← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

[٢٥] مسائل السرقة [١٧٢] مسألة: يجب القطع بسرقة ما أصله على الإباحة إذا كان مملوكا (١). وقال أبو حنيفة: لا يجب القطع بسرقة ما أصله مباح في دار الإسلام، كالصيود، والطيور، والسمك، والخشب، إلا الساج، والأبنوس (٢)، والصندل (٣)، والعود، والقنا إن كان معمولا، ولا في الطين، وما عمل منه، والزجاج وما عمل منه، وما يستخرج من المعادن كالنفط، والموميا (٤) إلا فصوص الزمرد والياقوت، والجواهر، فإن فيها القطع (٥). ومأخذ النظر: استصحاب حكم العموم في قوله - تعالى -: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، فإن عمومها يقتضي إيجاب القطع في كل ما يسمى آخذه سارقا، فكل من يطلق عليه اسم السارق مقطوع، إلا

стр. 492

ما استثناه الدليل (١). والحنفية تدعي قيام شبهة مخصصة للعموم، وهو قوله ﵇: «الناس شركاء في ثلاثة: الماء، والنار، والكلا» (٢)، فإن ظاهره يقتضي الشركة في جميع الأحوال، لكن بالحيازة اختص به قوم، فبقي مجرد اسم الشركة شبهة في إسقاطه الحد، فصار كقوله - ﵇: «أنت ومالك لأبيك» (٣) إضافة إلى الأب، فلما لم يتحقق حقيقة الملك بهذه الإضافة انتصب ذلك شبهة، حتى إنه لا يحد إذا وطئ جارية ابنه، ولا يقطع بسرقة ماله، كذلك هاهنا من الأموال التي أصلها على الإباحة (٤). والجواب: نقول: أما الأشياء الثلاثة فلا يتحقق لكم الكلام إلا في (٥) واحدة منها؛ لأن النار لا تسرق، والماء لا يملك عندنا على أحد الوجهين (٦)، يبقى الكلأ، فنقول: ما بعد الإحراز غير مراد بالحديث، بدليل انتفاء الشركة إجماعا (٧)، وما ليس مرادا بالحديث هو كما [لم] (٨) يرد الحديث فيه، فلا يبقى اللفظ شبهة

стр. 493

فيما علم قطعا أنه لم يرد فيه، على أنا نقول: المراد بهذا الخبر وفائدته: منع ملوك العرب من الحمى، فإنهم كان عادتهم أن [يحموا] (١) قطعة من الأرض، ويجعلونها حظائر وزرائب يحصنون بها ماشيتهم، والشرع نهاهم عن التخصيص بذلك، وقال: «الناس شركاء في ثلاثة» (٢)، ولهذا قال: «لا حمى إلا لله ولرسوله» (٣)، وروي: «ولأئمة المسلمين» (٤)، فهذا هو المقصود بالحديث، لا ما توهموه، وأما سقوط الحد عن الأب [فلم] (٥) يكن باعتبار ما ذكروه من الإضافة، بدليل أنه لو زنا بابنته أوجب عليه الحد بلا خلاف، وإنما سقط باعتبار أنه ممن يجب عليه إعفافه ونفقته، وسقط عنه القصاص؛ لقوله ﷺ : «لا يقاد والد بولده» (٦).

стр. 494

فإن قيل: العموم إذا عارضه معنى أقوى منه جاز تخصيصه إجماعا (١)، ومعنا معنى يعارض ما ذكرتموه من العموم يقتضي إسقاط القطع، وهو أن هذه الأشياء أصلها على الإباحة، وإنما الملك والاختصاص طرأ عليها، فقد اجتمع فيها ما يسقط القطع وما يوجب القطع، فغلبنا الإسقاط على الإيجاب؛ لقوله ﵇: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» (٢). قلنا: يبطل بالساج، والأبنوس، والذهب، والفضة، والفيروزج (٣)، واليواقيت، فإنها باعتبار الأصل مباحة، والاختصاص والملك طرأ عليها،

стр. 495

والقطع يتعلق بها إجماعا (١). ثم نقول: العبرة بالحال، وهذا الأموال محرزة مصونة في الحال، يصونها مالكها، ويشح عليها، ولا عبرة بما كان وبان، قال الشافعي: معلوم أنه لو كان له ملك حقيقي في عين، فباعها وزال ملكه عنها، ثم إنه سرقها وجب القطع عليه، وإذا كان الملك الحقيقي الذي كان لم يجعل زواله بعد كونه شبهة، فحق الملك أولى ألا يجعل شبهة بعد زواله (٢). [١٧٣] مسألة: يجب القطع بسرقة الفواكه والأشياء الرطبة التي يتسارع إليها الفساد، كالفواكه، والطبائخ، والمائعات (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجب القطع بسرقة شيء من ذلك، ثم لم يقتصر عليه، بل عداه إلى ما لا يتسارع إليه (٤)، كالخل، والدهن، والأري المشتار (٥). ومأخذ النظر من جانبنا: ما أسلفناه في المسألة السالفة.

стр. 496

ومن جانب الخصم: ادعاء شبهة باعتبار نقصان مالية هذه الأشياء من حيث إنها وإن كانت مالا في الحال، لكنها ليست مالا في [المال] (١)؛ لقيام الرطوبة المفسدة بها، فهي في حكم التالف؛ لانعقاد سبب الهلاك في ذواتها، ألا ترى أن المرتد لما انعقد سبب هلاكه عد هالكا (٢). والجواب عن هذا: أن نقول: الاعتبار بالحال التي وردت السرقة عليها، وهي في الحال أموال نفيسة متقومة، توقع فسادها وتلفها في ثاني الحال لا يقتضي سقوط القطع في هذا الحال؛ بدليل أنه ما من مال في الدنيا ولا شيء إلا مصيره إلى النفاد والزوال، قال الله - تعالى -: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص: ٨٨]. ثم نقول: كونه مما يفسد أمر يختلف ولا ينضبط، فإنه يختلف باختلاف البقاع، والطباع، والأزمنة، والأهوية، فمأخذ البقاء يختلف بين الأشياء، ثم يستوي الجميع في تعلق القطع بسرقتها، فإن زبر الحديد والذهب والفضة أبقى من الزجاج والخزف (٣) على [مر] (٤) الدهور، ثم هما سيان في القطع. ثم هو باطل بالخلول والأدهان والعسل، فإنها باقية على [مر] (٥) الدهور، ثم قالوا: لا يتعلق القطع بسرقتها، وربما تمسكوا بقوله ﷺ :

