← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30175

نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام

شهاب الدين الزنجاني

Полный текст (659 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ميتة (١). والمسألة من جانبنا خبرية، والقياس لهم، إلا أنه مردود؛ لأنه [في] (٢) مقابلة النص، وهو ما رواه إمام أئمة الحديث يحيى بن سعيد القطان عن مجالد (٣) عن أبي الوداك (٤) عن أبي سعيد الخدري -[﵁]- أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا ننحر الناقة ونذبح الشاة والبقرة، فنجد في بطونها أجنة ميتة، [أفنلقيه] (٥) أم نأكله، فقال - ﷺ -: «كلوه ولا تلقوه، فإن ذكاة الجنين ذكاة أمه» (٦)، وهذا نص لا يحتمل التأويل بحال، حتى قال أبو زيد (٧) من أصحابهم: إن صح هذا الحديث قلت به، وقد صح.

стр. 562

فإن قالوا: نحمله على أنه أراد: إنا نجد أجنة قاربت الموت. قلنا: باطل لوجوه: منها: أنه قال: أنلقيه أم نأكله، وما ليس بميتة لا يلقى. ومنها: أنه قال: كلوه، ولو لم يكن ميتا كان يقول: اذبحوه. ومنها: أنه قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه، وإن كان حيا لا تكون ذكاته ذكاة أمه. فإن عارضوا بقوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]، وهذا ميتة. قلنا: فكل مذكى ميتة. فإن قالوا: ذلك مذكى حقيقة. قلنا: وهذا مذكى شرعا، والمذكى حقيقة إنما كان مذكى بالشرع، وهذا مذكى بالشرع. فإن عارضوا بقوله - تعالى -: ﴿والمنخنقة﴾ [المائدة: ٣]، وهذا منخنق. قلنا: المنخنق، وهذا ليس بمنخنق حقيقة (١). فإن قالوا: هو مشبه به. قلنا: هذا الآن قياس، والقياس يرد بالنص، وقد نص الشرع على أنه مذكاة، فيجب إباحته (٢).

стр. 563

[٢٨] مسائل الأيمان [١٨٩] مسألة: اليمين الغموس توجب الكفارة عندنا (١). خلافا لهم (٢). وصورة المسألة: ما إذا حلف على ماض، وكان كاذبا فيه، فيقول: والله ما فعلت كذا، وقد فعل، أو قد فعلت، وما فعل (٣). وللمسألة مأخذان: أحدهما: أن اليمين عندنا لا تحرم المحلوف عليه، بل الكفارة تجب بهتك حرمة الاسم المعظم (٤). وعندهم تحرم المحلوف عليه، وتوجب البر، فإذا أقدم على الحنث فقد ارتكب حراما، فتجب الكفارة كذلك، وبنوا على هذا الأصل سائر مسائل الأيمان، وقالوا: إذا حلف على الامتناع من فعل شيء أو الاقدام [عليه] (٥)

стр. 564

فهو قاصد بذلك منع نفسه، وكفها عن الفعل، فقد حرم عليه هذا فعل ما كلف عليه (١). قالوا: وإنما استفدنا هذا من أصل، وهو تحريم البضع، فإنه إذا قال لزوجته أو أمته: أنت علي حرام؛ وجب عليه كفارة يمين، وقد دل عليه نص قوله - تعالى - لنبيه ﷺ لما حرم مارية القبطية (٢) على نفسه الكريمة ابتغاء مرضاة بعض أزواجه (٣): ﴿ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ١ - ٢]، فبين له أن في ذلك كله [كفارة] (٤) يمين. قالوا: ولما ثبت لنا هذا الأصل، وأن الكفارة تجب فيما حرم على نفسه، طردنا ذلك في سائر الأيمان (٥) وقلنا: اليمين تحرم المحلوف عليه،

стр. 565

فإذا (١) أقدم عليه فقد ارتكب [حراما] (٢)، فوجبت الكفارة؛ لأنه لما حرم على نفسه فعل أمر في المستقبل، ويستحيل منع النفس عن الأمر الماضي، وأن التكفير قبل الحنث لا يجزئ؛ لأنه ما وجد سبب وجوب الكفارة، وهو ارتكاب الفعل المحظور. وهكذا إذا قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، قالوا: تجب عليه كفارة يمين (٣)؛ لأن تقدير الكلام: هذا علي حرام، كما أن اليهود والنصارى علي حرام (٤). والجواب عن هذا المأخذ: أن نقول: هذا الذي ذكرتموه تسلسل باطل؛ فإنا أولا لا نسلم أن الأيمان تحرم شيئا؛ إذ ليس إلى عباد الله تغيير أحكام الله وقلبها عما هي عليه، بل الذي إليهم وعليهم تلقي الأحكام وقبولها. وأما قضية مارية وأن الله - تعالى - عاتب نبيه ﷺ على تحريمها، وأوجب عليه كفارة يمين. قلنا: الكفارة هنا وجبت تعبدا لا يعقل معناه، ولا يهتدى إلى فحواه، فاتبع فيه مورد الشرع، ولا سبيل إلى إلحاق غيره به؛ فإن الله خص البضع بأحكام وقضايا، وميزه بخصائص ومزايا يخالف بها سائر الأموال

стр. 566

والأملاك، بدليل أن بضع الأمة لا يقاس على بضع الحرة في الظهار، فإنه لو ظاهر من أمته لم يكن ذلك ظهارا، فلا تجب به كفارة، وفي الزوجة يكون ظهارا موجبا للكفارة، فإذا لم نقس بضعا على بضع - مع تساويهما وتقاربهما [لتفاوت] (١) ما بين الملكين في علو المنزلة ودونهما ـ، فكيف نقيس الخبز واللحم على البضع؟. وإذا ثبت أن اليمين لا توجب شيئا ولا تحرمه، فنقول: القصد باليمين تأكيد قوله، وتحقيق وعده، فإذا خالف فعله قوله في يمين بالله مقصودة (٢)؛ وجبت الكفارة لأجل ذلك، فهذا مناط الكفارة ومأخذها عند الشافعي، فسواء وجدت المخالفة بعد اليمين أو قبله، أو مقارنة اليمين توجب الكفارة؛ لأن العلة كما توجب حكمها إذا طرأت، توجب إذا قاربت، والذي يدل عليه أن [الكفارة] (٣) تجب عليه بما لا يكون مقدورا له، ولا يتصور أن يحرم عليه أو شيء منه، كما لو علق يمينه على فعل غيره، بأن قال: والله لا يدخل السلطان غدا البلد، ولتمطرن السماء غدا، ولتنكسفن الشمس، ومعلوم أن فعل الغير لا يدخل تحت قدرته، ولا يحرم عليه، فقد وجبت الكفارة بفعل ما لا يحرم عليه، وكذا لو حلف على ما هو مستحيل في قدرته، بأن قال: والله لأصعدن السماء، والله لأشربن ماء البحار، والله لأجرين الدجلة دما عبيطا (٤)، والله لأقلبن صفحات الجبال ذهبا إبريزا (٥)، فإن هذا كله يجب عليه به الكفارة وإن

