← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وقد تعقب العلامة ابن القيم ﵀ من لم يستحب صلاة المرأة في جماعة وحمل حديث ابن عمر السابق على عموم الرجال والنساء فقال ﵀ كما في [إعلام الموقعين] (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧): «المثال الخامس والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في استحباب صلاة النساء جماعة لا منفردات كما في المسند والسنن من حديث عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أنَّ رسول الله ﷺ كان يزورها في بيتها وجعل لها مؤذناً كان يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها. قال عبد الرحمن فأنا رأيت مؤذنها شيخاً كبيراً. وقال الوليد بن جميل حدثتني جدتي عن أم ورقة أنَّ النبي ﷺ أمرها أو أذن لها أن تؤم أهل دارها وكانت قد قرأت القرآن على عهد رسول الله ﷺ . وقال الإمام أحمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن ميسرة أبي حازم عن رائطة الحنفية أنَّ عائشة أمت نسوة في المكتوبة فأمتهن بينهن وسطاً. تابعه ليث عن عطاء عن عائشة. وروى الشافعي عن أم سلمة أنَّها أمت نساء فقامت وسطهن. ولو لم يكن في المسألة إلَّا عموم قوله ﷺ : "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" لكفى. وروى البيهقي من حديث يحيى بن يحيى أنا ابن لهيعة عن الوليد ابن أبي الوليد عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "لا خير

стр. 1052

في جماعة النساء إلَّا في صلاة أو جنازة" والاعتماد على ما تقدم فردت هذه السنن بالمتشابه من قوله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". وهذا إنَّما هو في الولاية والإمامة العظمى والقضاء وأمَّا الرواية والشهادة والفتيا والإمامة فلا تدخل في هذا. ومن العجب أنَّ من خالف هذه السنة جوز للمرأة أن تكون قاضية تلي أمور المسلمين فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم ولم يفلح أخواتها من النساء إذا أمتهن» اهـ. قلت: حديث أم ورقة رواه أحمد (٢٧٣٢٣)، وأبو داود (٥٩١) من طريق الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ قَالَ حَدَّثَتْنِى جَدَّتِى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلاَّدٍ الأَنْصَارِىُّ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ نَوْفَلٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمَّا غَزَا بَدْرًا قَالَتْ قُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي الْغَزْوِ مَعَكَ أُمَرِّضُ مَرْضَاكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِى شَهَادَةً. قَالَ: «قِرِّي فِي بَيْتِكِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُكِ الشَّهَادَةَ». قَالَ فَكَانَتْ تُسَمَّى الشَّهِيدَةَ. قَالَ وَكَانَتْ قَدْ قَرَأَتِ الْقُرْآنَ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِىَّ ﷺ أَنْ تَتَّخِذَ فِي دَارِهَا مُؤَذِّنًا فَأَذِنَ لَهَا قَالَ وَكَانَتْ دَبَّرَتْ غُلَامًا لَهَا وَجَارِيَةً فَقَامَا إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ فَغَمَّاهَا بِقَطِيفَةٍ لَهَا حَتَّى مَاتَتْ وَذَهَبَا فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَقَامَ فِى النَّاسِ فَقَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَيْنِ عِلْمٌ أَوْ مَنْ رَآهُمَا فَلْيَجِئْ بِهِمَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَصُلِبَا فَكَانَا أَوَّلَ مَصْلُوبٍ بِالْمَدِينَةِ اهـ.

стр. 1053

ورواه أبو داود (٥٩٢) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الْحَضْرَمِىُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلاَّدٍ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالأَوَّلُ أَتَمُّ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَنَا رَأَيْتُ مُؤَذِّنَهَا شَيْخًا كَبِيرًا اهـ. قلت: عبد الرحمن بن خلاد مجهول، وجدة الوليد لا تعرف. وروى أحمد (٢٧٣٢٤) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي، عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَتْ قَدْ جَمَعَتِ الْقُرْآنَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا، وَكَانَ لَهَا مُؤَذِّنٌ، وَكَانَتْ تَؤُمُّ أَهْلَ دَارِهَا اهـ. قلت: جدة الوليد لا تعرف، وبهذا يتبين ضعف هذا الحديث. وأثر عائشة رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٥٠٨٦)، وأحمد في [العلل] (٣٦١١) والدارقطني في [سننه] (١٥٠٧)، والبيهقي في [الكبرى] (٥٣٥٥)، وابن المنذر في [الأوسط] (٢٠٧٦)، وابن سعد في [الطبقات] (٨/ ٣٥٢)، وابن الأعرابي في [معجمه] (١٢٩٥) من طريق الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ حَبِيبٍ النَّهْدِيِّ، عَنْ رِيطَةَ الْحَنَفِيَّةِ: «أَنَّ عَائِشَةَ أَمَّتْهُنَّ وَقَامَتْ بَيْنَهُنَّ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ». قلت: ريطة مجهولة، وقد وثقها العجلي وهو متساهل في توثيق المجاهيل. ورواه الحاكم في [المستدرك] (٧٣١)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (١٩٢٢، ٥٣٥٦) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ

стр. 1054

الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ «تُؤَذِّنُ، وَتُقِيمُ، وَتَؤُمُّ النِّسَاءَ، وَتَقُومُ وَسْطَهُنَّ». قلت: فيه أحمد العطاردي من هم من اتهمه، وفيه الليث بن أبي سليم ضعيف فهذه الطريق شديدة الضعف. وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٩٩٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ فِي الْفَرِيضَةِ». وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٩٩١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ، تقوم مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ». قلت: ابن أبي ليلى هو محمد ضعيف الحديث ويشهد له ما سبق وبهذا يتبين ثبوت أثر عائشة ﵂. ويشهد له ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٥٠٨٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ عَائِشَةَ «كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ فِي التَّطَوُّعِ، تَقُومُ مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ». قلت: إسناده منقطع بين يحيى بن سعيد وهو الأنصاري وبين عائشة ﵂، وبهذا يتبين ثبوت أثر عائشة ﵂. وأمَّا أثر أم سلمة ﵂ فرواه الشافعي في [الأم] (١/ ١٩١)، وفي [المسند] (٣١٥)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (٥٣٥٧)، و [المعرفة] (٥٩٧٤)، ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٩٥٢)، والدارقطني في [سننه] (١٥٠٨)، وابن سعد في [الطبقات] (١٠٩٦٦)، وابن المنذر في [الأوسط] (٢٠٤٥)، ومسدد كما في [المطالب العالية] (٣٩٧) من طريق ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهَا حُجَيْرَةُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵁:

стр. 1055

«أَنَّهَا أَمَّتْهُنَّ فَقَامَتْ وَسَطًا». ورواه عبد الرزاق في [مصنفه] (٥٠٨٢)، ومن طريقه ابن حزم في [المحلى] (٣/ ١٣٧) عن الثوري عن عمار الدهني به. قلت: حجيرة هي بنت حصين مجهولة. ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤٩٥٣)، وابن حزم في [المحلى] (٣/ ١٣٦) من طريق سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أُمِّ الْحَسَنِ، أَنَّهَا رَأَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : «تَؤُمُّ النِّسَاءَ تَقُومُ مَعَهُنَّ فِي صَفِّهِنَّ». قلت: أم الحسن مجهولة جهالة حال، والأثر حسن من هذين الطريقين. وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١١٥): «أمَّا وصف الرجولية: فحيث يندب للمرأة الخروج إلى المسجد ينبغي أن تتساوى مع الرجل لأنَّ وصف الرجولية بالنسبة إلى ثواب الأعمال غير معتبر شرعاً» اهـ. قلت: الأظهر أنَّ النساء لا يدخلنَّ في هذا الفضل إلَّا فيما ندبنَّ فيه للخروج لأداء الجماعة كالعيدين، وذلك أنَّ الحديث وارد - كما تدل عليه ألفاظه- في صلاة الجماعة في المساجد والنساء غير مأمورات بها. قلت: كلام العلامة ابن القيم الماضي في إقامة المرأة للجماعة في بيتها وأمَّا إذا شهدت الجماعة مع الرجال في المساجد فالأظهر أيضاً أنَّهنَّ لا يدخلن في هذا الفضل. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٩):

стр. 1056

«وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي خرجه البخاري: "صلاة الرَّجُلِ فِي الجماعة تضعيف"، وَهُوَ يدل عَلَى أنَّ صلاة المرأة لا تضعف فِي الجماعة؛ فإنَّ صلاتها فِي بيتها خير لها وأفضل» اهـ. وجاء في [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين] (١٥/ ٦٢): «سئل فضيلة الشيخ: من المعلوم أنَّ صلاة الجماعة في حق النساء غير واجبة، ولكن عندما تصلي المرأة مع الجماعة في المسجد، أو في الحرمين سواء كان في رمضان أو في غيره، أوفي المصليات الخاصة بمدارس البنات فهل يكون لها فضل الجماعة كما هو الحال في حق الرجل؟ أرجو توضيح ذلك أحسن الله إليكم. فأجاب فضيلته بقوله: المرأة ليست من ذوات الجماعة، أي ليست مأمورة بحضور الجماعة، وإنَّما ذلك على سبيل الإباحة فقط، إلا في صلاة العيد فإن النبي ﷺ أمر أن تخرج النساء إلى صلاة العيد، ولكن غير متبرجات بزينة. وإذا كان الأمر كذلك فإنَّ التضعيف الحاصل في صلاة الجماعة يختص بالرجال؛ لأنَّهم هم المدعون إليها على سبيل الوجوب، ولهذا كان لفظ الحديث: "صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه، خمساً وعشرين ضعفاً". وعلى هذا فإنَّ المرأة لا تنال هذا الأجر، بل إنَّ العلماء اختلفوا في مشروعية صلاة الجماعة للنساء منفرادت عن الرجال في المصليات التي في البيوت، أو التي في المدارس.

