكره: أن مقصود السبب دفع القتل؛ صيانة لجهة المكره على قتله، وتحقيق هذا المقصود يحصل بإيجاب القصاص على المكره، فإنه ينزجر عن الإكراه، فلا يقع القتل من المكره، فلا حاجة إلى إراقة دم معصوم من غير حاجة إليه. * المأخذ الثاني - وهو قول البغداديين منهم -: أن الإكراه أثار شبهة دارئة للقصاص من وجهين:

стр. 423

أحدهما: أنه أباح المحظور في كلمة الكفر، وأوجبه في شرب الخمر، وإتلاف مال الغير، وهاهنا إن لم تترتب عليه الإباحة، فلا أقل من أن يورث شبهة. الثاني: أن توقف صيانة النفس على القتل مبيح للقتل؛ دفعا لحاجته، كما في الصيال، وهاهنا إذا لم يبح فيكون شبهة لوجود صورة المبيح كالملك في الأمة المجوسية، والأخت [من] (١) الرضاع. * والجواب: عن الأول: أنه باطل بما ذكرناه من توجه خطاب الشرع نحوه، وزجره عن الإقدام على الفعل، ولولا نسبة الفعل إليه حقيقة لاستحال توجه خطاب الشرع إياه. قولهم: إن فعل المكره لو بقي معتبرا لكان مباشرا، والمكره متسببا. قلنا: مسلم، ولكن لم يمتنع وجوب القصاص على المباشر والمتسبب جميعا. * قولهم: إن السبب لا وقع له مع المباشرة. قلنا: لا نسلم؛ فإن التسبب إذا كان قويا كان كالمباشرة؛ وهذا لأن الأسباب تنقسم إلى ضعيفة، كحفر البئر، والإمساك، فلا يجوز أن تجتمع مع المباشرة، وإلى قوية كالشهادة الباطلة؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن شهود

стр. 424

القصاص إذا رجعوا [تلزمهم] (١) الدية المغلظة (٢)، وهم متسببون، وما نقلت إليهم مباشرة الولي؛ إذ ما تعرى جنايته عنها، فلو كان لا وقع للتسبب مع المباشرة لما لزم الشهود شيء، وهذا مما لا محيص عنه، ولا إكراه من هذا القبيل، بل الإكراه هاهنا أفضى إلى الزهوق من المباشرة؛ فإنه المنشئ للداعية، المحرك للقاتل، بخلاف الإمساك والحفر، وأظهر الإلزامات الردء (٣) مع المباشر في قطع الطريق عندهم، فإنه متسبب غير مباشر، ثم جعلوه كالمباشر، وأما قرار الضمان في الأموال فيمتنع على رأي، ونقول: هما شريكان في الإتلاف، فيتوزع الضمان عليهما [شطرين] (٤). * قولهم: إن المقصود حاصل بشرع القصاص في حق المكره. قلنا: الأحكام لا تتبع المقاصد (٥)، وإنما تتبع الأسباب عند احتمال المقاصد، وقد تحقق هاهنا، هذا إن أوجبنا القصاص على المكره، وإلا فمن أصحابنا من قال: إن القولين في المكره، وأما المكره فيلزمه القصاص قولا واحدا، وبهذا يبطل - أيضا - ما ذكروه من نقل فعل المكره المباشر إلى المكره.

стр. 425

قولهم في المأخذ الثاني: إن الإكراه أثار شبهة، ممنوع؛ فإن الإكراه قطعا لم يكن مبيحا للقتل، وكونه مبيحا لغير القتل لا يوجب شبهة فيه. وأما الصيال فقد تعارض فيه الجانبان؛ لاستوائهما في العصمة، ويرجح جانب المقصود بأن لا عدوان في جهته، والصائل معتد بقصد القتل، أما هاهنا فلا عدوان من جهة المحمول على قتله، فلم يوجد في حقه مبيح، بخلاف الأمة المجوسية، والأخت من الرضاع؛ فإن الملك مبيح الوطء، فصلح أن يكون شبهة فيه (١). [١٥٦] * مسألة: شهود القصاص إذا رجعوا وقالوا: تعمدنا قتل المشهود عليه، أو شاهدنا المشهود عليه حيا ؛ يلزمهم القصاص عندنا (٢). وقال أبو حنيفة: تلزمهم الدية مغلظة في مالهم دون القصاص (٣). وللمسألة صور: فمنها: ما إذا رجع الشهود والولي، والقاضي معهم، وقالوا: تعمدنا القتل. فعندنا: يجب القصاص على الكل (٤).

стр. 426

وقال أبو حنيفة: لا قصاص في شيء [منهم] (١) (٢). ومأخذ النظر: أن التسبب عندنا صالح لإيجاب القصاص، كالمباشرة على ما قررناه في المسألة السالفة (٣). وعندهم التسبب لا يصلح أن يكون موجبا كالمباشرة أصلا، وزعموا أن إيجاب القصاص على المكره إنما كان بطريق كونه مباشرا حكما، على ما سبق، واستدل القاضي أبو زيد على ذلك بأن القصاص جزاء الفعل، وجزاء الفعل مثل الفعل، قال الله - تعالى -: ﴿وجزاؤا سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]، وليس السبب مثل المباشرة، فكيف يجازي على السببية بمباشرة؟ (٤). * والجواب: نقول: قد تعجب الأصوليون من قول الفقهاء: سبب ومباشرة؛ فإن كل ما يعتقده الفقهاء مباشرة هو سبب؛ فإن المباشرة هو ما قام بمحل القدرة، كحركة اليد مثلا، فأما ما جاوز محل القدرة، فكله أسباب، حتى حز الرقبة، وشق البطن؛ وهذا لأن الروح ليست شيئا يمكن اختطافها وانتزاعها من محل، حتى يقال: باشرها، وجنى عليها، ولا تتعلق القدرة البشرية بإزهاقها، إنما

