← Гариб и словари

Гариб и словари · id 30176

مجمع الغرائب ومنبع الرغائب

عبد الغافر الفارسي

Полный текст (3 443 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

• (أطم) وفي الحديث: «أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ جَعَلَ نِسَاءَهُ فِي أُطُمٍ» (١). وهو الحصن المبنيُّ بالحجارة، وجمعه آطام. قالت صفية: فَأَطَلَّ علينا يهوديٌّ (أَيْ أَشْرَفَ) فَضَرَبْتُ رأسه بالسَّيْفِ، ثُمَّ رَمَيْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ. ومنه في الحديث: «إِنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى أُطُمٍ» (٢) أَيْ بِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ. وفي حديث الجنازة: «أنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ مَعَهَا مِجْمَرٌ، فَمَا زَالَتْ (٣) يَصِيحُ بِهَا حَتَّى تَوَارَتْ بِآطَامِ الْمَدِينَةِ» (٤). يعني أَبْنِيَتَها الْمُرْتَفِعَةَ.

стр. 212

فصل الهمزة مع الفاء • (أفف) وفي الحديث: «أَنَّهُ أَلْقَى طَرَفَ رِدَائِهِ عَلَى أَنْفِهِ، ثُمَّ قَالَ: أُفٍّ أُفٍّ» (١). معناه أَنْ يَسْتَقْذِرَ مَا يَشمُّهُ، فَيَقُولَ: أُفّ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُبَالِغُ فِي الاسْتِحْقَارِ (٢) فَيَقُولُ: أُفٍّ أُفٍّ. وفي الكلمة عشر لغات أُفَّ، وَأُفِّ، وَأُفُّ، وبالتنوين في الثلاثة، وَأُفَّةٌ وإِفَّ (٣) لك بكسر الهمزة، وأُفْ بضم الهمزة وسكون الفاء، وأُفَّى بتشديد الفاء. وفي حديث أبي الدرداء: «نِعْمَ الْفَارِسُ عُوَيْمِرٌ غَيْرَ أُفَّةٍ» (٤).

стр. 213

تفسيره في الحديث: غير جبان، أو غير ثقيل. قال الْخَطَّابِيُّ (١): وأُرَى أصلَه مِنَ الأَفَفِ، وَهُوَ: الضَّجَرُ، يريد: أَنَّهُ غير ضَجِرٍ ولا وَكَلٍ في الحرب. وقال بعضم: الأُفَّةُ: الْمُعْدِمُ المقِلُّ من الأَفَفِ، وهو الشَّيْءُ الْقَلِيلُ. وقيل: هو الرجل القذر من الأُفِّ، وهو وسخ الأُذُنِ. ويقال: فلان أُفُوفَةٌ، وهو الذي لا يزال يقول لصاحبه أُفٍّ لك. • (أفق) وفي الحديث: «أَنَّ عُمَرَ دَخَلَ عليه، ﷺ ، وَهُوَ فِي مَشْرُّبَةٍ وَعِنْدَهُ أَفِيقٌ» (٢) وهو الجلد الذي لم يتمّ دباغه. وجمعه أَفَقٌ، مثل أَدِيمٍ وأَدَمٍ، وعَمُودٍ وعَمَدٍ، وَإِهَابٍ وَأَهَبٍ. وفي حديث لقمان بن عاد حين ذكر بعض إخوته: «صَفَّاقٌ أَفَّاقٌ» (٣). هو الذي يضرب في آفاق الأرض، وينصرف سائرًا في البلاد مكتسبًا (٤). يقال: أَفَقَهُ يَأْفِقُهُ: إِذَا سَبَقَهُ فِي الْفَضْلِ. • (أفك) وفي حديث أنسٍ ﵁: «الْبَصْرَةُ إِحْدَى الْمُؤْتَفِكَاتِ» (٥).

стр. 214

معناه أنَّها غرقت مرتين، فهي انقلبت مرتين، كالمؤتفكات من مدائن آل لوط. وفي الحديث: «فَبَاتَ وَلَهُ أَفْكَلٌ» (١) أي: رِعْدَةٌ، والألف زائدةٌ، ولكنَّها لَمَّا لزمت صارت كأصل الكلمة. وقد أورده الهروي في الهمزة مع الفاء (٢) ولها نظائر من الأسماء التي ليست (٣) بصفات، نحو: أكحل اليد، وأشجع الإصبع، وأخواتهما. • (أفن) وفي الحديث: «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ: السَّامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ، وَالأَفْنُ وَالذَّامُ» (٤). الأَفْنُ: النَّقْصُ، وَرَجُلٌ أَفِينٌ: أي ناقص العقل (٥)، ومنه يقال: أَفَنَ ما في الضَّرْعِ أَيْ اسْتَخْرَجَهُ، فَكَأَنَّ الأَفِينَ هُوَ الْمَنْزُوعُ الْعَقْلَ. فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.

стр. 215

فصل الهمزة مع الكاف • (أكل) في الحديث: «نَهَى عَنِ الْمُؤَاكَلَةِ» (١). قال القتبي: «هو أن يكون للرَّجُلِ على آخر دَيْنٌ، فهذا الآخر الّذي عليه الدّين يُهْدِي لصاحب الدين شيئًا لِيُؤَخِّرَ الدَّيْنَ، ويُمْسِكَ عن التَّقَاضِي عليه (٢). فَسُمِّي مُؤَاكَلَةً مِنَ الأَكْلِ؛ لأَنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يُؤْكِلُ (٣) صَاحِبَهُ». قال الشيخ (٤): ويحتمل أنَّ الكلمة ليست من باب الهمزة، بل هي من الوكول، من باب الواو والكاف، فَإِنَّ المعنى الَّذِي ذكروه كالبعيد المُتَكلَّف، وإِنَّمَا النَّهْيُ عن أَنْ يَكِلَ كُلُّ واحدٍ صاحبَه إِلَيْهِ، وَلَا يُعِينَه في مآربه، ويُتَارِكَه مِنْ غيرِ سَعْيٍ في حقِّه، وكذلك صاحبُه يُكَافِئُه بذلك؛ فَيُؤَدِّي إلى التَّقاطُع والتَّهاجُر، وذلك مَنْهِيٌّ عنه؛ لأَنَّ بقاء النَّوع على المعاونة والمواصلة، وَسَعْيِ الْبَعْضِ فِي حقِّ الْبَعْضِ، وهذا وجهٌ صحيح مُتَّجَهٌ. والله أعلم.

