Полный текст (3 443 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
فصل الحاء مع الثّاء
• (حثل) وفي الحديثِ في دُعاءِ الاسْتِسْقَاءِ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْ بَهَائِمَنا الحائِمَةَ، والأَطْفالَ المُحْثَلَةَ» (١).
هم الذينَ انْقَطَعَ رَضاعُهُمْ، والحَثْلُ: سُوءُ الرَّضَاعِ وَسُوءُ الحالِ. وَيُقالُ لِرُذالَةِ النَّاسِ: الحُثالَةُ.
وَمِنْهُ في الحديثِ: «كَيْفَ أَنْتَ (٢) إِذا بَقِيتَ في حُثَالَةٍ مِن النَّاسِ!» (٣).
أَيْ: رُذَالَةٍ. والحُثَالَةُ: الرَّدِيءُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
وفي حديثٍ آخر: «اللَّهُمَ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَبْقَى فِي حَثْلٍ مِن النَّاسِ، لا تُبالِي أَغَلَبُوا أَمْ غُلِبُوا» (٤).
• (حثي) وفي حديثِ عُمَرَ أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «دَعانِي عُمَرُ، فَإِذا بَيْنَ يَدَيْهِ حَصِيرٌ عَلَيْهِ الذَّهَبُ مَنْثُورًا نَثْرَ الحَثَى فَأَمَرَنِي بَقَسْمِهِ» (٥). стр. 702
الحَثَى (١): التَّبْنُ، وَيُقالُ: هو دُقاقُ التِّبْنِ. стр. 703
فصل الحاء مع الجيم
• (حجب) وفي الحديثِ: «أَنَّ أَبا جَهْلٍ قالَ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَلَكِنَّ بَنِي قُصَيٍّ قالوا: فِينا الحِجابَةُ. فَقُلْنا: نَعَمْ. ثُمَّ قالوا: فينا اللِّواءُ. قُلْنا: نَعَمْ. ثُمَّ قالوا: وَفِينا النَّدْوَةُ. قُلْنا: نَعَمْ. ثُمَّ قالوا: فينا السِّقايَةُ. قُلْنا: نَعَمْ. ثُمَّ أَطْعَموا وَأَطْعَمْنا، حَتَّى إِذا تَحَاكَّتِ الرُّكَبُ، قالوا: مِنَّا نَبِيٌّ. واللهِ لا نَفْعَلُ» (١).
الحِجابَةُ: حِجابَةُ البَيْتِ، وهي في بَنِي عَبْدِ الدَّارِ. واللِّواءُ: لِواءُ الحَرْبِ، وهو فيهم.
والنَّدْوَةُ: الاجْتِمَاعُ لِلْمَشُورَةِ، وكانوا إذا حَزَبَهُمْ أَمْر تَنادَوا في دارِ عَبْدِ مَنافٍ.
وفي الحديثِ: «إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَقَع الحِجابُ. قيل: يا رَسُولَ اللهِ! وَما الحِجابُ؟. قالَ: أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وهي مُشْرِكَةٌ» (٢).
قالَ ابنُ مَسْعُودٍ: «مَن اطَّلَعَ الحِجابَ واقَعَ ما وَرَاءَهُ».
قالَ: إذا ماتَ الإِنْسانُ وَاقَعَ ما وَراءَ الحِجابَيْنِ: حِجابِ الجَنَّةِ، وَحِجابِ النَّارِ لأَنَّهُما قَدْ خَفِيا. стр. 704
• (حجج) وفي الحديثِ: «تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى … » الحديثُ المَعْرُوفُ، إلى أَنْ قالَ فِي آخِرِهِ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» (١).
مَعْناهُ: احْتَجَّ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما عَلى صاحِبِهِ بِحُجَّتِهِ ثُمَّ حَجَّ آدَمُ موسى، أي: غَلَبَ آدَمُ مُوسَى بِالحُجَّةِ (٢) وَأَلْزَمَهُ ما أَسْكَتَهُ بِهِ.
يُقالُ: حاجَجْتُهُ فَحَجَجْتُهُ. أي: غَلَبْتُهُ بِالحُجَّةِ.
وفي الحديثِ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فقالَ: مَا جِئْتُكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْ حاجَةً ولا داجةً إلا أَتَيْتُها» (٣).
فَسَّرَهُ القُتَبِيُّ فقالَ: «مَعْناهُ: أَنَّهُ لَمْ يَدَعْ شَيْئًا دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَيْهِ مِن المَعاصِي إِلَّا رَكِبَهُ، وَداجةٌ: إِتْبَاعٌ كَقَوْلِهِم شَيْطَانٌ لَيْطانٌ» (٤). стр. 705
وَقَدْ رُوِيَ الحَرْفُ مُثَقَّلًا فَقِيلَ: «لَمْ يَتْرُكْ حاجَّةً ولا داجَّةً إِلَّا اقْتَطَعَها بِيَمِينِهِ هَلْ لَهُ تَوْبَةٌ؟» (١).
وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ: الحاجَّةُ: الحُجَّاجُ إِذا أَقْبَلُوا، والدَّاجَّةُ إِذا رَجَعُوا.
وَقِيلَ: الحاجَّةُ: القاصِدُونَ البَيْتَ، والدَّاجَّةُ: مَنْ كانَ في صُحْبَتِهِمْ مِن مُكارٍ وتاجِرٍ وأَتْباعٍ.
وَعَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ قالَ: هُمُ الحاجُّ والدَّاجُّ والنَّاجُّ. فالحاجُّ: أَصْحابُ النِّيَّاتِ والعِبادَةِ، والدَّاجُّ: الأَتْباعُ، والنَّاجُّ: المُراءُونَ (٢).
وَأَمَّا المُخَفَّفُ الذي ذَكَرْناهُ أَوَّلًا فَلَيْسَ مِن هذا الفَصْلِ (٣).
• (حجر) في الحديثِ: «أَنَّ الأَعْرَابِيَّ لَمَّا قالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَمُحَمَّدًا وَلا تَغْفِرْ مَعَنا أَحَدًا قَالَ ﵇: لَقَدْ تَحَجَّرْتَ واسِعًا» (٤). стр. 706
مَعْنَاهُ: ضَيَّقْتَ ما وَسَّعَهُ اللهُ مِنْ رَحْمَتِهِ، حَيْثُ قَالَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١).
وَأَصْلُ الكَلِمَةِ: المَنْعُ، وَمِنْهُ الحَجْرُ عَلى اليَتِيمِ، والحِجْرُ: الحَرامُ لأَنَّهُ مُنِعَ مِنْهُ، والحِجْرُ: العَقْلُ لأَنَّهُ يَحْجُرُ الجَهْلَ عَلى صَاحِبِهِ.
وفي حديثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «أَنَّهُ تَرَكَ الغَزْوَ عَامًا فَبَعَثَ مَعَ رَجُلٍ صُرَّةً فقالَ: إِذا رَأَيْتَ مِن القَوْمِ رَجُلًا يَسِيرُ حَجْرَةً فَادَفَعُها إِلَيْهِ» (٢).
أي: يَسِيرُ ناحِيَةً، وَحَجْرَةُ كُلِّ شَيْءٍ: ناحِيَتُهُ، وَجَمْعُها (٣) حَجَرات.