стр. 427

يتوصل عندنا [للآلام] (١) والسرايات التي تتمكن من الأعضاء الشريفة، فتزهق عند ذلك، وعند أبي حنيفة بجراحات يتعقبها الزهوق. فالقتل بكل حال إنما هو بتسبب، ومعنى التسبب التوصل إلى المقصود، وهذا بعينه قد وجد من الشهود، غير أن الأسباب منها قوية ومنها ضعيفة، فمعنى القوية: ما تعلقت بمقصود بعينه، ومعنى الضعيفة: ما تتعلق بمقصود بعينه، كحفر البئر، والإمساك، فالشهادة سبب قوي؛ حيث تعلقت بعينه، فهو كالإكراه. * فإن قالوا: المكره مباشر حكما. قلنا: فكيف جعلت المباشرة المقدرة حكما كالمباشرة الموجودة حقيقة، ولا مساواة بين المقدر والحقيقي، فما عملتم بما استدللتم به من قوله - تعالى -: ﴿وجزاؤا سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠]، فإن هذا المكره ما باشر، وقد باشرتموه وعاشرتموه وعاملتموه بأكبر مما عمل، فإذا جاز أن يجعل المقدر كالحقيقة جاز لنا أن نجعل السبب القوي كالمباشرة. ثم نقول: جميع ما ذكرتموه يبطل بالردء مع المباشر في قطع الطريق، فإنه متسبب غير مباشر، ثم جعلناه كالمباشر في الحكم، وربما زعموا أن قصاص القاضي يورث شبهة، من حيث إنه مبيح في الجملة، أعني فيما إذا لم يعلم القاضي، وظن الولي الإباحة، وقد وجدت صورته هاهنا، وإن تخلفت عنه الإباحة؛ إذ قد علم في مواضع أن الشبهة هي وجود صورته هاهنا

стр. 428

إن مات تخلفت عنه الإباحة قد علم في مواضع الشبهة هي وجود صورة المبيح بدون الإباحة، فيصير كأنه أقدم بالشرع، والقصاص عقوبة، فيدرأ بالشبهة كالحد. ونحن نقول: هذا محال؛ فإن قضاء القاضي إنما يورث شبهة إذا كان هناك التباس واعتياص (١)، فيلتبس الحال على الولي والقاضي، فأما [و] (٢) الولي عالم والقاضي عالم بالحال، فيستحيل بقاء الشبهة والاحتمال. * وقولهم: إن صورة المبيح شبهة. باطل، بل الشبهة مشتقة، إما مشابهة الحق كما ذكرناه في حق قتل الخطأ، أو من الاشتباه عند تعارض المبيح والمحرم كما في حق الأخت من الرضاع والأمة المجوسية، ولم يوجد فيما نحن فيه شيء من ذلك مع علم الولي والقاضي والشهود بكذب أنفسهم وتزويرهم على أنه فاسد قطعا؛ فإن قضاء القاضي عندهم إنما يورث شبهة في العقود والردود؛ لأنهم توهموا أن له ولاية هناك، فكان قضاؤه شبهة، فأما في الدماء والحدود فلا مدخل له فيها، فاستحال كونه شبهة، ثم هو باطل بشهود الزنا إذا رجعوا بعد القضاء، فإنه يلزمهم حد القذف وفاقا، مع كون القضاء صحيحا في ظن القاضي، وهاهنا هو عالم ببطلانه؛ إذ الكلام فيه (٣).

стр. 429

[١٥٧] * مسألة: شريك الأب في قتل ولده يلزمه القصاص عندنا (١)، خلافا لأبي حنيفة ﵀ (٢). وهذا الخلاف جار فيما إذا اشترك مسلم وذمي في قتل ذمي، والسيد وعبده في قتل عبده (٣)، مع الاتفاق على أن لا قصاص على شريك الخاطئ، إلا على وجه للمزني (٤). ومأخذ النظر: أن فعل الأب عندنا موجب للقصاص، لا خلل فيه، كفعل شريك الأجنبي، وعندهم غير موجب، كفعل شريك الخاطئ. وللأصحاب في تقرير مأخذنا [مذهبان] (٥): * أحدهما: أن القصاص وجب على الأب كما وجب على الأجنبي، ثم جرى عفو الشرع عنه، فسقط الوجوب، واستدلوا على ذلك بوجود العمد المحض، والعدوان المجرد، أما العمد فإنه محسوس لا يحتاج فيه إلى دليل، وقد قال ﷺ : «العمد قود» (٦)، وأما عدوانه فمتفاحش زائد؛ لأن جريمة

стр. 430

الأب تساوي جريمة الأجنبي، وزادت عليه؛ لما فيها من [قطيعة] (١) الرحم، ومعلوم ما لقطيعة الرحم في الشرع من الوقوع، قال الله - تعالى -: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصرهم﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣]، وتوعد على قطيعة الرحم بهذا الوعيد الشديد، وإذا وجبت على غير الأب، وجريمته دون جريمة الأب، فلأن تجب على الأب أولى. *قالوا: ويجوز أن يفعل الوجوب أولا، ثم السقوط، بدليلين: أحدهما: إذا قتل الأب معتق [ابنه] (٢)، فإنه يجب القصاص على الأب، ثم يسقط بعد ذلك. [الثاني] (٣): إذا اشترى أباه، فإنه يصح الشراء، ويثبت الملك، ثم يعتق بعد ذلك؛ إعمالا للدليلين، أعني المثبت والمسقط (٤).

стр. 431

المذهب الثاني - وهو الصحيح -: قولهم: إن القصاص غير واجب على الأب، غير أن فعله موجب لا خلل فيه باعتبار كونه عمدا محضا، إلا أن الوجوب اندفع عنه، لا لخلل في الفعل، بل لمعنى يخصه ويمسه، ولا يتعداه إلى من عداه، فإن صفة الأبوة لازمة له، وهي الشبهة [المسقطة] (١) لا [لحق] (٢) جنايته، بل لأن الأبوة أوجبت ألا يقتل بسببه. فلئن قالوا: كيف يعقل موجب لا يوجب؟. قلنا: كما يعقل فيما إذا رميا معا، ثم مات أحدهما قبل إصابة السهم، فإن الحي يستوفى منه القصاص. ثم التحقيق فيه: أن الدافع إذا قارن الموجب دفع الحكم، وكان في حكم القاطع، لا في حكم مانع أصل السبب، كما في المغرور بحرية جارية إذا حبلها (٣). واحتجت الحنفية في تقرير مأخذهم بأن قالوا: الأجنبي شارك من لا قود عليه، فلا يجب عليه القود، كشريك الخاطئ، وذاك أن الأبوة كما أنها صفة قائمة به لا يتعدى إلى شريكه، فالخطأ - أيضا - هو الجهل بالحال، وجهله صفة قائمة به لا يتعدى إلى شريكه، ثم يسقط القصاص عن شريك الخاطئ، فكذلك عن شريك الأب لا يفترقان، إلا أن الأبوة صفة ملازمة، والخطأ صفة مزايلة، وهذا فرق لا أثر له في الحكم، والتحقيق فيه هو أن

