← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الذي فيه إهدار حكم الأصل (١)، وما ذهبنا إليه مقرر للأصل من وجوه، منها: أن له نظيرا في الشرع، فالنسبة إلى الأم نسبة واحدة، ولا نفرق من الذكر والأنثى مع [أن] (٢) الجناية متفقة. وما ذكره أبو حنيفة لا نظير له في القواعد، بل هو مخالف لها؛ فإنه حكم باختلاف النسبة، مع الاتفاق في الجناية على الذكر كالجناية على الأنثى، ثم ينسب الذكر إلى قيمته بنصف عشر، وتنسب الأنثى بعشر، وهذا مخالف للأصول، ألا ترى من قطع يد حر وجب عليه نصف ديته، ولو قطع يد عبد وجب عليه نصف قيمته. الثاني: أن اعتباره بنفسه يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذكر؛ فإن قيمة الذكر إذا كانت مائة فيجب نصف عشرها وهو خمسة، وقد تكون قيمة الأنثى مائة، فيجب عشرها وهو عشرة، وتفضيل الأنثى على الذكر (٣) مخالف للأصول. الثالث: أن [اعتباره] (٤) بنفسه يؤدي إلى إهدار دمه في كثير من المسائل؛ فإن الجنين في الغالب ينفصل متقطعا لحما ودما، لا يوقف على حياته، ولا يطلع على صفاته، ولا مالية له في هذه الحال، فيمتنع تقويمه واعتباره بنفسه، فلو قدر خروجه كامل الخلقة فلا يمكن معرفة صفاته الباطنة

стр. 457

من السمع والبصر، فلعله أبكم، أو أخرس، ثبت أن اعتباره بنفسه يؤدي إلى إهداره، حيث لا يمكن تقويمه، ومعرفته في اعتباره بأمه محافظة على دمه بكل حال، فإنا لا ننظر إليه. فإن عارضوا بأن اعتباره بأنه يفضي - أيضا - إلى مخالفة أصلين: أحدهما: أن الأنثى كما لا تفضل على الذكر، لا يسوى [بينها] (١) وبين الذكر. الثاني: أن اعتباره بأمه يفضي إلى تفضيل الميت على الحي، وهو مخالف للأصول؛ فإن هذا الجنين لو كان حيا لعله إذا قوم كان قيمته دينارا، وقد أوجبتم فيه عشر قيمة أمه بكل حال، وقد يكون ذلك [عشرة] (٢)، وقد يكون مائة، فقد فضل الميت على الحي. وذلك لا وجه له؛ فإن الحياة تشعر بكمال حاله، والموت يشعر بنقصان حاله، وكمال الحال يقتضي كمال الضمان، والنقصان يقتضي النقصان، وأنتم عكستم القضية، وهذا التزام محمد بن الحسن ﵀ (٣). والجواب عن الأول: أن نقول: لا سواء بين التسوية والتفضيل؛ فإن مستندنا في التسوية بأن التسوية بين الذكر والأنثى النص المنقول في الجنين (٤)، فإن صاحب

стр. 458

الشرع - صلوات الله عليه - أوجب الغرة في الجنين، ولم يسأل أذكر أم أنثى، مع أن تأثير الذكورة في تفويت الدية أكبر من تأثير الحسن والقبح في تفاوت القيمة، وكأن السر فيه أنه لما انقسم صور سقوط الجنين إلى تقطع الأطراف وخفاء التخطيط والشمائل على ما بيناه، وضع الحكم وضعا يغني عن تتبع التفاصيل العسرة، وقدر تقديرا واحدا لا يحوج إلى البحث عن صفات الجنين، وهو في محل العوض، كدأبه بوضع القوالب والأسباب الحاوية مجاري المعاني. * قولهم: ثابتا في حسم مواد الإشكال، وقطع النظر عن تفاصيل الصور، أن فيما ذكرتموه تفضيل الميت على الحي، بل مستند ذلك اختلاف جهة الضمان؛ لأنه في حال الاتصال يقع، وفي حال الانفصال أصل، فاختلف الضمان كذلك، وصار هذا كالأطراف، فإنها إذا فوتت مقصودا، بأن قطع يديه، ثم رجليه، ثم فقأ عينيه، وجبت ديات، ولو قتله فاتت هذه الأطراف تبعا، فلا يجب إلا دية واحدة، ثم لا يعد ذلك تفضيلا للبيع على الأصل، كذلك هاهنا. * فإن قالوا: ما ذكرتموه ينتقض بمسألتين: إحداهما: الجنين الحر في [بطن] (١) الرقيقة، فإنه لا يعتبر بأصله، وهو نقض القاعدة الذي ذكرتموها.

стр. 459

الثانية: الجنين المسلم في بطن رقيقة كافرة، فإنه لا يعتبر بقيمة الأم وهي كافرة. أما النقض بالجنين الحر فغير لازم؛ لأن بدل الجنين الحر مقدر بتقدير الشرع، فكما لا يعتبر بأمه عندنا، لا يعتبر بنفسه عندكم، فاستوت الأقدام في هذا الإلزام. وأما الجنين [المسلم في بطن] (١) رقيقة كافرة، فلا يعتبر بأمه عندنا، لكن يقدر لها الإسلام. * فلئن قالوا: إذا [قدرتم] (٢) صفة الإسلام فهلا قدرتم صفة السلامة فيها إذا كانت معيبة؟. قلنا: فيه منع، وإن سلم فلأن سلامة الجنين غير مستيقنة، وإن سلم ظاهر أطرافه من حيث الشكل، بخلاف الإسلام فإنه متيقن (٣). [١٦٣]- مسألة: القتل العمد يوجب الكفارة عندنا (٤). وقال أبو حنيفة ﵀: لا تجب الكفارة إلا في الخطأ وشبه العمد (٥).