ومِنْهُ في الحديثِ: «للنِّساءِ حَجْرَتا الطَّرِيقِ» (٤). أي: ناحِيَتاهُ.
وفي الحديثِ: «أَنَّهُ ﷺ احْتَجَرَ حُجْرَةً فِي المَسْجِدِ يُصَلِّي فيها بِخَصَفةٍ أَوْ حَصِيرٍ» (٥).
أي: اتَّخَذَ شِبْهَ الحُجْرَةِ.
وفي الحديثِ: «أَنَّهُ ﷺ كَتَبَ لِوائِلِ بنِ حُجْرٍ كِتابًا، فَذَكَرَ فِيهِ أَلْفَاظًا стр. 707
مِنها أَنَّهُ قالَ: بِما كَانَ لَهُمْ فيها - يَعْنِي في حَضْرَمُوتَ - مِنْ مُلْكٍ وَعُمْرانٍ وَمَزاهِرَ وَعُرْمان وَمِلْحٍ وَمَحْجِرٍ … إلى آخِرِ الحديثِ» (١).
مَحْجِر: قَرْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ فيها.
وقالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ المَحْجِنُ - بِالنُّونِ - وَمَحاجِنُ النَّخْلِ: حَظَائِرُ تُتَّخَذُ حَوْلَها (٢).
وقالَ أبو عَمْرٍو: هُو المَحْجِرُ، وهو الحَدِيقَةُ والمَحاجِرُ: الحدائِقُ (٣).
والعُرْمانُ: المَزارِعُ.
والعُرْمَةُ: الكَدِيسُ، وهو حَصِيدُ الزَّرْعِ إِذا دُقَّ قَبْلَ أَنْ يُذَرَّى.
والمَزاهِرُ: الرِّياضُ.
وفي الحديثِ: «أَنَّهُ لَقِيَ جِبْرِيلَ ﵇ بِأَحْجَارِ المِراءِ» (٤).
قيلَ: هي قُباءُ.
وفي حديثِ الأَحْنَفِ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ ﵁ حِينَ دُعِيَ عَمْرُو بنُ العاصِ لِلْحُكُومَةِ: «لَقَدْ رُمِيْتَ بِحَجَرِ الأَرْضِ» (٥).
مَعْناهُ: بِداهِيَةٍ عَظِيمَةٍ، كَأَنَّهُ قالَ: بِكُلِّ حَجَرِ الأَرْضِ. стр. 708
وفي حديثِ الدَّجَّالِ: «مَطْمُوسُ العَيْنِ لَيْسَتْ بِناتِئَةٍ ولا حَجْراءَ» (١).
إِنْ كانَتْ هذه الكَلِمَةُ مَحْفُوظَةً - بِتَقْدِيمِ الحاءِ - فَمَعْناها، أَنَّها لَيْسَتْ بِصُلْبَةٍ مُتَحَجِّرَةٍ.
وَقَدْ رُوِيَتْ جَحْراء - بِتَقْدِيمِ الجِيمِ -، وَقَدْ فَسَّرْناهُ في بابِهِ (٢).
وفي حديثِ عُمَرَ: «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُ: كَيْفَ إِذَا وَلِيتَ يا عُمَرُ؟ قالَ: وَحَجْرًا (٣) لَقَدْ لَقِيتُ إِذًا شَرًّا».
مَعْنَى قَوْلِهِ: «حَجْرًا» أي: مَنَعَنِي اللهُ مِنْهُ، دَعا لِنَفْسِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ اللهُ مِن الوِلايَةِ.
• (حجز) في الحديثِ: «لأَهْلِ القَتِيلِ أَنْ يَنْحَجِزُوا، الأَدْنَى فالأَدْنَى، وإِنْ كانَتْ امْرَأَةً» (٤).
مَعْناهُ: أَنْ يَكُفُّوا عَن القَوَدِ.
وَمَعْنَى الكَلامِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ أَرادَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ حَقِّهِ، وَيَنْكَفَّ عَنِ اسْتِيفاءِ القَصاصِ، فَلَهُ ذَلِكَ، سَواءٌ كَانَ رَجُلًا أَو امْرَأَةً، قَلَّ نَصِيبُهُ أَوْ كَثُرَ. стр. 709
وَفِي حديثِ قَيْلَةَ: «أَيُلامُ ابنُ ذِهِ أَنْ يَفْصِلَ الخُطَّةَ، وَيَنْتِصِرَ مِنْ وَرَاءِ الحَجَزَةِ!» (١).
الحَجَزَةُ: الرِّجالُ الذين يَحْجُزُونَ مِن النَّاسِ وَيَمْنَعُونَ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ.
وابنُ ذِه: الإِنْسانُ.
وَمَعْناهُ: أَنَّ مَنْ ظُلِمَ بِظُلامَةٍ فاحْتَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَعَبَّرَ بِلِسَانِهِ ما يَدْفَعُ بِهِ الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مَلومًا عَلى ذَلِكَ، وَصَفَتْهُ بِجَوْدَةِ الرَّأْيِ وَحَمِدَتْهُ بِدَفْعِهِ الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ.
وفي حديثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ فقالَ: «أَشَدُّنا حُجَزًا، وَأَطْلَبُنا لِلأَمْرِ لا يُنالُ فَيَنالُونَهُ» (٢).
يُقالُ: رَجُلٌ شَدِيدُ الحُجْزَةِ. أي: صَبُورٌ عَلى الشِّدَّةِ والجَهْدِ.
وفي الحديثِ فِي صِفَةِ أَهْلِ النَّارِ: «وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إلى حُجْزَتِهِ» (٣).
الحُجْزَةُ: نَيْفَقُ السَّرَاوِيلِ (٤)، كَنَى بِها عَنْ وَسَطِهِ الذي هو مَوْضِعُ الحُجْزَةِ. стр. 710
وفي الحديثِ: «تَزَوَّجُوا فِي الحُجْزِ الصَّالِحِ فَإِنَّ العِرْقَ دَسَّاسٌ» (١).
أي: في الأَصْلِ الصَّالِحِ، يُقالُ: فُلانٌ مِنْ حُجْزٍ صِدْقٍ وَمِنْ سِنْخٍ (٢) صِدْقٍ.
وَقِيلَ: الحُجْزُ: العَشِيرَةُ لأَنَّهُ يُحْتَجَزُ بِهِمْ.
• (حجف) في حديثِ أَنَسٍ: «لَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بَحَجَفَةٍ لَهُ - وكانَ رَجُلًا رامِيًا شديدَ القَدِّ» (٣).
الحَجَفَةُ: التُّرْسُ.
• (حجل) وفي الحديثِ: «أَنَّهُ قَالَ ﷺ لِزَيْدٍ: «أَنْتَ مَوْلانَا» فَحَجَلَ زَيْدٌ» (٤).
الحَجْلُ: أَنْ يَرْفَعَ رِجْلًا وَيَقْفِزَ عَلى الأُخْرَى مِن الفَرَحِ، وَقَدْ يَكُونُ بالرِّجْلَيْنِ جَميعًا.
وقال اللَّيْثُ: «الحَجْلُ: مَشْيُ المُقَيَّدِ» (٥). стр. 711
وفي الحديثِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْعُو قُرَيْشًا وَقَدْ جَعَلُوا طَعَامِي كَطعامِ الحَجَلِ» (١).
الحَجَلُ: القَبَجُ يَأْكُلُ الحَبَّةَ بَعْدَ الحَبَّةِ لا يَجِدُّ.
قالَ الأَزْهَرِيُّ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ غَيْرُ جَادِّينَ في إجابَتِي حِينَ أَدْعُوهُمْ إلى الإسْلامِ وَلا يَدْخُلُ مِنْهُم في دِينِ اللهِ إِلَّا الواحِدُ بَعْدَ الواحِدِ (٢).
وفي حديثِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: «فَنَظَرْتُ إلى خاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلِ زِرِّ الحَجَلَةِ» (٣).
الحَجَلَةُ: السِّتْرُ الذي يُعَلَّقُ مِن البَيْتِ.
والزِّرُّ: مِن زِرِّ القَميصِ. وَكَأَنَّ الخاتَمَ كالثَّآليلِ (٤)، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرادَ أَنَّهُ كالزِّرِّ الذي يُوضَعُ على السُّتُورِ يَدْخُلُ بَعْضُهُ في البَعْضِ.
قالَ الشَّيْخُ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدُ -: فَراجَعْتُ فِيهِ جَمَاعَةً مِن العُلَماءِ فَلَمْ يَأْتُوا فِيهِ بِما يُقْنِعُ، وَراجَعْتُ الكُتُبَ فَلَمْ أَعْثُرْ عَلى تَفْسِيرٍ стр. 712
شافٍ، حَتَّى رَأَيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أَنَّ زِرَّ الشَّيْءِ: أَصْلُهُ، فَاسْتَنْبَطْتُ مِنْهُ أَنَّهُ أَرادَ بِالحَجَلَةِ: القَبَجَةَ، وَزِرُّها بَيْضُها الذي هو أَصْلُها (١)، إذْ في بَعْضِ الرِّواياتِ «مِثْلُ بَيْضِ الحَمامَةِ» (٢).
فَبِدَلالَةِ هذه اللَّفْظَةِ ظَهَرَ وَجْهُ ما اسْتَنْبَطْتُهُ. واللهُ أَعْلَمُ.
• (حجم) وفي الحديثِ: «إِنَّ المَرْأَةَ لا تَلْبَسُ رِقَاقَ الثِّيابِ حَتَّى لا تَصِفَ حَجْمَ عِظامِها» (٣).
قالوا: الحَجْمُ عِنْدَ العَرَبِ: النَّشُوزُ والنُّتُوءُ.
أَرادَ: لا يَلْتَصِقُ الثَّوْبُ بِبَدَنِها فَيَحْكِي ما نَشَزَ ونَتَأَ مِن عِظامِها وَلَحْمِها، لأَنَّ ذَلِكَ إِذا أَظْهَرَهُ وَبَيَّنَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الواصِفِ لَها بِلِسانِهِ.
• (حجن) وفي الحديثِ: «تُوْضَعُ الرَّحِمُ يَوْمَ القِيامَةِ لَهَا حُجْنَةٌ كَحُجْنَةِ المِغْزَلِ» (٤). стр. 713
أَرادَ بِهِ: الصِّنَّارَةَ، وهي الحَدِيدَةُ المُعَقَّفَةُ التي يُعَلَّقُ بِها الخَيْطُ ثُمَّ يُفْتَلُ المِغْزَلُ، وَكُلُّ شَيْءٍ انْعَقَفَ فهو أَحْجَنُ بَيِّنُ الحُجْنَةِ كَمَا يُقالُ: أَحْمَرُ بَيِّنُ الحُمْرَةِ. ومِنْهُ المِحْجَنُ في الحديثِ (١)، شِبْهُ الصَّوْلَجانِ.
وصاحِبُ المِحْجَنِ: الذي كانَ يَسْرِقُ مِنْ الحاجِّ في الجاهِلِيَّةِ.
ومنه في حديثِ أَبِي بَكْرٍ: «كانَ يَخْرِشُ بَعِيرَهُ بِمِحْجَنِهِ» (٢).
وهو العَصا المُعْوَجَّةُ كَالصَّوْلَجَانِ.
وفي حديثِ عبد اللهِ بنِ عامِرٍ (٣) في وَصِيَّتِهِ: «عَلَيْكُمْ بالمالِ واحْتِجانِهِ» (٤).
فالاحْتِجانُ: ضَمُّكَ الشَّيْءَ إِلى نَفْسِكَ وَإِمْسَاكُكَ إِيَّاهُ.
وسمّي الصَّوْلَجانُ: المِحْجَنَ، لأَنَّهُ يُجْذَبُ بِهِ الشَّيْءُ.
وفي حديثِ عُمَرَ أَنَّهُ قالَ لِبِلالِ بنِ الحارِثِ: «ما أَقْطَعَكَ ﵇ العَقِيقَ لِتَحْتَجِنَهُ» (٥). أي: تَحُوزَهُ وَتَمْتَلِكَهُ دُونَ النَّاسِ. стр. 714
والأَصْلُ في الكَلِمَةِ ما ذَكَرْناهُ.
وفي الحديثِ: «أَنَّهُ كانَ ﷺ على الحُجُونِ كَئيبًا لَمَّا آذَاهُ المُشْرِكُونَ» (١).
الحَجُونُ: مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ فِيهِ اعْوِجاجٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مَكَّةُ.
وقيلَ: هو الجَبَلُ المُشْرِفُ بِحِذاءِ المَسْجِدِ، الذي يَلِي شِعْبَ الجَزَّارِينَ (٢)، إلى ما بَيْنَ الحَوْضَيْنِ في حائِطِ عَوْفٍ وَبُيُوتِ ابنِ الصَّيْقَلِ (٣).
• (حجي) في حديثِ عبد اللهِ بنِ مَسْعُودٍ: «إِنَّكُمْ مَعَاشِرَ هَمْدانَ مِن أَحْجى حَيٍّ، يَمُوتُ أَحَدُكُمْ فَلا يَتْرُكُ عَصَبَةً، فإذا كانَ كَذَلِكَ فَلْيُوصِ بِمالِهِ كُلِّهِ» (٤).
قالَ الخَطَّابِيُّ: «قَوْلُهُ: «مِنْ أَحْجى» أي: مِنْ أَجْدَرِ ومِنْ أَوْلَى، يُقالُ: أَحْجِ بِذَلِكَ وأَحْرِ بِهِ وَأَقْمِنْ وَأَجْدِرْ: كُلُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ» (٥).
وقالَ آخرون: هو مِن الحِجَى وهو العَقْلُ.
مَعْناهُ: إِنَّكُمْ أَعْقَلُ الأَحْياءِ، والعَقْلُ مُوجِبُ ذَلِكَ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ بُطْلانَ الوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِن الثُّلُثِ إِنَّما هُو لِحَقِّ الوَرَثَةِ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ وَرَثَةٌ فَلَهُ стр. 715
أَنْ يَضَعَ مَالَهُ حَيْثُ شاءَ.
وفي الحديثِ: «أَنَّ عُمَرَ رَأَى ناقَةً قَدْ انْكَسَرَتْ لِفُلانٍ، فقالَ: واللهِ ما هِيَ بِمُغِدٍّ فَيَسْتَحْجِيَ لَحْمُها» (١).
المُغِدُّ: النَّاقَةُ التي قَدْ أَخَذَتْها الغُدَّةُ وهي الطَّاعُونُ.
