← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

«وَالَّذِي أَرَادَ عبد الله بقوله: فَهِيَ فِي مَنقليها يَعْنِي أَنَّهَا مِمَّنْ تخرج إِلَى الْأَسْوَاق والحوائج فَهِيَ أبداً لابسة خفيها فَأَما الَّتِي لم تيأس من البعولة فَهِيَ لَازِمَة لبيتها فَلَا فَرخص للعجائز فِي الصَّلَاة فِي الْمَسَاجِد وَكَرِهَهُ للشواب» اهـ. قلت: وقد استثنى ابن مسعود ﵁ كبيرة السن التي لا تشتهي الرجال ولا يشتهيها الرجال. فروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٥١١٧)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٦١٩) من طريق سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَبَّ هَذِهِ الدَّارِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ: «حَلَفَ فَبَالَغَ فِي الْيَمِينِ، مَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ صَلَاةً أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ صَلَاةٍ فِي بَيْتِهَا إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، إِلَّا امْرَأَةٌ قَدْ أَيِسَتْ مِنَ الْبُعُولَةِ». قلت: هذا أثر صحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [الإخنائية] (ص: ٥٥): «وصار هذا مثل صلاة التطوع في مسجد رسول الله ﷺ وفي المسجد الحرام، فإنَّهم يستحبون للغرباء أن يتطوعوا فيه. وأمَّا أهل البلد فتطوعهم في البيوت أفضل. قال مالك: التنفل فيه للغرباء أحبُّ إليَّ من التنفل في البيوت. وحجتهم في ذلك أنَّ الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من المساجد، وأهل البلد يصلُّون فيه دائماً الفرض، فيحصل مقصودهم بذلك، وتطوعهم في البيوت أفضل لما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "أيها الناس؛ أفضل

стр. 1087

الصلاة صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة". وقال ﷺ في النساء: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن". وأمَّا الغرباء فلا يمكنهم أن يصلُّوا الفرض فيه دائماً، لأنَّ الفرائض لها أوقات محدودة، فيستكثروا من التنفل فيه، وكذلك المسجد الحرام. ولهذا استحبُّوا في المسجد الحرام الطواف للغرباء وفضُّلوه على الصلاة. قال ابن القاسم: "الطواف بالبيت للغرباء أحب إليّ من الصلاة". وذلك لأنَّ الغرباء لا يمكنهم الطواف كل وقت، بخلاف أهل البلد فإنَّه يمكنهم ذلك في جميع الأوقات» اهـ. قلت: وجاء تقييد الإذن في بعض الروايات بالليل. فروى البخاري (٨٦٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ». ورواه مسلم (٤٤٢) عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ». ورواه البخاري (٨٩٩)، ومسلم (٤٤٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ». قلت: وأكثر الروايات ليس فيها تقييد ذلك بالليل. ومن حمل النهي عن منعهنَّ من المساجد بالليل فإنَّه يقيد الروايات المطلقة بالليل من باب حمل المطلق على المقيد، ويلحق صلاة الفجر بذلك لأنَّها في وقت غلس، وهذا هو الأظهر. والمعنى يقتضي تقييد ذلك بالليل باعتبار أنَّ الليل أستر للمرأة عند خروجها من النهار.

стр. 1088

قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ٤٧٠): «وقوله ﵇: "إذا استأذنكم بالليل"، فيه دليل أن النهار يخالف الليل؛ لنصه على الليل، وهذا الحديث يقضى على قوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". قال مالك: إنَّه بلغه عن ابن عمر، عن نبى الله فكأنَّه قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، يعنى: في الليل، والغلس فيه معنى الليل، ألا ترى قول عائشة ما يعرفن من الغلس» اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٨٤): «قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَوْرَدَ البُخَارِيّ حَدِيث مُجَاهِد عَنْ بن عُمَرَ بِلَفْظِ: "ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ". وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِذْنَ إِنَّمَا وَقَعَ لَهُنَّ بِاللَّيْلِ فَلَا تَدْخُلُ فِيهِ الْجُمُعَةُ. قَالَ: وَرِوَايَةُ أَبِي أُسَامَةَ الَّتِي أَوْرَدَهَا بَعْدَ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ يَعْنِي قَوْلَهُ فِيهَا: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ جَنَحَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمُطْلَقَ يحمل على ذَلِك الْمُقَيد وَالله أعلم» اهـ. قلت: وجاء في بعض الروايات ذكر العشاء، وذلك فيما رواه مسلم (٤٤٣) عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةَ كَانَتْ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ فَلَا تَطَيَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ». وروى مسلم (٤٤٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ». قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٣٤٢):

стр. 1089

«قَوْلُهُ: "إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ" الَّتِي يُمْكِنُ مُشَاهَدَةُ النِّسَاءِ لَهَا لِأَنَّ غَالِبَ مَا يَحْضُرْنَ مِنْ الصَّلَوَاتِ مَا كَانَ فِي أَوْقَاتِ الظُّلُمَاتِ كَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهُنَّ وَأَخْفَى لِأَحْوَالِهِنَّ» اهـ. وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١/ ١٩٧): «فَأَلْحَقَ بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ. فَإِنَّ الطِّيبَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْرِيكِ دَاعِيَةِ الرِّجَالِ وَشَهْوَتِهِمْ. وَرُبَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَحْرِيكِ شَهْوَةِ الْمَرْأَةِ أَيْضًا. فَمَا أَوْجَبَ هَذَا الْمَعْنَى الْتَحَقَ بِهِ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ". وَيَلْحَقُ بِهِ أَيْضًا: حُسْنُ الْمَلَابِسِ، وَلُبْسُ الْحُلِيِّ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الزِّينَةِ. قَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذَا اسْتَأْذَنَكُمْ بِاللَّيْلِ إلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ". فَخَصَّ بِذَلِكَ اللَّيْلَ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّتْرِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَطَيُّبَ النِّسَاءِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ إنَّمَا يَكُونُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ لِمُضَاجَعَةِ الْأَزْوَاجِ فَكُرِهَ لَهُنَّ تَعْجِيلُ التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْعِشَاءِ لِأَنَّ خُرُوجَهُنَّ مَعَ التَّطَيُّبِ وَالتَّجَمُّلِ فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ وَإِذَا بِهِ لَمَّا وُضِعَ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْمَيْلِ إلَيْهِنَّ وَالشُّغْلِ بِهِنَّ وَالتَّطَيُّبِ سَبَبٌ لِذَلِكَ وَبَاعِثٌ عَلَيْهِ» اهـ. ٢ - أنَّه لا ينبغي للزوج أن يمنعها من ذلك إلَّا لمفسدة تقتضي المنع من ذلك. وهل هذا على سبيل التحريم أو الكراهة أعني النهي عن منعهنَّ من الذهاب إلى المسجد. قال العلامة القرطبي ﵀ في [تفسيره] (٥/ ١٨٧):

стр. 1090

«وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ النَّدْبُ، عَلَى مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ فِي ذَلِكَ» اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤٨): «وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِذْنَ الْمَذْكُورَ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لَا تنفى مَعْنَى الِاسْتِئْذَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ الْمُسْتَأْذَنُ مُخَيَّرًا فِي الْإِجَابَةِ أَوِ الرَّدِّ» اهـ. وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ١٩٩): «يُسْتَحَبُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا إذَا اسْتَأْذَنَتْهُ إلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ إذَا كَانَتْ عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى وَأَمِنَ الْمُفْسِدَةَ عَلَيْهَا وَعَلَى غَيْرِهَا لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ مَنَعَهَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ هَذَا مَذْهَبُنَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَيُجَابُ عَنْ حَدِيثِ " لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ " بِأَنَّهُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي مُلَازَمَةِ الْمَسْكَنِ وَاجِبٌ فَلَا تَتْرُكْهُ لِلْفَضِيلَةِ» اهـ. قلت: كلام البيهقي في [الكبرى] (٣/ ١٩٠) - فقد قال بعد ذكره للحديث الذي فيه ترغيب المرأة أن تصلي في بيتها -: «وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِأَنْ لَا يُمْنَعْنَ أَمْرُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ، لَا أَمْرُ فَرْضٍ وَإِيجَابٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ» اهـ. قلت: وحمل ذلك على المسجد الحرام بمعنى لا يمنعها من أداء فريضة الحج في غاية البعد، وهو خلاف عمومات الحديث. قال الحافظ البيهقي ﵀ في [المعرفة] (٤/ ٢٣٤):

стр. 1091

«وَقَدْ حَمَلَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الْحَدِيثَ عَلَى خَاصٍّ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مَسْجِدَ اللَّهِ الْحَرَامَ لِفَرِيضَةِ الْحَجِّ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهُ تَطَوُّعًا وَمِنَ الْمَسَاجِدِ غَيْرِهِ وَحُمِلَ قَوْلُهُ: "فَلَا يَمْنَعْهَا" عَلَى الِاسْتِحْبَابِ» اهـ. قلت: وكلام الإمام الشافعي ﵀ موجود في [اختلاف الحديث] (٨/ ٦٢٦): «وَرُوِيَ "إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ لِتَشْهَدَ الْعِشَاءَ فَلَا يَمْنَعْهَا". فَاحْتَمَلَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِنَّ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى اسْتِحْبَابٍ، فَلَمَّا كَانَ مَا وَصَفْتُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِأَنْ لَمْ يَخْتَلِفِ الْعَامَّةُ أَنْ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةَ شُهُودُ صَلَاةِ جَمَاعَةٍ كَمَا هِيَ عَلَى الرَّجُلِ، وَإِنْ وَلِيُّهَا حَبَسَهَا، كَانَ هَذَا اخْتِيَارًا لَا فَرْضًا عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمَرْأَةِ لِلْعِشَاءِ، فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الْمُفْتِينَ يُخَالِفُ فِي أَنْ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ الْإِذْنُ لِامْرَأَتِهِ إِلَى جُمُعَةٍ وَلَا جَمَاعَةٍ، وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا إِلَى حَجٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُهَا فِي عُمُرِهَا، فَقُلْتُ: فَفِي أَنْ لَمْ يَخْتَلِفِ الْمُفْتُونَ إِنْ كَانَ كَمَا قُلْتَ دَلِيلٌ عَلَى أنْ لَا يَجْهَلُوا مَعْنَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ، إِذَا كَانَ مَعْنَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ مُحْتَمِلًا مَا قَالُوا. قَالَ: وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لِزَوْجِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ الْحَجِّ، قُلْتُ: أَمَّا هَذَا فَلَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا الْفَرِيضَةَ فَقَدْ مَنَعَهَا مَسَاجِدَ اللَّهِ كُلَّهَا، فَأَبَاحَ لَهُ خِلَافَ الْحَدِيثِ، فَإِذَا قُلْتُ: لَا يَمْنَعُهَا الْفَرِيضَةَ مِنَ الْحَجِّ أُخَالِفُ الْحَدِيثَ؟ بَلْ هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ كُلَّهَا"، وَفِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَنْعَهُنَّ بَعْضَهَا» اهـ. وقال العلامة الخطابي ﵀ في [معالم السنن] (١/ ١٦٢)

стр. 1092

«وقد استدل بعض أهل العلم بعموم قوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، على أنَّه ليس للزوج منع زوجته من الحج لأنَّ المسجد الحرام الذي يخرج إليه الناس للحج والطواف أشهر المساجد وأعظمها حرمة فلا يجوز للزوج أن يمنعها من الخروج إليه» اهـ. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٨/ ٥٤): «ومن هؤلاء من حمل قوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" على النهي عن منعهنَّ من حجة الإسلام، وهو في غاية البعد، ورواية من روى تقييده بالليل تبطل ذلك. ومنهم من حمله على الخروج للعيدين، وهو بعيد -أيضاً -؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن من عادته صلاة العيدين في المسجد» اهـ. ٣ - قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٤/ ٢٨١ - ٢٨٢): «وفي معنى هذا الحديث أيضاً الإذن لها في الخروج لكل مباح حسن من زيارة الآباء والأمهات وذوي المحارم من القرابات لأنَّ الخروج لهنَّ إلى المسجد ليس بواجب عليهنَّ بل قد جاءت الآثار الثابتة تخبر بأنَّ الصلاة لهن في بيوتهن أفضل فصار الإذن لهنَّ إلى المسجد وإذا لم يكن للرجل أن يمنع امرأته المسجد إذا استأذنته في الخروج إليه كان أوكد أن يجب عليه أن لا يمنعها الخروج لزيارة من في زيارته صلة لرحمها ولا من شيء لها فيه فضل أو إقامة سنة وإذا كان ذلك كذلك فالإذن ألزم لزوجها إذا استأذنته في الخروج إلى بيت الله الحرام للحج» اهـ.

стр. 1093

٤ - وفيه أنَّ المرأة لا تخرج إلى المسجد بدون إذن زوجها، فإنَّه لو لم يكن له إذن في ذلك لأمرها أن تخرج سواء أذن أو لم يأذن. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٤٠): «ولا نعلم خلافاً بين العلماء: أنَّ المرأة لا تخرج إلى المسجد إلَّا بأذن زوجها، وهو قول ابن المبارك والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم» اهـ. ٥ - واحتج به من قال: إنَّ للزوج أن يمنع زوجته من غير المسجد. قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١/ ١٩٨): «وَقِيلَ: إنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَّا بِإِذْنِهِ. وَهَذَا إنْ أُخِذَ مِنْ تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ جَوَازَ الْمَنْعِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، فَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ: بِأَنَّ هَذَا تَخْصِيصُ الْحُكْمِ بِاللَّقَبِ. وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا: إنَّ مَنْعَ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْخُرُوجِ مَشْهُورٌ مُعْتَادٌ. وَقَدْ قُرِّرُوا عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا عَلَّقَ الْحُكْمَ بِالْمَسَاجِدِ لِبَيَانِ مَحَلِّ الْجَوَازِ، وَإِخْرَاجِهِ عَنْ الْمَنْعِ الْمُسْتَمِرِّ الْمَعْلُومِ. فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْمَنْعِ. وَعَلَى هَذَا: فَلَا يَكُونُ مَنْعُ الرَّجُلِ لِخُرُوجِ امْرَأَتِهِ لِغَيْرِ الْمَسْجِدِ مَأْخُوذًا مِنْ تَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِالْمَسْجِدِ فَقَطْ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ". مُنَاسَبَةً تَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ. أَعْنِي كَوْنَهُنَّ "إمَاءَ اللَّهِ" بِالنِّسْبَةِ إلَى خُرُوجِهِنَّ إلَى مَسَاجِدِ اللَّهِ. وَلِهَذَا كَانَ التَّعْبِيرُ بِإِمَاءِ اللَّهِ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالنِّسَاءِ لَوْ قِيلَ. وَإِذَا كَانَ مُنَاسِبًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْجَوَازِ، وَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى

стр. 1094

الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَزُولُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ. وَالْمُرَادُ بِالِانْتِفَاءِ هَا هَاهُنَا: انْتِفَاءُ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ، أَيْ لِلصَّلَاةِ» اهـ. ٦ - وفي قول ابن عمر تأديب المعترض على السنن برأيه. ٧ - وفيه تأديب الرجل ولده وإن كان كبيراً في تغيير المنكر وتأديب العالم من يتعلم عنده إذا تكلم بما لا ينبغي. ذكر ذلك ابن دقيق العيد ﵀. ٨ - وفيه إطلاق الأَمة على الحرة لكنه وارد مع الإضافة إلى الله تعالى. ٩ - احتج بعضهم بقوله ﵊: «لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ». على أنَّ للمرأة أن تذهب للحج من غير محرم، وفيه ما فيه من البعد. وقد روى البخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (١٣٤١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٧٧): «قَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَامَّيْنِ إِذَا تَعَارَضَا فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ عَام فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عَلَى السَّفَرِ إِذَا وُجِدَتْ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَى الْجَمِيعِ، وَقَوْلُهُ ﷺ : "لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ". عَامٌّ فِي كُلِّ سَفَرٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْحَجُّ فَمَنْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ خَصَّ الْحَدِيثَ بِعُمُومِ الْآيَةِ وَمَنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ خَصَّ الْآيَةَ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّرْجِيحِ مِنْ خَارِجٍ وَقَدْ رُجِّحَ الْمَذْهَبُ الثَّانِي بِعُمُومِ

стр. 1095

قَوْلِهِ ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَيِّدٍ لِكَوْنِهِ عَامًّا فِي الْمَسَاجِدِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى السَّفَرِ بِحَدِيثِ النَّهْيِ» اهـ. ١٠ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [الإخنائية] (ص: ٨٨): «وقوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". وقوله: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها". لا يقتضي أنَّها تسافر من غير زوج ولا ذي محرم، ولا على أن على زوجها أن يأذن لها إذا أرادت السفر إلى أحد المساجد، ولو كان مع زوج أو ذي محرم. إنما عليه الإذن في الفرض وهو الحج، مع قوله ﷺ : "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد". فلا يقال: إنه عام في السفر وغيره» اهـ. ١١ - وفيه إطلاق المرأة على الزوجة، وفيه رد على من يقول: إنَّ الزوجة تطلق على من بينها وبين زوجها تلائم وتجانس وتوافق، وإن لم يكن كذلك فهي امرأة. ويحتج هؤلاء بقول الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨]. وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ

стр. 1096

ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١٠، ١١]. قالوا: فأطلق الله تعالى على هؤلاء لفظ إمرأة دون زوجة للاختلاف بينهنَّ وبين أزواجهنَّ في الدين. قالوا: وقد يكون ذلك بسبب عدم الانجاب فيحصل شيء من عدم التلاؤم بسببه كما قال الله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩]. ومثل ذلك قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١]. والجواب: أنَّ الله تعالى أطلق ذلك على امرأة فرعون قبل إسلامها فقال: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] فأطلق الله عليه امرأة مع حصول التوافق بينها وبين زوجها من حيث الإسلام والإنجاب. وفي المقابل قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] فسماها زوجاً مع وجود النفرة بينها وبين زوجها.

стр. 1097

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٦٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ». وَفِي لَفْظِ: «فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ: فَفِي بَيْتِهِ». وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : «كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ. وَكَانَتْ سَاعَةً لا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا». قوله: وَفِي لَفْظِ: «فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ: فَفِي بَيْتِهِ». هذا اللفظ أقرب لرواية مسلم (٧٢٩) لكن ليس عنده ذكر الفجر، ولفظه: «فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ فَصَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ». ولفظ البخاري (١١٧٢): «فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ». وفي الحديث مسائل منها: ١ - في الحديث استحباب صلاة ركعتين قبل صلاة الظهر. وقد جاء في بعض الأحاديث أنَّه كان يصلي أربعاً قبلها. ومن ذلك ما رواه البخاري (١١٨٢) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ». قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٢٩٨):

стр. 1098

«وكان يصلي أحياناً قبل الظهر أربعاً كما في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أنَّه صلى الله عليه و سلم: "كان لا يدع أربعاً قبل الظهر وركعتين قبل الغداة". فإمَّا أن يقال: إنَّه ﷺ كان إذا صلى في بيته صلى أربعاً وإذا صلى في المسجد صلى ركعتين وهذا أظهر. وإمَّا أن يقال: كان يفعل هذا ويفعل هذا فحكى كل من عائشة وابن عمر ما شاهده والحديثان صحيحان لا مطعن في واحد منهما، وقد يقال: إنَّ هذه الأربع لم تكن سنة الظهر بل هي صلاة مستقلة كان يصليها بعد الزوال كما ذكره الإمام أحمد عن عبد الله بن السائب أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلي أربعاً بعد أن تزول الشمس وقال: "إنَّها ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح". وفي السنن أيضاً عن عائشة ﵂ "أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا لم يصل أربعاً قبل الظهر صلاهنَّ بعدها" وقال ابن ماجه: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلاها بعد الركعتين بعد الظهر. وفي الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي أربعاً قبل الظهر وبعدها ركعتين". وذكر ابن ماجه أيضاً عن عائشة: "كان رسول الله ﷺ يصلي أربعاً قبل الظهر يطيل فيهن القيام ويحسن فيهن الركوع والسجود.

стр. 1099

فهذه - والله أعلم - هي الأربع التي أرادت عائشة أنَّه كان لا يدعهن وأمَّا سنة الظهر فالركعتان اللتان قال عبد الله بن عمر يوضح ذلك أنَّ سائر الصلوات سنتها ركعتان ركعتان والفجر مع كونها ركعتين والناس في وقتها أفرغ ما يكونون ومع هذا سنتها ركعتان وعلى هذا فتكون هذه الأربع التي قبل الظهر ورداً مستقلاً سببه انتصاف النهار وزوال الشمس وكان عبد الله بن مسعود يصلي بعد الزوال ثمان ركعات ويقول: إنَّهن يعدلن بمثلهنَّ من قيام الليل. وسر هذا - والله أعلم - أن انتصاف النهار مقابل لانتصاف الليل وأبواب السماء تفتح بعد زوال الشمس ويحصل النزول الإلهي بعد انتصاف الليل فهما وقتا قرب ورحمة هذا تفتح فيه أبواب السماء وهذا ينزل فيه الرب ﵎ إلى سماء الدنيا وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: "من صلى في يوم وليله ثنتي عشرة ركعة بني له بهن بيت في الجنة" وزاد النسائي والترمذي فيه: "أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الفجر". قال النسائي: "وركعتين قبل العصر" بدل "وركعتين بعد العشاء" وصححه الترمذي وذكر ابن ماجه عن عائشة ترفعه: "من ثابر على ثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتاً في الجنة: أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر" وذكر أيضاً عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه وقال: "ركعتين قبل الفجر وركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين أظنه قال: قبل العصر وركعتين بعد المغرب أظنه قال: وركعتين بعد العشاء الآخرة" وهذا التفسير يحتمل أن يكون من كلام بعض الرواة

стр. 1100

مدرجاً في الحديث ويحتمل أن يكون من كلام النبي ﷺ مرفوعاً والله أعلم» اهـ. قلت: حديث عبد الله بن السائب رواه أحمد (١٥٤٣٣)، والترمذي (٤٧٨) من طريق أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي الوَضَّاحِ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ المُؤَدِّبُ، عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ الجَزَرِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقَالَ: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ». قلت: هذا حديث صحيح. ورواه أحمد (٢٣٥٩٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ تُدِيمُ هَذِهِ الصَّلَاةَ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَرْتَفِعَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ». قلت: إسناده ضعيف من أجل شريك. وقيل في الجمع بين حديث عائشة وابن عمر ﵄ أنَّ النبي ﷺ كان يصلي في بيته ركعتين وفي المسجد ركعتين فشاهد ابن عمر الركعتين اللتين في المسجد، وعلمت عائشة بالأربع.

стр. 1101

لكن يرد هذا ما رواه مسلم (٧٣٠) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الْوِتْرُ وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ». قلت: حديث عائشة في البخاري (١١٨٢) الذي فيه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ». يدل على أنَّ الغالب من هدي رسول الله ﷺ صلاة أربع قبل الظهر، وحديث ابن عمر محمول على فعل النبي ﷺ ذلك في بعض الأوقات. وأمَّا حمل حديث عائشة على التنفل بعد الزوال من غير الراتبة فيه نظر، فإنَّها حديثها في سياق ذكر رواتب الصلوات. وما يسمى بسنة الزوال أو صلاة الزوال فيها نظر، وقد أثبتها بعض العلماء كالغزالي، والعراقي، وابن القيم في كلامه السابق، وجماعة من علماء الشافعية. والأظهر أنَّها سنة الظهر القبلية كما سار على ذلك جماعة من العلماء. ٢ - فيه إستحباب صلاة ركعتين بعد صلاة الظهر. وجاء في صلاة أربع ركعات ما رواه أبو داود (١٢٦٩)، والنسائي (١٨١٤، ١٨١٥) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 1102

ﷺ : «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا، حَرُمَ عَلَى النَّارِ». قال الحافظ النسائي ﵀: «مَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَنْبَسَةَ شَيْئًا» اهـ. قلت: وقد نفى سماع مكحول من عنبسة هشام بن عمار، وأبو زرعة كما في [المراسيل] (٧٩٠، ٧٩٨) لابن أبي حاتم. ورواه أحمد (٢٧٤٠٣)، والنسائي (١٨١٧)، والترمذي (٤٢٧)، وابن ماجه (١١٦٠) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الشُّعَيْثِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ به. قلت: قال الحافظ ابن حبان ﵀ في [الثقات] (٧/ ٤٥): «عبد الله بن مهاجر الشعيثي يروى عن عنبسة بن أبي سفيان روى عنه ابنه محمد بن عبد الله الشعيثي يعتبر بحديثه غير رواية ابنه» اهـ. وقال الحافظ النسائي ﵀: «هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ حَدِيثُ مَرْوَانَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ» اهـ. يريد ما أخرجه قبل ذلك (١٨١٤) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَاصِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ».

стр. 1103

ورواه الترمذي (٤٢٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ البَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ الشَّامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي العَلَاءُ بْنُ الحَارِثِ، عَنِ القَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُخْتِي أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَالقَاسِمُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ ثِقَةٌ شَامِيٌّ، وَهُوَ صَاحِبُ أَبِي أُمَامَةَ اهـ. قلت: العلاء ممن اختلط بأخرة. قلت: وقد روى الحديث جماعة عن عنبسة بغير هذا اللفظ. فرواه مسلم (٧٢٨) من طريق عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِحَدِيثٍ يَتَسَارُّ إِلَيْهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ، تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ». قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ عَنْبَسَةُ: «فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ»، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: «مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ» وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: «مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ». ورواه أحمد (٢٦٧٦٩)، والترمذي (٤١٥)، والنسائي (١٨٠٣)، وابن ماجه (١١٤١) من طريق الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ،

стр. 1104

قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ». قلت: ووقع اختلاف كثير في رواية المسيب وقد بيَّن ذلك الحافظ النسائي. ورواه النسائي (١٧٩٨) من طريق عَطَاءٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «عَطَاءٌ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَنْبَسَةَ». ثم رواه النسائي (١٧٩٩) من طريق عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أُمُّ حَبِيبَةَ به. ورواه أحمد (٢٧٣٩٥) من طريق النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ به. ورواه عبد بن حميد في [المنتخب] (١٥٥١) ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عن عنبسة به. وأمَّا ما رواه الطبراني [المعجم الأوسط] (٢٧٤٧) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ قَالَ: نا يَزِيدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَهُ عَلَى النَّارِ». لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ إِلَّا يَزِيدُ، تَفَرَّدَ بِهِ مَنْصُورٌ اهـ. فلا يثبت: يزيد بن يوسف متروك الحديث، والمعروف رواية روح بن عبادة.

стр. 1105

لكن رواه ابن شاهين في [الترغيب] (٨٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ بِعَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْمَوْتُ اشْتَدَّ جَزَعُهُ. فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا الْجَزَعُ؟ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ، يَعْنِي أُخْتَهُ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا، حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَهُ عَلَى النَّارِ. فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا». وتابعه موسى بن أعين عن الأوزاعي أخرجه النسائي (١٨١٢). قلت: روايتهما أصح من روح بن عبادة. ورواه الطبراني في [الكبير] (٤٣٨) من طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجفري، عَنْ عَنْبَسَةَ بذكر الثنتي عشرة ركعة. وهكذا رواه ابن جميع الصيداوي في [معجم الشيوخ] (ص: ٣٣٠) من طريق أَوْسَطَ الْبَجَلِيِّ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ به. ورواه الطبراني في [الأوسط] (٩١٤) من طريق معبد بن خالد عن عنبسة به. قلت: أكثر الرواة رووا الحديث عن عنبسة بذكر الثنتي عشرة ركعة، وهذا هو المحفوظ في حديث أم حبيبة، ولعله بسبب ذلك اقتصر عليه مسلم في صحيحه. والله أعلم. ٣ - يدل الحديث على استحباب صلاة ركعتين بعد صلاة الجمعة، وقد جاء ما يدل على أكثر من ذلك فروى مسلم (٨٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا». قال العلامة أبو زرعة العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٣/ ٤٠):

стр. 1106

«وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ أَمْرَهُ ﵊ بِالْأَرْبَعِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ أَنَّهَا تَكْمِلَةَ الرَّكْعَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فَيَكُونَ ظُهْرًا وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْمَازِرِيُّ فَقَالَ: وَكُلُّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى تَرْكِ الِاقْتِصَارِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ لِئَلَّا تَلْتَبِسَ الْجُمُعَةُ بِالظُّهْرِ الَّتِي هِيَ أَرْبَعٌ عَلَى الْجَاهِلِ أَوْ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ أَهْلُ الْبِدَعِ إلَى صَلَاتِهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا» اهـ. وقال العلامة الطحاوي ﵀ في [شرح مشكل الآثار] (١٠/ ٣٠٣): «وَكَانَ الَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا" عَلَى أَرْبَعٍ مِنْ غَيْرِ شَكْلِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَالْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ، فَأَطْلَقَ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي صَلَّاهَا فِيهِ بِمَا لَيْسَ مِنْ شَكْلِهَا وَهُوَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فَمَا فَوْقَهَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ الْكَلَامُ، أَوِ التَّقَدُّمُ الْمَذْكُورَانِ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا» اهـ. وروى أبو داود (١١٣٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِى رِزْمَةَ الْمَرْوَزِىُّ أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ إِذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعًا وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ». قلت: هذا إسناد صحيح وعطاء وهو ابن أبي رباح قال علي بن المديني، وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى لم يسمع من ابن عمر. لكن قال الإمام البخاري في [التاريخ الكبير] (٦/ ٤٦٤):

стр. 1107

«سمع أبا هريرة وابن عباس وأبا سعيد وجابراً وابن عمر ﵃» اهـ. قلت: والمثبت مقدم على النافي. ورواه أبو داود (١١٣٥) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ «أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَيَنْمَازُ عَنْ مُصَلاَّهُ الَّذِى صَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةَ قَلِيلاً غَيْرَ كَثِيرٍ قَالَ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَالَ ثُمَّ يَمْشِى أَنْفَسَ مِنْ ذَلِكَ فَيَرْكَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ كَمْ رَأَيْتَ ابْنَ عُمَرَ يَصْنَعُ ذَلِكَ قَالَ مِرَارًا». ورواه الترمذي تحت حديث برقم (٥٢٣) مختصراً من طريق سفيان بن عيينة عن ابن جريج به. قلت: لم يصل النبي ﷺ الجمعة في السفر قط، ولم يصلها في مكة قط، وقول ابن عمر: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ». محمول على صلاة الركعتين في بيته. وقال العلامة أبو زرعة العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٣/ ٣٩): «قَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ آخِرُ الْحَدِيثِ فَقَطْ وَهُوَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ بِالْمَدِينَةِ دُونَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ بِمَكَّةَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِي زَمَنِهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ صَغِيرًا فَإِنْ أُرِيدَ رَفْعَ فِعْلِهِ بِمَكَّةَ أَيْضًا وَهُوَ بَعِيدٌ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَآهُ يُصَلِّي بِمَكَّةَ بَعْدَ الظُّهْرِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ أَنَّهُ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَالِدِي ﵀ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ يُسْأَلُ عَنْ الْحِكْمَةِ فِي كَوْنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّيهَا بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ وَفِي الْمَدِينَةِ بِمَنْزِلِهِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ كَانَ يُرِيدُ التَّأَخُّرَ فِي

стр. 1108

مَسْجِدِ مَكَّةَ لِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَيَكْرَهُ أَنْ يَفُوتَهُ بِمُضِيِّهِ إلَى مَنْزِلِهِ لِصَلَاةِ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ زَمَنٌ مِمَّا يَغْتَنِمُهُ فِي الطَّوَافِ أَوْ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الذَّهَابُ إلَى مَنْزِلِهِ ثُمَّ الرُّجُوعُ إلَى الْمَسْجِدِ لِلطَّوَافِ أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَرَى النَّوَافِلَ تُضَاعَفُ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ دُونَ بَقِيَّةِ مَكَّةَ فَكَانَ يَتَنَفَّلُ فِي الْمَسْجِدِ لِذَلِكَ أَوْ كَانَ لَهُ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بِأَحَدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي أَوْلَوِيَّةَ صَلَاتِهِ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْمَرْفُوعَ آخِرُ الْحَدِيثِ فَقَطْ لَكِنْ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّ تَفْرِيقَ ابْنِ عُمَرَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ فِي ذَلِكَ فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِ الِاتِّبَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ سِتًّا وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إنْ صَلَّيْت أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا فَحَسَنٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يُصَلِّي أَرْبَعًا وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ سِتًّا وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا فَحَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مَرْوِيَّةٌ عَنْ الصَّحَابَةِ قَوْلًا وَعَمَلًا وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ قَالَتْ طَائِفَةٌ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَالنَّخَعِيِّ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَرْبَعًا رَوَى عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ اسْتَحَبَّ أَنْ يُقَدِّمَ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُصَلِّي أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ رَوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلْقَمَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقَ انْتَهَى» اهـ. ٤ - يدل الحديث على أنَّه ليس للمغرب والعشاء راتبة قبلية.

стр. 1109

وقد روى البخاري (١١٨٣) عن عَبْدُ اللهِ الْمُزَنِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ». قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ». كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٥/ ١٨٩ - ١٩٠): «اختلف السلف في التنفل قبل المغرب، فأجازته طائفة، وكرهته طائفة، فممن روى عنه أنَّه كان يفعله: أُبي بن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وقال حميد، عن أنس: إذا أذن المؤذن يبتدرون السواري فيصلون. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت أصحاب محمد ﷺ يصلون عند كل تأذين. وكان الحسن، وابن سيرين يركعان قبل المغرب، وهو قول أحمد وإسحاق. والحجة لهم من حديث المزني قوله ﷺ : " لمن شاء ". وممن كان يصليها، قال إبراهيم النخعي: لم يصل الركعتين قبل المغرب أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، وقال إبراهيم: هما بدعة. قال: وكان خيار أصحاب رسول الله ﷺ بالكوفة علي، وابن مسعود، وحذيفة، وعمار، وأبو مسعود، فأخبرني من رمقهم كلهم، فما رأى أحدًا منهم يصلى قبل المغرب، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي» اهـ. قلت: وأمَّا ما رواه محمد بن نصر المروزي ﵀ كما في [مختصر قيام الليل] (٤٣)، وابن حبان في [صحيحه] (١٥٨٨) من طريق عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْمُزَنِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى قَبْلَ

стр. 1110

الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ». ثُمَّ قَالَ عِنْدَ الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ» خَافَ أَنْ يَحْسِبَهَا النَّاسُ سنة. قلت: ذكر صلاة النبي ﷺ للركعتين قبل المغرب شاذ لا يثبت. ٥ - وفيه أنَّ الراتبة بعد المغرب ركعتان. وتشرع الزيادة تنفلاً، ويدل عليه ما رواه أبو داود (١٣٢١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]، قَالَ: كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ». قلت: هذا أثر صحيح. وروى أبو داود (١٣٢٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، فِي قَوْلِهِ : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، قَالَ: «كَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ»، زَادَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى: وَكَذَلِكَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾. قلت: هذا أثر صحيح أيضاً. ٦ - وفيه أنَّ الراتبة بعد العشاء ركعتان. وجاء ما يدل على الأربع فمن ذلك: ما رواه المروزي كما في [مختصر قيام الليل] (ص: ٩٢): حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، ثنا أَبِي، ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

стр. 1111

«كُنْتُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعَتَمَةَ جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ». قلت: إسناده صحيح. لكن المراد بالأربع في حديث ابن عباس قيام الليل ويدل على ذلك ما رواه البخاري (١١٧) حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قَالَ نَامَ الْغُلَيِّمُ، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ». وما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٧٣)، والعقيلي في [الضعفاء] (٤/ ١٠١) من طريق حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا بَعْدَ الْعِشَاءِ كُنَّ كَقَدْرِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ». قلت: هذا أثر صحيح، وله حكم الرفع. وما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٧٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أَرْبَعٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ يَعْدِلْنَ بِمِثْلِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ». قلت: إسناده حسن.

стр. 1112

وما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٢٧٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا بَعْدَ الْعِشَاءِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ، عَدَلْنَ بِمِثْلِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ». قلت: عبد الجبار بن العباس كان أبو نعيم يرميه بالكذب، وكثير من العلماء حسنوا حديثه لكن لا تطمئن النفس لما ذكره في هذا الأثر من وصلهن بتسليم واحد. وهذه الآثار هل هي واردة في راتبة العشاء، أو في التطوع بعد العشاء الذي يكون من جملة قيام الليل؟ في ذلك نزاع بين العلماء. فهنالك من جعلها من جملة الرواتب. قال العلامة القاري الحنفي ﵀ في [عمدة القاري] (٧/ ٢٣٤): «وَفِي "الْمَبْسُوط": لَو صلى أَرْبعاً بعد الْعشَاء فَهُوَ أفضل، لحَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعاً وموقوفاً أَنَّه ﷺ قَالَ: "من صلى بعد الْعشَاء أَربع رَكْعَات كن كمثلهن من لَيْلَة الْقدر"» اهـ. وقال العلامة العيني الحنفي ﵀ في [البناية شرح الهداية] (٢/ ٥٠٧): «"وأربع بعدها" ش: أي أربع ركعات بعد صلاة العشاء م: "وإن شاء ركعتين" ش: أي وإن شاء يصلي ركعتين» اهـ. قلت: وهنالك من أهل العلم من جعل الأربع من جملة التطوعات مع السنن الرواتب. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٩٥ - ٩٦): «النَّوْعُ الثَّانِي: تَطَوُّعَاتٌ مَعَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ».

стр. 1113

إلى أن قال: «وَعَلَى أَرْبَعٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ». وقال العلامة المرداوي ﵀ في [تصحيح الفروع] (٢/ ٣٧١): «وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ غَيْرُ السُّنَنِ» اهـ. وقال ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ١٨٠) «السَّادِسَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرَ الرَّوَاتِبِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ، وَأَرْبَعًا بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: سِتًّا، وَقِيلَ: أَوْ أَكْثَرَ، وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ» اهـ. قلت: وكلام الحنابلة في ذلك كثير. والذي يظهر لي أنَّ هذه الأربع الركعات من التطوعات الزائدة على الرواتب وهي داخلة في جملة قيام الليل، ويدل على ذلك حديث ابن عباس الماضي. ٧ - استدل به على أنَّ فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل من المسجد بخلاف رواتب النهار وحكى ذلك عن مالك والثوري. قلت: وفي هذا نظر فقد صلى النبي ﷺ بعض الرواتب النهارية في بيته كسنة الظهر القبلية، وسنة الجمعة البعدية، وسنة الفجر. وقد روى البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً- قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَة». قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٤/ ١٧٠):

стр. 1114

«والذي اجتمع عليه العلماء أنَّه لا بأس بالتطوع في المسجد لمن شاء على أنَّ صلاة النافلة في البيوت أفضل إلَّا العشر ركعات المذكورة في حديث ابن عمر في هذا الباب، والاثنتي عشرة ركعة المذكورة في حديث أم حبيبة فإنَّها عند جماعة منهم سنة مسنونة ويسمونها صلاة السنة يرون صلاتها في المسجد دون سائر التطوع وما عداها من التطوع كلها فهو في البيت أفضل ولا بأس به في المسجد هذا كله قول جمهور العلماء» اهـ. وقال العلامة أحمد ولد الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٣/ ٢٨٣): «واتفق العلماء على أفضلية فعل النوافل المطلقة في البيت واختلفوا في الرواتب فقال الجمهور الأفضل فعلها في البيت أيضاً وسواء في ذلك راتبة الليل والنهار» اهـ. ٨ - يدل الحديث على أنَّ الأفضل أن يصلي راتبة المغرب في البيت وذهب محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى إلى أنَّ راتبة المغرب لا تجزئ إلَّا في البيت لما رواه أحمد (٢٣٦٧٨) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: «أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ فَصَلَّى بِهِمُ الْمَغْرِبَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "ارْكَعُوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ"». قلت: إسناده حسن من أجل ابن إسحاق. وفي المسند بعد هذا الحديث: «قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: قُلْتُ لأَبِي: إِنَّ رَجُلاً قَالَ: مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ تُجْزِهِ إِلَّا أَنْ يُصَلِّيَهُمَا فِي بَيْتِهِ لأَنَّ النَّبِيَّ

стр. 1115

ﷺ قَالَ: هَذِهِ مِنْ صَلَوَاتِ الْبُيُوتِ. قَالَ: مَنْ قَالَ هَذَا؟ قُلْتُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ: أَوْ مَا أَحْسَنَ مَا انْتَزَعَ» اهـ. قلت: الحديث أخرجه أيضاً ابن ماجه (١١٦٥) من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج قال. فذكره. وجعله من مسند رافع بن خديج. قلت: حديث محمد بن إبراهيم بن أبي عدي أصح وقد تابعه عبد الأعلى عند عبد الرزاق في [مصنفه] (٦٣٧٣)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٦٣٧٣)، وابن خزيمة في [صحيحه] (١٢٠٠) وإبراهيم بن سعد والد يعقوب وحديثه عند أحمد (٢٣٦٧٣). وللحديث شاهد من حديث كعب بن عجرة. رواه أبو داود (١٣٠٢)، والنسائي (١٥٩٩) من طريق أَبِي مُطَرِّفٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْوَزِيرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْفِطْرِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى مَسْجِدَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَصَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبِّحُونَ بَعْدَهَا، فَقَالَ: «هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوت». هذا لفظ أبي داود ولفظ النسائي: «عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ». قلت: هذا إسناد ضعيف إسحاق بن كعب مجهول جهالة حال. ٩ - وفيه حجة لمن ذهب إلى أنَّ للفرائض رواتب تستحب المواظبة عليها وهو قول الجمهور وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنَّه لا توقيت في ذلك حماية للفرائض لكن لا يمنع من تطوع بما شاء إذا أمن ذلك وذهب العراقيون من أصحابه إلى موافقة الجمهور. قاله الحافظ ابن حجر ﵀.

стр. 1116

تنبيه/ ليس للعصر راتبة. وما رواه أحمد (٥٩٨٠)، وأبو داود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا». فهو حديث معل لا يثبت، وبيان ذلك من وجوه: الوجه الأول: فيه مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ مِهْرَانَ. وقد اختلف فيه فوثقه ابن معين، وقال الدارقطني لا بأس به، وقال أبو حاتم يكتب حديثه. وقال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [الجرح والتعديل] (٨/ ٧٨): «سئل أبو زرعة عن محمد بن مسلم بن المثنى الذى يروى عن جده عن ابن عمر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : من صلى قبل العصر. فقال: هو واهي الحديث» اهـ. قلت: وهذا جرح شديد من هذا الإمام، وهو من الأئمة المعتدلين في الجرح والتعديل. وقال الحافظ ابن عدي ﵀ في [الكامل] (٧/ ٤٨٥): «ومحمد بْن مسلم بْن مهران هذا ليس له من الحديث إلَّا اليسير ومقدار ما له من الحديث لا يتبين صدقه من كذبه» اهـ. الوجه الثاني: أنَّ أبا دواد الطيالسي روى عنه أحاديث منكرة كما ذكر ذلك الحافظ عمرو بن علي الفلاس، وهذا الحديث من روايته عنه.

стр. 1117

وقال الحافظ ابن القطان ﵀ في [بيان الوهم والإيهام] (٤/ ١٩٣): «قَالَ عَمْرو بن عَليّ: روى عَنهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ أَحَادِيث مُنكرَة. وَلم يرضه يحيى الْقطَّان. وَهَذَا الحَدِيث - كَمَا ترى - هُوَ من رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنهُ، وَقد ذكره أَبُو أَحْمد فِي جملَة مَا أورد مِمَّا أنكر عَلَيْهِ» اهـ. الوجه الثالث: أنَّ هذا الحديث من جملة الأحاديث التي أنكرت عليه. وقد ذكره الحافظ ابن عدي ﵀ في [الكامل] (٧/ ٤٨٤) في جملة الأحاديث التي أنكرت عليه. وقال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (٢/ ٢١٥ - ٢١٦): «وسمعتُ أَبِي يَقُولُ: سألتُ أَبَا الْوَلِيدِ الطَّيالِسيَّ، عَنْ حديثِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ المُثَنَّى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قَالَ: "رَحِمَ اللَّه مَنْ صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعًا". فَقَالَ: دَعْ ذِي! فقلتُ: إنَّ أبا داود قَدْ رَوَاهُ. فَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: كَانَ ابنُ عُمَرَ يَقُولُ: "حفِظتُ عن النبيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعاتٍ فِي اليَومِ واللَّيلَةِ … "، فَلَوْ كَانَ هَذَا لَعَدَّهُ. قَالَ أَبِي: يَعْنِي: كَانَ يَقُولُ: حفِظتُ اثنَيْ عَشَرَ رَكْعَةً» اهـ. وهكذا ما رواه أبو داود (١٢٧٢)، والنسائي (٨٧٤) من طريق شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵇، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ».

стр. 1118

ورواه أحمد (٦٥٠)، والترمذي (٤٢٩) من طريق سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُؤْمِنِينَ». قال الحافظ الترمذي ﵀ (٢/ ٤٩٥): «وَرُوِي عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، "أَنَّهُ كَانَ يُضَعِّفُ هَذَا الحَدِيثَ"، وَإِنَّمَا ضَعَّفَهُ عِنْدَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ لَا يُرْوَى مِثْلُ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، وَعَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ» اهـ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١٢٤ - ١٢٦): «الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ الْمَكْتُوبَاتِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ أَوْ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ رَكْعَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ". وَرُوِيَتْ فِي السُّنَنِ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحِ سِوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ. وَأَمَّا قَبْلَ الْعَصْرِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ إلَّا وَفِيهِ ضَعْفٌ بَلْ خَطَأٌ

стр. 1119

كَحَدِيثِ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ سِتَّةَ عَشَرَ رَكْعَةً مِنْهَا قَبْلَ الْعَصْرِ وَهُوَ مَطْعُونٌ فِيهِ فَإِنَّ الَّذِينَ اعْتَنَوْا بِنَقْلِ تَطَوُّعَاتِهِ كَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ بَيَّنُوا مَا كَانَ يُصَلِّيهِ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَقَبْلَ الْعِشَاءِ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّيهَا لَكِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ يُصَلُّونَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَهُوَ يَرَاهُمْ فَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ" ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ" كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ حَسَنَةٌ وَلَيْسَتْ بِسُنَّةٍ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الْعَصْرِ كَمَا يُصَلِّي قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَحَسَنٌ وَأَمَّا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ كَانَ يُصَلِّيهَا النَّبِيُّ ﷺ كَمَا يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ فَهَذَا خَطَأٌ. وَالصَّلَاةُ مَعَ الْمَكْتُوبَةِ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ إحْدَاهَا سُنَّةُ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ فَهَاتَانِ أَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِمَا وَهُمَا سُنَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَلَمْ يَجْعَلْ مَالِكٌ سُنَّةً رَاتِبَةً غَيْرَهُمَا وَالثَّانِيَةُ مَا كَانَ يُصَلِّيهِ مَعَ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْحَضَرِ وَهُوَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَقَدْ أَثْبَتَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد مَعَ الْمَكْتُوبَاتِ سُنَّةً مُقَدَّرَةً بِخِلَافِ مَالِكٍ، وَالثَّالِثَةُ التَّطَوُّعُ الْجَائِزُ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَ سُنَّةً لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ وَلَا قَدَّرَ فِيهِ عَدَدًا وَالصَّلَاةُ قَبْلَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَقَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ صَلَاةُ الضُّحَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (١/ ٣٠١):

стр. 1120

«وَأَمَّا الْأَرْبَعُ قَبْلَ الْعَصْرِ، فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ﵇ فِي فِعْلِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَدِيثُ عاصم بن ضمرة عَنْ علي … الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ، أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي النَّهَارِ سِتَّ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا لِصَلَاةِ الظُّهْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَكَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَبَعْدَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. وَفِي لَفْظٍ: كَانَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا عِنْدَ الْعَصْرِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا عِنْدَ الظَّهْرِ، صَلَّى أَرْبَعًا، وَيُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا، وَيَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَدْفَعُهُ جِدًّا، وَيَقُولُ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ. وَيُذْكَرُ عَنْ أبي إسحاق الجوزجاني إِنْكَارُهُ» اهـ. قلت: وأمَّا ما رواه مسلم (٨٣٥) عن أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَتْ: «كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا». فليس المراد بهما راتبة العصر القبلية، وإنَّما سنة الظهر البعدية. قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٩٤):

стр. 1121

«هَذَا الْحَدِيث ظَاهِر فِي أَنَّ الْمُرَاد بِالسَّجْدَتَيْنِ رَكْعَتَانِ هُمَا سُنَّة الْعَصْر قَبْلهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَل عَلَى سُنَّة الظُّهْر كَمَا فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة لِيَتَّفِق الْحَدِيثَانِ، وَسُنَّة الظُّهْر تَصِحّ تَسْمِيَتهَا أَنَّهَا قَبْل الْعَصْر» اهـ. قلت: ويدل على ذلك ما رواه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤) عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ ﵃، أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا¬ السَّلَامَ مِنَّا جَمِيعًا، وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ، وَقُلْ لَهَا: إِنَّا أُخْبِرْنَا عَنْكِ أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَنْهَا، فَقَالَ كُرَيْبٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي، فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ: تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ، فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ». ١٠ - وفي الحديث تخفيف سنة الفجر. وقد روى البخاري (١١٦٥)، ومسلم (٧٢٤) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ:

стр. 1122

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَيُخَفِّفُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ». قال العلامة الطحاوي ﵀ كما في [مختصر اختلاف العلماء] (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤) اختصار الجصاص: «الْحسن بن زِيَاد عَنْ أبي حنيفَة رُبمَا قَرَأت فِي رَكْعَتي الْفجْر حزبي من الْقُرْآن قَالَ أَبُو جَعْفَر وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَاف فِيهِ عَنْ أبي حنيفَة وَلَا عَنْ أحد من أَصْحَابه وروى ابْن الْقَاسِم عَنْ مَالك أَنَّه قَالَ: أمَّا أَنا فَلَا أَزِيد على أم الْقُرْآن وَحدهَا لقَوْل عَائِشَة أَنْ النَّبِي ﷺ كَانَ يُخَفف رَكْعَتي الْفجْر حَتَّى أَقُول أَقرَأ فيهمَا بِأم الْقُرْآن أم لَا. وَذكر عَنهُ ابْن الْقَاسِم أَيْضاً أَنه يقْرَأ فِي كل رَكْعَة مِنْهَا بِأم الْقُرْآن وَسورَة من قصار الْمفصل. وَإِنْ قَرَأَ بِأم الْقُرْآن وَحدهَا فِي كل رَكْعَة أَجْزَأَ وَذكر عَنهُ ابْن وهب فِي رِوَايَة أَنَّه لَا يقْرَأ فيهمَا بِأم الْقُرْآن. وَقَالَ الثَّوْريّ: يُخَفف فَإِنْ فَاتَهُ شَيْء من اللَّيْل فَلَا بَأْس بِأَنْ يطول. وَقَالَ الشَّافِعِي يُخَفف. قَالَ أَبُو جَعْفَر وروى الْأَعْمَش عَنْ أبي سُفْيَان عَنْ جَابر عَنْ النَّبِي ﷺ أفضل الصَّلَاة طول الْقُنُوت» اهـ. وقال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ١٥٩ - ١٦٠):

стр. 1123

«واحتج لهم الطحاوى، فقال: لما كانت ركعتا الفجر من أشرف التطوع، لقوله ﷺ : "ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها". كان أولى أن يفعل فيها أشرف ما يفعل فى التطوع من إطالة القراءة فيهما، وهو عندنا أفضل من التقصير، لأنَّه من طول القنوت الذى فضله رسول الله ﷺ في التطوع على غيره» اهـ. وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٤/ ٤٦): «وَأَمَّا أَقَاوِيلُ الْفُقَهَاءِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَزِيدُ فِيهِمَا عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ. رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ: لَا يَقْرَأُ فِيهِمَا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُخَفِّفُ فِيهِمَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ سُورَةً قَصِيرَةً. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا مِثْلَهُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُخَفِّفُ فَإِنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ حِزْبِهِ بِاللَّيْلِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَهُ فِيهِمَا وَيَطُولُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رُبَّمَا قَرَأْتُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ حزبي مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِهِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: السُّنَّةُ تَشْهَدُ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ» اهـ.

стр. 1124

قلت: والقول ما قاله ابن عبد البر ﵀، وسيأتي ذكر ما يقرأ في سنة الفجر في شرح الحديث الآتي. ١١ - وفيه إطلاق السجدة على الركعة، وهذا مما يدل على ركنية السجود في الصلاة، وذلك أنَّ إطلاق الجزء على الكل دليل على ركنية ذلك الجزء. ١٢ - وفيه تبليغ أزواج النبي ﷺ لما يعلمنه من هدي رسول الله ﷺ في بيته، وهذا من امتثال قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. * * *

стр. 1125

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٦١ - عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ على شيءٍ منَ النَّوافِلِ تَعاهُدَاً منْهُ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ». وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «رَكْعَتا الفَجْرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا». وفي الحديث مسائل منها: ١ - شدة تعاهد النبي ﷺ لركعتي الفجر. ولشدة تعاهده لهما أنَّه كان يصليهما في السفر، بل لما نام في السفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس قضاها مع الفريضة. فروى مسلم (٦٨١) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا". فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ قَالَ فَنَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ. قَالَ: فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ. فَقَالَ: "مَنْ هَذَا". قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ. قَالَ: "مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي". قُلْتُ: مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ. قَالَ: "حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ". ثُمَّ قَالَ: "هَلْ تَرَانَا نَخْفَى عَلَى النَّاسِ". ثُمَّ قَالَ: "هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ". قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا
следующие страницы →