стр. 1057

فمنهم من قال: إنَّه تسن لهنَّ الجماعة. ومنهم من قال: إنَّه تباح لهنَّ الجماعة. ومنهم من قال: إنَّه تكره لهنَّ الجماعة» اهـ. ٢ - أنَّ هذا التضعيف لا ينال إلَّا بمجموع ما ذكر في هذا الحديث. وهو: أ- أن يتطهر فيحسن الطهور، فإذا أساء في طهوره، كأن ينقص واجباً، أو يتعدى في وضوئه فيتجاوز الثلاث الغسلات فلا ينال هذا الفضل. ب- أن يكون التطهر في غير المسجد كأن يتطهر في بيته أو غيره. وهل يدخل في هذا الفضل من تطهر في دورات المياة؟ الجواب: لا يبعد ذلك فإنَّ دورات المياه خارجة عن المسجد حكماً. ج- أن يخرج لأداء الجماعة في المسجد دون غيره من الأماكن. د- أن يكون خروجه لأجل الصلاة لا لغير ذلك كأن يكون خروجه من أجل أن يشتري شيئاً من السوق فتحضر الصلاة فيدخل المسجد فإنَّه لا ينال هذا الأجر. هـ- أن يمشي على قدميه في ذهابه إلى المسجد ولا يركب. ٣ - الحديث استدل به من قال إنَّ هذه المضاعفة المذكورة في الحديث لا تكون إلَّا لمن أدى صلاة الجماعة في المسجد دون من أداها في غير المسجد - كما سبق -وذلك لوجهين: الأول: أنَّه قال في الحديث "تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ" والإنسان قد يصل في بيته أو في سوقه جماعة، وليس للانفراد ذكر في هذا الحديث.

стр. 1058

لكن قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١١٥): «ولكن الظاهر مما يقتضيه السياق: أنَّ المراد تفضيل صلاة الجماعة في المسجد على صلاته في بيته وسوقه منفرداً: فكأنَّه خرج مرج الغالب في أنَّ من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفرداً» اهـ. قلت: ويؤيد هذا حديث ابن عمر السابق. والآخر: قوله في الحديث: «ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ». فهذا يدل على أنَّ هذا الفضل إنَّما يناله من أدى صلاة الجماعة في المسجد. قلت: هذا هو الصحيح إن شاء الله فإنَّ الأدلة إنَّما دلت على صلاة الجماعة في المساجد كما سيأتي بيان ذلك بمشيئة الله عند شرحنا للحديث الذي بعد هذا. ٤ - وفيه أنَّ الملائكة تصلي على منتظر الصلاة ما دام في مصلاه، والمراد به الموضع الذي صلى فيه من المسجد لا عموم المسجد. ويدل على ذلك ما رواه مالك في [الموطأ] (٤٤٦) عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، ثُمَّ جَلَسَ فِي مُصَلاَّهُ، لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، فَإِنْ قَامَ مِنْ مُصَلاَّهُ فَجَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، لَمْ يَزَلْ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ». قلت: إسناده صحيح، وله حكم الرفع. وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٣٠١): «وَالْقَوْلُ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا يُغْنِي عَنِ الْقَوْلِ فِي هَذَا لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا أَنَّ قِيَامَ الْمُصَلِّي مِنْ مُصَلَّاهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوَابُ الْمُصَلِّي إِذَا كَانَ

стр. 1059

مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُقَالُ إِنَّهُ لَا تُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ كَمَا تُصَلِّي عَلَى الَّذِي فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى أَنَّهُ مُمْكِنٌ يَكُونُ قَوْلُهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ شَرْطًا يُخْرِجُ مَا خَالَفَهُ عَنْ حُكْمِهِ وَمِمَّنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُهُ بِالْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَهُمَا لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِذَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ لِشَيْءٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا وَأَقَامَ لِمَا يَعْنِيهِ عَلَى مَا كَانَ يَصْنَعُهُ فِي مَجْلِسِهِ مِنَ الذِّكْرِ» اهـ. قلت: الاحتمال الثاني هو الأظهر. وجاء في البخاري (٤٤٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ». وفي لفظ للبخاري (٤٧٧): «وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ وَتُصَلِّي، يَعْنِي عَلَيْهِ - الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ». ورواه مسلم (٦٤٩) بلفظ: «وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ». قلت: والمجلس هو موضع جلوسه من المسجد. وأمَّا قول الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٥٧) - في أثر أبي هريرة الماضي-:

стр. 1060

«فهذا يدل على أنَّه إذا تحول من موضع صلاته من المسجد إلى غيره من المسجد انقطع حكم جلوسه في مصلاه، فإن جلس ينتظر الصلاة كان حكمه حكم من ينتظرها، وصلت عليه الملائكة - أيضاً -، فإن لم يجلس منتظراً للصلاة فلا شيء له؛ لأنَّه لم يجلس في مصلاه ولا هو منتظر للصلاة» اهـ. فلا يظهر لي صحته، والأظهر أنَّ الملائكة لا تصلي عليه، وهو ظاهر الروايات. ٥ - وفيه أنَّ منتظر الصلاة قبل أدائها في صلاة، وروى البخاري (٢١١٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ لَا يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ وَالْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ وَقَالَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ». وروى مسلم (٦٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ». وروى البخاري (٥٧٢) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا: "أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا"».

стр. 1061

قلت: ومنتظر الصلاة في صلاة من حيث الأجر، وترتب بعض الأحكام كترك الحدث. قال العلامة إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ في [صحيحه] (١/ ١٨٦): «بَابُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُشَبَّهُ بِالشَّيْءِ إِذَا اشْتَبَهَ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي لَا فِي جَمِيعِهَا، إِذِ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَعْلَمَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ، أَيْ أَنَّ لَهُ أَجْرَ الْمُصَلِّي، لَا أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ مُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، لَمَا جَازَ لِمُنْتَظِرِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا يَقْطَعُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ لَوْ تَكَلَّمَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمَا جَازَ أَنْ يُوَلِّيَ وَجْهَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ أَوْ يَسْتَقْبِلَ غَيْرَ الْقِبْلَةِ، وَلَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْ كُلِّ مَا نُهِيَ عَنْهُ الْمُصَلِّي» اهـ. ثم أورد ما رواه هو ومسلم في [صحيحه] (٦٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ أَوْ يُحْدِثَ». قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ. قَالَ: يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ اهـ قلت: ولا فرق بين من أحدث في حال انتظاره للصلاة، وبين من انتظر الصلاة محدثاً بحدث حصل منه قبل ذلك، وذلك أنَّ الصلاة لا تصح مع الحدث. قال العلامة إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ في [صحيحه] (١/ ١٨٧): «وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي يَقُولُ إِنَّ ذِكْرَهُمَا لِعِلَّةٍ؛ لِأَنَّهُمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ يَنْقُضُ طُهْرَ الْمُتَوَضِّئِ، وَكُلُّ مَا نَقَضَ طُهْرَ الْمُتَوَضِّئِ

