ويروى في بعض الروايات: الأَرِّيسِيِّين جمع أَرِّيسِيٍّ منسوبٌ، وقد يضاف الشيءُ إلى نفسه، كما يقال: أَحْمَرِيٌّ وأَحْمسِيٌّ.
وفي بعض الروايات: اليَرِيسِيِّين إبْدَالًا للهمزة بالياء، كما قالوا (١): يَزَنِيٌّ وَأَزَنِيُّ ويُسْرُوعٌ، وأُسْرُوعٌ، وَبَابُهُ.
ومعناه: فعليك إِثْمُ الأتباع والجهَّال الذين يسلمون تقليدًا - إِنْ أسلمتَ - تبعًا لك، وإِنْ لم تسلم لم يسلموا، فيكون عليك إِثْمُهُمْ.
• (أرش) وفي الأحاديث (٢): ذِكْرُ أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ.
وَالأَرْشُ: هو الذي يأخذه المشتري من البائع، إِذَا وقف على عيب لم يعرفْه بالمبيع ثم اطَّلع عليه، وكذلك أُرُوشُ الْجِراحاتِ. وسُمِّيَ أَرْشًا؛ لأَنَّهُ من أسبابِ الخصومة، يقال: هو يُؤَرِّشُ بين القوم: أي يوقع بينهم الخصومات.
• (أرض) وفي حديث ابن عمر عن حفصة، أَنَّهُ ﷺ قال: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُؤَرِّضْهُ مِنَ اللَّيلِ» (٣). أَي لَمْ يُهَيِّئْهُ وَلَمْ يُقَدِّمِ النِّيَّةَ له (٤)، يقال: أَرَّضْتُ الْكَلَامَ إِذَا هَيَّأْتَهُ، وسَكَانٌ أَرِيضٌ: خَلِيقٌ لِلْخَيْرِ.
قوله حتى أَرَاضُوا: قيل معناه، شربوا حتى رَوُوا، فَنَقَعُوا بِالرِّيِّ، يقال: أَرَاضَ الْوَادِي وَاسْتَرَاضَ: إِذَا اسْتَنْقَعَ فِيهِ الْمَاءُ، وَكَذَلِكَ أَرَاضَ الْحَوْضُ، ويقال لذلك الماء: رَوْضَةٌ، وهذا الحرف من باب الراء مع الواو، وهو من الأجوف، ولكن ذكر (١) الهروي في باب الهمزة مع الراء عن ابن الأعرابي أنه قال في قوله: «أراضوا» أيْ: ناموا على الإِرَاضِ وهو البِسَاطُ. وَالأَرَاضُ مهموز الفاء، وهو صحيح، فَأَمَّا الإِفْعَالُ مِنْهُ: آرضوا، كما يقال من الأسف: آسفوا، وأراضوا لا يكون إِلَّا من الأجوفِ على مثال: أقالوا وأجابوا. ولا يمكن أن يكون هذا البناء من الإِرَاضِ الذي هو البِسَاط، حتى يُوَرَدَ فِي هذا الباب، ولستُ أَدْرِي كيف وقع لابن الأعرابي هذا اللفظُ، وكيف حكاه الهرويُّ عنه، وتركه كذلك في هذا الباب.
وقد أورده في موضعه من باب الراء مع الواو الذي هو موضع الكلمة .. فأما في هذا الباب فلا أرى له وجهًا.
• (أرف) وفي حديث عمر ﵁: «أَنَّهُ خَرَجَ بِالْقُسَّامِ إِلَى وَادِي الْقُرَى فَقَسَمُوهَا عَلَى عَدَدِ السِّهَامِ، وَأَعْلَمُوا أُرَفَهَا، وَجَعَلُوا السِّهَامَ تَجْرِي،
стр. 187
فَكَانَ لِفُلَانٍ خَطَرٌ، وَلِفُلَانٍ خَطَرٌ» (١) إِلَى آخره.
الأُرَفُ: الْحُدُودُ، واحدتها أُرْفَةٌ.
ومنه في حديث عثمان ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «الأُرَفُ تَقْطَعُ الشُّفْعَةَ» (٢).
يقال: أَرَّفْتُ الدَّارَ تَأْرِيفًا: إِذَا قَسَمْتَهَا وَضَرَبْتَ الْحُدُودَ عَلَيْهَا، وهي الأُرَثُ أَيْضًا.
