(فأد) عدد لوحاته مائتان وأربع وثلاثون لوحة، في كل لوحة صفحتان، وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة تسعة عشر سطرًا بخط نسخ حسن.
وينتهي الجزء بنهاية خاتمة المؤلف، وكتب في آخرها: واتفق إتمامه لمصنفه في شعبان ستة وعشرين وخمسمائة.
وكتب عليها: عورض حسب الطاقة. وعليها ختم لم أتبينه.
(٧) نسخة مكتبة داما دزاده
ذكرها بروكلمان في تاريخ الأدب العربي، ولم أستطع العثور عليها حيث أفاد المسئول عن المخطوطات في المكتبة أنها غير موجودة الآن في مكانها التي وضعت فيه وأعطيت الرقم عليه، وآمل أن يوفقني الله للعثور عليها لأفيد منها.
стр. 142
نماذج المخطوطات
стр. 143
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهو حسبي وكفى (١)
¬ (٢) الحمدُ للهِ مُسَبِّبِ [الأسباب]، مُفَتّحِ الأَبْوَابِ، مقلّبِ القلوبِ بين صَفْوِ اليقين وكَدَرِ الارْتِيَابِ، مُصَرّفِ الأمورِ بين طَوْرَيْ (٣) الاستواءِ والاضطرابِ، الذي خصّ الإنسان بلطيفةٍ هي مُرْتَبَطُ الخِطابِ، ومناطُ التَّكليف المتضمنِ للحظرِ والإيجابِ، وشَرَّفَه بإرسال الرَّسول إِليه وإنزالِ الكتاب، المحتوي على بيان الثَّوابِ والعقابِ، ووعد على الطَّاعة حُسْنَ المآب، وأَوْعَدَ على المعصية سُوءَ الحساب، وذُلَّ الحجاب، فضلًا منه وعدلًا على موجَبِ الصَّلاح ومقتضَى الصَّوابِ.
ثُمَّ الصَّلاةُ على المخصوصِ بالاصطفاءِ والانتخاب، المبرّإِ من كلِّ عاب، المجتبى من أكرم نِجَارٍ (٤) ونِصاب، المستخرج من أرُوْمَةِ عبد مناف بن قُصَيِّ بنِ كِلاب، مُحَمَّدٍ وعلى آلِه المبَرَرةِ الأَنْجَابِ،
стр. 144
والمهاجرين والأنصارِ من الأصحاب، والسلام على أرواح السلف الصالحين. والأَئِمَّةِ الماضين، الذين رتبوا الشَّرع على الأبواب، وبذَلوا وُسْعَهُمْ بِكُنْهِ الْجَهْدِ والإدْآب، وشرحوا ما استَبْهَمَ من الفرائضِ والسُّنَنِ والآداب، وأبرزوا أسْرَارَ الْعُلومِ بالبحثِ والسَّبْرِ من وراءِ الحِجَابِ، وسَفَرُوا عَنْ وَجْهِ الطَّلَبِ لِمَنْ أرَادَ أَنْ يَحْذُوَ حَذْوَهُمْ سَاتِرَ النّقَابِ، وخَرَجُوا فِيمَا أَمْكَنَهُمْ مِنْ شَرْحِ الألفاظِ واستنباطِ المعاني من (١) الإهاب، حتَّى رسخت قواعدُ الدِّين مُبْرَمَةَ الأسْبَاب، وعلت أعلامُه ممتدَّة الأَطْنَابِ، ﵃، وجَزَاهُمْ عن حسنِ سَعْيِهِمْ جَزِيلَ الثواب، إِنَّه الكريمُ الوهابُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَوْلَى ما يصرفُ الإِنْسَانَ إِلَيْه هَمَّهُ، ما يراه فيما يذره ويأتيه أَهَمَّهُ، ويقصد به أكملَ النَّفْعِ وأَعَمَّهُ؛ إِذْ فنونُ العِلْمِ أكثرُ من أن يَفِيَ به العمرُ القصيرُ، بل لا يحصل من كُلِّ واحدٍ، لِكُلِّ أحد لو استفرغ وُسْعَه فيه العشير. وأَصْنَافُ العلومِ لا تنضبط، وهِمَمُ النُّفُوسِ تَنْقَبِضُ عَنِ التَّحْصِيلِ وَلَا تَنْبَسِطُ. وأَحَقُّ ما يَنْبَغِي أَنْ يُصَدَّقَ به الاعتناء، ويُتَحَمَّلُ في معرفته المشقَّةُ والعَنَاءُ؛ كِتَابُ اللهِ العزيزُ، وقد سبق فيه من المحققين في كل نوع ما شفى الغليلَ، وبَيَّنُوا التَّفْسِيرَ والتَّأْويلَ، وما بَقَّوْا في القوس مَنْزَعًا لأَحَدٍ، وما قَصَّرُوا عن بُلوغِ أَمَدٍ، واستقصوا وُجُوهَ القراءات: شَوَاذَّهَا وَمَرْوِيَّهَا، ونَشَرُوا خَفِيَّها ومَطْوِيَّها، وشقَّ كُلٌّ في شِقِّ تَوَلَّاهُ ومَارسَه وعاناه الشّعر، وصنفوا في وجوه معانيه ولطائفه
стр. 145
السّحرَ، ويتلوه الأحاديثُ المروِيَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، الَّتِي إِلَيْها مستندُ الشريعةِ ومنها يُتلَقَّى بيانُ الأَحكامِ من المشهوراتِ الصَّحاحِ، والغرائِبِ البديعةِ، وَمَعْرِفَتُها الْبَحْرُ الخِضَمُّ الذي لا يُنْزَفُ، والأَمْرُ الأَطَمّ الّذي يُبَقِّي كلُّ مبرّزٍ عن إِدْرَاكِ نهايته ويَضْعُفُ.
وقد صنف الْحُذَّاقُ فِي الْغَرَائِبِ مصنفاتٍ، وجمعوا في شرحِها مجموعاتٍ، وأتوا في تفسيرِ الألفاظِ وتحقيقِ المعاني، واستنباط وجوهِ الفقهِ، والجمع بين ما يُوهِمُ ظاهِرُهُ التَّنَاقُضَ والتَّضَادَ والاخْتِلَافَ بالعجائب، وشفوا خَلَفًا بعد سلفٍ حَوَّازَ الصدورِ، وما يحيك في القلوبِ لِكُلِّ طالبٍ، وَشَرْحُ نَبْذٍ (١) مما قَدَّمُوه وأودعوه كُتُبَهُم لشهرته تَكَلُّفٌ، وما هو محتاج إِلَيْهِ في كتبهم مُصَنَّفٌ. والجموعاتُ متداولةٌ في بلاد الإسلام، يستفيد منها العلماءُ والشادون، ولا يحتاج شيء منه إلى تجنيح وتنقيح، وزيادة تلويح: اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّهُم أَوْرَدُوا الأحاديثَ مرسلةً، من غير ترتيب يُسَهِّلُ الوصولُ على طالِبها، وإِنْ عَنَّ (٢) إِشكالٌ أحوج إِلَى تصفحِ مجلداتٍ، من عشر إِلى عشرين أو أكثر، وربما يُعَانِيهَا ولا يَحْصُلُ على المقصودِ ولا به يَظْفَرُ. ولم يُوَفَّقْ أَحَدٌ من المتأخرين لخرطِ ذلك في سلك الترتيب على وجهٍ يوصل إِلَى الغرضِ المقصود في آنٍ قريبٍ.
стр. 146
وقد كان يدور في الخلد مُذْ مُدَّةٍ مَدِيدَة أَنْ يُسَاعِدَ الوقتُ لِمَجْمُوعٍ (١) يحتوي على الغَرائبِ، مُرَتَّبًا على حروف المعجم (٢)، نحو مَا أَسَّسَهُ أَبُو عُبَيْدِ الْهَرَوِيُّ في الغريبينِ، مستقصيًا فيه ما أَغْفَلَهُ، وضامًا إليه بَعْضَ ما يَظْهَرُ من الفوائد السَّانحة، والزَّوائدِ اللَّائِحَةِ، الموافقة للأصول، وَطَائِفةً من الأحاديث التي صارت غرائِبَ لأهل زماننا من أمثالنا بعد تصانيفهم؛ لِيَسْهُلَ بِمُوجَبِ الترتيب الوصولُ لِكُلِّ طالبٍ إِلَى مقصوده، ويَتَيسَّرَ له العثورُ على مفقوده.