وَقَوْلُهُ: فَيَسْتَحْجِي، أي: يَتَغَيَّرُ رَائِحَةُ لَحْمِها مِن المَرَضِ العارِضِ لَها.
وفي بَعْضِ الأَحادِيثِ: «رَأَيْتُ عِلْجًا يَوْمَ القَادِسِيَّةِ قَدْ تَكَنَّى (٢) وَتَحَجَّى فَقَتَلْتُهُ» (٣).
يُقالُ: تَحَجَّى: إِذا زَمْزَمَ. والحِجاءُ - مَمْدُودٌ -: الزَّمْزَمَةُ. стр. 716
فصل الحاء مع الدّال
• (حدأ) وفي حديثِ لُقْمانَ بنِ عادٍ (١): «إِنْ أَرَ مَطْمَعِي فَحِدَةٌ تَلَمَّعُ» (٢).
الحِدَأُ: جَمْعُ حِدَأَةٍ، وهي الطَّائِرُ المَعْرُوفُ الذي يَنْقَضُّ على اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ فَيَسْلُبُهُ.
مَعْناهُ: إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا انْقَضَضْتُ عَلَيْهِ كَما تَنْقَضُ الحِدَأُ.
ويُقالُ: لَمَّعَ الطَّائِرُ بِجَناحَيْهِ: إِذا خَفَقَ بِهِما.
وَأَمَّا الفَأْسُ فهي حَدَأَةٌ وَجَمْعُها: حَدَأٌ.
• (حدب) وفي حديثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الأَشْعَثِ (٣): أَنَّهُ كَتَبَ إلى الحَجَّاجِ: «سَأَحْمِلُكَ عَلَى صَعْبٍ حَدْبَاءَ (٤) حِدْبارٍ يَنِجُّ ظَهْرُها» (٥). стр. 717
يُقالُ: ناقَةٌ حِدْبارٌ وَحِدْبِيرٌ، وهي التي بَدَا عَظْمُ ظَهْرِها، وَنَشَزَتْ حَراقِفُها مِن الهُزالِ.
أَرَادَ أَنَّهُ يُرِيهِ مَا يُؤْذِيهِ وَيُتْبِعُهُ، كَمَنْ يَرْكَبُ دَابَّةً مَهْزُولَةً يَتَأَذَّى بِعِظَامِهَا مِنْ هُزالِها.
• (حدث) في الحديثِ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ، فَمَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ» (١).
مَعْنَاهُ: مَنِ ابْتَدَعَ فيها بِدْعَةً لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا، أَوْ اسْتَحَلَّ مِنْهَا مَا حَرَّمَهُ ﷺ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ مِنْ حَرَمِ مَكَّةَ. ذَكَرَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي إِثْبَاتِ حُرْمَتِهَا.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: مَن ارْتَكَبَ فيها ما يُوْجِبُ الحَدَّ عَلَى صاحِبِهِ أو آوَى مَن الْتَّجَأَ إِلَيْهِ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ حَدٌّ فَلَا يَسْقُطُ الحَدُّ عَنْهُ، كَمَنِ الْتَجَأَ إِلَى مَكَّةَ.
وَلِلْعُلَمَاءِ فِي اسْتِيفَاءِ ذَلِكَ فِي الحَرَمِ خِلافٌ (٢). стр. 718
وفي الحديثِ: «قَدْ كانَ في الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي فَعُمَرُ» (١).
مَعْناهُ: أَنَّهُمْ يُصِيبُونَ وَجْهَ الصَّوابِ إِذا ظَنُّوا ظَنًّا فَكَأَنَّهُمْ حُدِّثُوا بِذَلِكَ، وقالَ ذَلِكَ لإصابَةِ عُمَرَ وَجْهَ الصَّوابِ وَسَدادَ الرَّأْيِ فيما يُشِيرُ بِهِ أَوْ يَراهُ. كما قالَ ﷺ : «الحَقُّ يَنْطِقُ عَلى لِسانِ عُمَرَ» (٢).
وفي حديثِ الحَسَنِ: «حادِثُوا هَذِهِ القُلُوبَ بِذِكْرِ اللهِ» (٣).
مَعْناهُ: اجْلُوها واصْقُلوها بِتَجْدِيدِ ذِكْرِ اللهِ وَحَدَاثَةِ العَهْدِ بِهِ، ولا تَنْسَوْهُ فَيَطُولَ العَهْدُ بِهِ، كَما يُحادَثُ عَهْدُ السَّيْفِ بالصِّقالِ.
وفي الحديثِ أَنَّهُ قَالَ ﷺ لِعائِشَةَ: «لَوْلا حِدْثانُ قَوْمِكِ بالإِسْلامِ стр. 719
لأَمَرْتُ أَنْ يُهْدَمَ البَيْتُ وَيُبْنَى عَلى قَواعِدِ إِبْراهِيمَ» (١).
مَعْناهُ: لَوْلا قُرْبُ عَهْدِهِمْ بِالجاهِلِيَّةِ وَأَوَّلِ إِسْلامِهِمْ.
مَصْدَرٌ مِن الحَداثَةِ وَحُدُوثِ الشَّيْءِ.
• (حدج) في حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ: «حَدِّثِ القَوْمَ مَا حَدَجُوكَ بِأَبْصارِهِمْ» (٢).
أي: رَمَوْكَ بِها وَنَظَرُوا إِلى كَلامِكَ مُسْتَمِعِينَ مُسْتَطِيبِينَ (٣) إِيَّاهُ.
أي: حَدِّثْهُم ما اشْتَهَوْا كَلامَكَ، فإذا مَلُّوهُ فلا تَزِدْ وَاسْكُتْ.
وفي حديثِ المِعْراجِ: «أَلَمْ تَرَوا إلى مَيِّتِكُمْ حِينَ يَحْدِجُ بِبَصَرِهِ فَإِنَّما يَنْظُرُ إلى المِعْراجِ» (٤).
أي: حينَ يَرْمِي بِبَصَرِهِ. стр. 720
وفي حديثِ عُمَرَ أَنَّهُ قالَ: «حَجَّةً هَهُنا ثُمَّ أَحْدِجُ هَهُنا حَتَّى تَفْنَى» (١).
مَعْناهُ: أَحُجُّ مَرَّةً وَأَغْزُو أُخْرَى.
والحدْجُ: شَدُّ الأَثْقالِ والأَحمالِ وَتَوْسِيقُها (٢).
والحِدْجُ: المَرْكَبُ، وَجَمْعُهُ: حُدوجٌ.
وَشُدَّ الحِداجَةَ: وهي القَتَبُ بِأَداتِهِ.
وفي حديثِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قالَ لأَبِي جَهْلٍ: «واللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ في النَّوْمِ أَنِّي أَخَذْتُ حَدَجَةَ حَنْظَلٍ فَوَضَعْتُها بَيْنَ كَتِفَيْكَ» (٣).
الحَدَجَةُ (٤): الحَنْظَلَةُ إِذا صَلُبَتْ وَاشْتَدَّتْ، وَجَمْعُها: حَدَجٌ، يُقالُ: قَدْ أَحْدَجَتِ الشَّجَرَةُ. وهي مِن البِطِّيخِ أَيْضًا: أَوَّلُ ما يَنْعَقِدُ وَيَصْلُبُ وَيَشْتَدُّ.