стр. 432

فعل الأب غير موجب إجماعا، وفعل الآخر وإن كان موجبا، لكن يحتمل: حصول الزهوق بمجموع الفعلين، ويحتمل حصوله بفعل الأب على الانفراد، ويحتمل حصوله بفعل الشريك على الانفراد، فعلى تقدير حصوله بفعل الأب لا يجب القصاص، فدار بين أن يجب وبين ألا يجب (١). * والجواب: نقول: شريك الخاطئ يلزمه القصاص على رأي المزني، فيمتنع، وعلى التسليم نقول: إن الفرق بين شريك الأب وشريك الخاطئ: أن الخاطئ بوصف تعدى إلى فعله، ولهذا يتصف به الفعل، فيقال: فعل خطأ، والأبوة لازمة لا تتعدى إلى فعله، ولهذا لا يقال: فعل أب. * قولهم: إن الزهوق يحتمل حصوله بفعله دون فعل شريكه، أو بالعكس. قلنا: هذا مبني على خيال التولد والإيجاب، وهما باطلان قطعا، فإن فعل العبد غير موجب، ولا مولد، بل معنى انتساب الحوادث في اكتساب العباد يصيرها أسبابا لها بحكم [العادة] (٢)، والسبب العادي في الزهوق من الإيلام، فكل فعل له حظ من الإيلام استحال خروجه عن حد السبب العادي، فكان الزهوق منتسبا في العادة إلى مجموع أفعال الشركاء قطعا. ثم لا نسلم أن فعل الأب غير موجب أبدا على [ما] (٣) بيناه.

стр. 433

* فإن قالوا: اعتبار فعل الأب الفاعل في حق غيره فرع على اعتباره في حق نفسه، فكيف يعتبر في حق غيره؟. قلنا: هذا إنما يستقيم أن لو قلنا: إن القصاص يسقط عن الأب لمعنى في فعله، أو حال يعود إلى فعله، وقد بينا أن سقوطه كان لمعنى يخصه، ولا يتعداه. * فإن قالوا: قولكم: إن الأبوة صفة لازمة للأب لا تتعداه إلى فعله، ولا يتصف بها، يبطل بمسألة لا محيص عنها، وهو إذا اشترك مسلم ومجوسي في ذبح شاة؛ فإن الشاة ميتة، ومعلوم أن التمجس صفة قائمة به لا تتعدى إلى فعله. قلنا: هذا باطل؛ لأنه كما لا بد من النظر إلى حكم العلة؛ لا بد من النظر إلى محلها، والحكم هاهنا هو الإباحة والتحريم، ومحله الشاة، وهو محل متحد، وقد اجتمع فيه ما يقتضي [تقديم] (١) الحظر على الإباحة، وفي مسألتنا: الحكم هو القصاص، ومحله الفاعل، والفاعل متعدد، فيجوز أن يجب في أحدهما دون الآخر، فوزانه من الذبيحة: أن يذبح المسلم شاة والمجوسي شاة، فتحل إحداهما دون الأخرى؛ مما كانا في محلين (٢). [١٥٨] * مسألة: سراية القصاص [مهدرة] (٣) غير مضمونة عندنا (٤).

стр. 434

وقال أبو حنيفة ﵀: هي مضمونة بالدية المغلظة في ماله (١). وصورة المسألة: ما إذا قطع يد إنسان ظلما، فاقتص من الجاني، فسرى إلى نفسه ومات. ومأخذ النظر: أن مستحق القطع عندنا غير مقصر في الاستيفاء، نظرا إلى إطلاق الاستيفاء. وعندهم: منسوب إلى التقصير، من حيث إنه يخير في الاستيفاء. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أن نقول: الشرع إذا حد حدا، وبين مردا، وعين محلا، فقد قطع اجتهاد المجتهدين فيما عينه وبينه، فلا يبقى لرأي فيه مجال، ولا للفكر وجه ولا احتمال، وإذا كان كذلك فقد رفع تقصير المستوفي؛ لأن التقصير إنما يتصور في طريق استيفائه ورأي (٢) المستوفي واجتهاده، والتقدير والتحديد من جانب الشرع رافع [للاجتهاد] (٣) العباد، وقد جمع الشافعي ﵁ هذا المعنى في عبارة رشيقة وجيزة، فقال: عقوبة مستحقة مقدرة، فكانت سرايتها مهدرة، كالإمام إذا قطع يد السارق (٤). فإن قالوا - وهو مأخذهم -: الإذن في القطع مقيد بشرط سلامة العاقبة. قلنا: العواقب مستورة، فكيف يمكن اشتراطها؟.

стр. 435

* فإن قالوا: إنما يمتنع ذلك في الفعل المكلف به حتما؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عما يتولد منه، أما التخيير بين فعل الشيء وتركه، فلا يبقى [إلا] اشتراط السلامة، فإن الاحتراز عنه يمكن بأن نقول: المعنى: أنت مأذون بشرط سلامة العاقبة، والخيرة إليك في اقتحام ورطة الخطر، [و] غاية ما في الباب أن يستشعر لحوق الإثم، [والضمان بتقدير] (١) ما [ … ] (٢)، ولا حرج عليه. قالوا: ويدل على إمكان هذا الاشتراط مسائل: إحداها: الصلاة في أول الوقت، فإنها واجبة عندكم، ويجوز تأخيرها بشرط سلامة العاقبة، حتى لو أخر من غير عذر حتى مات في أثناء الوقت لقي الله عاصيا. الثانية: المعزر، فإنه جائز للولي بشرط سلامة العاقبة، حتى لو مات المعزر؛ أثم، وضمن. الثالثة: ضرب الزوج زوجته، فإن الشرع شرعه وجوزه، ثم أوجب الضمان إذا حصل منه إتلاف. الرابعة: الختان، فإنه مشروع، فإذا سرى ضمن (٣). * والجواب: نقول: الدليل على أن الإذن مطلق، سواء وقف أو سرى: أن المقصود

стр. 436

منه التمكين من الفعل الذي هو متعلق الغرض، وذلك إنما يحصل بالتمكين بإباحة لا تتقيد بما لا يندرج تحت الوسع، والإذن بشرط سلامة العاقبة غير معقول، أما الصلاة في أول الوقت فإنما يجوز تأخيرها بشرط العزم على الفعل في آخر الوقت، فإذا أخر مع [العزم] (١) ومات قبل انتهاء الوقت لم يعص الله - تعالى - أصلا، وأما المعزر والمؤدب والزوج، فكل منهم [مأمور] (٢) بالاجتهاد لاختيار تأديب لا يسري إلى النفس غالبا، فإذا فعل ما يسري تبين أنه أخطأ المأمور، غير أنه خفي علينا مدرك خطئه، حتى دلت عليه السراية. أما في مسألتنا فالحق مقدر بتقدير الشرع، فلا يمكن نسبته إلى الخطأ، وما ذكروه من التخيير بين الفعل والترك ملغي بوكيل المقتص، فإنه لا يضمن إذا سرى و وفاقا، مع أنه يتخير في فعله. وإذا شئت أن تحرر عن هذا المعنى عبارة فقل: تسليط على فعل مباح، وفي عينه مباح، فلا يكون سببا للضمان، كالفعل المباح، أعني فعل الولي. ومعنى الكلام: أن تسليط الوكيل على القطع مباح، كما أن القطع في عينه مباح، فلا يكون سببا للضمان على الموكل، كما لم يكن سببا للضمان على الوكيل إجماعا. وأما الختان: فليس سببا مفضيا إلى الزهوق، بل قد يرد ولا يتعقبه زهوق في العادة، فإن وجد زهوق عقيبه فذلك نادر، بخلاف مسألتنا؛ فإن