стр. 497

«لا قطع في [ثمر] (١) ولا كثر» (٢)، والكثر: جمار النخل، وقيل: طلعها (٣)، وعللوا بالرطوبة، وعدوها إلى غيرها. والجواب من وجهين: أحدهما: نعارضه بقوله ﷺ : «لا قطع في شيء من الثمار إلا ما آواه الجرين (٤)» (٥)، وهذا الحديث خاص مقيد، وحديثهم عام مطلق، والخاص أبدا يقضي (٦) على العام، والمقيد يحكم على المطلق. الثاني: أن حديثهم ورد على عادة أهل المدينة، فإن نخلهم كانت غير محرزة، وبساتينهم غير [محوطة] (٧) بالكالين والمراقبين. وعندنا إذا لم تكن الثمار محرزة بأبوابها إلى الجرين وغيره، لا يجب

стр. 498

القطع، وحمله على هذا متعين؛ [جمعا] (١) بين الحديثين؛ فإنه أولى من تعطيل أحدهما (٢). [١٧٤] مسألة: هبة المسروق من السارق بعد قضاء القاضي لا يسقط القطع عنه (٣). وقال أبو حنيفة: يسقط، وإنما فيما إذا كانت الهبة قبل قضاء القاضي وجهان (٤). ومأخذ النظر: أن الخصومة عندهم شرط [لاستيفاء] (٥) القطع، فإذا لم توجد الخصومة والمطالبة لا يستوفى القطع. قالوا: والدليل على اشتراط الخصومة: هو أن الجناية وردت على عصمة مال الآدمي وملكه، فلا بد من مطالبته؛ لتعلق حقه به، ولهذا لو أباحه العين، وأذن له في أخذها لا قطع، فدل أن القطع يعود إلى حقه، فيوقف على مطالبته، بخلاف الزنا، فإنه لا يعود إلى حقه، ولهذا لو أباحه أو أذن له في ذلك لا يسقط الحد؛ لكونه خالص حق الله - تعالى - (٦).

стр. 499

ونحن تارة لا نسلم اشتراط الخصومة والمطالبة لاستيفاء القطع بحال، فإن من أصحابنا من قال: لو أقر السارق عند الإمام بسرقة مال معصوم من حرز مثله لا شبهة له فيه، قطع، وإن كان المالك غائبا. وإن سلمنا، فنقول: إنما وقف الاستيفاء على مطالبته حتى تزول الشبهة، وينتفي الاحتمال، وتكشف حقيقة الحال، فإنه ربما أقر له بالملك، أو ادعى شبهة تقتضي الإسقاط، فأما بعد حكم الحاكم بالقطع، وانتفاء الشبهة، وحضور المالك، فلم يتبق ما يتوهم به الإسقاط، والملك قد طرأ بعد هذه الأمور كلها، ووزانه ما إذا [زنا بـ] (١) أمة ثم اشتراها، أو بحرة ثم تزوجها، فإن الحد لا يسقط بطريان هذا الملك، كذلك في مسألتنا، وإذا بطل ما تخيلوه مأخذا طردنا مقتضى العموم والقياس الجلي على ما سبق على المسائل السالفة. ولنا في المسألة حديث صحيح صريح، وهو ما روي أن صفوان (٢) هاجر إلى المدينة، فدخل مسجد رسول الله ﷺ ، فتوسد رداءه فنام، فجاء سارق وسرقه، فظفر به صفوان، فقال: يا رسول الله ﷺ : قد وهبته منه، فقال: «هلا قبل [أن] (٣) تأتيني به» (٤)، فلم يسقط القطع بالهبة،

стр. 500

وهذا نص (١). [١٧٥] مسألة: القطع والغرم يجتمعان حكما لسرقة واحدة؛ وجوبا واستيفاء عندنا (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: لا [يجمع] (٣) بين قطع وغرم، فإن طالب بالغرم وألزمه إياه لم يقطع، وإن قطعه قبل أن يغرم سقط الغرم، ولا فرق عنده بين تلف المال بنفسه، وبين أن يتلف بإتلاف السارق قبل القطع أو بعده (٤). ولا خلاف في وجوب رد العين إن كانت باقية (٥). ومأخذ النظر من جانبنا: أن [سبب] (٦) القطع والغرم عندنا متعدد، من حيث إن تعدد السبب كما يتلقى من تعدد الجهات لفعل واحد، فيترتب عليه باعتبار كل جهة حكم، فكان في معنى فعلين، كالمصلي في الدار المغصوبة، وقتل الصيد المملوك في حق المحرم، فإنه فعل واحد، يوجب الجزاء حقا لله، والضمان حقا للآدمي، كذلك السرقة فعل واحد، فلحق المالك

стр. 501

[يجب] (١) الضمان، ولحق الله - تعالى - يجب القطع. ومعنى حق الله - تعالى - فيه: جناية السارق على عرض نفسه، وتلطخه برذيلة السرقة، فإن الإنسان باعتبار أنه يموت ويحيا نفسا، وباعتبار أنه يمدح ويذم عرض، وفي النفس حق الله - تعالى - بلا خلاف، فوجب القطع جزاء على مخالفة أمر الله - تعالى -؛ زجرا على الإخلال بتعظيم أمره ونهيه، والغرم لحق الآدمي، وقد اختلف الحقان؛ محلا وحكمة، واستحقاقا. أما محلا ظاهرا؛ فإن محل القطع اليد، ومحل الضمان الذمة. وأما حكمة؛ فإن القطع شرع ردعا وزجرا عن [معاودة] (٢) مثل هذه الجريمة في مستقبل الزمان، والضمان وجب جبرا لتفويت الحق على مستحقه (٣). وأما استحقاقا فإن مستحق القطع هو الله - تعالى ـ، ومستحق الغرم هو الآدمي. أما الحنفية فلهم ثلاثة مآخذ: * أحدها: قولهم: العلة الواحدة لا يجوز أن توجب حكمين متضادين، كالعلة القطعية، فإنها لا توجب حكمين، قالوا: والعلة هاهنا واحدة، وهي سرقة هذه العين، فلا [توجب] (٤) حكمين ضدين؛ أحدهما يسقط بالشبهة.