стр. 216

وفي الحديث: «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامٍ فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ» (١). أَيْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ. ومنه: «مَا زَالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَادُّنِي» (٢). بِضَمِّ الهمزة لأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ إِلَّا لُقْمَةً واحدةً. وفي حديث عمر ﵁ «لَيَضْرِبَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ بِمِثْلِ آكِلَةِ اللَّحْمِ، ثُمَّ يَرَى أَنِّي لَا أُقِيدُهُ» (٣). يعني عصًا محددةً، وأَصْلُهُ في السِّكِّينِ، شَبَّهَ الْعَصَا الْمُحَدَّدَةَ بِهَا. وقيل: أراد به (٤) السِّياط؛ لأَنَّها كالنَّار حيث تأكل اللَّحْمَ؛ لأَنَّ آثارَهَا كآثارها. وفي حديثه: «أَنَّهُ قَالَ لِلسَّاعِي: دَعِ الرُّبَى وَالْمَاخِضَ وَالأَكُولَةَ» (٥). قيل: الأَكُولَةُ الَّتِي تُسَمَّنُ لِلأَكْلِ، وقيل هو الْخَصِيُّ، وَالْهَرِمُ وَالْعَاقِرُ مِنَ الْغَنَمِ. أَمَرَ الْمُصَدِّقَ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا فِي الصَّدَقَةِ.

стр. 217

وفي الحديث: «مَنْ أَكَلَ بِأَخِيهِ أَكْلَةً كَانَ لَهُ مِنَ الْوِزْرِ كَذَا» (١). معناه أَنْ يُؤَاخِيَ رَجُلًا، ثُمَّ يَذْهَبَ إِلَى عَدُوِّهِ فَيُخْبِرَهُ بِسِرِّو، أَوْ يَطْعَنَ فيه لِيُجِيزَهُ عَدُوُّه جَائِزَةً، فَلَا يُبَارِكُ اللهُ - تعالى - فيها؛ لأَنَّهُ أَكَلَ تِلْكَ اللُّقْمَةَ، وأخذ الجائزة بسبب أَنَّهُ نَالَ مِنَ الأَوَّلِ، وَطَعَنَ فِيهِ عِنْدَهُ. وفي الحديث: «وَمَأْكُولُ حِمْيَرَ خَيْرٌ مِنْ آكِلِهَا» (٢). قال القتبي: «المأكول: الرَّعِيَّة والعوامُّ. والآكلون: الملوك، كأنه أراد: عوامُّ أهل اليمن خيرٌ من مُلُوكِهِمْ». • (أكم) وفي الحديث: «أَنَّهُ قَالَ حِينَ كَثُرَ الْمَطَرُ وَدَامَ: اللَّهُمَّ حَوَلَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ، وَالظِّرَابِ» (٣). الآكام: جَمْعُ أُكُمٍ، مِثْلُ أَعْنَاقٍ جَمْعُ عُنُقٍ. والأُكُمُ: جَمْعُ إِكَامٍ، مثل كُتُبٍ في جمع كِتَابٍ، والإِكَامُ: جمع أَكَمٍ، مثل جِبَالٍ في جمع جَبَل (٤)، والأَكَمُ والأَكَمَاتُ: جمع الأَكَمَةِ، وَهِيَ التَّلُّ مِنَ الأَرْضِ

стр. 218

المُرْتَفِعُ. • (أكي) وفي الحديث: «لَا تَشْرَبُوا إِلَّا مِنْ ذِي إِكَاءٍ» (١). أراد الوِكَاءَ وَهُوَ السَّيْرُ الَّذي يُشَدُّ بِهِ السِّقَاءُ، والواو تقلب همزة، كما قالوا: وُجَاءٌ وَأُجَاهٌ.

стр. 219

فصل الهمزة مع اللام • (ألب) في الحديث: «إِنَّ النَّاسَ كَانُوا عَلَيْنَا أَلْبًا وَاحِدًا» (١). أَيْ مُجْتَمِعِينَ عَلَى عَدَاوَتِنَا. يق ال تَ أَلَّبَ الْقَومُ: أي اجْتَمَعُوا. وفي حديث عبد الله بن عمرو (٢) في ذكر البصرة: «يُخْرِبُ الْبَصْرَةَ الأُلْبَةُ» (٣). وهي الجوع. هكذا ذكره الحربيُّ (٤). ومنقول الهروي عن عبد الله مطلقًا، وعبد الله مطلقًا: هو ابن مسعود حين ذكر الْبَصْرَةَ، أَنَّهُ لا يُخْرِجُ منها أهلَها إِلَّا الأُلْبَةُ، وهي المجاعة، وكذلك الْجُلْبَةُ، مأخوذ من التَّأَلُّبِ، كَأَنَّهُمْ يَتَجَمَّعُونَ في المجاعة، ويَخْرُجُون أَرْسَالًا. • (ألت) وفي حديث عمر ﵁: «أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: اتَّقِ اللهَ. فَسَمِعَهُ

стр. 220

آخَرُ، فَقَالَ: أَتَأْلِتُ عَلَى أَمِيرِ (١) الْمُؤْمِنِينَ» (٢). هو من الأَلْتِ وهو النُّقْصَانُ. معناه: أتَنْقُصُهُ وَتَضَعُ مِنْهُ بِقولِكَ ذَلِكَ؟ وَحَكَى الْهَرَوِيُّ عَنِ الأَزْهَرِيِّ (٣) وَجْهًا آخَرَ عَنِ الأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «يُقَالُ أَلَتُّهُ يَمِينًا ألْتًا: إِذَا حَلَّفْتَهُ» (٤). تقول العرب: أَلَتُّكَ بِاللهِ لَمَا فَعَلْتَ كَذَا، أَيْ نَشَدْتُكَ اللهَ. وفي حديث عبد الرحمن: «وَلَا تُغْمِدُوا سُيُوفَكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ فَتُولِتُوا أَعْمَالَكُمْ» (٥). قال القتبي (٦): «أيْ تَنْقُصُوهَا. يريد أنه كانت لهم أعمالٌ من الجهاد معه ﷺ فإذا تركوها نقصوها. يقال: لَاتَ يَلِيتُ، وَأَلَتَ يَأْلِتُ. وقد قرئ في القرآن ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] جميعًا (٧). قال: ولم

стр. 221

أسمع أَوْلَتَ يُوْلِتُ (١) إِلَّا في هذا الحديث». • (ألس) وفي الحديث: «أَنَّهُ قال ﷺ : نَعُوذُ بِكَ مِنَ الأَلْسِ» (٢). هو (٣) اختلاطُ العقل. يقال: أُلِسَ الرَّجُلُ فَهُوَ مَأْلُوسٌ. قال الق تبي (٤): «هو الخيانة من قولهم: لَا يُدَالِسُ وَلَا يُؤَالِسُ». وخطَّأه ابنُ الأنباريّ (٥) وقال: «معنى قولهم: لَا يُؤَالِسُ أي لا يُخَلِّطُ. قال: والْمَأْلُوسُ والمَسْلُوسُ عند العرب هو الْمُضْطَرِبُ الْعَقْلَ بِلَا خِلَافٍ». • (ألق) وفي الحديث: «نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الأَلْقِ» (٦). قال أَبُو عبيدٍ: «لَا أَحسبه (٧) إِلَّا الأَوْلَق، وهو الجنون. وإِنْ أَرَادَ

стр. 222

الْكَذِبَ قال الْوَلْقَ». وقرأت (١) عائشة -رضي الل ه عنها- «إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ» [النور: ١٥] من وَلَقَ يَلِقُ وَلْقًا. قال القُتَبِيُّ (٢): «الأَلْقُ: أصله الْوَلْقُ من الكذب، وقد تبدل الواو المفتوحة همزة كما يقال: وَكَّدَ وَأَكَّدَ، كالمضمومة والمكسورة». قال ابن الأنباريّ: «أخطأ ابن قتيبة؛ لأنّ إِبْدَال الهمزة يؤخذ سماعًا لا قياسًا ولو جاز ذلك لجاز أن يقال في وعدت: أَعَدْتُ. وهذا محال». قال: «والّذي أذهب إِلَيْهِ أَنَّ الأَلْقَ يحتمل معنيين: الجنون من قولهم أُلِقَ الرجل فهو مَأْلُوقُ». والآخر: الكذب قولهم: أَلَقَ الرَّجُلُ يَأْلِقُ أَلْقًا فهو أَلِقٌ، إذا انبسط لسانه بالكذب. ويقال للكذب أيضًا: إِلْقٌ، ففيه ثلاث لغات: أَلْقٌ، وإِلْقٌ، وَوَلْقٌ. • (ألل) وفي الحديث: «عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ إِلِّكُمْ وَقُنُوطِكُمْ وَسُرْعَةِ إِجَابَتِهِ إِيَّاكُمْ» (٣).

стр. 223

قال أبو عبيد (١): «أنا أحسبها من أَلِّكُم، بفتح الهمزة، قال: وهو أشبه بالمصادر يقال: أَلَّ يَؤُلُّ أَلًّا وَأَلِيلًا وأَلَلًا، إِذَا رفع صوته بالدعاء وجَأَر فيه». وفي حديث أبي بكر ﵁ حين ذكر له كلام مسيلمة: «إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إِلٍّ وَلَا بِرة» (٢). أيْ: لم يخرج من ربوبية. وقيل في قوله - تعالى -: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]. قال الله - تعالى - أو قال: ربًّا، وقيل في جبريل وميكائيل: إِنَّمَا أُضِيفَ جبر وميكا إلى إيل. ولهذا قال عبد الله بن عباس: هو كقولك: (عبد الله، وعبد الرحمن). وفي حديث لَقِيطِ بْنِ عامرٍ: «أَتَيْتُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي إلِّ اللهِ» (٣). معناه في ربوبيته، وإِلَهِيَّتِهِ، وَالإِلُّ في غير هذا: العهد والقرابة. ومنه في حديث أم زرع: «بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ وَفِيُّ إِلالِّ، كَرِيمُ الْخِلِّ، بَرُودُ الظِّلِّ» (٤).

стр. 224

أرادت أَنَّها وفيّ العهد، وإِنَّما ذكَّرت؛ لأَنَّها ذهبت به إلى معنى التشبيه. أيْ هي مثل الرجل الْوَ فِيّ، والخِلِّ الكريم. • (ألو) وفي الحديث: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ فَلَا صَامَ وَلَا أَلَّا» (١). يحتمل أَنَّ مَعْنَاه: وَمَا تَرَكَ الْجَهْدَ وَمَا قَصَّرَ، كَأَنَّهُ قال: لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُقَصِّرْ. دعا عليه. ويحتمل أَنَّ معناه: ولا استطاع أنْ يصوم دعا عليه أيضًا. وقال الخطابي (٢): الصواب أَلَا من أَلَوْتُ، أو أَلَّى على وزن عَلَّى. قال الأصمعي: ألَا وأَلَّى مخفَّفٌ ومشدَّدٌ، إِذَا قَصَّر وترك الْجَهْدَ. وقد يكون أَلَّى بمعنى أَبْطَأَ. ورواه بعضهم: لَا صَامَ وَلَا آل. على وزن عال. قال إسحاق بن رَاهُويَه (٣): «قال جرير (وهو الراوي) معناه ولا رَجَعَ». قال الشيخ (٤): وليس للرجوع هاهنا معنى إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ على أَنَّهُ أَرَادَ: لا رجع إِلَى مَا أُمِرَ بِهِ، أَوْ (٥) لا رجع إِلَى ثوابِ الطَّاعَةِ. والله أعلم.

стр. 225

وعلى هذا تكون الكلمة من اله مزة مع الواو، لا من هذا الفصل. وفي حديث أبي هريرة في صفة أهل الجَنَّةِ أَنَّهُ قال ﷺ : «وَمَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ» (١). قال الأصمعي: «هو العود الذي يُتَبَخَّرُ بِهِ، وكان ابن عمر يَتَبَخَّرُ بِالأَلُوَّةِ غيرَ مُطَرَّاةٍ» (٢). قال الأصمعي: «وأُرَاهَا فارسيّةً عُرِّبَتْ» (٣). قال أبو عبيد (٤): «فيها لغتان: الأَلُوَّةُ والأُلُوَّةُ». قال الأزهري (٥): «وبعضهم يقول: لُوَّةٌ، وَلِيَّةٌ، وتجمع على أَلَاوِيَّة». • (أله) وفي حديث وُهَيْب (٦) بن الورد: «إِذَا وَقَعَ الْعَبْدُ فِي أُلْهَانِيَّةِ الرَّبِّ وَمُهَيْمِنِيَّةِ الصِّدِيقِينَ، وَرَهْبَانِيَّةِ الأَبْرَارِ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَأْخُذُ بِقَلْبِهِ» (٧). قال القتبي: «هي مصدر الإِلَهِ يقال: إِلَاهٌ بَيِّنُ الإِلَاهَةِ (٨) والأُلْهَانِيَّةِ،

стр. 226

وهو مأخوذ من أَلِهَ إِذَا تحيَّر. كأَنَّ القلوبَ تَأْلَهُ عند التَّفَكُّرِ في عظمته». والْمُهَيْمِنِيَّةُ: الأَمَانَةُ، ومعناه: إِذَا وقع العبد في التفكُّر في عظمةِ الله وجلالِه وغير ذلك من صفات الربوبيَّة وأوصاف الصديقين والأبرار، لم يأخذ شيء من الخلق بقلبه. • (ألى) وفي الحديث: «وَمَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللهِ يُكَذِّبْهُ» (١). وفي حديث عائشة ﵂: «أَنَّهُ قَالَ ﷺ : وَيْلٌ لِلْمُتَأَلِّينَ مِنْ أُمَّتِي» (٢). أراد الذين يحلفون أنَّ الله - تعالى - لا يغفر ذنبًا، أو لا يغفر لفلان فيحكمون عليه بذلك. أو يقولون: فلان في الجنَّةِ، وفلان في النَّارِ. وهو مأخوذ من الأَلِيَّةِ: وهي اليمين. وقيل في قوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢] أي لا يحلفوا؛ لأَنَّ أبا بكر حلف ألَّا يُنْفِقَ على مِسْطَح في قصة الإفك. وقال أبو عبيدة: «هو من الأَلْوِ، أَيْ لَا يُقَصِّرُ». والأَلْوُ: تَرْكُ الْجَهْدِ، ويكون بمعنى التقصير والاستطاعة جميعًا. • وفي الحديث: «لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ» (٣). قيل: هو على مزاوجة الكلام. قال ابن الأنباري: هو غلط، وصوابه أحد وجهين:

стр. 227

أحدهما أن يقال: «وَلَا ائْتَلَيْتَ» أَيْ: ولا استطعت أَنْ تدري. يقال: ما آلُوه، أي ما أستطيعه، وهو افتعلت منه. والثاني أن يقال: «لَا دَرَيْتَ وَلَا أَتْلَيْتَ» (١) من الإِتْلَاءِ. وهو من باب التاء واللام يدعو عليه بأن لا تتلو إِبِلَهُ أَوْلَادُهَا. يقال: أَتْلَتِ النَّاقَةُ فهي مُتْلِيَةٌ، وَأَتْلَى الرَّجُلُ: إِذَا كانت له إِبِلٌ يَتْلُوهَا أَوْلَادُهَا، والأول أظهر. وفي حديث عمرو بن العاص: «وَاللهِ مَا حَمَلَتْنِي الْبَغَايَا فِي غُبَّرَاتِ الْمَآلِي» (٢). جمع مِئْلَاةٍ. يقول: لم تلدني بَغِيٌّ كانت تزني وهي حائضٌ. والْمِئْلَاةُ: خرقةُ الحيض، وأَصْلُهَا الخرقة الّتِي تمسكُها النَّوَائِحُ بِأَيْدِيهِنَّ إذَا أخذن في النياحة يُشِرْنَ بِهَا. وفي الحديث: «أَنَّهُ تَفَلَ فِي عَيْنِ عَلِيٍّ ﵁ وَهُوَ أَرْمَد وَمَسَحَهَا بِأَلْيَةِ إِبْهَامِهِ» (٣).

стр. 228

وفي حديث البراء بن عازب: «فِي السُّجُودِ عَلَى أَلْيَتَيِ الْكَفِّ» (١). أَلْيَةُ الْكَفِّ: أصل الإِبهام، وما تحت ذلك من أسفل الراحة، ما غلظ منها. مأخوذ من ألية الشاة لِلِينِهَا. وَهِيَ مَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ، وَلَا يُقَالُ: إِلْيَةٌ، وَلَا لِيَّةٌ. وفي الحديث: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَمْشِي فِي أَصْحَابِهِ، لَا ضَرْبَ وَلَا طَرْدَ وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ» (٢). أَيْ لَمْ يُنَحَّ النَّاسُ عن طريقه، كما يمرُّ المارُّ فيتقدمه مُطَرِّقٌ له يَقُولُ: الطَّرِيقَ الطَّرِيقَ. فلم يكن يقال بين يديه ذَلِكَ، بل كان يمرُّ كواحدٍ من أصحابه. وفي الحديث: «إِنِّي قَائِلٌ قَوْلاً وَهُوَ إِلَيْكَ» (٣). أَيْ هو سرٌّ أفضيت به إِلَيْكَ: فلا تُفْشِه. وكذلك كل ما هو اختصار في الكلام من أمثاله.

стр. 229

فصل الهمزة مع الميم • (أمت) في حديث الخدري: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ فَلَا أَمْتَ فِيهَا» (١). قال بعضهم: لَا عَيْبَ فِيهَا. قال الأزهري (٢): «معناه لا شَكَّ». ولا ارْتِيَابَ (٣) أَنَّهُ تنزيلُ ربِّ العالمين؛ لأَنَّ الأَمْتَ فِي اللُّغة: التَّقْدِيرُ وَالْحَزْرُ. يقال: بيننا وبين الماء ثلاثة أميال على الأَمْتِ، أيْ على التقدير. قال الهروي (٤): «معناه حرمها تحريمًا لا لينَ فيه، ولا هوادةَ». يقال: سار سيرًا لا أَمْتَ فِيه، أَيْ لا فتورَ فيه. • (أمد) وفي حديث الحجاج: «أَنَّهُ قَالَ لِلْحَسَنِ لَمَّا رَآه: ما أَمَدُكَ؟ فَقَالَ: سَنَتَانِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ. فَقَالَ: وَاللهِ لَعَيْنُكَ أَكْبَرُ مِنْ أَمَدِكَ» (٥). أَرَادَ السُّؤَالَ عَنْ مَوْلدِه. وللإِنسانِ أَمَدَانِ: مَوْلِدُهُ وَمَوْتُهُ. أَرَادَ أَنَّ مولدَه لسنتين (٦) بَقِيَتَا من خلافةِ عمر، وعينُ كُلِّ شيءٍ حاضرُه وشاهدُه كَأَنَّهُ قال: ظَاهِرُكَ يُرِي أَنَّكَ أكبرُ سنًا من مُدَّةِ سِنِّك

стр. 230

من (١) مولدك. • (أمر) وفي الحديث: «خَيْرُ الْمَالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ» (٢). أَيْ كَثِيرَةُ النِّتَاجِ والنَّسْلِ يُقَالُ أَمَرَهَا الله فهي مَأْمُورَةٌ، وآمرها فهي مُؤْمَرَةٌ. وقيل في قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] أي: كَثَّرْنَا. وفي الحديث: «إِنَّ أَمِيرِي [مِنَ] الْمَلَائِكَةِ جِبْرِيلُ» (٣). أي: وَلِيِّيْ، وصاحبي، ومن أفزع إلى مُؤَامَرَتِهِ ومُشَاوَرَتِهِ. والعقلُ أميرُ النَّفْسِ؛ لأَنَّهَا إِذا أرادت أمرًا شاورته، على وزن الوزير والنديم. وأراد مخالفةَ اليهود؛ لأَنَّهم يقولون: صاحبنا ميكائيل؛ لأَنَّه يأتي بالرحمة والخير، وعَدُوّنَا جبريل؛ لأَنَّه يأتي بالعذاب والبلاء. قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]. وفي حديث عمر ﵁: «الرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ، رَجُلٌ إِذَا نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ ائْتَمَرَ رَأْيَهُ» (٤) أَيْ شاور نفسه وارْتَأَى (٥) قبل مواقعة الأمر. وقيل الْمُؤْتَمِرُ: الذي يَهُمُّ بالأمرِ

стр. 231

يَفْعَلُهُ، يقال: بئس ما ائْتَمَرْتَ لنفسك، وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ بِرَأْيِهِ فلا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوَاقَعَةِ الْخَطَإِ إِلَّا في النَّادِرِ. وفي الحديث: «الشَّيْءُ أَمَارَةُ كَذَا»: أي عَلَامَتُهُ. • (أمع) وفي حديث عبد الله بن مسعود: «اُغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا، وَلَا تَكُنْ إِمَّعَةً. قِيلَ: وَمَا الإِمَّعَةُ؟ قَالَ: الَّذِي يَقُولُ أَنَا مَعَ النَّاسِ» (١). قال أبو عبيدٍ (٢): «لم يكره عبد الله أن يكون مع الناس والجماعة، ولكنه هو الذي لا رَأْيَ معه ولا عَزْمَ فهو يتابع كلَّ أحدٍ على رأيه، ولا يثبتُ على شيء». وكذلك الإِمَّرَةُ، هو الذي يوافق كلَّ إِنسانٍ على ما يريده من أمره كلِّه، والفعل منه: تَأَمَّعَ واسْتَأْمَعَ. • (أمم) وفي الحديث: «اتَّقُوا الخَمْرَ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ» (٣) أَي الَّتِي تَجْمَعُ كُلَّ خُبْثٍ.