стр. 437

الشرع جوز القصاص، مع كونه [ما] (١) يفضي إلى الزهوق؛ مراعاة لمعنى الصيانة. فلو قلنا له الحال استيفاء هذا هو العضو ومن يسري غالبا، وعليك الضمان إن سرى، في هذا زجر له عن الإقدام على استيفاء القصاص، فيؤدي ذلك إلى رفع القصاص وإبطال حكمة الردع والزجر، فافترقا (٢). [١٥٩] مسألة: إذا كان في ورثة القتيل كبير وصغير لم يجز للكبير أن ينفرد باستيفائه، بل ينتظر بلوغ الصبي (٣). وقال أبو حنيفة: يستوفيه الكبير، ولا ينتظر إفاقته (٤)، [و] (٥) عندنا (٦) يحبس القاتل إلى حين بلوغ الصبي، وإفاقة المجنون (٧). ولا خلاف فيما إذا كان بعض الورثة غائبا أنه ينتظر قدومه (٨). ومأخذ النظر: أن حق القصاص عندنا يثبت للوارث بطريق التلقي من

стр. 438

المورث، فيستوي في استحقاقه الصغير والكبير. وعندهم يثبت للوارث ابتداء لا بطريق التلقي، فيثبت لمن هو أهل للاستيفاء (١). والدليل على ما ذهبنا إليه أمور أربعة (٢): أحدها: أن الجناية وردت على خالص حق القتيل، فكان الواجب بها خالص حقه؛ إثباتا للحكم على وفق السبب. الثاني: أنه لو عفا صح وسقط، ولولا أنه حقه لما سقط بإسقاطه. الثالث: أن الدية حق له، بدليل: قضاء ديونه، وتنفيذ وصاياه، وهي أحد البدلين، فكذلك البدل الآخر (٣). فإن قيل - وهو مأخذهم: لا نسلم ثبوت حق القصاص بطريق الإرث، بل ثبت للورثة ابتداء لا بطريق الإرث، وبيانه من وجهين: أحدهما: أن الإرث إنما يثبت في حق كان قد ثبت للمورث في حال حياته، فيتلقونه منه، أما القصاص فإنه يثبت بعد الموت، فكيف يتلقونه منه وهو بعد الموت لا يستحق القصاص. الثاني: أن القصاص عبارة عن فعل القتل المشروع جزاء، بدليل أمرين: أحدهما: قوله - تعالى -: ﴿وجزاؤا سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]، والثاني:

стр. 439

إشعار لفظه، فإنه يبنى على اتباع أثر الفعل الأول بمثله، قال الله - تعالى -: ﴿وقالت لأخته، قصيه﴾ [القصص: ١١]، أي اتبعي أثره، ثم هذا الفعل المشروع لا يتجزأ ولا يتبعض، فإن بعض القتل غير معقول، وسبيل مثله أن يضاف إلى كل واحد من المستحقين بكماله؛ لضرورة تعذر التجزئة والإلغاء، كولاية النكاح لكل أخ بالإضافة إلى النكاح الواحد المشروع في حق الأخت، فإنها تثبت للوارث ابتداء؛ بدليل أنها لا تثبت للأخ على نحو ما كان ثابتا للأب، وإنما تثبت للوارث ابتداء؛ لدفع العار، كذلك هاهنا يثبت حق القصاص للوارث ابتداء لغرض التشفي والانتقام. * قالوا: ولا يخفى انتفاء أهلية ابن يوم لفعل القتل، وتحصيل غرض التشفي والانتقام، قالوا: ولا يلزم على هذا ما إذا انفرد الصبي بالوراثة حيث يثبت له حق القصاص إجماعا، ويستوفيه بعد البلوغ؛ لأنا نقول: لا نسلم ثبوته في الحال، بل سيثبت إذا انضم إلى السبب أهليته للمقصود عند البلوغ مع سائر الشروط (١). * والجواب عن الوجه الأول: أنه يبطل بما إذا عفا المجروح عن القصاص قبل موته ومات، فإن الوارث لا يستحق شيئا إجماعا، ولولا ثبوت الحق له أولا لما سقط بإسقاطه، ويبطل - أيضا - بالدية، فإنها تثبت له بعد الموت، بدليل: أن ديونه تقضى منها، ووصاياه تنفذ فيها.

стр. 440

* والجواب عن الثاني: أنا لا نسلم أن القصاص عبارة عن فعل القتل جزاء، بل هو عبارة عن استحقاق نفس في الذمة، عوضا عن النفس الفائتة، ولفظ القصاص لا يدل إلا على المساواة بين نفسين، كالديتين المتساويتين تتناقضان وتتساقطان. وكون القتل الثاني جزاء للأول مسلم، ولكن لا يدل على أن الجزاء حكم للقتل الأول، بل حكمه استحقاق نفس، ثم استيفاء النفس يقع جزاء لتفويت النفس. قولهم: إن القتل المشروع لا يتجزأ، ولا يتبعض. قلنا: إنما لا يتجزأ في الاستيفاء، أما في الثبوت والاستحقاق، فمن سلم أنه لا يتجزأ؟ ولا خلاف بين الأمة أن العبد المشترك بين كبير وصغير إذا قتل؛ لا يستبد الكبير بالاستيفاء، فدل أن القصاص ثبوته متجزئ، غير أنه يضاف إلى جميعهم، [فيكونون] (١) مشتركين فيه، ودعوى ثبوته لكل واحد على الكمال باطل؛ إذ لو كان كذلك لما سقط في حق الباقين بعفو بعض الورثة. وأما ولاية النكاح فنقول: الثابت هناك حق التزويج لواحد منهم على البدل، أو نقول: ثبت لهم جميعا، وينزلون منزلة الشخص الواحد، غير أنه إذا زوج واحد من كفؤ بمهر المثل؛ وجب على الآخرين الرضا به، وما وجب على الإنسان الرضا به لا معنى لمراجعته فيه، فكذلك لا يراجعون، وثبوته