стр. 567

لم يكن مقدورا له، وقد قالوا: إنه لو قال: والله لأجمعن بين السواد والبياض؛ لا كفارة عليه، وفرقوا بأن الجمع بين السواد والبياض مستحيل لذاته، وسائر ما ذكرناه مستحيل لغيره، فإن الصعود إلى السماء مما هو ممكن في الجملة، وهذا فاسد؛ لأن ما هو غير مقدور للحالف بأن كان مقدورا الله لا يصير مقدورا للبشر، فقد وجبت عليه الكفارة بما هو غير مقدور له (١). المأخذ الثاني: أن الكفارة عند الشافعي شرعت أصلا لا خلفا. وعندهم شرعت خلفا عن البر الفائت بالحنث، والبر مستحيل في هذه اليمين. ومعنى هذا الكلام أن اليمين عند أبي حنيفة ﵀ توجب البر وتقتضيه وفاء بتعظيم الاسم المعظم، غير أن البر إذا فاته وجبت الكفارة خلفا عنه؛ تكفيرا لإثم المخالفة، قالوا: والدليل إنما يمكن إيجابه على تقدير كون المبدل ممكن الوجود، والمبدل هاهنا مستحيل، وهو البر، فامتنع إيجاب البدل والخلف. والجواب: نقول هذا باطل حكما ومعنى. أما الحكم: فأحكام ثلاثة: أحدها: أن العبد يجب عليه التكفير بالصوم، مع أنه خلف عن الإعتاق، ولا يتصور إيجاب الإعتاق عليه.

стр. 568

الثاني: أن الآيسة تعتد بالأشهر، والأشهر خلف [عن] (١) الأقراء، مع أن الأقراء يستحيل إيجابها عليها. الثالث: العاجز عن الماء يجب عليه التيمم مع استحالة وجوب الأصل عليه. وأما المعنى [فهو] (٢) أن هذا الذي ذكرتموه وضع وترتيب تنفردون به ما أنزل الله [به] (٣) من سلطان، بل ضابط الكفارة اليمين الكاذبة على ما بيناه، غير أن اليمين الكاذبة تنقسم إلى ما تكون كاذبة لأمر مضى كالغموس، وإلى ما تصير كاذبة لأمر يطرأ كسائر الأيمان على المستقبل، وإلى ما تكون كاذبة لمعنى مقارن. ثم الكذب المقارن ينقسم إلى ذاتي، كقوله: [لأجمعن بين السواد والبياض، وإلى إضافي، كقوله:] لأصعدن السماء، فهذه جهات الكذب ونواحيه، والفرق بين جهة وجهة محال لا وجه له (٤). [١٩٠] مسألة: التكفير بالمال قبل الحنث وبعد اليمين جائز عندنا (٥). خلافا لهم (٦).

стр. 569

ولنا في الصوم وجهان (١). والفرق: أن الصوم بدل، والبدل لا يجوز المصير إليه إلا بعد [تحقق] (٢) العجز عن الأصل، وذلك إنما يكون بعد الحنث، أما التكفير بالمال فأصل، [فلذلك] (٣) يجوز تقديمه، كما يجوز تقديم الطهارة بالماء على الوقت، ولا يجوز تقديم التيمم. ومأخذ النظر: أن اليمين على تجردها هي السبب لإيجاب الكفارة عندنا، والحنث [شرط] (٤) (٥). وعندهم: السبب هو الحنث دون اليمين. وهذا عندهم مبني على الأصل الذي مهدناه في المسألة السالفة من أن اليمين موجبة للبر، والبر متصور يستحيل أن ينعقد موجبه للخلف؛ إذ الخلف إنما يصار إليه عند تعذر الأصل وفواته، وهذا أصل قد دللنا على بطلانه في المسألة السالفة، فلا نعيده، وإنما بنا حاجة إلى بيان كون اليمين سببا لوجوب الكفارة ودلالة السببية، وهذا كقولهم: كفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع، فإن المفهوم منه عند الإطلاق [السببية] (٦). وأما الحكم فحكمان لازمان:

стр. 570

أحدهما: أنه لو قال: لله على يمين، قال أبو حنيفة: تلزمه كفارة يمين، ولولا أن الكفارة حكم اليمين لما أقيم ذكر اليمين مقام التزام الكفارة. الثاني: أن أهلية الوجوب تعتبر عند انعقاد اليمين، فلا تعتبر حالة الحنث، حتى لو كان عاقلا بحالة اليمين، مجنونا عند الحنث، وجبت الكفارة عليه، والمجنون ليس أهلا لوجوب الكفارة عليه، حتى إن قتل الصبي والمجنون لا يوجب الكفارة عندكم، دل أن الوجوب إنما كان اعتبار ما وجد منه حالة وجود الفعل، وهو اليمين. وأما المعنى [فهو] (١) أن الكفارة وجبت مؤاخذة على ما دل عليه النص، والمؤاخذة إنما تتعلق بفعله، وهو اليمين، أما الحنث فقد ينفك عن فعله، كما لو حلف أن زيدا لا يدخل الدار، ولا ينزل الغيث، فإنها تجب عند وجوده، وإن لم يوجد ذلك بفعله، فكان جعل اليمين سببا أولى لتكون المؤاخذة بفعله. فإن قالوا: اليمين لا تصلح سببا لوجوب الكفارة لوجهين: أحدهما: أن سبب الشيء ما كان [موصلا] (٢)، وأسباب السماوات: [أطرافها] (٣) الموصلة قال الشاعر: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه … ولو نال أسباب السماء بسلم (٤)