стр. 232

قال بعضُ الأَعْرَابِ (١): «إِذَا قيل أُمُّ الشَّرِ، فهي تجمع كُلَّ شر. وإِذَا (٢) قيل أُمُّ الخيرِ، فهي تَجْمَعُ كُلَّ خيرٍ». وفي الحديث: «يُبْعَثُ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو أُمَّةً وَاحِدَةً» (٣). معناه: عَلَى دِينِ الحقِّ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ شريعةَ عِيسَى، ومات قبل مَبْعَثِ النَّبي ﷺ وقد أَخْلَصَ التوحيد، فهو مبعوث أُمَّةً وَاحِدَةً. وفي الحديث: «أَنَّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمَّةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (٤). يريد أَنَّهم بالصُّلْحِ الَّذِي وقع بينهم وبين المؤمنين كأُمَّةٍ من المؤمنين، كَلِمَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَاحِدَةٌ. وفي الحديث: «إِنْ أَطَاعُوهُمَا (يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ) فَقَدْ رَشِدُوا وَرَشُدَتْ أُمُّهُمْ» (٥). أَرَادَ بِالأُمِّ، الأُمَّةَ. قال الشيخ (٦): ويحتمل أَنَّهُ أرادَ بقوله: رشدت أُمُّهُمْ: أي ولدتهم لِرِشْدَةٍ فهم أولادُ نِكَاحِ لَا سِفَاح.

стр. 233

وفي حديث علي ﵁: «فِي الآمَّةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» (١). وفي الحديث: «فِي الْمَأْمُومَةِ» (٢) وهي الشَّجَةُ الَّتِي بَلَغَتْ أُمَّ الدِّمَاغِ، والآمَّةُ [هي] التي أَمَّتِ الدِّمَاغَ، ولفظ الحديث كَذَلِكَ. والواجب أن يقال في الْمَأْمُوم. يقال: رجل مَأْمُومٌ وأَمِيمٌ. وفي حديث كعب: «يُعَظَّمُ أَهْلُ النَّارِ لِلنَّارِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ (٣) بِأَمِّ الْبَابِ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا (٤)، غَمٌّ أَبَدًا» (٥). قال الحربي (٦): «معناه: يُقْصَدُ الْبَابُ فَيُسَدُّ عَلَيْهِمْ، قال: ولا أعرف له (٧) وجهًا غيره». وفي حديث كعب: «لَا تَزَالُ الْفِتْنَةُ مُؤَامًّا بِهَا مَا لَمْ تَكُنْ مِن الشَّامِ» (٨). مأخوذ من الأَمَمِ وهو القربُ. وتقديره مُعَامٌّ. يريد أنها لا تزال خفيفة مقَارَبًا بها ما لم تكن من فتنة الشام. وفي حديث الحسن: «لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الأمَّةِ أَمَمًا مَا ثَبَتَتْ هَذِهِ

стр. 234

الْجُيُوشُ فِي أَمَاكِنِهَا» (١). الأَمَمُ: اليسير، وهو القريب أيضًا. وفي الحديث: «بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ» (٢). وهي التي على أصل ولادة أُمَّهَاتِهَا، منسوبة إِلَى الأُمِّ، لم تتعلَّم الكتاب فهي على جبلَّتها التي وُلِدَتْ عليها. وهو النَّبِيُّ الأُمِّيُّ، معجزةً له، منسوبٌ إِلَى ما ولدته أُمُّهُ عليه مع ما يظهر عليه من العلامات الخارقة للعادة. وفي حديث ابن عباس: «لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُؤَامًّا مَا لَمْ يَنْظُرُوا فِي الْوِلْدَانِ وَالْقَدَرِ» (٣) أَيْ مُقَارَبًا، من الأَمَمِ وهو القريب، كما تقدم فيما قبل. أراد ما لم يتكلَّموا في أطفال المشركين، ولم يتنازعوا فيها، ولم يتكلَّموا في القدر، ولم يخوضوا في مذاهب أهل الأهواء المنكرين للقدر. قال الشيخ: ويحتمل عندي أن يكون اللفظ مُؤَاءَمًا مُفَاعَلًا من الوأم، وهو الموافقة. أي لا يزال أمر الأمَّة على اتِّفاقٍ واجتماعٍ وأُلْفَةٍ. من قولهم: وَاءَمَةُ مُوَاءَمَةً، أَيْ وَافَقَةُ مُوَافقةً. إِنْ ساعد النقل فهو مُتَّجَه. وفي الحديث: «لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ» (٤) يعني الرِّيح التي تَعْرِضُ

стр. 235

لَهُم فَرُبَّمَا يُغْشَى عَلَيْهِمْ مِنْهَا. وفي حديث عمر: «أَنَّهُ كُتِبَ إِلَيْهِ فِي رَجُلٍ قِيلَ لَهُ: مَتَى عَهْدُكَ بِالنِّسَاءِ؟ فَقَالَ: الْبَارِحَةَ. قِيلَ: بِمَنْ؟ قَالَ: بِأُمِّ مَثْوَايَ» (١). يعني ربَّةَ منزله، والعرب تقول لِلرَّجُلِ الَّذِي هُمْ نُزُولٌ به: هَذَا أَبُو مَنْزِلِنَا، وأَبُو مَثْوَانَا وكذلك للمرأة: أُمّ منزلنا وأُمّ مثوانا. والثَّوَاءُ: النُّزُول بالمكان للمقام [به] وفيه لغتان: ثَوَيْتُ، وَأَثْوَيْتُ. • (أمن) وفي الحديث: «الأَمَانَةُ غِنًى» (٢) قيل معناه: أَنَّهَا سَبَبٌ لِلْغِنَى (٣)، لأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالأَمَانَةِ كَثُرَ مُعَامِلُوهُ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغِنَاهُ. ويحتمل أن المراد به غِنَى الآخِرَةِ؛ لأَنَّهُ إِذَا كَانَ أَمِينًا لَمْ يَكُنْ لَهُ خُصُومٌ في الآخِرَةِ يُدْفَعُ إِلَيْهِمْ ثوابُ أعمالِه، بل تبقى له أعمالُه وثوابُها، فيكون غنيًّا في الآخرة بها. وفي الحديث: «آمِينَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ» (٤). قيل معناه: يَكْتَسِبُ صَاحِبُهُ بِقَوْلِهِ: «آمين» دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ.