• (أرك) وفي الحديث: «أَنَّهُ أُتِيَ بِلَبَنِ إِبِلٍ أَوَارِكَ» (٣). جمع آرِكَةٍ، وهي التي ترعى الأَرَاكَ مُقِيمَةً فِيهِ. يقال: قد أَرَكَتْ تَارْكُ أُرُوكًا. فَأَمَّا إذا اشتكت بطونَها من أَكْلِ الأَرَاكِ، قيل: إِبِلٌ أَرَاكَى. كما يقال: رَمَاثَى من الرِّمْثِ، وطَلَاحَى من الطَّلْح.
وفي الحديث: «يَقْعُدُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ» (٤).
الأَرِيكَةُ: السَّرِيرُ فِي الْحَجَلَةِ، ولا يُسَمَّى منفردًا أَرِيكَةً.
أَرِنَّ: أَيْ نَشِطْنَ، مِنَ الأَرَنِ وَهُوَ النَّشَاطُ.
وفي الحديث: «أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ قَالَ: قُلْتُ: إِنَّا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، فَقَالَ ﷺ : أَرِنْ وَاعْجَلْ، مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ - تعالى - عَلَيْهِ، فَكُلُوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنٌّ وَلَا ظُفُرٌ» (١).
قال الخطابي (٢): «قد أكثرت السُّؤَال عن هذا الحرف، فلم (٣) أجد عند أحدٍ من الأَئِمَّةِ شيئًا يُقْطَعُ بصحته».
ولعله قال ذلك ﵀ لإبهامِ الرِّوَايَةِ فيه.
قال: «ثُمَّ طلبت توجيه ما تحتمله صورةُ اللَّفْظِ، فقلت: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قال: إِئْرَنَّ على وزن (إِعْرَن)، مِنْ أَرِنَ يَأْرَنُ أَرَنًا، وهو النَّشَاطُ والخِفَّةُ، فمعناه: أنشط، واعجل وأَنْهِرِ الدَّمَ».
وهذا يتجه بأن السؤال وقع عن ذبح الصيد أو الذبيحة، فيليق بالحال التعجيل حتى لا تموت.
قال: «ويحتمل أَنَّهُ أَرِنْ على وزن عَرِنْ، من أَرَانَ الْقَومُ فهم مُرِينُون، إِذَا هلكت مواشيهم. فيكون معناه: أَهْلِكْهَا ذَبْحًا، وَأَزْهِقْ نَفْسَهَا بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ».
стр. 190
قال الشيخُ الإمامُ (١) عبدُ الغافر: وَهَذَا كَالْبَعِيدِ؛ لأَنَّهُ لا يأتي من الكلمة الأمرُ بالإِهْلَاكِ حتّى يُؤْخَذَ منه وجهُ الحديث، ولا يَتَأَتَّى منه المتعدِّي فيؤمر به.
قال: ويحتمل أَنَّهُ أُرْنُ مِنَ الرُّنُوِّ وهو إِدَامةُ النَّظَرِ، ومعناه على هذا: أَدِمِ النَّظَرَ، ورَاعِهِ ببصرك حتّى لا يزلّ عن الْمَذْبَحِ (٢)، وهذا له وُجَيْهٌ، إِنْ سَاعَدَهُ النَّقْلُ.
قال: ويحتمل أَنَّهُ أَرِزَّ بتشديد الزَّاي في آخر الكلمة، من قولهم: أَرزَّ الرَّجلُ إِصْبَعَهُ: إِذا أَثَاخَهَا (٣) عَلَى الشَّيْءِ، وَأَرَزَّتِ الْجَرَادَةُ: إِذَا أدْخلت ذنبها في الأرض لتبيض وارْتَزَّ السَّهْمُ فِي الْجِدَارِ: إِذَا ثبت فيه. وهذا له وَجْهٌ إِنْ صَحَّ بِهِ النَّقْلُ.
وليس شيءٌ من ذلك من هذا الباب إِلَّا (الأَرَنُ) وهو النَّشاط، والباقي من باب الرَّاءِ.
قال الشيخ (٤): «وقد عثرتُ على لفظةٍ أخرى بعد الطَّلب، يقرب أن يُؤْخَذَ الحديث منها، إنْ صحَّت الرّواية، وهو أن يقال: أُرْنُ مِنَ الرُّنَاءِ وهو الصَّوْتُ، كَأَنَّهُ أمره برفع الصوت في البسملة، وذكر الله عند الذّبح، مع إِنْهَارِ الدَّم، فإِنَّهُ مأْمورٌ بأَنْ يَذْبَحَ على اسْمِ اللهِ - تعالى - إِذْ
стр. 191
كان المشركون يرفعون أصواتهم بذكر الأصنام. وهذا لا يقصر في الاتجاه على الوجوه التي تقدَّم ذكرُها، والله أعلم بالحال، وإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى وجوه التوجيه؛ لعدم الوثوق بحقيقةِ المنقولِ من جهةِ الرُّوَاةِ».
• (أرو) (١) وفي حديث عون: «أَنَّهُ ذكر رجلًا فقال: تَكَلَّمَ فَجَمَعَ بَيْنَ الأَرْوَى وَالنَّعَامِ» (٢) أَيْ جمع بين كلمتين مختلفتين؛ لأَنَّ الأَرْوَى يكون بِشَعَفِ الْجِبَالِ، وهي جمع أُرْوِيَّةٍ وهي الشَّاة الوحشيّة، وجمعها في القلَّة (أَرَاوٍ) وفي الكثرة (أَرْوَى)، والنَّعَامُ يكون في الفيافي ويُقَالُ في الْمَثَلِ: «لَا تَجْمَعْ بَيْنَ الأَرْوَى وَالنَّعَامِ» (٣).
ولفظ الأَرْوَى أيضًا مِمَّا حَقُّهُ أَنْ يُذْكَرَ في باب الرَّاءِ؛ لأَنَّ الهمزة زائدة، إلَّا أَنَّهَا لمَّا لم تكن صفةً صارتْ كالأصْلِ، بمنزلة الأَبْهَرِ، والأَخْشَبِ، والأَكْحَلِ، والأَشجَعِ. وقد تقدمت نظائِرُها وذكرها الهروي هاهنا.
وفي حديث لبيد بن أعصم (٤): «أَنَّهُ سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ فِي مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ» (٥) بفتح الهمزة، وَهِيَ بئْرٌ معروفةٌ.
فصل الهمزة مع السين
• (أسد) في حديث أُمِّ زرعٍ في قول المرأةِ السّابعة: «زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ» (١) أَيْ: يَكُونُ كَالأَسَدِ شَجَاعَةً في الحرب، وعند لقاءِ العدُوِّ.
• (أسر) في حديث ثابت: «كَانَ دَاوُدُ ﵇ إِذَا ذُكِرَ عِقَابُ اللهِ تَخَلَّعَتْ أَوْصَالُهُ، لَا يَشُدُّهَا إِلَّا الأَسْرُ» (٢).
الأَسْرُ: أَنْ يُعَصّبَ وَيُشَدَّ. يقال: مَا أَحْسَنَ مَا أَسَرَ قَتَبَهُ: أَيْ مَا أَحْسَنَ مَا شَدَّهُ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلأَخِيذِ أَسِيرٌ مِنْ هَذَا؛ لأَنَّهُ إِذَا أُخِذَ أُسِرَ أَيْ شُذَّ بِالْقِدِّ.
• (أسف) وفي الحديث: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَوْتِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ: رَاحَة الْمُؤْمِنِ (٣) وَأُخْذَةُ أَسَفِ لِلْكَافِرِ» (٤).
стр. 200
الأَسَفُ: الْغَضَبُ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه: ٨٦] أَيْ شديد الغضب.
وفي حديث عائشة ﵂: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ» (١).
وذلك لَمَّا أمرهم أن يقدِّمُوا أبا بكر للصَّلاة في مرضه ﷺ ، فاعتذرت عائشة وقالت: إِنَّهُ رَجُلٌ أَسِيفٌ، أَيْ سريع البكاء والحزن لا يستطيع الوقوف في مقامك. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ (٢) ﵇، وقال: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». إِلَى أَنْ قال لعائشة: «إِنَّكُنَّ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ» الحديث.
يقال رجل أَسِيفٌ وَأَسُوفٌ: أي سريع البكاء والحزن. وَأَمَّا الأَسِفُ فَهُوَ الْغَضْبَانُ.
وفي حديث أبي ذر: «فِي ذِكْرِ أَسَافَ (٣) وَنَائِلَةَ وَهُمَا صَنَمَانِ كَانَا إِنْسَانَيْنِ صَادَفَا خَلْوَةً مِنَ الْكَعْبَةِ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَنَكَسَهُمَا اللهُ نُحَاسًا» (٤).
стр. 201
• (أسل) في حديث عمر ﵁: «وَلْيُذَكِّ لَكُمُ الأَسَلُ: الرِّمَاحُ وَالنَّبْلُ» (١).
قال بعضهم، الأَسَلُ: تَنْطَلِقُ عَلَى الرِّمَاحِ وَالنَّبْلِ جَمِيعًا؛ لأَنَّ عُمَرَ فَسَّرَ الأَسَلَ بِالرِّمَاحِ وَالنَّبْلِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو عُبيدٍ مُحْتَجًا بِهَذَا (٢).
وقال آخرون (٣): «الأَسَلُ: الرِّمَاحُ خَاصَّةً». وَقِيلَ لَهَا ذَلِكَ؛ لِمَا رُكِّبَ فِيهَا مِنْ أَطْرَافِ ال أَسِنَّ ةِ، فَعَلَى هَذَا قَالَ: مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ: لِيُذَكِّ لَكُمُ الأَسَلُ: الرِّمَاحُ، وَلْيُذَكِّ النَّبْلُ، لَا أَنَّ (٤) الأَسَلَ تَنْطَلِقُ عَلَى النَّبْلِ بِصُورَةِ الْعَطْفِ لِلنَّبْلِ عَلَى الرِّمَاحِ.
وفي حديث علي ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالأَسَلِ» (٥) وهو عنده كُلُّ ما أُرِقَّ من الحديد وأُرْهِفَ، كالسَّيْفِ، والسِّنان، والسِّكِّين. أراد أَنَّهُ لا يقاد من أحد إِلَّا بحديد، وإنْ هُوَ قَتَلَ بغيره، وهذا مذهب أهلِ العراق، ومذهب أهل الحجاز أَنَّ المماثلة مَرْعِيَّةٌ، وأَنَّهُ يقتصّ منه بمثل ما به قَتَلَ. وأهل اللُّغة لا يعرفون من الأسل إِلَّا الرّماح.
• (أسن) وفي حديث العباس، ﵁ أَنَّهُ قال لعمر ﵁ في قصة وفاته ﵇: «إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتَّى تَرَكَكُمْ عَلَى طَرِيقِ نَاهِجَةٍ (أَيْ
وَحَكَى الْهَرَوِيُّ (١) عن الأَزْهَرِيِّ أنه قال: «إِنَّمَا هو أُسْنِي لِمَا أَمْضَيْتَ، وهو من الأَوْسِ وهو العِوَضُ، ومعناه: عَوِّضْنِي عَمَّا أَخَذْتَهُ مِنِّي». وليس ذلك من باب الهمزة مع السين، بل هو من باب الهمزة مع الواو.
وفي حديث خالد الربعي: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثَقَبَ تَرْقُوَتَهُ، فَجَعَلَ فِيهَا سِلْسِلَةً، ثُمَّ أَوْثَقَهَا إِلَى آسِيَةٍ مِنْ أَوَاسِي الْمَسْجِدِ» (٢). أَيْ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِيهِ، وهي الأُسْطُوَانَةُ.
ومن ذلك حديث ابن مسعود: «تَرْمِي الأَرْضُ بِأَفْلَاذِ كَبِدِهَا ذَهَبًا [وَفِضَّةً] أَمْثَالَ الأَوَاسِي» (٣) وَهِيَ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، وهي الأساطين، وقيل الأواسي: الأصول.
стр. 204
فصل الهمزة مع الشين
• (أشا) في الحديث عن يعلى: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْطَلَقَ إِلَى الْبَرَازِ، فَقَالَ لِرَجُلٍ كَانَ مَعَهُ: ائْتِ هَاتَيْنِ الأَشَاءَتَيْنِ، فَقُلْ لَهُمَا حَتَّى يُجْتَمِعَا، فَاجْتَمَعَتَا فَقَضَى حَاجَتَهُ» (١) أراد أَنْ يَسْتَتِرَ عِنْدَ قضاءِ الحاجة.
الأَشَاءُ: جَمْعُ أَشَاءَةٍ، وهي النَّخل الصّغار، وهو من معجزاته وعلامات نبوّته، من خوارق العادات.
• (أشب) وفي حديث عمران بن حصين: «أَنَّهُ ﵇ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَرَفَعَ بِهَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ صَوْتَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] فَتَأَشَّبَ أَصْحَابُهُ حَوْلَهُ، وَأَبْلَسُوا، حَتَّى مَا أَوْضَحُوا بِضَاحِكَةٍ» (٢).
قوله تَأَشَّبُوا (٣): أيْ اجتمعوا إِليه وأحاطوا به، ومنه الأُشَابَةُ، وهم (٤) أخلاط الناس، وهو مأخوذ من الأَشَبِ: وهو اجتماعُ الشجر والتفافُه في مكانٍ واحدٍ.
стр. 205
ومنه حديث ابْنِ أُمِّ مكتوم: «أَنَّهُ قال له ﷺ : إِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرٌ وَبَيْنِي وَبَيْنَكَ أَشَبٌ، فَرَخِّصْ لِي فِي الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ» (١).
الأَشَبُ: كثرة الشَّجَرِ، أراد هاهنا النَّخِيلَ. يقال بلدة أَشِبَةٌ: إِذَا كانت ذَاتَ شَجَرٍ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الأَعْشَى حِينَ شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ امْرَأَتَهُ فِي شِعْرِهِ [فقال]:
وَقَذَفَتْنِي بَيْنَ عِيصٍ مُؤْتَشِبْ … وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ (٢)
الْعِيصُ: أَصْلُ الشَّجَرِ، وَالْمُؤْتَشِبُ: الْمُلْتَفُّ الْمُتَلَبِّسُ.
• (أشش) وفي حديث علقمة بن قيس (٣): «كان إِذَا رَأَى مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ بَعْضَ الأَشَاشِ مِمَّا يَعِظُهُمْ، حَدَّثَهُمْ» (٤).
يريد الْهَشَاشَ، فجعل الهاء همزة، مثل: هَرَقْتُ الْمَاءَ وَأَرَقْتُ.
فصل الهمزة مع الصاد
• (أصر) في الحديث: «مَنْ غَسَّلَ واغْتَسَلَ وَغَدَا وَابْتَكَرَ إِلَى الْجُمُعَةِ وَدَنَا ثُمَّ لَغَا كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الإِصْرِ» (١).
الإِصْرُ: الإِثْمُ، أَيْ: نَصِيبَانِ مِنَ الْوِزْرِ حين لغا بعدما تكلّف الغسل والابتكار، والدُّنُوَّ من الخطبة.
ومنه في حديث ابن عمر: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فِيهَا إِصْرٌ فَلَا كَفَّارَةَ لَهَا» (٢).
قيل: هو أنْ يَحْلِفَ يَمِينَ الْغَضَبِ بِطَلَاقٍ أو عتاق أو نذرٍ، فإِنَّه يلزم ويقع ولا كفَّارة فيه.
ويحتمل أَنَّهُ أراد يمينَ الْغَمُوسِ، فهي يمين الإِثْمِ، ولا كفَّارة لها عند بعض الفقهاء. والله أعلم.
• (أصل) وفي حديث الدَّجَّال: «كَأَنَّ رَأْسَهُ رَأْسُ أَصَلَةٍ» (٣).
وهي الأَفْعَى، يُشَبَّهُ الرَّأْسُ الصَّغِيرُ الْكَثِيرُ الْحَرَكَةِ بِرَأْسِهَا.
стр. 208
فصل الهمزة مع الضاد
• (أضي) في الحديث: «أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَاهُ وَهُوَ عِنْدَ أَضَاةٍ لِبَنِي (١) غِفَارٍ» (٢).
هِيَ الْغَدِيرُ. وجمعها أَضىً، مثل قَطَاةٍ وَقَطًا، فَإِنْ كَسَرْتَ أَوَّلَهُ مَدَدْتَ فَقُلْتَ: إِضَاءٌ، مثل أَكَمَةٍ وإِكَامٍ.