стр. 460

وكذا الخلاف فيمن قتل بسبب، مثل ناصب الحجر، وحافر البئر، وناصب السكين، وغير ذلك من الأسباب التي يتعلق بها ضمان الدية، فإن عندنا تجب فيها الكفارة. وقال أبو حنيفة: لا تجب الكفارة بشيء من ذلك (١)، غير أن مأخذ الخلاف بيننا وبينه في التسبب أمر لفظي، وهو أن فاعل السبب هل يسمى قاتلا أو لا يسمى؟. فعنده لا يسمى قاتلا، وأما المباشرة عمدا وهو المقصود هاهنا [فكون] (٢) الكفارة عندنا شرعت جبرا لما فات من حق الله - تعالى ـ، كما وجبت الدية جبرا لما فات من حق الآدمي، وهذا لأن الآدمي يشتمل على حقين: حق [لله] (٣) - تعالى -، وحق للآدمي في نفسه، فأما حق الله - تعالى - في نفسه قيامه بطاعة الله متحملا أمانته، ناهضا بأعباء تكاليفه، والخلافة في أرضه، قال - تعالى -: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠]، ودليل تعلق هذا الحق بالعباد: ما روي أنه ﷺ سئل فقيل: ما حق الله على عباده؟، فقال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» (٤)، فذكر قوله: أن يعبدوه لبيان حق الشرع، وإذا ثبت تفويت هذا المعنى بقتله، ناسب إيجاب التدارك بقدر الإمكان بإقدار نفس أخرى على [ما] (٥) فاته بالإعتاق للقيام الله - تعالى -.

стр. 461

بعبادة الصيام، فزيادة العمدية إن لم تناسب التغليظ فلا يناسب الإسقاط في شبهة العمد (١). وزعمت الحنفية أن الكفارة حيث وجبت إنما وجبت جزاء على الفعل الدائر بين الحظر والإباحة، حيث يناسب شرع زاجر يلائمه ويليق به، قالوا: ودليل شرعنا جزاء على الفعل بعددها على شركاء القتل مع اتحاد المحل، ولو وجبت في مقابلة فائت لوجب على جماعتهم كفارة واحدة كالدية لما وجبت في مقابلة المحل الفائت، قالوا: وإذا ثبت شرعها جزاء على الفعل، فلا يخفى امتناع وجوبها في العمد؛ فإن جزاء العمد ما نطق به الكتاب العزيز، قال الله - تعالى -: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ [النساء: ٩٣]، هذا جزاؤه في الآخرة، وثبت القصاص جزاء في الدنيا بآيات أخر (٢)، ويستحيل شرع جزاءين على فعل واحد (٣). والجواب: قولهم: إنها وجبت جزاء على الفعل. قلنا: ممنوع. وأما تعدد الكفارة في صورة الاشتراك، ففيه منع، فلا يوجب على الكل

стр. 462

إلا كفارة واحدة، وعلى التسليم نقول: هي عبادة، فلا تتجزأ فكملناها، فكان البعض حكما للسبب، والبعض وسيلة إلى الواجب، كما قررنا هذا المعنى في القصاص، وهذا هو الجواب عن التمسك بالآية، فإنا لم نوجب الكفارة جزاء على الفعل، بل شرعناها لجبر المحل، والجمع بين الجبر والجزاء غير ممتنع، فإنهما حكمان شرعيان شرعا لغرضين مختلفين. فإن قالوا: الفوات والجبر إنما تعقل في حق من [يتضرر] (١) بالفوات، وينجبر بالجبر، وهو العبد، أما الرب - تعالى - فمنزه عن الضرر والنفع، فلا يعقل في حقه الخسران والجبران. قلنا: منافع الحقوق كلها وإن كانت راجعة إلى العبد، لكن بعضها دنيوية، وبعضها أخروية، ولو ترك العباد [ودواعي] (٢) نفوسهم [لاقتصروا] (٣) على الأسباب المفيدة لحقوق تتضمن منافع الدنيا، وحرموا سعادة الآخرة، إلا البررة الصالحون، وقليل ما هم؛ فإن معظم الهمم لا [تتجاوز] (٤) العاجل، ولا ترتقي إلى الآجل، فاقتضت رحمة [الشارع] (٥) للعباد أن وظف عليهم وظائف سماها عبادات، وجعلها حقوق نفسه، وحافظ عليها بما يحافظ المستحق على حقه من آخر، [وتحريضا] (٦) ليسوقهم بها إلى سعادة الآخرة،

стр. 463

فكما صح إثبات الشرع حق الشرع ابتدأ بها المعنى مع استغنائه عن الكل، صح شرع الحائر فيه دواما تحقيقا لهذا المقصود. وبالجملة معنى قولنا: حق الله أي شيء تحصل به السعادة أصل عند الله - تعالى ـ، فإنه - تعالى -[مستغن] (١) عن الحقوق كلها (٢). [١٦٤] مسألة: إذا ارتدت المرأة تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت (٣). وقال أبو حنيفة: لا تقتل، بل تحبس، ويستدام حبسها إلى أن تتوب أو تموت (٤). وللمسألة مأخذان: توقيفي، ومعنوي. أما التوقيفي: فاختلاف الفريقين في [عموم] (٥) «من»؛ إذ قد صح عن رسول الله ﷺ فيما رواه عبد الله بن عباس ﵄[أنه] (٦) قال: «من بدل دينه فاقتلوه» (٧).

стр. 464

فمعتقد الشافعي أن كلمة «من» إذا وقعت شرطا عمت الذكور والإناث، وعليه دلت نصوص الكتاب، والسنة، والأحكام، نحو قوله - تعالى -: ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ﴾ [النساء: ٩٢]، ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ [النساء: ٩٣]، ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى﴾ [النحل: ٩٧، غافر: ٤٠]. وقوله ﷺ : «من أحيا أرضا ميتة فهي له» (١)، «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» (٢)، «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» (٣)، إلى غير ذلك من الآيات والأخبار. فأما الأحكام فإجراؤها على العموم في الأيمان والتعليقات، والطلاق، والعتاق، كقوله: من دخل الدار من نسائي فهي طالق، ومن عبيدي فهو حر، فإنه يشمل الذكور والإناث. وعلى الجملة اتفق الشرع والوضع على القضاء (٤). وزعمت الحنفية أنها تتناول الذكور دون الإناث، بدليل دخول الجمع والتأنيث عليها على وزان غيرها من الأسماء، فيقال: من منان منون،

стр. 465

منة منتان منات، قال الشاعر: أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ … فقالوا: الجن قلت: عموا ظلاما (١) ونحن نقول: هذا جهل من قائله بالشرع واللغة جميعا، فإن من جليات اللغة أن الذكور والإناث إذا اجتمعوا عبر عن الجملة بصيغة الذكور، ويدل عليه الإطلاق في العادات والأيمان في قول القائل: من دخل الدار فأعطه، ومن زارك فأكرمه (٢). ومن نصوص الكتاب والسنة من هذا القبيل ما يزيد على ألف، وما ذكروه من التذكير والتأنيث، والتثنية والجمع فإنما يدخل ذلك في صيغة الاستفهام والاستخبار على الغير، كما لو قال: أقبل رجل، فيقول المستفهم: من؟، ولو قال: أقبلت امرأة، فيقول: منه، أما في الخبر فلا خلاف بينهم أنها عامة، ولو قال ابتداء منه دخلت داري فأعطها؛ سفه في عقله، واستهجن كلامه، والجمع في البيت المستشهد به استفهام، مع أنها لغة شاذة، والقانون الأصلي ما ذكرناه. المأخذ الثاني: اختلاف الفريقين في العلة الموجبة لقتل المرتد. فعندنا: هي تبديل الدين الحق بالباطل. وعندهم: الحراب والقتال، ودليل رجحان نظر الشافعي فيه: إسناد تعليله إلى إيماء النص وتنبيهه عليه؛ فإن قوله - ﷺ -: (من بدل) يتبادر إلى

стр. 466

الأفهام منه تعليل شرع القتل بالتبديل، كما في قوله - تعالى -: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله: ﴿الزانية والزاني﴾ [النور: ٢]، ودليل صلاحيته علة من حيث المعنى: هو أن القتل أعلى العقوبات، والكفر أعلى الجنايات، [وترتيب] (١) أعلى العقوبات على أعظم الجنايات مخيل مناسب، وترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على التعليل كما في النظائر المذكورة (٢). * فإن قالوا - وهو مأخذهم-: لا نسلم أن عين الكفر يناسب القتل أو يصلح علة له، وبيانه هو أن الكفر جناية على حق الله - تعالى ـ، وأجزية الأفعال في دار الجزاء وهي الآخرة، أما دار الدنيا فلا تكون العقوبة فيها جزاء على الفعل، وإنما شرعت العقوبات الدنيوية دفعا للضرر العاجل الذي ينشأ منها، لا أنها مقابلة لها، اعتبر هذا بسائر العقوبات، فإن القتل قصاصا إنما شرع للضرر الذي ينشأ من القتل، فإنا لو لم نقتل القاتل أدى إلى تسلط [ذوي] (٣) العز على سفك دماء العامة وأرباب السلامة، فكان القتل مشروعا قبضا على أيدي العتاة، وأما الزنا فالعقوبة عليه - أيضا - دفعا لما ينشأ من الضرر بطريق اشتباه المياه وخلط الأنساب، وبطلان التعارف بين القبائل والعشائر، وألا يعرف الشريف من الوضيع، وذلك ضرر عظيم، وكذلك السرقة فيها من الضرر الداخل على حق الآدمي، وجناية الكفر من هذا القبيل، فإن القتل لم يشرع لعينه، بل لدفع الضرر الذي ينشأ منه، وهو الحراب

стр. 467

والقتال؛ وذلك لأن الكفار حرب لنا، فلا نأمن شرهم، وأن يبدؤوا بالقتال، وخراب البلاد، وهذا المعنى إنما يتحقق في الرجال، أما النساء فقد أمن من جهتين هذا المعنى؛ فإن بنية المرأة غير صالحة للقتال، وما خلقت كذلك، بل هي مجبولة على الجبن والخور وملازمة الحجال (١)، ولا ترد مع الرجال في مقام القتال، فلم يكن القتال في حقها مشروعا؛ إذ لا يخشى من جانبها ضرر يدفع (٢). والجواب عن هذا: أن نقول: لم قلتم: إن القتل في حق الرجال شرع في مقابلة دفع الضرر، وما أنكرتم على من قال: القتل عقوبة زاجرة عن جناية الكفر، فكان مشروعا في حقها - أيضا ـ؛ ردعا لها عن ارتكاب الجريمة، ولا سيما بأنه لا يؤمن ذلك في بنات جنسها، وأن يتسارع النساء إلى ذلك، مع [ميلهن] (٣) إلى الهوى، قال الشافعي: ولا يؤمن أن تفتن أولادها سيما البنات، فإنهن يملن إلى الأمهات (٤)، وهذا - أيضا - نوع ضرر نهي عنه. * قولهم: إن العقوبات المشروعة في الدنيا ليست جزاء، إنما الجزاء في الآخرة. قلنا: باطل.

стр. 468

وما المانع أن يجعل عجالة من ذلك العذاب، وإنذارا لذلك الموعود به، وقد سماه الشرع جزاء، قال الله - تعالى -: ﴿جزاء بما كسبا﴾ [المائدة: ٣٨]، ثم نقول: أليس الأمة مجمعة على أنها محبوسة مضروبة معزرة؟، وهذا نوع من العذاب مع عدم الضرر. * فإن قالوا: لو كان الكفر والتبديل هو الموجب للقتل لما سقط القتل بالإسلام؛ لأن العلة سبقت لمن تاب بعدما زنى. قلنا: كذا كان القياس يقتضي، إلا أن الشرع استثنى ذلك بقوله - تعالى -: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]. وفي الثانية قولان: أحدهما: يسقط الحد، ومن سلم اعتذر بأن التوبة غير مقطوع بقبولها، والإسلام مجمع على صحته شرعا (١). [١٦٥]- مسألة: أمان العبد صحيح عندنا، سواء كان مأذونا له في القتال أو غير مأذون له فيه (٢). وقال أبو حنيفة ﵁: إن كان مأذونا [له] (٣) في القتال (٤)، وإن لم يكن

стр. 469

[مأذونا] (١) له في القتال لم يصح (٢). ومأخذ النظر فيها: الأمان عندنا من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرع لمصلحة دينية، وهو استمالة قلوب الكفار واستعطافهم حتى يميلوا أو يدخلوا بلادنا، ويشاهدوا آيات الله ومعجزات نبيه، ويسمعوا كتاب الله، وربما استكانوا ودانوا وأدركتهم السعادة فنطقوا بالشهادة، والأمان بمنزلة الحج عليهم، وإقامة الدليل، فلو أنهم طلبوا من العبد أن يصف لهم حجة الله ودلائله وجب عليه ذلك؛ طلبا للإسلام، ودخولا في الدين، فكذلك الأمان يجب أن يصح منه. للخصم (٣) مأخذان: أحدهما: أن الأمان من قبيل الولايات، والعبد ليس من أهل الولايات، بدليل أنه لم يكن من أهل القضاء، والشهادة، وولاية النكاح، والمال من حق أولاده. قالوا: والدليل على أن الأمان يفتقر إلى نظر كامل، ورأي بالغ صائب، من حيث إن الأمان ينقسم إلى مصلحة وإلى مفسدة، فالمصلحة أن يكون نفعه عامدا إلى المسلمين، وغبطته ترتبط بهم، والمفسدة أن يؤمن مثلا أهل إقليم وقطر، فيعود ضرره على المسلمين، فإنه ينسد عليهم باب القتل والاغتنام، فلما كان الأمان ينقسم إلى مصلحة تارة، وإلى مفسدة أخرى،