فلم يخرج اتّفَاقُ التَّيْسِير من مكنون التَّقدير، إِلَى أن عثرت على تصنيف لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرين، عَنَّ لَهُ مَا عَنَّ لي، فجمع الأحاديثَ المرفوعةَ دون أحاديثِ الصحابةِ والتابعين، مُخَرَّجًا من الغرائب. فنظرت فيه فوجدته تَركَ التّرتيبَ في التَّرتيبِ، وخلط بعضَ الأبْوابِ بالبعضِ، غيرَ مُنَبِّهٍ على أَصْلِ الكلمةِ، وترك مقصودَ الحديث في كثيرٍ من المواضعِ، فَحَقَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَوَجَبَ الافتتاحُ بما انطوى عليه العزمُ، وحان أَنْ (٣) يَعْقُبَ الْعَزْمَ الْحَزْمُ، واستخرت الله - تعالى - مُتَقَرِّبًا إِلَيْه بما قصدتُه، من تسهيل طريق الطَّلب على ذويه، راجيًا منه تيسيرَ الإِتْمَام، وأَنْ تُقْرَنَ به البركةُ في الانتفاعِ به، وأَنْ يَجْعَلَ السَّعْيَ خالصًا لِوَجْهِه، ويَصُونَ عن الخطأ والزَّلَلِ، وَيَعْصِمَ عن الزَّهْوِ والصَّلَفِ في
стр. 147
القول والعمل.
وابتدأت بالهمزةِ في ابتداء الكلمةِ مع سائرِ الحروف، ثم بالباءِ مع سائر الحروف، إلى آخر الثمانية والعشرين، وحَذَفْتُ الأسانيدَ والتَّطْوِيلات، والاسْتشهادَ بالأَبْيَاتِ، والإِمْعَانَ في أَطْرَافِ الْكَلَامِ من الحكايات، والإِطْنَابَ في اللّغات مِمَّا يُطَوِّلُ حَجْمَ الكتاب ويخرج عن المقصود المطلوبِ في الباب، واجتهدت في إِيرادِ ألفاظ الأَئِمَّةِ بِأَعْيَانِها في تفسيرِ الأحاديثِ إِلَّا ما احتجتُ فيه إِلَى اسْتِدْرَاكِ، أو استنباطِ معنى زائدٍ على ما ذكروه، مِمَّا يستفادُ نوعه.
وسميته «مجمع الغرائب ومنبع الرغائب» وَسَهَّلْتُ طَرِيقَ الْوُصولِ على كُلِّ طالبٍ وأوصيت إِلَى كُلِّ من يطالعه أن يَقْضِيَ حَقَّ كُلْفَتِي، وَجَزَاءَ مَشَقَّتِي بدعاءٍ صالحٍ، يَتَضَمَّنُ سؤالَ العفوِ والمغفرةِ لي، وخَتْمَ العمرِ بالسعادة، فهو الأَهَمُّ الذي لا بُدَّ منه، ولا غِنَى بالعبدِ الضَّعِيفِ الْمُذْنِبِ عنه، وأَنْ يُصْلِحَ ما يرى فيه من خَلَلٍ، أو (١) يُنَبِّه على ما يَجِدُهُ مِنْ سَهْوٍ أَوْ زَلَلٍ، وهو ضرورة الإنسانِ، الَّذِي هو مَظِنَّةُ الغفلةِ والنِّسْيَانِ.
وقد حان الآن وقتُ الشُّروعِ في المقصود، بتوفيق ذي المَنِّ والْفَضْلِ والجُود، فَأَقُولُ:
стр. 148
(١) بسم الله الرحمن الرحيم
باب حرف الهمزة مع سائر الحروف
فصل الهمزة مع الباء ثم سائر الحروف
• (أبد) في حديث رَافِع بن خَدِيجٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ بَعِيرٍ شَرَدَ، فَرَمَاهُ بَعْضُهُمْ بِسَهْمٍ حَبَسَهُ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الْبَهَائِمَ لَهَا أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» (٢).
الأَوَابِدُ: جَمْعُ الآبِدَةِ، وهي التي تَأَبَّدَتْ، أَي: نَفَرَتْ وتَوَحَّشَتْ مِن الإِنْسِ، يقال: أَبَدَتْ تَأْبِدُ، وَتَأْبُدُ - بالكسر والضَّمِّ - أُبُودًا، وتَأَبَّدَتْ تَأَبُّدًا.
