← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وربما تمسكوا بقوله - تعالى -: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾ [الحشر: ٨]، سماهم فقراء باستيلاء الكفار على أموالهم وإخراجهم من ديارهم. قلنا: إنما سماهم فقراء للحاجة الحافة من الحالة الراهنة؛ فإن الفقر عبارة عن الحاجة، ولهذا يقال لمن أخذ السلطان ماله: قد أفقره السلطان، وإن كانت الملاكة مقررة عليه شرعا (١). [١٨١] مسألة: قسمة الغنائم في دار الحرب جائزة عندنا (٢). خلافا لأبي حنيفة ﵀، فإنه قال: لا تجوز إلا بعد الإحراز (٣). ويدل على صحة ما ذهبنا إليه أمور ثلاثة: أحدها: انعقاد الإجماع على أن الإمام لو أذن في القسمة والحالة هذه؛ صحت القسمة، ونفذت، ولولا ثبوت الملك لما نفذت، كما لو أذن في حال فور الهزيمة (٤). الثاني: أن عبدا من عبيدهم لو أبق منهم، والتحق بجند الإسلام، عتق

стр. 527

قبل [اللحوق] (١) بدار الإسلام، وحصول العتق دليل على زوال ملك الكافر، وثبوته للمسلم، فالمزيل لملكهم هو المثبت لملكنا؛ إذ لا واسطة بين الزوال والثبوت. الثالث: أن الاستيلاء سبب الملك، والمباح المنفك عن اختصاص ذي حرمة محله، والمسلم أهل للملك، والعبرة في الأحكام بهذه الأوصاف الثلاثة. والخصم يزعم أن السبب هو الاستيلاء التام، وهو الاستيلاء مع الإحراز بدار الإسلام، من حيث إن الدار دارهم، والديار ديارهم، ونحن وإن كنا قادرين [بدار الكفار] (٢) لكنا مقهورون دارا؛ فإن احتمال الكرة ظاهر ما دام جند الإسلام في ديارهم، بخلاف ما بعد الإحراز. قالوا: ويدل على انتفاء الملك قبل الإحراز أحكام خمسة، وهي: انتفاء الملك في أراضيهم ورباعهم، وبسط يد الغزاة في المطاعم والعلوفات، ولو كانت الغنائم مملوكة لا تمنع التصرف دون إذن الشركاء، من أعرض منهم سقط نصيبه، والملك الثابت لا يسقط بالإعراض، ولا ينفذ عتق الغانم واستيلاده، ولو باع واحد منهم نصيبه لا يصح، بخلاف الأعيان المشتركة (٣). والجواب: قولهم: إن السبب هو الاستيلاء التام، ولم يوجد.

стр. 528

قلنا: لا يسلم؛ فإن المسألة مفروضة فيما إذا قتل البعض، وأسر البعض، وانفك الباقون هائمين بين سمع الأرض وبصرها، فترامت الأخبار بانهزام جميعهم، وتفرق شملهم، ولا يخفى والحالة هذه كمال القهر والاستيلاء، فإن بلغنا تجمعهم ثانيا فلا [يفكر] (١) على القهر الأول بالإبطال، بل يكون ذلك جهادا مستأنفا، ينتظر فيه حكم الله، حتى لو بلغنا خبر اجتماعهم حال فور الهزيمة فإنا نقول: لا تملك، وإنما لم تملك أراضيهم ورباعهم لقصور الاستيلاء بالنسبة إليها؛ إذ لو فرضت علوة الكفار، ولم ينهض الجند بقتالهم، أمكنهم استصحاب النفوذ، والمنقول بخلاف العقار، فلا يلزم قصور الاستيلاء بالنسبة إليها قصوره بالنسبة إلى المنقول. وأما حال فور الهزيمة فنمنع ألا تملك، وعلى التسليم؛ فإنما لم تملك لقصور الاستيلاء - أيضا -. وأما بسط اليد في الأطعمة والعلوفات فإنما كان لضرورة استبقاء الأرواح؛ فإنا إذا دخلنا ديار الكفار فلا [يتلقوننا] (٢) بالأسواق القائمة، والأطعمة الحاضرة، وإنما [يتلقوننا] (٢) بالسيوف (٣) الباترة، فلو أخرنا تناول الطعام والعلف إلى القسمة لماتوا جوعا، وهلك الخيل والكراع، وربما طال مقامهم، ثم تعارض التبسط في الطعام والعلف بالحجر في سائر الأموال، فسقطت دلالته.

стр. 529

وأما سقوط الملك بالإعراض، وعدم نفوذ العتق والاستيلاد، فممتنع. وأما بيع نصيبه فإنما لم يصح لأنه لم يعلم نصيبه، فهو بيع المجهول، حتى لو كان الشركاء محصورين صح البيع. ويتأيد جميع ما ذكرناه بفعل رسول الله ﷺ ؛ إذ قد صح عنه أنه قسم غنائم بدر ببدر بواد منه يقال له: شعب الصفراء (١)، [وقسم] (٢) غنائم خيبر (٣) بخيبر، وأوطاس (٤) [بأوطاس] (٥)، وهذه كلها نصوص (٦). [١٨٢] مسألة: إذا سبي الزوجان معا انفسخ النكاح بينهما عندنا (٧). وقال أبو حنيفة ﵀: لا ينفسخ (٨). ولا خلاف في انفساخ النكاح فيما إذا سبي أحدهما، غير أن المسبي