стр. 470

احتيج إلى نظر؛ ليتميز ما يكون فيه المصلحة مما يكون فيه المفسدة، والعبد ليس من أهل النظر. الثاني: أن حد الولاية أنها تنفيذ القول على الغير، وهذا بعينه موجود في الأمان، فإنه ينفذ قوله على غيره. المأخذ الثاني: قولهم: إن الأمان من توابع القتال، والعبد ليس من أهل القتال، والدليل على أنه من توابع القتال أن الأصل كان ألا يشرع الأمان؛ وذاك لأن الله - تعالى - شرع القتال قصدا لاستئصال الكفار ومحقهم، والأمان ترك القتال، وهو على ضده، والشرع لا يشرع الشيء وضده، وإنما شرع الأمان لأن فيه تتمة القتال؛ لأنا إذا أمنا قوما صاروا لنا أعينا وجواسيس، يطلعون على عورات الكفار، فيتوصل إلى مقاتلتهم ومكابدتهم إن يؤمن فعله، أو حصنا ليتجاوزهم إلى قراهم ممن هو أكبر منهم عددا وأوفى جندا (١). والجواب عن المأخذ الثاني من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم أن العبد ليس من أهل القتال، بل هو من أهل القتال، فإن الأمان أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ودعاء إلى طاعة الله، وهو من أهل ذلك، نعم ليس له أن يقف في الصف مجاهدا مع المسلمين، لا لأنه ليس من أهله، لكن لتعلق حق السيد بعينه، وحق السيد فرض عين، والجهاد فرض كفاية، فرجحنا فرضا على فرض، كما يقدم حق الزوج على حق المرأة في البروز والخروج، ويلزمها قعر بيتها، فكان المنع لأجل حق تعلق به، ولهذا إذا أذن له السيد ملك القتال، والإذن لا يصير غير الأهل

стр. 471

أهلا، بدليل الصبي والمجنون، فإنه لو أذن لهما الولي لم يصلح لنا أن يكونا من أهله، والذي يدل على كونه من أهل القتال أمر قاطع، وهو أنه لو ارتد وجب قتله باتفاق المسلمين، إنما يقتل عندهم بالكفر من هو من أهل القتال، [ولهذا لم يقتلوا المرأة إذا ارتدت؛ لأنها ليست من أهل القتال] (١). الثاني: أن ذلك يبطل بالمرأة، فإنها لا تملك القتال، وتملك الأمان، فإن قلتم: المرأة من أهل القتال بمالها، فإن لها أن تجهز جيشا للحرب، والجهاد تارة يكون بالمال، وتارة يكون بالنفس. قلنا: يبطل بالمرأة المعسرة، فإنه لا مال لها، ثم إنه يصح أمانها. فإن قلتم: هي بفرض أن تملك مالا. قلنا: والعبد بفرض أن يؤذن له، أو يعتق، أو نفير العام فإنه يجب عليه القتال (٢).

стр. 472

[٢٤] مسائل الحدود [١٦٦] * مسألة: الإسلام لا يعتبر شرطا في إحصان الزنا عندنا، [فاليهودي] (١) والنصراني إذا زنا وهو حر مكلف يرجم. فشرائط إحصان الرجم عندنا أربعة: البلوغ، والعقل، والحرية، والوطء في نكاح صحيح بعد وجود هذه الثلاثة (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: الإسلام شرط في إحصان الرجم، فإن كانا كافرين لم يحصنا بحال، وكذا المسلم إذا وطئ الكافرة، فإنهما لا يحصنان (٣). واعلم بأن إثبات [مثل هذه الشرائط ونفيها لا يهتدي إليه القياس، وإنما يتلقى من] (٤) التوقيف، ولم يعول الشافعي في ذلك إلا على النص، وهذا ما رواه أبو علي الترمذي في جامعه بإسناده عن مالك بن أنس، عن نافع، عن

стр. 473

ابن عمر، أن رسول الله ﷺ رجم يهوديا ويهودية زنيا (١). ومأخذ نظر أبي حنيفة في اعتقاد الاشتراط: اعتقاده أن الكفار غير مخاطبين بفروع الإسلام، وقد دللنا على بطلان ذلك في مسألة خمور أهل الذمة، بما أغنى عن إعادته (٢). غير أنهم أوردوا على الحديث سؤالين مزيفين: أحدهما: قولهم: إنه رجمها ﷺ بحكم التوراة لا بحكم الإسلام، بدليل أنه دخل بيت مدراس (٣) اليهود (٤)، واستحضر التوراة، وجعل ابن صوريا يقرأ، فوضع يده على آية الرجم، فقال عبد الله بن سلام (٥): مره يا

стр. 474

رسول الله أن يرفع يده، فرفع (١) يده، فإذا آية الرجم تلوح، فقال - ﷺ -: «أنا أحق بإحياء سنة أماتوها» (٢). ............ (٣). قال: «من أشرك بالله فليس بمحصن» (٤) (٥). والجواب عن الأول: أن نقول: ما فعله رسول الله ﷺ هل كان له (٦)، وجاز في شرعه

стр. 475

أم لا؟. إن قلتم: فعل ما ليس له فعله، ولا هو شرعه، فنعوذ بالله من هذا الكلام، فإنه نسبة الأنبياء إلى ارتكاب الكبائر بإراقة دم امرئ معصوم، سيما على أصلكم عصمة الذمي كعصمة المسلم، وقد أجمع المسلمون على أن الأنبياء معصومون عن الكبائر. وإن قلتم: فعل ما له فعله، وهو جائز في شرعه. قلنا: فيه أسوة حسنة. وأما دخوله بيت [مدراس] (١) اليهود، وإحضار التوراة، فإنما كان ليبين لعامة اليهود مخازي أحبارهم وكذبهم على الله، وتحريفهم الكلم عن مواضعه، وأنهم غيروا وبدلوا، وكتموا بشائر بعثه وأعلام نبوته التي نطقت بها كتبهم، قال الله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من الممترين﴾ [البقرة: ١٤٦ - ١٤٧]، فتبين أن هذا مما حرفوه كما حرفوا اسمه وغيروه. وأما الحديث فقد قال الدارقطني: هو موقوف على ابن عمر، [وليس] (٢) بمرفوع (٣)، وعلى التسليم فهو مجمل؛ لأن الإحصان يطلق، ويراد به العفة، ويطلق ويراد به إحصان الرجم، ولا يترك الحديث النص بلفظ