стр. 1062

مِنَ الْأَحْدَاثِ كُلِّهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ هَذَيْنِ الْحَدَثَيْنِ، وَهَذَا مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي أَجَبْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مِنَ الْخَبَرِ الْمُعَلَّلِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُشَبَّهَ بِهِ مَا هُوَ مِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ وَلَوْ كَانَ التَّشْبِيهُ وَالتَّمْثِيلُ لَا يَجُوزُ عَلَى أَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا تَوَهَّمَ بَعْضُ مَنْ خَالَفَنَا لَكَانَ الْبَائِلُ فِي كُوزٍ أَوْ قَارُورَةٍ وَالْمُتَغَوِّطُ فِي طَشْتٍ، أَوْ أُجَانَةٍ إِذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ كَانَ لَهُ أَجْرُ الْمُصَلِّي، وَالْمُحْدِثُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرُ الْمُصَلِّي، وَإِنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ خُرُوجِ الرِّيحِ مِنْهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَمَنْ فَهِمَ الْعِلْمَ وَعَقَلَهُ وَلَمْ يُعَانِدْ وَلَمْ يُكَابِرْ غَفَلَةً عَلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: "يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ" إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْفِسَا وَالضِّرَاطُ يَنْقُضَانِ طُهْرَ الْمُتَوَضِّئِ وَأَنَ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لِمُنْتَظِرِ الصَّلَاةِ بَعْدَ هَذَيْنِ الْحَدَثَيْنِ فَضِيلَةَ الْمُصَلِّي؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمُتَوَضِّئِ فَكُلُّ مُنْتَظِرِ الصَّلَاةَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ طَاهِرٍ طَهَارَةً تُجْزِيهِ الصَّلَاةُ مَعَهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ خَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ نَقَضَتْ عَلَيْهِ الطَّهَارَةَ» اهـ. فائدة: جاء في الحديث أنَّ ساعة الإجابة يوم الجمعة هي آخر ساعة وذلك فيما رواه أبو داود (١٠٤٨)، والنسائي (١٦٩٧) من طريق ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى عَمْرٌو - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ - أَنَّ الْجُلَاحَ مَوْلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - حَدَّثَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ». يُرِيدُ سَاعَةً «لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ». قلت: هذا حديث حسن.

стр. 1063

قلت: لكن أشكل ذلك مع ما رواه البخاري (٩٣٥)، واللفظ له، ومسلم (٨٥٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا». والصلاة بعد العصر منهي عنها، فأجيب عن ذلك بأنَّ المراد بالصلاة انتظار الصلاة. ويدل على صحة ذلك ما رواه ابن ماجه (١١٣٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: قُلْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ: «فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا قَضَى لَهُ حَاجَتَهُ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأَشَارَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ»، فَقُلْتُ: صَدَقْتَ، أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ. قُلْتُ: أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ؟ قَالَ: «هِيَ آخِرُ سَاعَاتِ النَّهَارِ». قُلْتُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ سَاعَةَ صَلَاةٍ، قَالَ: «بَلَى. إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا صَلَّى ثُمَّ جَلَسَ، لَا يَحْبِسُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، فَهُوَ فِي الصَّلَاةِ». قلت: هذا حديث ظاهره أنَّه حسن، وقد حسنة الشيخ مقبل ﵀ في [الصحيح المسند] (٥٨٢). لكن قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٨/ ٢٨٩):

стр. 1064

«ورواته كلهم ثقات؛ لكن له علةٌ مؤثرةٌ، وهي أنَّ الحفاظ المتقنين رووا هذا الحديث، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، في ذكر ساعة الإجابة، وعن عبد الله بن سلامٍ في تعيينها بعد العصر. كذلك رواه محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. خرّجه من طريقه مالكٍ في "الموطإ"، وأحمد وأبو داود والترمذي، وصححه» اهـ. قلت: ولفظه في [الموطأ] (٣٦٣) عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ، فَلَقِيتُ كَعْبَ الأَحْبَارِ، فَجَلَسْتُ مَعَهُ، فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ?، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ أَنْ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ?: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقاً مِنَ السَّاعَةِ، إِلاَّ الْجِنَّ وَالإِنْسَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ". قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. فَقُلْتُ: بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ?. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِي فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنَ الطُّورِ، فَقَالَ لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ مَا خَرَجْتَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ? يَقُولُ: "لَا تُعْمَلُ الْمَطِىُّ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِلَى مَسْجِدِي هَذَا، وَإِلَى مَسْجِدِ إِيلْيَاءَ، أَوْ بَيْتِ

стр. 1065

الْمَقْدِسِ". يَشُكُّ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبِ الأَحْبَار، وَمَا حَدَّثْتُهُ بِهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ: قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبَ كَعْبٌ. فَقُلْتُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: صَدَقَ كَعْبٌ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنِي بِهَا وَلَا تَضَنَّ عَلَىَّ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ وَكَيْفَ تَكُونُ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ?: "لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي". وَتِلْكَ السَّاعَةُ سَاعَةٌ لَا يُصَلَّى فِيهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ?: "مَنْ جَلَسَ مَجْلِساً يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ بَلَى، قَالَ فَهُوَ ذَلِكَ» اهـ. قلت: بقى الإشكال أيضاً في قوله: «وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي». قال الحافظ ابن رجب ﵀ [فتح الباري] (٨/ ٣٠٧): «من قال: إنَّ منتظر الصلاة في صلاةٍ صحيحٌ، لكن لا يقال فيه قائم. وقول يصلي؛ فإنَّ ظاهر هذا اللفظ حمله على القيام الحقيقي في الصلاة الحقيقية» اهـ. قلت: وقد أجيب عن هذا الإشكال بحمل القيام على معنى الملازمة والمواظبة. قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢٢١):

стр. 1066

«قَالَ الْقَاضِي: اخْتَلَفَ السَّلَف فِي وَقْت هَذِهِ السَّاعَة وَفِي مَعْنَى قَائِم يُصَلِّي، فَقَالَ بَعْضهمْ: هِيَ مِنْ بَعْد الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب، قَالُوا: وَمَعْنَى يُصَلِّي يَدْعُو، وَمَعْنَى قَائِم: مُلَازِم وَمُوَاظِب كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا﴾» اهـ. فائدة: روى البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ - ثَلَاثًا - لِمَنْ شَاءَ». حمل بعض العلماء معنى الصلاة في هذا الموضع على معنى الترغيب في المبادرة في انتظار الصلاة، وهو حمل غريب وخلاف ظاهر الحديث. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٠٧): «وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ لِانْتِظَارِ الْإِقَامَةِ لِأَنَّ مُنْتَظِرَ الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِير» اهـ. فائدة ثالثة: الماشي إلى الصلاة في صلاة ولهذا أمر النبي ﷺ بالسكينة عند الذهاب إلى الصلاة. فروى مسلم (٦٠٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ». وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٢٢):

стр. 1067

«وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي حَالِ مَشْيِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا". وَلِأَنَّ الْمَاشِيَ إلَى الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ» اهـ. قلت: وهذا إذا كان يرجوا إن يدرك شيئاً من الصلاة، فإن خشي فوات الصلاة بالكلية فله أن يسرع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥٩٨): «فامَّا الإسراع لإدراك الركعة فباق على عموم الحديث بل هو المقصود منه لأنَّ الفوات إنَّما يكون بفوات الركعة لأنَّه صلى الله عليه و سلم قال لأبي بكرة لما اسرع لإدراك الركوع: "زادك الله حرصا و لا تعد". وإن خشي فوات الجماعة أو الجمعة بالكلية فلا ينبغي أن يكره له الإسراع هنا لأنَّ ذلك لا ينجبر إذا فات و قد علل رسول الله ﷺ الأمر بالسكينة لقوله: "فما أدركتم فصلوا و ما فاتكم فأتموا". فمن لا يرجوا إدراك شيء إذا مشى عليه السكينة يدخل في هذا الحديث وقد قيده في الحديث الآخر إذا سمعتم الإقامة فعلم أنَّ الخطاب لمن يأتي الصلاة طامعاً في إدراكها و لا فرق فيما ذكرناه من كراهة الإسراع لمن رجى الإدراك بين الجمعة و غيرها لعموم الحديث» اهـ. ٦ - ليس في حديث الباب تقييد صلاة الملائكة على العبد بأي قيد. وقد دلت الأحاديث على تقييد ذلك بثلاثة قيود. القيد الأول: أن يمكث في مجلسه الذي صلى فيه كما مضى.

стр. 1068

القيد الثاني: ألَّا يحدث. القيد الثالث: أن لا يؤذي. ويدل على ذلك ما رواه (٢١١٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ». ولفظ مسلم (٦٤٩): «مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ». وقد مضى ما رواه مسلم (٦٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ أَوْ يُحْدِثَ». قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ. قَالَ: يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ اهـ قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى] (ص: ٦٩): «وهذا يدل على أنَّ المراد بالحدث: حدث اللسان ونحوه، وفسره أبو هريرة بحدث الفرج، وقيل: إنَّه يشمل الحدثين» اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٣٤١): «وَقَوْلُهُ: "مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ" أَيْ يَحْصُلُ مِنْهُ أَذًى لِلْمَلَائِكَةِ أَوْ لِمُسْلِمٍ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقَوْلِ الْحَدِيثُ» اهـ. * * *

стр. 1069

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٥٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ: صَلاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلاةُ الْفَجْرِ. وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ». وفي الحديث مسائل منها: ١ - أنَّ التثاقل عن صلاتي العشاء والفجر من صفات المنافقين، والمراد بذلك صلاتها جماعة مع المسلمين في المساجد، وهو وإن لم يكن مُصرَّح به في الحديث لكن سياق الحديث يدل عليه وذلك في قوله: «لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا». والمراد بذلك إتيانهم إلى المساجد. ويدل على ذلك أيضاً همه بإحراق بيوت الذين يصلونها في بيوتهم مع أنَّهم قد يصلونها جماعة مع أهاليهم. ٢ - الحديث من جملة الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة في المساجد، ووجه الشاهد من الحديث أنَّه همَّ بإحراق بيوت الذين يصلونها في بيوتهم مع أنَّهم قد يصلونها جماعة مع أهاليهم. فلو كانت صلاة الجماعة تؤدى في أي مكان لما همَّ النبي ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين في بيوتهم وهذا ظاهر كما ترى. وقد مضى القول في ذلك في حديث ابن عمر أول أحاديث الباب.

стр. 1070

٣ - هذا الحديث يرد على من قال من أهل العلم -كالشافعي في إحدى قوليه- أنَّ صلاة الجماعة في المساجد من فروض الكفايات، وذلك أنَّه لو كان الأمر كذلك لما همَّ النبي ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين فإنَّ فرض الكفاية قد حصل بالنبي ﷺ ومن معه من الصحابة. ٤ - هم النبي ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين يدل على جواز العقوبات المالية وجواز ذلك هو الصحيح من أقوال العلماء قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الطرق الحكمية] ص (٣٨٦): «فصل: وأمَّا التعزير بالعقوبات المالية فمشروع أيضاً في مواضع مخصوصة في مذهب مالك وأحد قولي الشافعي وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعن أصحابه بذلك في مواضع منها: إباحته صلى الله عليه و سلم سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده، ومثل أمره ﷺ بكسر دنان الخمر وشق ظروفها، ومثل أمره لعبد الله بن عمر أن يحرق الثوبين المعصفرين. ومثل أمره ﷺ يوم خيبر بكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر الإنسية ثم استأذنوه في غسلها فأذن لهم فدل ذلك على جواز الأمرين لأن العقوبة لم تكن واجبة بالكسر. ومثل هدمه مسجد الضرار، ومثل تحريق متاع الغال، ومثل حرمان السلب الذي أساء على نائبه، ومثل إضعاف الغرم على سارق مالا قطع فيه من الثمر والكثر، ومثل إضعافه الغرم على كاتم الضالة ومثل أخذه شطر مال مانع الزكاة

стр. 1071

عزمة من عزمات الرب ﵎، ومثل أمره لابس خاتم الذهب بطرحه فلم يعرض له أحد، ومثل تحريق موسى ﵇ العجل وإلقاء برادته في اليم، ومثل قطع نخيل اليهود إغاظة لهم، ومثل تحريق عمر وعلي ﵄ المكان الذي يباع فيه الخمر، ومثل تحريق عمر قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية. وهذه قضايا صحيحة معروفة وليس يسهل دعوى نسخها. ومن قال إنَّ العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلاً واستدلالاً فأكثر هذه المسائل سائغ في مذهب أحمد وغيره وكثير منها سائغ عند مالك وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته ﷺ مبطل أيضا لدعوى نسخها والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم» اهـ. قلت: والعقوبات المالية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الإتلاف كهدم مسجد ضرار. القسم الثاني: التغيير كقطع رأس التمثال، وقطع القرام الذي فيه تصاوير. القسم الثالث: التمليك كأخذ شطر مال الممتنع من الزكاة، وسلب من قطع شيئاً من أشجار الحرم النبوي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٨/ ١١٣ - ١١٩): «وَهِيَ تَنْقَسِمُ كَالْبَدَنِيَّةِ إلَى إتْلَافٍ؛ وَإِلَى تَغْيِيرٍ؛ وَإِلَى تَمْلِيكِ الْغَيْرِ. فَالْأَوَّلُ الْمُنْكَرَاتُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ يَجُوزُ إتْلَافُ مَحَلِّهَا تَبَعًا لَهَا؛ مِثْلَ الْأَصْنَامِ الْمَعْبُودَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ لَمَّا كَانَتْ صُوَرُهَا مُنْكَرَةً جَازَ إتْلَافُ مَادَّتِهَا؛ فَإِذَا كَانَتْ حَجَرًا أَوْ

стр. 1072

خَشَبًا وَنَحْوَ ذَلِكَ جَازَ تَكْسِيرُهَا وَتَحْرِيقُهَا. وَكَذَلِكَ آلَاتُ الْمَلَاهِي مِثْلَ الطُّنْبُورِ يَجُوزُ إتْلَافُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ وَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد. وَمِثْلَ ذَلِكَ أَوْعِيَةُ الْخَمْرِ؛ يَجُوزُ تَكْسِيرُهَا وَتَخْرِيقُهَا؛ وَالْحَانُوتُ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى ذَلِكَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَاتَّبَعُوا مَا ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ حَانُوتٍ كَانَ يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ لِرُوَيْشِدِ الثَّقَفِيِّ؛ وَقَالَ: إنَّمَا أَنْتَ فُوَيْسِقٌ لَا رُوَيْشِدٌ. وَكَذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ قَرْيَةٍ كَانَ يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَكَانَ الْبَيْعِ مِثْلُ الْأَوْعِيَةِ. وَهَذَا أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ حَيْثُ رَأَى رَجُلًا قَدْ شَابَ اللَّبَنَ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ فَأَرَاقَهُ عَلَيْهِ وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَبِذَلِكَ أَفْتَى طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْأَصْلِ؛ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُشَابَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ شَوْبِهِ لِلشُّرْبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا خُلِطَ لَمْ يَعْرِفْ الْمُشْتَرِي مِقْدَارَ اللَّبَنِ مِنْ الْمَاءِ؛ فَأَتْلَفَهُ عُمَرُ. وَنَظِيرُهُ مَا أَفْتَى بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْأَصْلِ فِي جَوَازِ إتْلَافِ الْمَغْشُوشَاتِ فِي الصِّنَاعَاتِ: مِثْلَ الثِّيَابِ الَّتِي نُسِجَتْ نَسْجًا رَدِيئًا إنَّهُ يَجُوزُ تَمْزِيقُهَا وَتَحْرِيقُهَا؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ ثَوْبًا مِنْ حَرِيرٍ مَزَّقَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَفْزَعْت الصَّبِيَّ فَقَالَ: لَا تَكْسُوهُمْ الْحَرِيرَ. كَذَلِكَ تَحْرِيقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِثَوْبِهِ الْمُعَصْفَرِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَهَذَا كَمَا يُتْلِفُ مِنْ الْبَدَنِ الْمَحَلَّ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ؛ فَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ وَتُقْطَعُ رِجْلُ الْمُحَارِبِ وَيَدُهُ. وَكَذَلِكَ

стр. 1073

الَّذِي قَامَ بِهِ الْمُنْكَرُ فِي إتْلَافِهِ نُهِيَ عَنْ الْعَوْدِ إلَى ذَلِكَ الْمُنْكَرِ؛ وَلَيْسَ إتْلَافُ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ بَلْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَحَلِّ مَفْسَدَةٌ جَازَ إبْقَاؤُهُ أَيْضًا؛ إمَّا لِلَّهِ وَإِمَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كَمَا أَفْتَى طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ: أَنَّ الطَّعَامَ الْمَغْشُوشَ مِنْ الْخُبْزِ وَالبَطَّيخِ وَالشِّوَاءِ كَالْخُبْزِ وَالطَّعَامِ الَّذِي لَمْ يَنْضَجْ وَكَالطَّعَامِ الْمَغْشُوشِ وَهُوَ: الَّذِي خُلِطَ بِالرَّدِيءِ وَأَظْهَرَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ جَيِّدٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ: يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ إتْلَافِهِ. وَإِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ أَتْلَفَ اللَّبَنَ الَّذِي شِيبَ لِلْبَيْعِ: فَلَأَنْ يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ عُقُوبَةُ الْغَاشِّ وَزَجْرُهُ عَنْ الْعَوْدِ وَيَكُونُ انْتِفَاعُ الْفُقَرَاءِ بِذَلِكَ أَنْفَعَ مِنْ إتْلَافِهِ وَعُمَرُ أَتْلَفَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُغْنِي النَّاسَ بِالْعَطَاءِ؛ فَكَانَ الْفُقَرَاءُ عِنْدَهُ فِي الْمَدِينَةِ إمَّا قَلِيلًا وَإِمَّا مَعْدُومِينَ. وَلِهَذَا جَوَّزَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ التَّصَدُّقَ بِهِ وَكَرِهُوا إتْلَافَهُ. فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَطْرَحُ اللَّبَنَ الْمَغْشُوشَ فِي الْأَرْضِ أَدَبًا لِصَاحِبِهِ وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ وَرَأَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ. وَهَلْ يَتَصَدَّقُ بِالْيَسِيرِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ مَنْعَ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ وَقَالَ: لَا يُحِلُّ ذَنْبٌ مِنْ الذُّنُوبِ مَالَ إنْسَانٍ وَإِنْ قَتَلَ نَفْسًا؛ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَشْهُرُ عَنْهُ وَقَدْ اسْتَحْسَنَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِاللَّبَنِ الْمَغْشُوشِ؛ وَفِي ذَلِكَ عُقُوبَةُ الْغَاشِّ بِإِتْلَافِهِ عَلَيْهِ وَنَفْعُ الْمَسَاكِينِ بِإِعْطَائِهِمْ إيَّاهُ وَلَا يهراق. قِيلَ لِمَالِكِ: فَالزَّعْفَرَانُ وَالْمِسْكُ أَتَرَاهُ مِثْلُهُ؟ قَالَ: مَا أَشْبَهَهُ بِذَلِكَ إذَا كَانَ هُوَ غِشُّهُ فَهُوَ كَاللَّبَنِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هَذَا فِي الشَّيْءِ الْخَفِيفِ مِنْهُ فَأَمَّا إذَا كَثُرَ مِنْهُ فَلَا أَرَى ذَلِكَ؛ وَعَلَى صَاحِبِهِ الْعُقُوبَةُ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ أَمْوَالٌ عِظَامٌ. يُرِيدُ فِي الصَّدَقَةِ بِكَثِيرِهِ. قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَسَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ كَانَ ذَلِكَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ سَاوَى فِي ذَلِكَ بَيْنَ الزَّعْفَرَانِ وَاللَّبَنِ وَالْمِسْكِ

стр. 1074

قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؛ وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ فَلَمْ يَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِمَا كَانَ يَسِيرًا؛ وَذَلِكَ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي غَشَّهُ وَأَمَّا مَنْ وُجِدَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ مَغْشُوشٌ لَمْ يَغُشَّهُ هُوَ؛ وَإِنَّمَا اشْتَرَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ وَرِثَهُ: فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ. وَمِمَّنْ أَفْتَى بِجَوَازِ إتْلَافِ الْمَغْشُوشِ مِنْ الثِّيَابِ ابْنُ الْقَطَّانِ قَالَ فِي الْمَلَاحِفِ الرَّدِيئَةِ النَّسْجِ: تُحَرَّقُ بِالنَّارِ. وَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ فِيهَا بِالتَّصَدُّقِ؛ وَقَالَ: تُقْطَعُ خِرَقًا وَتُعْطَى لِلْمَسَاكِينِ إذَا تَقَدَّمَ إلَى مُسْتَعْمِلِيهَا فَلَمْ يَنْتَهُوا. وَكَذَلِكَ أَفْتَى بِإِعْطَاءِ الْخُبْزِ الْمَغْشُوشِ لِلْمَسَاكِينِ؛ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَطَّانِ. وَقَالَ: لَا يَحِلُّ هَذَا فِي مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِذْنِهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأُصْبُعِ: وَهَذَا اضْطِرَابٌ فِي جَوَابِهِ وَتَنَاقُضٌ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ جَوَابَهُ فِي الْمَلَاحِفِ بِإِحْرَاقِهَا بِالنَّارِ أَشَدُّ مِنْ إعْطَاءِ هَذَا الْخُبْزِ لِلْمَسَاكِينِ وَابْنُ عَتَّابٍ أَضْبَطُ فِي أَصْلِهِ فِي ذَلِكَ وَأَتْبَعُ لِقَوْلِهِ وَإِذَا لَمْ يَرَ وَلِيُّ الْأَمْرِ عُقُوبَةَ الْغَاشِّ بِالصَّدَقَةِ أَوْ الْإِتْلَافِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْنَعَ وُصُولَ الضَّرَرِ إلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْغِشِّ إمَّا بِإِزَالَةِ الْغِشِّ؛ وَإِمَّا بِبَيْعِ الْمَغْشُوشِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ وَلَا يَغُشُّهُ عَلَى غَيْرِهِ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: قُلْت لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الماجشون لَمَّا نُهِينَا عَنْ التَّصَدُّقِ بِالْمَغْشُوشِ لِرِوَايَةِ أَشْهَبَ: فَمَا وَجْهُ الصَّوَابِ عِنْدَكُمَا فِيمَنْ غَشَّ أَوْ نَقَصَ مِنْ الْوَزْنِ؟ قَالَا: يُعَاقَبُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَالْإِخْرَاجِ مِنْ السُّوقِ؛ وَمَا كَثُرَ مِنْ الْخُبْزِ وَاللَّبَنِ أَوْ غَشَّ مِنْ الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ فَلَا يُفَرَّقُ وَلَا يُنْهَبُ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يَرُدُّهُ الْإِمَامُ إلَيْهِ وَلْيُؤْمَرْ بِبَيْعِهِ عَلَيْهِ مَنْ يَأْمَنُ أَنْ يَغُشَّ بِهِ وَبِكَسْرِ الْخُبْزِ إذَا كَثُرَ وَيُسَلِّمُهُ لِصَاحِبِهِ وَيُبَاعُ عَلَيْهِ الْعَسَلُ وَالسَّمْنُ وَاللَّبَنُ الَّذِي يَغُشُّهُ مِمَّنْ يَأْكُلُهُ

стр. 1075

وَيُبَيِّنُ لَهُ غِشَّهُ هَكَذَا الْعَمَلُ فِيمَا غُشَّ مِنْ التِّجَارَاتِ. قَالَ: وَهُوَ إيضَاحُ مَنْ اسْتَوْضَحْته ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ. فَصْلٌ: وَأَمَّا التَّغْيِيرُ فَمِثْلُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إلَّا مِنْ بَأْسٍ. فَإِذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ أَوْ الدَّنَانِيرُ الْجَائِزَةُ فِيهَا بَأْسٌ كُسِرَتْ وَمِثْلُ تَغْيِيرِ الصُّورَةِ الْمُجَسَّمَةِ وَغَيْرِ الْمُجَسَّمَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةً؛ مِثْلُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إنِّي أَتَيْتُك اللَّيْلَةَ؛ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَدْخَلَ عَلَيْك الْبَيْتَ إلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَيْتِ تِمْثَالُ رَجُلٍ كَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ؛ فَأَمَرَ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي الْبَيْتِ يُقْطَعُ فَيُصَيَّرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ؛ وَأَمَرَ بِالسِّتْرِ يُقْطَعُ فَيُجْعَلُ فِي وِسَادَتَيْنِ مُنْتَبَذَتَيْنِ يُوطَآنِ وَأَمَرَ بِالْكَلْبِ يُخْرَجُ". فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ وَإِذَا الْكَلْبُ جَرْوٌ كَانَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ تَحْتَ نَضِيدٍ لَهُمْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَصَحَّحَهُ. كُلُّ مَا كَانَ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ التَّأْلِيفِ الْمُحَرَّمِ فَإِزَالَتُهُ وَتَغْيِيرُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ إرَاقَةِ خَمْرِ الْمُسْلِمِ؛ وَتَفْكِيكِ آلَاتِ الْمَلَاهِي؛ وَتَغْيِيرِ الصُّوَرِ الْمُصَوَّرَةِ؛ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ إتْلَافِ مَحِلِّهَا تَبَعًا لِلْحَالِ وَالصَّوَابُ جَوَازُهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا. وَالصَّوَابُ إنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَهُوَ حَرَامٌ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ وَالْحَشِيشَةُ القنبية وَغَيْرُ ذَلِكَ.

стр. 1076

وَأَمَّا التَّغْرِيمُ: فَمِثْلُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَبْلَ أَنْ يُؤْوِيَهُ إلَى الْجَرِينِ: أَنَّ عَلَيْهِ جَلَدَاتُ نَكَالٍ وَغُرْمُهُ مَرَّتَيْنِ. وَفِيمَنْ سَرَقَ مِنْ الْمَاشِيَةِ قَبْلَ أَنْ تُؤْوَى إلَى الْمَرَاحِ: أَنَّ عَلَيْهِ جَلَدَاتُ نَكَالٍ وَغُرْمُهُ مَرَّتَيْنِ. وَكَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الضَّالَّةِ الْمَكْتُومَةِ أَنَّهُ يُضَعَّفُ غُرْمُهَا وَبِذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ مِثْلُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَأَضْعَفَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ الْغُرْمَ فِي نَاقَةِ أَعْرَابِيٍّ أَخَذَهَا مَمَالِيكُ جِيَاعٌ فَأَضْعَفَ الْغُرْمَ عَلَى سَيِّدِهِمْ وَدَرَأَ عَنْهُمْ الْقَطْعَ. وَأَضْعَفَ عُثْمَانُ بْنُ عفان فِي الْمُسْلِمِ إذَا قَتَلَ الذِّمِّيَّ عَمْدًا إنَّهُ يُضَعَّفُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَأَخَذَ بِذَلِكَ. أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ» اهـ. ٥ - يدل الحديث على جواز التخلف عن الجماعة لصاحب الحسبة في بعض الأوقات ليعاقب المتخلفين عنها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١٦٤): «فكان يدع الجمعة والجماعة الواجبة لأجل عقوبة المتخلفين فإنَّ هذا من باب الجهاد الذي قد يضيق وقته فهو مقدم على الجمعة والجماعة. ولو أن ولي الأمر كالمحتسب وغيره تخلف بعض الأيام عن الجمعة لينظر من لا يصليها فيعاقبه جاز ذلك. وكان هذا من الأعذار المبيحة لترك الجمعة فإن عقوبة أولئك واجب متعين لا يمكن إلا بهذا الطريق». ٦ - وفيه أنَّ الثقل كما يكون حسياً يكون معنوياً.

стр. 1077

قلت: والثقل المعنوي هو الثقل على الروح كثقل الصلاة على المنافقين. والله يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥، ٤٦]. ومن الثقل المعنوي ثقل الثقلاء. روى الخلال في [أخبار الثقلاء] (١٤) حدثنا علي بن عمرو بن سهل الحريري، ثنا سليمان بن محمد الخزاعي بدمشق، ثنا قاسم بن عثمان الجرعي، ثنا حجاج بن محمد الأعور، ثنا شريك بن عبد الله، قال: «دخلت على الأعمش أعوده؛ فدخل عليه أبو حنيفة؛ فقال: يا أبا محمد! لولا ما أعرف من تثاقلك بي، لأتيتك في كل وقتٍ، فقال: والله إنَّك لثقيلٌ علي وأنت في بيتك؛ فكيف إذا جئتني؟!». وروى ابن أبي الدنيا في [ذم الثقلاء] (ص: ٣١) حَدثنَا أَبُو الْفضل أَحْمد بن حبيب عَليّ بن يحيا: «قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا لجلسائه لم صَار الثقيل أثقل على الْقلب من الْحمل الثقيل فَلم يجب مِنْهُم أحد وَقَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلم فَقَالَ لِأَنَّهُ يجْتَمع على الْحمل الثقيل الرّوح وَالْبدن والثقيل تنفرد بِهِ الرّوح». وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٢/ ٢٣٠): «فرب رجل عظيم الهيولي كبير الجثة خفيف على قلبك حلو عندك وآخر لطيف الخلقة صغير الجثة أثقل على قلبك من جبل وما ذاك إلا للطافة روح ذاك وخفتها وحلاوتها وكثافة هذا وغلظ روحه ومرارتها» اهـ.

стр. 1078

وقال ﵀ [بدائع الفوائد] (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥): «ومنهم من مخالطته حمى الروح وهو الثقيل البغيض العقل الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك ولا يعرف نفسه فيضعها في منزلتها بل إن تكلم فكلامه كالعصي تنزل على قلوب السامعين مع إعجابه بكلامه وفرحه به فهو يُحدِث من فيه كلما تحدث ويظن أنَّه مسك يطيب به المجلس وإن سكت فأثقل من نصف الرحى العظيمة التي لا يطاق حملها ولا جرها على الأرض ويذكر عن الشافعي ﵀ أنَّه قال: "ما جلس إلى جانبي ثقيل إلَّا وجدت الجانب الذي هو فيه أنزل من الجانب الآخر" ورأيت يوماً عند شيخنا قدس الله روحه رجلاً من هذا الضرب والشيخ يحمله وقد ضعف القوى عن حمله فالتفت إليَّ وقال: "مجالسة الثقيل حمى الربع ثم قال: لكن قد أدمنت أرواحنا على الحمى فصارت لها عادة"» اهـ. ٧ - وفي الحديث بيان أنَّ عبودية الضراء لا يستطيعها المنافقون، وإنَّما يقوم بها الصادقون من المؤمنين. قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الوابل الصيب] (ص: ١١): «الثاني: محن من الله تعالى يبتليه بها ففرضه فيها "الصبر" والتسلي والصبر حبس النفس عن التسخط بالمقدور وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشق الثياب ونتف الشعر ونحوه فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة واستحالت البلية عطية وصار المكروه محبوباً فإنَّ الله لم يبتله

стр. 1079

ليهلكه وإنَّما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته فإنَّ لله تعالى على العبد عبودية الضراء وله عبودية عليه فيما يكره كما له عبودية فيما يحب وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون والشأن في إعطاء العبودية في المكاره ففيه تفاوت مراتب العباد وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية ونفقته في الضراء عبودية ولكن فرق عظيم بين العبودتين فمن كان عبداً لله في الحالتين قائماً بحقه في المكروه والمحبوب فذلك الذي تناوله قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] وفي القراءة الأخرى ﴿عبادة﴾ وهما سواء لأنَّ المفرد مضاف فينعم عموم الجمع فالكفاية التامة مع العبودية التامة والناقصة فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلاَّ نفسه» اهـ. فائدة: جاء في سبب امتناع النبي ﷺ من إحراق بيوت المتخلفين ما رواه أحمد (٨٧٨٢) حَدَّثَنَا خَلَفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، لأَقَمْتُ الصَّلَاةَ، صَلَاةَ الْعِشَاءِ، وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يُحْرِقُونَ مَا فِي الْبُيُوتِ بِالنَّارِ». قلت: هذا حديث ضعيف لضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن.

стр. 1080

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٥٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَلا يَمْنَعُهَا» قَالَ: فَقَالَ بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاَللَّهُ لَنَمْنَعَهُنَّ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَسَبَّهُ سَبّاً سَيِّئاً، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاَللَّهُ لَنَمْنَعَهُنَّ؟! وَفِي لَفْظٍ: «لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ». قوله: «فَقَالَ بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاَللَّهُ لَنَمْنَعَهُنَّ». جاءت رواية عند مسلم (٤٤٢) عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ». فَقَالَ ابْنٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ وَاقِدٌ: إِذَنْ يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: لَا. اهـ. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤٨): «وَلَمْ أَرَ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ ذِكْرًا فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ أَوْهَمَ صَنِيعُ صَاحِبِ "الْعُمْدَةِ" خِلَافَ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَيَانِ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ شُرَّاحِهِ وَأَظُنُّ الْبُخَارِيَّ اخْتَصَرَهَا لِلِاخْتِلَافِ فِي تَسْمِيَةِ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ من وَجه آخر عَنْ بن عُمَرَ وَسَمَّى الِابْنَ بِلَالًا». إلى أن قال ﵀: (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩): «وَالرَّاجِحُ مِنْ هَذَا أَنَّ صَاحِبَ الْقِصَّةِ بِلَالٌ لِوُرُودِ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَتِهِ نَفْسِهِ وَمِنْ رِوَايَةِ أَخِيهِ سَالِمٍ وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ فَمَرْجُوحَةٌ

стр. 1081

لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِيهَا وَلَمْ أَرَهُ مَعَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْأَعْمَشِ مُسَمًّى وَلَا عَنْ شَيْخِهِ مُجَاهِدٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ وبن أَبِي نَجِيحٍ وَلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ كُلِّهِمْ عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَمْ يُسَمِّهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مَحْفُوظَةً فِي تَسْمِيَتِهِ وَاقِدًا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ بِلَالٍ وَوَاقِدٍ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ إِمَّا فِي مَجْلِسٍ أَوْ فِي مَجْلِسَيْنِ، وَأَجَابَ ابن عُمَرَ كُلًّا مِنْهُمَا بِجَوَابٍ يَلِيقُ بِهِ وَيُقَوِّيهِ اخْتِلَاف النقلَة فِي جَوَاب ابن عُمَرَ فَفِي رِوَايَةِ بِلَالٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ يَسُبُّهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَفَسَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ السَّبَّ الْمَذْكُورَ بِاللَّعْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ فَانْتَهَرَهُ وَقَالَ: أُفٍّ لَكَ. وَلَهُ عَنِ ابن نُمَيْرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ وَفَعَلَ، وَمِثْلُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: فَزَبَرَهُ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَسَبَّهُ وَغَضِبَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِلَالٌ الْبَادِئَ فَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِالسَّبِّ الْمُفَسَّرِ بِاللَّعْنِ وَأَنْ يَكُونَ وَاقِدٌ بَدَأَهُ فَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِالسَّبِّ الْمُفَسَّرِ بِالتَّأْفِيفِ مَعَ الدَّفْعِ فِي صَدْرِهِ وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ بِلَالًا عَارَضَ الْخَبَرَ بِرَأْيِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ عِلَّةَ الْمُخَالَفَةِ وَوَافَقَهُ وَاقِدٌ لَكِنْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا. وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ وَأَصْلُهُ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْمُخَادَعَةِ لِكَوْنِ الْمُخَادِعِ يَلُفُّ فِي ضَمِيرِهِ أَمْرًا وَيُظْهِرُ غَيْرَهُ وَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا رَأَى مِنْ فَسَادِ بَعْضِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَحَمَلَتْهُ عَلَى ذَلِكَ الْغيرَة وَإِنَّمَا أنكر عَلَيْهِ ابن عُمَرَ لِتَصْرِيحِهِ بِمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ مَثَلًا: إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ تَغَيَّرَ وَإِنَّ بَعْضَهُنَّ رُبَّمَا ظَهَرَ مِنْهُ قَصْدُ الْمَسْجِدِ وَإِضْمَارُ غَيْرِهِ لَكَانَ يَظْهَرُ أَنْ لَا يُنْكِرَ عَلَيْهِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَتْ عَائِشَةُ بِمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ» اهـ.

стр. 1082

وقوله: وَفِي لَفْظٍ: «لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» اهـ. هذا اللفظ رواه البخاري (٩٠٠) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَهَا: لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ. قَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي. قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ». ورواه مسلم (٤٤٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي وَابْنُ إِدْرِيسَ قَالَا حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ». وفي هذا الحديث مسائل منها: ١ - جواز خروج المرأة إلى المسجد لشهود الصلاة إذا تقيدت بالآداب الشرعية من اجتناب الطيب والبخور والملابس الجميلة وإظهار الحلي ونحو ذلك. وقد روى مسلم (٤٤٣) عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا». وروى مسلم (٤٤٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ». وروى أحمد (١٠٨٤٧)، وأبو داود (٥٦٥) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ».

стр. 1083

قلت: إسناده حسن. ومعنى تفلات أي غير متطيبات. قال العلامة الحطابي ﵀ في [معالم السنن] (١/ ١٦٢): «التفل سوء الرائحة. يقال: امرأة تفلة إذا لم تطيب، ونساء تفلات» اهـ. وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ١٦١ - ١٦٢): «هَذَا وَشَبَهُهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ الْمَسْجِدَ لَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ مَأْخُوذَةً مِنَ الأحاديث وهو أن لا تَكُونَ مُتَطَيِّبَةً وَلَا مُتَزَيِّنَةً وَلَا ذَاتَ خَلَاخِلَ يُسْمَعُ صَوْتُهَا وَلَا ثِيَابٍ فَاخِرَةٍ وَلَا مُخْتَلِطَةً بِالرِّجَالِ وَلَا شَابَّةً وَنَحْوَهَا مِمَّنْ يُفْتَتَنُ بِهَا وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ مَا يَخَافُ بِهِ مَفْسَدَةً وَنَحْوَهَا وَهَذَا النَّهْيُ عَنْ مَنْعِهِنِّ مِنَ الْخُرُوجِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ وَوُجِدَتِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ حَرُمَ الْمَنْعُ إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ» اهـ. وروى مسلم (٤٤٥) عن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قالت: «لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤٩): «وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ عَائِشَةَ فِي مَنْعِ النِّسَاءِ مُطْلَقًا وَفِيهِ نَظَرٌ إِذْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ تَغَيُّرُ الْحُكْمِ لِأَنَّهَا عَلَّقَتْهُ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ بِنَاءً عَلَى ظَنٍّ ظَنَّتْهُ فَقَالَتْ لَوْ رَأَى لَمَنَعَ فَيُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَمْنَعْ فَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ حَتَّى أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ وَإِنْ كَانَ كَلَامُهَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الْمَنْعَ وَأَيْضًا فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا سَيُحْدِثْنَ فَمَا أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ بِمَنْعِهِنَّ وَلَوْ كَانَ مَا أَحْدَثْنَ يَسْتَلْزِمُ مَنْعَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ لَكَانَ

стр. 1084

مَنْعُهُنَّ مِنْ غَيْرِهَا كَالْأَسْوَاقِ أَوْلَى وَأَيْضًا فَالْإِحْدَاثُ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النِّسَاءِ لَا مِنْ جَمِيعِهِنَّ فَإِنْ تَعَيَّنَ الْمَنْعُ فَلْيَكُنْ لِمَنْ أَحْدَثَتْ وَالْأَوْلَى أَنْ يُنْظَرَ إِلَى مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفَسَادُ فَيُجْتَنَبُ لِإِشَارَتِهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ بِمَنْعِ التَّطَيُّبِ وَالزِّينَةِ وَكَذَلِكَ التَّقَيُّدُ بِاللَّيْلِ كَمَا سَبَقَ» اهـ. قلت: والأحسن في حق المرأة أن تصلي في بيتها. فقد روى أحمد (٥٤٦٨)، وأبو داود (٥٦٧) من طريق يَزِيدِ بْنِ هَارُونَ أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ حَدَّثَنِى حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ». قلت: حبيب مدلس وقد عنعن. والحديث ثابت في الصحيحين من طرق عن ابن عمر من غير هذه الزيادة فالأظهر عدم ثبوتها في حديث ابن عمر. ويغني عنه ما رواه أبو داود (٥٧٠) حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَاصِمٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُوَرِّقٍ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِى بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا وَصَلَاتُهَا فِى مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِى بَيْتِهَا». قلت: هذا حديث حسن. قال العلامة علي القاري ﵀ في [المرقاة] (٣/ ٨٣٧): «"صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا" أَيِ الدَّاخِلَانِيُّ لِكَمَالِ سَتْرِهَا "أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا" أَيْ: صَحْنِ الدَّارِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِالْحُجْرَةِ مَا تَكُونُ أَبْوَابُ الْبُيُوتِ إِلَيْهَا، وَهِيَ أَدْنَى حَالًا مِنَ الْبَيْتِ، "وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا": بِضَمِّ الْمِيمِ وَتُفْتَحُ

стр. 1085

وَتُكْسَرُ مَعَ فَتْحِ الدَّالِ فِي الْكُلِّ، وَهُوَ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَكُونُ دَاخِلَ الْبَيْتِ الْكَبِيرِ يُحْفَظُ فِيهِ الْأَمْتِعَةُ النَّفِيسَةُ، مِنَ الْخُدَعِ، وَهُوَ إِخْفَاءُ الشَّيْءِ، أَيْ: فِي خِزَانَتِهَا "أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا": لِأَنَّ مَبْنَى أَمْرِهَا عَلَى التَّسَتُّرِ» اهـ. قلت: الحُجْرَةُ كُلُ بِنَاء أحَاط بِهِ حَائِط فَهُوَ حجرَة وَهُوَ مُشْتَقّ من قَوْلهم: حجرت الشَّيْء إِذا منعته، وَحجر الْقَمَر إِذا صَارَت حوله دارة سميت بذلك لِأَنَّهَا تمنع من دَخلهَا من أَنْ يُوصل إِلَيْهِ وَمن أَنْ يرى. قلت: وقد استثنى بعضهم صلاتها في المسجد الحرام. فروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٦١٤) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، ثنا مِسْعَرٌ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «مَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ صَلَاةً قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةٍ تُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهَا، إِلَّا أَنْ تُصَلِّيَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، إِلَّا عَجُوزٌ فِي مِنْقَلَيْهَا». يَعْنِي خُفَّيْهَا. قلت: هذا أثر صحيح. وقد جاء تفسير "منقليها" في أثر آخر عند عبد الرزاق في [مصنفه] (٥١١٧): قِيلَ: مَا مِنْقَلَيْهَا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «امْرَأَةٌ عَجُوزٌ قَدْ تَقَارَبَ خَطْوُهَا» اهـ. وقال في [طرح التثريب] (٢/ ٣١٧): «وَالْمِنْقَلَانِ الْخُفَّانِ وَقِيلَ الْخُفَّانِ الْخَلَقَانِ ضَبَطَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْهَرَوِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَبَطَهُ الْجَوْهَرِيُّ بِالْكَسْرِ وَذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي "الْمُثَلَّثِ: وَقَالَ: هُوَ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ الْخُفُّ وَبِالضَّمِّ الْخُفُّ الْمُصْلَحُ» اهـ. وقال أبو عبيد ﵀ في [غريب الحديث] (٤/ ٧٠):

стр. 1086

«وَالَّذِي أَرَادَ عبد الله بقوله: فَهِيَ فِي مَنقليها يَعْنِي أَنَّهَا مِمَّنْ تخرج إِلَى الْأَسْوَاق والحوائج فَهِيَ أبداً لابسة خفيها فَأَما الَّتِي لم تيأس من البعولة فَهِيَ لَازِمَة لبيتها فَلَا فَرخص للعجائز فِي الصَّلَاة فِي الْمَسَاجِد وَكَرِهَهُ للشواب» اهـ. قلت: وقد استثنى ابن مسعود ﵁ كبيرة السن التي لا تشتهي الرجال ولا يشتهيها الرجال. فروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٥١١٧)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٦١٩) من طريق سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَبَّ هَذِهِ الدَّارِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ: «حَلَفَ فَبَالَغَ فِي الْيَمِينِ، مَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ صَلَاةً أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ صَلَاةٍ فِي بَيْتِهَا إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، إِلَّا امْرَأَةٌ قَدْ أَيِسَتْ مِنَ الْبُعُولَةِ». قلت: هذا أثر صحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [الإخنائية] (ص: ٥٥): «وصار هذا مثل صلاة التطوع في مسجد رسول الله ﷺ وفي المسجد الحرام، فإنَّهم يستحبون للغرباء أن يتطوعوا فيه. وأمَّا أهل البلد فتطوعهم في البيوت أفضل. قال مالك: التنفل فيه للغرباء أحبُّ إليَّ من التنفل في البيوت. وحجتهم في ذلك أنَّ الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من المساجد، وأهل البلد يصلُّون فيه دائماً الفرض، فيحصل مقصودهم بذلك، وتطوعهم في البيوت أفضل لما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "أيها الناس؛ أفضل

стр. 1087

الصلاة صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة". وقال ﷺ في النساء: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن". وأمَّا الغرباء فلا يمكنهم أن يصلُّوا الفرض فيه دائماً، لأنَّ الفرائض لها أوقات محدودة، فيستكثروا من التنفل فيه، وكذلك المسجد الحرام. ولهذا استحبُّوا في المسجد الحرام الطواف للغرباء وفضُّلوه على الصلاة. قال ابن القاسم: "الطواف بالبيت للغرباء أحب إليّ من الصلاة". وذلك لأنَّ الغرباء لا يمكنهم الطواف كل وقت، بخلاف أهل البلد فإنَّه يمكنهم ذلك في جميع الأوقات» اهـ. قلت: وجاء تقييد الإذن في بعض الروايات بالليل. فروى البخاري (٨٦٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ». ورواه مسلم (٤٤٢) عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ». ورواه البخاري (٨٩٩)، ومسلم (٤٤٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ». قلت: وأكثر الروايات ليس فيها تقييد ذلك بالليل. ومن حمل النهي عن منعهنَّ من المساجد بالليل فإنَّه يقيد الروايات المطلقة بالليل من باب حمل المطلق على المقيد، ويلحق صلاة الفجر بذلك لأنَّها في وقت غلس، وهذا هو الأظهر. والمعنى يقتضي تقييد ذلك بالليل باعتبار أنَّ الليل أستر للمرأة عند خروجها من النهار.

стр. 1088

قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ٤٧٠): «وقوله ﵇: "إذا استأذنكم بالليل"، فيه دليل أن النهار يخالف الليل؛ لنصه على الليل، وهذا الحديث يقضى على قوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". قال مالك: إنَّه بلغه عن ابن عمر، عن نبى الله فكأنَّه قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، يعنى: في الليل، والغلس فيه معنى الليل، ألا ترى قول عائشة ما يعرفن من الغلس» اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٨٤): «قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَوْرَدَ البُخَارِيّ حَدِيث مُجَاهِد عَنْ بن عُمَرَ بِلَفْظِ: "ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ". وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِذْنَ إِنَّمَا وَقَعَ لَهُنَّ بِاللَّيْلِ فَلَا تَدْخُلُ فِيهِ الْجُمُعَةُ. قَالَ: وَرِوَايَةُ أَبِي أُسَامَةَ الَّتِي أَوْرَدَهَا بَعْدَ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ يَعْنِي قَوْلَهُ فِيهَا: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ جَنَحَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمُطْلَقَ يحمل على ذَلِك الْمُقَيد وَالله أعلم» اهـ. قلت: وجاء في بعض الروايات ذكر العشاء، وذلك فيما رواه مسلم (٤٤٣) عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةَ كَانَتْ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ فَلَا تَطَيَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ». وروى مسلم (٤٤٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ». قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٣٤٢):

стр. 1089

«قَوْلُهُ: "إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ" الَّتِي يُمْكِنُ مُشَاهَدَةُ النِّسَاءِ لَهَا لِأَنَّ غَالِبَ مَا يَحْضُرْنَ مِنْ الصَّلَوَاتِ مَا كَانَ فِي أَوْقَاتِ الظُّلُمَاتِ كَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهُنَّ وَأَخْفَى لِأَحْوَالِهِنَّ» اهـ. وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١/ ١٩٧): «فَأَلْحَقَ بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ. فَإِنَّ الطِّيبَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْرِيكِ دَاعِيَةِ الرِّجَالِ وَشَهْوَتِهِمْ. وَرُبَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَحْرِيكِ شَهْوَةِ الْمَرْأَةِ أَيْضًا. فَمَا أَوْجَبَ هَذَا الْمَعْنَى الْتَحَقَ بِهِ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ". وَيَلْحَقُ بِهِ أَيْضًا: حُسْنُ الْمَلَابِسِ، وَلُبْسُ الْحُلِيِّ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الزِّينَةِ. قَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذَا اسْتَأْذَنَكُمْ بِاللَّيْلِ إلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ". فَخَصَّ بِذَلِكَ اللَّيْلَ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّتْرِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَطَيُّبَ النِّسَاءِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ إنَّمَا يَكُونُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ لِمُضَاجَعَةِ الْأَزْوَاجِ فَكُرِهَ لَهُنَّ تَعْجِيلُ التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْعِشَاءِ لِأَنَّ خُرُوجَهُنَّ مَعَ التَّطَيُّبِ وَالتَّجَمُّلِ فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ وَإِذَا بِهِ لَمَّا وُضِعَ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْمَيْلِ إلَيْهِنَّ وَالشُّغْلِ بِهِنَّ وَالتَّطَيُّبِ سَبَبٌ لِذَلِكَ وَبَاعِثٌ عَلَيْهِ» اهـ. ٢ - أنَّه لا ينبغي للزوج أن يمنعها من ذلك إلَّا لمفسدة تقتضي المنع من ذلك. وهل هذا على سبيل التحريم أو الكراهة أعني النهي عن منعهنَّ من الذهاب إلى المسجد. قال العلامة القرطبي ﵀ في [تفسيره] (٥/ ١٨٧):

стр. 1090

«وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ النَّدْبُ، عَلَى مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ فِي ذَلِكَ» اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤٨): «وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِذْنَ الْمَذْكُورَ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لَا تنفى مَعْنَى الِاسْتِئْذَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ الْمُسْتَأْذَنُ مُخَيَّرًا فِي الْإِجَابَةِ أَوِ الرَّدِّ» اهـ. وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ١٩٩): «يُسْتَحَبُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا إذَا اسْتَأْذَنَتْهُ إلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ إذَا كَانَتْ عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى وَأَمِنَ الْمُفْسِدَةَ عَلَيْهَا وَعَلَى غَيْرِهَا لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ مَنَعَهَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ هَذَا مَذْهَبُنَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَيُجَابُ عَنْ حَدِيثِ " لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ " بِأَنَّهُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي مُلَازَمَةِ الْمَسْكَنِ وَاجِبٌ فَلَا تَتْرُكْهُ لِلْفَضِيلَةِ» اهـ. قلت: كلام البيهقي في [الكبرى] (٣/ ١٩٠) - فقد قال بعد ذكره للحديث الذي فيه ترغيب المرأة أن تصلي في بيتها -: «وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِأَنْ لَا يُمْنَعْنَ أَمْرُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ، لَا أَمْرُ فَرْضٍ وَإِيجَابٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ» اهـ. قلت: وحمل ذلك على المسجد الحرام بمعنى لا يمنعها من أداء فريضة الحج في غاية البعد، وهو خلاف عمومات الحديث. قال الحافظ البيهقي ﵀ في [المعرفة] (٤/ ٢٣٤):
следующие страницы →