стр. 530

إن كان امرأة انفسخ نكاحها بنفس الأسر، فإن كان رجلا فلا ينفسخ نكاح زوجته حتى يسترق (١). واعلم أن الخلاف في هذه المسألة لا يتصور إلا فيما إذا كان الزوجان المسبيان صبية تحت صبي؛ لأنهما إذا كانا كبيرين، فالزوجة تصير مسبية مرقوقة بنفس الأسر، أما الرجل فلا يصير مرقوقا بنفس الأسر، بل هو في محل اجتهاد الإمام بين أن يرى المصلحة في قتله فيأمر به، وبين أن يرى المصلحة في استبقائه فيأمر به، وعند هذا يتقدم استرقاق المرأة على استرقاق الرجل، فينقطع النكاح بالإجماع؛ لاجتماع المأخذين عندنا لعلة الاسترقاق، وعندهم لتباين الدار، فإن المرأة حينئذ تكون من أهل الإسلام، والرجل [بعدما] (٢) صار من أهل دار الإسلام. وضابط المذهب عندنا: أنه [متى] (٣) حدث رق في الزوجين أو أحدهما؛ فإن النكاح ينفسخ بينهما، فالعلة المؤثرة في الانفساخ عندنا: حدوث الرق فيهما، أو في أحدهما صحح (٤). وقال أبو حنيفة: حدوث الرق لا يؤثر في انفساخ النكاح أصلا، بل الموجب لانفساخ النكاح [اختلاف دار الزوجين] (٥) فعلا وحكما، مثل أن يتزوج ذمي ذمية، ثم ينقض العهد، ويلتحق بدار الحرب، أو يسلم أحد

стр. 531

الحربيين، ويدخل دار الإسلام، وعقد لنفسه أمانا [ … ] (١)، فإن النكاح ينفسخ في هذه المواضع؛ لاختلاف الدار فعلا وحكما، أصل صحيح، أما إذا اختلفت الدار فعلا لا حكما، بأن دخل الحربي دار الإسلام في تجارة، ولم يعقد لنفسه الذمة، أو حكما لا فعلا، بأن أسلم أحد الحربيين وأقام في دار الحرب، فإن النكاح لا ينفسخ بينهما في هذه المواضع (٢). هذا تفصيل المذهبين عندنا. إلى تقرير المأخذين: أما مأخذ الشافعي فطريق تقريره أن يرجح التعليل بالسبي والاسترقاق على التعليل باختلاف الدار، فنقول معلوم أن في الاسترقاق قلب الحلس (٣)، وسلب النفس، وإعدام الشخص في حق نفسه، وإيجاده لسيده، فيصير الشخص كالميت في الحقيقة؛ لأنه لا يبقى له في نفسه تصرف ولا اختيار بحال، ويصير غيره المتحكم عليه بكل حال، فإذا أحدث هذا الأمر المزيل للشخص حكما، كان انقطاع الحكم عليه أظهر وأولى من الدار التي في أطلال، لا تؤثر في سلب الاستقلال، ولا تزيل وصف الكمال (٤). فإن قالوا - وهو مأخذهم - وهو: التعليل باختلاف الدار أولى، فإن قالوا: أهل الحرب لكونهم متحيزين بدار ومنعة، أحكامنا منقطعة عنهم،

стр. 532

ونحن عاجزون قاصرون عن تقليدهم الأحكام، وإلزامهم الحلال والحرام، فهم غير ملتزمين، ونحن لا نقدر على إلزامهم، فالتحقوا بالموتى، حيث لا يمكن إجراء الأحكام عليهم، قال الله - تعالى -: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم﴾ [النمل: ٨٠]، وقال: ﴿أومن كان ميتا فأحييناه﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فجعل الكفر موتا، والإسلام حياة، فإذا كانوا في حكم الموتى قلنا: اختلاف الدار هو المؤثر في قطع النكاح، لا السبي والاسترقاق (١). والجواب: نقول: قد بينا أن التأثير للاسترقاق لما فيه من قلب الحلس، وسلب النفس في حقه، وإيجاده لغيره، فإن الدار لا أثر لها في سلب الكمال. قولهم: إن أهل الحرب لا يمكن إجراء الأحكام عليهم. قلنا: غير صحيح؛ لأن الله قد تعبدنا بإجراء الأحكام عليهم، وإلزامهم إياها، فإن لم يلتزموا ألزمناهم، وحكمنا عليهم بحكمنا. قولهم: إنا عاجزون عنهم، غير صحيح؛ فإنا متمكنون من جر العساكر إليهم، [وشن] (٢) الغارات عليهم، قد تعبدنا بذلك، فإن لم [يمكنا] (٣) ذلك فحجج الله القاهرة، وآياته الظاهرة تستميل قلوبهم وتستعطفهم حتى [يدخلوا] (٤) في ديننا، ويلتزموا أحكامنا.

стр. 533

قال الشافعي: أحكام الله عامة ثابتة على الخلق، لا تختلف بالبقاع والأصقاع، فهي ثابتة على كل أحد، فعل أو لم يفعل (١). ويتأيد جميع ما ذكرناه بملك اليمين، فإنه ينقطع إجماعا لما ذكرناه، وكذا حق الإجارة فإنه ينقطع نظرا إلى حق السابق حتى يخلص له الملك على السوابق، مع أن حق الإجارة مؤقت، والنكاح مؤبد، فإذا لم يحتمل حق الإجارة مع [بقائه] (٢) نظرا إلى حق الثاني فحق النكاح الذي هو على الدوام أولى بالانقطاع. فإن قالوا: عقد النكاح على منفعة البضع والاسترقاق لا ينافي منفعة البضع؛ إذ البضع لا يدخل تحت اليد العادية، فإنه لو غصب حرة، وحبسها لم يضمن قيمة [بضعها] (٣)، فبقي النكاح كما كان قبل الاسترقاق. قلنا: يبطل بما إذا اختلفت الدار، فإنكم قلتم بارتفاع عقد النكاح مع إمكان بقائه. فلئن قالوا: لأنه تجدد أمر لم يكن، وتغيرت الحال. قلنا: وبالاسترقاق تغيرت الحال، وحدث الرق والملك المزيل حكم النفس، فهو بالإبطال أولى. (٤).