стр. 476

عام أو مجمل نقل عن رسول الله ﷺ (١). [١٦٧] *مسألة: لا يعتبر التكرار في الإقرار بالزنا عندنا (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: يعتبر أربعة أقارير في أربعة مجالس (٣). ومأخذ النظر من جانبنا القياس الجلي، وهو أوضح من فلق الصبح؛ وذلك أن إقراره مرة واحدة يغلب على الظن صدقه، وتكراره لا يجدي فائدة، ولا يزيدنا ثقة، ولا يقطع تهمة، بل المرة الثانية والثالثة والرابعة كالأولة؛ لأنها من شخص واحد، فلو كرر مائة مرة ما كان إلا قول واحد، فلا يحصل لنا غير ما عرفناه بالمرة الأولة، فهو بمنزلة الشاهد الواحد إذا قال عند الحاكم: أشهد وأشهد؛ مائة مرة، ما كان إلا شهادة واحدة، نعم إذا شهد واحد وواحد، وكثر عددهم أفاد ذلك فائدة، وزاد عليه [ظنا] (٤) لا يحصل بالأول. فإن قالوا: فائدة التكرار نفي شوائب الاحتمال، فإن الرجل قد يكون مجازفا متماجنا، ليس على ثقة مما أقر به، فإذا كرر عليه، وصمم على شيء واحد، وأصر عليه؛ عرفنا أنه على ثقة من نفسه، عارف بما دخل فيه. قلنا: هذا غير صحيح؛ لأنا لسنا نقبل إقراره مرة واحدة، حتى

стр. 477

نستوصف منه حاله، ويكشف عن باطن أمره، فنسأله عن سر القصة، فإن الحاكم يقول له: لعلك لمست، لعلك ضاجعت، فلا يكتفي منه بعبارة محتملة، حتى لو قال: جامعت، لا يكتفي دون أن يأتي بالكاف والنون، ويقول: غاب ذلك مني في ذلك منها كغيبوبة المرود (١) في المكحلة، والرشاء في البئر، ومع هذا الاستكشاف والاستيضاح لا يبقى خيال ولا احتمال. * فإن قالوا: فهذه الواقعة قد تميزت من سائر الوقائع بزيادة شاهدين، فينبغي أن يتميز في الإقرار - أيضا ـ؛ لأنه أحد الحجتين. قلنا: لو تصور في الإقرار زيادة على ما جعل في المرة الأولى سلمنا لكم المسألة، لكن قد بينا أنه لا يمكن أن يقال في التكرار زيادة على ما بيناه، بخلاف الشهادة، ثم دليل الفرق بين الحجتين أمران: أحدهما: أنكم اعتبرتم في الإقرار أربعة أقارير في [أربعة] (٢) مجالس، وفي الشهادة اعتبرتم أن تكون متفقة في مجلس واحد. الثاني: ما ذكره الحليمي (٣)، وذلك أنه قال: أبو حنيفة يعتبر بطريق

стр. 478

الإقرار على الشهادة، فاعتبر أربعة أقارير [بدل] (١) [أربعة] (٢) شهود، وهذا لا نظير [له] (٣) في الشرع، كل إقرار بإزاء شاهدين (٤)، فكان ينبغي ألا يقبل في سائر الحقوق إلا إقرارين؛ لأنها ثبتت بشهادتين، فلما ثبت بإقرار؛ دل أن كل إقرار بإزاء شاهدين (٥). ومما نص عليه أبو حنيفة ﵀ في هذه المسألة: أنه لو شهد [أربعة] (٦) شهود على رجل بالزنا، فأقر مرة واحدة؛ بطلت شهادة الشهود، ولا يثبت الزنا، وإن كذبهم ثبت الزنا، ووجب الحد. أما الخصم فلا مأخذ له في هذه المسألة سوى حديث ماعز ﵁، وذلك ما روي [أن] (٧) ماعز بن مالك ﵁ أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! زنيت فطهرني، إلى أن قال ذلك أربع مرات، فلما قالها أربع مرات، قال له النبي ﷺ : «الآن أقررت أربعا، فبمن؟» (٨)، فذكر جارية زنا

стр. 479

بها، وهذا نص (١). والجواب عن هذا الاستدلال من وجوه: أحدها: أن الحديث لم يصح على الوجه الذي رويتموه، بل الصحيح ما روى أبو داود في سننه أن ماعزا أتى النبي ﷺ [فقال] (٢): يا رسول الله طهرني، ولم يزد على ذلك، وإنما قال في الرابعة: أنا زنيت فطهرني (٣). الثاني: إن صح على الوجه الذي رووه، فالنبي - ﷺ - إنما فعل ذلك لأنه استراب بحاله؛ لأنه دخل أعرابي ثائر الرأس، أشعث، أغبر، ليس على النعت المرضي، ولا عليه وقار العقل، بل هو كالواله (٤)، فلما رآه رسول الله ﷺ - أنكر حاله، وقال: «استنكهوه»، فاستنكهوه، فلم يروا به أثر خمر، ثم قال: «أبك خبل؟ أبك عته؟، وبعث إلى أهله، قال: هل تنكرون من حاله شيئا؟»، فقالوا: [لا]، ثم استكشف عن باطن أمره، فقال: «أتدري ما الزنا؟، لعلك قبلت، لعلك لمست»، حتى قال: «غاب ذلك منك في ذلك منها كالمرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟» (٥)، فقال: نعم، ولم يقتنع

стр. 480

بذلك حتى صرح بالكاف والنون، دل ذلك إنما كان استرابة بحاله، لا أن تكرار الأقارير شرط، وأن الأربع حد محدود. الثالث: معارضة ذلك الحديث الخاص الناص، وهو ما روي أن امرأة من [غامد] (١) أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال: توبي إلى ربك، واستغفري لذنبك، فقالت: يا رسول الله أتريد أن [تردني] (٢) كما رددت ماعزا؟، [قال] (٣): وما ذاك؟، فقالت: إني حامل من زنا، فقال: «أوقد زنت؟»، قالت: نعم، قال: «إذا لا نرجمك حتى تضعي ولدك»، فلما وضعته جاءت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله قد وضعته، قال: «إذا لا نرجمك ولا راضع (٤) لولدك» (٥) فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنا كافل ولدها، فغضب رسول الله - ﷺ ـ، وأمر برجمها، وهذا نص فيما ذكرناه، فإنها اعترفت بالزنا مرة واحدة، وإنما كان [الترديد] (٦) لأجل ولدها (٧). [١٦٨] • مسألة: للسيد إقامة الحد، واشتراط العدالة والذكورة وجهان، ومحل القطع

стр. 481

عندنا ما إذا كان الحد جلدا، أو ثبت الزنا بالإقرار، وكان الولي رجلا عدلا، عالما بالإقامة (١) (٢). واعلم أن تلقي هذه المسألة من القياس عسر من جانبنا؛ فإن الحدود لله، فلا يستوفيها إلا النائب والمأذون؛ إذ الفاحشة لا تعلق لها بالملك، ولا يعود إليهم، فلا يملك إقامة الحد عليه بذلك، والإذن يتلقى من التوقيف، وعليه عول الشافعي، إذ استدل بحديثين مرويين في الصحاح. أحدهما: ما خرجه مسلم في صحيحه، والترمذي في جامعه بإسناده عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا زنت أمه أحدكم فليجلدها، فإذا زنت فليجلدها، فإذا زنت فليبعها ولو بضفير» (٣)، قال الترمذي: هذا حديث صحيح. الثاني: قوله ﷺ : «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» (٤)، والحديثان صريحان في استنابة السادات لاستيفاء هذا الحق. فإن قالوا: فأنتم قد خالفتم الأحاديث؛ فإن ظاهر الأمر للإيجاب، ولا خلاف [أنه إن أقامه] (٥) الإمام جاز، ولم يعص به السيد.

стр. 482

* قلنا: لأن الأمر في مثل هذا المقام للإذن والاستنابة، والإمام نائب بما دل على نيابته، والسيد - أيضا - نائب بحكم هذا الحديث، فهما نائبان، والأمر في محل الحجر ومظنة التحريم قد يحمل على الأول والإباحة كما في قوله - تعالى -: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢]، وكقول المالك لغيره: بع مالي، أي أثبت لك الولاية، فهو صريح في أصل الإذن، صيغته الوجوب وقرينته للإباحة. فإن عارضوا بقوله ﵇: «أربعة إلى الولاة: الجراح، والحدود، والجمعة، والصدقات» (١). * قلنا: لم يثبت ذلك، بل هو من كلام ابن عمر وابن مسعود، ولا حجة في قول آحاد الصحابة على ما علمتم من أصلنا (٢)، فلا تكلم عليه، وإن قدر ثبوته، فلا يتعلق فيه؛ لأنه دل على أنه إلى الإمام إقامة الحد، ونحن نقول به، ونجمع بينهما، فإن السيد إذا امتنع عن إقامة الحد أو أعرض عنه، كان للإمام أن يقيمه، هذا مستند المذهب (٣). أما طريق القياس في المسألة فقد استقصيناه في التعليق الموسوم بدرر الغرر (٤)، فليطلب منه.

стр. 483

[١٦٩]- مسألة: اللواط يوجب الحد عندنا (١)، خلافا لأبي حنيفة، فإنه قال: يعزر، ولا حد عليه (٢). ثم في حده قولان: أحدهما - وهو المشهور: أنه يجب فيه ما يجب في الزنا. والثاني: أنه يجب فيه قتل الفاعل والمفعول به. فكيف يقتل؟. فيه وجهان: أحدهما: أنه يقتل بالسيف. والثاني: أنه يرجم؛ ثيبا كان أو بكرا، وهو قول مالك وأحمد (٣). ومأخذ النظر: تنقيح مناط الحكم في حد الزنا. فالشافعي يقول: اللواط إن لم يكن زنا، فهو في معنى الزنا؛ لأن الزنا له صورة ومعنى، فصورته: إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا، محرم شرعا، ومعناه: قضاء الشهوة في محل لا ولاية له عليه، وهذا المعنى موجود في

стр. 484

اللواط حسب وجوده في الزنا، بل أبلغ؛ لأنه لا يستباح بحال، بخلاف الإتيان في القبل، وأنه يستباح بالنكاح والشراء وغير ذلك، فإن لم يزد عليه في الاقتضاء، [فلا أقل] (١) من أن يساويه (٢). وزعمت الحنفية أن في خصوص الزنا معنى لا يوجد في اللواط، وذلك من وجهين: أحدهما: أن الزنا أكثر مفسدة من اللواط؛ لإفضائه إلى اختلاط المياه، واشتباه الأنساب، وتضييع الأولاد في الغالب، بخلاف اللواط. الثاني: أن الزنا أغلب وقوعا؛ لوجود الداعي من الجانبين، بخلاف اللواط (٣). والجواب عن الأول: أن ذلك يبطل بالزنا بالصغيرة، والعقيمة، والآيسة، فإنه يوجب الحد مع انتفاء ما ذكر. وعن الثاني: أنه يبطل بالزنا بالأم، والبنت، والأخت، فإنه يوجب الحد مع كونه في غاية الندرة؛ لقصور الدواعي. ثم هو ملغي بالأكل والشرب في نهار رمضان، فإنكم سويتم بينه وبين

стр. 485

الجماع، مع أن الداعي في الجماع من الجانبين، وفي الأكل من الأكل خاصة (١). [١٧٠]- مسألة: المرأة العاقلة البالغة إذا مكنت صبيا أو مجنونا فوطئها؛ يجب عليها الحد عندنا (٢). وعندهم لا يجب (٣). ولا خلاف في عكسه، وهو ما إذا زنا عاقل بالغ بصبية أو مجنونة (٤). وللمسألة مأخذان: أحدهما: أن فعل المجنون زنا عندنا، وهم ينازعون فيه. الثاني: أن اسم الزنا عنه (٥) حقيقة من الزاني والزانية كما دل عليه النص، وعندهم هو حقيقة من الرجل، ومجاز في المرأة. ولنبدأ من تقرير المأخذ الثاني، فنقول: الدليل على كون المرأة زانية حقيقة: المعقول، والمشروع، والإطلاق. أما المعقول: [فهو] (٦) أن نقول: إن كان الرجل فاعلا للزنا لأنه متحرك،

стр. 486

فالمرأة - أيضا - فاعلة لأنها ساكنة؛ إذ السكون فعل، كما أن الحركة فعل؛ فإن الأكوان تنقسم إلى حركة وسكون، واجتماع وافتراق، فالسكون من قبيل الأفعال الداخلة بحسب القدرة والاختيار ما يحركه، ويدل عليه نزول المرأة (١) على الرجل واستدخالها إليه، فإن المرأة هاهنا هي المتحركة والرجل ساكن، ومع ذلك يجب عليه الحد؛ ذاك أنه لا نظر إلى ما ذكروه؛ فإن الحركة [والسكون] (٢) سيان في كونهما فعلا. وأما المشروع [فهو] (٣) أن الصادر منها ترك الدفع الواجب، وترك الدفع فعل، بدليل صحة التكليف به، فإنه مكلف بالترك في باب الصوم، ويقتل بترك الصلاة. وأما الإطلاق [فهو] (٣) أن الله - تعالى - سماها زانية، وبدأ بها، والاسم لحقيقته إلى أن يقوم دليل المجاز، ووزانه قوله - تعالى -: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨] سوى بينهما اسما واحدا. فإن قيل: إن الزنا صفة الفعل، والمرأة محل الفعل، فهي مفعول بها، كالمضروب مع الضارب، وكذا سميت موطوءة، والرجل واطئا، ولو استويا في المسمى لاستويا في الاسم، والذي يقتضيه قياس القواعد ومنهاج الأصول: ألا يجب عليها الحد وإن كان شريكها عاقلا، غير أنا أوجبناه لكونها مكنت من [نفسها] (٤)، وفيما نحن فيه لم تمكن من زنا؛ لأن فعل المجنون

стр. 487

ليس بزنا، بدليل ثبوت النسب، ووجوب العدة. والجواب: نقول: قد دللنا على كون المرأة فاعلة كالرجل، بما أوضحناه من الدلائل. وأما تسمية الرجل واطئا [والمرأة بحيائها تنحبس] (١)؛ فلأنه المقدم عليه والمبادر إليه في العادة، والمرأة بحيائها تنحبس، فعلتها التمكين، ثم نقول: تسمية الرجل واطئا إنما كان على طريق المجاز؛ لأن حقيقة الوطء في اللغة هو الدوس بالقدم (٢)، لكن لما كان الرجل كأنه يدوس، والمرأة كأنها أرض بالإضافة إليه؛ أطلق عليهما واطئ وموطوءة مجازا، ولهذا (٣) رأيته على الإطلاق، فلو كان موطوءة مفعولة حقيقة لما أطلق عليهما اسم الفاعل، كما لا يسمى المكسور كاسرا. قولهم: إن فعل المجنون [ليس] (٤) بزنا، ممنوع. وبيانه هو: أن جهة كون الوطء زنا في الأصل ما ينطوي عليه من الفساد بطريق خلط المياه، وبطلان التعارف في الأنساب، والعار والشنار، وهذا كله موجود في الوطء [الصادر] (٥) من المجنون، فكان زنا، وإنما سقطت المؤاخذة عن المجنون لجهله، فلا يبطل بذلك حقيقة الفعل، وصار كما لو قتل المجنون شخصا معصوما عابدا زاهدا، فإنه لا يقال: إن هذا الفعل ليس من الناسخ.

стр. 488

بقبيح، بل هو قبيح في نفسه، وإن سقطت المؤاخذة عنه. * فإن قالوا: هذا الفعل لا يذم عليه، فلا يكون زنا. قلنا: الأفعال المحرمة شرعا لم تقبح إلى أمر يعود إلى فاعلها، فإن القتل قبيح لكونه تفويت روح شخص محترم، والزنا قبيح لإفضائه إلى فساد الفرش والنسل، أو لكونه قضاء شهوة الفرج من غير عقد ولا شبهة، فإذا وجبت هذه الحقيقة ممن وجدت لا تكون قاصرة؛ لخروجه من أن يكون من أهل العقوبة لا تخل بحقيقة الفعل، كمن قتل ومات، فإنه لا تمكن عقوبته، ولا مذمته، ثم لا يقال: ما وجد منه الفعل الحرام القبيح، ثم يلزمه على ما ذكروه أحكام، منها: الأصل الذي ذكرنا، وهو ما (لو زنا) (١) عاقل [بصبية] (٢) أو مجنونة، فإن الحد يجب عليه دونها، ومنها تمكينها من مستأمن أو [حربي] (٣) فإنه يوجب الحد عليها والحد عليه (٤). [١٧١] مسألة: إذا ورد العقد على محرم من محارمه كالأم والبنت وزوجة الأب، وكل محرمة عليه، ووطئها عالما؛ يلزمه الحد عندنا (٥). وعندهم لا يلزمه (٦).

стр. 489

وكذا الخلاف فيما إذا استأجر امرأة ليزني بها، وفيما إذا نكح مجوسية، أو وثنية، أو أخته من الرضاع، أو معتدة، فإن وجود العقد عندنا كعدمه (١). ومأخذ النظر: أن [المحرمية] (٢) عندنا تنافي محلية النكاح من كل وجه. وعندهم لا ينافيها من وجه؛ وذاك أنهم زعموا أن الاسم محل للنكاح في الجملة، فكانت محلا في حق الابن من وجه، قالوا: وهذا لأن محلية النكاح ثبتت بأمرين: أحدهما كونها أنثى من بنات آدم. والثاني: كونها حلالا شرعا، فإذا انضم أحد الوصفين [إلى الآخر ثبتت المحلية من كل وجه، والفائت في حق الأم أحد الوصفين] (٣)، وهو الحل، فبقي الوصف الآخر، وهو كونها أنثى مستعدة للحرث والنسل الذي هو أصل في هذا الباب، فكانت [المحلية] (٤) موجودة في حق الابن من وجه دون وجه، فأورث ذلك شبهة، وصار بمنزلة النكاح بلا ولي ولا شهود. ونحن نقول: هذا فاسد؛ لأن كون المحل محلا إنما يعرف بالشرع لا حسا، والأم في حق الابن ليست محلا، فصار العقد عليها كلا عقد. فلئن قالوا: [المحلية] (٥) لا تختلف.