وفي الحديثِ: «أَنَّ أَصْحابَهُ ﷺ يَتَبادَحونَ بِالحَدَجِ» (٥).
أي: يَتَرامُونَ بِهِ، يَتَمازَحُونَ. стр. 721
• (حدد) في الحديثِ: «أَنَّ أَبا جَهْلٍ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُ - تعالى -: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ (١) قَالَ: أَنا أَكْفِيكُمْ بِنَفْسِي كَذَا وَكَذَا، وَأَنْتُمْ تَكْفُوني (٢) الباقِي مِنْ هَؤُلاءِ الملائِكَةِ الخَزَنَةِ. فقالَ أَصْحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «تَقِيسُ الملائِكَةَ بِالْحَدَّادِينَ!» (٣).
يَعْنِي: السَّجَّانِينَ. والحَدَّادُ: البَوَّابُ.
وَأَصْلُ الحَدِّ: المَنْعُ، وَحَدُّ الدَّارِ: هو النِّهايَةُ التي تَمْنَعُ ما وَراءَهُ.
وَحُدودُ اللهِ: المواضِعُ التي مُنِعَ عَنْ قُرْبِهِنَّ أَوْ مُجاوَزَتِهِنَّ.
وفي الحديثِ: «لا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يُحِدَّ عَلى مَيِّتٍ أَكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أَيَّامٍ» (٤). стр. 722
يُقالُ: أَحَدَّتِ المَرْأَةُ على زَوْجِها فَهِيَ مُحِدٌّ، وحَدَّتْ تَحُدُّ وَتَحِدُّ إِذا تَسَلَّبَتْ (١) عَلَيْهِ وَامْتَنَعَتْ مِن الزِّينَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ الحِدادِ.
وفي الحديثِ: «خيارُ أُمَّتِي أَحِدَّاؤُهَا» (٢).
جَمْعُ حَديدٍ: وهو الذي فيهِ حِدَّةٌ وَسَوْرَةٌ، يَجِيشُ قليلًا مِن الأَشْياءِ ثُمَّ يَهْدَأُ وَيَسْكُنُ سَريعًا، وَلا يَكُونُ حَقُودًا حَنِقًا يَنْطَوِي على سَخِيمةٍ وَبُغْضٍ، وَلا يلينُ ولا يَرْعَوِي عَنْ غُلَوائِهِ (٣). وَقَدْ تَكُونَ الحِدَّةُ بِمَعْنَى الخِفَّةِ فِي التَّصَرُّفِ وَمُلابَسَةِ الأُمُورِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ بَطِيئًا ثَقِيلًا مُتكاسِلًا عن الحُقُوقِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
وفي الحديثِ: «عَشْرٌ مِن السُّنَّةِ … وَعَدَّ مِنْ ذَلِكَ الاسْتِحْدادَ» (٤). стр. 723
وهو حَلْقُ العانَةِ بالحَديدِ لأَنَّ القَوْمَ ما عَرَفُوا النُّورَةَ (١).
وَمِنْهُ الحديثُ: «أَنَّهُ نَهى عَنْ الطُّروقِ لَيْلًا. وقالَ: لا تُغافِصُوا (٢) أَهْلِيكُمْ، وَأَمْهِلُوا حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ» (٣).
وهو استِفْعالٌ من الحَديدِ بِمَعْنَى الاسْتِحْلاقِ، أَرادَ بِذَلِكَ أَنْ تُنَقِّيَ المَرْأَةُ نَفْسَها وَتَتَهَيَّأُ للزَّوْجِ.
• (حدر) في حديثِ عُمَرَ: «أَنَّهُ ضَرَبَ الذي أَقْسَمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ثَلاثِينَ سَوْطًا كُلُّها يَبْضَعُ وَيُحْدِرُ» (٤). قَوْلُهُ: «يُحْدِرُ» أَي: يَرِمُ. стр. 724
وَقيلَ: يَحْدُرُ - بِالضَّمِّ -، فَإِذا جَعَلْتَ الفِعْلَ لِلْجَلْدِ فَالجَلْدُ يَحْدُرُ أي: يُشَقُّ، لا غَيْرَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هو يُحْدِرُ إِحْدارًا (١).
وفي الحديثِ: «أَنَّ أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ كَانَ على بَعِيرٍ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وهو يَقُولُ: يا حَدْراها … يا حَدْراها» (٢).
مَعْناهُ: يا قَوْمِ: هَلْ أَحَدٌ رَأَى مِثْلَ هَذِهِ - لما رَأَى مِن ظَفَرِ المُسْلِمِينَ وَنُصْرَةِ المَلائِكَةِ وَقَتْلِ رُؤُوسِ المُشْرِكِينَ وَأَسْرِهِمْ.
وهو على طَريقَةِ قَوْلِهِ - تعالى -: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ (٣). مَعْناهُ: أَلا يا قَوْمِ اسْجُدُوا (٤). стр. 725
وَفي حديث عَلِيٍّ: «أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ لَهُ: وُلِدَ لَنا غُلامٌ أَحْدَرُ شَيْءٍ وَأَسْمَنُهُ، فَحَلَفَ أَبُوهُ لَا يَقْرَبُ (١) أُمَّهُ حَتَّى تَفْطِمَهُ» (٢).
الحَدارَةُ: السِّمَنُ والاكْتِنازُ.
يُقالُ: رَجُلٌ حادِرٌ: إذا كانَ غَليظًا مُجْتَمِعًا، وَبِهِ سُمِّيَ الأَسَدُ حَيْدَرًا، وَذَلِكَ لِغِلَظِ رَقَبَتِهِ (٣). стр. 726
ومِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ (١)
وَإِنَّمَا خَصَّ الأُمَّ بِالتَّسْمِيَةِ، لأَنَّ أَبا طالِبٍ كانَ غَائِبًا (٢) عَنْ مَوْلِدِهِ فَسَمَّتْهُ أُمُّهُ - فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ - أَسَدًا بِاسْمِ أَبيها لِذَلِكَ، فَلَمَّا رَجَعَ أبو طالِبٍ كَرِهَهُ فَسَمَّاهُ عَلِيًّا.
• (حدق) في حديثِ الأَحْنَفِ بنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: إنَّ أَهْلَ هذه الأَمْصارِ نَزلوا في مِثْلِ حَدَقَةِ البَعِيرِ مِن العُيُونِ العِذابِ» (٣).
أَرادَ بذلكَ: كَثْرَةَ مِياهِهِمْ وَخِصْبِهِم وَأَنَّ ذلك عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ دَائِمٌ، وَشَبَّهَهُ بِحَدَقَةِ البَعِيرِ لأَنَّ المُخَّ لا يَبْقَى في جَسَدِ البعِيرِ بقاءَهُ في العَيْنِ والسُّلامَى.
• (حدل) وفي بَعْضِ الأَحاديثِ: «القُضاةُ ثَلَاثَةٌ … وَذَكَرَ مِنْهُمْ: رَجُلٌ عَلِمَ فَحَدَلَ، فَذَلِكَ الذي يُهْلِكُ النَّاسَ وَيُهْلِكُ نَفْسَهُ» (٤). стр. 727
قَوْلُهُ: «حَدَلَ» أي: جارَ وَظَلَمَ، يُقالُ: إِنَّهُ لَحَدْلٌ غَيْرُ عَدْلٍ.