стр. 534

[١٨٣] مسألة: الجزية لا تؤخذ من عبدة الأوثان بحال، وهكذا كل من لا كتاب له، ولا شبهة كتاب (١). وقال أبو حنيفة ﵀: تؤخذ الجزية من جميع الكفار، إلا من المرتدين وعبدة الأوثان من العرب (٢). وقال مالك: لا تؤخذ من كفار قريش خاصة (٣). وقال أبو يوسف: لا تؤخذ من عربي جزية، وإنما تؤخذ من العجم، أما الوثني إذا دخل في دين أهل الكتاب بعد النسخ لا تؤخذ منه الجزية، ومن أشكل أمرهم (٤) فلا يدرى هل دخلوا بعد التبديل أو قبله، كنصارى العرب، وهي تنوخ (٥) وبهراء (٦) وتغلب (٧)، كانوا عبدة الأوثان، فدخلوا في دين النصارى، فيقرون على دينهم ببذل الجزية، وتحقن دماؤهم وأموالهم، إلا أنه لا تحل مناكحتهم وذبائحهم، فهؤلاء قوم دعاهم عمر -[﵁]-إلى عقد الذمة، وبذل الجزية، فأبوا، وقالوا: نحن عرب،

стр. 535

لا ندخل تحت الصغار وبذل الجزية، ولكن خذوا منا الزكاة، فأبي عمر ذلك، وقال: «الزكاة على المسلمين» (١)، فلحق بعضهم [بـ] الروم، [ف] قيل لعمر: إن لهم شدة وبأسا، فلا يقوى عددك بهم، فصالحهم على أن [يضع] (٢) عليهم الزكاة، وأخذها منهم باسم الزكاة، وهي جزية، فثبت لهم هذا الحكم، واستقر (٣). وجملة الأمر أن طبقات الكفار على مراتب، فأغلظهم كفرا وأبعدهم عن التخفيف المرتدون؛ لأنهم أنكروا بعد الاعتراف، فلا يقبل منهم [إلا] (٤) الإسلام أو السيف، ودونهم في الرتبة عبدة الأوثان، فإنهم ما حسنوا على الإسلام، لكنهم عبدوا ما استحسنوه؛ فحططناهم رتبة عن المرتدين، وأول درجة تلقانا بعد القتل هو الاسترقاق، فقررناهم بالاسترقاق، ودون عبدة الأوثان المجوس، أعني أخف كفرا؛ إذ كان لهم كتاب فغلبنا [الحل] (٥)؛ لأن الغالب في الدنيا الحل (٦)، وفي الذبائح والمناكح غلبنا جانب الحظر؛ لحصول الشبهة، وأخف من هؤلاء في الرتبة أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى؛ لاستنادهم إلى كتاب منزل، ونبي

стр. 536

مرسل، فلنسلهم [حرمة] (١)، فخفف الشرع عنهم بضربه الجزية، وأباح ذبائحهم ومناكحهم؛ إذ هم أقرب الخلق إلينا؛ لإقرارهم بالنبوة المتقدمة وإن كانت منسوخة. هذا كله إيضاح المذهب من الجانبين عندنا إلى مقصود المسألة، وهي امتناع أخذ الجزية من عبدة الأوثان عندنا مطلقا. وقول أبي حنيفة ﵀: تؤخذ من العجم دون العرب. ومأخذ النظر هو: أن الأصل عند الشافعي وجوب قتل الكفار كلهم، وألا تقبل منهم الجزية، من حيث إن الرضا بتقرير الكفار في دار الإسلام بدينار كونه كل سنة نوع مداهنة لا يقتضيه قياس القواعد ومنهاج الأصول؛ وذاك أن الله - تعالى - أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحن نعلم أنهم يصلون في بيعهم وكنائسهم، ويسبون الله ورسوله -[ ﷺ ]-، ولا ننكر عليهم، وهذا أمر لا يقتضيه وضع الشرع، غير أن الله - تعالى - استثنى من هذا الأصل أهل الكتاب، وقصر النص عليهم، حيث قال: ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ [التوبة: ٢٩] (٢)، فأفردهم ببذل الجزية؛ لحرمة كتابهم. فقلنا: يخرج من هذا الأصل من استثناه الشرع، فبقي من عداهم على الأصل.

стр. 537

مقتضى الأصل. فإن قالوا: هذا احتجاج السكوت، وأنه ذكر قوما وسكت عن قوم، وليس تخصيص شيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه. قلنا: لم نتمسك بالسكوت، ولا دليل الخطاب، وإنما تمسكنا بالأصل وبقينا عليه إلا فيما استثناه الشرع. وزعمت الحنفية أن الأصل هو إبقاء الكفار وتقريرهم؛ لأن الله - تعالى - ما أراد إفناء الخلق، ولا خلقهم ليقتلوا، وإنما أبيح قتلهم لعارض ضرر وجد منهم؛ لأن ذلك جزاء على كفرهم، فإن دار الدنيا ليست دار جزاء، بل الجزاء في الآخرة، فإذا دخلوا في الذمة والتزموا أحكامنا، انتفعنا بهم في المعاش في الدنيا وعمارتها، فلم يبق لنا [أرب] (١) في قتلهم، وحسابهم على الله - تعالى -، ولأنهم إذا مكنوا من المقام في دار الإسلام ربما شاهدوا بدائع صنع الله في فطرته، وودائع حكمته في خليقته، [فلانوا ومالوا] (٢) إلى الإسلام، وإذا كان الأمر بهذه المثابة؛ لم يجز أن يقال: إن الأصل قتلهم. والجواب: قلنا: الأصل ما قدمناه من إباحة دمائهم بكفرهم، لا لأجل قتالهم؛ فإن هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يجوز أن نقرهم على كفرهم وسبهم ودراسة [خبث] (٣) معتقدهم لأجل دينار يوجد في رأس

стр. 538

كل سنة، ولهذا يقتل المرتد وإن التزم الجزية، ودخل تحت الذمة. فإن قيل: هذا يبطل بالمجوسي؛ لأنه يقر بالجزية، ولا كتاب له؟. قلنا: لأجل ذلك امتنع عمر ﵁ من قبول الجزية منهم؛ لأنه لا كتاب لهم، حتى قام عبد الرحمن بن عوف ﵁ فقال: أشهد أن النبي ﷺ قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب، ما خلا المناكح والذبائح» (١)، وروي أن الصحابة ﵃ أيضا اجتمعوا على علي - كرم الله وجهه ـ، فقالوا (٢): ما بال الجزية تؤخذ من المجوس وليس لهم كتاب يقرؤونه؟، فقال: «على الخبير سقطتم، كان لهم كتاب يقرؤونه، وعلم يدرسونه، فوقع ملكهم على أخته، وكان قد تزوج بها، فهموا يرجموه، فقال لهم: إن خير الأديان دين أبينا آدم، وقد كان زوج بناته من بنيه، فتركوا رجمه، وقد أسري بكتابهم» (٣)، وهذا من الصحابة دليل على أنهم لم [يعقلوا].