стр. 571

واليمين ليست طرفا إلى الكفارة؛ فإنها تجب عند الحنث، واليمين تمنع الحنث وتحرمه على ما بيناه في المسألة السالفة. الثاني: أن سبب الشيء: ء: ما ثبت عنده، وتقرر بوجوده، واليمين ترتفع حال وجوب الكفارة وتنتقض، قال الله - تعالى -: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ [النحل: ٩١]، ولا عهد لنا بسبب يوجد الحكم عند انتفائه. والجواب عن الأول: نقول: قولكم: إن السبب ما كان [موصلا] (١) إلى المسبب، واليمين مانعة من الكفارة من حيث إنها تجب عند الحنث، واليمين محرمة للحنث، باطل؛ فإنه بناء منكم على أن اليمين تغير الأشياء عن حقائقها، وقد أبطلناه، وبينا أن الأشياء بعد اليمين على حقائقها على ما كانت قبل اليمين. وعن الثاني: أنا لا نسلم أن الحنث ينقض اليمين، وإنما نتبين في ثاني الحال هل هي كاذبة [أو] (٢) صادقة، فتتبين لنا صفة اليمين، فإن عرفنا أنها كاذبة علقنا الكفارة عليها، وإن كانت صادقة فلا كفارة (٣).

стр. 572

[١٩١] مسألة: إذا نذر صوم يومي العيد وأيام التشريق لا ينعقد نذره عندنا، وإذا صام فيها لا يصح (١). وقال أبو حنيفة ﵀: ينعقد نذره، وإذا صام فيها؛ صح صومه عن النذر الذي نذره (٢). ولا خلاف أن النذر المطلق لا يصح إيداعه في هذه الأيام (٣). ومأخذ النظر: أن النهي المضاف إلى صوم هذه الأيام عائد عندنا إلى نفس الصوم، ومتعلق بعينه، والأمر بالشيء والنهي عنه في حالة واحدة متناقض، فلا يجتمعان في محل واحد. وعندهم أن النهي ليس راجعا إلى عين الصوم، بل معنى عن الصوم وهو ترك إجابة الداعي إلى الأكل في هذا اليوم، قال الله - تعالى -: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: ٢٨]، فالخلق أضياف الله - تعالى - بدعائه لهم إلى الأكل من لحوم القرابين، وترك إجابة الداعي من الضيف إخلال بإجلال المضيف، فحرم الصوم لهذا المعنى، لا لأجل الصوم. وقرروا هذا بأن النهي طلب، وإنما يطلب ما تصور فعله، [ولولا] (٤)

стр. 573

أن الصوم متصور صحيح في هذه الأيام ما نهي عنه؛ لأن المنهي عنه ينقسم إلى فعل محسوس، فيعود النهي إلى عينه، فيقبح ذاته وأصله، كالنهي عن الزنا والسرقة والكذب، وإلى ما يعود إلى وصف الشيء لا إلى ذاته، فيكون النهي عائدا إلى زائل، وهو الوصف دون الذات، فلا ينهى عن أصله، فيكون مشروعا، وإذا كان مشروعا، فالنهي يدل بكونه شرعا، لا على عدمه؛ إذ لو استحال وجوده شرعا لما نهي عنه. ونحن نقول: أما دعوى صرف النهي إلى ترك إجابة الداعي فلا يصح كما ذكرناه. وقولهم: إن الناس أضياف الله - تعالى - في هذا اليوم. قلنا: هذه ضيافة اسم أوجبتموها، وليس عليها دليل في الشرع؛ فإن العباد كلهم أضياف الله - تعالى - في جميع الأيام، يأكلون رزقهم الذي يطعمهم ويسقيهم بأسباب منحها لهم، وهم في هذه الأيام كذلك من غير مزية، إلا أنهم أمروا فيها بعبادة النحر، كما أمروا في أيام أخر بالزكاة والحج وسائر العبادات، ثم وإن سلمنا أن النهي كان كذلك، لكنه نهي تمكن من عين الصوم؛ إذ لا معنى للآية بالصوم إلا طلب ترك الأكل، فصار كأنه طلب الأكل وتركه في وقت واحد، فيكون كقول القائل: كل لا تأكل، وهو متناقض. والدليل القاطع على صحة ذلك: صحة الصلاة في الدار المغصوبة عن النذر المطلق إن كان النهي منصرفا إلى غيره، وهذا مما لا جواب عنه. قولهم: إن النهي عما لا يكون لا يتصور.

стр. 574

قلنا: إذا قلتم: إن النهي عاد إلى المشروع، فبينوا لنا معنى الصحيح في الشريعة، ولا معنى لكونه صحيحا إلا أنه موافق للأمر، فكأنكم قلتم: الدليل على كونه مأمورا به أنه منهي عنه، وذلك تناقض بين، بل الحق الذي لا مراء فيه أن النهي لا يعود إلا [لفعل] (١) العبد المحسوس، فأما كونه مشروعا صحيحا فذاك حكم الشرع، وذلك لا ينهى عنه؛ لأن الشارع إنما ينهى العبد عما هو إليه، ويقدر عليه، ولا ينهاه عما [ليس] (٢) إليه. ثم جميع ما ذكروه يبطل بقوله ﷺ : «دعي الصلاة أيام أقرائك» (٣)، وخلافها غير متصور شرعا، ولم يقل: دعي القيام [والقعود] (٤)، ونهى ﷺ عن بيع الملاقيح (٥)، والمضامين (٦)، وحبل الحبلة (٧) (٨)، وقال - تعالى -: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد

стр. 575

سلف﴾ [النساء: ٢٢]، فاتحدت العبارة عن الجميع (١). [١٩٢] مسألة: إذا نذر ذبح ولده لغا نذره، ولا يلزمه شيء عندنا (٢). وقال أبو حنيفة: إذا نذر ذبح ابنه يلزمه ذبح شاة، وإن نذر ذبح غيره فلا شيء عليه (٣). ولو نذر قتل ولده لم يصح، إجماعا في الأمر (٤). واستدلوا على ذلك: بأن الأمر بذبح الولد أمر بذبح الشاة، بدليل قصة الخليل ﵇، وذلك سمي فداء، فكذلك الأمر بذبح الولد وجب أن يكون نذرا بذبح الشاة، قالوا: والجامع بينهما: أن النذر تلو الأمر، ولهذا لا ينعقد إلا بجنس المأمور به، لا فرق بينهما، إلا أن أحدهما إلزام، والآخر التزام، الأول من جهة الشرع، والثاني من جهة العبد. والحاصل: أن الأمر بذبح الولد صار أمرا بذبح الشاة حين كان ذبح الولد حراما، كذلك النذر بذبح الولد وجب أن يكون نذرا بذبح الشاة. ونحن نقول: هذا فاسد؛ لأن الاسم الشرعي عبارة عما تكرر استعماله في عرف الشرع، حتى يصير عند الإطلاق منصرفا إلى ما يستعمل فيه،