стр. 502

وهو القطع، والآخر يثبت مع الشبهة وهو الضمان (١). والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: منع تضاد الحكمين، على ما بيناه في تقرير مأخذنا الثاني، وإن سلمنا التضاد (٢)، ولكن نقول: الفعل الواحد لا يجوز أن يكون موجبا لحكمين متضادين بجهة واحدة أم بجهتين، الأول مسلم، والثاني ممنوع، ومسألة الصلاة في الدار المغصوبة فإنها طاعة من وجه، معصية من وجه، إلى نظائر لا تحصى، ويدل عليه: ما لو سقطت يده بآفة سماوية، فإن الضمان يجب إجماعا (٣)، ولولا كون السبب موجبا للضمان لاستحال إيجابه بعد سقوط اليد، وهذا السر، وهو أن علل الشرع أمارات وعلامات، والأمارة الواحدة يجوز أن تجعل علما على أشياء كثيرة، كالوطء في نهار رمضان بصفة الحظر، فإنه يوجب الحد والقضاء والكفارة، وليس في ذلك تناقض شرعي ولا عقلي (٤). المأخذ الثاني: قولهم: التضمين يوجب التمليك، وإذا ملك العين بالقيمة، فالملك عندنا يستند إلى حالة السرقة، أعني حالة قبض العين، فلو شرعنا القطع - أيضا - لقطعنا بسبب أخذ ملكه، وهو محال، وقرروا هذا بأن الضمان وجب بدلا عن العين المسروقة، ومن ضرورة ملك المالك الضمان زوال ملكه عن المملوك؛ لأن استحالة اجتماع البدل والمبدول في حق

стр. 503

شخص واحد، فعند هذا يقع الملك في المضمون سابقا عن ملك الضمان، واقعا [مقتضيا] (١) له، وإن تقدم عليه كما في قوله: أعتق عبدك عني على ألف، فقال: أعتقت، فإنه يتضمن ملكا سالفا على العتق، ينبني عليه صحة العتق، ثم يقع [مقتضيا] (١) له سابقا عليه كذلك هاهنا (٢). والجواب: نقول: هذا أمر بنيتموه على أصول تتفردون بها، وهي فاسدة عندنا، منها: قولكم: التضمين يوجب التمليك، وقد دللنا على فساده في كتاب الغصب. ومنها: أن طريان الملك يقتضي إسقاط القطع، وقد بينا وجه فساده في تلك المسألة، فلئن قالوا: نحن لا نقول إن الملك الطارئ يسقط القطع؛ إذ هو عندنا ليس بطارئ، وإنما نقول: يسند الملك إلى حالة السرقة؛ ليمكن تمليك الضمان للمالك. قلنا: القول بالاستناد - أيضا - محال؛ لأنه أصل فاسد، إذ الملك يثبت بعد الضمان، والعين قد تلفت، فكيف يثبت الملك فيها مستندا؟، ثم هو باطل بالملك وأم الولد؛ فإنه إذا غصبها يغرم قيمتها، ولا [يملكها] (٣) إجماعا.

стр. 504

المأخذ الثالث: قاله القاضي أبو زيد (١)، قال: لا خلاف أن القطع وجب حقا لله - تعالى -، ومن ضرورة إيجاب القطع انتفاء وجوب الضمان؛ لكون القطع تمحض حقا الله - تعالى -، ولن يتصور إيجابه حقا الله - تعالى - إلا بالجناية على حق الله؛ لأن تفويت حق مستحق لا يوجب ضمان زجر أو جبر لمستحق آخر، ومن ضرورة إيجاب القطع حقا لله - تعالى - انتقال عصمة المال إلى الله - تعالى - قبل السرقة بألطف زمان، انتقالا مقدرا، كما في قوله: أعتق عبدك علي بألف، فعند ذلك لا يبقى المال معصوما للآدمي، ولا متقوما على حقه، فلا يجب ضمانه، قالوا: ولهذا المعنى قلنا: إذا أتلفه بعد القطع لا ضمان عليه، قالوا: ولا يقال على هذا بأن عصمة التأثيم الله - تعالى ـ، وعصمة التقويم للآدمي؛ لأنا نقول: التأثيم في باب الأموال ليس ثابتا بطريق الإحالة؛ إذ ليس في المال معنى يوجب تحريمه، وإنما هي تابعة لعصمة التقويم تأكيدا، والتابع لا يمكن إفراده في الإثبات، نعم يجوز نفي التابع لضرورة، مع بقاء الأصل، كما نفيناها في صورة المحصن، وحالة الصيال، فإن الإثم منتف، والضمان واجب. والجواب: نقول: دعوى انتقال العصمة إلى الله - تعالى - محال؛ لوجهين: أحدهما: أن أسباب العصمة بأسرها قائمة من الإسلام، والحرية وسائر الشرائط، فيستحيل زوالها مع بقاء موجبها من غير جريمة تستحق بها الزوال. قولهم: إن القطع في مقابلة العصمة الله.

стр. 505

قلنا: مسلم، لكن القطع في مقابلة عصمة مطلقة عائدة إلى الخلق، لا في مقابلة العصمة الخاصة التي لزيد وعمرو، بل عصمة الآدمي العائدة إلى حقه على الخصوص باقية، وهي التي تقتضي إيجاب الضمان جبرا لحقه، والقطع وجب لعصمة الأموال على العموم والإطلاق، وهذا من جملة ذلك العموم. الثاني: أن [عصمة المحل لو بطلت، لكان ينبغي إذا أتلفه متلف آخر لا يجب عليه الضمان؛ فإن] (١) عصمة المحل واحدة، فإذا انتقلت منه بطلت وزالت، ولا تختلف بالسبب والإضافات (٢). [١٧٦] مسألة: النباش تقطع يده بأخذ الكفن وإخراجه من القبر عندنا (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: لا يقطع (٤). وللمسألة ثلاثة صور: الأولى: أن يكون القبر في مفازة لا يطرقها الناس، فلا يجب القطع في هذه الصورة عندنا على الصحيح من المذهب، وفيه وجه أنه يجب. الثانية: أن يكون القبر في بعض أطراف البلد في المقابر المعتادة،

