Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ مُنَازِعُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ: "إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ" فَجَوَابُهُمْ عَنْهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَبُ مِثْلُ الثَّوَابِ الَّذِي كَانَ يُكْتَبُ لَهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةِ؛ لِأَجْلِ نِيَّتِهِ لَهُ وَعَجْزِهِ عَنْهُ بِالْعُذْرِ. وَهَذِهِ "قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ" أَنَّ مَنْ كَانَ عَازِمًا عَلَى الْفِعْلِ عَزْمًا جَازِمًا وَفَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ فَهَذَا الَّذِي كَانَ لَهُ عَمَلٌ فِي صِحَّتِهِ وَإِقَامَتِهِ عَزْمُهُ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ وَقَدْ فَعَلَ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ مَا أَمْكَنَهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ. كَمَا جَاءَ فِي السُّنَنِ: فِيمَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ ذَهَبَ إلَى الْمَسْجِدِ يُدْرِكُ الْجَمَاعَةَ فَوَجَدَهَا قَدْ فَاتَتْ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : "إنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ" قَالُوا: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: "وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ". وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ. فَهَذَا وَمِثْلُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَعْذُورَ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ ثَوَابِ الصَّحِيحِ إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَفْعَلَ وَقَدْ عَمِلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَفْسُ عَمَلِهِ مِثْلَ عَمَلِ الصَّحِيحِ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْمَرِيضِ نَفْسَهَا فِي الْأَجْرِ مِثْلُ صَلَاةِ الصَّحِيحِ وَلَا أَنَّ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ الْمَعْذُورِ فِي نَفْسِهَا مِثْلُ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنْ يُكْتَبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ كَمَا يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ إذَا فَاتَتْهُ مَعَ قَصْدِهِ لَهَا.
وَأَيْضًا فَلَيْسَ كُلُّ مَعْذُورٍ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ عَمَلِ الصَّحِيحِ وَإِنَّمَا يُكْتَبُ لَهُ إذَا كَانَ يَقْصِدُ عَمَلَ الصَّحِيحِ وَلَكِنْ عَجَزَ عَنْهُ. فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ كَانَ عَادَتُهُ
стр. 1017
الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ وَالصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ لِمَرَضِهِ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ، وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ وَكَذَلِكَ مَنْ تَطَوَّعَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ وَقَدْ كَانَ يَتَطَوَّعُ فِي الْحَضَرِ قَائِمًا يُكْتَبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي الْإِقَامَةِ. فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةِ وَلَا الصَّلَاةَ قَائِمًا إذَا مَرِضَ فَصَلَّى وَحْدَهُ أَوْ صَلَّى قَاعِدًا فَهَذَا لَا يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ صَلَاةِ الْمُقِيمِ الصَّحِيحِ. وَمَنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ صَلَاةَ هَذَا قَاعِدًا مِثْلَ صَلَاةِ الْقَائِمِ وَصَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا مِثْلَ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ.
وَأَيْضًا فَيُقَالُ: تَفْضِيلُ النَّبِيِّ ﷺ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ وَلِصَلَاةِ الْقَائِمِ عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَاعِدِ عَلَى الْمُضْطَجَعِ إنَّمَا دَلَّ عَلَى فَضْلِ هَذِهِ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ حَيْثُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ صَحِيحَةً أَمَّا كَوْنُ هَذِهِ الصَّلَاةِ المفضولة تَصِحُّ حَيْثُ تَصِحُّ تِلْكَ أَوْ لَا تَصِحُّ فَالْحَدِيثُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ وَلَا سِيقَ الْحَدِيثُ لِأَجْلِ بَيَانِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَفَسَادِهَا؛ بَلْ وُجُوبُ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَسُقُوطِ ذَلِكَ وَوُجُوبِ الْجَمَاعَةِ وَسُقُوطِهَا: يُتَلَقَّى مِنْ أَدِلَّةٍ أُخَرَ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا: كَوْنُ هَذَا الْمَعْذُورِ يُكْتَبُ لَهُ تَمَامُ عَمَلِهِ أَوْ لَا يُكْتَبُ لَهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ بَلْ يُتَلَقَّى مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ وَقَدْ بَيَّنَتْ سَائِرُ النُّصُوصِ أَنَّ تَكْمِيلَ الثَّوَابِ هُوَ لِمَنْ كَانَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ الْفَاضِلَ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ لَا لِكُلِّ أَحَدٍ. وَتُثْبِتُ نُصُوصٌ أُخَرُ وُجُوبَ الْقِيَامِ فِي الْفَرْضِ كَقَوْلِهِ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". وَبَيَّنَ جَوَازَ التَّطَوُّعِ قَاعِدًا لَمَّا رَآهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ قُعُودًا فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا مَعَ كَوْنِهِ كَانَ يَتَطَوَّعُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ. كَذَلِكَ تُثْبِتُ نُصُوصٌ أُخَرُ وُجُوبَ
стр. 1018
الْجَمَاعَةِ فَيُعْطِي كُلَّ حَدِيثٍ حَقَّهُ فَلَيْسَ بَيْنَهَا تَعَارُضٌ وَلَا تَنَافٍ وَإِنَّمَا يَظُنُّ التَّعَارُضَ وَالتَّنَافِي مَنْ حَمَّلَهَا مَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْطِهَا حَقَّهَا بِسُوءِ نَظَرِهِ وَتَأْوِيلِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: واحتج من قال بشرطية الجماعة للصلاة ما رواه ابن ماجه (٧٩٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ».
وقد تابع هشيماً سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عند الحاكم في [المستدرك] (٨٩٤)، وأَبُو سُلَيْمَانً دَاوُدُ بْنُ الْحَكَمِ عند الحاكم في [المستدرك] (٨٩٥) وداود هذا لا يعرف.
وقُرَادٌ وحديثه عند الدارقطني في [سننه] (١٥٥٦)، والبغوي في [شرح السنة] (٧٩٥)، وقُرَادٌ هذا لا بأس به.
ورواه علي بن الجعد في [مسنده] (٤٨٢) موقوفاً فقال: أنا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، فَلَمْ يُجِبْ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ شُعْبَةَ مُسْنَدًا اهـ.
وتابعه على الوقف حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وحديثهما عند البيهقي في [الكبرى] (٥٥٨٥)، وحديث سليمان رواه أيضاً الطبراني في [الكبير] (١٢٣٤٤). وهما من الثقات الحفاظ الأثبات لكن اختلف على سليمان ابن حرب في رفعه ووقفه وانظر [سنن البيهقي الكبرى] (٥٥٨٦، ٥٥٨٧).
стр. 1019
ورواه أبو داود في [سننه] (٥٥١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ أَبِي جَنَابٍ عَنْ مَغْرَاءٍ الْعَبْدِىِّ عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِىَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ». قَالُوا وَمَا الْعُذْرُ قَالَ: «خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِى صَلَّى».
قَالَ: أَبُو دَاوُدَ رَوَى عَنْ مَغْرَاءٍ أَبُو إِسْحَاقَ اهـ.
قلت: أبو جناب يحيى بن أبي حية ضعيف مدلس، ومغراء لم يوثقة معتبر.
قال الحاكم ﵀ في [المستدرك] (١/ ٣٧٢):
«هَذَا حَدِيثٌ قَدْ أَوْقَفَهُ غُنْدَرُ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَهُشَيْمٌ وَقُرَادٌ أَبُو نُوحٍ ثِقَتَانِ، فَإِذَا وَصَلَاهُ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُمَا وَلَهُ فِي سَنَدِهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ شَوَاهِدُ، فَمِنْهَا» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٤٤٩):
«وقد رفعه طائفة من أصْحَاب شعبة بهذا الإسناد، وبعضهم قَالَ: عَنْ شعبة، عَنْ حبيب بْن أَبِي ثابت، عَنْ سَعِيد، عَنْ ابن عَبَّاس مرفوعاً.
وقد خرجه بالإسناد الأول مرفوعاً ابن ماجه وابن حبان فِي "صحيحه" والحاكم وصححه.
ولكن وقفه هُوَ الصحيح عِنْدَ الإمام أحمد وغيره» اهـ.
وقال العلامة ابن الملقن ﵀ في [البدر المنير] (٤/ ٤١٨):
«قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث وَكِيع وَعبد الرَّحْمَن عَنْ شُعْبَة مَوْقُوفاً عَلَى ابْن عَبَّاس غير مَرْفُوع» اهـ.
قلت: الأظهر فيه الوقف وقد جاء عن بعض الصحابة نحو ذلك.
стр. 1020
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وأحكام تاركها] (ص: ١٠٥):
«لو قدر أنَّه لم يصح رفعه فقد صح عن ابن عباس بلا شك، وهو قول صاحب لم يخالفه صاحب» اهـ.
وروى البزار في [مسنده] (٣١٥٧) وَأَخْبَرَنَاهُ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ»، أَحْسِبُهُ قَالَ: «إِلَّا مِنْ عُذْرٍ»، هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى مَوْقُوفًا اهـ.
قلت: وقيس بن الربيع مختلف فيه.
وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٣/ ٨٠):
«وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مُسْنَدًا وَمَوْقُوفًا، وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال العلامة ابن عبد الهادي ﵀ في [التنقيح] (٢/ ٤٥٩):
«والمعروف أَنَّه موقوفٌ على أبي موسى.
وقد رواه البيهقيُّ من رواية أبي بكر بن عيَّاش عن أبي حَصِيْن مرفوعًا، ومن رواية مِسْعَر وزائدة بن قدامة عن أبي حَصِيْن موقوفًا، والله أعلم» اهـ.
وروى تمام في [الفوائد] (١٢٩١) أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ الْفَارِسِيُّ الْمُقْعَدُ، ثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، ثنا
стр. 1021
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ».
قلت: علي بن يعقوب هو ابن إبراهيم بن شاكر بن صدقة الهمداني الدمشقي المعروف بابن أبي العقب أحد الثقات، له ترجمة في [نزهة الناظر] (ص: ١٠٢) للعطار، و [سير أعلام النبلاء] (٣١/ ٣٩)، و [تاريخ الإسلام] (٢٦/ ٩٣) للذهبي، وغير ذلك.
وأحمد بن عمرو المقعد ثقة ثقة كما في [تاريخ دمشق] لابن عساكر (٥/ ١٠٢)، وشيبان ثقة قدموه في التثبت على هدبة بن خالد أحد الثقات، وحماد بن سلمة وحميد هو الطويل من الثقات كما لا يخفى، والحسن هو البصري ثبت سماعه من أنس. فظاهر هذا السند أنَّه صحيح.
قال الحافظ الترمذي ﵀ في [سننه] (١/ ٤٢٣):
«وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ قَالُوا: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ". وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: هَذَا عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلَا رُخْصَةَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١١/ ٦١٥):
«وَ"الْجَمَاعَةُ" وَاجِبَةٌ أَيْضًا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ بَلْ عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ وَهَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَقْوَاهُمَا كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ". وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. وَأَحَدُ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَا نِزَاعَ
стр. 1022
بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وأحكام تاركها] ص (١٥٥):
«فصل في هل الجماعة شرط في صحة الصلاة أم لا؟
وأمَّا المسالة السابعة وهي هل الجماعة شرط في صحة الصلاة أم لا؟ فاختلف الموجبون لها في ذلك على قولين:
أحدهما: أنَّها فرض يأثم تاركها وتبرأ ذمته بصلاته وحده وهذا قول أكثر المتأخرين من أصحاب أحمد ونص عليه أحمد في رواية حنبل فقال: إجابة الداعي إلى الصلاة فرض ولو أنَّ رجلاً قال هي عندي سنة أصليها في بيتي مثل الوتر وغيره لكان خلاف الحديث وصلاته جائزة.
وعنه رواية ثانية ذكرها أبو الحسن الزعفراني في كتاب "الإقناع" أنَّها شرط للصحة فلا تصح صلاة من صلى وحده وحكاه القاضي عن بعض الأصحاب واختاره أبو الوفاء ابن عقيل وأبو الحسن التميمي وهو قول داود وأصحابه. قال ابن حزم "المحلى": وهو قول جميع أصحابنا» اهـ.
قلت: ومن جملة الحجج التي احتج بها من قال بشرطية الجماعة
ما رواه أحمد (١٨٠٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى خَلْفَ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ، فَقَالَ: "يُعِيدُ الصَّلَاةَ"».
قلت: هذا إسناد صحيح.
стр. 1023
ورواه أبو داود (٦٨٢)، والترمذي (٣٣٠، ٣٣١)، وابن ماجه (١٠٠٤).
فروى أحمد (١٦٣٤٠)، وابن ماجه (١٠٠٣) من طريق مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَدْرٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَلِيٍّ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ عَلِيَّ بْنَ شَيْبَانَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَصَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَحَ بِمُؤْخِرِ عَيْنِهِ إِلَى رَجُلٍ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ». قَالَ: وَرَأَى رَجُلاً يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَوَقَفَ حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
«اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ، لَا صَلَاةَ لِرَجُلٍ فَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ».
قَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ: فَرْدًا خَلْفَ الصَّفِّ فَقَالَ لَهُ: «اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ، فَلَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ».
قلت: هذا إسناد صحيح.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وأحكام تاركها] (ص: ١٠٧):
«فوجه الدلالة أنَّه أبطل صلاة المنفرد عن الصف وهو في جماعة، وأمره بإعادة صلاته مع أنَّه لم ينفرد إلَّا في المكان خاصة فصلاة المنفرد عن الجماعة والمكان أولى بالبطلان، يوضحه أنَّ غاية هذا الفذ أن يكون منفرداً، ولو صحت صلاة المنفرد لما حكم رسول الله ﷺ بنفيها، فأمر من صلى كذلك أن يعيد صلاته» اهـ.
قلت: والصحيح من أقوال العلماء أنَّ صلاة الجماعة واجبة على الأعيان وليست بشرط في صحتها.
стр. 1024
ومما يدل على عدم اشتراط الجماعة لصحة الصلاة ما رواه البخاري (٦٥١)، ومسلم (٦٦٢) عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ».
قلت: ولو كانت صلاة المتخلف عن الجماعة باطلة لما كان له شيء من الأجر.
والأحاديث الواردة بنفي صلاة من لم يجب النداء محمولة على نفي الكمال الواجب لا نفي الصحة جمعاً بين الأدلة.
وما ورد من بطلان صلاة المنفرد خلف الصف فإنَّه محمول على من نوى صلاة الجماعة ثم لم ينضم إلى الجماعة فإنَّ فعله هذا منافٍ لنيته، وأمَّا من انفرد ابتداء ولم يكن مؤتماً فلا يدخل في هذا الحكم. والله أعلم.
على أنَّ القول بشرطية صلاة الجماعة له قوته كما سبق، ويتقوى بأنَّ صلاة الجماعة في صلاة الخوف قدمت على كثير من الواجبات كاستقبال القبلة، ومتابعة الإمام، ولولا أنَّ صلاة الجماعة أوكد من ذلك لما قدمت عليه.
قلت: ومن قال من أهل العلم ببطلان صلاة المنفرد التارك للجماعة فإنَّ كلامهم محمول على من صلى في بيته قبل أن تقام الجماعة، وحاله كحال من صلى الظهر في بيته قبل أن تُصلى الجمعة، وأمَّا من فوَّت الجماعة عمداً وصلى بعدها منفرداً فتصح صلاته مع الإثم، وهو كمن فوَّت على نفسه صلاة الجمعة ثم صلى بعد ذلك الظهر فإنَّ صلاته تصح مع الإثم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٣٣):
стр. 1025
«وَأَمَّا الْوَقْتُ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ فَإِذَا فَاتَ لَمْ يُمْكِنْ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ فَنَظِيرُ ذَلِكَ فَوْتُ الْجُمُعَةِ وَفَوْتُ الْجَمَاعَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا فَإِذَا فَوَّتَ الْجُمُعَةَ الْوَاجِبَةَ كَانَ آثِمًا وَعَلَيْهِ الظُّهْرُ إذْ لَا يُمْكِنُ سِوَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَنْ فَوَّتَ الْجَمَاعَةَ الْوَاجِبَةَ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهِ شُهُودُهَا وَلَيْسَ هُنَاكَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ هُنَا لِعَدَمِ إمْكَانِ صَلَاتِهِ جَمَاعَةً كَمَا تَصِحُّ الظُّهْرُ مِمَّنْ تَفُوتُهُ الْجُمُعَةُ. وَلَيْسَ وُجُوبُ الْجَمَاعَةِ بِأَعْظَمَ مِنْ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ ثُمَّ أُقِيمَتْ الْجَمَاعَةُ فَهَذَا عِنْدَهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ» اهـ.
٣ - واحتج بالحديث من ذهب إلى عدم وجوب صلاة الجماعة.
وهذا مبني على أنَّ التفضيل لا يكون بين ما يجوز وما لا يجوز، وليس هذا بصحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٣٢):
«وَالتَّفْضِيلُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَفْضُولَ جَائِزٌ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَجَعَلَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ خَيْرًا مِنْ الْبَيْعِ وَالسَّعْيُ وَاجِبٌ وَالْبَيْعُ حَرَامٌ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾» اهـ.
قلت: وقد دلت الأدلة على وجوب صلاة الجماعة عدت حجج فمنها:
الجحة الأولى: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ
стр. 1026
طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
ووجه الشاهد من الآية: أنَّ الله تعالى أوجب صلاة الجماعة مع حصول الخوف ففي وقت الأمن من باب أولى، بل غالب معارك النبي ﷺ كانت في الأسفار ومع ذلك أمر الله تعالى بإقامة الجماعة مع اجتماع السفر والخوف فإذا انتفى السفر والخوف فالجماعة واجبة من باب أولى.
وفي هذه الآية رد على من قال: إنَّ صلاة الجماعة من فروض الكفايات، وذلك أنَّ الله تعالى أوجب صلاة الجماعة على الطائفة الثانية مع أداء الطائفة الأولى لها، ولو كانت من فروض الكفايات لأسقطت الطائفة الأولى الفرض.
وفي الآية رد على من ظنَّ من الناس أنَّ صلاة الجماعة لا تجب على المسافر، وهذا خطأ محض فإنَّ الله تعالى أمر بالجماعة مع اجتماع الخوف والسفر فإذا انفرد السفر عن الخوف فهي واجبة بطريق الأولى.
لكن صلاة الجماعة لا تجب على المسافر أن يصليها في المسجد بل له أن يصليها في أي موضع ولو في منزله مع أهله.
ويدل على ذلك ما رواه أحمد (١٦٨٢٩)، وأبو داود (٥٧٥)، والنسائي (٨٤٩)، والترمذي (٢٠٣) من طريق يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
«شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ انْحَرَفَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى القَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا
стр. 1027
مَعَهُ، فَقَالَ: "عَلَيَّ بِهِمَا"، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا"، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ"».
قلت: هذا حديث صحيح.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عند هذه الآية كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧):
«وَفِيهَا دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مَعَهُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهَا حَالَ الْخَوْفِ وَهُوَ يَدُلُّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى وُجُوبِهَا حَالَ الْأَمْنِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ سَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ جَمَاعَةً وَسَوَّغَ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ عُذْرٍ. كَاسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ عُذْرٍ بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَلِكَ مُفَارَقَةُ الْإِمَامِ قَبْلَ السَّلَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَكَذَلِكَ التَّخَلُّفُ عَنْ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ كَمَا يَتَأَخَّرُ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بَعْدَ رُكُوعِهِ مَعَ الْإِمَامِ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ أَمَامَهُمْ. قَالُوا: وَهَذِهِ الْأُمُورُ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ لَوْ فُعِلَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةً بَلْ مُسْتَحَبَّةً لَكَانَ قَدْ الْتَزَمَ فِعْلَ مَحْظُورٍ مُبْطِلٍ لِلصَّلَاةِ وَتُرِكَتْ الْمُتَابَعَةُ الْوَاجِبَةُ فِي الصَّلَاةِ لِأَجْلِ فِعْلٍ مُسْتَحَبٍّ مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يُصَلُّوا وُحْدَانًا صَلَاةً تَامَّةً فَعُلِمَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ» اهـ.
الحجة الثانية: قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢ - ٤٣].
стр. 1028
ووجه الحجة في ذلك: أنَّ الله تعالى ذمهم وعاقبهم على عدم إجابتهم لدعوة من دعاهم إلى السجود وهم المؤذنون، وإجابة ذلك بفعل الصلاة في بيوت الله تعالى جماعة كقول النبي ﷺ : «"هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "فَأَجِبْ"». رواه مسلم (٦٥٣) عن أبي هريرة ﵁.
وهذا يدل على أنَّ الإجابة الواجبة لا تكون بأداء الصلاة في البيوت وإنَّما جماعة في المساجد.
الحجة الثالثة: قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
ووجه الحجة في الآية: أنَّ الله تعالى أمر فيها بالركوع مع الراكعين، وهذا أمر بالجماعة.
الحجة الرابعة: ما رواه البخاري (٦٤٤)، ومسلم (٦٥١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ».
قلت: ولو كانت الجماعة مستحبة لما هم النبي ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين عنها.
الحجة الخامسة: ما رواه مسلم (٦٥٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ
стр. 1029
فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «"هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "فَأَجِبْ"».
قلت: وإذا لم يرخص الله تعالى للأعمى في ترك الجماعة فمن باب أولى أن لا يرخص للبصير.
فإن قيل: قد رخص النبي ﷺ لعتبان حين أنكر بصره أن يصلي في بيته.
فالجواب: أنَّه رخص له بسبب حصول السيول التي تحول بينه وبين مسجد قومه.
فروى البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣) عن مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ -: «أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللهِ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ". قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَبَّرَ فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ … ». الحديث.
стр. 1030
الحجة السادسة: ما رواه مسلم (٦٥٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ».
قلت: فيه أنَّ التخلف عن صلاة الجماعة من الضلال، وفيه أيضاً أنَّ التخلف عنها من صفات المنافقين، وكل هذا مما يدل على وجوبها.
الحجة السابعة: ما رواه مسلم (٦٧٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ».
قلت: وهذا أمر بصلاة الجماعة والأمر للوجوب.
الحجة الثامنة: ما رواه مسلم (٦٥٥) عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ:
«كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمَسْجِدِ يَمْشِي فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ».
стр. 1031
ووجه الحجة: أنَّ الخارج من المسجد يعد عاصياً لتفويته لصلاة الجماعة، ولا يكون عاصياً لترك ما يستحب.
الحجة التاسعة: إجماع الصحابة على وجوب صلاة الجماعة.
وقد نقل إجماعهم العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وأحكام تاركها] (ص: ١١٠).
وقال (ص: ١١١): «هذه نصوص الصحابة كما تراها صحة وشهرة وانتشاراً، ولم يجيء عن صحابي واحد خلاف ذلك وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة لو كان وحده، فكيف إذا تعاضدت وتضافرت؟ وبالله التوفيق» اهـ.
قلت: ومما يحتج به على وجوب صلاة الجماعة ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وأحكام تاركها] (ص: ١١٦) حيث قال:
«قالوا: وقد دلت أحكام الشريعة على أنَّ صلاة الجماعة فرض على كل واحد وذلك من وجوه:
أحدها: أنَّ الجمع لأجل المطر جائز وليس جوازه إلَّا محافظة على الجماعة، وإلَّا فمن الممكن أن يصلي كل واحد في بيته منفرداً، ولو كانت الجماعة ندباً لما جاز ترك الواجب، وتقديم الصلاةعن وقتها ندب محض.
الثاني: أنَّ المريض إذا لم يستطع القيام في الجماعة وأطاق القيام إذا صلى وحده صلى جماعة وترك القيام ومحال أن يترك ركناً من أركان الصلاة لمندوب محض.
الثالث: أنَّ الجماعة حال الخوف يفارقون الإمام ويعملون العمل الكثير في الصلاة ويجعلون الإمام منفرداً في وسط الصلاة كل ذلك لأجل تحصيل الجماعة،
стр. 1032
وكان من الممكن أن يصلوا وحداناً بدون هذه الأمور ومحال أن يرتكب ذلك وغيره لأجل أمر مندوب إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله، وبالله التوفيق» اهـ.
قلت: ويشكل على القول بالوجوب ما رواه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩) في قصة الذين الثلاثة الذين خلفوا وفيها قول كعب بن مالك ﵁: «ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا».
هذا لفظ مسلم وفيه أنَّه صلى الفجر في سطح بيته ولم يصل في المسجد.
لكن لفظ البخاري لا يدل على ذلك وهو قوله:
«فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ قَالَ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ».
قلت: ورواه الطيالسي بلفظ أصرح من ذلك فقال: «فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ فِي صُبْحِ خَمْسِينَ لَيْلَةً مُنْذُ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا، صَلَّيْتُ صَلَاةَ الصُّبْحِ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا».
وجاء أيضاً في نفس الحديث في الصحيحين قول كعب بن مالك ﵁: «فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ».
قلت: وفي هذه القصة تخلف هؤلاء عن صلاة الجماعة، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك.
стр. 1033
وأجاب عن ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٣/ ٥٠٧ - ٥٠٨) فقال: «وَمِنْهَا: أَنَّ هلال بن أمية، ومرارة قَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَكَانَا يُصَلِّيَانِ فِي بُيُوتِهِمَا، وَلَا يَحْضُرَانِ الْجَمَاعَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هِجْرَانَ الْمُسْلِمِينَ لِلرَّجُلِ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ التَّخَلُّفَ عَنِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ يُقَالُ: مِنْ تَمَامِ هِجْرَانِهِ أَنْ لَا يَحْضُرَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ يُقَالُ: فكعب كَانَ يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا عَتَبَ عَلَيْهِمَا عَلَى التَّخَلُّفِ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: لَمَّا أُمِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهَجْرِهِمْ تَرَكُوا: لَمْ يُؤْمَرُوا وَلَمْ يُنْهَوْا وَلَمْ يُكَلَّمُوا، فَكَانَ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمُ الْجَمَاعَةَ لَمْ يُمْنَعْ، وَمَنْ تَرَكَهَا لَمْ يُكَلَّمْ، أَوْ يُقَالُ: لَعَلَّهُمَا ضَعُفَا وَعَجَزَا عَنِ الْخُرُوجِ، وَلِهَذَا قَالَ كعب: وَكُنْتُ أَنَا أَجْلَدَ الْقَوْمِ وَأَشَبَّهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ» اهـ.
قلت: الأظهر هو الاحتمال الأخير، وبهذا أيضاً يُتأول ما رواه البخاري (٣٦١٣)، ومسلم (١١٩) واللفظ له. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ:
«لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَاحْتَبَسَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ: "يَا أَبَا عَمْرٍو مَا شَأْنُ ثَابِتٍ اشْتَكَى". قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى. قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ثَابِتٌ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
стр. 1034
ﷺ فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"».
قلت: وقد اختلف العلماء في حكم صلاة الجماعة فقال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (١٣٥): «فصل في حكم صلاة الجماعة.
وأمَّا المسألة السادسة وهي: هل تصح صلاة من صلى وحده وهو يقدر على الصلاة جماعة أم لا؟
فهذه المسألة مبينة على أصلين أحدهما أنَّ صلاة الجماعة فرض أم سنة.
وإذا قلنا هي فرض فهل هي شرط لصحة الصلاة أم تصح بدونها مع عصيان تاركها
فهاتان مسالتان.
أمَّا المسألة الأولى: فاختلف الفقهاء فيها فقال بوجوبها عطاء ابن أبي رباح والحسن البصري وأبو عمر الأوزاعي وأبو ثور والإمام أحمد في ظاهر مذهبه ونص عليه الشافعي في "مختصر المزني" فقال: وأمَّا الجماعة فلا أرخص في تركها إلاَّ من عذر».
إلى أن قال ﵀ ص (١٣٧): «وقالت الحنفية والمالكية هي سنة مؤكدة ولكنهم يؤثمون تارك السنن المؤكدة ويصححون الصلاة بدونه والخلاف بينهم وبين من قال أنَّها واجبة لفظي، وكذلك صرح بعضهم بالوجوب» اهـ.
قلت: ويؤيد هذا قول العلامة السمرقندي الحنفي ﵀ في [تحفة الفقهاء] (١/ ٢٢٧):
стр. 1035
«باب الإمامة/ في الباب فصول: منها: أنَّ الجماعة واجبة وقد سماها بعض أصحابنا سنة مؤكدة وكلاهما واحد» اهـ.
قلت: واختلف العلماء في صلاة الجماعة هل يجب فعلها في المسجد أم يشرع في أي موضع.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وأحكام تاركها] (ص: ١١٦):
«فهذه المسألة فيها قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد: أحدهما: له فعلها في بيته وبذلك قالت الحنفية والمالكية وهو أحد الوجهين للشافعية. والثاني: ليس له فعلها في البيت إلَّا من عذر، وفي المسألة قول ثالث: فعلها في المسجد فرض كفاية وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي» اهـ.
قلت: واحتج من قال بمشروعية الجماعة في غير المسجد بأدلة منها:
الدليل الأول: ما رواه مسلم (٥٢١) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِى كَانَ كُلُّ نَبِىٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ وَأُحِلَّتْ لِىَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَىْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ».
وفي لفظ للبخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١): «وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ».
ووجه الشاهد أنَّ النبي ﷺ أذن لمن أدركته صلاة أن يصلي في أي موضع ولو كانت الجماعة واجبة في المسجد لأمر بذلك.
стр. 1036
والجواب: أنَّ الحديث سيق لبيان منَّة الله تعالى على هذه الأمة وهي أنَّ الله تعالى جعل لهم الأرض مسجداً وطهوراً، ولم يسق لبيان وجوب صلاة الجماعة في المسجد أو سقوط ذلك، وهذا الحكم يؤخذ من أدلة أخرى، ونحن إذا قلنا بوجوب صلاة الجماعة في المسجد، وقلنا بمشروعية الصلاة في أي موضع في الأرض لمن أدركته الصلاة ولم يكن هناك مسجد تقام فيه الجماعة لما خرجنا عن الحديث، والأدلة يجمع بينها مهما أمكن ولا يعارض بينها.
الدليل الثاني: ما رواه أحمد (١٦٨٢٩)، وأبو داود (٥٧٥)، والنسائي (٨٤٩)، والترمذي (٢٠٣) من طريق يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ انْحَرَفَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى القَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: "عَلَيَّ بِهِمَا"، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا"، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ"».
قلت: هذا حديث صحيح.
ووجه الشاهد منه أنَّ النبي ﷺ لم ينكر عليهما إقامتهما للجماعة في غير المسجد.
والجواب: أنَّ هذا وارد في حق المسافر فله أن يقيم الجماعة في رحله وله أن يقيمها في المسجد.
стр. 1037
الدليل الثالث: ما رواه البخاري (٦٨٨)، واللفظ له، ومسلم (٤١٢) عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:
«صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُو، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُو، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا"».
ووجه الشاهد من الحديث أنَّ النبي ﷺ لم ينكر على من أقام الجماعة خلفه في بيته وتركهم لإقامتها في المسجد.
والجواب: أنَّه ليس في الحديث أنَّهم أقاموا الفرض خلفه ﷺ فلعلهم كانوا متنفلين.
إذا تبيَّن هذا فإنَّ الأدلة الماضية التي ذكرناها في وجوب الجماعة تدل على وجوبها في المسجد كحديث هم النبي ﷺ بإحراق بيوت الذين يصلون في بيوتهم مع أنَّهم ربما يقيمونها جماعة في البيوت.
وكحديث الأعمى حيث أمره النبي ﷺ بإجابة النداء ولم يرخص له أن يصلي في بيته مع أنَّه يمكنه أن يصليها جماعة فيها.
وهكذا حديث ابن مسعود فإنَّه صريح في وجوب الصلاة في المساجد.
وحديث أبي هريرة في شأن الذي خرج بعد الأذان.
ويضاف إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)
стр. 1038
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧، ١٨].
فأخبر الله تعالى أنَّ المشركين لا يعمرون المساجد أي بالعبادة وأصلها الصلوات فإنِّها بنيت من أجل ذلك، ومن لم يعمر المساجد بالصلوات فإنَّ به شبهاً للمشركين، والتشبه بهم لا يجوز شرعاً.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].
قال العلامة ابن الجوزي ﵀ في [زاد المسير] (٢/ ١١٢):
«فيه أربعة أقوال: أحدها: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد، فصلُّوا فيه، ولا يقولنَّ أحدكم: أُصلي في مسجدي، قاله ابن عباس، والضحاك، واختاره ابن قتيبة.
والثاني: توجهوا حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة، قاله مجاهد، والسّدّيّ، وابن زيد.
الثالث: اجعلوا سجودكم خالصاً لله تعالى دون غيره، قاله الربيع بن أنس. والرابع: اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة، أمراً بالجماعة لها، ذكره الماوردي» اهـ.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وحكم تاركها] ص (١١٨)
- ناقلاً كلام أبي البركات ابن تيمية ﵀ أنَّه قال -:
«فإنَّ الصلاة في المسجد من أكبر شعائر الدين وعلاماته وفي تركها بالكلية أو في المفاسد ومحو آثار الصلاة بحيث تفضي إلى فتور همم أكثر الخلق عن أصل
стр. 1039
فعلها، ولهذا قال عبد الله بن مسعود: لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم.
قال: وإنَّما معنى هذه الرواية -والله أعلم- أنَّ فعلها في البيت جائز لآحاد الناس إذا كانت تقام في المساجد فيكون فعلها في المسجد فرض كفاية على هذه الرواية، وعلى الأخرى فرض عين.
قال: ويدل على ذلك جواز الجمع بين الصلاتين للأمطار، ولوكان الواجب فعل الجماعة فقط دون الفعل في المسجد لما جاز الجمع لذلك؛ لأنَّ أكثر الناس قادرون على الجماعة في البيوت فإنَّ الإنسان غالباً لا يخلو أن تكون عنده زوجة أو ولد أو غلام أو صديق أو نحوهم فيمكنه الصلاة جماعة فلا يجوز ترك الشرط وهو الوقت من أجل السنة، فلما جاز الجمع علم أنَّ الجماعة في المساجد فرض إمَّا على الكفاية وإمَّا على الأعيان هذا كلامه.
ومن تأمل السنة حق التأمل تبين له أنَّ فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلَّا لعارض يجوز معه ترك الجمعة والجماعة، فترك حضور المسجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر، وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار، ولما مات رسول الله ﷺ وبلغ أهل مكة موته خطبهم سهيل بن عمرو وكان عتاب بن أسيد عامله على مكة قد توارى خوفاً من أهل مكة فأخرجه سهيل وثبت أهل مكة على الإسلام فخطبهم بعد ذلك عتاب وقال: يا أهل مكة والله لا يبلغني أنَّ أحداً منكم تخلف عن الصلاة في المسجد في الجماعة إلَّا ضربت عنقه. وشكر له أصحاب رسول الله ﷺ هذا الصنيع وزاده رفعة في أعينهم،
стр. 1040
فالذي ندين الله به أنَّه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلَّا من عذر. والله أعلم بالصواب» اهـ.
قلت: ومن فاتته الجماعة الأولى في المسجد فهل يجب عليه أن يسعى في تحصيل جماعة أخرى أو لا.
الذي يظهر لي عدم وجوب ذلك، وأنَّ الوجوب مختص بالجماعة الأولى.
لكن الأحسن أن يسعى في تحصيل الجماعة فإنَّ صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده.
وهل له أن يقيم الجماعة الثانية في المسجد الذي قد صلي فيه؟
في ذلك نزاع بين العلماء، والجمهور على المنع إذا كان للمسجد إمام راتب، وأجاز ذلك الإمام أحمد ﵀.
وحجة من أجاز ذلك ما رواه أحمد (١١٠٣٢)، وأبو داود (٥٧٤)، والترمذي (٢٢٠) من طريق سُلَيْمَانَ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْصَرَ رَجُلاً يُصَلِّى وَحْدَهُ فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّىَ مَعَهُ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٠٩٤) قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ الْيَشْكُرِيُّ، قَالَ: «مَرَّ بِنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَقَدْ صَلَّيْنَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَمَعَهُ رَهْطٌ، فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَذَّنَ، ثُمَّ صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ، قَبْلَ الْفَجْرِ»، قَالَ: «ثُمَّ أَمَرُوهُ، فَأَقَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ».
стр. 1041
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٤١٧، ٣٤١٨)، والبيهقي في [الكبرى] (٥٠١٥)، والطبراني في [الأوسط] (٩٣٢)، من طريق اليشكري به.
قلت: هذا أثر صحيح. وحمله على مسجد الطرقات خلاف الظاهر.
فقد جاء تسمية المسجد في رواية الطبراني بمسجد بني رفاعة، وهذا من مساجد العشائر والقبائل وليس من مساجد الطرقات.
واحتج المانعون بما رواه الطبراني في [الأوسط] (٤٦٠١، ٦٨٢٠)، وابن عدي في [الكامل] (٨/ ١٤١) من طريق هِشَامِ بْنِ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُطِيعٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «أَقْبَلَ مِنْ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا، فَمَالَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَجَمَعَ أَهْلَهَ، فَصَلَّى بِهِمْ».
قال الحافظ الطبراني ﵀: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ إِلَّا أَبُو مُطِيعٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى، وَلَا يُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرَةَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ " اهـ.
قلت: هذا حديث ضعيف الوليد بن مسلم مدلس تدليس تسوية، وفي السند عنعنة بين شيخ الوليد وشيخ شيخه، ومن أعله بمعاوية بن يحيى فقد وهم لأنَّه ظنه الصدفي وليس كذلك.
واحتجوا أيضاً بما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٣٨٨٣)، ومن طريق الطبراني في [الكبير] (٩٣٨٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: «أَنَّ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدَ، أَقْبَلَا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَى مَسْجِدٍ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّاسُ قَدْ صَلُّوا، فَرَفَعَ بِهِمَا إِلَى الْبَيْتِ، فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمَا».
стр. 1042
قلت: هذا إسناد منقطع، لكن مراسيل النخعي عن ابن مسعود صحيحة.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧١٠٧) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا فَجَمَعَ بِعَلْقَمَةَ، وَمَسْرُوقٍ، وَالْأَسْوَدِ».
قلت: هذا إسناد منقطع. وتحمل هذه الرواية على الرواية السابقة أي أنَّه جمع بهم في البيت.
لكن ليس هذا بصريح في أنَّ ابن مسعود ترك إقامة الجماعة في المسجد من أجل كرهته لذلك بل لعل منزله كان أقرب من المسجد فلا حاجة لتكلف الذهاب إلى المسجد وقد فاتت الجماعة الراتبة، فإن قيل: أداء الفريضة في المسجد أعظم من فعلها في البيت.
فالجواب: أنَّ هذا وارد في الجماعة الأولى الراتبة.
وبما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧١١١) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ كَثِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، إِذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَقَدْ صُلِّيَ فِيهِ صَلَّوْا فُرَادَى».
قلت: أبو هلال هو الراسبي محمد بن سليم، وكثير لعله ابن شنظير فإن كان هو فالأثر حسن، وإلَّا فلا أدري من هو.
والجواب عنه على فرض ثبوته، أنَّه قد ثبت عن أنس خلاف ذلك فالمسألة من مسائل النزاع بين الصحابة، ويمكن أن الامتناع لمعنى آخر وهو من أجل منع السلطان لذلك فقد روى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧١٠٢) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ:
стр. 1043
أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «إِنَّمَا كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَجْمَعُوا مَخَافَةَ السُّلْطَانِ».
قلت: إسناده صحيح.
والأظهر هو جواز إقامة الجماعة الثانية في المسجد إذا كان السبب هو التأخر عن الجماعة الأولى لا لبدعة فارقوا فيها أصحاب الجماعة الأولى ولا لتعمد تفريق المسلمين.
قال الإمام الشافعي ﵀ في [الأم] (١/ ١٨٠):
«كُلُّ جَمَاعَةٍ صَلَّى فِيهَا رَجُلٌ فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ قَلِيلِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ كَثِيرِهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَالْمَسْجِدُ الْأَعْظَمُ وَحَيْثُ كَثُرَتْ الْجَمَاعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ مَسْجِدٌ يَجْمَعُ فِيهِ فَفَاتَتْهُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَإِنْ أَتَى مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ غَيْرَهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِهِ وَصَلَّى فِي مَسْجِدٍ مُنْفَرِدًا فَحَسَنٌ وَإِذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ فَفَاتَتْ رَجُلًا، أَوْ رِجَالًا فِيهِ الصَّلَاةُ صَلُّوا فُرَادَى وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ جَمَاعَةً فَإِنْ فَعَلُوا أَجْزَأَتْهُمْ الْجَمَاعَةُ فِيهِ وَإِنَّمَا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا فَعَلَ السَّلَفُ قَبْلَنَا بَلْ قَدْ عَابَهُ بَعْضُهُمْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَأَحْسَبُ كَرَاهِيَةَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إنَّمَا كَانَ لِتَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ وَأَنْ يَرْغَبَ رَجُلٌ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ إمَامِ جَمَاعَةٍ فَيَتَخَلَّفُ هُوَ وَمَنْ أَرَادَ عَنْ الْمَسْجِدِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِذَا قُضِيَتْ دَخَلُوا فَجَمَعُوا فَيَكُونُ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ وَتَفَرُّقُ كَلِمَةٍ وَفِيهِمَا الْمَكْرُوهُ.
وَإِنَّمَا أَكْرَهُ هَذَا فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ، فَأَمَّا مَسْجِدٌ بُنِيَ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، أَوْ نَاحِيَةٍ لَا يُؤَذِّنُ فِيهِ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ وَلَا يَكُونُ لَهُ إمَامٌ مَعْلُومٌ وَيُصَلِّي فِيهِ الْمَارَّةُ وَيَسْتَظِلُّونَ فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت مِنْ تَفَرُّقِ
стр. 1044
الْكَلِمَةِ وَأَنْ يَرْغَبَ رِجَالٌ عَنْ إمَامَةِ رَجُلٍ فَيَتَّخِذُونَ إمَامًا غَيْرَهُ وَإِنْ صَلَّى جَمَاعَةٌ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ آخَرُونَ فِي جَمَاعَةٍ بَعْدَهُمْ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُمْ لِمَا وَصَفْت وَأَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ» اهـ.
قلت: إن وجدت هذه المفاسد فالقول ما قاله الإمام الشافعي ﵀ غير أنَّ أغلبية الجماعات التي تقام في المساجد بعد الجماعة الراتبة ليس فيها هذه المفاسد.
قلت: وتجب صلاة الجماعة على من سمع النداء لما رواه مسلم (٦٥٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «"هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "فَأَجِبْ"».
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (١٩٢٠) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَسْمَعِ النِّدَاءَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ قَالَ: «إِنْ شَاءَ جَاءَ، وَإِنْ شَاءَ فَلَا» قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: «إِنْ شَاءَ فَلْيَأْتِ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَجْلِسْ»، قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كُنْتُ فِي مَسْكَنٍ أَسْمَعُ فِيهِ مَرَّةً، وَلَا أَسْمَعُ فِيهِ أُخْرَى أَلِيَ رُخْصَةٌ أَنْ أَجْلِسَ إِذَا لَمْ أَسْمَعْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: وَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ حَانَ حِينُهَا الَّذِي أَظُنُّ أَنَّهَا تُصَلَّى لَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا لَمْ تَسْمَعِ النِّدَاءَ».
قلت: وقد اعتبر عطاء حقيقة السماع.
ولما تكلم العلماء على من يجب عليه حضور الجمعة ممن هو خارج المصر قدر علماء الحنابلة ذلك بفرسخ باعتبار أنَّ صوت المؤذن يبلغ هذا المقدار إذا كان صيتاً
стр. 1045
في موضع عال والرياح هادئة، وهكذا الأصوات هادئة. وقدر ذلك الإمام مالك بفرسخ لكن باعتبار أنَّ أهل العالية كانوا يأتون إلى الجمعة والعيدين من تلك المسافة، واعتبر علماء الشافعية سماع النداء على الوصف الذي سيأتي ذكره في كلام ابن قدامة لكنهم لم يحدوا ذلك بفرسخ.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٦٧):
«وَأَمَّا اعْتِبَارُ حَقِيقَةِ النِّدَاءِ فَلَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ النَّاسِ الْأَصَمُّ وَثَقِيلُ السَّمْعِ، وَقَدْ يَكُونُ النِّدَاءُ بَيْنَ يَدَيْ الْمِنْبَرِ، فَلَا يَسْمَعُهُ إلَّا مَنْ فِي الْجَامِعِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُؤَذِّنُ خَفِيَّ الصَّوْتِ، أَوْ فِي يَوْمٍ ذِي رِيحٍ، وَيَكُونُ الْمُسْتَمِعُ نَائِمًا أَوْ مَشْغُولًا بِمَا يَمْنَعُ السَّمَاعَ، فَلَا يَسْمَعُ، وَيَسْمَعُ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، فَيُفْضِي إلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْبَعِيدِ دُونَ الْقَرِيبِ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّرَ بِمِقْدَارٍ لَا يَخْتَلِفُ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنْهُ النِّدَاءُ فِي الْغَالِبِ - إذَا كَانَ الْمُنَادِي صَيِّتًا، فِي مَوْضِعٍ عَالٍ، وَالرِّيحُ سَاكِنَةٌ، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ، وَالْمُسْتَمِعُ سَمِيعٌ غَيْرُ سَاهٍ وَلَا لَاهٍ - فَرْسَخٌ، أَوْ مَا قَارَبَهُ، فَحُدَّ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: لكني لم أجدهم يصرحون بذلك في صلاة الجماعة، ويبعد هذا في صلاة الجماعة غاية البعد، لما في ذلك من المشقة الشديدة والحرج العظيم، والذي يظهر أنَّ صلاة الجماعة تجب في حق الذي إذا سمع النداء - بالصوت المعتاد من غير مكبرات الصوت - تمكن من الوضوء والسير إلى المسجد قبل أن تنقضي الصلاة. والله أعلم.
وجاء في [فتاوى نور على الدرب لابن باز] (١٢/ ٤٤٣):
стр. 1046
«س: سائل من المملكة المغربية يقول: المسجد بعيد عن البيت، حوالي كيلو متر واحد، ولا يسمع الأذان إلَّا بواسطة مكبر الصوت، فيقوم والدي ويؤذن للصلاة، ثم يقيم ويؤم جميع أفراد البيت ويصلي بهم، فهل يجوز ذلك؟
ج: لا حرج في ذلك، إذا كان بعيداً منكم المسجد لا تسمعون الأذان إلَّا بمكبر فلا بأس، لكن سعيكم للمسجد والصبر على ذلك على الأقدام أو السيارة أفضل وأعظم أجراً؛ لما فيه من الخير العظيم، والحضور مع المسلمين، والخطوات التي يمشيها المؤمن كل خطوة يرفع الله له بها درجة، ويحط بها عنه خطيئة، ويكتب له بها حسنة، هذا فضل عظيم، فسعيكم إلى المساجد - وإن بعدت - بالأقدام، أو بالسيارة أفضل وأعظم أجراً، وإن صليتم في البيت بأذان وإقامة فلا بأس» اهـ.
قلت: وله فتوى أخرى بيَّن فيها أنَّ مسافة الكيلو من المسافات التي يسمع منها الأذان فقال كما في [فتاوى نور على الدرب] (١١/ ٢١٤):
«والغالب أنَّ الكل يسمع النداء إذا كانت الأصوات هادئة، والمؤذن ذو صوت جيد، فالغالب أنَّه يسمع صوته من هذه المسافة، والله المستعان» اهـ.
وجاء أيضاً في [فتاوى نور على الدرب] (١١/ ٢٢٢ - ٢٢٣):
س: يقول الأخ: إنه يبعد عن المسجد حوالي ثلث ساعة، ولا يسمع الأذان إلا في أوقات الهدوء، وذلك عبر مكبرات الصوت، هل صلاتي في البيت مقبولة؟ علما بأنه لا يوجد ما يخيفني.
ج: إذا بعد الإنسان عن المسجد حيث لا يسمع النداء المعتاد فإنه لا يلزمه، النبي ﵊ قد قال: "من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلَّا من
стр. 1047
عذر". وقال للأعمى: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم. قال: "فأجب" فإذا كان في محل بعيد لا يسمع النداء المعتاد إلا بمكبرات الصوت فإنه لا يلزمه، لكن إذا احتسب الأجر وصبر وذهب إلى المسجد فهذا خير له، فيه فضل عظيم» اهـ.
قلت: وفتاوى العلامة ابن عثيمين ﵀ في ذلك كفتاوى العلامة ابن باز ﵀.
٤ - فيه أنَّ أقل الجماعة اثنان؛ لأنَّه جعل هذا الفضل لغير الفذ وما زاد على الفذ فهو جماعة.
٥ - قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٣/ ٩): «استدل به بعض المالكية للمشهور عن مالك أنَّه لا فضل لجماعة على جماعة؛ لأنَّه جعل الجماعات كلها بسبع وعشرين وخمس وعشرين ولم يفرق بين جماعة وجماعة وذهب الشافعي والجمهور إلى أنَّ الجماعات تتفاوت لما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي بن كعب أنَّ رسول الله ﷺ قال: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى".
وليس في حديث الباب حجة لمن تعلق به في تساوي الجماعات؛ لأنَّا نقول: أقل ما تحصل به الجماعة محصل للتضعيف ولا مانع من تضعيف آخر بسبب آخر من كثرة الجماعة أو شرف المسجد أو بعد طريق المسجد أو غير ذلك والله تعالى أعلم» اهـ.
стр. 1048
قلت: حديث أبي بن كعب رواه أحمد (٢١٣٠٢)، وأبو داود (٥٥٤)، والنسائي (٨٤٣) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي بصير، عن أبي بن كعب به.
قلت: وعبد الله بن أبي بصير لم يوثقه معتبر، لكن قال العلامة المنذري ﵀ في [الترغيب والترهيب] (١/ ١٦١): «وقد جزم يحيى بن معين والذهلي بصحة هذا الحديث» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٤١٨):
«وقال علي بن المديني: ما أراه إلَّا صحيحاً» اهـ.
٦ - يستثنى من صلاة الفذ المعذور فإنَّ له أجر الجماعة باعتبار النية لا العمل.
ويدل عليه ما رواه البخاري (٢٩٩٦) عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا».
أحمد (٨٩٣٤)، وأبو داود (٥٦٤)، والنسائي (٨٥٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلاَّهَا وَحَضَرَهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِمْ شَيْئًا».
قلت: هذا حديث حسن لغيره.
ويشهد له ما رواه أبو داود (٥٦٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ عَبَّادٍ الْعَنْبَرِىُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ
стр. 1049
حَضَرَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ الْمَوْتُ فَقَالَ إِنِّى مُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا مَا أُحَدِّثُكُمُوهُ إِلَّا احْتِسَابًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ الْيُمْنَى إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ الْيُسْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّئَةً فَلْيُقَرِّبْ أَحَدُكُمْ أَوْ لِيُبَعِّدْ فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِى جَمَاعَةٍ غُفِرَ لَهُ فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا بَعْضًا وَبَقِىَ بَعْضٌ صَلَّى مَا أَدْرَكَ وَأَتَمَّ مَا بَقِىَ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ كَانَ كَذَلِكَ».
قلت: في الحديثين ما يجهل حاله وعينه لكن لا يبعد تقوية حديث أبي هريرة بهذا الشاهد. والله أعلم.
* * *
стр. 1050
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٥٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْساً وَعِشْرِينَ ضِعْفاً، وَذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ. ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُهُ إلَّا الصَّلاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ خَطِيئَةٌ. فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلا يَزَالُ فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاةَ». متفق عليه واللفظ للبخاري.
قوله: «لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً». قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١١٥): «الخُطوة - بضم الخاء - ما بين قدمي الماشي وبفتحها: الفعلة وفي هذا الوضع هي مفتوحة لأنَّ المراد فعل الماشي» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٣٦):
«قَوْلُهُ: "لَمْ يَخْطُ" بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الطَّاءِ وَقَوْلُهُ خُطْوَةً ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْخُطْوَةُ بِالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ وَجَزَمَ الْيَعْمُرِيُّ أَنَّهَا هُنَا بِالْفَتْحِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ إِنَّهَا فِي رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ بِالضَّمِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها
١ - احتج به من قال: إنَّ هذا التضعيف خاص بصلاة الرجل في الجماعة دون صلاة المرأة في الجماعة.
стр. 1051
وقد تعقب العلامة ابن القيم ﵀ من لم يستحب صلاة المرأة في جماعة وحمل حديث ابن عمر السابق على عموم الرجال والنساء فقال ﵀ كما في [إعلام الموقعين] (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧):
«المثال الخامس والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في استحباب صلاة النساء جماعة لا منفردات كما في المسند والسنن من حديث عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أنَّ رسول الله ﷺ كان يزورها في بيتها وجعل لها مؤذناً كان يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها. قال عبد الرحمن فأنا رأيت مؤذنها شيخاً كبيراً.
وقال الوليد بن جميل حدثتني جدتي عن أم ورقة أنَّ النبي ﷺ أمرها أو أذن لها أن تؤم أهل دارها وكانت قد قرأت القرآن على عهد رسول الله ﷺ .
وقال الإمام أحمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن ميسرة أبي حازم عن رائطة الحنفية أنَّ عائشة أمت نسوة في المكتوبة فأمتهن بينهن وسطاً.
تابعه ليث عن عطاء عن عائشة.
وروى الشافعي عن أم سلمة أنَّها أمت نساء فقامت وسطهن.
ولو لم يكن في المسألة إلَّا عموم قوله ﷺ : "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" لكفى.
وروى البيهقي من حديث يحيى بن يحيى أنا ابن لهيعة عن الوليد ابن أبي الوليد عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "لا خير
стр. 1052
في جماعة النساء إلَّا في صلاة أو جنازة" والاعتماد على ما تقدم فردت هذه السنن بالمتشابه من قوله ﷺ :
"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".
وهذا إنَّما هو في الولاية والإمامة العظمى والقضاء وأمَّا الرواية والشهادة والفتيا والإمامة فلا تدخل في هذا.
ومن العجب أنَّ من خالف هذه السنة جوز للمرأة أن تكون قاضية تلي أمور المسلمين فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم ولم يفلح أخواتها من النساء إذا أمتهن» اهـ.
قلت: حديث أم ورقة رواه أحمد (٢٧٣٢٣)، وأبو داود (٥٩١) من طريق الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ قَالَ حَدَّثَتْنِى جَدَّتِى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلاَّدٍ الأَنْصَارِىُّ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ نَوْفَلٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمَّا غَزَا بَدْرًا قَالَتْ قُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي الْغَزْوِ مَعَكَ أُمَرِّضُ مَرْضَاكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِى شَهَادَةً.
قَالَ: «قِرِّي فِي بَيْتِكِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُكِ الشَّهَادَةَ». قَالَ فَكَانَتْ تُسَمَّى الشَّهِيدَةَ. قَالَ وَكَانَتْ قَدْ قَرَأَتِ الْقُرْآنَ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِىَّ ﷺ أَنْ تَتَّخِذَ فِي دَارِهَا مُؤَذِّنًا فَأَذِنَ لَهَا قَالَ وَكَانَتْ دَبَّرَتْ غُلَامًا لَهَا وَجَارِيَةً فَقَامَا إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ فَغَمَّاهَا بِقَطِيفَةٍ لَهَا حَتَّى مَاتَتْ وَذَهَبَا فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَقَامَ فِى النَّاسِ فَقَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَيْنِ عِلْمٌ أَوْ مَنْ رَآهُمَا فَلْيَجِئْ بِهِمَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَصُلِبَا فَكَانَا أَوَّلَ مَصْلُوبٍ بِالْمَدِينَةِ اهـ.
стр. 1053
ورواه أبو داود (٥٩٢) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الْحَضْرَمِىُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلاَّدٍ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالأَوَّلُ أَتَمُّ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَنَا رَأَيْتُ مُؤَذِّنَهَا شَيْخًا كَبِيرًا اهـ.
قلت: عبد الرحمن بن خلاد مجهول، وجدة الوليد لا تعرف.
وروى أحمد (٢٧٣٢٤) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي، عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَتْ قَدْ جَمَعَتِ الْقُرْآنَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا، وَكَانَ لَهَا مُؤَذِّنٌ، وَكَانَتْ تَؤُمُّ أَهْلَ دَارِهَا اهـ.
قلت: جدة الوليد لا تعرف، وبهذا يتبين ضعف هذا الحديث.
وأثر عائشة رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٥٠٨٦)، وأحمد في [العلل] (٣٦١١) والدارقطني في [سننه] (١٥٠٧)، والبيهقي في [الكبرى] (٥٣٥٥)، وابن المنذر في [الأوسط] (٢٠٧٦)، وابن سعد في [الطبقات] (٨/ ٣٥٢)، وابن الأعرابي في [معجمه] (١٢٩٥) من طريق الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ حَبِيبٍ النَّهْدِيِّ، عَنْ رِيطَةَ الْحَنَفِيَّةِ: «أَنَّ عَائِشَةَ أَمَّتْهُنَّ وَقَامَتْ بَيْنَهُنَّ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ».
قلت: ريطة مجهولة، وقد وثقها العجلي وهو متساهل في توثيق المجاهيل.
ورواه الحاكم في [المستدرك] (٧٣١)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (١٩٢٢، ٥٣٥٦) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ
стр. 1054
الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ «تُؤَذِّنُ، وَتُقِيمُ، وَتَؤُمُّ النِّسَاءَ، وَتَقُومُ وَسْطَهُنَّ».
قلت: فيه أحمد العطاردي من هم من اتهمه، وفيه الليث بن أبي سليم ضعيف فهذه الطريق شديدة الضعف.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٩٩٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ فِي الْفَرِيضَةِ».
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٩٩١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ، تقوم مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ».
قلت: ابن أبي ليلى هو محمد ضعيف الحديث ويشهد له ما سبق وبهذا يتبين ثبوت أثر عائشة ﵂.
ويشهد له ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٥٠٨٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ عَائِشَةَ «كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ فِي التَّطَوُّعِ، تَقُومُ مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ».
قلت: إسناده منقطع بين يحيى بن سعيد وهو الأنصاري وبين عائشة ﵂، وبهذا يتبين ثبوت أثر عائشة ﵂.
وأمَّا أثر أم سلمة ﵂ فرواه الشافعي في [الأم] (١/ ١٩١)، وفي [المسند] (٣١٥)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (٥٣٥٧)، و [المعرفة] (٥٩٧٤)، ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٩٥٢)، والدارقطني في [سننه] (١٥٠٨)، وابن سعد في [الطبقات] (١٠٩٦٦)، وابن المنذر في [الأوسط] (٢٠٤٥)، ومسدد كما في [المطالب العالية] (٣٩٧) من طريق ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهَا حُجَيْرَةُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵁:
стр. 1055
«أَنَّهَا أَمَّتْهُنَّ فَقَامَتْ وَسَطًا».
ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٥٠٨٢)، ومن طريقه ابن حزم في [المحلى] (٣/ ١٣٧) عن الثوري عن عمار الدهني به.
قلت: حجيرة هي بنت حصين مجهولة.
ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٩٥٣)، وابن حزم في [المحلى] (٣/ ١٣٦) من طريق سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أُمِّ الْحَسَنِ، أَنَّهَا رَأَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : «تَؤُمُّ النِّسَاءَ تَقُومُ مَعَهُنَّ فِي صَفِّهِنَّ».
قلت: أم الحسن مجهولة جهالة حال، والأثر حسن من هذين الطريقين.
وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١١٥):
«أمَّا وصف الرجولية: فحيث يندب للمرأة الخروج إلى المسجد ينبغي أن تتساوى مع الرجل لأنَّ وصف الرجولية بالنسبة إلى ثواب الأعمال غير معتبر شرعاً» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّ النساء لا يدخلنَّ في هذا الفضل إلَّا فيما ندبنَّ فيه للخروج لأداء الجماعة كالعيدين، وذلك أنَّ الحديث وارد - كما تدل عليه ألفاظه- في صلاة الجماعة في المساجد والنساء غير مأمورات بها.
قلت: كلام العلامة ابن القيم الماضي في إقامة المرأة للجماعة في بيتها وأمَّا إذا شهدت الجماعة مع الرجال في المساجد فالأظهر أيضاً أنَّهنَّ لا يدخلن في هذا الفضل.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٩):
следующие страницы →