стр. 441

للوارث ابتداء باطل بقسمته على فرائض الله - تعالى -، وثبوته للزوجة كما يثبت للابن، وثبوته للأنثى مع الذكر، فإنه لا عهد بمثله في الولايات. [وأما] (١) دعوى انتفاء الأهلية في حق الصغير، فباطل بحال الانفراد، وبما لو عفا الكبير، فإنه ينقلب حق الصغير مالا، وكيف انقلب مالا ولا حق له أصلا؟ (٢). قولهم: إن الحق غير ثابت عند الانفراد، بل سيثبت إذا انضم البلوغ إلى السبب. قلنا: باطل قطعا؛ بما إذا مات الصبي وخلف [أخاه] (٣) وابن عمه، فإنهم يرثون القصاص عنه إجماعا، ولولا أن الحق ثابت له في الحال لما جرت فيه الوراثة (٤). تمسكوا بما روي: «أن الحسن ﵁ قتل ابن ملجم لما قتل عليا - كرم الله وجهه» (٥)، فكان في الورثة [صغار] (٦)، ولم ينتظر بلوغهم، ولم ينقل عن أحد فيه نكير، مع كون القصة انتشرت، وطيف بها الأرض، فكان إجماعا (٧).

стр. 442

* والجواب من وجهين: أحدهما: أن ابن ملجم كفر، فقتل بكفره، بدليل قول رسول الله ﷺ لعلي ﵇: «إن أشقى الأولين من عقر ناقة صالح، وإن أشقى الآخرين من خضب هذه منك، وأشار إلى لحيته ورأسه» (١)، ومن يكون أشقى الآخرين لا يكون إلا كافرا (٢). الثاني: أن دعوى الإجماع ينبني على انتشار الواقعة، ثم إثبات سكوته، ثم إثبات أن السكوت كالقول من التقديرين. أما الانتشار: فمنكم. وأما السكوت: فلا يتصور معرفته. فلئن قالوا: لو أنكر لنقل. قلنا: ليس كل واقع منقولا، وإنما الذي يجب نقله بحكم العادة مما تتوفر الدواعي على نقله من الأشياء العظيمة، والأمور الجسيمة، كما روي من إجماع الصحابة مع أبي بكر [﵁] على قتال مانع الزكاة بعد ما جرى بينهم من التشاور والتشاجر، وإجماعهم - أيضا - على قتال أهل البغي (٣)،

стр. 443

وما نقل - أيضا - من ضرب أمير المؤمنين عمر -[﵁] الخراج على أهل العراق، مثل هذا يعد إجماعا إذا كان منقولا [عن] (١) جماعتهم، وظهر اتفاقهم، فأما فتوى فقيه في آحاد المسائل في بعض زوايا الأرض [فمما] (٢) لا يجب نقله؛ لعدم توفر الدواعي على نقله، وإذا بطل كونه إجماعا لنفي فعل واحد من الصحابة، وفعل الواحد من الصحابة ليس حجة عند الشافعي (٣). ثم نقول: كما [لا] (٤) ينتظر بلوغ الصغير، لم ينتظر قدوم الغائب وهو محمد بن الحنفية - رضوان الله عليه - مع اعتبار حضوره إجماعا (٥)، وكما خالفتم في الغائب؛ خالفنا في الصغير، دل أن الحجة لا تقوم بمذهب آحاد الصحابة. [١٦٠]- مسألة: من استحق القتل قصاصا أو حدا إذا التجأ إلى الحرم [يقتل] (٦)، ولا يعصمه الحرم عندنا، بل يستوفى منه القصاص، ويقام عليه الحد فيه (٧). وقال أبو حنيفة ﵀: لا يقتل في الحرم، لكن لا يبايع، ولا يشارى، ولا يكلم، حتى يضطر إلى الخروج؛ فيقتل في الحال (٨).

стр. 444

ثم ناقضوا هذا، فقالوا: لا يمنع من الماء العام، ولا يمنع وكيله من البيع والشراء. والحرم معناه: مكة وما أحاط بها من المواقيت التي يحرم [منها] (١) الناس (٢). ولا خلاف في أنه لو أنشأ القتل في الحرم يقتل فيه، وأن من استحق عليه القصاص في طرفه إذا التجأ يستوفى منه (٣). ومأخذ النظر: رجحان المطلق على المانع عندنا، وعكسه عندهم. فالشافعي متمسك بطرد القياس الجلي، والضمان موجب الاستيفاء، والخصم هو المدعي كون [اللياذ] (٤) مانعا من الاستيفاء، ولا تعلق له سوى عموم قوله - تعالى -: ﴿ومن دخله، كان آمنا﴾ [آل عمران: ٩٧]، [وزعموا] (٥) أن ذلك يقضي ثبوت الأمن بكل داخل، نظرا إلى عموم صيغة «من»؛ فإنها

стр. 445

تعم فيمن يعقل. وقد اعتضد استصحاب الشافعي بشهادة الحكم والمعنى. أما الحكم: فمسألتان: إحداهما: فصل الطرف؛ فإن حق الآدمي في طرفه دون حقه في نفسه، فإذا اقتضت عصمة الطرف تقديم قصاص الطرف على حرمة الحرم، فلأن يقتضي عصمة نفسه تقديم قصاص النفس عليها كان بطريق الأولى. فلئن قالوا: الأطراف ينحى بها نحو الأموال، وتجري مجراها، بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، وكاملة الأصابع بناقصة الأصابع، بخلاف النفوس. قلنا: باطل من وجوه: أحدها: جريان القصاص. الثاني: أن ذلك يبطل بالصيد المملوك، فإنه مال حقيقة، ثم الحرم يعصمه، ومشابه المال لا يزيد غير المال. الثالث: أن هذا الخيال إن استقام في قصاص الطرف لا يستقيم في القطع في الرقبة؛ إذ ليس فيه شبه الأموال بحال، ثم قلتم: لا يعصمه الحرم (١). المسألة الثانية: فإذا أنشأ القتل في الحرم فإنه يقتل فيه وفاقا (٢).