стр. 490

قلنا: ممنوع؛ ألا يرى أنها محل الحل والملك في حق الأجنبي، وليست محلا لهما في حق الابن؟!، وربما زعموا أن صورة العقد شبهة من حيث إنه شابه العقد الصحيح، والشبهة مأخوذة من المشابهة، وقيام الشيء بصورته ومعناه، فكان صورة العقد سببا من المبيح، وإن لم يبح، كما لو ملك جزءا من مائة جزء من جارية، ووطئها فلا حد عليه؛ لقيام المبيح. والجواب: نقول: المشابهة إنما تعتبر وتورث شبهة إذا وجدت في محل قابل، وقد بينا أنها ليست بمحل، ثم يلزم مما ذكروه انتفاء الحد في الزنا والسرقة؛ فإن الزنا شابه الوطء الحلال، ولا حد في السرقة شابه الأخذ بجهة العقود، ولا قائل به، فكان الشيخ أبو محمد يقول: هذا الوطء باسم النكاح أعظم في الهتك، وأبلغ في الفاحشة من الزنا بالأم من غير عقد، وذاك أن الزاني معترف بأنه مرتكب لكبيرة متفاحشة فحسب، وهذا الذي عقد ووطئ قد ارتكب الكبيرة، واستهتر بالشرع، فإنه يزعم أنه عقد على أمر الله ورسوله من النكاح، ثم وطئ. فإن قالوا: نقيس على ما إذا اشترى أخته من الرضاع، أو أمه مجوسية، أو غيرها من الصور التي ذكرناها، فتمتنع على أحد القولين، فنقول: يجب الحد، وعلى التسليم نقول: هناك ملك البضع بملك الرقبة، ولهذا لو وطئت بشبهة كان المهر له، وكذلك يملك تزويجها، وفي مسألتنا لا يملك البضع، فافترقا (١).

стр. 491

[٢٥] مسائل السرقة [١٧٢] مسألة: يجب القطع بسرقة ما أصله على الإباحة إذا كان مملوكا (١). وقال أبو حنيفة: لا يجب القطع بسرقة ما أصله مباح في دار الإسلام، كالصيود، والطيور، والسمك، والخشب، إلا الساج، والأبنوس (٢)، والصندل (٣)، والعود، والقنا إن كان معمولا، ولا في الطين، وما عمل منه، والزجاج وما عمل منه، وما يستخرج من المعادن كالنفط، والموميا (٤) إلا فصوص الزمرد والياقوت، والجواهر، فإن فيها القطع (٥). ومأخذ النظر: استصحاب حكم العموم في قوله - تعالى -: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، فإن عمومها يقتضي إيجاب القطع في كل ما يسمى آخذه سارقا، فكل من يطلق عليه اسم السارق مقطوع، إلا

стр. 492

ما استثناه الدليل (١). والحنفية تدعي قيام شبهة مخصصة للعموم، وهو قوله ﵇: «الناس شركاء في ثلاثة: الماء، والنار، والكلا» (٢)، فإن ظاهره يقتضي الشركة في جميع الأحوال، لكن بالحيازة اختص به قوم، فبقي مجرد اسم الشركة شبهة في إسقاطه الحد، فصار كقوله - ﵇: «أنت ومالك لأبيك» (٣) إضافة إلى الأب، فلما لم يتحقق حقيقة الملك بهذه الإضافة انتصب ذلك شبهة، حتى إنه لا يحد إذا وطئ جارية ابنه، ولا يقطع بسرقة ماله، كذلك هاهنا من الأموال التي أصلها على الإباحة (٤). والجواب: نقول: أما الأشياء الثلاثة فلا يتحقق لكم الكلام إلا في (٥) واحدة منها؛ لأن النار لا تسرق، والماء لا يملك عندنا على أحد الوجهين (٦)، يبقى الكلأ، فنقول: ما بعد الإحراز غير مراد بالحديث، بدليل انتفاء الشركة إجماعا (٧)، وما ليس مرادا بالحديث هو كما [لم] (٨) يرد الحديث فيه، فلا يبقى اللفظ شبهة

стр. 493

فيما علم قطعا أنه لم يرد فيه، على أنا نقول: المراد بهذا الخبر وفائدته: منع ملوك العرب من الحمى، فإنهم كان عادتهم أن [يحموا] (١) قطعة من الأرض، ويجعلونها حظائر وزرائب يحصنون بها ماشيتهم، والشرع نهاهم عن التخصيص بذلك، وقال: «الناس شركاء في ثلاثة» (٢)، ولهذا قال: «لا حمى إلا لله ولرسوله» (٣)، وروي: «ولأئمة المسلمين» (٤)، فهذا هو المقصود بالحديث، لا ما توهموه، وأما سقوط الحد عن الأب [فلم] (٥) يكن باعتبار ما ذكروه من الإضافة، بدليل أنه لو زنا بابنته أوجب عليه الحد بلا خلاف، وإنما سقط باعتبار أنه ممن يجب عليه إعفافه ونفقته، وسقط عنه القصاص؛ لقوله ﷺ : «لا يقاد والد بولده» (٦).

стр. 494

فإن قيل: العموم إذا عارضه معنى أقوى منه جاز تخصيصه إجماعا (١)، ومعنا معنى يعارض ما ذكرتموه من العموم يقتضي إسقاط القطع، وهو أن هذه الأشياء أصلها على الإباحة، وإنما الملك والاختصاص طرأ عليها، فقد اجتمع فيها ما يسقط القطع وما يوجب القطع، فغلبنا الإسقاط على الإيجاب؛ لقوله ﵇: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» (٢). قلنا: يبطل بالساج، والأبنوس، والذهب، والفضة، والفيروزج (٣)، واليواقيت، فإنها باعتبار الأصل مباحة، والاختصاص والملك طرأ عليها،

стр. 495

والقطع يتعلق بها إجماعا (١). ثم نقول: العبرة بالحال، وهذا الأموال محرزة مصونة في الحال، يصونها مالكها، ويشح عليها، ولا عبرة بما كان وبان، قال الشافعي: معلوم أنه لو كان له ملك حقيقي في عين، فباعها وزال ملكه عنها، ثم إنه سرقها وجب القطع عليه، وإذا كان الملك الحقيقي الذي كان لم يجعل زواله بعد كونه شبهة، فحق الملك أولى ألا يجعل شبهة بعد زواله (٢). [١٧٣] مسألة: يجب القطع بسرقة الفواكه والأشياء الرطبة التي يتسارع إليها الفساد، كالفواكه، والطبائخ، والمائعات (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجب القطع بسرقة شيء من ذلك، ثم لم يقتصر عليه، بل عداه إلى ما لا يتسارع إليه (٤)، كالخل، والدهن، والأري المشتار (٥). ومأخذ النظر من جانبنا: ما أسلفناه في المسألة السالفة.
следующие страницы →