стр. 506

فعندنا إن كان النبش بالنهار وجب القطع، وإن كان بالليل فوجهان. الثالثة: ما إذا كان القبر في دار، وعليه أغلاق وأقفال، فنحن نقطع بوجوب القطع في هذه الصورة (١)، ولهم فيها منع وتسليم (٢). ومأخذ النظر من جانبنا: وجود معنى السرقة، وإن لم يثبت اسم السارق للنباش؛ فإن ذلك لا يثبت إلا نقلا، واللغات لا يجري فيها القياس؛ لأن غاية ما يقول أصحابنا فيه: إن السرقة هي: أخذ المال على وجه الخفية. فنقول: الخصم مسلم، ولكن في صورة غير النبش، والعرب قد تخصص الاسم المأخوذ من المعنى ببعض المواضع، بل نقول: يجب عليه حد السارق لوجود معنى السرقة، وهو أخذ المكلف نصابا من حرز مثله على وجه الخفية والاستتار، لا شبهة له فيه، وهذا كقول أبي حنيفة ﵀: تجب كفارة [جماع] (٣) على الأكل، وإن ورد النص في الوقاع؛ لوجود معنى الجماع فيه، وهو إفساد الصوم بمقصود الجنس، وإن لم يحصل اسم الجماع، وسمى ذلك استدلالا جائزا، مع منعه من القياس في الكفارات (٤). فإن قالوا - وهو مأخذهم -: لا نسلم انتفاء الشبهة، بل قد تمكنت الشبهة من وجوه: أحدها: أن الكفن لا مالك له، فإنه لا يخلو إما أن يكون للميت، أو

стр. 507

للوارث، لا جائز أن يكون مملوكا للميت؛ لأن الموت ينافي الملك، إذ الملك قدرة وسلطنة، والموت عجز لا عجز فوقه، وبينهما تناف، وإنما هي ملكه عليه لحاجته إليه، ولا جائز أن يقال: هو مملوك للورثة؛ لأنه مستثنى من التركة بالإجماع؛ لتعلق حاجة الميت به، ولأنه إنما يورث ما يفضل عن [حاجة] (١) الميت، وإذا لم يكن له [مالك] (٢)، كان ذلك شبهة في إسقاط القطع. الثاني: أن [الكفن] (٣) في القبر مآله إلى البلى والثوى، فقد انعقد سبب هلاكه بوضعه في التراب، وسبب الهلاك حقيقة الهلاك، كما في حق المرتد، فإنه جعل كالهالك. الثالث: قالوا: دخول الدار للزيارة شبهة، فقلنا: لا نقطع؛ لأن له حقا في الدار. والجواب: نقول: المعني بقولنا: لا شبهة فيه: أن ليس له فيه ملك، ولا حق ملك. وقولكم: إن الكفن لا مالك له، غير صحيح، بل هو مملوك، إلا أن أصحابنا اختلفوا فيه: فمنهم من قال: إنه ملك للميت.

стр. 508

ومنهم من قال: هو ملك للوارث، وهو الصحيح من مذهبنا، بدليل أنه لو افترسه سبع؛ قسم بين ورثته، ويدل على كونه مملوكا وجوب الضمان على متلفه بالإجماع (١)، وإذا كان مملوكا وجب ضمانه، بدليل شهادة الطرد والعكس (٢). فإن قلنا: ملك للمورث فوجهه: [أنه] (٣) متعلق حاجته، والوارث إنما ينتقل إليه ما يفضل عن [حاجة] (٤) المورث، بدليل البداية بقضاء ديونه، وتنفيذ وصاياه من التركة. وإن سلمنا أنه لا مالك له، لكن لم قلتم: إنه يمتنع وجوب القطع فيما ليس بمملوك؟، ألا ترى أن ثياب الكعبة غير مملوكة، ويجب القطع بسرقتها، وكذلك مال الميت الذي عليه دين، فإن المال ليس له ولا للوارث، ويجب القطع بسرقته، وكذلك في زمن الخيار لا [مالك] (٥)؛ [لأنه] (٦) لا ملك له عندكم، أعني فيما إذا كان الخيار للبائع وحده، فإنه يزول ملك البائع عندكم، ولا يدخل في ملك المشتري، ويجب القطع بسرقته إجماعا (٧). وقولهم: إن مصيره إلى البلى.

стр. 509

قلنا: مسلم، لكن لا نسلم أن سبب الهلاك كالهلاك، ثم هو باطل بما إذا دفن الثوب في مكان، وغاب عنه مالكه، فإنه معرض للبلى، ومع ذلك يجب القطع بسرقته، وكذلك الشمع المشتعل. وقولهم: إن دخول الدار للزيارة شبهة. قلنا: باطل؛ إذ لو جاز أن يجعل ذلك شبهة في سرقة الكفن، لجاز أن يجعل شبهة في سرقة سائر الأموال من الدار؛ لأن له أن يدخلها للزيارة (١). [١٧٧] * مسألة: السارق يؤتى على أطرافه الأربعة عندنا، فتقطع أولا يده اليمنى، فإن عاد فرجله اليسرى، فإن عاد فيده اليسرى، فإن عاد فرجله اليمنى (٢). وقال أبو حنيفة: لا يقطع إلا في مرتين: يده اليمنى، ورجله اليسرى، فإن سرق ثالثا لم يقطع، بل يسجن حتى يتوب (٣). واعلم أن قياس الحكم في جانبنا في هذه المسألة من طريق القياس ضعيف؛ فإنا لا نستقل بنصب العقوبات وترتيبها على الجنايات بتحكمنا وآرائنا، وليس لنا أن نبتدئ، بل لنا أن نحتذي، وإذا لم ينص الشرع ولا وقع الاتفاق على أصل هو نظير ما اختلفنا عليه، امتنع القياس؛ وهذا لأن الذي

стр. 510

وقع الاتفاق عليه هو تقليل منفعة البطش ومنفعة المشي، أما الاستئصال نظيرا للقتل، فإنما بنى الشافعي مذهبه فيها على التوقيف، وقد صح عن رسول الله ﷺ في المسانيد الصحاح أن رسول الله ﷺ قال في السارق: «تقطع يده اليمنى، فإن عاد فرجله اليسرى، فإن عاد فيده اليسرى، فإن عاد فرجله اليمنى، فإن عاد فاقتلوه» (١)، فنسخ القتل في الخامسة بالإجماع (٢)، فبقي حجة فيما عداه، وإن تشوفنا إلى التعليل فطريقه أن نقول: تنصيص الشرع على شيء تنصيص على ما هو في معناه، كالعبد والأمة، وإيجاب القطع في إحدى اليدين إيجاب في الأخرى لتساويهما، ثم اليسار محل للقطع، بدليل ما لو قال الجلاد للسارق: أخرج يمينك، فأخرج يساره، فقطعها غلطا، فإنها تجزئ عن اليمين، حتى لا يجب ضمان اليد على الجلاد (٣).