• (حدو) في حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ: «لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الحِدَوْ والأَفْعَوْ لِلْمُحْرِمِ» (١).
قالَ الأَزْهَرِيُّ: «كَأَنَّها لُغَةٌ في الحِدَإِ» (٢).
وهي جَمْعُ حِدَأَةٍ، وهي الطَّائِرُ المَعْرُوفُ.
وفي حديثِ مُجاهِدٍ: «كُنْتُ أَتَحَدَّى القُرَّاءَ فَأَقْرَأ» (٣).
أَي: أتَعَمَّدُهُمْ وَأَطْلُبُهُمْ وَأَتَحَرَّاهُمْ.
يُقالُ: تَحَدَّاهُ وَتَحَرَّاهُ: إذا تَعَمَّدَهُ، وهو حُدَيّا النَّاسِ، أي: يَتَعَمَّدُهُم يُغالِبُهُمْ وَيُنازِعُهُمْ. стр. 728
فصل الحاء مع الذال
• (حذذ) في حديثِ عُتْبَةَ بنِ غَزْوانَ أَنَّهُ خَطَبَ فقالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصَرْمٍ وَوَلَّتْ حَذَّاءَ» (١).
الحَذَّاءُ: السَّرِيعَةُ السَّيْرِ التي قَدْ انْقَطَعَ آخِرُها، ومنه قِيلَ لِلْقَطاةِ: حَذَّاءُ لِقِصَرِ ذَنَبِها مع خِفَّتِها. وَيُقالُ: لِلْحِمارِ القَصِيرِ الذَّنَبِ: أَحَذُّ.
• (حذف) وفي الحديثِ: «سَوُّوا (٢) صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا لا يَتَخَلَّلْكُم الشَّيْطانُ (٣) كَأَنَّهَا بناتُ حَذَفٍ» (٤).
أي: لا يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ خِلَلَ صُفُوفِكُمْ كَأَنَّهَا الغَنَمُ الصِّغَارُ (٥) стр. 729
الحِجازِيَّةُ. واحِدَتُها: حَذَفَةٌ.
ويُقالُ: هي النَّقَدُ (١).
وجاءَ في تَفْسيرِ الحَذَفِ عَنْ لَفْظِ رَسُولِ الله ﷺ : «هِي ضَأْنٌ سُودٌ صِغَارٌ تَكُونُ بِاليَمَنِ». وَتَفْسيرُه أَوْلى مِنْ تَفْسِيرِ غَيْرِهِ.
• (حذل) وفي الحديثِ: «مَنْ دَخَلَ حائِطًا فَأَكَلَ (٢) مِنْهُ غَيْرَ آخِذٍ فِي حَذْلِهِ شَيْئًا» (٣).
الحُذْلُ والحَذْلُ (٤): حُجْزَةُ الإزارِ.
وَيُرْوَى: «في حُذْنَةِ» عاقَبَتِ النُّونُ اللامَ.
أَرادَ: أَنْ لا يَخْرُجَ بِشَيْءٍ من الحائِطِ خِفْيَةً بَعْدَ مَا أُبِيحَ لَهُ الأَكْلُ، كما قالَ: «ولا يَتَّخِذْ خُبْنَةً» (٥).
فَأَمَّا الحَذْلُ - بِفَتْحِ الذَّالِ -: فَهُوَ انْتِثارُ شَعْرِ أَجْفانِ العَيْنِ، وَالنَّعْتُ مِنه أَحْذَلُ.
• (حذم) في حديثِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِ بَيْتِ المَقْدِسِ: «وَإِذا أَقَمْتَ стр. 730
فاحْذِمْ» (١).
أَصْلُ الحَذْمِ: الإسْراعُ في المَشْيِ.
أَمَرَهُ بِالتَّخْفِيفِ في الإقامَةِ، وَتَرْكِ المَدِّ والتَّطْويلِ فيها.
فَأَمَّا الخَذْمُ والجَذْمُ - بالخاءِ والجيمِ (٢) - فَهُما مِن القَطْعِ وَلَيْسا من هذا الحديثِ.
• (حذو) وفي حديثٍ: «ذاتُ عِرْقٍ - مِن مَواقِيتِ الإِحْرامِ - هي حَذْوُ قَرْنٍ» (٣).
أي: هي مُحاذِيَتُها، فَحَذْوُ الشَّيْءِ وَوِزانُهُ سواءٌ.
مَعْناهُ: فَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ هذا كانَ بِمَنْزِلَةِ من أَحْرَمَ من ذاكَ وإن كانَ على طَرِيقٍ آخَرَ.
وفي حديثِ المِعْراجِ: «رِجالٌ يَعْمِدُونَ إِلى عُرْض جَنْبٍ أَحَدِهِمْ فَيَحْذُونَ مِنه الحُذْوَةَ من اللَّحْمِ مِثْلَ النَّعْلِ» (٤).
أي: يَقْطَعُونَ. من قَوْلِكَ: حَذَوْتُ النَّعْلَ أَحْذُوها حَذْوًا. والحَذَّاءُ: стр. 731
الذي يَقْطَعُها.
وفي الحديثِ في ضالَّةِ الإِبِلِ: «مالَكَ وَلَها، مَعها حِذَاؤُها وَسِقاؤُها» (١).
يَعْنِي بِالحِذَاءِ: أَخْفافَها.
ومَعْناهُ: أَنَّهَا تَقْوَى عَلى السَّيْرِ فِي أَيِّ جِهَةٍ شَاءَتْ، وَمَعها سِقاؤُها: أي: تَقْوى على وُرُودِ الماءِ، فَتَشْرَبُ مَتى شَاءَتْ، وَتَقْوَى على أَظْمائِها، بِخِلافِ الغَنَمِ.
وفي قِصَّةِ حُنَيْنٍ: «فَأَخَذَ ﵇ قَبْضَةً من تُرابٍ فَحَذَا بِها في وُجُوهِهِمْ» (٢).
أي: حَثَا، فَأَبْدَلَ الذَّالَ من الثَّاءِ لِقُرْبِ مَخْرَجِهِما، وَمِثْلُهُ: جَثَوْتُ وَجَذَوْتُ (٣). стр. 732
وفي حديثِ فاطِمَةَ: «إِنَّما هِيَ حِذْيَ ةٌ مِنِّي» (١).
أَيْ: قِطْعَةٌ قُطِعَتْ مِنِّي.
• (حذي) وفي الحديثِ: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ مَثَلُ الدَّارِيِّ (٢) إِنْ لَمْ يُحْذِكَ مِنْ عِطْرِهِ عَلِقَكَ مِن رِيحِهِ» (٣).
أي: إِنْ لَمْ يُعْطِكَ. يُقالُ: أَحْذَيْتُهُ إحْذاءً، وهي الحُذْيا والحَذِيَّةُ (٤)، يَعْنِي: العَطِيَّةَ.
وفي حديثِ نَوْفٍ البِكالِيِّ (٥): «أَنَّ الهُدْهُدَ ذَهَبَ إلى خازِنِ البَحْرِ فَاسْتَعارَ مِنْهُ الحِذْيَةَ، فَجاءَ بِها فَأَلْقاها عَلى الزُّجاجَةِ فَفَلَقَها» (٦).
قالَ (٧): أَظُنُّهُ الماسَ الذي يَحذِي الحِجارَةَ، أي: يَقْطَعُها. стр. 733
فصل الحاء مع الراء
• (حرأ) في الحديثِ: «كَانَ عَلى حِراء فَتَحَرَّكَ» (١).