стр. 576

كالصوم، والصلاة، وسائر الأسماء الشرعية، والشرع لم يجعل اسم الولد اسما للشاة، ولا استعمله فيه بحال، فلا يكون اسما شرعيا. وأما قصة الخليل ﵇ قلنا: هناك وجب ذبح الولد، ثم صارت الشاة فداء على ما نطق به النص، وفيما نحن فيه ما وجد وجوب ذبح الولد، على أنا لا يلزمنا شرع غيرنا، والأمر في شرع غيرنا، [فلا] (١) يجوز أن يتلقى من شرع غيرنا، قال الله - تعالى -: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنها جا﴾ [المائدة: (٤٨)] (٢)

стр. 577

[٢٩] مسائل الأقضية [١٩٣] مسألة: القضاء على الغائب نافذ عندنا (١). خلافا لهم (٢). وصورة المسألة: ما إذا ادعى على غائب حقا من حقوق الآدميين، كالديون، والبيوع، والقصاص، وحد القذف، وما أشبه ذلك، فإن الحاكم يسمع دعواه، وإذا أقام بينة سمع بينته، وإذا سأل المدعي أن يكتب إلى حاكم البلد الذي فيه المدعى عليه بما يثبت عنده، فعل ذلك، هذا كله لا خلاف فيه. أما إذا طالبه المدعي أن يحكم على المدعى عليه الغائب. فعندنا: يستحلفه القاضي مع البينة أنه لم يقتض حقه منه؛ [ولا] (٣) شيء منه، ولا أبرأ عنه، ولا عن شيء فيه، ويحكم عليه، ثم يكتب إلى حاكم ذلك البلد بما حكم به، فإن كان الخصم مستترا في البلد فلا يتمكن

стр. 578

خصمه من إحضاره مجلس الحكم، أو حضر المجلس ثم هرب قبل أن يسمع الحاكم البينة، أو بعدما سمعها وقبل أن يحكم عليه، ففي المسائل الثلاث وجهان، أصحهما أنه يحكم فيها على الغائب. أما إذا ادعى [على] (١) حاضر في البلد غير مستتر، وأقام البينة عليه، فهل يجوز للحاكم أن يحكم عليه من غير إحضاره؟. فيه وجهان: أصحهما: أنه لا يسمع الدعوى والبينة عليه حتى يحضر. والثاني: أن البيئة تسمع، ويحكم عليه بها، وإن لم يحضر (٢). وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز الحكم على الغائب ما لم يكن هناك خصم حاضر تتعلق الخصومة به، مثل وكيل، أو وصي، أو يدعي حقا على جماعة غيب، وحضر واحد منهم، فإنه يجوز الحكم على حاضر، ويكون ذلك حكما على الجماعة (٣). ومأخذ النظر فيه اختلاف الإمامين في حقيقة قضاء القاضي، هل هو إنشاء أو إخبار؟. فعند أبي حنيفة هو إنشاء وإثبات، والإثبات لا يعقل إلا على ناف، فصار الإنكار شرطا للقضاء.

стр. 579

وعند الشافعي هو: إظهار [حكم] (١) الله - تعالى -، وإخبار عنه، وليس هو إثبات حق على سبيل الابتداء. ويدل على صحة ذلك، وبطلان دعوى الإنشاء: أن المدعي إنما يطلب حقا ثابتا له من قبل، ولا [يدعي] (٢) التمليك؛ إذ لو [ادعى] (٣) التمليك ابتداء لكان [معترفا] (٤) بأنه مبطل في دعواه الملك، والبينة مصدقة له فيها حسب ما ادعاه، والقضاء [إمضاء] (٥) لما شهدت به البينة، والشهود مخبرون حاكون، فإذا أعطيناه حقا آخر أثبتناه وأنشأناه، كان غير المدعى به وغير المشهود به. وإذا ثبت كون القضاء إخبارا وإظهارا فأيهما كان، فالغيبة لا تمنع ذلك، ولا تقدح في الحكم؛ فإن الحاكم أظهر الحق بالبينة الكاشفة الكاملة العادلة، والبينة كاسمها مبينة. فإن قالوا: فالظهور حاصل بتعديل الشهود، ولا يزداد إظهار البينة بقوله: قضيت، فما بال الحكم يوقف على القضاء لولا أنه مثبت، كيف ولو قال: أظهرت وأمضيت، لم يكن قضاء؟!. قلنا: إنما يوقف الحكم بعد التعديل على القضاء؛ لأن حال الشهود في محل الاجتهاد؛ إذ يتصور الجرح بعد التعديل على قوله، فجعل الشرع

стр. 580

«قضيت» مردا لخروج الأمر عن محل الاجتهاد، حتى جاز العمل. فإن قالوا: فقول القاضي: قضيت وحكمت إنما يصدق إذا كان الحكم مستفادا منه، كقول القائل: سودت وبيضت، وكذلك قوله: ألزمتك المال، إنما يكون صحيحا وصدقا إذا كان اللزوم مستفادا منه. قلنا: قول القاضي: قضيت وحكمت لا يجري على ظاهره وفاقا، فإن ظاهره إثبات الحكم، وهو صنع الرب لا غير، غير أنكم تجوزتم وقلتم: هو حاكم على معنى أنه أثبت الله عقيبه حكما، فأضيف إليه لنسبته، ونحن تجوزنا وقلنا: هو حاكم، على معنى أنه حكم الله فينا؛ فإن المختفي الذي لا دليل عليه كالمعدوم في نفسه بالإضافة إلينا، فصح أن يسمى مظهره مثبتا مجازا. فإن قالوا: لا نسلم صحة البيئة، فإن صحة البينة تعرف بعدالة الشهود وسلامتها عن القوادح، والقيد الثاني مفقود؛ فإن الطعن والقدح في البينة حق المدعى [عليه] (١)، وإنما يتحقق سلامتها عند حضوره وشعوره وعجزه عن القدح والمعارضة، كما في المعجزة، فإنها إنما تصير معجزة إذا حضر المدعو وعجز عن معارضتها، أما إذا كان غائبا فلا تكون معجزة في حقه؛ لجواز أن يكون عنده معارض يبطلها، وبين أنها تتعبده وليست بمعجزة، كذلك هاهنا. قلنا: دليل صحة البيئة: انعقاد الإجماع على أنها مسموعة يجب على

стр. 581

القاضي سماعها عندكم للنقل، وعندنا للقضاء بها، ولو لم تكن صحيحة معتبرة لما وجب سماعها (١). فإن قالوا: يلزمكم شهادة الشاهد الواحد، فإن القاضي يسمعها، بل يجب عليه سماعها، ولا يقضي بها؛ لأن الشاهد الواحد ليس ببينة، [بخلاف] (٢) محل النزاع. قولهم: إن القدح والطعن حق المدعى عليه. قلنا: هذا الحق لا يفوت - أيضا - بالقضاء؛ فإن القاضي يقوم مقامه، ينوب ويستفرغ وسعه، ويبذل جهده في التزكية، ويحلفه بالله أنه ما أبرأه ولا استوفاه، ويستقصي في البحث عن حال الشهود، ثم بعد استقصائه يكتب في كتابه وقد جعل كل ناء [على] (٣) حجته، وإذا حضر الغائب، وقدح في الشهود، وأظهر ما يوجب رد شهادتهم وقولهم؛ سمع ذلك منه، وقبل قولهم. وقولهم: إن البينة إنما تصير حجة إذا سلمت عن [المعارضة] (٤) كالمعجزة. قلنا: لا نسلم، بل تصير حجة إذا تكاملت شروطها من العدالة، والتزكية، وخفاء الحق، وما يجري مجرى ذلك، فإذا وجدت شروطها

стр. 582

كانت بينة، سواء كان المدعى عليه حاضرا أو غائبا، يقول في المعجزة. فإن قالوا: سلمنا صحة البيئة في نفسها، لكن لا نسلم وجود محلها؛ فإن وجوده بدليل أمرين: أحدهما: انعقاد الإجماع على أن المدعى عليه لو كان مقرا لا تسمع البينة (١). الثاني: أن البينة لا تراد لعينها وذاتها، وإنما تراد للقضاء، والقضاء لا يراد لعينه، وإنما يراد لإثبات المدعى به، والإثبات لا يتحقق إلا على جاحد منكر للمدعى به، بدليل أن المدعي لو قال للحاكم: خصمي الغائب مقر، غير أنني لا أنتفع بإقراره، وحاجتي داعية إلى ما عنده، وله مال حاضر عتيد، فاقض ببينتي، وسلم المال إلي، فإن الحاكم لا يلتفت إلى ذلك، ولا يقضي له بالبينة؛ حيث لم يوجد الإنكار، ولو قال: هو منكر قضي له عندكم! والجواب: قلنا: محل إقامة البينة صورة خفاء الحق. قولهم: لو أقر لا تسمع البينة. قلنا: لأن البينة إنما تسمع لظهور الحق، وبالإقرار ظهر الحق، واستغني عن سماعها. قولهم: إنها تراد للقضاء، والقضاء يراد للإثبات.

стр. 583

• قلنا: لا نسلم، بل يراد للتقييد والإمضاء، ثم وإن سلمنا أنه يراد للإثبات، ولكن لا نسلم اعتبار الإنكار فيه، ويدل على سقوط اعتباره أحكام ثلاثة: أحدها: أن الإنكار لو كان معتبرا لنفوذ القضاء لما نفذ القضاء على الميت. * فلئن قالوا: ينصب القاضي من ينكر عنه. • قلنا: فلينصب القاضي من ينكر عن الغائب - أيضا - أنه لو ادعى حقا على شريكين، أحدهما حاضر والآخر غائب، وأقام البينة، نفذ القضاء على الحاضر والغائب جميعا. [والثاني] (١): أنه لو كان حاضرا وطالبه القاضي بالجواب فسكت، جاز القضاء عليه، مع انتفاء الإنكار من الغائب. الثالث: عبد في يد رجل، فحضر عند القاضي، فقال: هذا العبد في يدي، ودفعته لفلان الغائب، وأقام على ذلك بينة، فسأل أن يأمره بالإنفاق عليه، فإن القاضي يأمره بالإنفاق عليه، ويقضي على الغائب مع انتفاء الإنكار منه. وأما إذا قال المدعي: خصمي الغائب مقر. • قلنا: هذه مسألة لا نص فيها للشافعي فلا نسلمها؛ لأن قول المدعي: خصمي مقر، جهل منه؛ لأنه لا يعلم هل هو مستديم للإقرار، أم معرض

стр. 584

عنه؟، ثم الإقرار المنتفع به ما كان في مجلس الحاكم، وإقراره في الخلوة لا ينفع، فلا فرق إذا بين قوله: خصمي منكر، أو خصمي مقر، في أن الحاكم يقضي عليه، وإنما تمسكوا بقوله ﷺ لعلي - كرم الله وجهه - حين بعثه إلى اليمن قاضيا: «لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر؛ فإنك إذا سمعت كلامهما عرفت كيف تقضي بينهما» (١). * والجواب: • قلنا: تمام الحديث ما رواه أبو داود في سننه أنه ﷺ قال: «إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر» (٢)، وهذا يتناول الحاضر دون الغائب (٣) (٤). * * * [١٩٤] * مسألة: قضاء القاضي لا يغير الأشياء عن حقائقها في الشرع، ولا ينفذ

стр. 585

باطنا عندنا (١). وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه - تنفذ ظاهرا وباطنا، ويغير الحكم عند الله - تعالى - (٢). مثاله: ما لو ادعى رجل نكاح امرأة لها زوج، وهو عالم بأن لها زوجا، وأقام على ذلك شاهدي رضا، فقضى القاضي بشهادتهما، فعندنا تثبت أحكام الظاهر، ولا يتغير حكم التحريم فيما بينه وبين الله - تعالى -. وعندهم: ينفذ باطنا، حتى يحل له وطئها فيما بينه وبين الله - تعالى ـ، وتحرم على الأول. وطردوا ذلك في العقود والفسوخ، وكل ما يدخل تحت ولاية القاضي. وساعدونا على عدم النفوذ باطنا في الحدود والدماء والأملاك المرسلة. ومأخذ النظر: ما أسلفناه في المسألة السالفة من كون قضاء القاضي إظهارا عندنا، وعندهم إنشاء، وقد دللنا على بطلانه، والذي ذي نزيده هاهنا أن الإنشاء بإجماع المسلمين يفتقر إلى شروط، من تقدم طلاق، وعقد فيه إيجاب وقبول، ومهر، وغير ذلك، ولم يوجد شيء منها، فأي شيء أنشأ؟. * فإن قالوا: فالقضاء عندكم إظهار، فإذا لم يكن ثم شيء موجود، فأي شيء يظهر؟.

