← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وخرجه الإمام أحمد عن غندر: حدثنا شعبة، عن يزيد بن خمير، قال: سمعت عبد الله بن أبي موسى، قال: دخلت على عائشة، فسألتها عن الوصال في الصوم، وسألتها عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت: إنَّ رسول الله ﷺ بعث رجلاً على الصدقة، فجاءته عند الظهر، فصلى الظهر، وشغل في قسمته حتى صلى العصر، ثم صلاها، وقالت: عليكم بقيام الليل؛ فإنَّ رسول الله ﷺ كان لا يدعه. قال أحمد: يزيد بن خمير صالح الحديث. قال: وعبد الله بن أبي موسى هذا خطأ، أخطأ فيه شعبة، هو: عبد الله بن أبي قيس. انتهى. والأمر كما قاله. وقد روي عن عبد الله بن أبي قيس، عن عائشة من وجه آخر، وهو شامي حمصي، خرج له مسلم. وإنَّما سئلت عائشة عن الوصال والركعتين بعد العصر، لأنَّ النبي ﷺ كان ينهى عنهما ويفعلهما، وحديث عائشة هذا يدل على أنَّه إنَّما فعلهما في هذه المرة؛ ولذلك لم تأمر السائل بفعهلما، وإنَّما عدلت إلى أمره بقيام الليل، مع أنَّه لم يسأل عنه، وأخبرت أنَّ النبي ﷺ كان لا يدعه، وهذا يشعر بأنَّ الصلاة بعد العصر بخلاف ذلك. وخرج الإمام أحمد - أيضاً - من رواية معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين بعد الظهر، فشغل عنهما حتى صلى العصر، فلما فرغ ركعهما في بيتي، فما تركهما حتى مات.

стр. 982

قال عبد الله بن أبي قيس: فسألت أبا هريره عنه؟ فقال: قد كنا نفعله، ثم تركناه. فخالف معاوية بن صالح محمد بن زياد ويزيد بن خيمر، وقولهما أولى. وقد روي عن عائشة، أنَّها ردت الأمر إلى أم سلمة في ذلك، وقد سبق حديث كريب عنها - وهو أصح روايات الباب كما ذكره الدارقطني-، وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنَّ عائشة قالت: أخبرتني أم سلمة، وحديث أبي سلمة، عن عائشة وأم سلمة. وخرج الإمام أحمد من رواية يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: دخلت أنا وابن عباس على معاوية، فذكر الركعتين بعد العصر، فجاء ابن الزبير، فقال: حدثتني عائشة، عن رسول الله ﷺ . فأرسل إلى عائشة، فقالت: ذاك ما أخبرته أم سلمة، فدخلنا على أم سلمة، فأخبرناها ما قالت عائشة، فقالت: يرحمها الله، أو لم أخبرها أنَّ رسول الله ﷺ قد نهى عنهما؟ وفي رواية بهذا الإسناد: أنَّ عائشة قالت: لم أسمعه من رسول الله ﷺ ، لكن حدثتني أم سلمة، فسألناها، فذكرت القصة، ثم قالت: ولقد حدثتها أنَّ رسول الله ﷺ نهى عنهما. ورواه حنظلة السدوسي، عن عبد الله بن الحارث، قال: صلى بنا معاوية العصر، فأرسل إلى ميمونة رجلاً، ثم أتبعه رجلاً آخر، فقالت: إنَّ رسول الله ﷺ كان يجهز بعثاً، ولم يكن عنده ظهر، فجاءه ظهر من ظهر

стр. 983

الصدقة، فجعل يقسمه بينهم، فحبسوه حتى أرهق العصر، وكان يصلي قبل العصر ركعتين، أو ما شاء الله، فصلى العصر ثم رجع، فصلى ما كان يصلي قبلها، وكان إذا صلى صلاة، أو فعل شيئاً يحب أن يداوم عليه. خرجه الإمام أحمد. وفي رواية له بهذا الإسناد: أنَّ معاوية أرسل إلى عائشة، فأجابته بذلك. وكلاهما وهم. والله أعلم. ورواية يزيد بن أبي زياد له، عن عبد الله بن الحارث، عن أم سلمة أصح. وحنظلة هذا، قال الإمام أحمد: منكر الحديث. وضعفه ابن معين والنسائي. وقد روي عن عائشة ما يدل على أن النبي ﷺ لم يكن يصلي بعد العصر شيئاً. ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة عن صلاة النبي ﷺ عن تطوعه؟ فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالليث تسع ركعات فيهن الوتر، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين. فهذا يدل على أنَّه لم يكن يصلي بعد العصر شيئاً في بيتها؛ لأنَّه لو كان ذلك لذكرته كما ذكرت صلاته في بيتها بعد الظهر والمغرب والعشاء. وقد خرجه الإمام أحمد، وزاد فيه: "وركعتين قبل العصر". ولم يذكر بعدها شيئاً.

стр. 984

وروى سعد بن أوس: حدثني مصدع أبو يحيى، قال: حدثتني عائشة - وبيني وبينها ستر-، أنَّ النبي ﷺ لم يصل صلاة إلَّا اتبعها ركعتين، غير الغداة وصلاة العصر؛ فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما. خرجه بقي بن مخلد. فقد تبين بهذا كله أنَّ حديث عائشة كثير الاختلاف والاضطراب، وقد رده بذلك جماعة، منهم: الترمذي والأثرم وغيرهما. ومع اضطرابه واختلافه فتقدم الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا اختلاف فيها ولا اضطراب في النهي عن الصلاة بعد العصر عليه. وعلى تقدير معارضته لتلك الأحاديث، فللعلماء في الجمع بينهما مسالك: المسلك الأول: أنَّ حديث عائشة يدل على التطوع المداوم عليه قبل الفريضة وبعدها، إذا فات شيء منه فإنَّه يجوز قضاؤه بعد العصر. وقد روي هذا المعنى عن زيد بن ثابت وابن عباس، وإليه ذهب الشافعي والبخاري والترمذي وغيرهم. ورجح أكثرهم: أنَّ النبي ﷺ لم يداوم على ذلك، كما في حديث أم سلمة، وقد تبين أنَّ عائشة رجعت إليها في ذلك. وعلى تقدير أن يكون داوم عليها فقد كان ﷺ يحافظ على نوافله كما يحافظ على فرائضه، ويقضي ما فاته منها، كما روي عنه أنَّه كان يقضي ما فاته من الصيام في الأشهر في شعبان - كما كانت عائشة تقضي ما فاتها من رمضان

стр. 985

- حتى لا يأتي رمضان آخر وقد فاته شيء من نوافله في العام الماضي فلما صلى يوماً ركعتين بعد العصر قضاءً لما فاته من النوافل كان ذلك سبباً مجوزاً لمداومته على مثل ذلك. وفي هذا نظر؛ فإنَّه لما فاته صلاة الصبح بالنوم، وقضاها نهاراً لم يداوم على مثل تلك الصلاة كل يوم، وكذلك لما قضى صلاة العصر يوم الخندق. واختلف الشافعية فيمن قضى شيئاً من التطوع في وقت النهي: هل له المداومة؟ على وجهين لهم، أصحهما: أنَّه لا يجوز المداومة. ورجح الأكثرون: أنَّه ﷺ لم يداوم على هذه الصلاة. كما روى ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، قال: سمعت قبيصة بن ذؤيب، أن عائشة اخبرت آل الزبير، أن رسول الله ﷺ صلى عندها ركعتين بعد العصر، فكانوا يصلونها. قال قبيصة: فقال زيد بن ثابت: يغفر الله لعائشة، نحن أعلم برسول الله ﷺ من عائشة، إنَّما كان كذلك لأن أناساً من الأعراب أتوا رسول الله ﷺ بهجير، فقعدوا يسألونه ويفتيهم حتى صلى الظهر، ولم يصل ركعتين، ثم قعد يفتيهم حتى صلى العصر، فانصرف إلى بيته، فذكر أنَّه لم يصل بعد الظهر شيئاً، فصلاهما بعد العصر، يغفر الله لعائشة، نحن أعلم برسول الله ﷺ من عائشة، نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بعد العصر.