стр. 446

لئن قالوا: الحرم إنما يعصم من جعله معقلا وموئلا، ولجأ إليه، على مثال الالتجاء إلى أبواب الملوك، أما من جني بين يدي الملك أو حضرته، كان جديرا بأن يغلظ عليه. قلنا: هذا باطل على أصلكم، بأن اجتاز بالحرم في جنح الليل وهو لا يشعر، بأن كان نائما أو غافلا، فإنه يعصمه مع انتفاء الالتجاء، وكذا لو دخل مكرها مقهورا، ويبطل - أيضا بمن يدخل ولا قصد له، ولا أراد الدخول، فإن الحرم يعصمه. وأما المعنى [فهو] (١) أن (٢) عصمة النفوس حق العبد، فإنه شرع لمنفعته ومصلحته، وحرمة البقعة حق الله - تعالى -، والله - تعالى - مستغن عن الحقوق، وحق العبد مبني على الشح والمضايقة، وحق الله - تعالى - على اليسر والمساهلة، فقدم حق العبد لحاجته لا لشرفه، ودليل اعتبار هذا الرجحان: أن من اجتمع عليه [حقان] (٣): قصاص وحد؛ قدم حق القصاص إجماعا (٤). وأما الآية، فقد ذكر علماء التفسير أنها وردت إخبارا عما كان في قديم الدهر، وسالف الزمن، وذلك أن القرى حول مكة كانت محط الغارات، ومهبط المحق والآفات، ومكة محروسة مصونة، لا تنالها الأيدي، ولا

стр. 447

يقصدها قاصد، فصرف الله عنها الدواعي، وجعلها مأمنا، فذكرهم الله آلاءه ومننه، وما كان أنعم عليهم في سالف الزمن، ويدل على صحة ذلك قوله - تعالى -: ﴿وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء﴾ [القصص: ٥٧]، وقوله: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقوله - تعالى -: ﴿الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ [قريش: ٤] (١)، وقد ذكر بعد هذه الآية تأويلان: أحدهما: قول ابن عباس ﵄: «أن المراد بها: الأمن من عذاب القبر» (٢). والثاني: الأمن من عذاب ترك الحج قوله: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ [آل عمران: ٩٧]، معناه: حاجا، بناء على الغالب، فقد قال ﷺ : «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا» (٣)، ثم قال: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ [آل عمران: ٩٧]، أي من هذا الوعيد، كما يوعد بالعقوبة على الكفر، ثم قال: لا إله إلا الله حصني، فمن دخله أمن عذابي (٤).

стр. 448

[٢٣] مسائل الديات [١٦١] * مسألة: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم عندنا، ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم (١). وقال أبو حنيفة ﵀: دية أهل الكتاب والمجوسي والمعاهد مثل دية المسلم (٢). والدية الواجبة في قتل المسلم مائة من الإبل، فما دامت موجودة [فلا] (٣) يجوز العدول عنها إلى غيرها إلا بالتراضي على طريق المعاوضة،

стр. 449

فإن أعوزت إما بألا توجد، أو وجدت بأكثر من ثمن المثل، فقال الشافعي في الجديد ينتقل إلى قيمتها من الدنانير والدراهم، فينظر إلى الإبل التي لو كانت موجودة وجب دفعها، فتجب قيمتها بالغة ما بلغت، فعلى هذا يكون للنفس بدل واحد، وهو الإبل، والدراهم والدنانير بدل البدل (١). وقال في القديم: إذا أعوزت الإبل وجب ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، فعلى هذا يكون للنفس ثلاثة أبدال الإبل والدنانير والدراهم، وتكون دية المجوسي على هذا ثمانمائة درهم، وعلى القولين جميعا لا يجوز العدول عن الإبل مع وجودها (٢). وقال أبو حنيفة: هو بالخيار؛ إن شاء دفع مائة من الإبل، وإن شاء ألف دينار، وإن شاء عشرة آلاف درهم (٣). ومأخذ النظر فيها أن الدية عندنا وجبت في مقابلة المحل، أعني بدلا عن ذات المقتول، وقد قررنا في مسألة قتل المسلم بالذمي: أن لا مساواة بين المسلم والكافر، وأقوى ما قررناه: أن المسلم والذمي يتفاوتان في العصمة، من حيث إن عصمة الذمي تبع لعصمة المسلم، والمقصود بشرعها وإثباتها نفع المسلمين، [وقاء لحيلولة] (٤) والفائدة عائدة إلى المسلم، فكانت مرادة له، فدل أنها تابعة لعصمة المسلم، فلا يمكن أن تكون مساوية، وإذا

стр. 450

لم يستويا في العصمة دل على اختلافهما، فلا يجوز أن يساويا أبدالهما، ألا ترى أن الثوبين والعبدين إذا تساوى أبدالهما دل على تساوي ذاتهما (١). * فإن قالوا - وهو [مأخذهم] (٢): الدية ليست واجبة في مقابلة المحل واحترامه، بل هي واجبة في مقابلة المالكية وسوطه (٣) بها؛ لأنها تدل على كمال الشخص بالنسبة إلى الأغراض [الدنيوية] (٤). فإذا ما كملت المالية كملت الدية، وإن هي نقصت نقصت الدية، وكمال المالية تملك للنوعين جميعا: ملك اليمين، وملك النكاح، وقد رأينا أن الحر الكافر كالحر المسلم في ملك النوعين جميعا، فقد استويا في أحكام الدنيا وكل ما يرجع إلى أمورها وانتظام أحوالها، وربما كان الكافر فيما يرجع إلى أحكام الدنيا أرجح، وإنما عز الإسلام والمجازاة عليه يكون في العقبى، قال الله - تعالى -: ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون﴾ [الزخرف: ٣٣]، ثم قال: ﴿وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين﴾ [الزخرف: ٣٥]، وقال ﷺ لعمر ﵁: «أما علمت يا عمر أن لهم الدنيا ولنا الآخرة» (٥)، قال: وخرج على هذا العبد والأنثى، [فإذا كان] (٦) يملك أحد

стр. 451

نوعي الملك، [فلن] (١) يكمل ديته (٢). * والجواب: أن ما ذكروه فاسد من وجهين: أحدهما: أنا نعلم أن أقوى الملكين ملك اليمين؛ لأنه هو الأصل، وملك النكاح شبه، بل ليس في النكاح حقيقة ملك، وإنما معنى النكاح الازدواج والاشتراك، فللزوج على الزوجة حقوق، وللزوجة على [الزوج] (٣) حقوق، وإنما حق الزوح هو الراجح، ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وإن كان الملك الحقيقي وهو ملك اليمين، فكان ينبغي أن من سلب هذا الملك بالكلية أن تنقص ديته إلى مائة، ومن ثبت في حقه هذا الملك أن تكمل ديته، وأنتم قد فعلتم على العكس من ذلك، فإن الأنثى تملك ملك اليمين، وديتها على الشطر، و [العبد] (٤) لا يملك ملك اليمين، وديته كدية الحر إلا عشرة دراهم. الثاني: أن ذلك يبطل بالأمة؛ فإنها لا تملك لا ملك يمين ولا ملك نكاح، فكان ينبغي ألا تضمن رأسا، فدل أن الدية لا تكون في مقابلة الملك، وإنما هي في مقابلة المحل المحرم. * قولهم: إن المسلم والكافر يستويان في أحكام الدنيا، وإنما يظهر