стр. 511

وللخصم مأخذان: أحدهما: [التعلق] (١) بقوله - تعالى -: ﴿فاقطعوا أيديهما جزاء﴾ [المائدة: ٣٨]، قالوا: نص على اليد، والرجل ألحقت إجماعا، فمن زاد على ذلك فقد زاد على ذلك النص والإجماع. الثاني: قول أبي زيد (٢): الشرع شرع القطع زاجرا لا متلفا، وقطع اليدين إتلاف حكمي؛ لأن من فاتته منفعة حس البطش في حقه صار تالفا بالإضافة إلى ذلك الحس، فأشبه الإهلاك من وجه، ولهذا وجب عليه في قطع اليدين كمال الدية كما يجب في النفس، ويدل على ذلك كونها لا تقطع في الثانية، ولو كان لليسرى مدخل في القطع لكان العدول إليها أولى؛ لأنها أقرب إلى أختها من الرجل (٣). والجواب عن الأول: أن الآية حجة عليكم؛ لأن المذكور فيها الأيدي بصيغة الجمع، فيدل على أن جميع الأيدي محل للقطع. وعن الثاني، من وجهين: أحدهما: لا نسلم أن قطع اليدين إهلاك، فإن النفس باقية من كل وجه، بدليل وجوب القصاص والدية، ثم هو باطل بقطع إحدى يديه وإحدى رجليه،

стр. 512

فإنه قد صار فيه شبه الإهلاك من وجه على معنى وجوب كمال الدية، ثم هو مشروع. الثاني: أنه لو جاز فيه شبه الهلاك لكان ينبغي إذا قتله قاتل ألا يجب عليه القصاص؛ لأنه هالك أو تالف من وجه. فإن قالوا: القصاص يجب في الروح، وهي كاملة. قلنا: فبطل كونه هالكا من وجه باقية لم تتلف بحال (١). [١٧٨] مسألة: البهيمة المملوكة إذا صالت على إنسان فقتلها دفعا عن نفسه، لا يلزمه الضمان عندنا (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: يلزمه الضمان، وإن كان الدفع جائزا كالمضطر في المخمصة (٣). وللمسألة مأخذان: أحدهما: أن هذه البهيمة عندنا هي قتيلة نفسها، من حيث إنها هي التي ألجأت المصول عليه إلى قتل نفسها، من حيث إنها هي التي هيجت دواعيه وبواعثه، وقد انعقد الإجماع على أن الفعل من جميع صور [الإلجاء] (٤)

стр. 513

يضاف إلى الملجئ، كما لو أكره رجلا على إتلاف [مال] (١) غيره؛ فإن الضمان يجب على المكره، وصار الفعل منسوبا إليه؛ لكونه هو السبب المحرك، وإذا صار الفعل مضافا إليها صارت كأنها هي التي قتلت نفسها، ثم لو رمت نفسها من شاهق لا ضمان على أحد بقتلها، فكذا في صورة الصيال. فإن قالوا - وهو مأخذهم: المكره فعله معتبر، فأضيف إليه، أما فعل البهيمة فغير معتبر بالأصل، بل وجوده كالعدم، ويدل على ذلك انعقاد الإجماع على أنها لو حققت الفعل، وقتلت الشخص أنه لا ضمان، ولا يعلق على فعلها حكم بحال، وإذا كان حقيقة فعلها هدرا، فهمها بالفعل أولى أن يكون هدرا، وهو دون حقيقة الفعل، قالوا: وإذا لم يكن بفعلها عبرة بقي إتلاف ملك المعصوم سببا للضمان، وصار المباشر كالمبتدئ لقتلها. والجواب: قلنا: الفعل إذا [لم يمكن] (٢) اعتباره [لا يعتبر، ونحن نسلم أن فعلها لا يمكن اعتباره] (٣) في إيجاب الضمان، فلا جرم لم يعلق على فعلها إيجاب حكم، وإنما يعلق عليه الإسقاط والإهدار، وهذا ممكن، غير مستحيل تعليقه على الفعل، فأضفنا فعلها إليها؛ لإهدار ضمانها كما في المحرم إذا قتل الصيد الصائل. وقولهم: إن الهم بالفعل دون حقيقة الفعل.

стр. 514

قلنا: يبطل بالأب مع ولده، فإنه لو حقق قتل ابنه وقتله لا يصير دمه مهدرا، ولو أنه هم بالفعل، فصال على ابنه، فدفعه الابن عن نفسه، فأتى عليه، هدر دمه، فقد صار الهم أبلغ من التحقيق. المأخذ الثاني - وهو المعتمد: أن قتل هذه البهيمة [الضارية] (١) العادية عندنا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من حيث إنها قتلت لدفع شرها، وسبب نشأ من جهتها، فهي بمنزلة الحية والعقرب، وقاتلها محسن بقتلها، فلا يلزمه ضمان؛ لقوله - تعالى -: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ [التوبة: ٩١]، ويشهد لذلك زوال عصمتها، وإباحة إتلاف عينها، وسقوط ضمان العبد الصائل، مع كونه مملوكا كالبهيمة. فإن قالوا - وهو مأخذهم الثاني -: إن السبب الداعي إلى قتلها خوف المصول عليه على نفسه، واستبقاء مهجته، وذلك لا يسقط الضمان، بدليل المضطر في المخمصة، فإن إباحة الإتلاف لما كان الأمر نشأ من قبل نفسه وطبعه وهو جوعه وكلبه لم يسقط ضمان مال الغير، كذلك هاهنا. قلنا: خوفه على نفسه لا يبيح القتل، بدليل ما لو [خاف على المجنون من نفسه] (٢)، فإنه لا يجوز له قتله، ولو قتله وجب عليه القصاص، وأما المضطر في المخمصة فإنما وجب عليه الضمان لأن سبب الإتلاف نشأ من نفسه كما ذكرتم، أما في مسألتنا فقد بينا أنها قتيلة نفسها، وأن قتلها كان

стр. 515

بسبب نشأ من جهتها، فكذلك سقط ضمانها، فإن قالوا: عصمة المال تابعة لعصمة المالك، وعصمة المالك قائمة لم تبطل، ولا إذن في إتلاف ماله، فلا وجه لإسقاط ضمانه. * قلنا: يبطل بالعبد المرتد، والعصير إذا تخمر، فإنه تبطل عصمته مع عصمة المالك (١). [١٧٩] * مسألة: لا خلاف بين المسلمين في تحريم الخمرة - وهي عصير [العنب] (٢) إذا اشتد وأسكر -[قليلها] (٣) وكثيرها (٤). وهل تحريمها لعينها، أم لعلة؟. فعندنا لعلة، وهي الشدة المطربة (٥). وقال أبو حنيفة ﵀: تحريمها لعينها، لا لعلة (٦). وفائدة هذا الخلاف: أنه إذا ثبت تحريمها لعلة شاركها [في ذلك كل

стр. 516

ما شاركها] (١) في العلة. وعندهم يختص التحريم بها لعينها (٢). ودليل التعليل قوله [سبحانه]: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر﴾ [المائدة: ٩١]، فبين ما فيها من الفساد، وعقب ذلك بالتحريم، فعلى هذا الأنبذة كلها حرام عندنا، قليلها وكثيرها (٣). وقال أبو حنيفة: الخمر: العنبي التي [هي] حرام قطعا، أما المثلث، وهو الطلاء، ومعناه: الخمر إذا غلت حتى ذهب ثلثاها، فإنه حلال، فأما نقيع التمر والزبيب فهما حرامان ما داما نيئين، فإذا طبخا حلا بكل حال. قال: وكذلك البتع؛ وهو نبيذ العسل، والفضيخ؛ وهو نبيذ البسر من غير أن تمسه النار، والجعة - بكسر الجيم - وهو نبيذ الشعير، والمزر؛ وهو نبيذ الذرة، والسكرة - بضم الكاف وتسكين الراء - وهي خمر الحبشة (٤)، وتتخذ - أيضا - من الذرة، فإن كل ذلك حلال قبل الطبخ وبعده. وقال - أيضا -: لا بأس بالخليطين، وهما: التمر والزبيب، أو العنب والرطب إذا اتخذ منها نبيذا. ثم قال أبو حنيفة ﵀: لا أقول إن هذه الأشربة حلال على الإطلاق،

стр. 517

بل يغلب على ظنه أنه لا يسكر من غير لهو ولا طرب، فالقدح الأخير الذي يتبعه السكر حرام، كالعاشر مثلا (١). وللمسألة مأخذان: أحدهما لغوي، والآخر معنوي. أما المأخذ اللغوي فإثبات اسم الخمر لهذه الأنبذة. والثاني إثبات التحريم بطريق الإلحاق، من غير تعرض للاسم. والخصم منازع في الأمرين. أما الدلالة على تسميتها خمرا فمن حيث النص والاشتقاق. أما النص: فما روى النعمان بن بشير (٢) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا) (٣).

стр. 518

وإذا ثبت تسمية ذلك خمرا دخل في عموم الآية. وأما الاشتقاق فإن الخمرة سميت خمرة اشتقاقا من الخامرة، أو التخمير، وهو التغطية على الشيء، ومنه خمرت الإناء: إذا غطيته، ومنه قوله ﷺ : «خمروا شرابكم ولو بعود» (١)، وقال الفراء (٢): أصل الخمر كلها ستر، يدل عليه قوله: [خامره] (٣) الداء: إذا [خالط] (٤) جوفه (٥). قال كثير عزة (٦):

стр. 519

هنيئا مريئا غير داء مخامر … لعزة من أعراضنا ما استحلت (١) وأي الأمرين قدر فالنبيذ في معناه، والمعنى موجود فيه، وإذا ظهر موضع الاشتقاق استنبطنا المعنى وقسنا. فإن قالوا: فكان ينبغي أن يسمى البنج خمرا؛ لأنه مخامر ومغطي. قلنا: البنج اسم أعجمي عرب، وهو بنك، فعربوه بنج (٢)، ولم يكن عند العرب منه شيء ليتعدى إليه الاسم، فهو كاسم المسك. وأما إثبات الحكم، وهو التحريم في نفسه من غير تعرض للاسم، فبطريق المعنى الواضح الجلي، وذلك أن نقول: معلوم أن الخمر لم تكن معينة بعينها؛ إذ هي مرة مفترة، وإنما صارت معينة لمعناها ومقصودها، وهو الطرب والنشاط، وإذا شربت دبت في شؤونه، فأظهرت مكنون ستره، وينشأ من ذلك الفحش والسفه، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فهي أم الخبائث، ومفتاح كل شر، وأصل كل فساد، وقد نبه الله على ذلك المعنى، حيث قال: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر﴾ [المائدة: ٩١]، فعند هذا قال الشافعي ﵀: لا يخلو إما أن يكون المراد إرادة الشيطان لما يحصل من هذه الأمور بعد الشكر أو قبله، إن كان بعد

стр. 520

السكر فتلك حالة فيها كالميت عندكم؛ إذ قلتم: حد الشكر ألا يفرق بين السماء والأرض، فلا يتصور في هذه الحالة، وإنما المراد أنه يريد أن تقع بينكم العداوة والبغضاء قبل ذلك، وهو حالة الانتشاء والثمل، وهذا المعنى بعينه وجد في الفرع، فإن المعنى الكلي هو ما يوجد نفسه في آحاد الصور، فبان بهذا واتضح المعنى الموجب لتحريم الخمر، وهو معقول في نفسه، وقد نبه الشرع عليه، وهو بعينه وكماله موجود في النبيذ. فإن قالوا: فهذا المعنى الذي ذكرتموه لا يوجد في القليل الذي لا يسكر، وقد حرمتم الجميع؟. قلنا: لأن القليل [داع] (١) إلى الكثير، فشرب قطرة تدعو إلى شرب جرعة، والجرعة تدعو إلى شرب قدح، والقدح إلى أمثاله، وهلم جرا، إلى الإسكار الذي هو محظور الشرع. فإن قالوا: فهلا سويتم بين سرقة المال القليل والكثير في القطع كما سويتم هاهنا؟. قلنا: لأن النفس لا تدعو إليه، فإن العاقل لا يرتكب الأهوال والأخطار، ويذهب في حندس (٢) الليل؛ لأخذ القليل من المال، فلم يحتج إلى الردع عنه بالقطع، بخلاف القليل من النبيذ وسائر الأشربة. أما الخصم فلا تعلق له في المسألة سوى التمسك باستصحاب الحال.

стр. 521

وقوله: إن الخمر والنبيذ كانا مباحين قبل نزول آية التحريم لما فيها من الشائع، إلا أن الشرع حرم الخمر لعينها، فبقي النبيذ مباحا على ما كان عليه. وهذا فاسد، فإنا قد دللنا على تسميتها خمرا، وعلى كونها معللة، وأوضحنا المعنى فيها، وربما تمسكوا بظاهر قوله - تعالى -: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ [النحل: ٦٧]، قالوا: وهذا مذكور في معرض الامتنان علينا، وهو مطلق في النيئ والمطبوخ، نسخ النيئ، فبقي حجة (١) في المطبوخ، وهذا مما لا يجوز التمسك به؛ فإن هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر، وقد سئل ابن عباس -[﵄]- عنها فقال: «السكر: ما حرم من ثمرها، والرزق الحسن: ما أحل من ثمرها»، رواه الحاكم في صحيحه (٢) عن قبيصة (٣) عن سفيان (٤)،

стр. 522

والله أعلم (١).

стр. 523

[٢٦] مسائل السير [١٨٠] مسألة: الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين وأحرزوها بدار الحرب؛ لا يملكونها عندنا (١)، خلافا لأبي حنيفة ﵀ (٢). ولا خلاف أن رقاب المسلمين من الأحرار والمكاتبين [والمدبرين] (٣)، وأمهات الأولاد لا يملكونها (٤). وللمسألة مأخذان: أحدهما: أن الكفار مخاطبون عندنا بفروع الإسلام، وعندهم غير مخاطبين. الثاني: أن عصمة الأموال والأنفس عندنا مستفادة من الإسلام، ولم تزل، وعندهم تستفاد من الإحراز بالدار، وقد زالت. وعلى هذا بنى أبو حنيفة التسوية بين الذمي والمسلم في القصاص

стр. 524

والدية؛ لاستوائهم في الاعتصام بالدار، وعليه ينبني النزاع فيما إذا أسلم الكافر ولم يهاجر إلى دارنا، فإنه يضمن عندنا بالقصاص والدية، وعندهم لا يضمن. أما المأخذ الأول فقد استقصينا تقريره في مسألة خمور أهل الذمة وغيرها من المسائل، فلا نعيده (١). وأما المأخذ الثاني وهو قولهم: العصمة بالدار - فباطل من وجهين: أحدهما زوال العصمة في حق المرتد، مع كونه متحصنا بالدار. الثاني: أن الدار عبارة عن رباع وبقاع، وهي متضاهية لا إشعار لها بمنع ولا إطلاق، وإنما ينسب المنع والإطلاق تعظيما لمنصب المستولي والمستولى عليه، ولا منصب مسكن قطر من الأقطار. فإن قالوا - وهو تقرير مأخذهم -: عصمة الأموال لم تثبت لذاتها وأعيانها، وإنما تثبت بالحيازة بدار الإسلام، ومعنى الدار هو الشوكة القاهرة، والمنعة الظاهرة، والتناصر، والتوفر (٢) على حماية الأموال، فإذا أخذ الكفار الأموال، وأحرزوها بدارهم فقد بطلت المنعة، وزالت الحماية، وانقطعت نجدة الإسلام عنها، وصارت في حماية الكفار، فقد طرأت عصمة أخرى، وبطلت العصمة الأولى. وقرروا هذا بأن الملك في الأصل إنما يثبت بالاستيلاء على المملوك،

стр. 525

والاستيلاء ينقطع بتباين الدار حقيقة وحكما، أما الحقيقة فبالخروج عن يد المالك، وأما الحكم فبانقطاع حكم يد من الولايات والتصرفات، فيتنزل منزلة الموت، ثم الموت قاطع للأملاك، فكذا تباين الدارين، قالوا: وهذا بخلاف الرقاب، فإنها معصومة لعينها وذاتها؛ على معنى أن الله خلق الآدمي ليكون خليفة في أرضه، قائما بعمارة [] (١)، متحملا لأمانته؛ ليكون مالكا مستسخرا، لا مملوكا مبتذلا، وهكذا كان يقتضي هذا المعنى أن يكون الكفار لا تملك رقابهم، غير أن الله - تعالى - لما ظهر منهم هذه الخيانة العظيمة، وأنفوا من عبادته، جعلهم عبيدا لعباده، فضرب الرق عليهم. والجواب: نقول: أما دعوى كون الدار عاصمة فقد [أبطلناه] (٢) من وجهين، والذي نزيده هاهنا: أن جميع ما ذكروه يبطل بالرقاب، فإنها لا تملك. قولهم: إن الرقاب معصومة لعينها. قلنا: وعصمة الأموال تابعة لها؛ فإن أموال الشخص من مرافق حياته، ومقيمات معانيه، فهي في الحاجة إليها تنزل منزلة أطرافه، وأطرافه معصومة تبعا له، غاية ما في الباب أن الأطراف أشد اتصالا من الأموال، وإذا كانت الأموال تابعة؛ فالتابع والمتبوع يثبتان بعلة واحدة، فيما به عصمت الأموال، فلا يفترقان.

стр. 526

وربما تمسكوا بقوله - تعالى -: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾ [الحشر: ٨]، سماهم فقراء باستيلاء الكفار على أموالهم وإخراجهم من ديارهم. قلنا: إنما سماهم فقراء للحاجة الحافة من الحالة الراهنة؛ فإن الفقر عبارة عن الحاجة، ولهذا يقال لمن أخذ السلطان ماله: قد أفقره السلطان، وإن كانت الملاكة مقررة عليه شرعا (١). [١٨١] مسألة: قسمة الغنائم في دار الحرب جائزة عندنا (٢). خلافا لأبي حنيفة ﵀، فإنه قال: لا تجوز إلا بعد الإحراز (٣). ويدل على صحة ما ذهبنا إليه أمور ثلاثة: أحدها: انعقاد الإجماع على أن الإمام لو أذن في القسمة والحالة هذه؛ صحت القسمة، ونفذت، ولولا ثبوت الملك لما نفذت، كما لو أذن في حال فور الهزيمة (٤). الثاني: أن عبدا من عبيدهم لو أبق منهم، والتحق بجند الإسلام، عتق

стр. 527

قبل [اللحوق] (١) بدار الإسلام، وحصول العتق دليل على زوال ملك الكافر، وثبوته للمسلم، فالمزيل لملكهم هو المثبت لملكنا؛ إذ لا واسطة بين الزوال والثبوت. الثالث: أن الاستيلاء سبب الملك، والمباح المنفك عن اختصاص ذي حرمة محله، والمسلم أهل للملك، والعبرة في الأحكام بهذه الأوصاف الثلاثة. والخصم يزعم أن السبب هو الاستيلاء التام، وهو الاستيلاء مع الإحراز بدار الإسلام، من حيث إن الدار دارهم، والديار ديارهم، ونحن وإن كنا قادرين [بدار الكفار] (٢) لكنا مقهورون دارا؛ فإن احتمال الكرة ظاهر ما دام جند الإسلام في ديارهم، بخلاف ما بعد الإحراز. قالوا: ويدل على انتفاء الملك قبل الإحراز أحكام خمسة، وهي: انتفاء الملك في أراضيهم ورباعهم، وبسط يد الغزاة في المطاعم والعلوفات، ولو كانت الغنائم مملوكة لا تمنع التصرف دون إذن الشركاء، من أعرض منهم سقط نصيبه، والملك الثابت لا يسقط بالإعراض، ولا ينفذ عتق الغانم واستيلاده، ولو باع واحد منهم نصيبه لا يصح، بخلاف الأعيان المشتركة (٣). والجواب: قولهم: إن السبب هو الاستيلاء التام، ولم يوجد.

стр. 528

قلنا: لا يسلم؛ فإن المسألة مفروضة فيما إذا قتل البعض، وأسر البعض، وانفك الباقون هائمين بين سمع الأرض وبصرها، فترامت الأخبار بانهزام جميعهم، وتفرق شملهم، ولا يخفى والحالة هذه كمال القهر والاستيلاء، فإن بلغنا تجمعهم ثانيا فلا [يفكر] (١) على القهر الأول بالإبطال، بل يكون ذلك جهادا مستأنفا، ينتظر فيه حكم الله، حتى لو بلغنا خبر اجتماعهم حال فور الهزيمة فإنا نقول: لا تملك، وإنما لم تملك أراضيهم ورباعهم لقصور الاستيلاء بالنسبة إليها؛ إذ لو فرضت علوة الكفار، ولم ينهض الجند بقتالهم، أمكنهم استصحاب النفوذ، والمنقول بخلاف العقار، فلا يلزم قصور الاستيلاء بالنسبة إليها قصوره بالنسبة إلى المنقول. وأما حال فور الهزيمة فنمنع ألا تملك، وعلى التسليم؛ فإنما لم تملك لقصور الاستيلاء - أيضا -. وأما بسط اليد في الأطعمة والعلوفات فإنما كان لضرورة استبقاء الأرواح؛ فإنا إذا دخلنا ديار الكفار فلا [يتلقوننا] (٢) بالأسواق القائمة، والأطعمة الحاضرة، وإنما [يتلقوننا] (٢) بالسيوف (٣) الباترة، فلو أخرنا تناول الطعام والعلف إلى القسمة لماتوا جوعا، وهلك الخيل والكراع، وربما طال مقامهم، ثم تعارض التبسط في الطعام والعلف بالحجر في سائر الأموال، فسقطت دلالته.

стр. 529

وأما سقوط الملك بالإعراض، وعدم نفوذ العتق والاستيلاد، فممتنع. وأما بيع نصيبه فإنما لم يصح لأنه لم يعلم نصيبه، فهو بيع المجهول، حتى لو كان الشركاء محصورين صح البيع. ويتأيد جميع ما ذكرناه بفعل رسول الله ﷺ ؛ إذ قد صح عنه أنه قسم غنائم بدر ببدر بواد منه يقال له: شعب الصفراء (١)، [وقسم] (٢) غنائم خيبر (٣) بخيبر، وأوطاس (٤) [بأوطاس] (٥)، وهذه كلها نصوص (٦). [١٨٢] مسألة: إذا سبي الزوجان معا انفسخ النكاح بينهما عندنا (٧). وقال أبو حنيفة ﵀: لا ينفسخ (٨). ولا خلاف في انفساخ النكاح فيما إذا سبي أحدهما، غير أن المسبي

стр. 530

إن كان امرأة انفسخ نكاحها بنفس الأسر، فإن كان رجلا فلا ينفسخ نكاح زوجته حتى يسترق (١). واعلم أن الخلاف في هذه المسألة لا يتصور إلا فيما إذا كان الزوجان المسبيان صبية تحت صبي؛ لأنهما إذا كانا كبيرين، فالزوجة تصير مسبية مرقوقة بنفس الأسر، أما الرجل فلا يصير مرقوقا بنفس الأسر، بل هو في محل اجتهاد الإمام بين أن يرى المصلحة في قتله فيأمر به، وبين أن يرى المصلحة في استبقائه فيأمر به، وعند هذا يتقدم استرقاق المرأة على استرقاق الرجل، فينقطع النكاح بالإجماع؛ لاجتماع المأخذين عندنا لعلة الاسترقاق، وعندهم لتباين الدار، فإن المرأة حينئذ تكون من أهل الإسلام، والرجل [بعدما] (٢) صار من أهل دار الإسلام. وضابط المذهب عندنا: أنه [متى] (٣) حدث رق في الزوجين أو أحدهما؛ فإن النكاح ينفسخ بينهما، فالعلة المؤثرة في الانفساخ عندنا: حدوث الرق فيهما، أو في أحدهما صحح (٤). وقال أبو حنيفة: حدوث الرق لا يؤثر في انفساخ النكاح أصلا، بل الموجب لانفساخ النكاح [اختلاف دار الزوجين] (٥) فعلا وحكما، مثل أن يتزوج ذمي ذمية، ثم ينقض العهد، ويلتحق بدار الحرب، أو يسلم أحد
следующие страницы →