стр. 539

للجزية مأخذا إلا الكتاب، حتى طلبوا وجه إلحاق المجوسي بأهل الكتاب. ثم نقول: جميع ما ذكروه يبطل بعبدة الأوثان من العرب، ومستندهم في الفرق: أن العرب آذوا رسول الله - ﷺ -، وظاهروا على إخراجه وإزعاجه، حتى اضطر إلى الخروج من الديار، والالتياذ بالغار (١)، وبالغوا في أذيته، فلم يقبل منهم الجزية؛ تغليظا عليهم، بخلاف العجم، فإنه لم يوجد منهم أذية، فقلنا: يقرون ببذل الجزية. ونحن نقول: باطل بأهل الكتاب؛ فإنهم آذوه غاية الأذية، وكتموا أعلام نبوته، وبشائر بعثته، وأخفوا اسمه، قال الله - تعالى -: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقال - تعالى -: ﴿يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف: ١٥٧]، حتى قيل: لو أنهم أظهروا اسمه لما اختلف عليه [اثنان] (٢)، فجميع الطوائف عادوه؛ العرب لأجل الرئاسة، وأهل الكتاب لأنه نسخ كتبهم وشرعهم، وأزال - أيضا - ملكهم. والذي يدل على أن أهل الكتاب آذوه أكثر من العرب: صنع رسول الله ﷺ بالفريقين، فإنه لما ظفر بعبدة الأوثان يوم فتح مكة لم يقتل أحدا، إلا نفرا قتلهم خالد لأنهم حاربوه، وقال: «من ألقى سلاحه فهو آمن، من دخل دار [أبي] سفيان فهو آمن» (٣)، ولما ظفر ببني قريظة (٤) استأصلهم،

стр. 540

ولم يغادر منهم أحدا، حتى أمر بالكشف عن مؤتزر الصبيان؛ كل من أنبت نباتا خشنا؛ ضربوا عنقه. فإن قالوا: فلم أقررتم عبدة الأوثان بالاسترقاق؟. قلنا: ليس الاسترقاق كالجزية، وإنما هو أخو القتل، فإنه قلب الحلس (١) و [إعدام] (٢) المسترق في حق نفسه، ليس هو كالجزية التي يصير بها من أهل دارنا، فيختلط بنا تصرف على إيثاره واختياره (٣). [١٨٤] مسألة: الجزية لا تسقط بالموت، ولا بالإسلام، ولا بتداخل السنين قبل الاستيفاء (٤)، خلافا لأبي حنيفة ﵁ في الصور الثلاث (٥). ومأخذ النظر اختلاف الإمامين ﵄ في حقيقة الجزية، وجهة وجوبها. فمعتقد الشافعي أنها وجبت عوضا عن سكناهم دار الإسلام، وعصمنا إياهم، وذببنا عنهم (٦).

стр. 541

قال أبو حنيفة: هي عقوبة ضربت على الكافر بسبب الكفر، كالرق، ومن شأن العقوبات التداخل والسقوط بالموت والإسلام (١). والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أمور ثلاثة: أحدها: إشعار الصيغة؛ فإن الإمام يقول: أسكنتك دار الإسلام كل سنة بدينار، أو عاهدتك بدينار، أو على دينار، فيقول: قبلت، وحرف الباء للعوضية كما في قول القائل: بعتك بدينار أو على دينار، وكلمة: «على» [للإلزام] (٢)، كقوله: أجزتك على عشرة. الثاني: ما روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: «إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا» (٣)، دل أنها وجبت عوضا عن حقن دمائهم، وعصمة أموالهم. الثالث: أن العوض عبارة عما يبذل في مقابلة أمر هو من معاني [العوض] (٤)، وذلك موجود هنا. فإن قيل: بذل الجزية لأنه كان ممنوعا من سكنى دار الإسلام، خائفا في نفسه وماله، وببذل الجزية صار آمنا مطمئنا متبحبحا فيها، يتبوأ فيها حيث يشاء، ويتصرف على اختياره وإيثاره، وينتفع بمرافق الدار وسكناها، وإنما

стр. 542

نال جميع ذلك ببذل الجزية. وإذا ثبت كونها عوضا، فالعوض يستقر باستيفاء المعوض كالمهر في النكاح، والأجرة في الإجارة، وقد استقر في المعوض، فوجب بقاء [العوض] (١) إلى حالة الأداء؛ تحقيقا لفائدة الوجوب. فإن قالوا: دعوى العوضية باطل من وجهين: أحدهما: أن الذمي لا يسكن دارا إلا بكراء أو شراء، فإن سكن في مباح، فالمباح لا يؤخذ عنه عوض، فبطل كونها عوضا عن السكنى. الثاني: أنه يبطل بالدراري والنسوان، فإنه لا جزية عليهم، ولو كان عوضا عن السكنى لوجبت عليهم (٢). قلنا: أما الأول فجوابه: أن مجرد الدار التي يملكها الذمي لو جلس فيها، ومنع من الخروج كطلب الماء العام، والتردد في الشوارع والصحاري، والارتفاق بالاحتطاب والاحتشاش، والاستعانة بالمسلمين في المعاملات عنا حرجا؛ لأن الله - تعالى - خلق الآدمي بحيث لا يعيش منفردا في ضيق إلا عيشا نكدا منغصا، فيحتاج إلى بلدة أو قرية جامعة يتردد فيها، ويستعين بالجيران، ويرتفق [بالأرض] (٣)، فكان العوض في مقابلة هذه النسبة العامة، ولسنا ندعي أنه