стр. 452

[علو] (١) الإسلام في الدار الآخرة. قلنا: هذا الكلام لا يرتضيه ذو دين؛ فإن علو (٢) الإسلام وفضله يظهر في الدنيا والآخرة، وما المانع من ذلك؟ وقد ورد الشرع به، قال الله - تعالى -: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ [ص: ٢٨]، ولم يضرب الشرع عليهم الجزية والصغار، وميزهم عن المسلمين بالغيار وأخذ الشعار، ومنع علو بنيانهم، وأمر بإلجائهم إلى أضيق الطرق إلا لإظهار عز المسلم وذل الكافر، دل أن ما ذكروه باطل من كل وجه (٣). فإن قالوا: هذا كلامكم في نفي المساواة فعلام عولتم من التقدير، والقياس لا يهتدى [إلى] (٤) التقدير. قلنا: نعم، القياس لا يهتدي إليه التقدير، ولكن يهتدي إلى نفي المساواة، أما التقدير فقد استفدناه من التوقيف، قال الشافعي ﵁: صح عن رسول الله ﷺ أنه جعل الدية مائة من الإبل، ثم قومت عند إعوازها فبلغت ثمانية آلاف درهم وثمانمائة دينار، فجعل رسول الله ﷺ دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، فكان على النصف من التقويم، فأخذ بهذا المذهب مالك، وقال: دية الكتابي نصف دية المسلم (٥)، فلما انتهى الأمر إلى أمير المؤمنين عمر ﵁ غلت الأسعار، وعزت الإبل، فصعد

стр. 453

وخطب خطبته المشهورة، وأمر بتقويم الإبل إلى اثني عشر ألف، وجعل دية اليهودي والنصراني على ما هي عليه من أربعة آلاف درهم (١). قال الشافعي:: هذا من فعل عمر على أنه عرف من جهة النبي ﷺ . أن التقدير بأربعة آلاف درهم تقدير وتحديد، وفي حق المسلم تقويم، وذلك قد يرتفع وينخفض، فالشافعي أخذ بقضاء عمر؛ لأنه لا يقدم على مخالفة نص الرسول ﵇ إلا وقد علم ناسخا، والحديث حكاية، فيحتمل أن يكون النبي ﷺ قد أوجب النصف من دية المسلم ترغيبا وتطييبا لقلوب الكفار؛ جريا على عادته، كما ودى يهود بني عامر من عنده، وقضاء عمر غر محتمل لمخالفة النص (٢). فإن عارضوا بما روي أن الزهري (٣) قال: «مضت السنة على عهد الصديق والفاروق وعثمان وعلي أن دية المعاهد مثل دية المسلم» (٤).

стр. 454

قلنا: مراسيل الزهري غير مستحسنة؛ لأنه كان يعمش (١) لا يقيس، ويسترسل في الرواية عن كل واحد. [١٦٢] مسألة: الجنين الرقيق يضمن عندنا في الجناية بعشر قيمة أمه؛ ذكرا كان أو أنثى (٢). وقال أبو حنيفة: يضمن بقيمة نفسه، فإن كان ذكرا وجب على عاقلة الجاني نصف قيمة نفسه، وإن كان أنثى فعشر قيمتها (٣). ومأخذ النظر ورود الشرع في جنين الحر خمس من الإبل عند إعواز الغرة. فاعتقد الشافعي أن المعتبر في تقديره بالخمس نسبته إلى الأم؛ ترجيحا لجانب التبعية، وهو عشر ديتها، فأوجب في الرقيق عشر قيمة الأم؛ لأن جراح العبد من قيمته كجراح الحر من ديته. [واعتقد أبو حنيفة أن المعتبر فيه نسبته إلى نفسه؛ ترجيحا لجانب الأصالة والاستقلال، وهو نصف عشر ديته إن كان ذكرا، وعشر ديتها إن كانت (٤) أنثى، فأوجب في جنين الأمة في هذه النسبة من قيمته؛ لأن جراح

стр. 455

العبد من قيمته كجراح الحر من ديته] (١)، فيختلف عنده ضمان الذكر والأنثى هاهنا. وعندنا لا يختلفان. ومستند هذا التجاذب: تعارض جهة الأصالة والتبعية في الجنين؛ فإنه أصل بنفسه من حيث إنه يستقل بحياته ومماته، حتى يتصور أن يموت أحدهما، ويبقى الآخر ساعة أو ساعتين، ويصرف بدله إلى ورثته، ويقسم على فرائض الله - تعالى -، ومن حيث إنه يتصل بالأم اتصال خلقة على وجه يتغذى بغذائها بواسطة الطعام والشراب الذي يستقر في معدة الأم، [فإن القوة الهاضمة والمحيلة إذا عملت فيه صلح أن يكون غذاء يجريه] (٢) في معدة الأم ما تحلل من أجزائها، وانتشر بواسطة العروق تصيب كل جزء إليه، كذلك يتصل نصيب الجنين على مثال تغذي النبات، لا على معنى الغذاء يصل إلى جوف الجنين؛ فإن ما تطعمه الأم لا يصلح غذاء ولو بعد الانفصال بسنتين، فمن هذا الوجه يقتضي أن يكون تابعا للأم في الأحكام، وقد لاحظ الشارع في أحكام المعنيين جميعا، حتى صح إضافة الوصية إلى الجنين له وبه دون الأم، وورثه من أبيه دون الأم إشارة إلى الاستقلال، وقضى باندراجه تحت بيع الأم، وإعتاقها، وسائر التصرفات؛ إشارة إلى الاتصال الموجب للتبعية، فعند هذا قال الشافعي: كل مذهبين نشأ من أصل واحد، فالمذهب الذي فيه محافظة على حكم الأصل أولى بالاعتبار من المذهب