стр. 986

وروى عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إنما صلى النبي ﷺ الركعتين بعد العصر؛ لأنَّه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما. خرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، وابن حبان في "صحيحه". والمسلك الثاني: أنَّه ﷺ كان مخصوصاً بإباحة الصلاة بعد العصر، أو في أوقات النهي مطلقاً، وهذا قول طائفة من الفقهاء من أصحابنا كابن بطة، ومن الشافعية وغيرهم. وروى إسحاق بن راهويه في "مسنده" عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: رأيت عبد الله بن الزبير يصلي ركعتين بعد العصر، فقلت: ما هذا؟ قال: أخبرتني عائشة عن رسول الله ﷺ ، أنه كان يصلي ركعتين بعد العصر في بيتي، قال: فأتيت عائشة، فسألتها، فقالت: صدق، فقلت لها: فأشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس"، فرسول الله ﷺ يفعل ما أمر، ونحن نفعل ما أمرنا. أبو هارون، ضعيف الحديث. ولهذا المعنى قال طائفة من العلماء: إنه إذا تعارض نهي النبي ﷺ وفعله أخذنا بنهيه؛ لاحتمال أن يكون فعله خاصاً به، كما في نهيه عن

стр. 987

نكاح المحرم مع أنه نكح وهو محرم، إن ثبت ذلك، وكما كان يواصل في صيامه، ونهى عن الوصال. ويعضد هذا: ما روي عن النبي ﷺ ، أنه سئل: أنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: "لا". فروى حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن أم سلمة، قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر، ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها؟ فقال: "قدم علي مال فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر، فصليتهما الآن". فقلت: يا رسول الله، أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: "لا". خرجه الإمام أحمد وابن حبان في "صحيحه". وإسناده جيد. قال الدارقطني: وروي عن ذكوان، عن عائشة، عن النبي ﷺ . وعن ذكوان، عن عائشة، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ . وقد ضعفه البيهقي بغير حجة في "كتاب المعرفة". وخرجه في "كتاب السنن" من رواية ذكوان، عن عائشة، قالت: حدثتني أم سلمة - فذكرت الحديث. وعاصم، وثقه جماعة من الأئمة.

стр. 988

وروى زهير بن محمد، عن يزيد بن خصيفة، عن سلمة بن الأكوع، قال: كنت أسافر مع النبي ﷺ ، فما رأيته صلى بعد العصر ولا بعد الصبح قط. خرجه الإمام أحمد. وذكره الترمذي في "علله"، وقال: سألت عنه محمداً - يعني: البخاري-، فقال: لا أعرف ليزيد بن خصيفة سماعاً من سلمة بن الأكوع. قال: ولم نعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه. كذا قال. وقد خرجه من طريق سعيد بن أبي الربيع: حدثنا سعيد بن سلمة: ثنا يزيد ابن خصيفة، عن ابن سلمة بن الأكوع، عن أبيه سلمة - فذكره- فأدخل بينهما: "ابن سلمة"، لكنه لم يسمه. وقد خرج البخاري فيما سبق حديث معاوية، أنه قال: إنكم لتصلون صلاة، لقد صحبنا رسول الله ﷺ فما رأيناه يصليها، ولقد نهى عنها - يعني: الركعتين بعد العصر. وقد ذكرنا فيما سبق عن عائشة حديثاً في هذا المعنى - أيضاً-، وأنها قالت: إن النبي ﷺ لم يصل صلاة إلا أتبعها ركعتين، غير الغداة وصلاة العصر؛ فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما. يستأنس لدعوى النسخ: بقول أبي هريرة: قد كنا نفعله - يعني: الصلاة بعد العصر-، ثم تركناه.

стр. 989

خرجه الإمام أحمد من طريق معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، أنه سأل عائشة عن الركعتين بعد العصر - فذكر حديثها. قال عبد الله بن أبي قيس: وسألت أبا هريرة عنه؟ فقال: قد كنا نفعله، ثم تركناه. ويحتمل عندي: أن يجمع بين أحاديث عائشة المختلفة في هذا الباب بوجه آخر غير ما تقدم، وهو: مسلك رابع: لم نجد أحداً سبق إليه، وهو محتمل: فنقول: يمكن أن تكون عائشة ﵂ لما بلغها عن عمر وغيره من الصحابة النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ظنت أنَّهم ينهون عن الصلاة بمجرد دخول وقت العصر، كما قال ذلك كثير من العلماء أو أكثرهم في النهي عن الصلاة بعد الفجر، أنَّ النهي يدخل بطلوع الفجر كما سبق ذكره. وكانت عائشة عندها علم من النبي ﷺ ، أنَّه يصلي قبل صلاة العصر ركعتين في بيتها، وكان عندها رواية عن أم سلمة أنَّ النبي ﷺ صلى في بيتها مرة ركعتين بعد العصر، فكانت ترد بذلك كله قول من نهى عن الصلاة بعد العصر. فإذا وقع التحقيق معها في الصلاة بعد صلاة العصر كما أرسل إليها معاوية يسألها عن ذلك تقول: لا أدري، وتحيل على أم سلمة؛ لأن صلاة النبي ﷺ بعد صلاة العصر لم تره عائشة، إنما أخبرتها به أم سلمة، وإنما رأت عائشة صلاة النبي ﷺ في بيتها؛ وذلك بعد دخول

стр. 990

وقت العصر وقبل صلاة العصر، مع أنها كانت -أحياناً - تروي حديث أم سلمة وترسله، ولا تسمي من حدثها به. وهذا وجه حسن يجمع بين عامة اختلاف الأحاديث في هذا الباب، إلَّا أنَّه يشكل عليه أحاديث: منها: رواية يحيى بن قيس: اخبرني عطاء: أخبرتني عائشة، أن رسول الله ﷺ لم يدخل عليها بعد صلاة العصر إلَّا صلى ركعتين. خرجه الإمام أحمد عن محمد بن بكر البرساني، عن يحيى، به. ورواه أحمد بن المقدام وغيره، عن محمد بن بكر، ولم يذكروا لفظة: "صلاة". ولعل هذه اللفظة رواها محمد بن بكر بما فهمه من المعنى، فكان تارةً يذكرها، وتارةً لا يذكرها، فإن المتبادر عند إطلاق الصلاة بعد العصر الصلاة بعد صلاة العصر، لا بعد وقت العصر، مع احتمال إرادة المعنى الثاني. وقد روي عن عائشة - أيضاً-، أن النبي ﷺ كان لا يدع ركعتين بعد الصبح. وقد خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ. والمراد: بعد وقت الصبح، لا بعد صلاته، بغير إشكال. ومنها: ما روى خلاد بن يحيى: ثنا عبد الواحد بن أيمن: حدثني أبي، قال: دخلت على عائشة، فسألتها عن ركعتين بعد العصر؟ فقالت: والذي ذهب بنفسه، ما تركهما حتى لقي الله. فقال: يا أم المؤمنين، فإن عمر كان ينهى عنها ويشدد فيها؟ قالت: صدقت، كان نبي الله ﷺ يصلي

стр. 991

بالناس العصر، فإذا فرغ دخل بيوت نسائه فصلاهما؛ لئلا يروه فيجعلوها سنة، وكان يحب ما خف على أمته. وهذا تصريح بأنه كان يصليهما بعد صلاة العصر. ويعضده -أيضاً-: رواية الأسود ومسروق، عن عائشة، قالت: ما كان النبي ﷺ يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين. وقد خرجه البخاري فيما سبق. وقد روي -أيضاً- بنحو هذا اللفظ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما دخل رسول الله ﷺ بعد العصر إلا صلى ركعتين عندي. وإنما كان النبي ﷺ يدخل على عائشة بعد صلاة العصر، كما في حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من العصر ودخل على نسائه فيدنو من إحداهن - وذكرت قصة حفصة والعسل. وقد خرجه البخاري في "النكاح". ويجاب عن ذلك كله: بأنَّ رواية خلاد بن يحيى قد خالفه فيها أبو نعيم، لم يذكر ما ذكره خلاد. وقد خرج البخاري حديث أبي نعيم كما سبق دون حديث خلاد. وقد دل على أنه غير محفوظ: أنَّ فيه: أن النبي ﷺ كان يدخل بيوت نسائه فيصليها. وقد صح عن أم سلمة كما تقدم أنَّها قالت: لم أره صلاها إلَّا يوماً واحداً، وذكرت سبب ذلك.