стр. 236

وفي حديثٍ آخَرَ: «آمِينَ خَاتَمُ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (١). معناه (٢) أَنَّهُ طَابَعُ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، كَخَاتَمِ الْكِتَابِ الَّذِي يَصُونُهُ عَنْ إِفْسَادِهِ فهذا يدفع البلايا والآفات عنه. وفي حديث عقبة بن عامر: «قَالَ: أَسْلَمَ النَّاسُ، وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ» (٣). قيل هو إِشَارَةٌ إِلَى جماعةٍ آمنوا مع عمرٍو خوفًا من السَّيْفِ وَنَافَقُوا، فكان إِيمانُهُمْ إِسْلَامًا ظَاهِرًا يَنْطَوِي على نِفَاقٍ، وكان إِسْلَامُ عمرٍو إِخْلَاصًا، فكان إِيمانًا وتصديقًا، فهو من العامِّ الذي أُرِيدَ به الخاص. • (أمه) وفي حديث الزهري: «مَنِ امْتُحِنَ فِي حَدٍّ فَأَمِهَ ثُمَّ تَبَرَّأَ فَلَيْسَتْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ» (٤). قال أبو عبيد (٥): «أَمِهَ: أَيْ أَقَرَّ». قَالَ (٦): «وَلَمْ أَسْمَعْهُ بمعنى الإِقرار إلَّا في هذا الحديث، وهو في

стр. 237

غير هذا النِّسيان». وقرأ ابن عباس: «وَادَّكَرَ بَعْدَ أَمَهٍ» (١) [يوسف: ٤٥] أَيْ: نِسيانٍ.

стр. 238

فصل الهمزة مع النون • (أنث) في حديث إبراهيم: «كَانُوا يَكْرَهُونَ الْمُؤَنَّثَ مِنَ الطِّيبِ، وَلَا يَرَوْنَ بِذُكُورَتِهِ بَأْسًا» (١). أَرَادَ بِالْمُؤَنَّثِ، طِيبَ النِّسَاءِ مِمَّا لَهُ لَوْنٌ، كَالْخَلُوقِ وَالزَّعْفَرَان، وما أشبههما، وذكورة الطيب: كالمسك والكافور والعود وغيرها. • (أنح) «في حديث عمر» (٢) أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَأْنِحُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟ فَقَالَ: بَرَكَةٌ مِنَ اللهِ. فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ هُوَ عَذَابٌ يُعَذِّبُكَ اللهُ بِهِ» (٣). هو من الأُنُوح، وهو صوتٌ من الْجَوْفِ مَعَهُ نَفَسٌ وَبُهْرٌ، يَعْتَرِي السَّمِينَ إِذَا مَشَى يقال: أَنَحَ يَأْنِحُ بالكسر أَنْحًا وأُنُوحًا، ورجل أَنُوحٌ، وفرس أَنُوحٌ. • (أند) (٤) وفي حديث علي ﵁: «أَنَّهُ أَقْبَلَ وَعَلَيْهِ أَنْدَرَوَردِيَّة» (٥). يقال: هي فوق التُّبَّان، ودون السَّرَاوِيل، تُغطِّي الرُّكْبَةَ. قال الخطابي (٦): «أُرَاهَا مَنْسُوبةً إِلَى مَوْضِعٍ، أَوْ إِلَى صَانِعٍ».

стр. 239

• (أنف) وفي الحديث الْمَرْوِيِّ (١) فِي الْقَدَرِ الَّذِي يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَذِكْرِ مَعْبَد الْجُهَنِيِّ: «أَنَّ (٢) قَوْمًا يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ» (٣). أَيْ حَدِيثٌ بَعْدُ مُسْتَأْنَفٌ، لَمْ يَطُلِ الْعَهْدُ بِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: رَوْضَةٌ أُنُفٌ أَيْ لَمْ تُرْعَ وَكَأْسٌ أُنُفٌ أَيْ: جَدِيدٌ لَمْ يُشْرَبْ بَعْدُ مِنْهَا. ومنه قوله - تعالى -: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [سورة محمد ١٦] أَي السَّاعَةَ، وَأَنْفُ الشَّيْءِ أَوَّلُهُ. وَمِنْهُ فِي الْحَدِيثِ: «لِكُلِّ شَيْءٍ أُنْفَةٌ، فَأُنْفَةُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرَةُ الأُولَى» (٤). أَي: ابْتِدَاؤُهَا. قال الأَزْهَرِيُّ (٥): «الرِّوَايَةُ بِالضَّمِّ، وَالصَّحِيحُ أَنْفَةٌ بِالْفَتْحِ». وفي الحديث: «الْمُؤْمِنُونَ هَيْنُونَ لَيْنُونَ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ» (٦). على

стр. 240

وزن فَعِل. وهو الَّذِي قد عقره الخِطَامُ إِنْ كَانَ بِخِشَاشٍ أَوْ بُرَةٍ (١)، فهو لا يمتنع على قائده؛ لأَنَّهُ يَشْتَكي أَنْفَهُ. وكان ينبغي أن يقال: مَأْنُوفٌ؛ لأَنَّهُ فَعِلَ بِهِ ذَلِكَ، كما يقال: مَصْدُورٌ [و] مَبْطُونٌ، إِلَّا أَنَّهُ جاء شاذًّا. وقال بعضهم: الأَنِفُ هُوَ الذَّلُولُ، وهو معنى ما قدمناه. وفي حديث أَبِي بَكْرٍ ﵁ في استخلاف عُمَرَ: «أَنَّ فُلَانًا دَخَلَ عَلَيْهِ فَنَالَ مِنْ عُمَرَ وَقَالَ: لَوِ اسْتَخْلَفْتَ فُلَانًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَجَعَلْتَ أَنْفَكَ فِي قَفَاكَ، وَلَمَا أَخَذْتَ مِنْ أَهْلِكَ حَقًّا» (٢). قوله: جعلت أنفك في قفاك، يُتَأَوَّلُ على وجهين: أحدهما: أنه يريد إعراضَه عن الحق. وإِقبالَه على الباطل؛ لأَنَّ من أعرض بوجهه فقد أقبل بأنفه إلى قفاه، ولذلك قيل للمنهزم: عيناه في قفاه؛ لأَنَّهُ يُكْثِرُ الالتفات إلى ما وراءه خوفًا من الطَّلب. والوجه الآخر: أَنَّهُ أراد أَنَّكَ تُقْبِلُ بوجهِك على مَنْ وَرَاءَكَ من أشياعك فتؤثرهم ببرِّكَ، وتخصُّهم به، وتعرض عن الواجباتِ. ولهذا

стр. 241

قال: «ولَمَا أخذت من أهلك حقًّا»؛ لأَنَّكَ تُسَامِحُهم بالمداهنة. وفي مثل هذه القصة: «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ وَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ وَجَعِي. أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُ عَلَيْكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي، فَكُلُّكُمْ وَرِمَ أَنْفُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الأَمْرُ دُونَهُ». أَيْ: امْتَلأَ غيظًا من ذلك؛ لأَنَّ من اغتاظ امتلأ أَنْفُهُ حَتَّى لا يمكنه أن يَتَنَفَّسَ ويتكلَّم. ثم قال أبو بكر: «وَاللهِ لَتَتَّخِذُنَّ نَضَائِدَ الدِّيبَاجِ». وَهُوَ مَا يُنْضَدُ مِنْ الْوَسَائِدِ وَالْفُرُشِ. الواحدة نَضِيدَةٌ، والنَضَدُ: مَتَاعُ البيت الذي يُنْضَدُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. ثم قال: «وَلَتَأْلَمُنَّ النَّوْمَ عَلَى الصُّوفِ الأَذْرِيِّ» (١). وهو منسوبٌ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ «كَمَا يَأْلَمُ أَحَدُكُمُ النَّوْمَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ». أَرَادَ مِنَ التَّنَعُّمِ ثم قال: «وَاللهِ لأَنْ يُقَدَّمَ أَحَدُكُمْ فَتُضْرَبَ رَقَبَتُه فِي غيرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَخُوضَ غَمَرَاتِ الدُّنْيَا، يَا هَادِيَ الطَّرِيقِ جُرْتَ، إِنَّمَا هُوَ الْفَجْرُ أَوِ الْبَجْرُ» (٢). والْبَجْرُ: الدَّاهِيَةُ وَالأَمْرُ الْعَظِيمُ. وَمَعْنَى كَلَامِهِ، أَنَّهُ يَقُولُ: يَا مَنْ تُرِيدُ أَنْ تَهْدِيَ غَيْرَكَ، جُرْتَ، أَيْ

стр. 242

مِلْتَ عَنِ الطَّرِيقِ فَإِنَّكَ تدعو إلى الدنيا، وطريقُ الدِّين غَيْرُهُ، ثُمَّ يقول: إِنِ انْتَظَرْتَ حَتَّى يُضِيءَ لك الفجرُ أبصرتَ الطَّرِيقَ، وَإِنْ خَبَطْتَ الظَّلْمَاءَ أَفْضَى بِكَ إِلَى مَكْرُوهٍ، فلهذا قال: إمَّا الفجر أو البجر. يقال: بُجْرٌ وبَجْرٌ كلاهما بمعنى الدَّاهِيةِ. • (أنق) وفي حديث عبيد بن عمير: «مَا مِنْ عَاشِيَةٍ أَطْوَلَ أَنَقًا، وَلَا أَطْوَلَ شِبَعًا مِنْ عَالمٍ مِنْ (١) عِلْمٍ» (٢). العَاشِيَةُ: الإِبِلُ الَّتِي تَتَعَشَّى، وفي المثل: «العَاشِيَةُ تَهِيجُ الآبِيَةَ» (٣). وقوله أَطْوَل أَنَقًا: أَيْ إِعْجَابًا به، من قولك آنَقَنِي الشَّيءُ، أيْ: أَعْجَبَنِي. وروضٌ أَنِيقٌ: أيْ ناضرٌ يُعْجِبُ النَّاظِرَ. ومنه في دعاءِ الاستسقاء: «غَيْثًا أَنِيقًا» أَيْ مُؤْنِقًا. ومنه في حديث ابن مسعود: «إِذَا وَقَعْتُ فِي آلِ حَم وَقَعْتُ فِي رَوْضَاتٍ أَتَأَنَّقُ فِيهِنَّ» (٤). أَيْ أَتَتَبَّعُ مَحَاسِنَهُنَّ. وقيل: أَسْتَلِذُّ قِرَاءَتَهُنَّ، وَالأَنَقُ: الإِعْجَابُ بِالشَّيْءِ.

стр. 243

وفي حديث معاوية: «أَرَادَ بَيْضَ الأَنُوقِ» (١). الأَنُوقُ: الْعُقَابُ، وَهِيَ تَبِيضُ فِي الأَمَاكِنِ الْمُرْتَفِعَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَيْهَا يُضْرَبُ ذَلِكَ مَثَلًا لِلَّذِي يَطْلُبُ الْمُحَالَ الْمُمْتَنِعَ. • (أنك) وفي الحديث: «مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). وفي حديث آخر: «مَنْ جَلَسَ إِلَى قَيْنَةٍ لِيَسْمَعَ مِنْهَا صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣). الآنُكُ: الأُسْرُبُّ (٤). وقال أبو أمامة: «لَقَدْ فَتَحَ الْفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمُ

стр. 244

الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَتُهَا الْعَلَابِيَّ والآنُكَ وَالْحَدِيدَ» (١). العَلَابِيّ: الأَعْصَابُ، واحدتها عِلْبَاءَةٌ. قال القتبي: «وبلغني أَنَّ الْعَلَابِيَّ الرَّصَاصُ، أَوْ جِنْسٌ مِنْهُ، ولست من ذلك على يقين». • (أنن) وفي الحديث: «أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ ذَكَرُوا الأَنْصَارَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُمْ فَضَلُونَا وَآوَوْنَا وَفَعَلُوا بِنَا وَفَعَلُوا. فَقَالَ ﷺ : أَتَعْرِفُونَ ذَلِكَ لَهُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ فَإِنَّ ذَلِكَ» (٢). معناه: فَإِنَّ معرفتكم ذلك لهم مُكَافَأَةٌ منكم لهم. فَإِنَّ من لم يقدر على المكافأة بالإحسان، فالثَّنَاءُ الْحَسَنُ مُكَافَأَةٌ منه باللسان. وهذا اختصار في الكلام، إِذَا عُرِفَ مَعْنَاهُ والمقصودُ منه كان مَنْ أَفْصَحِ (٣) كَلَامِ الْعَرَبِ. ورُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ [أَنَّهُ] قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ

стр. 245

مِنْ قُرَيْشٍ، وَجَعَلَ يَمُتُّ بِقَرَابَتِهِ إِلَيْهِ فِي حَاجَةٍ، فَقَالَ عُمَرُ: فَإِنَّ ذَلِكَ (١) وَلَعَلَّ، وَلَمْ (٢) يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ» (٣). أَيْ: إِنَّ ذَلِكَ كَمَا قُلْتَ، وَلَعَلَّ حَاجَتَكَ تُقْضَى، فَأَمَرَ لَهُ بِهَا. ومِثْلُ ذَلِكَ (٤) في حديث لقيط بن عامر: «ويَقُولُ رَبُّكَ وَإِنَّهُ» (٥). وفيه قولان: أحدهما: أن يُجْعَلَ (إِنَّهُ) بمعنى نعم. والآخر: أن يُجْعَلَ الكلامُ مختصرًا مما بعده، مُقْتَصِرًا على الأول منه. كأَنَّه قال: وإِنَّهُ كذلك، أَوْ إِنَّهُ على ما تقول، أَوْ إِنَّهُ لحقٌ أو صحيحٌ، أو غير ذلك على ما قدمناه من حسن الاختصار إذا كان المقصودُ معلومًا. وفي حديث ابن مسعود: «إِنَّ قِصَرَ الْخُطْبَةِ وَطُولَ الصَّلَاةِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ» (٦). وَهُوَ مَرْفُوعٌ فِي (٧) حَدِيثِ عَمَّارٍ قال: سمعته ﷺ يقول ذلك.

стр. 246

قال أبو عبيد: «قال الأصمعي (١): سألني شعبة عنه، فقلت: هو كقولك: عَلَامَةٌ وَمَجْدَرَةٌ وَمَخْلَقَةٌ»، ومعناه: أَنَّهُ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ فِقْهُ الرَّجُلِ. وحكى أبو سليمان عن أبي عبيدٍ أنه قال: «مَظِنَّة ومَعْلَم». واحتج بقول المَرَّار: فَتَهَامَسُوا سِرًّا وَقَالُوا عَرِّسُوا … مِنْ غَيْرِ تَمْئِنَةٍ لِغَيْرِ مُعَرَّسِ (٢) وقال (٣): «هذا غلط؛ لأَنَّ التَّمْئِنَةَ تَفْعِلَةٌ مِنْ الْمَأْنِ، والميم فيه أصلية ومعناه التَّهْيِئَةُ. تَقُولُ الْعَرَبُ: مَا مَأَنْتُ مَأْنَهُ، وَلَا شَأَنْتُ شَأْنَهُ (٤): أَيْ مَا تَهَيَّأْتُ لَهُ. وَمَئِنَّةٌ مَفْعِلَةٌ، وَالْمِيمُ فِيهِ زَائِدَةٌ». واستغرب الخطابيُّ من القتبي أنه لم يستدرك ذلك على أبي عبيد مع شدة شغفه بتتبع سقطاته. قال الشيخ (٥): وَقَدِ اسْتَقْصَيْتُ الكلامَ على هذا في المفهم لصحيح مسلم، وَوَجْهُ الكلام أن يقالَ: مَئِنَّةٌ: مَفْعِلَةٌ مبنية من لفظ (إنَّ) التي هي كلمة التأكيد في الإثبات فَإِنَّ من قال: إِنَّ زيدًا قائمٌ، مثلًا. كَأَنَّهُ

стр. 247

بالغ في الإخبار عن قيامه بِإِنَّ، فكأنه ﵇ أراد أَنْ يُ خْبِرَ عَنْ تَمَامِ فقه الرجل مبالغةً فيه، فَبَنَى من لفظ (إِنَّ) هذه الكلمة. هذا هو الأوجه. والعرب تبني عند إرادةِ استحقاق الشَّيْءِ شبه المبالغة أمثال ذلك في مَفْعَلَةٍ وَمَفْعِلَةٍ كقولهم: مَجْبَنَةٌ وَمَبْخَلَةٌ وَمَجْدَرَةٌ وغير ذلك. وَكَلَامُ أَبِي عبيدٍ في معناه صحيحٌ، ووجه استشهاده بالبيت فاسدٌ. وقد ذكر الخطابيُّ في أثناء كلامه أن الْمَأْنَ مُعْتَلُّ العين وفيه نوع إنكارٍ عليه، إِذْ هو مهموز العين، والمهموز جنسٌ من الكلام كالمضاعف. لا يقال لهما المعتل، إذِ المعتلُّ ما فيه أَحَدُ حروفِ العلة. اللهم إِلَّا أن يُدَّعَى إِطْلَاقُ لفظ (١) المعتلِّ على ما سوى الصحيح فحينئذ يدخل المهموز والمضاعف تحت إطلاق المعتل. وإن لم يساعد على هذا الإِطلاقُ فالإِنكارُ عليه مُتَّجه فيما قال، والله أعلم. • (أنى) وفي الحديث: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فجعل يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، فَقَالَ ﷺ : آذَيْتَ وَآنَيْتَ» (٢). معناه: أَخَّرْتَ الْمَجِيءَ وَأَبْطَأْتَ، ومنه قيل لِلْمُتَمَكِّثِ فِي الأُمُورِ مُتَأَنٍّ. قال الهروي (٣): «يُقَالُ أَنَيْتُ وآنيت بمعنًى»، وَآنَاءُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ

стр. 248

أَوْقَاتُهُمَا وَسَاعَاتُهُمَا وَاحِدَتُهَا (١) إِنًى، مثل مِعًى وَأَمْعَاءٍ، وَإِنْيٌ (٢) مثل نِحْيٍ وَأَنْحَاءٍ، وَأَنًى مثل قَرًى وَأَقْرَاء.

стр. 249

فصل الهمزة مع الواو • (أوب) في حديث عكرمة: «كَانَ طَالُوتُ أَيَّابًا» (١). تفسيره في الحديث: «أَنَّهُ كان سقّاءً»، وأصله من الأَوْبِ، يقال آب يَؤوبُ أَوْبًا وَأَوْبَةً وإِيَابًا إِذَا رجع، وفلان سريع الأَوْبَةِ. قال أبو عبيدة: «وقوم يُحَوِّلُونَ الواو ياءً، فيقولون: سريع الأَيْبَةِ، فيحمل قوله: أَيَّابًا عَلَيْهِ». • (أود) وفي الحديث: «وَأَقَامَ الأَوَدَ» (٢). الأَوَدُ: الْعَوَجُ، وقد تَأَوَّدَ الشَّيْءُ إِذَا اعْوَجّ (٣). • (أوق) وفي الحديث: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ» (٤). الأُوقِيَّةُ: أربعون درهمًا، وجمعها أَوَاقٍ.

стр. 250

ومنه: «لَيْسَ (١) فِيمَا دُون خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» (٢). وقد تُشَدَّدُ فيقال: أَوَاقِيّ، ويقال: وُقِيَّةٌ. ووزنها أُفْعُولَةٌ. والهمزة زائدة، ولكنها لَمَّا لزمت في الواحد والجمع صارت كالأصل، وحقها أن تذكر في فصل الواو والقاف. • (أول) وفي الحديث عن الأحنف بن قيس: «بَلَوْنَا بَنِي فُلَانٍ، فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَهُمْ إِيَالَةً لِلْمُلْكِ» (٣). أيْ سياسة، يقال: فلان حسن الإِيالَةِ، إِذَا كان حَسَنَ الْقِيَامِ عَلَى مَالِهِ. ويقال: «أُلْنَا وَإِيلَ عَلَيْنَا» (٤). أي سُسْنَا وَسَاسُونَا، وكذلك الإِبَالَةُ. قال (٥) القتبي: «وأحسبه من الإبِل، يقال لِلرَّاعِي الحسن الرِّعْيَةِ: إِنَّهُ تَرْعِيَّةٌ آبِلٌ». وهو من باب الهمزة والباء. وفي الحديث: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ فَلَا صَامَ وَلَا آلَ» (٦).
следующие страницы →