стр. 456

الذي فيه إهدار حكم الأصل (١)، وما ذهبنا إليه مقرر للأصل من وجوه، منها: أن له نظيرا في الشرع، فالنسبة إلى الأم نسبة واحدة، ولا نفرق من الذكر والأنثى مع [أن] (٢) الجناية متفقة. وما ذكره أبو حنيفة لا نظير له في القواعد، بل هو مخالف لها؛ فإنه حكم باختلاف النسبة، مع الاتفاق في الجناية على الذكر كالجناية على الأنثى، ثم ينسب الذكر إلى قيمته بنصف عشر، وتنسب الأنثى بعشر، وهذا مخالف للأصول، ألا ترى من قطع يد حر وجب عليه نصف ديته، ولو قطع يد عبد وجب عليه نصف قيمته. الثاني: أن اعتباره بنفسه يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذكر؛ فإن قيمة الذكر إذا كانت مائة فيجب نصف عشرها وهو خمسة، وقد تكون قيمة الأنثى مائة، فيجب عشرها وهو عشرة، وتفضيل الأنثى على الذكر (٣) مخالف للأصول. الثالث: أن [اعتباره] (٤) بنفسه يؤدي إلى إهدار دمه في كثير من المسائل؛ فإن الجنين في الغالب ينفصل متقطعا لحما ودما، لا يوقف على حياته، ولا يطلع على صفاته، ولا مالية له في هذه الحال، فيمتنع تقويمه واعتباره بنفسه، فلو قدر خروجه كامل الخلقة فلا يمكن معرفة صفاته الباطنة

стр. 457

من السمع والبصر، فلعله أبكم، أو أخرس، ثبت أن اعتباره بنفسه يؤدي إلى إهداره، حيث لا يمكن تقويمه، ومعرفته في اعتباره بأمه محافظة على دمه بكل حال، فإنا لا ننظر إليه. فإن عارضوا بأن اعتباره بأنه يفضي - أيضا - إلى مخالفة أصلين: أحدهما: أن الأنثى كما لا تفضل على الذكر، لا يسوى [بينها] (١) وبين الذكر. الثاني: أن اعتباره بأمه يفضي إلى تفضيل الميت على الحي، وهو مخالف للأصول؛ فإن هذا الجنين لو كان حيا لعله إذا قوم كان قيمته دينارا، وقد أوجبتم فيه عشر قيمة أمه بكل حال، وقد يكون ذلك [عشرة] (٢)، وقد يكون مائة، فقد فضل الميت على الحي. وذلك لا وجه له؛ فإن الحياة تشعر بكمال حاله، والموت يشعر بنقصان حاله، وكمال الحال يقتضي كمال الضمان، والنقصان يقتضي النقصان، وأنتم عكستم القضية، وهذا التزام محمد بن الحسن ﵀ (٣). والجواب عن الأول: أن نقول: لا سواء بين التسوية والتفضيل؛ فإن مستندنا في التسوية بأن التسوية بين الذكر والأنثى النص المنقول في الجنين (٤)، فإن صاحب

стр. 458

الشرع - صلوات الله عليه - أوجب الغرة في الجنين، ولم يسأل أذكر أم أنثى، مع أن تأثير الذكورة في تفويت الدية أكبر من تأثير الحسن والقبح في تفاوت القيمة، وكأن السر فيه أنه لما انقسم صور سقوط الجنين إلى تقطع الأطراف وخفاء التخطيط والشمائل على ما بيناه، وضع الحكم وضعا يغني عن تتبع التفاصيل العسرة، وقدر تقديرا واحدا لا يحوج إلى البحث عن صفات الجنين، وهو في محل العوض، كدأبه بوضع القوالب والأسباب الحاوية مجاري المعاني. * قولهم: ثابتا في حسم مواد الإشكال، وقطع النظر عن تفاصيل الصور، أن فيما ذكرتموه تفضيل الميت على الحي، بل مستند ذلك اختلاف جهة الضمان؛ لأنه في حال الاتصال يقع، وفي حال الانفصال أصل، فاختلف الضمان كذلك، وصار هذا كالأطراف، فإنها إذا فوتت مقصودا، بأن قطع يديه، ثم رجليه، ثم فقأ عينيه، وجبت ديات، ولو قتله فاتت هذه الأطراف تبعا، فلا يجب إلا دية واحدة، ثم لا يعد ذلك تفضيلا للبيع على الأصل، كذلك هاهنا. * فإن قالوا: ما ذكرتموه ينتقض بمسألتين: إحداهما: الجنين الحر في [بطن] (١) الرقيقة، فإنه لا يعتبر بأصله، وهو نقض القاعدة الذي ذكرتموها.

стр. 459

الثانية: الجنين المسلم في بطن رقيقة كافرة، فإنه لا يعتبر بقيمة الأم وهي كافرة. أما النقض بالجنين الحر فغير لازم؛ لأن بدل الجنين الحر مقدر بتقدير الشرع، فكما لا يعتبر بأمه عندنا، لا يعتبر بنفسه عندكم، فاستوت الأقدام في هذا الإلزام. وأما الجنين [المسلم في بطن] (١) رقيقة كافرة، فلا يعتبر بأمه عندنا، لكن يقدر لها الإسلام. * فلئن قالوا: إذا [قدرتم] (٢) صفة الإسلام فهلا قدرتم صفة السلامة فيها إذا كانت معيبة؟. قلنا: فيه منع، وإن سلم فلأن سلامة الجنين غير مستيقنة، وإن سلم ظاهر أطرافه من حيث الشكل، بخلاف الإسلام فإنه متيقن (٣). [١٦٣]- مسألة: القتل العمد يوجب الكفارة عندنا (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: لا تجب الكفارة إلا في الخطأ وشبه العمد (٥).

стр. 460

وكذا الخلاف فيمن قتل بسبب، مثل ناصب الحجر، وحافر البئر، وناصب السكين، وغير ذلك من الأسباب التي يتعلق بها ضمان الدية، فإن عندنا تجب فيها الكفارة. وقال أبو حنيفة: لا تجب الكفارة بشيء من ذلك (١)، غير أن مأخذ الخلاف بيننا وبينه في التسبب أمر لفظي، وهو أن فاعل السبب هل يسمى قاتلا أو لا يسمى؟. فعنده لا يسمى قاتلا، وأما المباشرة عمدا وهو المقصود هاهنا [فكون] (٢) الكفارة عندنا شرعت جبرا لما فات من حق الله - تعالى ـ، كما وجبت الدية جبرا لما فات من حق الآدمي، وهذا لأن الآدمي يشتمل على حقين: حق [لله] (٣) - تعالى -، وحق للآدمي في نفسه، فأما حق الله - تعالى - في نفسه قيامه بطاعة الله متحملا أمانته، ناهضا بأعباء تكاليفه، والخلافة في أرضه، قال - تعالى -: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠]، ودليل تعلق هذا الحق بالعباد: ما روي أنه ﷺ سئل فقيل: ما حق الله على عباده؟، فقال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» (٤)، فذكر قوله: أن يعبدوه لبيان حق الشرع، وإذا ثبت تفويت هذا المعنى بقتله، ناسب إيجاب التدارك بقدر الإمكان بإقدار نفس أخرى على [ما] (٥) فاته بالإعتاق للقيام الله - تعالى -.
следующие страницы →