стр. 209
فصل الهمزة مع الطاء
• (أطر) في حديثه ﷺ : «أَنَّهُ ذَكَرَ الْمَظَالِمَ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَذَكَرَ الْمَعَاصِي، فَقَالَ: لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْخُذُوا عَلَى يَدَيِ الظَّالِم، وَتَأْطِرُوهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» (١) أَيْ تَعْطِفُوهُ عَلَيْهِ يقال: أَطَرْتُ الْعُودَ أَطْرًا إِذَا عَطَفْتَهُ.
وفي حديث عمر بن عبد العزيز: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ السُّنَّةِ فِي قَصِّ الشَّارِبِ فَقَالَ: أَنْ يَقُصَّهُ حَتَّى يَبْدُوَ الإِطَارُ» (٢) وهو النَّاتِئُ الشَّاخِصُ مِنْ طَرَفِ الشَّفَةِ الْمُحِيطِ بِالْفَمِ. وَكُلُّ شَيْءٍ مُحِيطٍ بِشَيْءٍ فَهُوَ إِطَارٌ لَهُ.
وفي حديث مجاهد: «كَانَ آدمُ طُوَالًا، فَأَطَرَ اللهُ مِنْهُ سَبْعِينَ بَاعًا» (٣).
معناه: ثَنَاهُ وَقَصَرَهُ.
وأما قول علي ﵁ في الحُلَّةِ الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا ﵇ ثُمَّ كَرِهَ لَهُ لُبْسَهَا قال عَلِيٌّ ﵁: «فَأَطَرْتُهَا شُقَقًا بَيْنَ نِسَائِي» (٤) يحتمل معنيين:
стр. 210
أحدهما: أَنَّ مَعْنَاهُ عَطَفْتُهَا، وَقَطَّعْتُهَا خُمُرًا، فيكون مِنَ الأَطْرِ.
والثاني: أَنَّهُ أَفْعَلْتُهَا، مِنْ الإِطَارَةِ، فيكون معناه: صَيَّرْتُهَا قِسمًا بَيْنَهُنَّ. من قولهم: «طَارَ لِفُلانٍ سَهْمُ كَذَا» أَيْ: ظَهَرَ لَهُ، وَوَقَعَ فِي نَصِيبِهِ، وسيشرح في باب الطَّاء.
• (أطط) (١) وفي الحديث: «لَهُ أَطِيطٌ (٢) كَأَطِيطِ الرَّحْلِ» (٣). هُوَ صَوْتُ الْمَحَامِلِ، وَأَطِيطُ الإِبلِ: صَوْتُهَا.
ومنه في حديث أم زرع: «فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ أَطِيطٍ وَصَهِيلٍ» (٤) أَيْ في أهل إِبلٍ وخيل؛ لأنَّهُمْ يفتخرون بذلك تَعَزُّزًا، وقد يكون الأطيط صوت الزّحام.
ومنه حديث عُتْبَةَ بنِ غَزْوَانَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَقْتٌ يَكُونُ لَهُ أَطِيطٌ» (٥): أَيْ صَوْتٌ بِالزّحام.
فصل الهمزة مع الفاء
• (أفف) وفي الحديث: «أَنَّهُ أَلْقَى طَرَفَ رِدَائِهِ عَلَى أَنْفِهِ، ثُمَّ قَالَ: أُفٍّ أُفٍّ» (١).
معناه أَنْ يَسْتَقْذِرَ مَا يَشمُّهُ، فَيَقُولَ: أُفّ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُبَالِغُ فِي الاسْتِحْقَارِ (٢) فَيَقُولُ: أُفٍّ أُفٍّ.
وفي الكلمة عشر لغات أُفَّ، وَأُفِّ، وَأُفُّ، وبالتنوين في الثلاثة، وَأُفَّةٌ وإِفَّ (٣) لك بكسر الهمزة، وأُفْ بضم الهمزة وسكون الفاء، وأُفَّى بتشديد الفاء.
وفي حديث أبي الدرداء: «نِعْمَ الْفَارِسُ عُوَيْمِرٌ غَيْرَ أُفَّةٍ» (٤).
стр. 213
تفسيره في الحديث: غير جبان، أو غير ثقيل.