وَتَأَبَّدَتِ الدَّارُ: خَلَتْ مِنْ قُطَّانِهَا، وجَاءَ فُلَانٌ بِآبِدَةٍ، أَيْ: بكلمةٍ غَرِيبَةٍ، أَوْ خَصْلَةٍ لَهَا نُفْرَةٌ عَن النُّفُوسِ.
قَالَ الْهَرَوِيُّ (٣): «الَّتِي يُنْفَرُ مِنْهَا وَيُسْتَوْحَشُ».
الأَبْهَرُ: عِرْقٌ مُسْتَبْطِنٌ في الصُّلْبِ مُتَّصِلٌ (١) بِهِ الْقَلْبُ، فَإِذَا انْقَطَعَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حَيَاةٌ. وَحَقُّ الْكَلِمَةِ أَنْ تُذْكَرَ فِي فَصْلِ الْبَاءِ؛ لأَنَّ الأَلِفَ زَائِدةٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَكُنْ صِفَةً، وَتُجْمَعُ عَلَى الأَبَاهِرِ، كَمَا يُجْمَعُ أَكْحَلُ الْيَدِ عَلَى الأَكَاحِلِ وَأَشْجَعُ (٢) الإِصْبَعِ عَلَى الأَشَاجِعِ، صَارَتْ الْهَمْزَةُ كَالأَصْلِ. ولهذا ذكر الْهَرَوِيُّ الأَرْوَى في فصل الهمزة مع الراء - وإِنْ كانت الهمزةُ زَائِدَةً - ولم يذكر الأَبْهَرَ في البابين أصْلًا.
وفي الحديث: «كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ» (٣).
أَيْ: لَا يُحْتَفَلُ بِهِ، لِحَقَارَتِهِ عِنْدَهُمْ.
يُقَالُ: مَا أَبَهْتُ لَهُ، وَمَا بَهَأْتُ، وَمَا بَأَهْتُ، وَمَا بِهْتُ وَمَا بُهْتُ، وَمَا وَبَهْتُ (٤)، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى.
стр. 155
فصل الهمزة مع التاء ثم سائر الحروف
• (أتب) في حديث إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: «أَنَّ جَارِيةً لَهُ زَنَتْ فَجَلَدَهَا خَمْسِينَ وَعَلَيْهَا إِتْبٌ لَهَا وَإِزَارٌ» (١).
الإِتْبُ: الْبَقِيرَةُ، وهو أَنْ يُؤْخَذَ بُرْدٌ فَيُشَقُّ، ثمَّ تُلْقِيهِ المرأةُ في عنقِها، من غير كُمَّيْنِ وَلَا جَيْبٍ.
• (أتى) وفي الحديث أنه سأل عاصم بن عديٍّ عن ثابت بن الدَّحْداح: «هَلْ تَعْلَمُونَ لَهُ نَسَبًا فِيكُمْ؟ فَقَالَ: لا، إِنَّمَا هُوَ أَتِيٌّ فِينَا» (٢).
قال الأَصْمَعِيُّ: «هُوَ الرَّجُلُ الغريبُ في القومِ لَيْسَ مِنْهُمُ، ومنه يقال للسَّيْلِ الَّذِي يَأْتِي من بلدٍ إلى بلدٍ لم يُمْطَرْ فيه: أَتِيٌّ».
ومنه حديث عثمانَ، ﵁، حين بَعَثَ سَلِيطًا وعبد الرحمن بن عتَّابٍ ﵄ إِلَى عبد الله بن سَلَامٍ، فقال: «قُولَا لَهُ: إِنَّا رَجُلَانِ أَتَاوِيَّانِ» (٣).
قال الكسائي: «هُوَ الْغَرِيبُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِي وَطَنِه، يُرْوَى بِالضَّمِّ، وَكَلَامُ الْعَرَبِ الْفَتْحُ».
стр. 156
وفي حديثِ ظَبْيَانَ الوافدِ، وَذِكْرِهِ بلادَ ثَمُودَ: «وَأَتَّوْا جَدَاوِلَهَا» (١). أَيْ سَهَّلُوا مَجَارِيَ الْمَاءِ إِلَيْهَا، يقال أَتَّيْتُ لِلْمَاءِ: إِذَا أَصْلَحْتَ مَجْرَاهُ إِلَى مَقْصِدِهِ.
وفي حديث موت إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قال: «لَوْلَا أَنَّهُ طَرِيقٌ مِيتَاءٌ لَحَزِنَّا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ» (٢).