стр. 992

وأمَّا دخوله ﷺ على نسائه بعد العصر، فذاك كان يفعله دائماً أو غالباً، وعائشة إنما أخبرت عما رأته يفعله في يومها المختص بها. يدل على ذلك: ما خرجه مسلم في "صحيحه" من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود ومسروق، قالا: نشهد على عائشة أنَّها قالت: ما كان يومه الذي كان يكون عندي إلَّا صلاهما رسول الله ﷺ في بيتي - تعني: الركعتين بعد العصر. فتبين بهذا أنَّها أرادت يومها المختص بها الذي كان يكون مكثه عندها في بيتها، فكان يتوضأ عندها للعصر ويصلي ركعتين، ثم يخرج للصلاة، وربما كان يدخل بيتها في وقت العصر كذلك. فدل هذا: على أنَّ مرادها: انه كان يصلي ركعتين بعد دخول وقت العصر، ولكن كان ذلك قبل صلاة العصر، وكانت تظن أنَّ هذا يرد قول عمر ومن وافقه بالنهي عن الصلاة بعد العصر، وإنَّما كان مراد عمر وغيره من الصحابة: النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر. ولاشتباه الأمر في هذا على كثير من الناس كان كثير من الرواة يروي حديث عائشة بالمعنى الذي يفهمه منه، ولا يفرق بين وقت العصر وفعل العصر، فوقع في ذلك اضطراب في ألفاظ الروايات. وقد ظهر بهذا أنَّه لم يصح عن النبي ﷺ أنَّه صلى ركعتين بعد صلاة العصر، إلَّا يوم صلاهما في بيت أم سلمة، وكانت عائشة ترويه عنها - أحياناً-، كما في حديث ذكوان عنها، وأحياناً ترسله، كما في حديث أم سلمة عنها.

стр. 993

وفي رواية ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، أن عائشة لما أرسل إليها معاوية يسألها عن ذلك، قالت: "لا علم لي" - تشير إلى أنها ليس عندها عن النبي ﷺ في ذلك شيء سمعته منه أو رأته يفعله - "ولكن سلوا أم سلمة" - تشير إلى أنها هي التي أخبرت عن النبي ﷺ ، أنها رأته يفعل ذلك. وفي رواية محمد بن أبي حرملة، عن عائشة، أنها حدثت عن النبي ﷺ بمثل حديث أم سلمة، فإن كان هذا محفوظاً فقد أرسلت الحديثين عنها، ويحتمل أن تكون أخبرت عما رأته، وأن يكون مرادها: أن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين قبل وقت العصر - تعني: بعد الظهر-، فشغل عنهما أو نسيهما، ثم صلاهما بعد العصر- تعني: بعد وقت العصر، قبل صلاة العصر-، ثم أثبتهما من حينئذ، فداوم عليهما قبل صلاة العصر وبعد دخول وقت صلاة العصر. ورواية ابن أبي لبيد أشبه من رواية ابن أبي حرملة، وكل منهما ثقة مخرج له في "الصحيحين". وقال البيهقي في حديث ابن أبي لبيد: إنَّه حديث صحيح. وإنَّما رجح أبن عبد البر رواية ابن أبي حرملة على رواية ابن أبي لبيد لموافقته في الظاهر لما فهمه من سائر الرواة عن عائشة في الصلاة بعد العصر، وقد بينا الفرق بينهما. فإن قيل: فقد فرقت عائشة بين ركعتي الفجر والعصر، فقالت: "لم يكن يدع ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر"، كما في حديث الأسود وغيره، عنها كما

стр. 994

سبق، ولو أرادت الوقت دون الفعل لسوت بينهما، وقالت: بعد الفجر وبعد العصر. فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنَّه روي عنها أنَّها قالت: كان النبي ﷺ لا يدع ركعتين بعد الصبح. وقد خرجه الإمام أحمد من رواية ابن المنتشر، عنها. فهذا كقولنا: لا يدع ركعتين بعد العصر سواء. والثاني: أن ركعتي الفجر لم يكن فيها اختلاف بين الصحابة أنها قبل الصلاة، ولم يكن أحد منهم يصلي بعد الصبح تطوعاً، ولا نقله عن النبي ﷺ ، فلذلك كانت أحياناً تقول: كان يصلي قبل الفجر، وأحياناً تقول: بعد الصبح؛ لأن المعنى مفهوم. وأمَّا الركعتان بعد العصر، فهما اللتان وقع فيهما الاختلاف بين الصحابة، وكان كثير منهم يصليهما وكان ابن الزبير قد أشاعهما بعد موت عمر، وكان عمر في خلافته ينهى عنهما، ويعاقب عليهما، وكانت عائشة تخالفه في ذلك، وكانت تروي أنَّ النبي ﷺ صلى عندها بعد العصر؛ لترد على من قال: لا يصلى بعد العصر. ولكن ليس في روايتها ما يرد عليهم؛ لأنَّهم إنَّما نهوا عن الصلاة بعد صلاة العصر، وهي كان عندها علم أنَّ النبي ﷺ صلى ركعتين بعد دخول وقت العصر. ولعل عمر كان ينهى عن الصلاة بعد دخول وقت العصر، كما نهى ابنه وغيره عن الصلاة بعد طلوع الفجر سوى ركعتي الفجر،

стр. 995

وكانت عائشة تنكر ذلك لكنها كانت تسوى بين حكم ما قبل الصلاة وبعدها في الرخصة في الصلاة. فتبين بهذا كله: أنَّه لم يصح عن النبي ﷺ أنَّه صلى ركعتين بعد صلاة العصر، سوى ما روته عنه أم سلمة وحدها. فإن قيل: فقد سبق عن زيد بن خالد وتميم الداري، أنَّهما رويا عن النبي ﷺ ، أنَّه صلاهما. قيل: ليس إسناد واحد منهما مما يحتج به؛ لأنَّ حديث تميم منقطع الإسناد، وحديث زيد بن خالد فيه مجهولان، ولعل مرادهما: الصلاة بعد وقت العصر، قبل صلاة العصر - أيضاً. ولعل كثيراً ممن نقل عنه من الصحابة الصلاة بعد العصر أرادوا ذلك - أيضاً، ومع هذا فلا يقطع عليهم أنَّهم أرادوا الصلاة بعد صلاة العصر. وقد رويت الصلاة بعد العصر عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، من رواية أبي دارس النصري: حدثنا أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه، أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين، ويحدث أنَّ رسول الله ﷺ صلى ركعتين بعد العصر في منزل عائشة. خرجه بقي بن مخلد. وخرجه الإمام أحمد مختصراً، ولفظه: عن أبي موسى، أنه رأى النبي ﷺ يصلي ركعتين بعد العصر. وهذا - أيضاً- يحتمل أنَّه رآه يصلي بعد دخول وقت العصر. وأبو دارس، اسمه: إسماعيل بن دارس، قال ابن المديني: هو مجهول لا أعرفه.

стр. 996

وقال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال مرة: ما به بأس إنَّما روى حديثاً واحداً. وقال أبو حاتم: ليس بالمعروف. ويقال فيه - أيضاً-: أبو دراس، وقد فرق بينهما ابن أبي حاتم، وهو واحد. وله طريق آخر من رواية يحيى بن عاصم صاحب أبي عاصم: حدثنا محمد ابن حمران بن عبد الله: حدثني شعيب بن سالم، عن جعفر بن أبي موسى، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر ركعتين، وكان أبو موسى يصليهما. خرجه الطبراني في "الأوسط". وهذا الإسناد مجهول لا يعرف. وروى محمد بن عبيد الله الكوفي، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ ثماني عشرة غزوة، فما رأيته تاركاً ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد العصر. غريب منكر، والكوفي، لعله: العرزمي، وهو متروك، وإلا فهو مجهول. فهذه أحاديث الصلاة بعد العصر وما فيها. ويمكن أن نسلك في حديث عائشة مسلكاً آخر، وهو: أنَّ صلاة الركعتين للداخل إلى منزله حسن مندوب إليه، وقد ورد في فضله أحاديث في أسانيدها نظر. فخرج البزار في الأمر به، وأنَّه يمنع مدخل السوء: حديثاً عن أبي هريرة - مرفوعاً، في إسناده ضعف.

стр. 997

وروى الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة، أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الأوابين" - أو قال: "صلاة الأبرار - ركعتان إذا دخلت بيتك، وركعتان إذا خرجت منه". وهذا مرسل. ويروى عن هشام بن عروة، عن عائشة، قالت: ما دخل رسول الله ﷺ بيتي قط إلا صلى ركعتين. قال أبو بكر الأثرم: هو خطأ. كأنَّه يشير إلى أنَّه مختصر من حديث الصلاة بعد العصر. وممن روي عنه أنَّه كان يصلي إذا دخل بيته وإذا خرج منه: عبد الله بن رواحة، وثابت البناني. وإذا كانت هذه صلاة مستحبة فلا يبعد أن تلتحق بذوات الأسباب فيها، كتحية المسجد ونحوها، وفي هذا نظر. والله أعلم» اهـ. ٥ - وفي الحديث سد الذرائع، وذلك أنَّ النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر من أجل ألَّا يستمر العبد بالصلاة حتى طلوع الشمس أو غروبها، والصلاة في هاذين الوقتين تشبه بالمشركين الذين يسجدون للشمس، وكل ذلك ذريعة إلى عبادة الشمس من دون الله تعالى. قلت: وأشد أوقات الكراهة عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند قيام قائم الظهيرة. وقد جاء في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات:

стр. 998

ما رواه مسلم (٨٣١) عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ قَالَ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ». وما رواه مسلم (٨٣٢) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ». * * *

стр. 999

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٥٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا". قَالَ: فَقُمْنَا إلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ. ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ». بُطْحَان: اسمُ مكانٍ بالمدينةِ. قوله: «مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٩): «قَوْلُهُ: "مَا كِدْتُ" قَالَ الْيَعْمُرِيُّ: لَفْظَةُ كَادَ مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ فَإِذَا قُلْتُ: كَادَ زَيْدٌ يَقُومُ فُهِمَ مِنْهَا أَنَّهُ قَارَبَ الْقِيَامَ وَلَمْ يَقُمْ. قَالَ: وَالرَّاجِحُ فِيهَا أَنْ لَا تُقْرَنَ بِأَنْ بِخِلَافِ عَسَى فَإِنَّ الرَّاجِحَ فِيهَا أَنْ تُقْرَنَ. قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ. قُلْتُ: وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ أَيْضًا وَهُوَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ وَهَلْ تَسُوغُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى فِي مثل هَذَا أَولا الظَّاهِرُ الْجَوَازُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِخْبَارُ عَنْ صَلَاتِهِ الْعَصْرَ كَيْفَ وَقَعَتْ لَا الْإِخْبَارُ عَنْ عُمَرَ هَلْ تَكَلَّمَ بِالرَّاجِحَةِ أَوِ الْمَرْجُوحَةِ. قَالَ: وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَعْنَى كَادَ الْمُقَارَبَةُ فَقَوْلُ عُمَرَ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ قُرْبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لِأَنَّ نَفْيَ الصَّلَاةِ يَقْتَضِي إِثْبَاتَهَا وَإِثْبَاتُ الْغُرُوبِ يَقْتَضِي نَفْيَهُ فَتَحَصَّلَ مِنْ ذَلِكَ لِعُمَرَ ثُبُوتُ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَثْبُتِ الْغُرُوبُ اهـ وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ لَا يَلْزَمُ

стр. 1000

مِنْ هَذَا السِّيَاقِ وُقُوعُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ بَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا تَقَعَ الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كيدودته كَانَتْ عِنْد كَيْدُودَتَهَا قَالَ: وَحَاصِلُهُ عُرْفًا مَا صَلَّيْتُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ اهـ وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَ التَّقْرِيرَيْنِ مِنَ الْفَرْقِ وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْعُرْفِ مَمْنُوعٌ وَكَذَا الْعِنْدِيَّةُ لِلْفَرْقِ الَّذِي أَوْضَحَهُ الْيَعْمُرِيُّ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ لِأَنَّ كَادَ إِذَا أُثْبِتَتْ نَفَتْ وَإِذَا نَفَتْ أُثْبِتَتْ كَمَا قَالَ فِيهَا الْمَعَرِّيُّ مُلْغِزًا إِذَا نُفِيَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَثْبَتَتْ وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ هَذَا إِلَى مَا فِي تَعْبِيرِهِ بِلَفْظِ كَيْدُودَةٍ مِنَ الثِّقَلِ وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ فَإِنْ قِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَيْفَ اخْتُصَّ بِأَنْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَهُمْ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشُّغْلُ وَقَعَ بِالْمُشْرِكِينَ إِلَى قُرْبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَكَانَ عُمَرُ حِينَئِذٍ متوضأ فَبَادَرَ فَأَوْقَعَ الصَّلَاةَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فِي الْحَالِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا قَدْ شَرَعَ يَتَهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ وَلِهَذَا قَامَ عِنْدَ الْإِخْبَارِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْوُضُوءِ» اهـ. وقال العيني ﵀ في [عمدة القاري] (٥/ ٩٠ - ٩١): «وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام أَنْ كَاد إِذا دخل عَلَيْهِ النَّفْي فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب: الأول: أَنَّهَا كالأفعال إِذا تجردت من النَّفْي كَانَ مَعْنَاهُ إِثْبَاتًا وَإِنْ دخل عَلَيْهَا نفي كَانَ مَعْنَاهَا نفياً لِأَن قَوْلك كَاد زيد يقوم مَعْنَاهُ إِثْبَات قرب الْقيام لَا إِثْبَات نفس الْقيام فَإِذا قلت: مَا كَاد زيد يفعل فَمَعْنَاه نفي قرب الْفِعْل. الثَّانِي: أَنه إِذا دخل عَلَيْهَا النَّفْي كَانَتْ للإثبات.

стр. 1001

الثَّالِث: إِذا دخل عَلَيْهَا حرف النَّفْي ينظر هَلْ دخل على الْمَاضِي أَوْ على الْمُسْتَقْبل فَإِنْ كَانَ مَاضِياً فَهِيَ للإثبات وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبلا فَهِيَ كالأفعال وَالأَصَح هُوَ الْمَذْهَب الأول نَص عَلَيْهِ ابْن الْحَاجِب وَإِذا تقرر هَذَا فكاد هَهُنَا دخل عَلَيْهِ النَّفْي فَصَارَ مَعْنَاهُ نفياً يَعْنِي نفي قرب الصَّلَاة كَمَا فِي قَوْلك مَا كَاد زيد يفعل نفي قرب الْفِعْل فَإِذا نفى قرب الصَّلَاة فنفي الصَّلَاة بطرِيق الأولى وَقَوله: "حَتَّى كَادَت الشَّمْس تغرب" حَال عَنْ النَّفْي فَهِيَ كَسَائِر الْأَفْعَال وَقَول الْيَعْمرِي يُشِير إِلَى الْمَذْهَب الثَّالِث وَهُوَ غير صَحِيح وَلَا يمشي هَهُنَا أَيْضاً. فَإِنْ قلت: قَوْله تَعَالَى: ﴿فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يساعد الْمَذْهَب الثَّالِث لِأَن كَاد هَهُنَا دخل عَلَيْهَا النَّفْي وَهُوَ مَاض وَاقْتضى الْإِثْبَات أَنْ لفعل الذّبْح وَاقع بِلَا شكّ. قلت: لَيْسَ فعل الذّبْح مستفاداً من كَاد بل من قَوْله: ﴿فذبحوها﴾ وَالْمعْنَى فذبحوها مجبرين وَمَا قاربوا فعل الذّبْح مختارين أَوْ نقُول فذبحوها بعد التَّرَاخِي وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ على الْفَوْر بِدَلِيل أَنهم سَأَلُوا سؤالاً بعد سُؤال وَلم يبادروا إِلَى الذّبْح من حِين أمروا بِهِ» اهـ. وقوله: «فَقُمْنَا إلَى بُطْحَانَ». بطحان اسم للوادي المنبطح المستوي الواسع. قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ١٣٢): «هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ هَكَذَا هُوَ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُحَدِّثِينَ فِي رِوَايَاتِهِمْ وَفِي ضَبْطِهِمْ وَتَقْيِيدِهِمْ وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ

стр. 1002

الطَّاءِ وَلَمْ يُجِيزُوا غَيْرَ هَذَا وَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَارِعِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ وَهُوَ وَادٍ بِالْمَدِينَةِ» اهـ. وأمَّا قول الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٨٨): «قَوْله: "بطحان" بِضَم أَوله وَسُكُون ثَانِيه اسْم وَاد بِالْمَدِينَةِ تكَرر ذكره فِي الحَدِيث وَضَبطه أهل اللُّغَة بِفَتْح أَوله وثانيه وَبِه جزم أَبُو عبيد الْبكْرِيّ» اهـ. فيه نظر، ولعله حصل سقط في النسخة والصواب أن يقول: وكسر ثانيه. وفي الحديث مسائل منها: ١ - جواز سب الكافرين بسبب ما حصل منهم من العدوان وهذا مأخوذ من إقرار النبي ﷺ لعمر ﵁. ٢ - مشروعية أن يحلف الإنسان للأمر وإن لم يستحلف. وحلف النبي ﷺ تطييباً لقلب عمر حين وجد من نفسه تأخيره لصلاة العصر حتى كادت أن تغرب الشمس. ٣ - فيه سعة وقت المغرب خلافاً لمن قال بتضييقه. فلو كان وقت المغرب مضيقاً لكان قد وقعت صلاة العصر في وقت المغرب، ولم يكن فرغوا منها حتى فات وقت المغرب، فتكون صلاة المغرب حينئذ مقضية بعد وقتها. وقد سبق الكلام في هذه المسألة. ٤ - وفيه الترتيب بين الفوائت. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٧٠): «وأمَّا الترتيب، فقد ذكرنا أنَّه مستحب بالاتفاق.

стр. 1003

واختلفوا: هل هو شرط لصحة الصلاة، أم لا؟ فمذهب أحمد: أنَّه شرط، قلت الفوائت أو كثرت، وهو قول زفر. ومذهب مالك وأبي حنيفة: يجب الترتيب فيها إن كانت خمساً فما دون، ولا يجب فيما زاد. ومذهب الشافعي: أنَّه لا يجب الترتيب بحالٍ، وهو قول أبي ثور وداود، ورواية عن الأوزاعي. وروي عن سمرة بن جندب ما يدل عليه. وهؤلاء جعلوا ترتيب الصلوات في الأداء من ضرورة الوقت، فإذا فاتت فلا يجب فيها الترتيب، كمن عليه ديون منجمة، إذا أخرت إلى آخرها نجماً فلا يبالي بما قضى منها قبل الآخر، حتى لو قضى آخرها نجماً قبل الكل لجاز، وكصوم رمضان إذا فات، فإنَّه لا يشترط لقضائه ترتيب ولا موالاة، بل يجوز تفريقه وتتابعه. واستدل بعض من أوجب الترتيب بما روى ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن يزيد، أنَّ عبد الله بن عوف حدثه، عن أبي جمعة حبيب بن سباع - وكان قد أدرك النبي ﷺ ، أنَّ النبي ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: "هل علم أحد منكم أنِّي صليت العصر؟ " فقالوا: يا رسول الله، ما صليتها، فأمر المؤذن فأقام، وصلى العصر، ثم أعاد المغرب. خرجه الإمام أحمد. واستدل به بعض من يقول: لا يسقط الترتيب بالنسيان.

стр. 1004

وحمله بعض من خالفه على أنَّه كان تذكر العصر في صلاة المغرب قبل أن يفرغ منها. وهذا حديث ضعيف الإسناد، وابن لهيعة لا يحتج بما ينفرد به. قال ابن عبد البر: هذا حديث لا يعرف إلاَّ عن ابن لهيعة، عن مجهولين، لا تقوم به حجة. قلت: أمَّا عبد الله بن عوف، فإنَّه الكناني، عامل عمر بن عبد العزيز على فلسطين، مشهور، روى عنه الزهري وجماعة. وأمَّا محمد بن يزيد، فالظاهر أنَّه ابن أبي زياد الفلسطيني، صاحب حديث الصور الطويل، وقد ضعفوه. وروى مالك في "الموطأ"، عن نافع، أنَّ عبد الله بن عمر كان يقول: "من نسي صلاة فلم يذكرها إلاَّ وراء الإمام، فإذا سلم الإمام فليصل الصلاة التي نسي، ثم يصلي بعدها الأخرى". وقد روى عثمان بن سعيد الحمصي، عن مالك مرفوعاً. ورفعه باطل-: ذكره ابن عدي. كذا روي عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعاً. خرجه أبو يعلي الموصلي والطبراني والدارقطني. وذكر عن موسى بن هارون الحافظ، أنَّ رفعه وهم، وإنَّما هو موقوف. وكذا قال أبو زرعة الرازي. وأنكر يحيى بن معين المرفوع إنكاراً شديداً-: ذكره ابن أبي حاتم.

стр. 1005

وقد اختلف من اشترط الترتيب للقضاء فيمن ذكر فائتة وهو يصلي حاضرة. فقيل: يسقط عنه الترتيب في هذه الحال؛ لأنَّ الحاضرة قد تعين إتمامها بالشروع فيها؛ لتضايق وقت الحاضرة. وحكي عن الحسن وطاووس، وهو قول أبي يوسف، واختاره بعض أصحابنا؛ لأنَّ الجماعة عندنا فرض. وقيل: لا يسقط، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد. وعلى هذا؛ فهل يبطل الحاضرة، أم يقطعها؟ على قولين. أحدهما: أنَّه يقطعها - وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد -، إلَّا أن يكون مأموماً فيتمها كما قاله ابن عمر. والثاني: يتمها نفلاً، وهو قول الليث والثوري وأحمد في رواية. فعلى هذا؛ إن قلنا: يصح ائتمام المفترض بالمتنفل صح ائتمام المأمومين به، وإلَّا فلا. وذكر ابن عبد البر: أنَّ مذهب مالك: أنَّ المأموم يتم صلاته، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد الحاضرة، كما قاله ابن عمر. قال: وعند مالك وأصحابه: لا يجب الترتيب في الفوائت بعد صلاة الوقت، إلَّا بالذكر، وجوب استحسان، بدليل إجماعهم على أنَّ من ذكر فائتة في وقت حاضرة، أو صلوات يسيرة، أنَّه إن قدم العصر على الفائتة، أنَّه لا إعادة عليه للعصر التي صلاها، وهو ذاكر فيها للفائتة، إلَّا أن يبقى من وقتها ما يعيدها فيها قبل غروب الشمس.

стр. 1006

قال: وهذا يدل على أنَّ قولهم: من ذكر صلاة في صلاة فإنَّها تنهدم أو تفسد عليه، ليس على ظاهره، ولو كان على ظاهره لوجبت الإعادة عليه للعصر بعد غروب الشمس؛ لأنَّ ما يفسد ويهدم حقيقة يعاد أبداً، وما يعاد في الوقت فإنَّه استحباب، فقضت على هذا الأصل. قال: وقال أبو حنيفة: من ذكر فائتة، وهو في صلاة أخرى من الصلوات الخمس، فإن كان بينهما أكثر من خمس صلوات مضى فيما هو فيه، ثم صلى التي عليه، وإن كان أقل من ذلك، قطع ما هو فيه، وصلى التي ذكر، إلاَّ أن يضيق وقتها، فيتمها، ثم يصلي الفائتة. انتهى.» اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٧٠): «وفي الحديث من الفوائد ترتيب الفوائت والأكثر على وجوبه مع الذكر لا مع النسيان. وقال الشافعي: لا يجب الترتيب فيها واختلفوا فيما إذا تذكر فائتة في وقت حاضرة ضيق هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة أو يبدأ بالحاضرة أو يتخير فقال بالأول مالك وقال بالثاني الشافعي وأصحاب الرأي وأكثر أصحاب الحديث وقال بالثالث أشهب» اهـ. قلت: وقد مضى الكلام على ترتيب الفوائت في شرح حديث علي في الصلاة الوسطى. ٥ - وفيه مشروعية صلاة الفوائت جماعة وهو مأخوذ من قول جابر: «فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا».

стр. 1007

وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ١٥٧): «وقد خرجه الإسماعيلي في "صحيحه"، ولفظه: "فصلى بنا العصر". وذكر باقيه. وهذا تصريح بالجماعة. وأكثر العلماء على مشروعية الجماعة للفوائت. فمن قال: إنَّ صلاة الجماعة سنة، فهي عنده سنة للحاضرة والفائتة. ومن قال: صلاة الجماعة فرض - كما هو ظاهر مذهب الإمام أحمد -، فاختلف أصحابنا: هل الجماعة واجبة، أو لا؟ على وجهين. وممن قال بأنَّ الجماعة مشروعة للفوائت: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. وحكي عن الليث بن سعد: أنَّ قضاء الفائتة فرادى أفضل. وترده هذه الأحاديث الصحيحة» اهـ. ٦ - وفي الحديث دليل على عدم كراهية قول القائل: ما صلينا خلافاً لمن كره ذلك. وقد بوَّب البخاري في "صحيحه" «باب قول الرجل: "ما صلينا"». قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٣٣٨): «في هذا الحديث رد على قول من يقول، إذا سئل: هل صليت؛ وهو منتظر للصلاة، فيكره أن يقول: لم أصل، وهو قول إبراهيم النخعي، رواه ابن أبي شيبة، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن إبراهيم أنَّه كره أن يقول الرجل: لم نصل، ويقول: نصلي، وقول الرسول: والله ما صلينا، خلاف قول إبراهيم، ورد له، فلا معنى له» اهـ.

стр. 1008

لكن قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٢٣): «والذي يظهر لي أنَّ البخاري أراد أن ينبه على أنَّ الكراهة المحكية عن النخعي ليست على إطلاقها لما دل عليه حديث الباب ولو أراد الرد على النخعي مطلقاً لأفصح به كما أفصح بالرد على ابن سيرين في ترجمة "فاتتنا الصلاة"» اهـ. وقال العلامة بدر الدين العيني ﵀ في [عمدة القاري] (٨/ ٢١٨): «وكراهة النخعي ليست على إطلاقها بل إنَّما هي في حق منتظر الصلاة ومنتظر الصلاة في الصلاة» اهـ. * * *

стр. 1009

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها ٥٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». الفَذُّ: الفردُ. والفرق بين الفذ والواحد: أن الفذ يفيد التقليل دون التوحيد يقال: لا يأتينا فلان إلَّا في الفذ أي القليل. وفي الحديث مسائل منها: ١ - وقوله: «بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». يقتضي أنَّ صلاة المأموم تعدل ثمانية وعشرين درجة من صلاة الفذ لأنَّها تساويها وتزيد عليها سبعاً وعشرين جزءًا. قاله العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى شرح الموطأ] (١/ ٣٠١). قلت: ويمكن أن يقال: إنَّ صلاة المصلي في جماعة تعدل خمساً وعشرين درجة من صلاة الفذ كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد فإنَّهما وردا لبيان الفضل الذي يناله المصلي في الجماعة من غير أن يذكرا فيه ما للفرد من أجر، وحديث ابن عمر ذكر فيه فضل صلاة الجماعة مجموعاً معه ما للفرد من أجر فكان مجموع الأمرين سبعاً وعشرين درجة. للجماعة منها خمس وعشرين، وللفرد منها درجتان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٢٢):

стр. 1010

«وقد جمع بينهما. بأنَّ حديث الخمس والعشرين ذكر فيه الفضل الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة والفضل خمس وعشرون وحديث السبعة والعشرين ذكر فيه صلاته منفرداً وصلاته في الجماعة والفضل بينهما فصار المجموع سبعاً وعشرين» اهـ. لكن قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٣ - ١٤): «في حديث ابن عمر: أنَّ صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، وفي حديث أبي سعيد: أنَّها عليها بخمس وعشرين. وقد جمع بعض الناس بينهما، فقال: أريد في حديث ابن عمر ذكر صلاة الفذ وصلاة الجماعة، وما بينهما من الفضل، وهو خمس وعشرون، فصار ذلك سبعاً وعشرين، وفي حديث أبي سعيد ذكر قدر الفضل بينهما فقط، وهو خمس وعشرون. وهذا بعيد، فإنَّ حديث ابن عمر ذكر فيه قدر التفاضل بين الصلاتين - أيضاً، كما ذكر في حديث أبي سعيد. وقد خرجه مسلم من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: "صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده سبعاً وعشرين درجة". وأمَّا حديث أبي هريرة ففيه تضعف صلاة الجماعة على الصلاة في البيت والسوق خمسة وعشرين ضعفاً، والمراد به - أيضاً -: قدر التفاضل بينهما.

стр. 1011

وسيأتي حديث أبي هريرة بلفظ آخر، خرجه البخاري في الباب الذي يأتي بعد هذا، وهو: "تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً". والمراد بهذه الأجزاء والأضعاف والدرج معنى واحد - والله أعلم -، وهو: أنَّ صلاة الفذ لها ثواب مقدر معلوم عند الله، تزيد صلاة الجماعة على ثواب صلاة الفذ خمسة وعشرين، أو سبعة وعشرين. وقد جاء التصريح بهذا في حديث خرجه مسلم من رواية سلمان الأغر، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الجماعة تعدل خمساً وعشرين من صلاة الفذ". وخرج - أيضاً - من وجه آخر، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده". وفي "المسند" عن ابن عمر - مرفوعاً -: "كلها مثل صلاته". وقد اختلف الناس في الجمع بين حديث ابن عمر في ذكر السبع وعشرين وبين حديث أبي سعيد وأبي هريرة في ذكر خمس وعشرين. فقالت طائفة: ذكر النبي ﷺ في كل وقت ما أعلمه الله وأوحاه إليه من الفضل، فبلغه كما أوحي إليه، وكان قد أوحى إليه أنَّ صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين، والعدد لا مفهوم له عند كثير من العلماء، ثم أوحى إليه زيادة على ذلك، كما أخبر: أنَّ "من مات له ثلاثة من

стр. 1012

الولد لم تمسه النار". ثم سئل عن الاثنين، فقال: "واثنان" ثم سئل عن الواحد، فقال: "والواحد"، وكما أخبر أنَّ "صيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر"، ثم أخبر عبد الله ابن عمرو بن العاص أنَّه إن صام يوماً من الشهر أو يومين منه فله أجر ما بقي منه، ونطق الكتاب بأنَّ الحسنة بعشر أمثالها، ثم جاءت السنة بأنَّ الحسنة تضاعف إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ودل القرآن عليه - أيضاً. وقالت طائفة: صلاة الجماعة يتفاوت ثوابها في نفسها، ثم اختلفوا: فمنهم من قال: يتفاوت ثوابها بإكمال الصلاة في نفسها، وإقامة حقوقها وخشوعها، ورجحه أبو موسى المديني. ولكن صلاة الفذ يتفاوت ثوابها - أيضاً - على حسب ذلك. ومنهم من قال: يتفاوت ثوابها بذلك، وربما يقترن بصلاة الجماعة من المشي إلى المسجد وبعده وكثرة الجماعة فيه، وكونه عتيقاً، وكون المشي على طهارة، والتبكير إلى المساجد، والمسابقة إلى الصف الأول عن يمين الإمام أو وراءه، وإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، والتأمين معه، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وغير ذلك. وهذا قول أبي بكر الأثرم وغيره، وهو الأظهر. ويدل عليه: أنَّه ﷺ ذكر في حديث أبي هريرة تعليل المضاعفة، فقال:

стр. 1013

"وذلك أنَّه إذ توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلاَّ الصلاة، لم يخط خطوة إلَّا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة ". وعلى هذا؛ فقد تضاعف الصلاة في جماعة أكثر من ذلك إمَّا بحسب شرف الزمان، كشهر رمضان وعشر ذي الحجة ويوم الجمعة. وقد قال ابن عمر: أفضل الصلوات عند الله صلاة الصبح يوم الجمعة. وروي عنه مرفوعاً، والموقوف هو الصحيح -: قاله الدارقطني. وخرجه البزار بإسناد ضعيف، عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعاً، وزاد فيه: "ولا أحسب من شهدها منكم إلَّا مغفوراً له". أو شرف المكان، كالمسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلاَّ المسجد الحرام"» اهـ. قلت: ويمكن أن يجمع بينهما بأنَّ ذكر الخمس والعشرين من باب جبر الكسر، وإلَّا فإنَّ الدرجات هي سبع وعشرون. ٢ - واحتج بالحديث لمذهب جمهور العلماء من أنَّ الجماعة ليست بشرط في صحة الصلاة. قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى شرح الموطأ] (١/ ٣٠١):

стр. 1014

«ووجه الدليل منه معنيان أحدهما: أنَّه جعل صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ ولو لم تكن صلاة الفذ مجزئة لما وصفت بأنَّ صلاة الجماعة تفضلها لأنَّه لا يصح أن يفاضل بين صلاة الجماعة وبين ما ليس بصلاة. والثاني: أنَّه حد ذلك بسبع وعشرين درجة فلو لم تكن لصلاة الفذ درجة من الفضيلة لما جاز أن يقال إنَّ صلاة الجماعة تزيد عليها سبعاً وعشرين درجة ولا أكثر ولا أقل لأنَّه إذا لم يكن لصلاة الفذ مقدار من الفضيلة فلا يصح أن تتقدر الزيادة عليها بدرجات معدودة مضافة إليها» اهـ. قلت: ومن قال بشرطية صلاة الجماعة حمل الحديث في حق المعذور كحديث التفضيل بين صلاة القائم والقاعد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٢٣٤ - ٢٣٨): «وَأَجَابَ هَؤُلَاءِ عَنْ حَدِيثِ التَّفْضِيلِ. بِأَنْ قَالُوا: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْذُورِ كَالْمَرِيضِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ ﷺ : "صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ وَصَلَاةُ النَّائِمِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ" وَأَنَّ تَفْضِيلَهُ صَلَاةَ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ. كَتَفْضِيلِهِ صَلَاةَ الْقَائِمِ عَلَى صَلَاةِ الْقَاعِدِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقِيَامَ وَاجِبٌ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ كَمَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ. وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ: هَلْ الْمُرَادُ بِهِمَا الْمَعْذُورُ أَوْ غَيْرُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْمُرَادُ بِهِمَا غَيْرُ الْمَعْذُورِ. قَالُوا لِأَنَّ الْمَعْذُورَ أَجْرُهُ تَامٌّ بِدَلِيلِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي

стр. 1015

مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ" قَالُوا: فَإِذَا كَانَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ يُكْتَبُ لَهُمَا مَا كَانَا يَعْمَلَانِ فِي الصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةِ. فَكَيْفَ تَكُونُ صَلَاةُ الْمَعْذُورِ قَاعِدًا أَوْ مُنْفَرِدًا دُونَ صَلَاتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ قَاعِدًا وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ تَفْضِيلَ صَلَاةِ الْقَائِمِ عَلَى النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِي الْفَرْضِ وَاجِبٌ. وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لَزِمَهُ أَنْ يُجَوِّزَ تَطَوُّعَ الصَّحِيحِ مُضْطَجِعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ: "وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ". وَقَدْ طَرَدَ هَذَا الدَّلِيلَ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَجَوَّزُوا أَنْ يَتَطَوَّعَ الرَّجُلُ مُضْطَجِعًا لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلِتَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى الْمَرِيضِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ وَعَدُّوهُ بِدْعَةً وَحَدَثًا فِي الْإِسْلَامِ. وَقَالُوا: لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَطُّ صَلَّى فِي الْإِسْلَامِ عَلَى جَنْبِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَوْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا لَفَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ نَبِيِّهِمْ ﷺ أَوْ بَعْدَهُ وَلَفَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَوْ مَرَّةً لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ فَقَدْ كَانَ يَتَطَوَّعُ قَاعِدًا وَيُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَتْ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ فَلَوْ كَانَ هَذَا سَائِغًا لَفَعَلَهُ وَلَوْ مَرَّةً. أَوْ لَفَعَلَهُ أَصْحَابُهُ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا هَذَا مَعَ ظُهُورِ حُجَّتِهِمْ قَدْ تَنَاقَضَ مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْجَمَاعَةَ مِنْهُمْ حَيْثُ حَمَلُوا قَوْلَهُ: "تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ بِخَمْسِ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً" عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ الْمَعْذُورِ فَيُقَالُ لَهُمْ: لِمَ كَانَ التَّفْضِيلُ هُنَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ وَالتَّفْضِيلُ هُنَاكَ فِي حَقِّ الْمَعْذُورِ وَهَلْ هَذَا إلَّا تَنَاقُضٌ. وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ الْجَمَاعَةَ وَحَمَلَ التَّفْضِيلَ عَلَى الْمَعْذُورِ فَطَرَدَ دَلِيلَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ.

стр. 1016

وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ مُنَازِعُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ: "إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ" فَجَوَابُهُمْ عَنْهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَبُ مِثْلُ الثَّوَابِ الَّذِي كَانَ يُكْتَبُ لَهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةِ؛ لِأَجْلِ نِيَّتِهِ لَهُ وَعَجْزِهِ عَنْهُ بِالْعُذْرِ. وَهَذِهِ "قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ" أَنَّ مَنْ كَانَ عَازِمًا عَلَى الْفِعْلِ عَزْمًا جَازِمًا وَفَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ فَهَذَا الَّذِي كَانَ لَهُ عَمَلٌ فِي صِحَّتِهِ وَإِقَامَتِهِ عَزْمُهُ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ وَقَدْ فَعَلَ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ مَا أَمْكَنَهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ. كَمَا جَاءَ فِي السُّنَنِ: فِيمَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ ذَهَبَ إلَى الْمَسْجِدِ يُدْرِكُ الْجَمَاعَةَ فَوَجَدَهَا قَدْ فَاتَتْ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : "إنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ" قَالُوا: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: "وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ". وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ. فَهَذَا وَمِثْلُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَعْذُورَ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ ثَوَابِ الصَّحِيحِ إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَفْعَلَ وَقَدْ عَمِلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَفْسُ عَمَلِهِ مِثْلَ عَمَلِ الصَّحِيحِ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْمَرِيضِ نَفْسَهَا فِي الْأَجْرِ مِثْلُ صَلَاةِ الصَّحِيحِ وَلَا أَنَّ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ الْمَعْذُورِ فِي نَفْسِهَا مِثْلُ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنْ يُكْتَبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ كَمَا يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ إذَا فَاتَتْهُ مَعَ قَصْدِهِ لَهَا. وَأَيْضًا فَلَيْسَ كُلُّ مَعْذُورٍ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ عَمَلِ الصَّحِيحِ وَإِنَّمَا يُكْتَبُ لَهُ إذَا كَانَ يَقْصِدُ عَمَلَ الصَّحِيحِ وَلَكِنْ عَجَزَ عَنْهُ. فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ كَانَ عَادَتُهُ

стр. 1017

الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ وَالصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ لِمَرَضِهِ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ، وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ وَكَذَلِكَ مَنْ تَطَوَّعَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ وَقَدْ كَانَ يَتَطَوَّعُ فِي الْحَضَرِ قَائِمًا يُكْتَبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي الْإِقَامَةِ. فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةِ وَلَا الصَّلَاةَ قَائِمًا إذَا مَرِضَ فَصَلَّى وَحْدَهُ أَوْ صَلَّى قَاعِدًا فَهَذَا لَا يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ صَلَاةِ الْمُقِيمِ الصَّحِيحِ. وَمَنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ صَلَاةَ هَذَا قَاعِدًا مِثْلَ صَلَاةِ الْقَائِمِ وَصَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا مِثْلَ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ. وَأَيْضًا فَيُقَالُ: تَفْضِيلُ النَّبِيِّ ﷺ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ وَلِصَلَاةِ الْقَائِمِ عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَاعِدِ عَلَى الْمُضْطَجَعِ إنَّمَا دَلَّ عَلَى فَضْلِ هَذِهِ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ حَيْثُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ صَحِيحَةً أَمَّا كَوْنُ هَذِهِ الصَّلَاةِ المفضولة تَصِحُّ حَيْثُ تَصِحُّ تِلْكَ أَوْ لَا تَصِحُّ فَالْحَدِيثُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ وَلَا سِيقَ الْحَدِيثُ لِأَجْلِ بَيَانِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَفَسَادِهَا؛ بَلْ وُجُوبُ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَسُقُوطِ ذَلِكَ وَوُجُوبِ الْجَمَاعَةِ وَسُقُوطِهَا: يُتَلَقَّى مِنْ أَدِلَّةٍ أُخَرَ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا: كَوْنُ هَذَا الْمَعْذُورِ يُكْتَبُ لَهُ تَمَامُ عَمَلِهِ أَوْ لَا يُكْتَبُ لَهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ بَلْ يُتَلَقَّى مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ وَقَدْ بَيَّنَتْ سَائِرُ النُّصُوصِ أَنَّ تَكْمِيلَ الثَّوَابِ هُوَ لِمَنْ كَانَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ الْفَاضِلَ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ لَا لِكُلِّ أَحَدٍ. وَتُثْبِتُ نُصُوصٌ أُخَرُ وُجُوبَ الْقِيَامِ فِي الْفَرْضِ كَقَوْلِهِ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". وَبَيَّنَ جَوَازَ التَّطَوُّعِ قَاعِدًا لَمَّا رَآهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ قُعُودًا فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا مَعَ كَوْنِهِ كَانَ يَتَطَوَّعُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ. كَذَلِكَ تُثْبِتُ نُصُوصٌ أُخَرُ وُجُوبَ

стр. 1018

الْجَمَاعَةِ فَيُعْطِي كُلَّ حَدِيثٍ حَقَّهُ فَلَيْسَ بَيْنَهَا تَعَارُضٌ وَلَا تَنَافٍ وَإِنَّمَا يَظُنُّ التَّعَارُضَ وَالتَّنَافِي مَنْ حَمَّلَهَا مَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْطِهَا حَقَّهَا بِسُوءِ نَظَرِهِ وَتَأْوِيلِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قلت: واحتج من قال بشرطية الجماعة للصلاة ما رواه ابن ماجه (٧٩٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ». وقد تابع هشيماً سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عند الحاكم في [المستدرك] (٨٩٤)، وأَبُو سُلَيْمَانً دَاوُدُ بْنُ الْحَكَمِ عند الحاكم في [المستدرك] (٨٩٥) وداود هذا لا يعرف. وقُرَادٌ وحديثه عند الدارقطني في [سننه] (١٥٥٦)، والبغوي في [شرح السنة] (٧٩٥)، وقُرَادٌ هذا لا بأس به. ورواه علي بن الجعد في [مسنده] (٤٨٢) موقوفاً فقال: أنا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، فَلَمْ يُجِبْ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ شُعْبَةَ مُسْنَدًا اهـ. وتابعه على الوقف حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وحديثهما عند البيهقي في [الكبرى] (٥٥٨٥)، وحديث سليمان رواه أيضاً الطبراني في [الكبير] (١٢٣٤٤). وهما من الثقات الحفاظ الأثبات لكن اختلف على سليمان ابن حرب في رفعه ووقفه وانظر [سنن البيهقي الكبرى] (٥٥٨٦، ٥٥٨٧).

стр. 1019

ورواه أبو داود في [سننه] (٥٥١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ أَبِي جَنَابٍ عَنْ مَغْرَاءٍ الْعَبْدِىِّ عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِىَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ». قَالُوا وَمَا الْعُذْرُ قَالَ: «خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِى صَلَّى». قَالَ: أَبُو دَاوُدَ رَوَى عَنْ مَغْرَاءٍ أَبُو إِسْحَاقَ اهـ. قلت: أبو جناب يحيى بن أبي حية ضعيف مدلس، ومغراء لم يوثقة معتبر. قال الحاكم ﵀ في [المستدرك] (١/ ٣٧٢): «هَذَا حَدِيثٌ قَدْ أَوْقَفَهُ غُنْدَرُ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَهُشَيْمٌ وَقُرَادٌ أَبُو نُوحٍ ثِقَتَانِ، فَإِذَا وَصَلَاهُ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُمَا وَلَهُ فِي سَنَدِهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ شَوَاهِدُ، فَمِنْهَا» اهـ. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٤٤٩): «وقد رفعه طائفة من أصْحَاب شعبة بهذا الإسناد، وبعضهم قَالَ: عَنْ شعبة، عَنْ حبيب بْن أَبِي ثابت، عَنْ سَعِيد، عَنْ ابن عَبَّاس مرفوعاً. وقد خرجه بالإسناد الأول مرفوعاً ابن ماجه وابن حبان فِي "صحيحه" والحاكم وصححه. ولكن وقفه هُوَ الصحيح عِنْدَ الإمام أحمد وغيره» اهـ. وقال العلامة ابن الملقن ﵀ في [البدر المنير] (٤/ ٤١٨): «قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث وَكِيع وَعبد الرَّحْمَن عَنْ شُعْبَة مَوْقُوفاً عَلَى ابْن عَبَّاس غير مَرْفُوع» اهـ. قلت: الأظهر فيه الوقف وقد جاء عن بعض الصحابة نحو ذلك.

стр. 1020

قال العلامة ابن القيم ﵀ في [الصلاة وأحكام تاركها] (ص: ١٠٥): «لو قدر أنَّه لم يصح رفعه فقد صح عن ابن عباس بلا شك، وهو قول صاحب لم يخالفه صاحب» اهـ. وروى البزار في [مسنده] (٣١٥٧) وَأَخْبَرَنَاهُ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ»، أَحْسِبُهُ قَالَ: «إِلَّا مِنْ عُذْرٍ»، هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى مَوْقُوفًا اهـ. قلت: وقيس بن الربيع مختلف فيه. وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٣/ ٨٠): «وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مُسْنَدًا وَمَوْقُوفًا، وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ» اهـ. وقال العلامة ابن عبد الهادي ﵀ في [التنقيح] (٢/ ٤٥٩): «والمعروف أَنَّه موقوفٌ على أبي موسى. وقد رواه البيهقيُّ من رواية أبي بكر بن عيَّاش عن أبي حَصِيْن مرفوعًا، ومن رواية مِسْعَر وزائدة بن قدامة عن أبي حَصِيْن موقوفًا، والله أعلم» اهـ. وروى تمام في [الفوائد] (١٢٩١) أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ الْفَارِسِيُّ الْمُقْعَدُ، ثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، ثنا
следующие страницы →