هو مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ (٢)، والنَّاسُ يَقْصُرونُهُ وهو لَحْنٌ.
• (حرب) في الحديثِ: «أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ المَحارِيبَ» (٣).
أي: لم يَكُنْ يُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَى النَّاسِ.
والمِحْرابُ: صَدْرُ المَجالِسِ.
ويُقالُ: المِحْرابُ: المَوْضِعُ الذي يُشْرِفُ مِنْهُ على القَوْمِ، شِبْهُ الغُرْفَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ: «أَنَّهُ بَعَثَ عُرْوَةَ بنَ مَسْعُودٍ إِلى قَوْمِهِ بالطَّائِفِ، فَأَتَاهُمْ وَدَخَلَ مِحْرَابًا لَهُمْ وَأَشْرَفَ عَلَيْهُمْ عِنْدَ الفَجْرِ ثُمَّ أَذَّنَ لِلصَّلاةِ» (٤).
ويُقالُ: المِحْرابُ: القَصْرُ.
وَالمِحْرابُ: أَشْرَفُ مَوْضِعٍ في المَسْجِدِ مُقَدَّمُ الصُّفُوف. قالَ стр. 734
بَعْضُهُمْ (١): سُمِّيَ مِحْرابًا لانْفِرادِ الإمامِ فيهِ، وَبُعْدِهِ من القَوْمِ.
وَمِنْهُ يُقالُ: فلانٌ حَرْبٌ لِفلانٍ: إذا كانَ بَيْنَهما تباعُدٌ وَبَغْضاءُ.
وَيُقالُ: دَخَلَ الأَسَدُ مِحْرابَهُ. أَي: غِيْلَهُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى المِحْرابُ مِحْرابًا لأنَّ الإمامَ إذا قامَ فِيهِ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَلْحَنَ وَيُخْطِئَ، لِهَيْبَةِ المقامِ، فهو مَكانُ خَوْفِهِ، كَأَنَّهُ مَأْوَى الأَسَدِ (٢).
قالَ الشَّيْخُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى مِحْرابًا لأنَّ الإمامَ كأَنَّهُ يُحارِبُ فِيهِ الشَّيْطانَ إِذا قَرُبَ مِنْهُ لِيُوَسْوِسَهُ، فَإِنَّ المُسْلِمَ يُجاهِدُ الشَّيْطانَ في صَلاتِهِ، فالإمامُ الذي هو ضامِنُ القَوْمِ أَوْلى بِذَلِكَ، فهو المَكانُ الذي يُحارَبُ فِيهِ الشَّيْطانُ. واللهُ أَعْلَمُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ من الحَرِيبَةِ، وهي المالُ الخَطِيرُ النَّفِيسُ الذي بِهِ قِوَامُ الرَّجُلِ، فَكَأَنَّ المَكانَ سُمِّيَ مِحْرابًا لأَنَّهُ المَوْضِعُ الذي يَصِلُ فِيهِ الإمامُ إلى حَرائِبِ الثَّوابِ وَنَفَائِسِهِ مِن اللهِ - تعالى -، وَكُلُّ ذلك مُحْتَمَلٌ مَتَّجِهٌ.
وفي حديثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَتَبَ إِلى ابنِ عَبَّاسٍ: «فَلَمَّا رَأَيْتَ العَدُوَّ على ابنِ عَمِّكَ قَدْ حَرِبَ» (٣). стр. 735
أي: غَضِبَ. يُقالُ: حَرِبَ الرَّجُلُ يَحْرَبُ حَرَبًا، وحَرَّبْتُهُ أنا أي: أَغْضَبْتُهُ، وَرَجُلٌ مُحَرَّبٌ، أي: مُغْضَبٌ.
وفي حديثِ مُعاوِيَةَ: «أَنَّ رَجُلًا خاصَمَ إِلَيْهِ في ابنِ أَخِيهِ فَجَعَلَ يَحُجُّ خَصْمَهُ. فقالَ مُعاوِيَةُ: أَنْتَ كما قالَ الشَّاعِرُ:
أَنَّى أُتِيحَ لَهُ (١) حِرْباءُ تَنْضُبَةٍ (٢) … لا يُرْسِلُ السَّاقَ إِلَّا مُمْسِكًا ساقًا (٣)
الحِرْباءُ: الدُّوَيْبَةُ المَعْرُوفَةُ التي تَسَتَقْبِلُ الشَّمْسَ وهي تَصْعَدُ نِصْفَ الشَّجَرَةِ ثُمَّ تَرْتَقِي على أَغْصانِها إذا حَمِيَتْ الهاجِرَةُ فَتَقْبِضُ على الغُصْنِ بِكَفِّها ثُمَّ تَرْتَقِي إِلى غُصْنٍ أَعْلَى مِنْهُ فلا تُرْسِلُ الأَوَّلَ حَتَّى تَقْبِضَ على الآخَرِ. وهذا مَثَلٌ (٤) يُضْرَبُ لِلرَّجُلِ لا يَفْرَغُ مِن حاجَةٍ حَتَّى يَسْأَلَ أُخْرى.
وفي قِصَّةِ ابنِ حارِثَةَ (٥): «أَنَّهُ لَمَّا أُدْخِلَتِ (٦) امْرَأَةُ المُثَنَّى بنِ стр. 736
حارِثَةَ (١) عَلى سَعْدٍ - قالَ: ما رَأَيْتُ كَاليَوْمِ وَرِكَيْ (٢) حَريبٍ. قالَتْ: مَن آوى إلى مِثْلِكَ حَريبٌ».
الحَريبُ والمَحْروبُ: الذي حُرِبَ مالُهُ، أي: سُلِبَتْ حَرِيبَتُهُ، يُقالُ: حُرِبَ الرَّجُلُ: نَزَلَ بِهِ الحَرَبُ.
وفي الحديثِ: «إِنَّ اللهَ - تعالى - قالَ لِمُوسَى ﵇: «أَولِيائِي الذين إذا اسْتُحِلَّتْ مَحارمي غَضِبُوا كَما يَغْضَبُ النَّمِرُ إِذا حُرِّبَ».
أي: إذا أُغْضِبَ. يُقالُ: حَرَّبْتُ الرَّجُلَ: إذا حَرَّشْتَهُ حَتَّى غَضِبَ، وَكَذِلَكَ يُفْعَلُ بِالنَّمِرِ يُحَرَّشُ.
• (حرث) في الحديثِ: «احْرُثْ لِدُنْياكَ كَأَنَّكَ تَعيشُ أَبَدًا، واحْرُثْ لآخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَدًا» (٣).
احرُثْ: أي: اعْمَلْ. يُقالُ: حَرَثْتُ واحْتَرَثْتُ.
وَمَعْنَاهُ: لا تَعَجَلْ في كَسْبِ الدُّنيا، كَمَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ يَعِيشُ أبدًا فَلا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، إِنْ قَصَّرَ اليَوْمَ فَسَيُدْرِكُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ لأَنَّهُ يَأْمَنُ أَنْ стр. 737
يَعِيشَ، وَاعْجَلْ فِي عَمَلِ الآخِرَةِ كَمَنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لا يَبْقَى غَدًا فَيَعْمَلُ، فَالحَزْمُ أَنْ لا يُقَصِّرَ اليَوْمَ فَيَفُوتَهُ، وَلَعَلَّهُ لا يُدْرِكُ غَدَهُ.
وفي حديثِ مُعاوِيَةَ أَنَّهُ قالَ لأَهْلِ المَدِينَةِ: «مَا فَعَلَتْ نَواضِحُكُمْ؟. قالوا: أَحْرَثْناها يَوْمَ بَدْرٍ» (١).
يَعْنِي: هَزَلْناها. يُقالُ: حَرَثْتُ الدَّابَّةَ وَأَحْرَثْتُها، لُغَتانِ (٢).
في الحديثِ: «أَحْسَنُ الأَسْماءِ عِنْدَ اللهِ (٣) عبد اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُها: الحارِثُ وهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُها: حَرْبٌ وَمُرَّةُ» (٤).
أَمَّا الحارِثُ: فهو الكاسِبُ. يُقالُ: حَرَثَ وَاحْتَرَثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وهو يَحْرُثُ، أي: يَكْسِبُ، وَكَذَلِكَ ما مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وهو يَهُمُّ.
وفي الحديثِ: «أَنَّ المُشْرِكِينَ لَمَّا بَلَغَهُمْ خُرُوجُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى بَدْرٍ يَرْصُدُونَ العِيرَ قالُوا: اخْرُجُوا إلى حَرائِثِكُمْ وَمَعايِشِكُمْ» (٥). стр. 738
الحَرائِثُ: أَنْضاءُ (١) الإِبِلِ، جَمْعُ حَريثَةٍ، وَأَصْلُهُ فِي الخَيْلِ إِذا هُزِلَتْ، يُقالُ: أَحْرَثْنَا الخَيْلَ وَحَرَثْناها، أي: هَزَلْناها، وفي الإبِلِ أَحْرَفْناها، يُقالُ: ناقَةٌ حَرْفٌ.
وَقَدْ تَكُونُ الحَرائِثُ (٢): المكاسِبَ والمَتاجِرَ، والاحْتِراثُ: اكْتِسابُ المالِ.
وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ: «حرائِبِكُمْ» جَمْعُ الحَرِيبَةِ، وَحَرِيْبَةُ الرَّجُلِ: مالُهُ الذي يَعِيشُ بِهِ، وهذا أَشْبَهُ. واللهُ أَعْلَمُ (٣).
وفي حديثِ عبد اللهِ (٤): «احْرُثُوا هَذَا القُرْآنَ» (٥).
أي: فَتِّشُوهُ واطْلُبُوا عَجائِبَهُ واسْتَخْرِجُوا مَعانِيهِ. وَسُمِّيَ الحَرَّاثَ: لأَنَّهُ يُفَتِّشُ الأَرْضَ وَيُقَلِّبُها يَطْلُبُ رَيْعها وَخَيْرها.
• (حرج) في الحديثِ: «الضِّيافَةُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ ولا يَثْوِي عِنْدَهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ» (٦).
أي: لا يُقِيمُ عِنْدَهُ (٧) حَتَّى يَضِيقَ صَدْرُهُ. والحَرَجُ: الضِّيقُ.
وَفِي رِوايَةٍ أُخْرَى: «حَتَّى يُؤَثِّمَهُ». وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ إِذا ضاقَ صَدْرُهُ стр. 739
بِمُقامِهِ اسْتَثْقَلَهُ وَوَقَعَ فِيهِ فَأَثِمَ بِهِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرٌ: وهو أَنَّهُ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِما يَزِيدُ عَلَى الثَّلاثَةِ، فَتَكُونُ صَدَقَةً عَلَيْهِ، أَبْطَلَهُ (١) بِالمَنِّ والأَذَى فَأَثِمَ بِهِ. واللهُ أَعْلَمُ.
وفي الحديثِ أَنَّهُ ﷺ قالَ: «يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ. قالُوا: لَبَّيْكَ. وَتَأَشَّبُوا (٢) حَوْلَهُ حَتَّى تَرَكُوهُ كَأَنَّهُ في حَرَجَةِ سَلَمٍ» (٣).
الحَرَجُ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ. الواحِدَةُ (٤): حَرَجَةٌ.
وفي الحديثِ في قِصَّةِ مَذْحِج: «عَلَى حَراجِيجَ» (٥).
وَاحِدَتُها: حُرْجُوج، وهي: النَّاقَةُ الطَّوِيلَةُ، وقيلَ: الضَّامِرَةُ.
ومن رُباعِيَّهِ في حديثِ خُزَيْمَةَ وَذَكَرَ السَّنَةَ فقالَ: «تَرَكْتُ كَذَا وَكَذا والذِّيخَ مُحْرَنْجِما» (٦). أي: مُتَقَبِّضًا كَالِحًا من شِدَّةِ الجَدْبِ.
يُقالُ: احْرَنْجَمَ: إِذا انْقَبَضَ وَاجْتَمَعَ.
والذِّيخُ: ذَكَرُ الضِّباعِ.
• (حرد) في حديثِ الزُّهْرِيِّ: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ مَعَهُ ما مَعَ المَرْأَةِ стр. 740
وَالرَّجُلُ كَيْفَ يُوَرَّثُ؟ فقالَ: مِنْ حَيْثُ يَخْرُجُ الماءُ الدَّافِقُ. فقالَ في ذَلِكَ قَائِلُهُمْ:
وَمُهِمَّةٍ أَعْيَا القُضَاةَ عَياؤُها … تَذَرُ الفَقيهَ يَشُكُّ شَكَّ (١) الجاهِلِ
عَجَّلْتَ قَبْلَ حَنِيذِهَا بِشِوائِها … وَقَطَعْتَ مَحْرِدَهَا بِحُكْمٍ فَاصِلِ (٢)
قَوْلُهُ: «قَطَعْتَ مَحْرِدَها»، أي: اقْتَطَعْتَ من سَنامِها.
والحِرْدُ: القِطْعَةُ من السَّنامِ. يُقالُ: حَرَدْتُ مِنْهُ حَرْدًا: أَيْ قِطْعَةً.
وهذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَعْيَ بِالجَوابِ وَلَمْ يُؤَخِّرِ القَوْلَ في هذه المُعْضِلَةِ، وَشَبَّهَهُ بِرَجُلٍ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ فَنَحَرَ جَزُورًا، وَعَجَّلَ قِراهُ بما افْتَلَذَ لَهُ مِنْ كَبِدِها، واقْتَطَعَ مِن سنامِها قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ بالحَنيذِ والقَديدِ والشِّواءِ، وهو المَحْمودُ عِنْدَهُمْ في القِرَى، وإِذا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَأَخَّرَ القِرَى قِيلَ: فلانٌ عاتِمُ القِرَى، يَذُمُّونَهُ، أي: يُؤَخِّرُهُ إِلى وَقْتِ العَتَمَةِ.
• (حرر) في حديث عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قالَ لأَبِي بَكْرٍ ﵁ حينَ دَعَاهُ إلى جَمْعِ القُرْآنِ: «إِنَّ القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ بِأَهْلِ اليَمَامَةِ، وَإِنِّي لأَخْشَى أَنْ يَمُوتَ أَكْثَرُ الصَّحابَةِ وَيَضِيعَ شَيْءٌ مِن القُرْآنِ» (٣). следующие страницы →