مِفْعَالٌ من الإِتْيَانِ. معناه: طريق مسلوك، وقيل: مِيتَاءُ الطَّرِيقِ: مَحَجَّتُهُ. ومنه في حديث اللُّقَطَةِ: «مَا وَجَدْتَ فِي طَرِيقٍ مِيتَاءٍ فَعَرِّفْهُ سَنَةً» (٣).
стр. 157
فصل الهمزة مع الثاء ثم سائر الحروف
• (أثر) في الحديث أَنَّهُ قال يوم فتحِ مكة: «أَلَا إِنَّ كُلَّ دَمٍ وَمَالٍ وَمَأْثُرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهَا تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ» (١).
الْمَأْثُرَةُ: وَاحِدَةُ الْمَآثِرِ، وهي مكارم الآباء والأَنساب التي كانت تؤثر في الجاهليَّة، وتحكى افتخارًا بها. أبطل ﵇ بالإِسلام ذلك.
والأَثَرُ: رواية الحديث، يقال: أَثَرْتُ الحديث آثُرُهُ.
وفي حديث عمر أَنَّه لما نُهِيَ عن الْحَلِفِ بالآباءِ قال (٢): «مَا حَلَفْتُ بِهَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا» (٣). أي حاكيًا إِيَّاه عن أحدٍ.
وفي الحديث: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً» (٤) أي يُسْتَأْثَرُ عَلَيْكُمْ،
стр. 158
فَيُفَضِّلُ غَيْرُكُمْ نَفْسَهُ عَلَيْكُمْ فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ، والأَثْرَةُ: الاسْمُ من الإِيثَارِ.
وفي الحديث: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَبْسُطَ اللهُ في رِزْقِهِ، وَيَنْسَأَ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (١) أراد في أَجَلِهِ؛ لأَنَّهُ (٢) يَتْبَعُ الْعُمُرَ.
• (أثل) وفي الحديث في وصيِّ اليتيم: «أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ مَالِهِ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا» (٣). أيْ غَيْرَ جَامِعٍ. وَكُلُّ شَيْءٍ جُمِعَ حَتَّى يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ، فَهُوَ مُؤَثَّلٌ وَمُتَأَثَّلٌ، وأَثْلَةُ الشَّيءِ: أَصْلُهُ.
وفي حديث منبره ﵇، في قول سهل بن سعد: «مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِهِ (٤) هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَهُ غُلَامٌ نَجَّارٌ لامْرَأَةٍ مِن الْمَدِينَةِ» (٥).
الأَثْلُ: شَجَرُ الطَّرْفَاءِ.
فصل الهمزة مع الحاء
• (أحد) وفي حديث ابن عباس: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَتَابَعَ عَلَيْهِ رَمَضَانَانِ (١)، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلَهُ (٢) آخَرُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِحْدَى مِنْ سَبْعٍ، يَصُومُ شَهْرَيْنِ وَيُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» (٣).
قيل في معناه (٤): إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِذَا اشْتَدَّ الأَمْرُ: إِحْدَى الأَحَدِ، وإِحْدَى من سَبْعٍ، يعني: اشتد الفتوى فيه. وأراد بالسَّبْعِ سِنِي يوسفَ ﵇، أي أَنَّهُ في الشّدة والصّعوبة كإِحْدَى تلك السِّنين، أو أراد الليالي السَّبْع التي أرسل الله - تعالى - فيها العذابَ على عادٍ، والله أعلم.
• (أحن) وفي حديث [معاوية]: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَضْرِبُ غُلَامًا لَهُ، فَقَالَ: سَوْءَةً لَكَ! أَتَضْرِبُ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ، وَاللهِ لَقَدْ مَنَعَتْنِي الْقُدْرَةُ مِنْ ذَوِي الحِنَاتِ» (٥).
стр. 165
هي جمع حِنَةٍ، وهي لغة رديئة (١)، واللغةُ العاليةُ «إِحْنَةٌ» وتجمع على الإِحَنِ.
стр. 166
فصل الهمزة مع الخاء
• (أخذ) وفي حديث مسروق بن الأَجْدَعِ: «مَا شَبَّهْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ إِلَّا بِالإِخَاذِ، تَكْفِي الإِخَاذَةُ الرَّاكِبَ، وَتَكْفِي الإِخَاذَةُ الرَّاكِبَيْنِ، وَتَكْفِي الإِخَاذَةُ الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ» (١).