стр. 543

على قياس الإجارات الجزئية، وإنما العوض أبدا مقابل لها، وقد ظهر. وأما النساء والصبيان فإنه [لا يؤخذ] (١) منهم لأنهم أتباع، وإذا التزمنا بأخذ الجزية من الرجل أن يترك دوابه وعبيده وأقمشته، فحاجته إلى ولده وزوجته أعظم، فهو مندرج بالتبعية، حتى لو وجدنا في قلعة جماعة من النساء، ولا رجل فيما بينهم، والتزموا الجزية، قال أصحابنا: يجوز أخذها، حيث انعدمت التبعية. فإن قالوا: دليل كونها عقوبة: قوله - تعالى -: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]، وتسميتها صغارا يدل على كونها عقوبة، ولهذا استنكف التغلبيون منها، وضاعفوها باسم الصدقة. قلنا: الذل والصغار ليس من صفات الجزية وتوابعها، وإنما هو من موجبات الكفر، كما منع من المطاولة في البنيان، وركوب الخيل، كيف وقوله - تعالى -: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]، متروك الظاهر، فإن القتال ينتهي بالبذل والالتزام [و] (٢) بالإعطاء، وإذا ثبت كونها عوضا وجب ألا تسقط إلا بالأداء، أو الإبراء، نعم لا ننكر أنه عوض مجهول لجهالة آخر المدة، لكن احتمل لمصلحة هذا العقد، كما في القراض والجعالة (٣).

стр. 544

[٢٧] مسائل الصيد والذبائح [١٨٥] مسألة: الكلب المعلم إذا أكل من فريسته نادرا لم تحرم [فرائسه] (١) السابقة قولا واحدا. فإن كان الأكل عادة له حرمت الفريسة التي ظهرت بها عادته. وهل يحرم ما أكل منها قبله؟ فيه وجهان (٢): قال أبو حنيفة ﵀: تحرم الفريسة المأكول منها، وينعطف التحريم على جميع فرائسه المتقدمة، ولو كان بخمسين سنة (٣). ويعنى بالمعلم ما يجمع ثلاث شرائط: - وهو: أن يكون بحيث إذا أرسل استرسل. - وإذا زجر انزجر. - وإذا قتل الصيد لا يأكل منه.

стр. 545

فإذا وجدت هذه الشرائط صار كلبا معلما، وإذا قتل حل أكله (١)، وإذا عدمت [أو واحد] (٢) منها فليس بمعلم، ثم لا بد وأن يتكرر ذلك منه، بحيث يقال في العادة: إنه صار معلما، ولا ينحصر ذلك بعدد، بل الضابط في كل ما ورد الشرع به مطلقا، [ولا بد] (٣) من تحديده، ولا حد له في اللغة ولا في الشريعة: أن يرجع فيه إلى العرف والعادة، كالقبوض، والعيوب، والأحراز، وغير ذلك، وهذا من جملته، ومن أصحابنا من قال: أقله ثلاث مرات، فإذا ترك الأكل ثلاث مرات؛ [حلت] (٤) فريسته في الكرة الرابعة، وسواء في ذلك الكلب، والفهد، [والنمر] (٥)، وغيرها من الوحش المعلم إذا أكل ففيه قولان على ما ذكرنا. أما البازي والصقر وجوارح الطيور فالمذهب أنها إذا أكلت كان حكمها حكم الكلب إذا أكل، فتخرج على القولين (٦). وقال المزني: يؤكل صيدها قولا واحدا، وهو قول أبي حنيفة. والفرق: أن الكلب المعلم يعلم بترك الأكل، فإذا أكل لم يحل الصيد، والبازي يعلم بالأكل، فإذا أكل لم يؤثر (٧).

стр. 546

ومأخذ النظر فيها: أن ترك الأكل في ابتداء التعليم عندنا لم يعتبر مقصودا لنفسه، بل اعتبر للدلالة على التعليم، فلا يرتفع ذلك بالأكل النادر المحتمل، وعندهم اعتبر أصلا، ومقصودا، كالإشلاء، والانزجار، فإذا أخلف الظن تغير الحكم. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه: هو أن الأكل في الابتداء كان أصلا ثابتا في حقه، وترك الأكل في الدوام هو الأصل الثابت المستمر؛ إذ الكلام فيما إذا عرف ذلك بالدلائل الواضحة، والشواهد اللائحة، ومضى عليه الزمن الطويل، فصارت دلالة ترك الأكل في الابتداء بصفة التكرار على العلم قطيعة، ودلالة الأكل في الدوام مرة واحدة على الجهل محتملة؛ فإن احتمال وقوع ذلك لفرط جوع غلب عليه، أو دهشة وجيزة، أو نسيان أن صاحبه أرسله قائم، والمحتمل لا يرفع المتيقن. واحتج الخصم في تقرير مأخذه: بأن الأصل المستيقن في حق الكلب هو الجهالة وعدم العلم، وإنما حكمنا بكونه معلما من حيث الظاهر، فإذا أكل عرفنا أنه لم يكن معلما حقيقة، وأن ذلك الظن أخلف، وإذا أخلف الظن تغير الحكم، فلهذا قلنا: إن الفرائس المتقدمة تحرم - أيضا. قالوا: ونظير مسألته: ما إذا قال لزوجته: إذا مت فأنت طالق قبله بشهر، فإنه يباح له الوطء إلى حين الموت، مع أنا نتبين وقوع الطلاق قبله بشهر، لكن لما كان الظاهر بقاءه أثبتنا الحل، بناء على الظاهر، كذلك هاهنا (١).