стр. 586

• قلنا: فهذا هو الحجة لما لم يكن في مسألتنا عقد وجد، كان قضاؤه باطلا؛ إذ ما أظهر شيئا. * فإن قالوا: القاضي يقضي بأمر الله فيما أوجب عليه من الحكم، فهو نائب عن الله، و [للنائب] (١) فعل المنوب، فكأن الله - تعالى - قال: هذه زوجة فلان، أو حكمت أنها زوجته. • قلنا: هذا باطل، فإنه نائب عن الله - تعالى - فيما ظهر، لا فيما بطن، فهو يحكم بالظاهر على ما نطق صاحب الشرع، ثم هو باطل بأحكام عشرة ناقضوا فيها، وهي: الحدود، والدماء، والقضاء بشهادة عبدين أو كافرين، أو محدودين في القذف، وبما إذا ادعى نكاح معتدة أو مطلقة ثلاثا، أو أخته من الرضاع، والأملاك المرسلة، واليمين الفاجرة، فإن القضاء جائز في هذه الصور كلها؛ لوجود شرطها، ولا ينفذ باطنا. * فلئن قالوا: نحن نقدر وجود النكاح سابقا على القضاء؛ تصحيحا للقضاء، كما في قوله: أعتق عبدك عني على ألف درهم، فإنه إذا قال: أعتقت، عتق، بل هذا أولى؛ لأنه لما وجب علينا تصحيح تصرف واحد من المسلمين، فلأن يجب تصحيح تصرف القاضي، وهو من أعلى طبقات المسلمين، كان أولى، قالوا: ولا يلزم الأملاك المرسلة، فإن أسباب ملك اليمين [متعددة] (٢)، وتقدير جميعها يتعذر، وتقدير بعضها تحكم؛ إذ ليس إدراج بعضها بأولى من إدراج البعض، بخلاف النكاح، فإن ملك المتعة

стр. 587

ليس له إلا سبب واحد، وهو النكاح، فأمكن تقديره وإدراجه لتصحيح القضاء. * والجواب: • قلنا: نسلم أن تصحيح القضاء ما أمكن واجب، لكن تصحيح الشيء اعتباره في حق حكمه، وحكم القضاء تسليط المحكوم له، وتسليم المحكوم به إليه، وقد فعلناه، أما تقدير نكاح من غير تناكح، وعقد من غير تعاقد، وتغير الحكم عند الله - تعالى -، فليس ذاك من حكم القضاء في شيء، وخرج عن هذا صورة التماس العتق لوجهين: أحدهما: أن البيع [إليهما] (١) استقلالا، حتى لو اتفقا على إنشاء العقد صح، أما طلاق زوجة الغير من غير إيلاء، ونكاح الحرة دون إذنها، فليس مقدرا للقاضي. الثاني: إن إضمار البيع هناك إنما كان تشوفا من الشارع إلى تحصيل الحرية، وكذلك تجري فيه السراية، ويكمل مبعضه، ويؤبد مؤقته، بخلاف القضاء، ثم جميع ما ذكروه يبطل بالأملاك المرسلة. * قولهم: إن أسباب ملك اليمين متعددة. • قلنا: هذا هو الحجة عليكم؛ فإنه إذا تعددت أسبابه، وكثرت طرقه؛ كان التصحيح أولى، ثم يلزمهم سائر الإلزامات التي ذكرناها؛ فإن القضاء موجود في الجميع، وهو يحكم بأمر الله نيابة عن الله كما زعمتم، فكان ينبغي أن يسوى الحكم في الجميع.

стр. 588

وربما تمسكوا بما روي أن رجلا ادعى [نكاح] (١) امرأة عند علي ﵁، وأقام شاهدين، فقالت المرأة: والله ما تزوجني قط، فإن كان ولا بد فزوجني منه، فقال علي - كرم الله وجهه -: «شاهداك زوجاك» (٢)، دل أن القضاء بالبينة من حيث الظاهر ينفذ ظاهرا وباطنا. * والجواب: نقول: لم يصح الأثر، ولم ينقل في كتاب معتمد (٣)، وإن صح فهو معارض بأثر شريح، فإنه قال: «قضائي بهذا لا يحل لكم ما حرم الله عليكم» (٤). * * * [١٩٥] * مسألة: القضاء بالنكول باطل عندنا (٥). وقال أبو حنيفة ﵀: يصح في الأموال وتوابعها (٦). واتفقنا على امتناعه في الحدود والدماء (٧).

стр. 589

وصورة المسألة: ما إذا عجز المدعي عن إقامة البينة، فإن اليمين تعرض على المدعى عليه، فإذا امتنع عن اليمين ونكل عنها؛ ردت اليمين على المدعي عندنا (١). وعندهم لا ترد، بل يقضى على المدعى [عليه] (٢) بالنكول، بشرط أن تعرض اليمين عليه ثلاثا (٣). وللمسألة مأخذان: * أحدهما: أن المدعى به لا يثبت بنفس الدعوى عندنا. وعندهم: نفس الدعوى مثبتة. واستدلوا على ذلك بثلاثة أمور: أحدها: قولهم: إن الدعوى خبر يحتمل الصدق والكذب، والظاهر منه الصدق، لأن عقله ودينه يبعثانه على الصدق [ويمنعانه] (٤) من الكذب، فكان هو الظاهر؛ لقيام دليله. الثاني: أن المدعي لو أبرأه مما ادعاه صح الإبراء، [والإبراء] (٥) إما تمليك أو [إسقاط] (٦)، فكل واحد منها يستدعي ظهورا وثبوتا؛ لأن ما لم

стр. 590

يظهر في حكم المعدوم. الثالث: أنه لو قال لغيره: ما في يدك لي، فقال المدعى عليه: ليس هو لي، ولكني لا أدري لمن هو، فإن المدعى ينتزع من يد المدعى عليه، ويسلم إلى المدعي، ولولا ظهور الحق بنفس دعواه وثبوته بها لما سلم إليه. * قالوا: ومقتضى هذا الأصل ثبوت المدعى في حق المدعى عليه بمجرد الدعوى، غير أن الدعوى إذا عارضها الإنكار، منع ثبوت المدعى به بطريق المعارضة، فإذا نكل عن اليمين بعد عرض الحاكم اليمين عليه، وتكرير القول ليجيب، وهو مصر على نكوله، فقد ترجحت جنبة المدعي على جنبته، بدليل رد اليمين على [المدعى عليه، لو بذل] (١) اليمين بعد ذلك لا تسمع لإسقاط الشرع يمينه بعد ذلك؛ دليل قاطع على رجحان جانب المدعي، فعمل الدليل المقتضي للتصديق عمله. * والجواب: نقول: هذا الذي ذكرتموه كله دعاوى باطلة. أما قولكم: إن الأصل صدق المدعي فيما ادعاه. • قلنا: ليس كذلك، بل هو خبر متردد بين الصدق والكذب، [يحتملهما] (٢) جميعا، فكيف يقال: الأصل صدقه؟! وإنما الصدق قول المعصوم المؤيد بالمعجزة، فأما آحاد الخلق كيف يقال: الأصل صدقه! سيما

стр. 591

وقد يكون المدعي كافرا، أو زنديقا. * وقولهم: إن الظاهر من حال العاقل المتدين الصدق. • قلنا: بل الظاهر من حال الخلق ميلهم إلى أهوائهم، والركون إلى عاجل لذاتهم وشهواتهم، ومن يقهر هواه، ويؤثر آخرته على [دنياه] (١) فنادر من [الخلق] (٢)، بل نقول: الأصل أن الدعوى المجردة لا يعطى بها أحد شيئا إلا ببينة، غير أن الشرع رأى أن ذلك لو وقع الاقتصار عليه لجر حرجا، واقتضى عسرا، وانحسم باب الدعوى، [وإن كل من] (٣) له حق ولا بينة له يسكت عن حقه، ولا يدعيه، وفي ذلك ضرر، فشرع الله اليمين زاجرة ومانعة عن الكذب، فإذا لم يحلف المدعى عليه؛ ترد اليمين إلى المدعي حتى يحلف ويأخذ، ولا يعطى بمجرد الدعوى، والسر فيه: هو أن اليمين أبدا إنما تثبت في جنبة أقوى المتداعيين [سببا، ومن كان الظاهر معه، كذلك إذا نكل المدعى] (٤) عليه عن اليمين فقد قويت جنبة المدعي، وصار الظاهر معه، فكانت اليمين حجة في حقه، ولهذا قضى الشافعي بإثبات الحق [بالشاهد] (٥) واليمين؛ لظهور الحق في جانب المدعي، حيث أقام شاهدا واحدا، غير أن البينة حجة قوية؛ لأن التهمة لا تلحقها، واليمين حجة ضعيفة؛ لأن التهمة تلحقها، فجعل القوي في الجنبة القوية.

стр. 592

* المأخذ الثاني: أن اليمين حق المدعى عليه عندنا. وعندهم هو حق المدعي على المدعى عليه، ثبت خلفا عن المدعى، فإذا تعذر عليه الأصل عاد إلى الحلف، وقرروا هذا بأن الظاهر من حال المدعي أن يتوخى الصدق، ويتجنب الكذب، غير أن الشرع جعل للمدعى عليه دفع المدعي بأحد أمرين: إما أن يدفع إليه ما ادعاه، وذلك هو الأصل. وإما أن يحلف، واليمين بدل وعوض عن الشيء الذي استحقه بأصل دعواه. * قالوا: وبيان أن اليمين عوض: أنه لا يخلو إما أن تكون صادقة أو كاذبة، فإن كانت يمينه صادقة فقد برئت ذمته، وإن كانت كاذبة يقال للمدعي: ما أوتيت عليه من أمر دينه أكبر مما أتي عليك من أمر دنياك، ولعل يلحقه شؤم يمينه الكاذبة، فكانت عوضا من حيث هي مسلاة للمدعي، فإذا لم يحلف وتعنت وظلم، وعاد إلى الأصل، والأصل صدق المدعي فيما ادعاه؛ [ويسلم] (١) المال إليه، وإنما صرنا إلى اليمين لما عجزنا عن الأصل. * والجواب: ما أسلفناه، فإنا تارة نمنع رجحان الصدق على الكذب في جانب المدعي، وتارة نمنع كون اليمين حقا للمدعي، بل هي حق المدعى عليه على ما سبق، وربما ادعوا في المسألة إجماع السلف [بالروايات] (٢)

стр. 593

الصحائح، وهو ما روي أن رجلا قال لامرأته: حبلك على غاربك، فرفع ذلك إلى عمر ﵁، فقال [له: قل] (١): «والله ما أردت به الطلاق»، فلم يحلف، فقضى عليه بالفرقة (٢) وروي - أيضا -: [أن] (٣) عبد الله بن عمر -[﵄]- باع جارية من رجل، فوجد فيها عيبا، فترافعا إلى عثمان ﵁، فقال (٤): «تحلف أنك لم تعلم بها عيبا، فامتنع، فقضى عليه بالرد» (٥)، وروي أن رجلين ترافعا إلى شريح، فقال للمدعى عليه: تحلف له؟ فقال: رد اليمين عليه، فقال: «ليس لك ذلك، وقضى عليه» (٦)، ونقل عن علي وابن عباس ﵄ مثل ذلك، ولم يعرف [لهما] (٧) مخالف إذ ذاك.

стр. 594

* والجواب: • قلنا: لا وجه لدعوى [الإجماع] (١)؛ فإن ابن المنذر (٢) ذكر في كتاب اختلاف العلماء أنه نقل عن ابن سيرين (٣) والنخعي (٤) والشعبي مثل مذهبنا،

стр. 595

وقد قال به مالك والثوري (١) والشافعي، ولو صح إجماع السلف لامتنع اختلاف الخلف (٢). * * *

стр. 596

[٣٠] مسائل الشهادات [١٩٦] * مسألة: بينة [ذي] (١) اليد مسموعة مقضي بها عندنا (٢)، خلافا لأبي حنيفة ﵀، فإنه قال: لا تسمع، وإنما تسمع بينة الخارج (٣). وصورة المسألة: ما [إذا] (٤) ادعى عينا في يد إنسان، فأنكر ذو اليد، وأقام الخارج بينة، فعارضها ذو اليد ببينة. فعندنا تسمع بينة [ذي] (٥) اليد كما تسمع بينة الخارج. غير أن أصحابنا اختلفوا في حكم البينتين، مع الاتفاق على أن المدعى يقر في يده. فمنهم من قال: تتعارض البينتان، وتتساقطان، ويبقى المدعى في يد من هو في يده، كأن لم تكن بينة. ومنهم من قال: ترجح بينة ذي اليد باليد، ويبقى المدعى به في يد من

стр. 597

هو في يده، كأن لم تكن بينة. ومنهم من قال: ترجح بينة ذي اليد باليد، ويبقى المدعى في يد من هو في يده؛ عملا بالبينة الراجحة. ثم الصحيح عندنا أن بينة الداخل لا تسمع ابتداء؛ لاستغنائه عنها، وإنما تسمع معارضة بعد دعوى الخارج وإقامته البينة (١). وقال ابن سريج (٢): تسمع بينته ابتداء، أعني بعد دعوى الخارج، وقبل إقامته البينة لفائدة إسقاطه اليمين، كالمودع إذا ادعى رد الوديعة، فإنه مستغن بيمينه عن إقامة البينة (٣). ثم لو أقام بينة سمعت. أما إذا ابتدأ إقامة بينة من غير منازع عند الحاكم ليستحل ملكه، فالمذهب أنها لا تسمع - أيضا ـ، وفيه وجه أنها تسمع.

стр. 598

ثم حيث سمعت بينة الداخل، هل يحلف معها أم لا؟ فيه قولان. ومأخذ النظر: أن الداخل عندنا مدع من وجه، ومدعى عليه من وجه. وعندهم المدعي هو الخارج، وذو اليد منكر فحسب. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه: أن المدعى عليه عند قيام بينة المدعي صار مدعيا، بدليل أنه تنزع من يده، ويمينه لا تسمع، كالمدعي ابتداء لا [يفترقان] (١)، إلا أن الداخل له [يد] (٢) كانت تعتد، وحيث أقام الخارج بينة بطلت فائدتها ببينة الخارج، فصار محتاجا إلى الإثبات احتياج الخارج من غير فرق. والدليل القاطع على ذلك: أن يمينه لا تسمع، كما لا تسمع من المدعي ابتداء، فمن هذا الوجه هو مدع، ومن حيث إنه أنكر ما ادعاه الخارج منكر (٣). وقد سلم أبو حنيفة ﵀ أن الشخص الواحد يجوز أن يكون مدعيا ومدعى عليه، كما إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة، فيقول البائع: بعتك بألفين، والمشتري منكر، والمشتري يقول: اشتريت بألف، فيدعي، والبائع يقول: ما بعت، فينكر. * فإن قالوا -وهو مأخذهم: الدليل على أن ذا اليد ليس بمدع أمران: أحدهما: أن المدعي في الشرع عبارة عمن ادعى شيئا يخالف الظاهر،

стр. 599

بأن يدعي شيئا في يد غيره، أو حقا في ذمته، والخارج هاهنا هو الذي ادعى ما يخالف الظاهر؛ لكون المدعى في يد غيره، والخارج منكر، أو يقول: حقيقة المدعي من إذا سكت ترك وسكوته، والمنكر من إذا ترك الخصومة لا يترك، بدلالة الطرد والعكس، والداخل المدعى عليه هاهنا لو سكت لم يترك، وسكوته دل أنه منكر. الثاني: أن بينة الخارج تسمع ابتداء، وبينة الداخل لا تسمع ابتداء، بل معارضة، ولو كان مدعيا لسمعت بينته ابتداء كما سمعت بينة الخارج (١). * والجواب عن الأول: ما ذكره من حد المدعي أولا باطل بما ذكرناه من صورة اختلاف المتبايعين، فإن المشتري ادعى الشراء بألف، والبائع ادعى البيع بألفين، فما ادعاه للمشتري أمر حاصل لا يخالف الظاهر؛ إذ الأصل براءة ذمته عن الألف الزائدة، ومع ذلك [وهو] (٢) منكر، ثم هو معارض بحد آخر، وهو أن المدعي عبارة عمن يخبر عن أمر ينفعه، وذو اليد كذلك، وأما الحد الثاني فباطل بالمودع إذا ادعى رد الوديعة، فإنه لو سكت لا يترك وسكوته، وهو مدع، ثم نقول: هذا حد المدعي من كل وجه، والداخل ليس مدعيا من كل وجه، بل هو مدع من وجه، فمن حيث هو مدع قلنا: تسمع بينته، ومن حيث هو منكر قلنا: لو سكت لا يترك وسكوته. * قولهم في الوجه الثاني: إن الداخل لا تسمع بينته ابتداء.

стр. 600

• قلنا: يمنع على قول، ونقول: تسمع بينته مهما توجهت الدعوى عليه، وطولب باليمين، وتكون فائدة سماعها إسقاط يمينه، ثم نقول: جميع ما ذكرتموه ينقض نقضا صريحا بما إذا [كانت] (١) الدعوى في ساج، أو في الثوب الذي لا ينسج إلا مرة واحدة، فإنه صاحب يد، وهو مدعى عليه، ثم تسمع بينته إجماعا (٢)، قالوا: هناك البينة سمعت لأنها أفادت ما لم تفده ظاهر اليد؛ فإنها شهدت بأولية الملك، فقالت: هذا ملكه نتجته شاته، وهذا نسج في ملكه، أما في مسألتنا فما شهدت البينة إلا بما شهد به ظاهر اليد. قلنا: هذا باطل بما إذا أسند الملك من حق صاحب اليد إلى الإجبار و (٣) []، فإنكم قلتم: لا تقدم، مع أنها أفادت ما لم تفده، وشهدت بأولية الملك. * فإن قالوا: أليس لو اختلف تاريخ البينتين قدم أسبقهما؟، وبينة الخارج تشهد بالملك السابق، فينبغي أن تكون مقدمة. * قلنا: لنا قولان في هذه المسألة، أحدهما: مثل مذهبكم. والثاني: أنهما سواء، لا مزية لإحداهما على الأخرى. فاندفع الإلزام (٤).
следующие страницы →