الإِخَاذُ: مُجْتَمَعُ الْمَاءِ، وجمعه أُخُذٌ: وهو مثل الغدير. وقيل الإِخَاذُ: جَمْعُ إِخَاذَةٍ، وَالأُخُذُ جَمْعُ إِخَاذٍ.
وقال أبو عبيدة: «الإِخَاذُ وَالإِخَاذَةُ (٢) جَمِيعًا جَمْعُ الإِخْذِ، وهو صَنَعٌ لِلْمَاءِ يَجْتَمِعُ فِيهِ».
ومنه في الحديث: «وَكَانَتْ فِيهَا إِخَاذَاتٌ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ» (٣).
وهي الغدران التي تَأْخُذُ الْمَاءَ، وهي الْمَسَّاكَاتُ، فَتَحْبِسُهَا عَلَى الشَّارِبَةِ الْوَاحِدَةُ إِخَاذَةٌ.
ومنه في حديث الحجاج أَنَّ رَجُلًا وَصَفَ لَهُ غَيْثًا رَآهُ فَقَالَ: «وَامْتَلأَتِ الإِخَاذُ، وَأُفْعِمَتِ الأَوْدِيَةُ» (٤).
стр. 167
وفي حديث إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: «إِنْ كَانُوا لَيَكْرَهُونَ أَخْذةً كَأَخْذَةِ الأَسَفِ» (١) يريد موت الفُجَاءَة.
وَسُئِلَ ﷺ عَنْ مَوْتِ الفُجَاءَةِ، فَقَالَ: «رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَأَخْذَةُ أَسَفٍ لِلْكَافِرِ» (٢). أَيْ حُزْمٍ وَنَدَمٍ أَوْ غَضَبٍ؛ من قوله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] أيْ: أَغْضَبُونَا.
وفي حديث عائشة: «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لَهَا: أَؤأَخِّذُ جَمَلِي؟» (٣).
التَّأْخِيذُ: حَبْسُ السَّوَاحِرِ أَزْوَاجَهُنَّ عَنْ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّسَاءِ. يقال: أَخَّذِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا تَأْخِيذًا. فأرادت المرأة بقولها: «أَؤُأَخِّذُ جَمَلِي؟» أي هل أَحْبِس زوجي بالرُّقْيَةِ والسِّحْرِ على نفسي عن غيري؟
• (أخر) وفي حديث أَبِي بَرْزَةَ: «لَمَّا كَانَ بِأَخَرَةٍ» (٤). يقال: لقيتُ فلانًا
стр. 168
بِأَخَرَةٍ: إِذَا لَقِيتَهُ آخِرِيًا.
وفي حديث ماعز: «إِنَّ الأَخِرَ زَنَى» (١). كلمة تقال عند الشَّتْمِ، كَأَنَّهُ ينسب إلى الْمُتَخَلِّفِ الْمُتَأَخِّرِ عَن الْخَيْرِ.
• (أخشب) وفي حديث عائشة، أَنَّهُ ﷺ قال: «انْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيل، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدتُ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ قَالَ ﵇: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (٢).
الأَخْشَبَانِ: جَبَلَا مَكَّةَ، سُمِّيَا بِذَلِكَ، لِصَلَابَتِهِمَا، وَغِلَظِ أَحْجَارِهِمَا. وحقَّ الكلمةِ أَنْ تُذْكرَ في باب (٣) الخاء؛ لأنَّ الألف زائدة، إِلَّا أَنَّهُ يجمع على الأخاشب، وصار كاسمِ موضوعٍ ليس بصفة، كما ذكرناه في الأَبْهَرِ، والأَكْحَلِ، والأَرْوَى، والأَشْجَعِ.
стр. 169
• (أخو) وفي الحديث: «حَتَّى أَنَّ أَهْلَ الإِخْوَانِ لَيَجْتَمِعُونَ» (١) يريد الْخِوَانَ الَّذِي يُؤْكَلُ عَلَيْهِ، وَيُوضَعَ لِلْمَائِدَةِ.
• (أخي) وفي حديث أبي سعيد الخدري: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَالإِيمَانِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي آخِيَّتِهِ» (٢).