стр. 547

والجواب: نقول: قولكم: إن الأصل المستيقن في حق الكلب هو الجهالة، فإذا أكل بان أنه لم يكن معلما. قلنا: أما الأصل [فإنما] (١) يعتبر إذا لم يكن الطارئ قاطعا، أما إذا كان الطارئ قطع الأول ونسخه كان الحكم له، والاعتبار به دون ما تقدم من الأصل، ويصير الطارئ هو الأصل؛ لأنه ثبت واستمر عليه، وتيقنا تغير طبعه. ونظير مسألتنا: أن وثنيا لو أسلم وذبح شاة، ثم ارتد، فإنه لا تحرم ذبيحته، ولا نقول: عاد إلى الأصل، بل نقول: هذا الطارئ رفع الأصل، فكان الاعتبار به دون ما تقدم. وما ذكروه من المثال فلا يطابق مسألتنا؛ لأن النكاح موجود يقينا، والحل ثابت قطعا، ووقع الشك في زواله، واليقين لا ينقطع بالشك، أما هاهنا فالأصل فيه التحريم، والحل ثبت بعارض، فإذا وقع الشك في الشرط وقع في المشروط، فينبغي ألا يثبت الحل أصلا، ويدل عليه جوارح الطيور كالبازي وغيره، فإنه إذا أكل لم تحرم فريسته، ولو كان الأكل دليل الجهل لما افترق الحال عن جوارح الطيور والسباع. فلئن قالوا: إذا تعارض دليل الحل والحرمة يغلب جانب الحرمة احتياطا.

стр. 548

قلنا: إنما يغلب جانب الحرمة إذا استوت الأمارتان وتقابلتا، كما لو شهد شاهدان بالنكاح، وشاهدان بالطلاق، فإنا نقدم شهود الطلاق لما تساويا، أما في مسألتنا [فما] (١) استوت الأمارتان، فإن ما يقتضي الإباحة قد علم [ … ] (٢)، وندرة الزمن الطويل وما يقتضي الحظر ليس بأمارة، وإنما هو نوع تهمة، واليقين لا يرفع بالشك (٣). واعلم أن في المسألة حديثين متعارضين [متفقا] (٤) على صحتهما: أحدهما: رواه أبو ثعلبة الخشني (٥) -[﵁]- أن النبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله فكل، فقلت: وإن أكل؟ قال: وإن أكل» (٦). والثاني: قوله -[ ﷺ ]- لعدي بن حاتم (٧) ﵁: «إذا أرسلت كلبك

стр. 549

المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل، فقال: يا رسول الله وإن أكل؟، قال: فإن أكل فلا تأكل؛ فإني أخشى أن يكون قد أمسك على نفسه» (١). ومستند قول الشافعي: تعارض هذين الحديثين، ووجه الجمع بينهما [مع] (٢) الاتفاق على صحتهما: أن عدي بن حاتم كان [من] (٣) أبناء الملوك، وكان يقصد باصطياده التنزه والتفرج، وهو مستغن عنه، فنزهه عن أكل الصيد الذي أكل منه الكلب، وكان أبو ثعلبة [الخشني] (٤) فقيرا (٥)، يقصد باصطياده

стр. 550

الاكتساب؛ ليصرفه في قوته، فرخص له، وأباحه إياه مع الأكل. [١٨٦] مسألة: متروك التسمية حلال عندنا في حالتي العمد والنسيان (١). حرام عندهم في حالة العمد دون النسيان (٢). ويحرم عند مالك في الحالتين جميعا (٣). وهذا الخلاف جار في التسمية عند إرسال الجارحة على الصيد. وللمسألة مأخذان: أحدهما: تعارض آية الذكاة (٤) وآية التسمية (٥)، [فآية] (٦) الذكاة تقتضي بعمومها تحليل كل مذكاة، وآية التسمية تقتضي بعمومها تحريم كل متروك التسمية، والمتنازع فيه مذكاة متروك التسمية، فإذا أحللنا بعموم آية الذكاة لزم تأويل آية التسمية، [وإن حرمنا بآية التسمية] لزم [تخصيص] آية

стр. 551

الذكاة [بمذكاة]، ذكر عليها اسم الله - تعالى - (١). فأبو حنيفة يدعي أن الآية نص في تحريم متروك التسمية؛ إذ جعل أكله فسقا (٢). ونحن نقول: أجمع المفسرون على أن المراد بما لم يذكر [اسم] الله عليه في هذه الآية: الميتة، ولم يحمله أحد على ذبيحة المسلم التارك للتسمية (٣)، وفي الآية وجوه تدل على ذلك: منها: قوله - تعالى -: ﴿وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١]، ولا يفسق آكل ذبيحة التارك للتسمية إجماعا (٤)، إذ المسألة اجتهادية، والقضية ظنية. ومنها قوله: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ [الأنعام: ١٢١]، والمجادلة في عهد رسول الله ﷺ إنما كانت في الميتة بإجماع

стр. 552

من المفسرين؛ وذلك أن الكفار قالوا للمسلمين: تأكلون مما [أمتموه] (١)، ولا تأكلون مما أماته الله، فأنزل الله هذه الآية - تعالى -: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [الأنعام: ١٢١]، ومن أخذ بقول الشافعي لا يكون مشركا والعياذ بالله. ويدل على صحة ما ذكرناه، وأن قوله: لفسق عائد إلى أكل الميتة: قوله في الآية الأخرى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾ [المائدة: ٣]، إلى أن قال: ﴿ذلكم فسق﴾ [المائدة: ٣] في هذه الآية، ﴿وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١] عائد إليه، ويتأيد جميع ما ذكرناه بالأحاديث الصحاح المروية في هذا الباب: منها: ما رواه الأوزاعي (٢) عن يحيى بن أبي كثير (٣)، عن أبي هريرة

стр. 553

-[﵁]- قال: سأل رجل رسول الله ﷺ ، فقال: أرأيت الرجل يذبح، وينسى أن يسمي الله؟، فقال النبي ﷺ : «اسم الله على فم كل مسلم» (١). ومنها ما رواه عمرو بن دينار (٢) عن عكرمة (٣) عن ابن عباس -[﵄]- صلى الله أن النبي ﷺ قال: «المسلم يكفيه اسمه، وإن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله، ثم ليأكل» (٤).

стр. 554

ومنها: ما رواه هشام بن عروة (١) عن أبيه عن عائشة -[﵂]- أن قوما قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟، فقال رسول الله ﷺ : (سموا وكلوا) (٢). وأما المأخذ المعنوي: [فهو] (٣) أن الذكاة الصحيحة عند الشافعي ﵀ قائمة مقام حقيقة التسمية. وعندهم: لا تقوم مقامها في حال العمد. يدل على صحة ما ذهبنا إليه أحكام ثلاثة: أحدها: حل ذبائح أهل الكتاب من غير بحث عن التسمية. الثاني: ثبوت الحل في حق الأخرس مع انتفائها. الثالث: سقوطها في حق الناسي، وجميع ما يلزمنا من مخالفة ظاهر الآية يلزمهم في استخراج الناسي. فلئن قالوا: الناسي عاجز عن التسمية، وعند العجز يجوز أن يقوم

стр. 555

خلف مقام الأصل، كما في سائر الأبدال مع الأصول، أما العامد فهو قادر على التسمية، فلا يجوز له العدول إلى الخلف. قلنا: هو وإن ترك لفظا فعقيدته منطوية عليه كما في حال النسيان، ثم باطل بالمسح على الخفين، فإنه أقيم مقام غسل الرجلين من غير مشقة، ولا حرج (١). [١٨٧] مسألة: الأضحية سنة مؤكدة عندنا، وليست مكتوبة ولا واجبة (٢). قال أبو حنيفة ﵀: الأضحية واجبة على المقيم الذي يملك نصابا، وليست بمفروضة. وفرق بين الفرض والواجب، وقال: الفرض: ما يثبت بدليل مقطوع به غير مختلف فيه، والواجب: ما يثبت بدليل مختلف فيه، [كخبر] (٣) الواحد، والقياس [ … .] (٤)، ومن مذهبه أنها لا تجب على أهل السواد. وضابط مذهبه: أنها لا تجب إلا على من تجب عليه صلاة العيد (٥). ولا خلاف أن تفرقة اللحم لا تجب.

стр. 556

ومأخذ نظر الشافعي ﵀ استصحاب دليل العقل النافي الموجب، حيث لم يثبت عنده قيام دليل دل على وجوبها، وهذا لأن إيجاب واجب، وتأسيس أصل إنما يتلقى من توقيف أو قياس، وكلاهما منتفيان. أما التوقيف فهو إما كتاب الله، أو سنة رسول الله -[ ﷺ ]-، أو إجماع الأمة. أما الكتاب فليس فيه ما يدل على وجوب الأضحية، لا نصا ولا ظاهرا. وأما السنة فقد دلت على نفي الوجوب، بدليل قوله - ﷺ -: «ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم: الضحى، والأضحية، والوتر» (١)، وروي: «والسواك»، وروي أنه قال: «هي لكم تطوع، وعلي مكتوبة» (٢)، وهذا نص لا يحتمل التأويل، فإن لم يكن دالا على نفي الوجوب فلا يدل على الوجوب.

стр. 557

وأما الإجماع فلا مطمع فيه؛ لوجود الاختلاف. وأما القياس فينقسم إلى معنوي وشبهي. أما المعنوي فهو مأخوذ من المصالح الكلية، والمعاني الجميلة. ومن المعلوم بأنه لا يقتضي مصلحة كلية ولا جزئية إيجاب شاة بصفات مخصوصة على شخص مخصوص [في] (١) وقت مخصوص. أما القياس الشبهي فمعناه: أن تجد صورة أو أصلا شبيها للمتنازع فيه، فيلحق به، وهذا مما لا تجده أصلا (٢). فإن قالوا: دليل الوجوب من الكتاب قوله - تعالى -: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]، أمر بالنحر، فظاهر الأمر للإيجاب. ومن السنة قوله - ﷺ -: «على أهل كل بيت في كل سنة أضحاة وعتيرة» (٣)، وكلمة «على» تقتضي الإيجاب والإلزام، غير أن العتيرة تستحب، وهو دم كان يراق في الجاهلية أول يوم من رجب، فبقيت الأضحاة على مقتضى الظاهر، وقد روى أبو هريرة -[﵁]-عنه- ﷺ أنه قال: «من

стр. 558

وجد سعة [فلم يضح] (١) فلا يقربن مصلانا» (٢)، وهذا وعيد على الترك، وإنما يتوعد بترك الواجب دون الندب. ومن حيث المعنى أن الأضحية مخصصة بوقت مخصوص لا يجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه، واختصت بصفات وشروط لا تجزئ المعيبة والصغيرة، واعتبار هذه الأمور [يدل] (٣) على الوجوب (٤). والجواب: نقول: ليس في شيء مما ذكرتموه دليل على الوجوب. أما التفسير فقد فسر أهل التفسير النحر بوضع اليمين على الشمال في الصلاة (٥)، ثم هي خطاب للنبي - ﷺ ـ، ونحن نسلم [بوجوبها] (٦) عليه، وإنما الكلام في وجوبها على الأمة، وليس في الآية دليل لإيجابها على الأمة. وأما الحديث الأول إن صح فهو محمول على تأكيد الاستحباب، كما في قوله ﵇: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (٧)، والمراد تأكيد

стр. 559

الاستحباب دون الإيجاب، فإن غسل الجمعة لا يجب وفاقا، ودليل صحة هذا التأويل قرينته، وهي العتيرة؛ فإنها مستحبة غير مستحقة. وأما الحديث الثاني فقد روى الشيخ أحمد البيهقي (١) عن أئمة الحديث أنه موقوف على أبي هريرة ﵁ (٢)، ثم نحمله على الاستحباب بدليل خبرنا. قولهم: توعد على تركها. قلنا: تارك الأضحية لا يبعد عن المصلى، بل ينبغي أن يقرب منه للاستغفار إن كان عاصيا، بل معناه من وجد سعة في المكان وليس على عزم التضحية، فلا يضيقن سعة المكان على من يحضر لاستماع الخطبة، فإنه كان ﷺ يعلمهم في الخطبة شروط الأضاحي، فيجب حمله عليه؛ جمعا بين الأحاديث. قولهم: إنها تختص بوقت وصفات وشروط.

стр. 560

قلنا: الشروط تراعى في النفل كما تراعى في الفرض، ألا ترى أن الطهارة والستارة وغيرها من الشروط تعتبر في النافلة كما تعتبر في [المفروضة] (١)، [فتستويان] (٢) في الشروط، وتختلفان في الوجوب. ثم هو معارض بانتفاء خصائص الواجبات، فإنها إذا فاتت لا تقضى. ويجوز أكل جميعها بدليل سائر القرابين الواجبة، فإنه لا يجوز أن [يأكل] (٣) جميعها ويستوعبها. ومنها: أنها لا تجب على المسافر، ولو كانت واجبة عم وجوبها المسافر والمقيم، [وهما] لا (٤) يختلفان في الحقوق الدينية كالقصر والفطر واستيفاء المسح، لا في [الحقوق] (٥) المالية (٦). [١٨٨] مسألة: الجنين يتذكى بذكاة أمه (٧). وقال أبو حنيفة ﵀: إذا ذكيت الأم، ومات الجنين معها، فهو

стр. 561

ميتة (١). والمسألة من جانبنا خبرية، والقياس لهم، إلا أنه مردود؛ لأنه [في] (٢) مقابلة النص، وهو ما رواه إمام أئمة الحديث يحيى بن سعيد القطان عن مجالد (٣) عن أبي الوداك (٤) عن أبي سعيد الخدري -[﵁]- أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا ننحر الناقة ونذبح الشاة والبقرة، فنجد في بطونها أجنة ميتة، [أفنلقيه] (٥) أم نأكله، فقال - ﷺ -: «كلوه ولا تلقوه، فإن ذكاة الجنين ذكاة أمه» (٦)، وهذا نص لا يحتمل التأويل بحال، حتى قال أبو زيد (٧) من أصحابهم: إن صح هذا الحديث قلت به، وقد صح.

стр. 562

فإن قالوا: نحمله على أنه أراد: إنا نجد أجنة قاربت الموت. قلنا: باطل لوجوه: منها: أنه قال: أنلقيه أم نأكله، وما ليس بميتة لا يلقى. ومنها: أنه قال: كلوه، ولو لم يكن ميتا كان يقول: اذبحوه. ومنها: أنه قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه، وإن كان حيا لا تكون ذكاته ذكاة أمه. فإن عارضوا بقوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]، وهذا ميتة. قلنا: فكل مذكى ميتة. فإن قالوا: ذلك مذكى حقيقة. قلنا: وهذا مذكى شرعا، والمذكى حقيقة إنما كان مذكى بالشرع، وهذا مذكى بالشرع. فإن عارضوا بقوله - تعالى -: ﴿والمنخنقة﴾ [المائدة: ٣]، وهذا منخنق. قلنا: المنخنق، وهذا ليس بمنخنق حقيقة (١). فإن قالوا: هو مشبه به. قلنا: هذا الآن قياس، والقياس يرد بالنص، وقد نص الشرع على أنه مذكاة، فيجب إباحته (٢).

стр. 563

[٢٨] مسائل الأيمان [١٨٩] مسألة: اليمين الغموس توجب الكفارة عندنا (١). خلافا لهم (٢). وصورة المسألة: ما إذا حلف على ماض، وكان كاذبا فيه، فيقول: والله ما فعلت كذا، وقد فعل، أو قد فعلت، وما فعل (٣). وللمسألة مأخذان: أحدهما: أن اليمين عندنا لا تحرم المحلوف عليه، بل الكفارة تجب بهتك حرمة الاسم المعظم (٤). وعندهم تحرم المحلوف عليه، وتوجب البر، فإذا أقدم على الحنث فقد ارتكب حراما، فتجب الكفارة كذلك، وبنوا على هذا الأصل سائر مسائل الأيمان، وقالوا: إذا حلف على الامتناع من فعل شيء أو الاقدام [عليه] (٥)

стр. 564

فهو قاصد بذلك منع نفسه، وكفها عن الفعل، فقد حرم عليه هذا فعل ما كلف عليه (١). قالوا: وإنما استفدنا هذا من أصل، وهو تحريم البضع، فإنه إذا قال لزوجته أو أمته: أنت علي حرام؛ وجب عليه كفارة يمين، وقد دل عليه نص قوله - تعالى - لنبيه ﷺ لما حرم مارية القبطية (٢) على نفسه الكريمة ابتغاء مرضاة بعض أزواجه (٣): ﴿ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ١ - ٢]، فبين له أن في ذلك كله [كفارة] (٤) يمين. قالوا: ولما ثبت لنا هذا الأصل، وأن الكفارة تجب فيما حرم على نفسه، طردنا ذلك في سائر الأيمان (٥) وقلنا: اليمين تحرم المحلوف عليه،

стр. 565

فإذا (١) أقدم عليه فقد ارتكب [حراما] (٢)، فوجبت الكفارة؛ لأنه لما حرم على نفسه فعل أمر في المستقبل، ويستحيل منع النفس عن الأمر الماضي، وأن التكفير قبل الحنث لا يجزئ؛ لأنه ما وجد سبب وجوب الكفارة، وهو ارتكاب الفعل المحظور. وهكذا إذا قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، قالوا: تجب عليه كفارة يمين (٣)؛ لأن تقدير الكلام: هذا علي حرام، كما أن اليهود والنصارى علي حرام (٤). والجواب عن هذا المأخذ: أن نقول: هذا الذي ذكرتموه تسلسل باطل؛ فإنا أولا لا نسلم أن الأيمان تحرم شيئا؛ إذ ليس إلى عباد الله تغيير أحكام الله وقلبها عما هي عليه، بل الذي إليهم وعليهم تلقي الأحكام وقبولها. وأما قضية مارية وأن الله - تعالى - عاتب نبيه ﷺ على تحريمها، وأوجب عليه كفارة يمين. قلنا: الكفارة هنا وجبت تعبدا لا يعقل معناه، ولا يهتدى إلى فحواه، فاتبع فيه مورد الشرع، ولا سبيل إلى إلحاق غيره به؛ فإن الله خص البضع بأحكام وقضايا، وميزه بخصائص ومزايا يخالف بها سائر الأموال
следующие страницы →