قال الْخَطَّابِيُّ (١): وأُرَى أصلَه مِنَ الأَفَفِ، وَهُوَ: الضَّجَرُ، يريد: أَنَّهُ غير ضَجِرٍ ولا وَكَلٍ في الحرب.
وقال بعضم: الأُفَّةُ: الْمُعْدِمُ المقِلُّ من الأَفَفِ، وهو الشَّيْءُ الْقَلِيلُ.
وقيل: هو الرجل القذر من الأُفِّ، وهو وسخ الأُذُنِ.
ويقال: فلان أُفُوفَةٌ، وهو الذي لا يزال يقول لصاحبه أُفٍّ لك.
• (أفق) وفي الحديث: «أَنَّ عُمَرَ دَخَلَ عليه، ﷺ ، وَهُوَ فِي مَشْرُّبَةٍ وَعِنْدَهُ أَفِيقٌ» (٢) وهو الجلد الذي لم يتمّ دباغه. وجمعه أَفَقٌ، مثل أَدِيمٍ وأَدَمٍ، وعَمُودٍ وعَمَدٍ، وَإِهَابٍ وَأَهَبٍ.
وفي حديث لقمان بن عاد حين ذكر بعض إخوته: «صَفَّاقٌ أَفَّاقٌ» (٣). هو الذي يضرب في آفاق الأرض، وينصرف سائرًا في البلاد مكتسبًا (٤). يقال: أَفَقَهُ يَأْفِقُهُ: إِذَا سَبَقَهُ فِي الْفَضْلِ.
• (أفك) وفي حديث أنسٍ ﵁: «الْبَصْرَةُ إِحْدَى الْمُؤْتَفِكَاتِ» (٥).
стр. 214
معناه أنَّها غرقت مرتين، فهي انقلبت مرتين، كالمؤتفكات من مدائن آل لوط.
وفي الحديث: «فَبَاتَ وَلَهُ أَفْكَلٌ» (١) أي: رِعْدَةٌ، والألف زائدةٌ، ولكنَّها لَمَّا لزمت صارت كأصل الكلمة.
وقد أورده الهروي في الهمزة مع الفاء (٢) ولها نظائر من الأسماء التي ليست (٣) بصفات، نحو: أكحل اليد، وأشجع الإصبع، وأخواتهما.
• (أفن) وفي الحديث: «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ: السَّامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ، وَالأَفْنُ وَالذَّامُ» (٤).
الأَفْنُ: النَّقْصُ، وَرَجُلٌ أَفِينٌ: أي ناقص العقل (٥)، ومنه يقال: أَفَنَ ما في الضَّرْعِ أَيْ اسْتَخْرَجَهُ، فَكَأَنَّ الأَفِينَ هُوَ الْمَنْزُوعُ الْعَقْلَ. فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
стр. 215
فصل الهمزة مع الكاف
• (أكل) في الحديث: «نَهَى عَنِ الْمُؤَاكَلَةِ» (١).
قال القتبي: «هو أن يكون للرَّجُلِ على آخر دَيْنٌ، فهذا الآخر الّذي عليه الدّين يُهْدِي لصاحب الدين شيئًا لِيُؤَخِّرَ الدَّيْنَ، ويُمْسِكَ عن التَّقَاضِي عليه (٢). فَسُمِّي مُؤَاكَلَةً مِنَ الأَكْلِ؛ لأَنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يُؤْكِلُ (٣) صَاحِبَهُ».
قال الشيخ (٤): ويحتمل أنَّ الكلمة ليست من باب الهمزة، بل هي من الوكول، من باب الواو والكاف، فَإِنَّ المعنى الَّذِي ذكروه كالبعيد المُتَكلَّف، وإِنَّمَا النَّهْيُ عن أَنْ يَكِلَ كُلُّ واحدٍ صاحبَه إِلَيْهِ، وَلَا يُعِينَه في مآربه، ويُتَارِكَه مِنْ غيرِ سَعْيٍ في حقِّه، وكذلك صاحبُه يُكَافِئُه بذلك؛ فَيُؤَدِّي إلى التَّقاطُع والتَّهاجُر، وذلك مَنْهِيٌّ عنه؛ لأَنَّ بقاء النَّوع على المعاونة والمواصلة، وَسَعْيِ الْبَعْضِ فِي حقِّ الْبَعْضِ، وهذا وجهٌ صحيح مُتَّجَهٌ. والله أعلم.