قيل: هُوَ عُودٌ يُعَرَّضُ فِي الْحَائِطِ، تُشَدُّ إِلَيْهِ الدَّابَّةُ، وَالْجَمْعُ الأَوَاخِي، وَالأَخَايَا وَوَزْنُ الآخِيَّةِ: فَاعُولَة، الهمزة فاء الفعل.
قال الأزهري: «والعرب تقول للحبل الَّذِي يُدْفَنُ مَثْنِيًّا وَيُبْرَزُ طَرَفَاهُ، ويجعل شبه حلقة (٣) تُشَدُّ إِلَيْهِ الدَّابَّةُ: أَخِيَّة» (٤).
стр. 170
فصل الهمزة مع الدال
• (أدب) في الحديث: «الْقُرْآنُ مَأْدُبَةُ اللهِ» (١) يروى: مَأْدُبَةٌ وَمَأْدَبَةٌ.
الْمَأْدُبَةُ: مَدْعَاةٌ لِلضِّيَافَةِ يَصْنَعُهَا الرَّجُلُ، يدعو إِلَيْهَا النَّاسَ، يقال: أَدَبَ الْقَوْمَ يَأْدِبُهُمْ أَدْبًا، أَيْ: دَعَاهُمْ.
أراد أنَّ القرآنَ صنيع صنعه الله - تعالى - لِلنَّاسِ، دعاهم إِلَيْهِ، فلهم فيه خيرٌ ومنافع.
قال الْهَرَوِيُّ (٢): «وسمي الأَدَبُ أَدَبًا؛ لأَنَّهُ يَدْعُو إِلى الْمَحَامِدِ» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلًا بِمَعْنَى مَفْعُول، أَيْ: يُدْعَى إِلَيْهِ النَّاسُ.
ومنه في حديث كعب، وَذَكَرَ مَلْحَمةً: «إِنَّ لِلهِ مَأْدُبَةً مِنْ لُحُومِ الرُّومِ» (٣).
أراد أَنَّ اللهَ يَقْتُلُ الرُّومَ بِمُرُوجِ عَكَّا، (وهو موضع) فتنتاب لُحُومَهُمْ السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ منها، فَكَأَنَّ ذَلِكَ مَأْدُبَةُ اللهِ.
وَالْمَأْدَبَةُ بِالْفَتْحِ: مَفْعَلَةٌ مِن الأَدَبِ بِمَعْنَى الأَوَّلِ.
هَذَا لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ إِذْنِهِ فِي غَيْرِهِ (١).
• (أذى) وفي الحديث فِي قَوْلِهِ لِلَّذِي كَانَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ فِي الْجُمُعَةِ: «آذَيْتَ وَآنَيْتَ» (٢).
مَعْنَى الإِيذَاءِ: هُوَ تَخَطِّي الرِّقَاب مِن الأَذَى.
ومنه في حديث المولود: «أَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى» (٣).
أراد الشَّعَر الَّذِي يكون على رأس الصَّبِيِّ حين يُولَدُ، يُحْلَقُ عنه في السابع. ومنه في حديث الإيمان: «وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (٤).
وهو تنحيته من الشَّوك والحجر وما أشبهه مِمَّا يتأذَّى المارة به، ويدخل فيه نَفْضُهُ عَنِ اللُّصُوصِ، وقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وكُلِّ ما يُخِيفُ، لِمَنِ
стр. 176
اسْتَطَاعَ ذَلِكَ.
وفي حديث الكوثر: «قَدَحٌ مُطَهِّرَةٌ مِنَ الطَّوْفِ وَالأَذَى» (١).
أراد بِالأَذَى: الحيض، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢].
أراد أَنَّ من شَرِبَ تلك الشَّرْبَةَ طَهُرَ مِنَ الْحَدَثِ وَالْحَيْضِ.
وفي مقطعات الحديث: «كُلَّ مُؤْذٍ فِي النَّارِ» (٢).
له وجهان:
أحدهما: أَنَّ مَنْ آذَى النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَاقَبَهُ اللهُ - تعالى - بِالنَّارِ غَدًا.
والثاني: أَنَّ أَجْنَاسَ الْمُؤْذِيَاتِ مَوْجُودَةٌ فِي النَّارِ عُقُوبَةً لأَهْلِهَا، كَالْعَقَارِبِ وَالْحَيَّاتِ. كَأَنَّهُ قَالَ: فِي جَهَنَّمَ كُلُّ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْمُؤْذِيَاتِ.